المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة : أيها المريد ( الحبيب علي الجفري )



محب الحبيب علي
06 Sep 2008, 10:30 AM
سوف نتابع وإياكم دروس " أيها المريد " للحبيب علي الجفري حفظه الله تعالى ... وهي من أنفس الدروس التي كلنا بحاجة إليها .

الدرس الأول - مفهوم الإرادة



” من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحورا

ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا “


تأملوا هنا يقول الله سبحانه وتعالى ” من كان يريد “، الكلام هنا عن الإرادة من كان يريد العاجلة، ثم يقول سبحانه وتعالى ” ومن أراد الآخرة ” مصيرنا جميعاً في هذا الوجود ارتبط إذاً بما نريد.. أحوالنا مآلنا سعادتنا أو الشقاوة الرضا أو الغضب الفلاح أو الخيبة كل هذا يتصل بما يريده الواحد منا في هذه الحياة .. جعل الله عزوجل مجرد إرادة الدنيا سبباً في حصول الخسران والعذاب والغضب (مجرد إرادة الدنيا) ثم جعل إرادة الآخرة مقرونة بالسعي الذي يترتب على هذه الإرادة ..


فما المقصود بالدنيا ؟ وما هو المقصود بكلمة الدنيا المذمومة هل هي الطعم الشراب اللباس هل هي المركب الذي يركبه أحدنا سيرة أو طيارة المنزل أو الأثاث المال الذي يحصله هل حصول هذه الأشياء يجعل أحدنا مريداً للدنيا فيكون بذلك متعرضاً للغضب ، الآخرة ما المقصود من إرادة الآخرة؟ هل المقصود أن لا يكون لنا نصيباً بالدنيا أو صلة قط؟
الدنيا هي (كل ما وجد على هذه الأرض من هذا العالم مما تتناوله يد الإنسان)


فما دام الأمر يتعلق بما يريده الإنسان مما يتعلق في حياته في هذه الأرض وهذا الأمر ناله ساداتنا الصحابة بما يتناسب مع ذواتهم ركبوا الدواب ولبسوا الثياب وأكلوا الطعام التابعون تابعوا التابعين أكابر الصالحين والصالحات من الأمة عاشوا هذه الحياة، فأين وجه الذنب؟
المقصود بالمذموم من إرادة الدنيا بالخطأ في إرادة الدنيا أمران الأول :تعلق القلب والأمر الثاني:انشغال الجسد بما تعلق به القلب ، الأمر الأول بمعنى أن يعيش الإنسان في هذه الحياة وليس له هدف إلا أن يتمتع فقط بهذه الدنيا أن يعيش لها ثم يترتب على ذلك وقته جهده فكره ماله الجسد موظف لهذا المقصد ،هنا تأتي الإشكالية ماذا يحتاج الإنسان من هذه الدنيا .


س: ما هو الأمر الذي يجل الإنسان يشغل وقته فكره جهده في هذه الحياة التي يعيشها؟


قالوا حقيقة ما يحتاجه الإنسان: طعام يقوى به بدنه على الحياة، لباس يستر عورته يكنه به من البرد، ومأوى يأوي إليه هو ومن معه؛ حقيقة ما يحتاجه كل إنسان في هذه الحياة - مسلم، كافر، كبير، صغير، رجل، امرأة، عاقل، مجنون- هو الثلاثة أشياء التي ذكرناها .


* أكبر مشاكل العصر اليوم انبنت على ماذا، أكبر الحروب التي أهرقت فيها الدماء اليوم في الأرض ما أصلها؟ ما مبناها إذا فتشنا ورجعنا إلى الوراء قليلاً؟ النزاعات الشديدة اليوم التي يعيشوها الناس، النزاعات بين الدول، بين الشعب الواحد في الدولة الواحدة، بين المجتمع أصحاب الحيّ الواحد، بين الأقارب والأرحام وقطيعة الرحم وما يترتب عليها، بين العاملين في المجال الواحد، تعالوا في البيت الواحد في الأسرة الواحدة، مشاكل الأزواج مشاكل الطلاق التي يتكلمون عنها اليوم مشاكل الأسر ضياع الأبناء، هذه الإشكالات الكبيرة، لو بدأنا بهدوء نتأمّلها، توافقوني أننا سنرجع في نهاية اليوم إلى أن الإشكالات الضخمة والكبيرة والعالمية والمحلية والاجتماعية و الاقتصادية والأسرية ومشكلة كل واحد منكم لو فكر سنجد أن المشاكل هذه ترجع إلى :


نفس الإنسان السعادة والشقاوة الفلاح والخيبة الرضا والغضب الحزن والفرح الراحة والطمأنينة أو ضدها الإنزعاج والبؤس مرجع ذلك كله إلى نفس الإنسان ولهذا لما أقسم الله بمظاهر الوجود الشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض جعل منتهى الأقسام كلها القسم بالإنسان ” ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها “ما جواب القسم هنا ” قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ” .


* فرق كبير بين الذي يأخذ اللقمة وهو يريد من هذه اللقمة أن يحافظ على أمانة الجسد الذي ائتمنه الله عزوجل عليه للحفاظ على هذه الأمانة .. تشهى تمتع لكن وأنت تتشهى تنوي عند أكلك لهذه اللقمة الطيبة التي ساقها الله لك أن تستخرج معنى الحمد من قلبك ، يذكرون أن الإمام علي رضي الله عنه وكرم وجهه لما سئل أتشرب الماء المبرد أم غير المبرد كان بعض المتزهدين في عصره يتجنبون شرب الماء غير المبرد قال علي بن أبى طالب بل أشرب غير المبرد قال لما يا أمير المؤمنين قال لأنه يستخرج الحمد من صميم القلب ..


المسألة ترجع للإرادة بين الذي يأكل طعاماً أو يلبس لباساً ونيته من هذا الحلال الذي أخذ به أن يستخرج معنى الشكر لله من قلبه أن يمتثل أمر الله بأنه حافظ على الأمانة ،هذا ماذا أراد من الطعام واللباس ما مراده هنا هو مريد؟ …..أراد الله أراد رضوانه، وشخص آخر نفس الطعام الذي أكله نفس اللباس نفس مستوى السكن الذي يسكن فيه الآخر لكن ما مراده من الطعام من اللباس من البيت أراد بذلك مجرد التمتع ليس له هدف آخر بل أن يعيش هذه الدنيا.
س: ما الخطورة ما الإشكال في أن الإنسان يريد أن يتمتع من هذه الحياة فقط؟


ليس الإشكال بأن يتمتع بل الإشكال أن يعيش يفرط في أمانة الهدف الذي خلق من أجله وأصبح ليس له هدف من هذه الحياة إلا أن يتمتع بالدنيا، ما الضرر … الضرر ما ذكرناه اليوم من الخراب الذي يعيشه العالم من إهدار لمقدرات الأرض التي نعيشها من تباغض من تحاسد من حرب مرجعه سببه أساسه أن الذين تناولوا الدنيا تناولوها فقط من أجل أنفسهم..


* النفس فيها مشكلة فيها عيب خطير أن الإنسان إذا تعامل مع متع النفس ومطالبها فقط لأنه يستجيب لما تريده النفس يقع في مشكلتين كبيرتين:


المشكلة الأولى أن مرادات النفس لا تنتهي هي تطلب شيء أعطيتها فقط لأنها طلبت امتثالاً لأمرها ما الذي يترتب على ذلك أن لن تكتفي طلبت شيء ثاني أعطيتها الثاني تطلب الشيء الثالث أعطيتها الثالث طلبت الرابع ثم تصل إلى مستوى تفقد فيه هي التمتع في الشيء الذي كانت تتلذذ به فتطلب شيء خارج عن إطار المعقول خارجاً عن إطار العادة ، فالمشكلة أنك مهما حاولت ترضيها لا ترضى مهما حاولت أن تمتعها تطلب المزيد..


المشكلة الثانية في النفس أنك كلما أرد أن ترضيها سعدت سعادة مؤقتة ثم بعد ذلك تضمحل هذه السعادة مباشرة تنتهي …تنتهي في الدنيا قبل الآخر يأتي وقت وتنتهي لأنها تعلقت في سعادة أخرى دائماً السعادة في النفس سراب لا منتهى لها لا تصل إلى حقيقة ، بينما الذي ينتقل من مراد الدنيا إلى مراد الآخرة مريداً لله عزوجل،فإذا تلذذ بالطعم هذا بالأكل الذي أكله قال الحمد لله الذي رزقني هذا الطعام شهد المنة لله فوصل أنسه وفرحه ومتعته بالله المتعة باقية عنده ما انتهت في حياته وبعد حياته في الآخرة ستبقى سيرى ثمرة الحمد عند وقوفه بين يدي الله انك حمدتني وشكرتني وذكرتني هذا ثوابك ،سيتمتع في الدنيا والآخرة . الأمر الثاني أنه سيكون مالكاً لزمام نفسه ولن يكون مملوكاً لنفسه تنبه لهذه المسألة الذي يعيش وهو يتناول متع الدنيا المباحة ولكن وهو مريد لله وليس للدنيا يعيش قوياً بالله مالكاً لنفسه وليس مملوكاً لها ، لو بدأت النفس تزيغ تطلب شيء ليس له لا يجوز أن يأخذه ليس من ملكه ليس من قدره ليس من استطاعته وبدأت تزين له طيب ممكن تسرق ممكن تغش تخدع يقول لا هذا لا يرضي الله أنا مريد الله أنا ما أخذت المسألة لمجرد متعة أنا أخذتها طلباً لرضوان الله وهذا لا يرضي الله إذاً لا أعطيك هذا يبدأ يقول لنفسه لا وإذا قال لنفسه لا خضعت هذه النفس تنازع في البداية .


اللهم يامن وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه وفقنا للخير وأعنا عليه بارك لنا في هده المجالس واجعلنا من خاصة أهلها اللهم إنك مطلع على القلوب ومطلع على نواياها نسألك اللهم أن لا يبقى حاضراً في هذا المجلس أو مستمع أو مشاهد له أو سامع عنه إلا وقد صححت نيته في الإقبال عليك اللهم صحح نوايا قلوبنا في هذه المجالس واجعلنا من الذين تنظر إليهم نظرة الرضا حتى لا يبقى في القلوب إقبال إلا عليك اللهم اجعل قلوبنا متصلة بك مقبلة عليك صادقة معك راغبة فيما عندك وبارك لنا في مجالسنا هذه وافتح لنا فتحاً فيما عندك يا أكرم من سئل وأجود من أعطى وما بخل اللهم اجعل مرادنا أنت اللهم اجعل إرادتنا لك ولوجهك الكريم اللهم اجعلنا من مريدي الآخرة ولا تجعلنا من مريدي الدنيا برحمتك ياأرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمد لله رب العلمين .

محب الحبيب علي
06 Sep 2008, 10:32 AM
الدرس الثاني - الباعث


الحمد لله الذي يبعث في القلوب همة الإقبال عليه و صلى الله على من دل على الله على وصف الكمال سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سلك على نهجه إلى يوم الدين ،كان حديثنا في المجلس الماضي عن مفهوم التعامل مع الإرادة مريد الآخرة ومريد الدنيا مريد الله ومريد نفسه وأهوائها، وكان الحديث عن مفهوم الدنيا المذمومة وأن الإشكال ليس في الأكل ولا الشرب ولا اللباس والسيارة والأكل والبيت ولكن الإشكال في نية الإنسان وتعلق قلبه كلما أرادت شيئاً ينبغي أن يكون كالعبد المسخر يسعى ويجري ويركض لها فبما تريد أم أن يعطيها ما يمتعها بطريقة تجعلها تعود إلى الله عزوجل ويكون بسبب هذا الأمر متمتعاً بمتعة تدوم في الدنيا والآخرة ثم مر معنا أنه من أراد أن يصل إلى الله يحتاج إلى شيء اسمه الباعث هو موضوع مجلسنا اليوم ..



الباعث مأخوذ من الانبعاث الدافع الذي يحرك في قلب المؤمن همة السير إلى الله ، ما الذي يجعل المطيع يطيع و الآخر يقصر؟ ما الذي يدفع الإنسان من تمتعه بالنوم والاسترخاء عندما يسمع المنادي يقول الصلاة خير من النوم فيستجيب لنصيحة الصلاة خير من النوم ويخرج من متعته ماالذي يبعثه على أن يفعل ذلك؟، ما الذي يجعل الإنسان في لحظة يسيل فيها لعابه لنيل صفقة من المال في تجارة ولايتوقف أويقول لا هذه مشبوهة هذه للآخرين فيها أكل أموال الناس بغير حق فيمسك ونفسه تشتهي أن تنالها؟ ما الباعث الذي بعثه على أن يترك ذلك؟ ما الذي يبعث الإنسان على أن يفكر في يومه وليلته كيف يتقرب إلى الله؟ ما الذي ينهض همة الإنسان ليجعل حياته كلها طلباً لله هذا الدافع الذي يحصل في قلب الإنسان وتكون بسببه معاني الهمة أن يصيح صاحب طاقة يستطع بها أن يقبل وأن يواجه نفسه يخالفها..


ما الذي يجعل الإنسان يستمر عندما يقبل موسم طاعة شهر رمضان أو موسم حج؟ إذا أقبل رمضان نلاحظ أن الناس في الليالي الأولى يملئون المساجد ثم بعد ذلك تبدأ الناس تضعف قليلاً ثم إذا جاءت المرغبات في العشر الأواخر قامت الناس بهمة أكبر، ما الدافع الذي يدفع الإنسان إلى الاستمرار في سيره إلى الله تعالى؟ هذا الذي يسمى الباعث، اليقظة الأولى الذي تحرك في الإنسان إرادة أن يكون مع الله، يقول العلماء أن هذا الباعث هو جند من جنود الله الباطنة أي شيء يقذفه الله عزوجل في قلب الإنسان فينتهض بهمة عالية فجأة ..
.
السير إلى الله إرادة القرب من الله أولها بطاقة دعوة من رب العالمين دعوة من الله إلى العبد ليقبل عليه، فإن كانت الدعوة ” الباعث” من الله إذاً، لماذا نتحدث عن طلب حصول الباعث؟
لأن الله عز وجل جعل أسباباً لحصول هذا الباعث في قلب الإنسان: حالة ترغيب أو في حالة ترهيب أو في حالة تشويق، ومن الممكن أن يأتي الباعث من دون سبب لإنسان في منتهى الغفلة وما تسبب في شيء من الأسباب لا حاول ولا طرق الباب ولا رغب أن ينبعث في قلبه معنى الإقبال.. ونظر الله إليه نظرة أحيا فيه الهمة وأقبل على الله هذه تحصل أن يقبل الإنسان لحظة من اللحظات ينظر الله إليه فينتهض في قلبه الباعث.
هل من الممكن أن ننام عن الأسباب إلى أن يهدينا الله؟

فلان مالك لا تصلي!! إن شاء الله يهديني وأصلي.. فلان مالك تذهب إلى الشغل تبيع تشتري!! قال من أجل الرزق.. أوليس الذي يهدي هو الذي يرزق؟؟!! أليس من الممكن أن أقول عندما يرزقني الله سيأتي المال، لماذا أذهب وأتسبب لحصول الرزق؟ لماذا تذهب إلى المدرسة تريد الشهادة وبعد ذلك تتوظف وتبحث عن الواسطة وأحياناً بطريقة صحيحة وأحياناً بخاطئة؟ لماذا تحرص على أن تأتي بالمواعيد المضبوطة؟ وتنجز العمل بطريقة صحيحة؟
قال هذه أسباب لحصول الرزق، الله الرزاق لكن الله أمرنا بأخذ الأسباب إعقلها وتوكل.. أيضاً الهداية لها أسباب، الذي يقول الرزاق هو الله ولن آخذ بالأسباب أبداً ماذا يقولون عليه؟ متواكل مغفل غبي عاجز إنسان سلبي، كذلك الذي يترك العمل للحصول على الرزق تواكلاً لا توكلاً يقال عليه هذا الأمر.


والذي يترك العمل للحصول على الهداية ما خبره، فلان مالك أقبل على الله!! ما هداني الله عزوجل، فلان تعال الحج جاء موعده!! ما هداني الله عزوجل، فلان ما جاء الوقت تترك الحرام غش سرقة!! لا لا إن شاء الله ادعوا لنا الله، نعم الدعاء من الأسباب لكن هناك أسباب اخرى نحن محتاجون للتسبب لحصول هذا الباعث تعرفون لماذا ؟ لأن المشكلة كبيرة إذا مرت الأيام والليالي وما حصل الباعث في قلبك إذا جاءت ساعة الموت وما انبعث في قلبك معنى الوصول إلى الله ضاع العمر انتهى.


من الممكن مسلم تمر عليه السنوات الطويلة وما يحصل في قلبه الباعث!! نعم من الممكن، ما قرع الباب ما وقف على باب الله عزوجل.. إذاً نحن محتاجون إلى التسبب لحصول الباعث أنت محتاج إلى أن يقذف في قلبك الباعث وأنتِ محتاجة.
لذا نسأل كيف نتحصل على هذا الباعث؟

قال العلماء أن نفس الإنسان البشرية تتأثر لتنفعل وتقبل إما بسبب الخوف “ترهيب” وإما بسبب الطمع “ترغيب” وإما بسبب ثالث الحب “تشويق“، إذا تذكرت أن هناك إنذار بالطرد من العمل إذا أهملت، ما الذي يحدث هنا تقوم بنشاط، انبعثت همة من داخلك.. ما سبب هذه الهمة التي انبعثت؟ خوف حصل في داخلك لهذا نجد في القرآن الكريم وبعضنا يسأل لماذا يجد في القرآن آيات كثيرة في ذكر جهنم النار العذاب فيها ذكر الغضب لماذا جاء في السنة أحاديث عن عذاب القبر ما الحاجة إلى ذلك ؟ الحاجة إلى ذلك أني أنا وانت نحتاج كبشر، نعم أحياناً بعض الوعاظ إذا أكثر من ذكر النار الترهيب دون الترغيب يحصل صد في النفوس لكن في الحقيقة النفوس بحاجة إلى الترهيب..


نحن بحاجة إلى أن نخاف عندما تتذكر أنك ستموت هذه حقيقة نسيتها تذكرتها ستموت ستموت وبعد الموت ستقبر ستقف بين يدي الله تحاسب سيذكرك في أيام حياتك يوماً يوماً .. موقفاً موقفاً … لحظة لحظة عندما تتذكر أنك ستمر على الصراط غما أن تجتازه إلى الجنة أو تهوي إلى النار يحصل إنتباه أم لا يحصل عندما تتذكر هذه المعاني وأنت مصدق أنها مقبلة يحصل عند القلب يقظة وهمة في الإقبال على الله هذه الهمة هي الباعث الذي نتكلم عنه حصل هنا بالتخويف.


وفي المقابل هل هناك شيء يستحق فيه أعظم من أن تطمع نفسك فيما عند الله عزوجل عندما تقرأ ما أعده الله من نعيم لأهل الإقبال عليه، ما أكرم الله به أهل الجنة من قصور وأنهار وملك وقصور ونعيم مقيم عندما تعلم أن أفقر أهل الجنة يملك مقدار الدنيا بعشر مرات ألا يحرك هذا في قلبك معنى!! إذاً أنت بحاجة إلى الترغيب.


والثالثة الحب: عندما تتفكر وتقرأ في كتاب الله عزوجل ” ورضوان من الله أكبر ” عندما تقرأ كلامه سبحانه وتعالى ” قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ” وتتأمل كيف في لحظة مخاطبته للمسرفين على أنفسهم لم يتبرأ منهم نسبهم إليه قال “ياعبادي” ماهذا الكرم!؟ كيف يعاملنا هذا الرب “قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم - انتبهوا سيأتيكم العذاب- لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ” عندما تمر على حديث من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وعلى آله يخبرك أن ربك جل جلاله ينادي في كل ليلة من آخر الليل هل من مستغفر هل من تائب هل من ذي حاجة عندما تعرف أن الله يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل عندما تتفكر فقط في أحوالك مع الله كم مرة أذنبت لو فضحني أمام الناس لن يسلم علي أحد كم مرة سترني كم مرة أنقذني في هذه المواقف هذه المعاني تبعث وتحرك في قلبك معاني الشوق إلى هذا الرب الكريم الذي يعامل بهذا الإحسان ، عندما تقرأ أنه في الكتب الكريمة جاء أن البحر يستأذن الله عزوجل صبيحة كل يوم أن يغرق الناس العصاة والسماء تستأذن الحق عزوجل أن تطبق عليهم والأرض تستأذن أن تنشق وتبتلعهم سيقول الله عزوجل للسماء والأرض والبحار والمحيطات إنكم لم تخلقوهم ولو خلقتموهم ما قلتم هذا، تعرف نظرة الأم إلى الابن عندما يخطئ أو يسيء ويأتي الناس يعاتبوها ابنك عمل كذا لماذا لا تعملي معه كذا ابنك، قد تغضب عليه قد تتضايق لكن لو رأت العالم كله أصبح يذم ابنها يتحرك معنى الحب تقول دعوني وابني أنا أتصرف مع ابني، ولله المثل الأعلى.
.
لما نظر الصحابة رضي الله عنهم في المعسكر إلى امرأة فقدت ابنها وأخذت تبحث عنه ورأوا الطفل وهو يقبل بعد أيام والأم تبحث عن الطفل والطفل يبحث عن الأم فجاء الطفل الصغير يكاد يتعثر في مشيته لما رأى أمه ركض إليها ولما نظرت الأم إليه ركضت إليه فلما التقيا وتعانقا والأم تبكي والطفل يبكي لم يبق أحد من ساداتنا الصحابة إلا وبكى فنظر النبي إليهم وقال: “ما الذي أبكاكم” قالوا حنانة هذه الأم على ولدها قال: ” أترونها ملقية ولدها في النار ” قالوا: لا يا رسول الله قال: ” الله أرحم بهذه الأم من ولدها ” عندما نستشعر هذا الإستباق من الله بهذه المعاملة الراقية ألا نحب هذا الرب ألا نشتاق إليه ، ثمرة الشوق إلى الله يبعث الواحد على أن يتساءل أين أنا من صلتي بالله.


كانوا يسألون عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه - أحد الذين ازدان بهم هذا الجامع الأموي الكبير في دمشق- الخليفة الراشد سأله كيف وصلت إلى ما وصلت إليه قال: كانت لي نفس ذواقة تواقة -نفسي تتذوق ما يمر شيء عليها وتواقا إذا تاقت شيء اشتاقت إلى شيء أعلى- قال: فتاقت إلى الدنيا إلى الطعام إلى الشراب اللباس فحصلت على ذلك ثم تاقت إلى الولاية فنلت إمارة المدينة وتمتعت في ذلك ثم تاقت إلى ما هو أعلى فنالت الخلافة فلما ذاقت الخلافة تاقت إلى ما هو أكبر -أيوجد هناك شيء أكبر من هذا في الأرض حكم أكبر دولة في العالم- قال: فلم أجد شيئاً من أمور الدنيا أعلى مما وصلت إليه فاشتقت إلى ما هو أعلى فلم أجد إلا الآخرة هي الأعلى قرب الله عزوجل، الباعث الذي سيبعثنا على السير إلى الله سيتحصل بأحد هذه الثلاثة أشياء إما الخوف أو الشوق أو الطمع ، خفت من غضبه وعقابه التجأت جاءتك همة إلى الصلاة طمعت بما سيعطيك من عطاء جاءتك الهمة للإقبال اشتقت إليه أحببته جاءتك الهمة للإقبال أو مجالسة الصالحين..
ما معنى مجالسة الصالحين الصالحين؟ والنظر إليهم؟

ومجالستهم تحرك في القلب الرغبة في ما أعطاهم الله من الخير ، كان بعض الصالحين يقول: إني إذا نظرت إلى محمد بن واسع تجددت الهمة في الطاعة شهراً كاملاً، قال: لماذا؟ قال: لأنه نظر إلى إنسان تحقق بثمار الطاعة، مجالسة الصالحين لأن الصالحين جالسوا صالحين قبلهم صالحين جالسوا صالحين وتسلسلت هذه المجالسة إلى أصلح الصالحين وهذا عِز خص الله به أمتنا مسألة التسلسل في النظر والمجالسة النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول :” يوشك أن يبطئ الفتح عليكم فيسأل أفي الجيش من رأى رسول الله فيستفتح بهم فيفتح الله تعالى لهم ثم ياتي زمان يقال أفي الجيش من رأى رسول الله فيقال لا فيقال أفي الجيش من رأى من رأى رسول الله فيقال نعم فيستفتح فيفتح لهم ” حديث صحيح، هذا المعنى ان المجالسة لأهل الصلاح يحصل بسببها سريان النور من قلوب الصالحين إلى قلوبنا، توجه إلى الله حتى نخرج من هذا المجلس نفكر كيف يحصل الباعث نقرأ في سير الصالحين سنجالس الصالحين سنقرأ في كتاب الله سنستمع إلى المواعظ إلى الخطب التي ستحرك في قلوبنا الهمة، ويحصل الباعث.
ما الذي يترتب على حصول الباعث؟

أمامك ثلاث مهمات مع الباعث، المهمة الأولى: الحفاظ على هذا الباعث جاءتك هدية من الله انظر إلى نظرة تعظيم لهذه المنة قلنا قبل قليل ممكن يصل الإنسان إلى الستين وما تحرك في قلبه هذا الباعث أنت في العشرين أنتِ في الثلاثين في الأربعين في الخمسين في الستين دون العشرين الآن انبعث في قلبك همة الإقبال على الله حافظ عليه وقوّه حتى لا يذهب ، كيف أحافظ عليه؟ قالوا: المحافظة عليه بالإعراض عن مجالسة السيئين.. وبالإعراض عن وسوسة الشياطين، وسيأتي في المجالس المقبلة حديث كامل حولها، واختر من تجالس بعد أن بعث في قلبك الإقبال على الله لتحافظ على الباعث.


الباعث موجود لكن ضعيف هذه المهمة الثانية: تقوية الباعث، والباعث يقوى بثلاث أشياء أولاً الذكر يكون لك نصيب من الذكر وسيأتي إن شاء الله في المجالس المقبلة حديث عن أدب الذكر، ثانيا: الفكر فيما عند الله تمر عليك أوقات فكر فيها أنا بعد الموت ماذا سينتظرني عند الله عزوجل؟ كيف سأقبل على الله؟ ثالثا: نكرر مرة أخرى المجالسة للصالحين، نعم مجالس الذكر ومجالسة الصالحين، حتى التقوية؟ نعم، حتى تقوية الباعث تحصل بمجالسة الصالحين، بقيت مسألة واحدة وهي المهمة الثالثة: الاستجابة للباعث، نحن تكلمنا عن الحفاظ على الباعث وذلك بأمران (الإعراض عن صحبة السوء، والإعراض عن وسوسة الشياطين) وتكلمنا عن تقوية الباعث وذلك بثلاثة أمور( الذكر والفكر ومجالسة الصالحين) والآن كيف أستجيب للباعث؟ ( بالمبادرة إلى طلب الأعمال الصالحة).
.
حصلت في قلبك الليلة همة أنك ستقبل على الله، قل من الليلة لن تفوتني صلاة الفجر، سأنام عن وتر، استجب مباشرة، لماذا مباشرة الاستجابة؟ قالوا: لأن الشيطان يخاف إذا وجد الباعث حصل في قلب المؤمن- السائر إلى الله، مريد القرب من الله- فيبدأ يدخل عليه من باب التسويف؛ لالا أنت غداً ستذهب للمجموعة الفلانية، وعندك في الجامعة مشكلة كذا، وأصحابك وعدتهم كذا، لنخلص المشروع الفلاني وبعدها خلاص صافي يالبن.. نتعامل مع الله بالإخلاص، قل: لا تضمن أن تعيش إلى ذلك الوقت؟ الآن بادر، تقول: أنا لا يزال عندي ضعف لو عزمت ربما لا أنفذ بالكامل!؟ نفذ بالناقص لا تنفذ بالكامل..
رحم الله ربيع بن سليمان كان يقول: “سيروا إلى الله عرجاً ومكاسير ولا تنتظروا الصحة فإن انتظار الصحة بطالة” ما معنى سر إلى الله أعرج؟ أي بدأت تصلي لكن لا تزال صلاتك ليس فيها حضور، بدأت تقرأ القرآن لكن قراءتك مكسّرة لابأس واصل واحرص على أن تبحث عمن يعلمك القراءة، بدأت ترتب حياتك على أساس الوجهة إلى الله لكن أحياناً تغلب عليك نفسك، واصل سر إلى الله عز وجل ولا تتأخر، لا تنتظر أن تأتي الفرصة لتقبل على الله؛ حصلت في قلبك رغبة في الإقبال على الله أقبل على الله مباشرةً.
المطلوب في هذا المجلس

أن نخرج وإياكم من ساعتنا هذه بابتهال وتوجه إلى الله أن يبعث في قلوبنا هذا الباعث، فإذا شعرت بعد هذا المجلس أن الباعث أن الهمة للسير إلى الله بدأت تتحرك في قلبك، احرص على أن تشهد منة الله؛ أعطيتني هذا الباعث وأنا لا أستحق، لو عاملتني بذنوبي لما بعثت في قلبي هذه الهمة لما حرّكتني . عزمت على أن أقوي هذا الباعث، سأجعل لنفسي ورداً من الذكر؛ (سبحان الله وبحمده) مئة مرة من هذه الليلة نواظب عليها ، في الحديث في صحيح البخاري “من قال مئة مرة كل يوم سبحان الله وبحمده، غفر الله ذنوبه ولو كانت كمثل زبد البحر“، إذاً نذكر، نتفكر فيما يقوي عندنا هذا الباعث، نجالس الصالحين، نحرص على الإعراض عن مجالس السوء، نعرض عن وسوسة الشياطين، نتوجه إلى الله عز وجل.


ويكون الحديث إن شاء الله عز وجل في المجلس القادم عن أول خطوة بعد أن يحصل في قلوبنا هذا الباعث، تتذكرون هذه الخطوة تحدثنا عنها في المجلس الماضي ، وهي التوبة؛ تصحيح التوبة، ننظف الصفحة حتى نعامل الله بطهارة، وهو حديث المجلس القادم لكن بعد أن تتحرك في قلوبنا همة الإقبال على الله، رزقنا الله وإياكم همة الإقبال عليه، والحمد لله رب العالمين.

محب الحبيب علي
06 Sep 2008, 10:33 AM
الدرس الثالث - تصحيح التوبة


في هذا المجلس .. نعمل على وضع أول قدم في طريق السير إلى الله عزّ وجل بعد حصول الرغبة في قلبوبنا وحصول همّة السير إلى الله تعالى في بواطننا، وأول قدم تقبل على الله تعالى هي قدم تصحيح التوبة إلى الله ..

معاني التوبة

التوبة .. مأخوذة من الرجوع والأوبة .. وهي في حقيقتها تحتوي على ثلاثة معانٍ إذا اجتمعت حصلت التوبة… (علم – حال – فعل)
المعنى الأول: علم ..

وهو علم بأني عبد واني سأقف بين يدي الله يوم القيامة، وآني أعيش حياة قصيرة تختم بالموت ثم أحاسَب على ما كان مني في هذه الحياة القصيرة.
وعبد يعلم أن هذه الحياة القصيرة منتهاها إلى ساعة يقف فيها وحده بين يدي ملك الملوك يخاطبه وحده بغير ترجمان ولا واسطة ويوقفه بين يديه .. ويقول له: “عبدي .. أتذكر يوم كذا، ساعة كذا، يوم غلقت على نفسك الأبواب واستترت من أعين خلقي، واستحييت من نظرهم إليك، وواجهتني بما لا يرضيني من العمل، أين كان نظري منك؟.. عبدي .. لم جعلتني أهون الناظرين إليك..؟، عبدي .. أستحييت من خلقي ولم تستحيي مني..؟”


عندما يوقفني بين يديه ويقول لي .. “عبدي.. أوجدتك من العدم، وأفضت عليك النعم .. أكرمتك بـ(لا إله إلا الله) نشأت عليها تدهدهك عليها أمك وترضعك عليها .. وتفتقت مداركك عليها .. ثم نشأت وقمت متقوياً مستقوياً بما أعطيتك من نعم .. وبما أودعتك من خيرات .. واشترأت على مخالفتي .. كيف واجهت نعمي؟ .. هل وظفتها فيما يرضيني عنك؟.. هل طلبت قربي في هذه الأيام التي أبحتها لك؟..”
هذا موقف .. لا يوجد مؤمن منا إلا وهو يعتقد أنه وارد عليه .. كما أن هذا العلم أيضاً يتضمن أن كل كلمة نطقنا بها مكتوبة.. كل نظرة نظرنا إليها مضبوطة.. كل إنصاتة كل حركة كل سكنة .. كلها قد ضبطت، والبعض عندما ينصت إلى هذا الكلام يضيق صدره بمفهوم الملاحقة أو المتابعة أو الحساب أو الكتاب عليه…


اسمع .. لو نظرت إليه من زاوية أخرى.. هو معنى من معاني الاكرام من الله لك وإعظام الله لك واجلال الله لك، أما رأيت أهل الدنيا إذا بلغ بينهم بعض الناس منزلة رفيعة تهافت الناس عليهم، هذا الصحفي يكتب كل كلمة يقولها.. والآخر يصور كل حركة يقوم بها .. وغاية ما يهتمون به ساعة أو ساعتين ثم ينفض كل واحد إلى مكانه.
أنت مهم عند الله جل جلاله .. ومن علو منزلتك ومن ثقل مكانتك عند الله .. وكـّـلَ ملكين كريمين نورانيين لا يعصون الله ما أمرهم به {ويفعلون مايأمرون.. وظيفة هذين الملكين منذ بلوغك وحتى وفاتك أن يكتبوا كل كلمة تنطق بها .. وأنت تمزح وأنت جاد وأنت غاضب وأنت راضي وأنت حزين وأنت فرح {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيد} ق18، فأنت صاحب منزلة عند الله عز وجل، إن علمت ان كل أفعالك مضبوطة ومحسوبة وأنها ستعرض بين يديك أمام الله عز وجل، وأن هذه الصحف ستنشر، وإذا أضيف إليه علم آخر .. أن ما بعد العرض على الله تعالى انصراف إلى دار رضوان أو دار سخط .. إلى جنة أو إلى نار، من تحصلت لديه هذه المعلومات .. وعلم أن الفرصة تنتهي وصول روحه إلى الغرغرة، والمشكلة الأكبر أنه لا موعد محدد لوصول الروح إلى الغرغرة .. لا تستطيع أن تعد لها استراتيجية أو خطة خمسية .. لا يوجد هذا الكلام .. لا تدري في أي لحظة سيأتي ملك الموت الذي لا يفرق بين الكبير والصغير والصحيح والمريض .. فهو أمر في علم الله عز وجل تـُفاجأ به .. قد ينزل بساحتك .. وعند إذٍ يـُعلن أن الفرصة قد انتهت.


من علم أن هذا حاله .. وأن هذا وضعه .. ألا يحصل في قلبه نتيجة لهذا العلم .. حال من الندم .. وحال من الشعور بالحياء .. بالخزي .. بالخجل من رب العزة جل جلاله؟ .. كنت في الأمس أعصيه وكان ينظر إليّ .. كان يراني … سأقف بين يديه وسيسألني.
جاء أحد الصالحين من أهل الحبشة على أحد أهل الله من السلف .. وقال له “يا شيخ أو يغفر الله لي فاحشة ارتكبتها؟” فقال له .. نعم.. إن تبت وصدقت.


فشكر الله وظهرت آثار الفرح على أسارير وجهه .. ثم مشى خطوات ثم رجع وقد تغير وجهه .. فقال له ذلك العالم من السلف .. مالذي حصل؟ فقال .. أوكان يراني عندما كنت أعصيه؟ فأجابه .. نعم. … فصرخ صرخة خرّ ميتاً من ساعته.


أتعرفون ماذا جرى لهذا الرجل ؟ .. في بداية الأمر كان مشغول في قضية هل سأدخل الجنة أم سأدخل النار؟ ولا يوجد مؤمن يستهين بقضية الجنة والنار .. ولكن لما سكن روعه من قضية الجنة والنار .. وان الله سيغفر له إن تاب .. استيقض في داخله معنى أعمق وأعلى وأرقى وأكبر وأدق .. وهو معنى المعاملة مع الله .. معنى أنه كان ينظر إلي وأنا أفعل كذا وكذا ..
أيضاً .. معنى آخر .. سترني وكان بالإمكان وهو قادر أن يفضحني على رؤوس الأشهاد ومع ذلك سترني .. ومسألة خرى ..واستمر يواصلني بنعمه .. هو لا زال يكرمني ويعطيني وأنا لا زلت أعصيه؟ اسمع .. ويجعل الناس تحسن الظن به ..
هذا يجعل الشعور بالندم على التقصير والتفريط وعلى الاجتراء على الله .. هذا الاحساس الذي يكون في القلب .. المعبر عنه بالندم .. هو الحال
المعنى الثاني .. حال ..

وهو الندم على ما قدمت، كان بعض السلف يمسك بلحيته ويقول (واسوءتاه .. وإن عفوت) هذا الندم يورث في الانسان قرار .. أن أتوقف عن المخالفة .. أن لا أعود إليها أبداً .. أن لا أعصي الله بعد ذلك أبداً ..
المعنى الثالث: فعل ..

وهو الإقلاع عن المعاصي والعزم على عدم العودة، إذا حصل هذا الندم وقـَبله العلم وأثمر العلم والندم قرار بالاقلاع عن المعصية ةأن لا أعود لها أبداً .. صار هذا الشي اسمه (توبة).
وإن كان الخطأ أو المعصية لها صلة بحقوق تتعلق بالناس .. أخذت مال فلان أو آذيت فلان أو سببت فلان … فهناك معنى رابع يضاف وهو..
المعنى الرابع .. رد الحقوق إلى أهلها ..

إذا أكلت أموال الناس فعليك أن تردها إليهم .. لم يعد لديك ما ترده .. عليك أن تطلب العفو منهم .. ما سامحوك … هذه مشكلة .. عليك أن ترجع إلى أمر الله .. أما أن يستتعفيهم الحق سبحانه وتعالى إن رأى منك الصدق، يوم القيامة وأنت قد وفيت بعهدك بالتوبة .. يكرمك الله سبحانه وتعالى بأن يرضي من أسأت في حقه وأكلت ماله وعجزت عن رد الحق إليه .. بأن يعطيه الله شيء مقابل المسامحة .. أما الحق فلا يسقط ..


دوواين الذنوب

ديوان يغفر .. وهي جميع المعاصي والذنوب .. التي بين العبد وربه، إن حصل الندم الصادق الحقيقي الذي أثمره العلم، وحصل الإقلاع والعزم على عدم العودة.. غفر الله المعاصي والذنوب.
ديوان لا يغفر .. وهو الشرك الأكبر والعياذ بالله .. غير أن الأمة لا يوجد فيها شرك أكبر، جاء في الحديث الصحيح في البخاري .. “إني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي ولكن أخاف أن تفتح عليكم الدنيا ..”, والشرك الأكبر هو اعتقاد بوجود إله مع الله عز وجل وهذا لا يوجد عند المسلمين. ولكن من يوجد عنده الشرك الأكبر لا يغفر له .. {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ}.
ديوان لا يترك .. وهو حقوق الناس ..الحقوق المتعلقة بالخلق .. وهي التي ينبغي على السالك إلى الله ان يكون جاداً وصادقا مع نفسه لأدائها.
الذنوب : الكبائر والصغائر

قال العلماء هي أربعة . وبعض الصحابة قال هي 7 .. وبعض الصحابة قال هي أحد عشر .. وابن عباس قال “يرحم الله ابن عمر جعل الكبائر سبعة وهي إلى السبعين أقرب” .. والذي عليه جمهور علماء أهل السنة والجماعة أن: كل ما وجب فيه حد هو كبيرة، وأن: كلما نص القرآن على تحريمه هو من الكبائر، وأن: الموبقات من الكبائر..
ولكن انتبه إلى معنى آخر .. وهو حال القلب مع المعصية بعد المعصية… قال العلماء .. الإصرار على المعصية كبيرة .. ومعنى آخر .. الاستهانة بالمعصية كبيرة .. وإن صغرت المعصية.
- المباح .. كان من الصالحين من يستغفر الله من المباحات .. لانه يرى أن حاله مع الله هو طلب إرتقاء في سائر الأحوال .. فإذا عمل مباحاً دون أن ينوي في عمله هذا طلب القرب من الله تعالى .. استغفر الله من عمله
- الطاعات .. كان بعض الصالحين يتوب ألى الله من بعض الطاعات .. يتوب من معنى قد يرد على قلبه عند الطاعة .. ولم يشعر بفضل الله عليه أنه وفقه لتلك الطاعة ..
- أرقى من كل ذلك .. رابعة العدوية رحمها الله .. كانت تقول: أن استغفارنا يحتاج إلى استغفار .. هذه هي التوبة .. تبدأ من هذه الليلة .. ولا منتهى لها .. كلما ارتقيت بالقرب من الله معنى .. تطلب التوبة من المعنى الذي قبله؟ قال أحدهم لرابعة العدوية .. ادعي لي أن أتوب إلى الله ليتوب علي .. قالت بل أدعو لك أن يتوب عليك الله لتتوب ..
ننصرف من هذا المجلس


قم بعد المجلس صلي ركعتين سنة التوبة، أضف إلى وردك : (100) أستغفر الله وأتوب إليه. .. أو (100) رب اغفر لي وارحمني وتب عليّ ..
والثمرة … كل ليلة وأنت على هذا الحال .. ستنال رتبة يسميها العلماء: رتبة المحبوبية، {إن الله يحب التوابين}، وإذا أقبلت على الله .. وحصلت منك هفوة وعصيت .. ارجع الى الله .. الثانية .. ارجع الى الله .. الثالثة .. ارجع الى الله … العاشرة .. ارجع الى الله … هل لك غيره؟ وهل عندك ملجأ سواه ..؟
حتى ننصرف من هذا المجلس بسر العودة إلى الله سبحانه وتعالى وحقيقة التوبة ، وبالله التوفيق ..

محب الحبيب علي
06 Sep 2008, 08:36 PM
الدرس الرابع - طهارة الباطن والظاهر


الحمد لله حبيب التوابين ومجيب السائلين، المتقرب إلى عباده مع غناه، ومع اعراضهم عنه واقبالهم عليه، الذي هو أقرب إليهم من حبل الوريد، وصلى الله وسلم على إمام أهل الاقبال على الله، وأشرف دال على الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سلك على نهجه وهديه إلى يوم الدين.
لعلكَِ قد أقبلت على الله عز وجل بعد المجلس الذي مضى وصليت ركعتين تبت فيها إلى الله، ولعل القلب قد استشعر حقيقة الندم وهو حال التوبة ولب التوبة .. التوبة الندم .. الندم التوبة.
ولعلك قد قررت أن تبدأ حياة مع الله عز وجل، الجد في السير إليه، وعظيم الشوق إلى قربه هو أعظم ما يميزه .. ومن أقبل على التوبة جد في طلبها، فيكون حاله بعد التوبة يختلف عن حاله قبلها !!
فما حال قلب قد أقبل على الله .. ونزل في ساحة فضله وطلب نظره .. وما أخبار القلوب التي رجعت من ساحات الفضل لترتقي في معارج الفضل..؟

علامات صدق التوبة

سأل سهل التستري الإمام الجنيد: أحقا علامة صدق التوبة أن لا تنسى ذنبك.؟ فقال له الجنيد: بل علامة صدق التوبة أن تنسى ذنبك .. فقال: كيف.؟ قال: “ذكر الجفاء في ساعة الصفاء من الجفاء“.
- المعنى: أن الصادق في توبته الراجعة إلى الله يمر عليه زمان وألم الندم يعتصر قلبه .. وخوفه من ساعة الوقوف بين يدي الله مع ما كان منه من ذنوب شغله الشاغل .. ولكنه إذا صدق في الاقبال على توبته هذه وبدأ يشق طريقه في السير إلى الله .. فإن ما يواجه قلبه من عطاء الله عز وجل .. من صفو تقريب الله سبحانه وتعالى.. من حلاوة الذكر .. من لذة الطاعة .. يذهب عنه مرارة المعصية وأثرها .. فأحوالنا بعد أن صلينا لله تعالى ركعتين تبنا فيها إلى الله .. بقي ان نقبل الآن على قلوبنا … صفحة وطويت..
سُئلَ الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: “هل قبول التوبة لازم عند حصول التوبة؟ فأجاب: “لا شيء يوجب على الحق إلا ما أوجبه على نفسه .. ولكن اقتضى فضل الله سبحانه وتعالى لا يـُقبل عليه طالب التوبة إلا ويقبله الله ويغفر له ويقبل عليه جل جلاله وتعالت عظمته” .. مهما كان الأمر..؟ مهما كان الأمر.
ولهذا كانو يقولون: إن من الذنوب كبائر وصغائر، ولكن الذنب الذي هو أكبر من الكبائر ومن الذنوب .. أن يعظم ذنب في قلبك عن مغفرة الله عز وجل، الذنوب مصيبة ولا استهانة بها .. ولكن المصيبة الأكبر أن يخطر في قلبك أن ذنب أكبر من مغفرة الله ومن فضل الله … أقبل عليه واصدق معه وانظر كيف يقابلك جل جلاله.
يا من صلى لله وتاب وأقبل .. هلم الآن إلى الخطوة الأولى في ميدان التوبة بعد الإقبال عليها، البعض يتساءل؟؟!!الباعث (http://www.almoreed.com/archives/episode2/) كنت تقول الخطوة الأولى .. ثم التوبة الخطوة الأولى .. الآن بقيت خطوة أولى..؟
السير إلى الله كله خطوة أولى .. والخطو الثانية الانتقال إلى دار رضوانه سبحانه وتعالى .. ولكن تفاصيل هذه الخطوة ما نتكلم فيه بمجالسنا .. الخطوة التي نقبل عليها الآن بعد تصحيح التوبة (http://www.almoreed.com/archives/episodes3/) والرجوع إلى الله، أن نقبل على القلب .. نحن الآن في المجلس الرابع وانت تقول الخطوة الأولى .. أيام
طهار الباطن - القلب

لم نبدأ من القلب بعد التوبة ؟ لنستشعر طرفا من أهمية شأنه، فتأمل قسم النبي صلى الله عليه وسلم .. جاء في الصحيح: أنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا اجتهد في يمينه واذا اراد ان يقسم يميناً شديدا كبيرا عظيماً يقول ” لا ومقلب القلوب والابصار“، فجعل أعظم ما يقسم به صلى الله عليه وآله وسلم أحوال القلوب مع تجلي الله تعالى عليها، أعظم ما يقسم به تكليف الله للقلوب، لم..؟ لأن الله اختار منك موضعاً واحداً لكي يكون محل نظره وهو قلبك. وفي الحديث الصحيح ” إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم“.
فيك مكان او موضع اختاره الله تعالى ليكون محل نظره .. كل منا .. وليس هذا بحرام ولا بخطأ .. يحب أن يزين موضع نظر الناس إليه .. يعلم أن الناس ينظرون إلى وجهه فيغسل وجهه إذا استفاق من النوم يحسن وجهه، يحسن ثوبه يتأكد من نظافته، يتأكد من رائحته، لأنها محل اعتناء الخلق ومحل نظرهم .. لِـمَ؟ لأن للخلق منزلة في قلوبهم .. لا بأس .. وسيأتي الحديث في هذه المجالس عن هذا الموضوع .. كيف نتخلص من حب المنزلة في قلوب الخلق.. ولكن .. كيف نحسن من مكان نظر الله تعالى ..؟ وهو القلب..؟
القلب في علم السلوك

اذا تكلم عن القلب في علم السلوك إلى الله فليس المقصود به العضلة التي تضخ الدم، والنفس ليس المقصود بها موقع الشهوة والغضب، والروح ليس المقصود بها هنا بموقع الحب … بل (قلب ونفس وعقل وروح)..
القلب في علم السير الى الله المقصود به: اللطيفة الرحمانية التي ميزك الله بها عن بقية الخلائق .. ما الميزة التي ميزك بها عن الحيوان .. النطق؟ كل حيوان ينطق لكن بلغتهن وكما انك لا تفهم لغة الحيوانات الأخرى فهي أيضاً لا تفهم لغتك. نعم ممكن بالتدريب أيضا متبادلة بين الانسان والحيوان. الميزة التي تميزك عن بقية المخلوقات هي ما أودع فيك من سر الأمانة (إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السَّمَاوَاتِ والأرض وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) ، سر الأمانة هو المقصود هنا بالقلب .. أي موضع القرار فيك.
المعاني التي يحويها القلب

1. الإدراك: أي نتاج ما يرسله المخ من اشارات، ونتاج للذاكرة، ونتاج للتجربة، ونتاج ما تتفاعل به مع ما حولك، ربط الاشياء ببعضها فيصبح ادراكه متبصرا، ينتج منها قرار وهي الإرادة..
2.الإرادة: وهي البصيرة في القلب نتيجة الإداراك في القلب، ومقصود المريد السائر إلى الله والذي يريد الآخرة أن يرتقي بيها (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبصار وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) .
ثم يأتي الحديث القدسي الصحيح في البخاري وغيره: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي التقربون بمثل أداء ما افترضته عليهم، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل بعد أداء الفرائض حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر ويده التي يبطش بها ولسانه الذي ينطق به، ورجله التي يمشي بها .. ولإن سألني لأعطينه وإن استعاذ بي لأعيذنه) (لسانه) .. ليس في البخاري في رواية أخرى ..
قال الله تعالى في الحديث القدسي .. كنت سمعه وبصره .. إذن هذا يسمع ويبصر بالله سبحانه وتعالى .. ما عظمة إدراك هذا القلب؟ .. هذا الذي نتحدث عنه في هذا المجلس..
والقلب ليرتقي في ميدان الادراك وبالتالي يرتقي بالقرار “الإرادة”، يحتاج إلى جد وعمل، العمل هو السلوك ،هو السير إلى الله عز وجل.
الطريق إلى ترقي القلب

أول أمر يحتاج إليه القلب أن تغلق منافذ الظلمة عن القلب .. المنافذ التي تقذّر وتوسّخ القلب، ومثاله: عندما تكون هناك حجرة ووفيها نوافذ مفتوحة وهناك عاصفة رملية، ما الذي يحصل للحجرة؟ تمتلئ بالغبار. جئت بمكنسة كهربائية والنوافذ مفتوحة والعاصفة تهب، حتى لو أحضرت المكنسة الكهربائية .. حتى لو جئت بمكنستين وثلاث وعشرة .. والكل يشتغل على التنظيف والنوافذ مفتوحة.. هل ستتنظف هذه الحجرة..؟ لا تتنظف .. لأن المنافذ التي يدخل منها الغبار والوسخ من خلالها مفتوجة .. قلبك هكذا.
القلب له أمراض، ومن أمراض القلب الخطيرة: الحسد والرياء الكبر والعجب وحب المنزلة بين الناس .. هذه أمراض عافانا الله وإياكم منها .. سيأتي الحديث عن التعامل معها إن شاء الله عز وجل في المجالس المقبلة .. هذه عملنا في هذه المجالس.
لكن قبل أن نبدأ بقضية الكنس والتنظيف للحجرة .. ينبغي أن نبدأ أولاً باحكام النوافذ، المنافذ التي تدخل على القلب من خلالها الظلمات.. نوعين: منافذ حسية (محسوسة) ومنافذ معنوية (لا ترى ولا تحس).
طهارة الظاهر - منافذ القلب

المنافذ الحسية (البصر، السمع، النطق) أي (العين والاذن والفم) .. هذه منافذ مفتوحة على القلب، كيف تكون منافذ مفتوحة؟ أي: ما تنظر إليه تنطبع بسببه صورته في قلبك .. تماما، تلتقط الصورة وتحفظ في ذاكرة القلب .. إذا نظرت إلى شيء ظلماني انطبعت صورة ظلمانية في قلبك .. نظرت إلى شيء نوراني انطبعت صور نورانية في قلبك .. نظرت إلى شيء لا ظلماني ولا نوراني كشجرة أو حديقة أوبيت أو نهر يسير… نقول بأي زاوية نظرت؟ نظرت من زاوية التفكر بعظمة من خلقها، هذه نافذة نورانية ونور يدخل الى قلبك .. نظرت نظرة غفلة مجرد نظرة ربما اشغلتك عن القيام إلى الصلاة او عمل بر أو معروف ، صارت ظلمة
هذه تحمل المعنيين .. الحال الذي تنظر به .. العين تؤثر على القلب .. (النظرة سهم مسموم من سهام ابليس المرجوم).. قال الله تعالى: “من تركها من مخافتي ابدلته بها حلاوة يجدها في قلبه” .
معنى هذا الكلام .. أن النظر يؤثر على القلب .. هذه أول نافذة .. تحتاج إلى ماذا؟ تمشي مغمض.؟ لا .. تحتاج إلى فلتر .. تمر على أي حالة القلب هو الذي يقود النظر ، والناس في هذا المراتب نوعان :
1. نوع المنافذ هي التي تقود القلب: كل شيء ينظر إليه .. حرام حلال يجوز لا يجوز .. ينظر إليه .. وبالتالي قلبه صار تبعا لنظره،
2. والنوع القلب يقود المنافذ: النظر تبع للقلب .. إذا أراد أن ينظر .. فما المقصود من النظر؟ قلبه هو الذي يملي عليه ماذا ينظر وكيف ينظر وإلى ما لا ينظر.
أنواع النظر المذموم

الأول: يتعلق بالشهوات: نظر الرجل الى عورة المرأة ونظر المرأة الى عورة الرجل هذا حرام، في الطريق في التلفاز في الانترنت .. خلاص .. للسالك إلى الله قرار لن أنظر بعد هذا اليوم إلى هذا المنظر .
الثاني: النظر إلى الدنيا بعين التعظيم : ليس من الخطأ أن تنظر إلى منظر خلقه الله فيه جمال بعين الاجلال .. هذا صنع الله وخلق الله .. لكن الاشكال لما تنظر إلى شيء تجعل التعظيم لذاتها .. فيصبح انبهار تجعلك تعقد أمالك على هذا الشيء ويكون أجل ما تبحث عنه .. هذا انبهار افتتان.. وقد نهينا أن ننظر إلى الدنيا بعين التعظيم.. حرام ان ننظر إلى الدنيا بعين التعظيم. خذها وتعامل معها .. فليس من الخطأ أن تنظر إليها على وجهه، لكن لا يكون في قلبك تعظيماً له، ان تنظر اليه بعين التعظيم معنى هذا انك ستسخر قلبك وجهدك ومبادئك ووقتك وكل ما تريد له.. فيصبح هو مقصودك.
الثالث: النظر إلى احد الخلق من البشر بعين الاحتقار: تنظر إلى شخص فتحتقره.. لماذا تحتقره؟ أقل منك في المالعلم أكثر منهم، مسكين!! .. العلم هذا أما حجة لك أو حجة عليك .. سيسألك الله عز وجل .. ويل للجاهل حيث لم يعبد الله مرة وويل للعالم حيث عصى الله ألف مرة، لماذا ترى لنفسك فضلا عليه ..؟ بجاه أو نسب؟ .. أبو لهب أعلى نسباً منك ولم ينفعه، نحب آل البيت ونقدرهم ولكن النسب وحده لا يكفي إذا انفصل عن الدين. بماذا ترى لنفسك فضلاً على غيرك من الناس..؟ بالطاعة انتبه أيها المريد، لا تنظر إلى مذنب أو عاصي بعين الانتقاص هذه نظرة خطيرة محرمة يظلم بسببها القلب.. ..؟ استحِ .. استحِ .. أنت سالك ومريد لله، تريد تقترب من الله وتنظر إلى الناس بعين الاحتقار لأن لديك مالاً أكثر منهم..؟ المال هذا حلاله حساب حرامه عقاب. أو رأيت عندك
* حكمة : التقى عابد بني اسرائيل، رجل عبد الله ما عصاه قط لسنوات طويلة.. وفاسق بني اسرائيل (لم يطع الله قط) .. هذا جاء من جهة والاخر جاء من جهة، لما التقيا أعرض كل واحد منهما عن الاخر.. لكن على أي أساس؟ العابد أعرض استكبارا على العاصي وقال في نفسه (لن يغفر الله لفلان أبداً) رأى نفسه أفضل منه، بماذا؟ بعبادته؟ العبادة إن صَحّت تورث التواضع والانكسار. هذا تكبر بعبادته .. والعاصي أعرض ولكن على أي نية ؟؟ حياءً من الله عز وجل .. لما أعرض عن العابد . قال في نفسه (من أنا حتى أقابل هذا الصالح العابد وأنا الفاسق) .. كان هذا العابد من عباد بني اسرائيل من الكرامات التي نالها من حسن عبادته أن سحابة تظله إذا مشى .. فلما أعرض تكبرا عن الفاسق ونظر إليه نظرة استكبار وأعرض الفاسق حياءا عندما افترقا .. تركت السحابة العابد وتبعت الفاسق، ما السبب ؟ أنه نظر نظرة احتقار ..
فلا يجوز لك ان تحتقر أحداً.. احتقر المعصية لكن لا تحتقر العاصي .. احتقر الكفر لكن لا تحتقر الكافر .. لأن الذات التي تحتقر بالكفر هي الذات الكافرة، من هي الذات الكافرة؟ التي تموت على الكفر .. لكن مادام يزال على قيد الحياة هذا لا يحتقر لانك لا تدري على اي حال سيموت .. لهذا لا يجوز لك ان تحتقر أحد من المخلوقين ..
ننصرف من هذا المجلس

بأن نغلق على القلب أنواع النظر المذمومة الثلاثة، ونستعيض عنها بنظر يصب الى القلب بالتنوير .. النظر الى ما اباح الله لنا النظر إليه بعين التفكر.. الى الوالدين والعلماء إلى اخواننا في الله بعين المحبة .. والنظر الى العاصي بعين الشفقة والى الطائع بعين الاجلال .. النظر الى صفحة المصحف .. هذا انواع من النظر يستنير القلب بها ..

من الآن أيها المريد لديك ضابط من المراقبة لله حتى تحافظ على عينك ..عينك غالية، تعرف لماذا هي غالية؟ لان الله خلقها لتنظر الى وجهه الكريم .. يا من جعل الله فيك عضوا خلق للنظر الى وجهه الكريم فصن هذا العضو .. فإن وجه الله كريم أكرم من أن يباح لعين رضي صاحبها أن تتقذر أو أن تقذر قلبه … لكن اغسلها الليلة بدمعة من خشية الله .. واجعلها تحفظ هذا المنفذ كي يتنور القلب .. لتقبل عليه وهو راضٍ عنك .
اللهم يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلوبنا على دينك .. ألهمنا ما انت له أهل من الفضل والاحسان .. اللهم طهر قلوبنا من كل ما لا يليق من الادب معك .. اللهم احفظ ابصارنا عن النظر الى ما لا يرضيك .. احفظها عن النظر الى الحرام .. احفظها من النظر الى الدنيا بعين التعظيم .. احفظها من النظر الى احد من خلقك بعين الاستعلاء وعين الاحتقار .. اللهم اجعل نظرنا في الدنيا في طاعتك حتى نكرم بالنظر الى وجهك الكريم .. وحتى نكرم برؤي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .. حتى نكرم ان ننظر الى أهل الصدق والمحبوبية لديك اخوان على سرر متقابلين .. اللهم احفظ قلوبنا بما حفظت به قلوب الصديقين .. واجعلنا من السالكين على طريقهم يا كريم .. برحمتك يا أرحم الراحمين .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين .. الفاتحة.

محب الحبيب علي
07 Sep 2008, 08:27 PM
الدرس الخامس - طهارة الظاهر والخواطر


تكلمنا عن حفظ قلوبنا لأنها محل النظر إلى ربنا ولأنها الأساس في السير الى الله، وتكلمنا في المجلس الماضي عن حفظ القلب مما يمكن أن يطرأ عليه مما يسوؤه، مما يشوشه، مما يدنسه كي نسعى بعد إحكام حفظ القلب إلى تنظيفه مما علق به بعد ذلك لتهيئته لتلقي أنوار الله عزوجل.
مر معنا في المجلس الماضي أننا سنحفظ أبصارنا على أساس أن الجوارح السمع والبصر والنطق العين والأذن منافذ حسية مفتوحة على القلب، لا يتأتى للقلب أن يتطهر إلا إذا ضبطت، مع أننا سنذكرأيضا مدخلا آخر وهو الجانب المعنوي الذي يؤثر على القلب.
اتفقنا في المجلس الماضي أنك لن تنظر الى ماحرم الله النظر اليه، فما حالك من المجلس الماضي الى هذا المجلس؟

تتمة المنافذ الحسية

منفذ الأذن ومنفذ الفم، الأذن والفم يشتركان مع بعضهما فيما يتعلق بما تقول وبما تسمع، ما هو حرام أن تقوله حرام أن تسمعه، الكذب يدنس القلب، حرام أن تنطق بالكذب لاينبغي أن تكذب لا ينبغي أيضا أن تنصت للكذب لاتقبل الكذب، الغيبة تعرف الغيبة؟ ذكرك أخاك بما يكره صادقا، صادقا؟ ! نعم أن تذكره بشيء لايحب أن يذكر به وأنت صادق في هذا الذكر.
أما الكذب فهذا بهتان أصعب من الغيبة، الغيبة كأنك تأكل لحم أخيك ميتا كما جاء في القران الكريم لايتأتى للمؤمن أن يرضى من نفسه ذلك، إذا لا أنطق الغيبة وإذا لا أصت إلى الغيبة.. كل سماع عن الغيبة تكون به شريكا للمغتاب أنت جزء من هذه الغيبة يدخل بسببها ظلمه الى القلب، ظلمة الغيبة (شخص تكلم على آخر) تورث القلب البغضاء الاحتقار سوء الظن بالناس..
ما النميمة؟ نقل الكلام بقصد الافتتان فلان قال عليك كذا وكذا يريد أن يحدث بينك وبينه.
كان جدي رحمه الله تعالى إذا جاء أحد إليه وهو في أرض بادية وقال فلان قال: عليك كذا وكذا، يقول للذي قال له: ماتستحي على نفسك تسبني أمامي؟ ! يقول: ماهو أنا ! فلان قال! يقول: أنا ماسمعت فلان أنت الذي قلت الان.
النميمة لا نقبلها لا من الناقل ولا نقبل أن ننقلها، إذا نحفظ السمع من أن يدخل إلى القلب ظلمة النميمة لماذا؟ لأن ظلمة النميمة تورث في القلب الحقد الكراهية تلوث القلب.
تعرف ما القصة؟ القصة أن قلبك عزيز وعظيم عند الله كبير، لايرضى الله لك ان يكون قلبك مزبلة! يلقي اليها الخلق أوساخ حديثهم، أو تلقي إليه الدنيا أوساخ الناس صن أذنك أن تستمع إلى فحش القول إلى الغيبة أو إلى النميمة.
اللقمة التي نأكلها، منفذ للقلب !!

أيها المريد الراغب في السير الى الله لاترضى لنفسك أن تأكل لقمة حراما، لأن هناك تأثير مباشر بين ما تأكل و بين أحوال قلبك .. من أكل الحلال أطاعت جوارحه وإن أبى، ومن أكل الحرام عصت جوارحه وإن أبى، عندما يقبل المريد السالك الى الله على نفسه أن يأكل الحرام، أن يأكل الربا أضعافا مضاعفة ويبحث عن فتوى هنا وهنا حتى تتيح له الربا، يقبل أن يـأكل الرشوة “لعن الله الراشي والمرتشي والرائش” هذا مال حرام، رضي أن يأكل المال المختلس المسروق، رضي أن يأكل المال المأخوذ بظلم، تعرف أنك لا تستحق هذه الترقية والذي يستحقها زميلك لكنك غالطت المسؤول لتنسب الترقية إليك وبالتالي تترقى، فالمال الذي ستناله من هذه الترقية حرام والمال الحرام يظلم بسببه القلب، لا ترضى أن تاكل إلا المال الحلال، كل ما شئت فمثلما تأكل تعمل.
السائر الى الله عزوجل يحرص على الورع في اللقمة التي يأكلها، يبحث عن حل الطعام الذي يأكله، وقد كان الناس أيام الصدق مع الله يبحثون عن الحلال في الاكل والملبس والمسكن..
استفت قلبك.. وإن أفتوك !!

مالذي يجعل أحدنا يقبل أن يأكل حراما أو ان يلبس ثيابا جاءت من حرام، أو أن يدخل في أثاث أو بناء شيد من حرام أو أن يركب سيارة أخذ مالها من حرام، أتدرون مالسبب؟
السبب له صلة بالقلب .. طمع حب التوسع، لا ترضى أن يدخل الى جوفك وجوف زوجتك وجوف أولادك حرام، وهنا يأتي قول .. استفتِ قلبك وإن أفتوك (عكس المقصود، ما عكس المقصود؟ ) سأل المفتي قال له: هذا حرام لايجوز لك أخذه، ما ألقى بال للفتوى هذه، فلان يفتي بإتقان أكثر متوسع، هذا فلان أنفع من فلان فلنذهب إليه هذا شيخ يقول يجوز (انا قلبي كان مطمئن استفت قلبك وان افتوك) ليس هذا محله، أتعرف محل استفت قلبك وان أفتوك؟لماذا؟
لأن القضية ليست قضية المنجز الحسي فحسب، عقول المسلمين اليوم أصبحت مادية، أحيانا في السير إلى الله السالك يفكر بطريقة مادية واحد اثنين ثلاثة أربعة.. ماذا أنجزت لديني صارعندي من خلال هذا الترتيب مائة الف استطعت أن أنفق بها على الفقراء، هذا الترتيب كان من طريقة ترضي الله أو لا ترضي الله، إن كان من طريقة لا ترضي الله الأولى أن لا تطعم بها المساكين والفقراء، وأن لا تأخذها وألا تسلكها، لا تأتِ بالحرام لتطعم به الفقراء، الفقراء لهم رب يطعمهم سبحانه وتعالى، إنما رزقك إلى السعي لإطعام الفقراء لترتقي أنت، ليس لأنه سبحانه وتعالى عاجز عن إطعام الفقراء حاشاه جل جلاله إنما حثك على إطعام الفقراء لترتقي أنت، ولا يتأتى أن ترتقي بشيء حرمه الله تعالى عليك لهذا احفظ مرآة قلبك احفظ هذا المنفذ من قلبك. الورع يعني حتى لو وجدت من يفتيك بالحل استفت قلبك بعد ذلك، فإن وجدت في قلبك استثقالا وخوفا من أن يكون الأمر مشوبا بالحرام أو مشوبا بالشبهه هنا تأتي متابعة القلب، تأتي متابعة القلب في الإحجام وليس في الإقدام على مطامع النفس وما تريد، إذا للحفاظ على قلبك انت بحاجة الى ضبط هذا المنفذ، منفذ اللقمة التي تأكلها، لهذا جائت الاحاديث جاءت الأخبار تحث على تحري الحلال تخبرنا أن الذي يبيت وهو كال من عمل يده يبيت مغفورا له، أخبرنا بأن العبد اذا خرج متوجها إلى طلب الحلال يؤجر على العرق الذي يسيل منه، أخبرنا أنه في حال خروجه في طلب الحلال يعد من المجاهدين في سبيل الله تعالى، أخبرنا بأنه في حال تحريه لطلب الحلال وتركه للحرام ارتقى إلى مراتب الصديقين و لهذا جاء في الأثر ترك درهم من شبهة أحب الى الله من انفاق مائة ألف درهم في سبيل الله،
فإذا سدت المنافذ التي يمكن أن تشوش على القلب من المحسوسات في اليوم والليلة، بقي نوع آخر من المنافذ وهو الذي نحتاج أن نركز عليه، لأنه الذي يؤثر على العين في نظرها وعلى الأذن في سماعها وعلى اللسان..
الخواطر – المنافذ الغير محسوسة

هو منفذ غير محسوس ليس بمادي سماه العلماء علماء السير إلى الله (القوم) الخواطر: أي ما يخطر على قلبك، كل طاعة يحبها الله في الوجود تبتدأ بخاطرة، خطر في قلبك فعل الطاعه ففعلت الطاعة، كل معصية تغضب الله عزوجل في الوجود تبتدأ بخاطر، الكبائر الكفر الفسوق العصيان تدمير الناس الأذى، كل هذه الظلمات التي تحيط بكثير من الناس ابتدأت بماذا؟ خواطر خطرت في القلوب فاستجابوا لهذه الخواطر، هذه الخواطر هي منافذ من الباطن ترد على قلبك من داخله لها أربعة مصادر…
مصادر الخواطر

المصدر الأول: النفس.. ويسمى هذا المصدر الهوى، خاطر النفس يسمى هوى النفس، كنت صائما صيام فريضة ورأيت ماءا باردا في وقت الصيف، نفسك ماذا تريد؟ تريد تشرب هذا الخاطر من أين أتى؟ أتى من النفس، من حاجة النفس، من مشتهى النفس.. رأيت انسانا استفزك فأردت أن تبطش به جاءك خاطر تبطش به من أين جاء هذا الخاطر؟ من النفس من رغبة النفس من انفعال النفس.
المصدر الثاني: الشيطان.. وفي الحديث الشريف: ” الشيطان يلتقم قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس عنده، وإذا نسي الله التقم قلبه” ويسمى هذا المصدر الوسواس (من شر الوسواس الخناس).
المصدر الثالث: المَلك: جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه السيوطي عنه صلى الله عليه وسلم: “إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق؛ وأما لمة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق؛ فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله تعالى، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان” ومن هنا سمى العلماء لمة الشيطان وسوسة، ولمة الملك لمة الملك ..
- ماقضية لمة الملك؟ لمة الملك مثل الرجل الناصح، الصديق الذي ينصحك.نصيحتي لك اعمل كذا وكذا، هذه لمة الملك.
المصدر الرابع: الخاطر: الذي يأتي من الله مباشرة يقذفه الله في القلب. هي كلها من الله في منتهى الامر ابتلاءا أو عطاءً امتحانا أو تفضلا، لكن هناك خواطر يقذفها الله تعالى عزو جل من عليائه في قلب العبد المؤمن مباشرة تسمى: الإلهام (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) مايأتي من الله عزوجل إلهام.
* الخواطر كثيرة جدا التي تخطر على قلب السائر بل على قلب كل إنسان في الارض، إذا حاولت أن تضبط مايخطر في القلب من خواطر في دقيقة واحدة انظر كم خاطرة ستخطر في قلبك، مثلا: جاء في قلبك أنك الآن عطشان إذا اذهب اشرب، أتى خاطر آخر: لكنني مستعجل عندي موعد فلان سأقابله، وخاطر آخر: ماحفظت الترتيب الفلاني كل هذه في ثواني تتوارد عليك كميات من الخواطر، حتى قال بعض علماء التربية: أن الإنسان يرد على قلبه في اليوم والليله أكثر من سبعين ألف خاطر، ومهمتك في السير إلى الله للحفاظ على قلبك أن تقبل على خواطر الخير وتنصت اليها وتستجيب لها، وتعرض عن خواطر الشر وتكرهها، لأنها تعينك على الإدراك، كما ذكرنا لكم في الحديث عن الباعث (http://www.almoreed.com/archives/episode2/)
الخواطر التي تأتي من قبيل الخير توسع مدركات القلب للخير وبالتالي يريد القلب الخير، والخواطر التي تأتي بالشر إن لم تكفها عن قلبك، إن لم تعالجها، إن لم تحرص على ضبطها، إن لم تحفظ قلبك منها، إن لم تصن قلبك منها هجمت على القلب وحركت فيه إرادة الشر.
نظرة تأمل

اليوم كنت اتأمل في هذا المعنى معنى أثر الخواطر على القلب، خطر في بالي تذكر أحوالنا اليوم، في زماننا تصبح من الصباح عندك الدراسة وعندك الشغل تخرج مشغول بزحمة الطريق ترتيب الاجتماعات ترتيب المحاضرات والدروس، عندك صفقة عندك ترتيب لأمر معين أو تقديم لوظيفة، حتى يأتي وقت الليل أنت متعب أوعندك إجازة تحتاج أن ترتاح قليلا وتغير جو، الحياة أصبحت تسير بوتر سريع تأخذ الناس من حيث لايشعرون، ويصبح الإنسان ويمسي ولا يشعر بأنه أصبح أو أمسى بحيث لا يعرف يضبط نفسه ولا يومه ولا ليلته.
اليوم لما تنظر الى بعض شبابنا وهم يركضون ولايدرون إلى أين يذهبون!! مثلا: في الطريق لديه سماعات يمشي ويسمع بها، من أغنية لأغنية مشغول، متى يفكر؟ متى يجلس يتأمل متى ينظر الى المرحلة المقبله في حياته؟!
لا أدخل في قضية فتوى حرام يسمع قصيده او اغنيه حرام، الكلام ليس عن مبدأ الاستماع الكلام أن يتحول الإنسان إلى طاحونة الحياة بهذه الطريقة، طوال وقته من ترتيب إلى ترتيب من شغل إلى شغل، هنا الإشكال.. من الممكن أن تستمع إلى نغمة جميلة بصوت جميل لكلمات راقية تقربني إلى الله أو على الأقل تعينني على الترتيب لا إشكال، لكن أن تصبح حياتي قائمه على هذا النظام، فالأمر مختلف في هذه الحال، دخلنا في قضية أخرى حتى وإن لم يكن الغناء المختلف فيه حتى ولو الإنشاد، حتى ولو قضية أن أعيش وقتي كله وأنا منشغل من شاغل إلى شاغل بحيث لا أجد وقتا أتفكر فيه الخواطر التي تخطر على قلبي، هل لها ميزان أو ليس لها ميزان هذه هي القضية.
ماهي القضية؟ أن أتحول من حياة أعيش فيها (سامحوني في هذه الكلمة) سبهلله يعني الواقع يحصرني يحركني إلى حياة أخرى لا .. ارجع قليلا الى الوراء وانظر الى الواقع المحيط بي الذي يهمك في هذه الحياة، مادمت سائرا إلى الله لا أرضى أن أطحن في طاحونة هذه الحياة، أؤدي واجبي على أحسن مايكون، إن كنت طالبا أكون من المتفوقين، لكن لأن لي هدفا من هذا التفوق: التقرب الى الله.
إن كنت تاجرا من أحسن التجار لأن لي هدف التقرب إلى الله، إن كنت صانعا إن كنت موظفا أعيش ضمن الحياة التي فيها الناس لكن بقلب مع الله، ومعنى قلب مع الله اي أزيل الخواطرالتي تخطر على قلبي، لهذا نحن بحاجة الى اتخاذ قرار من هذا المجلس: لن تمر خواطر على قلبي في اليوم والليله هكذا من دون تهديف، لأنك لو رضيت أن يكون قلبك ساحة لأشكال و ألوان الخواطر خيرا أو شرا كانت على أي وجه فلن تضبط تصرفاتك ابدا.
س: البعض يشتكي يقول: أنا أحضر مثل هذه المجالس تبكي عيني تدمع يرق قلبي أرغب إلى الله وأقرر أني بعد هذا المجلس أستقيم، وبعد يومين أو ثلاثة يضيع ذلك مني، لماذا؟ لأن الذي أوصلك إلى تضييع ذلك هو الذي أوصلك إلى الرجوع إلى ماكنت تبت منه، من المعصية، وهو الذي أوصلك إلى العودة إلى الغفلة لحالتك، وهو الذي أنساك معنى الترقي وهو: أن قلبك ساحة مفتوحة لخواطر الخير والشر، ما عندك مصفاة تقبل بها خواطر الخير وترد بها خواطر الشر.
ننصرف من هذا المجلس

بأن نضبط ونحرص على ضبط خواطر قلوبنا، كيف نضبط خواطر قلوبنا؟ بالاستجابة لخاطر الخير والإعراض عن خاطر الشر، كما علمنا في المصادر الأربعة، ولكن؟ هل هذا وحده يكفي لمعرفة ضبط الخواطر؟
ستأتي الإجابة عن موازين تمييز الخواطر في المجلس القادم، وهي أربعة موازين ، ونلتزم بأنك من هذا المجلس للمجلس القادم ستتفكر في الخواطر التي تخطر على قلبك .
ماذا تعمل إن فاتك هذا الخاطر وتحول إلى فعل إلى إدراك إلى إرادة؟
ارتكبت أمرا أنت لم ترد أن ترتكبه، اجلس وتفكر كيف وصلت الى هذا الشيء!! أخطأت على فلان في الكلام، لأني رضيت أن أدخل معه في موضوع ماكان المفروض أن أدخل معه فيه، لماذا؟ لأني استجبت إلى خاطر كان في نفسي أني أريد أن أثبت له أني أقدر منه على الفهم وأقدر منه على النقاش، هذا الخاطر لماذا كان؟ اذا بدأت تأخذ بهذا الخيط مع نفسك في ضبط الخواطر، أي أنك بدأت تعد على نفسك أن لك خواطر تحتاج إلى ضبط، استلمت بعد ذلك موازين شيء من مجاهدة النفس، مع الالتجاء الى الله عزوجل مع الافتقار إليه ستجد أنك تنتقل في حياتك نقلة مختلفة، تنتقل من حالة الإنسان الذي يسير هكذا تسيره خواطره كما تشاء إلى المؤمن الذي ينتقي خواطره كيف تسير، رزقنا الله واياكم حسن الأخذ بخواطركم ..
اللهم يامن القلوب بين اصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، نسألك اللهم أن تثبتنا على دينك وعلى الإقبال عليك، اللهم احرس قلوبنا عن كل مالايرضيك، ثبتها على كل مايرضيك، واجعل قلوبنا من القلوب المستقيمة السخيمة، التي تحفظها بحفظك للمحبوبين من عبادك برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم لا تجعل للشيطان علينا سلطانا ولاتجعل للنفوس الأمارة بالسوء علينا سلطان،ا اللهم اجعل نفوسنا راضية مرضية مطمئنة كاملة مقبلة عليك، واجعل لمة الملك تملأ قلوبنا فنستجيب لها، واجعل إلهامك لنا إلهام المحبوبين يارب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

محب الحبيب علي
08 Sep 2008, 08:44 PM
الدرس السادس - تمييز خواطر الشر


الحمدلله حافظ قلوب الصادقين عن كل مايشوش عليها صفو المعاملة معه، الذي يقذف خواطر الخير في قلوب المحبوبين ويلهمهم دفع خواطر الشر، الملك المعطي الكريم سبحانه عزوجل، وصلى الله على سيدنا محمد مولانا وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
كان الحديث في المجلس الذي مضى عن حفظ القلب (http://www.almoreed.com/archives/episode5/) عن ما يمكن أن يشوش عليه صفائه ونقائه وهمته في الارتقاء بالصلة بجناب الحق جل جلاله، واتفقنا في المجلس الماضي على مجاهدة أنفسنا على صون أبصارنا و أسماعنا و أفواهنا عن مايمكن أن تظلم القلوب بسببه، كما أنا تحدثنا في المجلس الماضي عن أن هناك وافدات معنوية إضافة الى الوافدات المحسوسة التي تأتي عبر العين والأذن و الفم، تفد على القلب إما أن يرتقي القلب بسببها أو أن يتأخر والعياذ بالله ولكن قبل أن نشرع الآن في الحديث عن ميزان نميز به بين الخير والشر ثم نفرق به بين مصادر خواطر الخير ومصادر خواطر الشر والشر الذي يأتي بصورة الخير، أود أن أسأل يامن سمع المجلس الماضي من المجلس الماضي إلى الآن هل حفظت عينك عن أن تنظر الى ماحرم الله وهل ضبطت أذنك من أن تكون مزبله لقاذورات حديث الخلق، وهل صنت لسانك من الانطلاق بما لاينبغي، هل حرصت على تحري الحلال في المطعم والمشرب والملبس والمسكن فإن هذا العلم علم عمل، العلم ينادي للعمل فإن أجابه وإلا أرتحل!

والشروع في الحديث عن ميدان الخير و الشر يعني أن تنتقل من حالة ضعف لا تليق بالسائر الى الله، يكون فيها قلبه تابعا للخواطر التي تتوارد عليه تلعب به نفسه وشيطانه وهو غير منتبه، أو أن تكون قويا بالله عزوجل تقود الخواطر ولا تقودك الخواطر، تضبطها فإذا ضبطتها حلت بينها وبين أن تلعب بك، الخيار لك .. هل قررت أن تكون قائدا لتصرفاتك الى الله عزوجل وسائقا لكلياتك الى الله، أم لازلت غير مبال أن تعصف بك نفسك وخواطرها؟ هذا قرار .
أيها المريد.. إن كنت مريدا للآخرة راغبا فيما عند الله عزوجل معتني راغب في أن تكون ذا منزلة لدى الله أحضر قلبك فيما ستسمعه الان ,عندما تأتي الخواطر وترد على القلب وقد ذكرنا أن الانسان قد ترد عليه أكثر من سبعين ألف خاطر في اليوم والليلة، وقته كله لا يكف عن ورود الخواطر على قلبه، أقم ميدانا تعرف به الخاطر الذي يأتي إلى القلب هذا الذي دخل إلى القلب أهو خاطر خير ترحب به ليتحول إلى إقرار وإرادة؟ أم أنه خاطر شر ينبغي أن تتخلص منه وتعمل على أن تدفعه عنك حتى لا يؤخرك عن الله عزوجل.
تمييز خاطر الشر من خاطر الخير

الأول: الخير والشر يميز بالشريعة:

أيما خاطر يخطر على قلبك اعرضه على ميزان الشريعة، أهو حسن لتحسين الشريعه أم لا؟، هل هو من باب الواجب!! استجب له وجوبا، من باب المستحب أحرص عليه، هومن باب المباح؟ ان استطعت أن تربطه بنية صالحة تحول إلى قربة تتقرب بها الى الله أسعى فيه، من باب المكروه اجتنبه أنت سائر إلى الله.
تنبيه: وهنا أريد أن أنبه على شي أذكر نفسي ومن يستمع، في كثير من الأحيان ننزل السنة والمكروه منزلة اللاشيء! فلان مارأيك أن تصلي ركعتين قبل الفجر؟ قال: هي مجرد سنة، الفريضة أنا أؤديها !!
تعرف أن كلمة مجرد سنة هذه كلمة خطيرة تضر بنا لأنها وإن لم تقصد تشعر المستمع بالإهانة إلى سنة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، الحق عز وجل جعل واجبا وسنة ليعينك على الترقي ومريد الآخرة السنة عنده مرتبتها عالية لا يتنازل عن أدب من آداب النبوة فضلا عن سنة وردت عن الحبيب صلى الله عليه واله وسلم، كذلك فيما يتعلق بترك المكروه، نعم فعل المكروه لا يوجب الإثم لكن هل حالك مع الله ومعاملتك مع الله مقصورة على أن تأثم أو لاتأثم؟ أم أن لك تشوق الى أن تكون قريبا إلى الله، صاحب صلة بالله، المتشوق لمراتب قرب، أيها المريد الذي يريد أن يكون صاحب منزلة لدى الله المكروه تحذر منه وتنفر منه وتفر منه وتجتنبه فضلا عن الحرام.
وقد جرت سنة الله أن الذي يحرص على تجنب المكروه يكرم بأن لايقع في الحرام، لكن الذي يستسهل الوقوع في المكروه لابد وأن يقع في الحرام في يوم من الأيام، لأن المكروه يشبه السور الذي يحيط بالحرام .
قاعدة : لايمكن لإنسان أن يقع في حرام إلا بعد أن يقع في مكروه، كل صادق حريص على أن يسير إلى الله لا يمكن أن يستدرجه الشيطان أو تستدرجه نفسه، فيقع في حرام إلا بعد أن يقع في مكروه ويستهين بوقوعه به لكن إن احتاط الإنسان لنفسه وتجنب المكروه فمن باب أولى أن الله سيحفظه من الحرام.
الخاطر هذا الذي يخطر على قلبك الكلام عن الخواطر، الشريعة قالت لك: أنه واجب أو مستحب أو مباح يمكن أن يربط بنية صالحة إذا هو حسن أقبل عليه وافعله، قالت لك الشريعة أنه مكروه أو حرام أو من فضول المباح (كمال كمال كماليات المباح التي لاتعني قربا إلى الله قط) أيضا أعرض عنه اجتنبه، أما الحرام شر مطلق، المكروه شر المباح الذي من الفضول ممكن أن يؤدي إلى الشر إذا لم تربطه بنية صالحة (هذاالميزان الأول).
س: لدينا ميزان الشريعة لماذا نحتاج الى موازين أخرى؟ نحتاج إلى موازيين أخرى أحيانا يشكل عليك فهم ميزان الشريعة، تأتي مسألة يلتبس عليك فيها الأمر لا تجد من العلماء من تسأل في ذلك الحال هو خاطر والخاطر لحظه يخطر على القلب في تلك اللحظه تريد جوابا .
الميزان الثاني: اعرضه على ماتحفظ من سير السلف الصالح :

هل كان هذا الأمر مستحسنا عند السلف الصالح أو لا؟ ومعنى هذا: أنه سيكون لك اهتمام يامريد بقراءة سير الصالحين، لديك كتاب صفة الصفوة للإمام الحافظ ابن الجوزي، إذا قرأت فيه ورأيت سير الصالحين وماكانو عليه، أو كتب الطبقات فيتشكل عندك مع قراءة كتب الصالحين نوع من القدرة على الربط بين الخواطر التي تخطر على قلبك وبين مايستحسنه السلف وما يستقبحونه، هذا الميزان أنا أعلم أن الكثير ممن يستمعون الآن الى كلامي بالنسبة لهم هذا الميزان أصعب حتى من ميزان الشريعه لكن اجعله في ذهنك.
الميزان الثالث: اعرض هذا الخاطر على نفسك مباشرة :

إن وجدت نفسك نشيطة إلى هذا الخاطر مقبلة عليه مبادرة نحوه دون تأثر بوعظ أو بإرشاد أو تحصين شرعي هكذا هي ميالة إليه تهواه هو في الغالب سيكون من الشر، وإن وجدت نفسك مستثقلة لهذا الخاطر متأخرة عنه وعندها تثاقل للاستجابة إلى هذا الخاطر ليس بسبب أنها سمعت عالما يحث على ترك هذا الفعل أو يقبح هذا الفعل، لا المسألة من الداخل، النفس لم تهوه في الغالب يكون من الخير، الدليل على ذلك قال الله سبحانه على لسان امرأة العزيز: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) فالأصل في النفس التي لم تتزكى بعد، لم ترتقي إلى رتبة النفس المطمئنة أنها في الغالب تنتهض إلى الأمر بالسوء، ولهذا من خالف نفسه في خواطرها سلك مسلكا حسنا، حدثتك نفسك بأمر لم يتضح لك في الشرع لك الأمر، ولم يتضح لك من مسلك السلف الصالح، اعرضه على نفسك فإذا وجدت النفس مسرعة إليه هو شر اتركه الآن، وجدت النفس متأخره عنه متثاقله عنه هو خير بادر إلى نحوه واطلبه .
هذه ثلاثة درجات للتفريق بين خاطر الخير وخاطر الشر الذي يقذف في قلب الانسان، قم بوزن الخاطر الذي يخطر على قلبنا وتبين لنا انه من خواطر الشر و العياذ بالله كيف أستطيع أن أجتنب أذى هذا الخاطر؟
خاطر الشر مر معنا في المجلس الماضي لمن استمع أن خاطر الشر إما أن يكون من الشيطان وماذا أسميناه؟ وسوسة (مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) وإما أن يكون من حديث النفس ويسمى الهوى، وإما أن يكون من الله عقوبة استدراجا والعياذ بالله (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ) كيف يأتي خاطر شر من الله مباشرة؟ نعم إذا عامل العبد ربه على نحو من الاستخفاف والاستهانه بأمره سبحانه وتعالى والاجتراء عليه يستدرجه الحق، وخواطر الشر إما أن تكون من الشيطان أو من النفس وهي الغالب و إما أن تكون عقوبة من الله عزوجل ..
س: مافائدة أن نعرف أي نوع من أنواع الشر؟ يكفي أن أعرف أنه شر وأتركه!
قلت لو كانت المسألة بهذه السهولة لانتهى الإشكال الأمر: سير الى الله عظيم جليل اعدائك فيه يشق على انفسهم ان يروك قد وصلت الى الله ,كل نوع من انواع خواطر الشرله علاج يتناسب معه بحسب مصدره، فالخاطر الذي يأتي من الشيطان له علاج , الخاطر الذي يأتي من النفس له علاج , خاطر العقوبة والاستدراج له علاج.
كيف أميز مصدر خاطر الشر ؟

الميزان الأول: الذكر: قال العلماء رحمهم الله عندما تعلم أنه خاطر شر تأمل في هذا الخاطر هل يصرفه الذكر؟ إن قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لا إله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الارض ولا في السماء وهو السميع العليم، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، لا إله إلا الله الملك الحق المبين، صليت على المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه ذكرت الله، إن اشتغلت بشيء من الذكر هل ينصرف هذا الخاطر عنك؟ قال العلماء إذا انصرف هذا الخاطر عنك فهو من الشيطان يقينا، لأن الشيطان كما مر معنا في المجلس الماضي في الحديث أنه يخنس أي يهرب يشرد ينفر عند ذكر الله، لا يستطيع أن يبقى وساسه لقلب صاحبه يذكر الله سبحانه وتعالى.
الميزان الثاني: نوع المصعية: هل هذا الخاطر يصر على شر أو على معصية بعينها؟ أو يمكن أن تفعل معصية اخرى في مستواها أو اكبر منها ؟
جاءك خاطر من الخواطر أن تقطع أحد الأرحام، هذا خاطر خير أو شر؟ الشريعة قالت من البداية أنه شر، مثلا: (فلان من أقاربك أو فلانة من قريباتك فعلت كذا وكذا أو في المناسبة الفلانية وجائني ولد وما هنوني به خلاص أنا لن أحضر زواجهم)، أخذت تذكر الله : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، استغفر الله العظيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ما انصرف هذا الخاطر علمنا أنه ليس من الشيطان، نتأكد أكثر اعرض على نفسك على قلبك خاطر شر أكبر منه، مثلا: نحضر للأرحام مناسبتهم لكن بعد ذلك اخرج الى السوق افعل شيء من المحرمات التي أكبر منه، ماذا يقول لك قلبك؟ إذا قال لك قلبك: احضر وبعد ذلك اذهب للمكان للمعصية الأكبر، فهذا من الشيطان.. لكن لو قال لك هذا الخاطر: أبدا!! لا، هؤلاء لن أحضر لهم، عرضت عليك معصية فيها لذة، أبدا لن أحضر لهم تعرف أنه من النفس.. لماذا؟
لأن الشيطان عدو مهمته أن تهلك أنت! لا يهمه إن هلكت بقطيعة رحم أو بفاحشة أو بشرب خمر، النهاية والمحصلة النهائية: أنت هلكت! فإذا لم يستطع أن يقنعك بفعل معين ووافقت على فعل آخر يفرح، الرؤية: يجب أن تهلك.
لكن النفس هواها عنيد، الأمارية بالسوء في النفس تصر على صاحبها، فإذا وجدت هذا الخاطر يصر على هذا النوع من الشر ولايقبل أنواعا أخرى من الشر، علمت أنه ممن؟ من النفس .
الثالث :بعد ماذا كان؟؟ جاءك هذا الخاطر وعرفت أنه من الشر، هل جاءك هذا الخاطر فجأة أو جاءك بعد معصية لم تتب منها، المعصية كلنا نقع في المعاصي أجارنا الله وإياكم الله منها، لكن المصيبة الكبيرة هي أن يقع الإنسان في المعصية ولا يتدارك ولا يتوب لا يستغفر، جاء في بعض الروايات: أن الملك يستعجل الله في كتابة المعصية فيقول له : تمهل لعل عبدي أن يتوب لعل عبدي أن يرجع و يتوب إلي، فيبقى الملك مدة لا يكتب هذا على العبد.. الشاهد من هذا الكلام: أن العبد إذا استهان بأمر المعصية وقع في المعصية، بدلا من أن يستغفر ويرجع ويتوب ويطلب من الله الرحمه والمغفرة والعفو، يضحك وربما والعياذ بالله يتفاخر، هذه مصيبة أكبر يأتي لأصحابه، فعلت كذا بالأمس يسترك الله وتهتك ستر الله عليك هذا والعياذ بالله يعاقب بأن يقذف في قلبه رغبة في معصية ثانية ,لماذا؟ لانه استسهل امر المخالفة .
* قال الإمام حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: إذا وجدت خاطر الشر مصرا على فعل الشر، وقد جاءك بُعَيْد معصية لم تتب إلى الله منها، فاعلم أنه استدراج من الله، وهو من أخطر أنواع الخواطر، فعد إلى الله تعالى واستغفر واطلب المغفرة.
العلاج - نظرة توسع في الموازين الثلاثة

1. خواطر الشيطان :

إذا علمت أن هذا الخاطر يأتي من الشيطان ماعلاج الشيطان؟ الذكر، أصغر خواطر السوء وأضعفها الشيطان والدليل على ذلك: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} انظر كيف ظهر لنا الآن أنه ضعيف، أضعف أنواع خواطر الشر التي تختطر على قلب الانسان خاطر الشيطان , ونحن نعلق كل شيء على الشيطان!!
أضعف خواطر الشر خواطر الشيطان، وأصعب خواطر الشر خواطر النفس، وأخطر خواطر الشر الاستدراج الذي يأتي من الله، الفرق بين أخطر وأصعب في كيفية المعالجة، أخطر لأن الحق غاضب عليك والعياذ بالله تعالى, لكن هذا أصعب يحتاج إلى جهد .
2. خواطر النفس:

قال العلماء النفس مثالها مثال الدابة، الدابة التي يركبها الإنسان أحيانا تعاند وبالذات الحمار إذا عَنِدَ وقف في الطريق تضربه، لا يتحرك تسحبه، لا يتحرك تدفعه لايتحرك حتى يروق باله، حمار!! سامحوني في الذي سأقوله : النفس الأمارة مثل الحمار، إلا أن الحمار غير مكلف وهي مكلفه فوضعها أصعب، فهي أحيانا تعند ماتريد، الذين يروضون الدابة يعلمون أن الدابة التي يكثر منها العند يكثر منها هذا الفعل يروضونها بأمرين :
الأمر الأول: يقللون العلف عليها والأمر الثاني : يكثرون العمل عليها، لأنك لو قللت العلف قللت من قوة العند الذي في النفس، وإذا أكثرت العمل أرهقت وإذا أرهقت بدأت تنصاع بدأت تتروض.
قال والنفس الأمارة بالسوء هكذا , قلل العلف ماهو العلف؟ الرز واللحم و الخبز و الشحم و السمك علف ! لكن علف شوي راقي خمس نجوم للبشر.
* مراتب تقليل الطعام :
1. قم ونفسك لا تزال تشتهي لقمة، ليس معناه تغرفها في الصحن وترميها في الزبالة، لا!! لا يجوز إلقاء النعمة في غير محلها، لكن قم ولا تزال نفسك تشتهي لقمة واحدة اتركها من أجل الله.. كيف من اجل الله؟ “نحن قوم لا نأكل حتى نجوع واذا اكلنا لا نشبع”، أي نقوم وأنفسنا لا تزال تشتهي ، قال واحد سمع وإذا أكلنا لا نشبع، قال خلاص لا نشبع مهما أكلنا، هذا الفهم المعكوس . واذا اكلنا لا نشبع اي قم ونفسك لاتزال تشتهي شيء..
2. هذبها بالصيام، استطعت أن تصوم الإثنين والخميس ولو حتى صمت ثلاثة أيام في الشهر الأيام البيض التي يكتمل فيها القمر، استطعت تصوم أكثر صم الاثنين استطعت أكثر الإثنين والخميس، قويت أكثر صم صيام داوود بعض الأحيان إذا عندك همة .
وصم صيام حقيقي، فلا تصوم من الفجر إلى المغرب وعند الإفطار تقبل على الطعام وتلغي ما كان من أثر بأضعاف أضعاف الطعام الذي تأكله !! صوم حقيقي، بمعنى تأكل ماتيسر عند الإفطار بالراحة تقليل العلف، تقليل المشتهيات في فترة المجاهدة للنفس فيه قوة، حتى اليوم العلم الحديث أثبت ذلك تأثيره على نفس الإنسان، ما أدري هل نحن بحاجة أن نقول بأن العلم الحديث أثبت أم أنا نثق بما جاء في الحديث من هديهه صلى الله عليه وسلم، مادام قد قال فقد صدق عليه الصلاة والسلام.
3. تقليل الطعام مع الجهد، كلما رأيت النفس مصرة على خاطر سوء، تقول الليلة عليك قيام الليل ساعه ونصف قيام، تقرأين سورة البقرة في ركعتين أو في الإحدى عشر ركعة التي ستكون في الوتر، وستذهبين في الصباح للشغل، ماهو طول الليل كنت قائم ساعة ونصف أقوم ليلي معذور من شغلي تذهبين إلى العمل باجتهاد إلى العمل، وبعد ذلك صيام وبعد الإفطار قليل من الطعام، جرب هذا ثلاثة أربعة أيام مع نفسك انظر كيف تخضع النفس مباشرة .
تشبيه : أحد منكم رأى منظر ترويض الخيل؟ الخيل البري - ترونه في التلفاز- الخيل الذي لم يروض ماذا يفعل ؟ يحاول أن يلقي بصاحبه من على ظهره، هذه نفسك في السير إلى الله تحاول أن تلقي بك من على ظهرها، لتعرض عن مسألة السير يسهل عليها في البداية، لكن المروض ماذا يفعل؟ يصر على ترويض الخيل، وإذا سقط يكتفي أنه سقط ويقول أن هذا الخيل لا يصلح للترويض أم يعود مرة ثانية؟! إن اكتفى، لن يتروض الخيل، لكن يعود مرة ثانية وثالثة ورابعة في كل مرة يعود ماذا يحصل للخيل؟ يهدأ قليلا، ييأس قليلا، حتى يتهذب، كذلك نفسك فإذا وجدت أن هذا الخاطر قد جاءك من نفسك وتأكدت أنه من النفس علاجه قلل العلف وكثر العمل .
3. الاستدراج من الله:

علاجه التوبة والرجوع في الحال، أما إذا جاءك هذا الخاطر مباشرة بعد معصية، أسأت الأدب مع الله بأن عصيت ثم أسأت الأدب مع الله أكثر بأنك ما اعتذرت إليه، عصيت وخرجت تضحك بملء فمك مستهتر لا تشعر!
يا إخواني أحدنا لو قطع الإشارة ثم التفت ولاحظ أن عسكري المرور قد سجل عليه المخالفة، أو في بعض البلدان لاحظ أن آلة التصوير صورت سيارته، أما يحصل قليل من القلق في داخله أما يشعر بشيء حس في داخله: ضبطت!! هذا عسكري مرور!
عندما تخالف جبار السموات والأرض، أما تشعر في داخلك بمراجعه لنفسك؟ كان بعض الصالحين: إذا حصلت منه هفوة صغيرة يخشى أن السماء تنطبق عليه! يخشى أن تخسف به الأرض! ليس لأن الله لايرحم، الله غفور رحيم، ولكن لعظمة الحق عزوجل في قلبه، فالذي يعصي ولايشعر بتأثر في داخله هذا مستهتر بعظمة من نظر إليه سبحانه وتعالى .
ولهذا إذا حصلت من الانسان معصية واستهتر بها، فيجد أن خاطرا آخر يقذف في قلبه لمعصية ثانية ثم ثالثة ثم رابعة حتى والعياذ بالله يموت على غير الإسلام إذا لم يتنبه والعياذ بالله من ذلك .
فإذا اذا شعر الانسان بأن خاطر الشر جاءه بعد معصية لم يسارع بالتوبة إليها، فعلاج ذلك سرعة الرجوع إلى الله، أستغفرك، غفرانك، رب اغفر لي وتب علي، قم وصلي ركعتين سنة التوبه مثل التي صليتها قبل مجالس من الان , ممكن يكون عبدك بس رجع اليك يارب لاتفتني في ديني يارب ردني اليك مردا جميلا ,انظر الى قلبك ستجد ان خاطر الشر هذا قد انصرف من قلبك.
ماننصرف به من هذا المجلس

ينتهي بنا الحديث عند التميز بين خاطر الخير وخاطر الشر، على اعتبار أن خاطر الخير وخاطر الشر يميز بينهما إما بالشريعة، ماتقوله لي أن يكون هناك حكم شرعي واضح في الأمر كان يكون مباحا صرفا استحسان السلف، فإن لم يتضح لي أعرضه على نفسي، أخالف نفسي بما تجيب به إلا إذا كانت إجابتها متأثرة بوعظ، ثم إذا ميزت بين خاطرين خاطر خير خاطر شر، ابحث من أي مصادر الشر قد جائني: إن كان من الشيطان اصرفه بالذكر، إن كان من النفس اصرفه بماذا؟ قلل العلف و كثر العمل، وان كان من باب الاستدراج والعياذ بالله سرعة الرجوع الى الله و الاستغفار و التوبه.
وكيف اميز بين هذه الثلاثة؟ إذا صرفه الذكر فهو من الشيطان، وإذا أصر على نوع من معصية بعينها ولم يقبل حتى بأشياء أكبر منها فهو من النفس وإلا فهو من الشيطان، وإذا كان جاء بعيد معصية مباشرة فهو من قبيل الاستدراج و العياذ بالله..
إذا تنبهنا إلى مثل هذا الأمر أصبح عندنا ميزان نعرف به، مع الاستعانة بالله كيف نعالج دفع خواطر الشر عن قلوبنا، كم من خواطر الشر ستدفعها من ليلتك هذه؟ الليلة هذه أقم ميزان المحاسبة، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، الليلة بعد أن تغلق التلفاز، بعد أن تنتهي من هذا المجلس، فكر وأنت في الطريق قبل أن تضع رأسك على المخدة، أنتِ قبل أن تنامي، أول خاطر من الخواطر قد يخطر على قلبك خذه واعمل الميزان فيه، وابدأ بعد ذلك درب نفسك..
وسيأتي الحديث إن شاء الله تعالى عز وجل في المجلس القادم عن تمييز خواطر الخير، لنعرف كيف نتعامل معها نسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم كمال التوفيق، اللهم يا من وفقت أهل الخير للخير واعانهم عليه وفقنا للخير واعنا عليه ولا تحرمنا ما عندك بشر ماعندنا فضلا واحسانا وامتنانا ..

محب الحبيب علي
09 Sep 2008, 08:14 PM
الدرس السابع - تمييز خواطر الخير


الحمد لله الفتاح وصلى الله على سيدنا محمد صاحب إمام الأرواح إلى مسالك الفلاح وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا..
كان الحديث في المجلس الماضي (http://www.almoreed.com/archives/episode6/) عن التمييز بين خواطر الخير والشر، وأن معرفة الفرق بين خاطر الخير وخاطر الشر: بعرضها على الشريعة المطهرة فما استحسنته الشريعة فهو حسن ومالم فهو قبيح، إذا يتضح بنص معرفة عند العارض للخاطر أو لأن الأمر من المباح، وهذا الأكثر مباح مطلق هل هو الآن خير له أو شر، يعرضه على هدي السلف الصالح ماذا كانوا يستحسنون من ذلك ويستقبحون، إن لم يتضح، اعرضه على نفسك فإن وجدت النفس نشيطة إليه مسارعة فهو الغالب من الشر.
تحدثنا بعد ذلك عن أنواع خواطر الشر، كيف نميز بين خاطر الشر الذي يأتي من الشيطان أو النفس أو الذي يكون استدراجا، تتذكرون كنا نذكر أن خاطر الشر إذا دفعه الذكر فهو من الشيطان، وإذا أصر خاطر الشر على نوع معين من الشر ورفض أن ينتقل حتى إلى نوع أسوأ منه من الشر فهو من النفس لأنها تلح على هواها وعلى ماتريد، وإذا جاء بعيد معصية أو تقصير لم يتب الإنسان منها أو استهتر بها فهو من الخطر الاستدراج.
وذكرنا أيضا أنه من الخطر على الإنسان أن يلحظ أن خاطر الشر جاءه بعد معصية، معنى هذا أن هناك غضب من الله يحتاج أن يسترضي ربه يرجع ويستغفر ويشعر قلبه خطورة الأمر، فإذا نظر الله إليه ورأى هذا المعنى قبله.
لكن السؤال الآن الذي أوجهه إلى إخواني الذين حضروا المجلس والذين شاهدوه، هل أقمتم شيء من هذه الموازين على أنفسكم أم لا؟

لأن هذا العلم علم عمل، خذ هذه المسائل وطبقها، إذا لم تأخذها ولم تحملها محمل الجد والعمل، الاستفادة منها لم تكن هي المقصودة، أنت سائر إلى الله، سر الله بحق بعمل.
في هذا المجلس سنواصل إن شاء الله عزوجل وضع ميزان آخر لتمييز خواطر الخير، قلنا أن مصدر خاطر الخير إما أن يكون من الله مباشرة، إلهاما يلهمك الله (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) هذا دليل على أنه قد يلهم من الله إما من الشر أو الخير، إما والعياذ بالله استدراجا وتنبيها أو يكون من فضل الله عزوجل تكريما وعطاءً وثوابا، أو أن يكون خاطر خير من الملك، سميناه لو ذكرتم في المجلس قبل الماضي (http://www.almoreed.com/archives/episode5/) (لمة الملك) كما جاء في حديث عنه صلى الله عليه وسلم.
تمييز خاطر الخير أهو من الله أم من الملك

الميزان الأول: انظر هل هذا الخاطر من أعمال القلوب أو من أعمال الظاهر؟

مامعنى هذا الكلام؟ الأعمال المقربة إلى الله إما أن تكون أعمال ظاهرة: قم صلي ركعتين هذا عمل شريف راق ظاهر، قم تصدق بعشرة دراهم، قم زر أحد الأقارب والأرحام، وإما أن تكون من أعمال القلوب: هل حضر قلبك مع الله في الركعتين؟، هل راعيت الإخلاص وعدم الرياء، هل تنبهت من أن لاتعجب بنفسك في حال الصلاة، هل راعيت الإخلاص عند إعطاء الصدقة لم تباهي أمام الاخرين؟، هل راعيت نفس الفقير وأنت تعطيه أم أشعرته بالمنة وأنت تعطيه؟ هذه معاني قلبية في المعاملة، هل عندما قررت أن تصوم صدقت في نيتك؟ هل استحضرت المقصود من ذلك؟ هذه الأعمال القلبية، فإذا عندنا أعمال ظاهرة وأعمال قلبية أعمال باطنة.
قال إن كان الخاطر من الأعمال الباطنة فهو من الله عزوجل مباشرة لأن الأمور الباطنة القلبية هذه فوق ادراك ساداتنا الملائكة لا يطلعون عليها في نفس الانسان.
الميزان الثاني : انظر هل هذا الخاطر يأتيك ناصحا وينصرف، أم أنه يأتيك ناصحا ويصر ويلح عليك قم واعمل؟

قال: إن كان ناصح فإن قبلته فبها ونعمت لم تقبله ينصرف فهو من الملائكة (لمة الملك) لأن الملك ينصحك فإذا ماقبلت يمشي، تريد مثل لذلك؟ أما استيقظت ليلة من الليالي في الثلث الأخير من الليل فتحت عينيك نظرت إلى الساعة الثانية والنصف الساعة الثالثة، خطر في قلبك لماذا لا أتوضأ وأصلي ركعتين، أجرب الصلاة التي يسمونها صلاة الليل يتكلمون عن قيام الليل، قيام الليل نشوف نصلي ركعتين صلاة الليل، أو نعيد حال كنا فيه مع الله نصلي في الليل، خطر في قلبك هذا ثم جاءك خاطر غيره: قليل اغمض عيني عشرة دقائق كمان أنام وأقوم إن شاء الله بعد ذلك، استيقظت على أذان الفجر! فاتك قيام الليل.
مالذي حصل هنا؟ الذي جائك هذا ناصح أنت لم تلتفت إليه فانصرف هذا لمة ملك، فلمة الملك تأتي ناصحة على سبيل التعريض وتنصرف لا تستقر في نفس الإنسان. لكن الذي يأتي من الله يأتي بقوة تشعر كأن الخاطر يحملك على أن تقوم وتعمل فعل الخير.
الميزان الثالث: هل جاء هذا الخاطر ابتداءا هكذا؟ أو جاء بعد فعل الخير؟

قالوا: أعمال الخير إن قبلها الله من علامات القبول لعمل الخير الذي تعمله أن يقذف الله في قلبك فتح باب عمل خير آخر، عملت على الخير الآخر تنفتح شهيتك لعمل خير آخر وهكذا.
فكل عمل خير مقبول من علامات قبوله: أن الله يفتح مثوبة يثيب صاحب عمل الخير بأن ييسر له فعل خير أكثر، اتضح الميزان الثالث؟ ان جائك هذا الخاطر من الخير بعد عمل صالح عملته فهو من الله مثوبة.
الفائدة من التفريق بين خواطر الخير

قال العلماء: أن معرفتك لمصدر خاطر الخير يعظم شهود المنة في قلبك لله..
* خاطر الملك: لما تشعر أن الله ساق إليك محبوبا من محبوبيه ملكا من الملائكة خصيصا ليكلمك لينصحك، تشعر فيه كرم الله معك تشعر عظمة هذه المعاملة الإلهية.
أنا نائم في غفلة افتح عيني أشعر بملك من الملائكة يكلمني، أي يقذف خاطرا في قلبي، ينبه قلبي يقول لي: قم صلي ركعتين، ملك يكلمك!! كيف تكلمون الملائكة؟؟ الملائكة ماتكلم إلا الأنبياء؟؟ نقول: لا، الوحي ما ينزل إلا على الأنبياء، التشريع لايكون إلا على الأنبياء، لكن لمة الملك مخاطبات الملائكة نعم يعطيها الله عزوجل المؤمن الصالح، بل إذا صفا قلبك أكثر وأكثر يمكن أن تسمع بأذنك خطاب الملائكة، من اين جاء هذا الكلام؟
- من الحديث الصحيح أن عمران بن حصين تسلم عليه الملائكة رضي الله عنه تعالى وأرضاه، كان قد ابتلي ببلاء وكانت ثمرة هذا البلاء وصبره ورضاه وحسن معاملته لربه فيما ابتلاه فيه أن الملائكة كانت تلقي عليه السلام وكان يسمع تسليم الملائكة، مالفائدة من ذلك؟ هل تسليم الملائكة يزيدك أو ينقصك من قربك إلى الله؟ أن ملك كلمك أو خاطر قلبك فيها زيادة؟ الحقيقة أن النافع والضار هو الله لا ملائكة ولا إنس ولا جن ولا أحد.
لكن المعنى هنا أن الله قد لاطفك، معنى هذا الكلام أن الله يلاطفك! اسمع يا سائر إلى الله يامريد الله، يامريد القرب من الله، إن الصادق في إقباله على الله يتهيأ إليه من إكرامات الله له، يتهيأ لملاطفات الله سبحانه وتعالى لعبيده، هذا يزيد القلوب معرفة بالله، يزيد القلب استشعارا لفضل الله.
*الإلهام : وأما الذي تشعر أن الله قذفها في قلبك مباشرة هذا إلهام {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}، فهو علامة اعتناء من الله تعالى بك، أن يخاطب الله تعالى قلبك هذا عطاء من الله عزوجل، اسمع لا تخلط!! فتقول: خاطبني ربي في قلبي، قال لي: الليلة لو نمت مافي مشكلة، لو ما صليت!! هذا الذي خاطبك الشيطان لاتجعل الشيطان ربك!
الضابط هنا: الشريعة، إذا تأكدنا أنه خير الكلام بعد ما وضعناه على محاك الشريعة واعتبار السلف الصالح ومخالفة النفس، الكلام مابعد ذلك، الإلهام عطاء من الله عزوجل يبرز من حضرته إلى قلب الصادقين من عباده، يقذفه في قلب عباده، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أمتي المحدثون وإن منهم عمر) ، يأتي سيدنا عمر بن الخطاب فيلهمه الله يلقي في قلبه (يارسول الله لو اتخذنا من مقام ابراهيم مصلى) فينزل جبريل عليه السلام من السماء السابعة يقول لسيدنا محمد في القران الكريم: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، تأخذ سيدنا عمر غيرة ربانية على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: (يارسول الله لو أمرت زوجاتك بالحجاب) فتأتي الآية التي تأمر زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحجاب، حتى قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إن من أمتي المحدثون وإن منهم عمر) رضي الله عنه تعالى وأرضاه.
يقف سيدنا عمر بن الخطاب كما جاء أيضا في النص الصحيح في الأثر الصحيح يقف على المنبر يخطب في أيام خلافته الراشدة عمر رضي الله عنه، وهو في الخطبة خرج عن مساق الخطبة وقال: (يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، ياسارية الجبل) فأخذ الصحابة يلتفتون إلى بعضهم البعض، جاء في أسد الغابة أن سيدنا علي بن أبي طالب لما رأى الصحابة ارتبكوا فقال: (دعوه فسوف يسرى عنه اتركوه)، فهم سيدنا علي المسأله، فلما انتهى من الصلاة سألوا سيدنا عمر: مالذي جرى ياأمير المؤمنين؟ قال: ومالذي جرى؟ قالوا: كنت تخطب فإذا بك تقول: “يا سارية الجبل يا سارية الجبل”، قال: نعم خطر بقلبي أن العدو يلتف على سارية من جهة الجبل من نواحي سمرقند (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%D9%85%D8%B1%D9%82%D9%86%D8%AF) E (http://en.wikipedia.org/wiki/Samarkand) (تبعد ثلاثة الآف كيلو)، جاء الجيش فسألوهم قالوا: سمعنا صوتا كصوت عمر يقول: ياسارية الجبل، ياسارية الجبل، مالذي حصل؟ الذي حصل هذا إكرام من الله ساقه إلى قلب سيدنا عمر، مالذي أشعر عمر في تلك اللحظة بأن سارية يحتاج إلى هذا التنبيه؟ الله ألهم سيدنا عمر ذلك الأمر، الله ألهمه.
- دخل أحد الأعراب كان ينظر إلى امرأة نظرة مما حرم الله تعالى النظر، نظر بعين غير صحيحة فلما جلس في مجلس سيدنا عثمان ذو النورين رضي الله عنه، تغير وجه سيدنا عثمان قال: أيزني أحدكم بعينيه ثم يأتي إلى مجلسنا دون أن يستغفر؟، صرخ الأعرابي: قال: أوحي بعد رسول الله؟!! قال: لا، لكنها الفراسة، “اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله” .
هذا في أمور التعاملات مع البشر، هي في أحوال معاملتك الخاصة مع الله أدعى وأعظم، فإذا استشعرت أن الله الآن يقول لك: قم فصل ركعتين، أن الله الآن يقول لك قم فتصدق، أن الله يلهمك أن تتحرك نحو الخير، بادر لا تتأخر ابدأ سارع استجب إلى ربك وأنت مستشعر: “الله تفضل علي”.
شهود المنة في خواطر الخير، تدفع العجب !!

تريدون فائدة اخرى لهذا الموضوع؟ أن نعرف ونستشعر ونحس أن هذا الخاطر من الخير جاء إلهاما من الله عزوجل، بأن تتخلص من مرض العجب، وسيأتي الكلام عن تفصيله في أمراض القلوب في آفات النفس، العُجب: أن يغلب على قلبك شعور أنك أنت الذي عملت من نفسك من ذاتك تمن على الله، أنا صليت الآن أعطني، أنا زكيت الآن أعطني، بعرقي كما يقولون هذا استحقاق (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) التي ضيعت إبليس.
مالذي يحميك من العجب؟ كلما استشعرت أن كل عمل من الأعمال الصالحة كان بدايته خاطر من الله عزوجل، أو خاطر جاءك من الملك ساقه الله تعالى إليك هل يمكن أن تعجب من نفسك؟ هل يمكن أن تمن على الله بعمل أنت استشعرت وشعرت أنه ألهمك إياه؟ أنه ساق إليك ملكا نورانيا، اذا استشعرت هذه المعاني قبل أن تعمل الأعمال الصالحة فلا يمكن للنفس أن تلعب عليك، لكن إن فرضا صليت، زكيت، صمت، حجيت، قرأت القران الكريم ماشاء الله رتلت أتقنت المخارج والحروف، حفظت، أجزت في الحفظ ماشاء الله عليك، صرت تقوم شيء من الليل صرت تصوم شيء من النافلة، بدأت النفس تشعر: أنا فعلت، كانوا يقولون أن إبراهيم بن أدهم رحمه الله زار أحد الناس الذين يعرفهم فلما جاء أراد أن يقضي حاجته وتوضأ أراد أن يصلي ركعتين، فقال: انتظر حتى آتيك بسجادة تصلي عليها يافلانة -يكلم زوجته- هاتي السجادة التي جئنا بها من الحج، ليست الحجة هذه ولا التي قبلها، الحجة التي قبل التي قبلها، فاسترجع سيدنا إبراهيم بن أدهم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال: وماذاك، قال: أبطلت ثواب ثلاث حجج في لحظة! صرت تستعرض ما الحجة التي قبلها والتي قبلها والتي قبل التي قبلها!.
بعض الناس تزورهم يقول: هاتوا لنا التمر الذي جبناه من العمرة ليست هذه العمرة، العمرة التي قبلها، قلنا: لا بأس افرح بالحج وافرح بالعمرة حدث بنعمة الله، لكن انتبه لاتشعر بشيء من المنة، تعرف أين المحك في ذلك؟ لما تحصل لك مصيبة أو مشكلة، كلنا تحصل لنا مشاكل أجارنا الله وإياكم من المصائب، إذا جاءت مشكلة وحصلت لك، إن غلب على قلبك الغفلة عن استشعار أن هذا الخاطر كان من الله الأعمال الصالحة، تبدأ آثار الانهيار: رب ماذا فعلت؟ ماذا عملت؟ ماذا غلطت؟ يارب لماذا المصيبة هذه، انظر هؤلاء الذين يعصونك يفعلون كذا وكذا لماذا أنا من بين الناس كلها، أنا الطائع المستقيم تجيب لي هذه المصيبة!! اخسر في هذه الصفقة، ما أنجح بالترتيب الفلاني! من أين دخل الشيطان عليك هنا بهذا العجب؟ من أين ضعفت عليك نفسك؟ عندما فعلت الخير غفلت عن أن هذا الخير الذي فعلته كانت بدايته خاطر الله ساقه اليه، هو فضل من الله تعالى..
ولهذا كان السلف الصالح إذا عمل احدهم عملا صالحا يقول: أحتاج أن أشكر الله على أن وفقني إلى هذا العمل الصالح، ثم يقول أحتاج أن أشكر الله لأنه وفقني لأن أشكره على العمل الصالح، فيرى أنه في دوام الحياء من الله سبحانه وتعالى.. هذه معاني، لكن هذه المعاني عليها قوام سيرك إلى الله، لأن الله عزوجل غني عن صلاتنا وصيامنا وحجنا وزكاتنا وجهادنا وأعمالنا كلها، ولكن يناله التقوى منكم، إذا رأى من قلوبنا استشعار هذه المعاني ثمَّن هذه الاعمال.
قد سمعت عن احد مشائخ الشام الشيخ محمد شقير حفظه الله والعلماء ينقلها عن من قبله لكنني سمعتها منه قال كلمة هزتني كثيرا، قال: الأعمال الصالحة كلها أصفار، انتبه للكلام هذا لكن لا تاخذ نصفه وتترك الباقي، الأعمال الصالحة كلها أصفار الصلاة صفر، الحج صفر، الزكاة صفر، الصدقة صفر، الذكر صفر، التلاوة صفر، ورقمها الإخلاص.
معك صفرين ثلاثة اصفار أضفت جنبها رقم صارت كم؟ ألف، صفرين مائة، ثلاثة أصفار ألف أربعة أصفار عشرة آلاف، تزيد كلما زدت الأعمال الصالحة تزيد، لكن لو أبعدت الرقم هذا؟ أصبحت أصفار لاقيمة لها، قال: أعمالنا الصالحة كلها أصفار ورقمها الإخلاص لله عزوجل.
والإخلاص عمل ولا معنى؟ الإخلاص معنى نعيشه لهذا في سيرك إلى الله، الأساس هو المعاني، والمعاني هي التي تجعل الأفعال والأعمال تثمر فيما تقابل به ربك سبحانه وتعالى.
خاطر خير في باطنه شر

هذه قصة على سبيل الدعابة وهي قصة مؤسفة حصلت، شاب أراد أن يخرج لشيء من الأعمال التطوعية الخيرية، أصحابه قالوا: عندنا عمل تطوعي نريد أن ننقذ أناس ونساعد فقراء ومحتاجين، لا تكن أناني حمسوه، سيخرج لعمل خيري عندما لبس وخرج مستعجلا تأخر خمسة دقائق عن الموعد جاءت أمه عجوز على باب البيت، ولدي ولدي أنا جئت من السوق، الأكياس ثقيلة ساعدني أدخلها على المنزل، ياأمي أنتِ على أكياس سوق بطاطس وطماطم، أنا سأخرج لمساعدة ناس في مسألة مهمة وكبيرة، يا ابني ساعدني قليلا دقائق، يا أمي أنا مستعجل، أمه وقفت في طريقه، يا أمي الله يحفظك امسك بكتف أمه، يا أمي الله يحفظك هذا إنقاذ أرواح، يا أمي ابعدي الله يبارك فيكِ سقطت أمه على الأرض وانكسرت رجلها.
العمل في مبدأه خير أو شر في بدايته؟ هو ذاهب إلى أين؟ إلى مساعدة ناس، إلى دعوة إلى الله إلى مساعدة فقراء، إلى أعمال إغاثية، إلى جهاد، إلى أي عمل خير، لكن في الطريق ارتكب معصية لا تكافئها الأعمال الخيرة الأخرى، مالسبب؟ أن استجابته لهذا الخاطر كان فيها نوع من إغفال احتمال ورود الشر والاستدراج من الشيطان.
معرفة خاطر الخير الذي في باطنه شر

1. عجلة دون تأني: يستعجل فلا يفكر ما الأفضل، ولا في كيفية يعمل هذا العمل، عجلة دون تأني يعني دون تفكر في المقصود، دون تأني دون النظر إلى كيف تؤديه .
2. أمن دون خوف: ما فكر إن كان قد أخطأ في المعاملة مع الله، قد لا أكون مخلصا، -ولا أعني بهذا التفكير بأن تتراجع- فكر واشتغل اخرج إلى الخير واخشى أن يكون عندك نقص إخلاص، لايأتي الشيطان يضحك عليك، أنت غير مخلص.. أحسن اجلس! وإذا أنت جلست وفرت على الشيطان، أصلا هو لماذا يحتال عليك بالرياء؟ ليحبط العمل الذي يزيدك الاجر، فأنت وفرت عليه الجهد يقول لك شكرا، لكن لا!! أمن في غير خوف، أي: ماحسبت حساب للعواقب، ماخفت أن يكون هناك نقص في الصدق في تصحيح النية .
3. نشاط في غير خشية: تؤدي العمل باجتهاد لكن أثناء أداء العمل بنشاط دون شعور بالخشية.
4. عمى على العاقبة: مامعنى عمى على العاقبة؟ يعني مافكرت ما مقصودك من هذا العمل، قررت أن تعمل عملا خيريا.. إغاثيا، لماذا تعمله؟ فقط لأنه إنساني؟ أم تريد بذلك أن تتقرب إلى الله بعمل يحبه الله؟ تريد أن تستخرج من قلبك معنى الرحمة، الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، فالنظر في عواقب الأمور أساس، ولو رأيتم اكثر الأعمال الخيرية التي تحولت بعد ذلك إلى أعمال خاطئة أو تضر المسلمين أو تضر بالدعوة إلى الله عزوجل لوجدتم الذين استجابوا لها قد يكونوا ممن أرادوا الخير لكن أغفلوا هذه الأربعة..
كانوا في عجلة في غير تأن، ونشاط في غير خشية، وأمن في غير خوف، أي من الله وعمى عن العاقبة عدم النظر إلى عواقب الأمور، يكون خاطر خير استجب وسارع، أمرنا بالمسارعة الى الخير لكن فرق بين المسارعة وبين العجلة، المسارعة أن تخرج من نفسك قرار العمل وتبدي لله عزوجل همة العمل، لكن العجلة عدم النظر في كيفية أداء العمل على طريقة يحبها الله.
سمع أن من صلى عشرين ركعة فقد أدى التراويح كاملة كما جاء في السنة التي عليه الخلفاء الأربعة والمذاهب الأربعة وجمهورنا، تريد ثمانية صليها ثمانية، تريد ستة صليها ستة، تريد عشرة صليها عشرة، صليها ركعتين لا تجعل المسألة قضية، لكن المقرر عند الجمهور من أهل العلم أن كمال التراويح عشرين، قال شخص: أنا أريد إكمال سنة التراويح، صلى عشرين، أين تذهب؟ قال: سأذهب للمسجد الفلاني، لماذا؟ لأنه والله شيخ ضرب الرقم القياسي!!! الله اكبر.. آمين بعد الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله احد، الله اكبر، بسرعة يكمل صلاة التراويح، الله الصمد، الركعة الثانية لم يلد الركعة الثالثة. لماذا بحثت عن المتعجل هنا؟ هذه العجلة المذمومة مايكاد يركع إلا اعتدل، ما الإشكال هنا؟ أنه أدى العمل كاملا لكنه لم يأخذ هنا لا الخشية ولا التأني ولا الخوف ولا النظر في العاقبة ثمرة الصلاة.
ننصرف من هذا المجلس

بمعرفة التفريق بين خواطر الخير وكيف نتعامل معها التي من الله مباشرة إلهاما، والتي من الملائكة لمة، وخرجنا منها بمعرفة كيف نفرق بين خاطر الخير الحقيقي والشر الذي يأتي في صورة الخير.
بقي عند انصرافك من هذا المجلس هل ستعمل بمثل هذا الكلام؟ هل ستخصص وقت تتأمل فيه وتتفكر؟ هذا سيرك الى الله.
اللهم يامن وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه وفقنا للخير وأعنا عليه، لاتحرمنا خير ماعندك بشر ماعندنا فضلا وإحسانا وجودا وامتنانا برحمتك يا ارحم الراحمين، واللقاء بإذن الله في المجلس القادم للحديث عن مداخل الشيطان على نفس الإنسان وكيفية التخلص منها أعاذنا الله وإياكم من الشيطان والحمد لله رب العالمين .

محب الحبيب علي
10 Sep 2008, 08:19 PM
الدرس الثامن - مداخل الشيطان


الحمد لله حمداً ندخل به في حصنه من شر شيطان وأذاه ومداخله وسواسه وصلى الله وسلم على من حصن أمته بهديه وتذكيره وتنبهيه وتعليميه حتى تركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا و مولانا محمد وعلى آل بيته وأصحابه وعلى تابعيهم و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
كان الحديث في المجلس الماضي (http://www.almoreed.com/archives/episode7/) قد انتهى بنا إلى الأخذ بمعرفة الموازين التي نميز بها بين الخواطر فنميز بين خاطر الخير والشر وأنواع خواطرالشر لندفعها بما يتناسب معها وأنواع خواطر الخير لنتلقها بما يليق والأدب مع المصدر الذي تأتي عنه، وختم المجلس الماضي بالتمييز بين خاطر الخير الحقيقي وخاطر الشر الذي يأتي في صورة الخير ليوقعنا في شر أشد منه أو ليفوت علينا خيراً أكبر منه.
على كلٍ لعلكَ.. لعلكِ من المجلس الماضي والذي قبله إلى الآن ابتدأت تخاطب نفسك في شأن الخواطر، بالمناسبة قبل أكثر من خمسة عشر سنة تقريباً كان درس عن الخواطر مع بعض إخواننا من الطلاب كنا نقرأ في منهاج العابدين لحجة الإسلام الغزالي، ولما جاء عند ذكر الخواطر وجاء شرحها قيد الشباب أي كتبوا المسألة ففوجئت بعدها بشهر بشهرين بأحد الشباب
صمم برنامجاً على الحاسوب تدخل عليه الخاطر يسألك أسئلة شيء فشيء إلى أن يوصلك هذا خير أو شر، ومن أي مصدر جاء .. كان في تلك الفترة لايزال بدائياً لا أدري هل طوروه الشباب أم لا؟! لكن هذا ملمح إلى ما يمكن أن يُعمل في نشر هذا العلم بيننا، نحن بحاجة اليوم في سيرنا إلى الله إلى إحضار هذا العلم فيما بيننا، إحضاره على مختلف المستويات في الجامعات في المدارس في السوق في المسجد في تعاملاتنا في خروجنا في رحلاتنا، دعونا نتذاكر مع بعضنا البعض في مثل هذه المعاني التي تعيننا في سيرنا إلى الله عزوجل، إذا جلستم مع بعضكم في مناسبة في خروج في دخول على البحر في الجبل تذاكروا في شيء من هذه المعاني، إذا أعطى الله عزوجل أحدكم مُكنة إما في برمجة أو في غيرها، يفكر في كيفية خدمة هذه المعاني من كانت لديه مُكنة إعلامية أياً كانت وظفوا إمكانياتكم في إحياء هذا العلم بين الأمة لأنه روح الدين، وعليه مدار ارتقاء أمتنا .. لأمة عندما ربى أعداد منها نور الدين زنكي بالقرب من هذا المكان في جبل قاسيون (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%A8%D9%84_%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%88% D9%86) على إحياء علوم الدين كان خريجوا هذه المدارس أمثال صلاح الدين الأيوبي وجيش صلاح الدين الأيوبي الذين فتحوا بيت المقدس، الأمة بحاجة إلى تثوير علم السلوك السير إلى الله عزوجل ..
رحلة الشيطان في عداء الإنسان

حديثنا في هذا المجلس عن مداخل الشيطان أجارنا الله تعالى وإياكم منه، نحن اتفقنا أن كيد الشيطان ضعيف، الله أخبرنا بذلك {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} واتفقنا أنه يدفع بالذكر، فما الحاجة إلى الخوض في تفاصيل مداخل الشيطان؟؟ نحن بحاجة إلى ذلك لأن هذا يعطي الإنسان التبصر بنفسه هو.
الشيطان إذا ذكرت الله خنس، لكن الشيطان من أين يدخل عليك؟ والله لولا ظلمة النفوس، لولا أمارية النفوس في السوء، لولا حظوظ النفوس، لولا أمراض القلوب، ما استطاع الشيطان أن يدخل.. يعني يمكن أن يصل الإنسان إلى حالة الشيطان فيها لا يستطيع أن يوسوس له؟ نعم يمكن والدليل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إن الشيطان ليفرق منك يا عمر” -الجامع الصغير للسيوطي بسند صحيح- ليس فقط الشيطان يعجز عن اللعب بقلبك والوسوسة يخاف من ظلك يشرد يهرب من ظلك وقال صلى الله عليه وآله وسلم : “ايه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك” أي أن الشيطان لا يصلح أن يقترب من ذات قد إمتلأت بهذه المعاني..
ومن علامات أصحاب هذه الذوات أنهم لا يأمنون جانب الشيطان، طيب الشيطان لا يقدر أن يقترب منهم هو لا يقدر أن يقترب منهم لأنهم قد هذبوا أنفسهم رقوها لله عزوجل أيضا هم لم يأمنوا جانب الشيطان.
* قصة : كانوا يذكرون عن إمام أهل السنة في زمانه أحمد بن حنبل رضي الله عنه ورحمه ونفعنا به لما كان في سكرات الموت رزقنا الله وإياكم حسن الخاتمة وخفف عنا سكرات الموت كان أصحابه من حوليه عندما يرون السكرات تأخذ به يرددون حوله لا إله إلا الله سنة عندما يحضر أحدكم عند محتضرأن يردد عند مسمعه لا إله إلا الله لا يقل له قل قل لا إله إلا الله لانه كرب الموت وشدة الموت تجعل الإنسان قد يستثقل أحياناً الكلام الذي بجانبه فتكون آذيته جعلته يستثقل لا إله إلا الله وهو في آخر عمره لكن رددها على مسمعه فإن نطق اسكت أفتكر أن يكون هذا آخر كلام فإن نطق بشيء آخر كرر لا إله إلا الله على كلٍ.
كانوا عند الإمام أحمد بن حنبل، فكانوا يقولون له: لا إله إلا الله، فكان هو يقول: لا ليس بعد ليس بعد!! إمام أهل السنة أحمد بن حنبل يقولون: لا إله إلا الله وهو في سكرات الموت لا ينطق بها وهو يقول: لا ليس بعد!!، فأخذهم وجوم خافوا قلقوا طلابه وأحبابه ففتح عينه بعد أن افاق قليلاً فقال: هل كنتم تقولون شيئاً هل كنتم تقولون شيئاً؟؟ قالوا: نعم كنا نقول لا إله إلا الله وكنت تقول لا ليس بعد، قال: أما وإني لم أكن أكلمكم ولكن إبليس -أعاذنا الله- منه قد ظهر لي وهو عاضٌ على إصبعه يقول آه أفلتَّ مني يا ابن حنبل!! يريدني أن أعجب بنفسي فألقى الله على العجب، فقلت له: لا ليس بعد.. أي ما دامت الروح في الجسد فلا يمكن أن آمن هذا المكر. هؤلاء أصحاب النور الذي لا يستطيع الشيطان أن يلج إلى قلوبهم هم أكثر الناس تنبهاً وتحذراً وحيطةً انتباهاً من مداخل الشيطان لهذا نحن بحاجة لمعرفة مداخل الشيطان .
أولاً لنفقه في هذا الطريق ونعرف أن هناك أنفسنا لا يقوى الشيطان على التأثير على الإنسان إلا بقدر السوء الذي في نفسه هو، الإنسان بقدر النصف الذي منك الشيطان يستطيع أن يصل إليك وكلما ارتقيت كلما ضعفت صورة الشيطان معك لكنه يحاول أن يدقق في الحيل الأمورما ييأس الشيطان مادامت الروح في الجسد ..
مداخل الشيطان

هناك سبعة مداخل ذكرها أهل العلم للشيطان، هذه المداخل السبعة تستطيع أن تعتبرها أمثلة أي ملامح لمداخل الشيطان أما تفاصيلها يمكن أن تتفرع منها سبعين.. سبعمائة.. سبعة آلاف.. سبعمئة ألف لا منتهى لها، الشيطان لا يمل ولا يكل، لكن السبعة هذه أساسية التي من خلالها يدخل الشيطان .
1. صرفك عن العمل

قررت أن تعمل شيء من الصالحات، لا ما في داعي!! أذن الفجر قم صل، تعبان نام الله غفور رحيم!! يعني الغي فكرة العمل، ورَدُها بالاستعاذ بالله منه ومخاطبة النفس بإني في حاجة للعمل وإن لم أعمل فبمَ ألقى الله؟ كيف أرضي الله ؟ كيف أهذبك يا نفسي الأمارة بالسوء ؟ هذا الجواب على من؟ على الشيطان؟! لا، الشيطان لا يحتاج إلى مناقشته، الشيطان: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) لكن هذا الجواب على النفس التي استقبلت وسوسة الشيطان، الوسوسة تكون من أين؟ في قلب مؤثرة في النفس، أنت تجيب على أثر الشيطان في نفسك أنا بحاجة إلى العمل فإذا قال الإنسان أنا بحاجة إلى العمل ينصرف الشيطان؟ ينصرف عندما تذكر الله، سكت يرجع مرة أخرى يقول لك : اعمل العمل لكن ليس الآن!! بعد قليل.. وهذا المدخل الثاني..
2. التسويف

بعد قليل.. غداً بعد غد!! فقط فترة الإجازة، الآن بدأت عندي عطلة أخلص العطلة وأرجع إن شاء الله أحافظ على الصلاة، وبعدها نبدأ ننتظم في الصلاة بعدالعطلة ولكن يقول لك الزكاة!! تقول: أخلص الصفقه الفلانية وأبدأ أخرج الزكاة، أترك الربا!! لا لا بس باقي لي عدد معين حتى أكون في مستوى معين في العمل والدخل، التسويف التأجيل غداً بعد غد، غداً بعد غد، فقط لما أتزوج وإن شاء الله أستقيم وأكون تمام ..
علاجه:
بالنسبة للشيطان: الإستعاذ بالله مالنا منه إلا الاستعاذ بالله منه الذكر يخنس.. وبالنسبة للنفس : أمرين :
الأول : تتذكر الموت، أن الموت له موعد يستأذنك؟ في أي وقت يأتي, افرض جاءك الموت قبل أن تتزوج؟ كيف تعمل مع الله؟ تقول: يارب أنا قلت أريد أعمل صالح لكن لما أتزوج؟!! جاءك الموت قبل أن تنال الصفقة وتترك الربا, جاءك الموت قبل انتهاء الإجازة الصيفية, تذكر الموت.
الثاني :تذكر أن لكل يوم عمله، إن أديت عمل هذا اليوم استقبلك اليوم الثاني وفيه عمل يحتاج أن تقوم به, فإذا أجلت سَوَّفتَ إلى اليوم الثاني وعملت عمل اليوم في اليوم الثاني، عمل اليوم الثاني متى ستعمله؟ اتضحت؟ إن فرصة من فرص الارتقاء من الله في ميادين القرب قد فاتتك! كان بإمكانك هذا اليوم أن ترتقي إلى الله, لما أجلت فاتتك فرصة من فرص الإرتقاء, غيرك وفق فيها إلى الله عزوجل, هذا الرد على المدخل الثاني..
لكن قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذكرت الله خنس الشيطان, فقلت لنفسك: الموت قادم وإذا أجلت عمل اليوم إلى الغد فمتى أعمل عمل الغد؟ لا خلاص اعملي قالت النفس: حاضر سأعمل, يتركك الشيطان؟ لا!! ما يتركك يأتيك مرةً ثالثة يأتيك من المدخل الثالث..
3. الرياء

يقول لك الشيطان اعمل هذا العمل لكن دع الناس يرون، عرف الناس، لماذا أعرف الناس؟ سيكون فيه رياء؟؟ لا لا!! لما يرونك سيحترموك أكثر، هذا لما يرونك سيقتدوا بك في الخير، خلهم يرونك.. طبعاً جيد أن يقتدي الناس بالخير هناك من يصدق، لكن (يطلب) أحياناً يلعب الشيطان عليك مثل هذه اللعبة: تكلم قل عملت كذا وكذا..
* قصة: كان أحد تلاميذ الإمام عبد الوهاب الشعراني عليه رحمة الله من كبار أئمة الأزهر جاء إليه أحد التجار وقال: أنا سمعتك سيدي تتكلم عن صدقة السر وأجر صدقة السر وأنا قررت أن أتصدق صدقة السر دلني على فقراء يستحقون صدقة السر وسأذهب في الليل، قال: لا أُراك تأهلت الصدقة السر يا أخي، قال: لا جربني، قال: أتصبر؟ قال: نعم اصبر.. حسنا، البيت الفلاني في الحارة الفلانية فيه أسرة مستورة من أهل بيت طيب وحسن ولكن الزمان جار عليهم ويحتاجون ولم يعلنوا ذلك لأهل الزمان (يحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ)، قال: جزاك الله خيراً.. وفي الليل ذهب ومعه كيس من ذهب، وقرع الباب ولم يره أحد ووضع الكيس وتركه قبل أن يروه أصحاب البيت، جاءفي اليوم الثاني في مجلس سيدي عبد الوهاب الشعراني وجلس في المجلس، ساكت ساكت ساكت!! هناك شي في داخله يتحرك يريد يتكلم، قال: شيخنا، قال: نعم، قال: أبشرك الحمد لله صدقة السر انتشرت بين الناس هذه الأيام بدأت الناس تعتني بصدقة السر بفضل الله تعالى على الأمة، تبسم سيدي عبدالوهاب و لم يعلق، بعد قليل ثار الكلام في أمورأخرى، قال: تعرف يا سيدي في الحارة الفلانية كان إهتمام بصدقة السر بلغني ذلك، فنظر إليه وضحك سيدي عبدالوهاب الشعراني، بعد قليل قال: سيدي من باب فقط الإقتداء لأن الجالسين الآن في مجلسك من التجار وأريدهم يقتدون البارحة تصدقت صدقة السر، قال: قلت لك لم تتهيأ بعد لصدقة السر!!
فالمدخل الثالث يأتيك في الرياء يقول لك: أنت الآن قم وإذا بدأت الناس تخرج إلى المسجد اسبق قبلهم يدخلون يجدونك في المسجد قائماً ينظرون إليك هذا رياء، ما معنى رياء: أن يرى الناس عملك يكون هناك اهتمام بأن يرى الناس عملك ليثنوا عليك لترتفع منزلتك عندهم، ما الخطأ في ذلك؟ أنك لم تكتفِ بنظر الله إليك!! لو كان قلبك قد امتلأ بالله واكتفى بعلم الله لما بحثت عن مكانة عند الخلق، يأتي الشيطان بذلك، أنت قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وصرفت الشيطان أتى بمسألتين أتى بمسألة نفسك أثر المسألة بنفسك وهي النفس فلم تبلغ عظمة الله إلى الحد الذي يكفيك فيها أنه مطلعٌ على أمرك، هذا يعالج هذا المرض يحتاج إلى شغل سيأتي الكلام عن تفاصيل الرياء بعد ذلك في المجالس القادمة إن شاء الله ..
4. التعجيل في أداء الطاعات

يقول لك الشيطان: يالله بسرعة، عجل أنجز ما في وقت، صل الركعتين، يالله سمع الله لمن حمده الله أكبر.. اضرب رقم قياسي سريع!! يحثك على العجلة في العمل حتى تفقد معنى الحضور مع الله في العمل، الكيكة فاتت الشيطان على الأقل يأخذ منها قليلا، مادمت عملت عمل، يحاول قدر المستطاع، يحاول أن يصرفك، يحاول أن يؤجل، يحاول أن يوصل العمل بالرياء، ما قدر!! ماذا يعمل؟ على الأقل يجعل العمل مختلا فيأتيك بالتعجيل بالعمل، أسرع أسرع، أنجز بسرعة، كم قرأت من القرآن؟ رمضان سيدخل على الناس جاءهم ليقرأ، تجد الواحد وهو يقرأ ممسكا على الصفحات ربع حزب.. نصف حزب.. ثلاث أربع حزب.. جزء.. وصل للرقم القياسي، دون تأمل دون حضور قلب، هذا التعجل فإذا استعذت بالله من الشيطان يشرد ويذهب، لكن كيف تعالج المسألة؟؟ الله عز وجل يا نفس غني عن هذه الطاعة عن هذه العبادة وأنا محتاج إلى أن يرضى عني، إن الحضور مع الله من روح العبادات، الذي يصلي بدون حضور، الذي يؤدي الأعمال متعجلاً بغير حضور قلب، كالذي يهدي إلى الملك حيوانا ميتاً، يهدي إلى الملك خيل جميل لكنه ميت!! ما فائدة هذه الهدية؟؟!! فلا تقدم إلى الله عزوجل أعمال بدون حضور.
5. العجب

سيأتي إليك يقول: أنت ما شاء الله عليك، عيني عليك باردة مثلما يقولون، حاول معك الشيطان ما صرفك، التسويف ما نجح معك، الرياء ما جعلك تنظر إليه، العجلة ما تعجلت، من مثلك انظر اليوم، كيف آخر زمان الناس الذين يصلوا، يزرع العجب في داخله ما صلاتكم هذه التعبانة قم يا أخي صل مثل الناس، أحد تصدق يا أخي ما الصدقة التعبانة هذه، يا أخي تصدق بشيء له قيمة، اخجل من نفسك لا تتصدق، ويبدأ هو يعيش أستاذ على الآخرين في عمل الخير الذي يعمله، أصبح في حالة عجب بالنفس والعجب من محبطات الأخلاق، لماذا؟ لأن فيه ظلمة يسمونها ظلمة المنة على الله، كنا نتكلم في المجالس الماضية أن العمل الصالح الذي تعمله بدايته ماذا كان؟ خاطر، والخاطر من أين؟ إلهام من الله ولمة الملك أي عطية من الله في كل الأحوال، كيف تمن على الله بشيء هو أعطاك إياه جل جلاله!! فتستعيذ بالله من ذلك ينفر الشيطان تعالج هذه المسألة يا نفس السوء استحي اخجلي لا تري لعملك مكانة.
6. خواطر في العقيدة

يأتي إليك الشيطان في مدخل عميق جدا وهو اللعب في العقيدة، يقول لك: لا تتعب نفسك، تعمل عمل صالح، حرمت نفسك من أشياء، تريد تتمتع بها تعبت نفسك، ما تدري الخاتمة، نحن ما ندري يا أخي لو كنت عند الله سعيداً سواءً اجتهدت الآن أو تركت ستنجح فيتوب الله عليك قبل الموت، وتمشي تمام الأمور لو كنت عند الله شقي ما ينفعك.
إبليس سجد ملأ الأرض سجدات، ما ستنفعك شيء خطير .. خبيث أجارنا الله وأعاذانا وإياكم منه، ما جواب هذا جوابه (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) يصرف الشيطان .
علاج أثرها في قلبي .. يا قلب: الله عز وجل خلقك وكلفك بالعمل ولم يكلفك بالنتيجة والخاتمة، “اعلموا فكلٌ ميسرٌ لما خلق له” هو خلقك، أمرك تعمل، كيف تأتي الخاتمة؟ هذه عنده، أنت تعمل تصدق وتلجأ إليه وحاشاه أن يخيب من التجأ إليه، الرد مقنع صحيح لكن الشبهه كيف كانت؟ خبيثه!!
7. الدقائق

يرجع إليك بشيء يسمونه العلماء: الدقائق، ما معنى الدقائق؟ كل الكلام اللي ذكرناه من الأولى إلى السادسة كلام واضح، يبدأ يأتيك بالدق منها، ما معنى الدق؟ مثلاً الرياء: هناك رياء مفضوح -كما يقولون إخواننا المصريون بالمفتشر- بالواضح بالظاهر، مثل ماذا؟ قال: شخص يصلي فلاحظ أن الناس تنظر إليه وهو يصلي في المسجد، حسن صلاته وجَوَّدها و تخشّع، حاول أن يتقن فأعجب به أحد الحاضرين وأخذ ينظر إليه وهو كلما نظر إليه كلما تخشع أكثر، فلما انتهى من الركعتين وسلم جاء إليه هذا بأدب وقال: ادعُ لي يا أخي ما شاء الله يبدو عليك رجل صالح، صلاتك النافلة هذه فيها خشوع، قال: وأيضا أنا صائم نفل اليوم ماشاء الله الحمد لله بفضل الله أيضا صائم نفل!! هذا رياء بالمفتوح, لكن هناك الدقائق ماهي الدقائق؟ يأتي الشيطان بوجه آخر من الرياء .. يضحك على الإنسان، يأتي يقول أنت اخلص لله، والله سيجعل الناس تشعر بعملك فلا تعمل لذلك، أنت تعمل لله والله تعالى هو يشعر الناس ..
كم مرة حدثتك نفسك بذلك, حصل؟ ربما تعد ذلك من الرقي في الإخلاص!! أنا أعمل لله مخلصا وهو سيجعل الناس يحترمون ويشعرون، أانت تطلب الإخلاص لماذا؟ لمن تخلص؟ لله. فكيف الإخلاص الذي هو قمة المعاملة مع الله تحرفه إلى وسيلة لنيل رضوان الناس؟؟! أنا سأخلص معه وهو سيجعل الناس يعلمون ذلك يقبلون علي يحترمونني يثنون علي، أنت تطلب بالإخلاص أن يجعل الناس يأتون إليك؟ غويطة هذه؟عميقة؟
مثلها يأتيك الشيطان يقول: صلِّ لاتلتفت إلى الناس، لا تلتفت إلى ثناء الناس أخلص مع الله تعالى, بعد ذلك وأنت خارج بعد ماصليت في جوف الليل ركعات خارج للمسجد عند باب البيت مررت بمرآة، نظرت إلى وجهك!! ما شاء الله ظهرالنور في وجهك أولا !! الناس يقولون لك: ماشاء الله وجهك منور, تقول: الحمدلله، تعرف صلاة الليل الله يكرمك إن شاء الله، صلاة مباركة وفيها وفيها, دقيقة من الدقائق.
مثلها في العجب مثلها في التسويف، من دقائق التسويف التي يلعب بها الشيطان على الإنسان يأتي يقوله يرى أنه يريد يعمل عملا صالحا يريد أن يتصدق بمائة ألف مثلا, يأتي الشيطان يقول: تمام الصدقة هذه ممتازة وعجل بها أخرجها، لكن ممكن يكون غدا باب للتبرعات يفتح, في كارثة أعلنوا بأنه ممكن يحصل إعصار في المنطقة الفلانية, أجل إلى أن يحصل الإعصار وأنفق المائة ألف فيها, من الآن إلى أن يأتي الإعصار تكون المائة ألف صرفت في شيء متاع الدنيا، ذهبت ضحك عليك!!
الشيطان لم يقل لك: سَوِّف تسويف مطلق، جاءك بتسويف دقيق, لهذا كان السلف الصالح إذا خطر في قلوبهم عمل شيء من الخير يباشرون يبادرون إلى عمل الخير لايأمنون أن يأخرونه..
ننصرف من هذا المجلس


الأمر الأول: لاحظتم في جميع مداخل الشيطان أن علاجها ماذا؟ ما القاسم المشترك؟ الذكر لله عزوجل والاستعاذة بالله.
كم وردك يامريد للذكر في اليوم والليلة؟ وردك من قراءة القرآن؟ سيأتي الكلام عن آداب الذكر في مجلس إن شاءالله, لكن من الليلة هذه وردك من الذكر، اشتغل بذكر الله عزوجل سترى كيف أن الشيطان ينصرف عنك, قلب الذاكر لله لايحوم حوله الشيطان.
احرص على مسأله أخرى دوام الوضوء, كلما أحدثت توضأ فإن الوضوء سلاح المؤمن من الشيطان, توضأت اركع ركعتين، إن لم يكن في وقت نهي خروجا من الخلاف، إن كان وقت نهي مثل بعد العصر أوبعد الفجر إلى الاشراق اذكر: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أربع مرات عوضا عن الركعتين المهم حافظ على الوضوء.
ماذا عن سب الشيطان وشتمه؟ ماينفع!! يضحك الشيطان، ولايحصل شيء, بعض إخواننا بحسن نية، إذا ذهب إلى الحج، عند الشاهد عند مرمى الشيطان يأخذ الجزمة، أنت الذي جعلتني أطلق زوجتي ويضرب فيه، لا!! الضرب الحقيقي تضربه الشيطان (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وذكر ودوام وضوء، الاستمرار في الوضوء وتنام على طهارة واستيقاظ إلى طهارة.
الأمر الثاني: علمت من هذا الكلام أن لديك عدو يتربص بك، صحيح؟ عندما تعلم أن هناك عدو يتربص بك ماذا تعمل؟ ما ترضى أن تعيش سبهللة، أنت مريد الله, تريد القرب منه سبحانه وتعالى جل في علاه, لاترضَ أن تمر عليك الأيام والليالي ليس لمعاملتك مع الله قيمة في نفسك, إذاً عش وأنت متنبه، اترك المعاذير التي تلعب بها نفسك بك, تقول لك: كذا وكذا، له أصل وكيف الشيطان ضحك عليك، استعذ بالله وارجع إلى الله سبحانه.
إذاً المريد يعيش حياة اليَقِظ، أنت في حرب!! لكن التزامك على الصدق مع الله فترة سترى كيف تتفتق الأنوار في قلبك، وستتحول مرارة هذه المجاهدة والمتاعب، إلى لذة.. ملذات الدنيا كلها لو اجتمعت لا تساوي لحظه من هذه اللذة، لذة الأنس بالله، لذة المعرفة بالله، لذة القرب من الله عزوجل.
قال أحدهم: لو يجد الملوك بعض مانجده من لذة قيام الليل لجالدونا عليه ولو بحد السيف, تأملوا لماذا استحضر هنا الملوك عند ذكر اللذة؟ لأن الملوك بعد أن يجدوا الملك لايبحثون عن شيء أعلى من الملك إلا البحث عن الملذات, فابحث عن هذا المعنى الذي يفوق اللذة التي يجدها الملوك.
رزقنا الله وإياكم الصدق معه وأعاذنا وإياكم من الشيطان, اللهم اجعلنا من عبادك الذين قلت فيهم للشيطان (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) اللهم حققنا بهذه العبودية ولاتجعل للشيطان علينا يدا برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمدلله رب العالمين.

محب الحبيب علي
11 Sep 2008, 08:31 PM
الدرس التاسع - الكبر


الحمد لله حمد مفتقر إلى فضله وإحسانه وجوده وامتنانه، وصلى الله وسلم وبارك على إمام أهل الافتقار والانكسار والتواضع والاضطرار سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وبعد:


لعلك أخي قد راجعت نفسك بعد المجلس الذي مضى وأقمت على خواطرك ميزان المراقبة لله عز وجل وصححت وجهتك في ذلك، هل ميزت بين خواطر خير وخواطر شر كانت ترد على قلبك من المجلس الماضي إلى الان؟ مما سر بالقلب عند الانصراف من صلاة العشاء قبل قليل من الجامع، أن أحد الأخوان أثناء السير جاء يسأل:




كنت أصلي فخطر في قلبي خاطر أن أخفف صلاة الركعتين لأنوي أربع ركعات حتى تكون أفضل وأكثر، فمن أي أنواع الخواطر هذه؟ سررت أن من انصرف من مجلس الكلام عن الخواطر ذهب وبدأ يطبق ذلك في حياته، فقلت له أنت الآن في الصلاة والصلاة المطلوب الحضور فيها مع الله وقد عزمت.. قد نويت عند الدخول للصلاة أن تصلي ركعتين فانظر حالك الآن مع الركعتين .. فكل خاطر يأتي ليصرفك عن الحضور مع الله في الركعتين لاشك أنه من خواطر الشر، وكونه جاءك مرة بصرفها إلى أربع ركعات ومرة بصرفها للتكثير بالصدقة كما أخبرني إن لم تخني الذاكرة فمعنى هذا أنها من أين جاءت؟ من الشيطان، لماذا؟ لأنه نوع من أنواع الخواطر همه أن تخرج عن حضورك مع الله عز وجل في حال صلاتك، لهذا إذا دخل أحدنا إلى ميدان عبادة ينبغي أن يحكم حاله في العبادة وسيأتي بإذن الله الحديث عن الحضور مع الله في العبادات.
من منافذ القلب، إلى القلب نفسه ..

في مجلسنا هذا نود أن نتذاكر معا بعد أن مرت علينا أربع مجالس نتكلم فيها عن إحكام مداخل القلب، لو تذكرتم قبل مجالس أربعة كان مدخل السمع والبصر والفم والعين والأذن والفم وكيف تحكم حتى لا تكون مدخل للسوء للشر على القلب يتلوث، ثم الخواطر وكون هذه الخواطر مداخل.
بقي الإقبال على القلب أنت الآن أقمت ميزان تضبط به مايدخل على قلبك … بصرك وسمعك ولسانك وما يدخل على جوفك أنه من حلال، وضبطت الخواطر، ميزت بين خاطر الخير وخاطر الشر، وبدأت تروض نفسك وبدأت تدربها التعامل مع الخواطر، وأدركت المداخل السبعة للشيطان والتجأت إلى الله في سدها بقي القلب، الآن المنافذ أغلقت، من أقمت المصافي التي تصفي هذه المنافذ فلا يدخل في القلب سوء، لكن القلب نفسه إن أغلقنا منافذ السوء هل بقي فيه شيء من السوء أو لا؟
هذا حديثنا في المجالس التي تقبل علينا الآن، إذا أغلقت مداخل السوء على قلبك سينبغي أن تبدأ بالتنقية بالتطهير وبتخليص القلب مما علق به، مما تعلق به من السوء فيما مضى من الأيام، قبل أن تحرس عينك وأذنك ولسانك، قبل أن تضبط الخواطر، كانت أشياء خلصت ونفذت إلى قلبك .. تسللت القلب ومنها ما استقر في القلب.
والقلب في أول خلقه يُخلق على فطرة نقية .. الله سبحانه وتعالى يخلق الإنسان على أحسن تقويم (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)، وقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم: “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه“، إذا الأصل في الإنسان النقاء الطهارة، ليس من الصواب أن نعتقد أن الأصل في الإنسان الخطيئة فيحتاج إلى تطهير، لا!! فضل الله اقتضى أن الأصل في الإنسان الطهارة لكن اغفال الحفاظ على القلب يجعل القلب يتلوث .
والثوب الأبيض النقي إذا هب عليه الغبار والوسخ سارع إلى أن يلصق به هذا الوسخ فيحتاج إلى جهد حتى يتنظف، وكذلكم القلب.. القلب نقي أبيض فإذا تعرض لواردات السوء، إذا تعرض إلى القاذورات علقت هذه في القلب، فيحتاج إلى غسيل يحتاج إلى تطهير يحتاج إلى تنظيف يحتاج إلى معالجة ، فإذا أغلقت منافذ الشر على قلبك فأقبل على قلبك بتطهيره ونقِّ قلبك من الميل إلى محبة شهوات الدنيا، خاطب قلبك الحلال من شهوات الدنيا نأخذه لابأس، المتيسر لنا به نأخذ به بما يسر الله لنا وأباحه لنا..
القلب والدنيا

القلب لم يخلق لكي يلتذ بالدنيا، نعم الطعام التذ به بفمك، الشراب نعم التذ به بفمك، نعم المنظر الحسن الذي التذ به بعينك، الأشياء التي أباح الله لك بها التذ بها بنفسك وأعضائها المتعلقة بها، معاني التذ بها لكن أمور الدنيا، لا ينبغي للقلب أن يكون متعلق بشهوتها، حب الدنيا رأس كل خطيئة، أقبل على قلبك بمعالجة هذه المشكلة ولمعالجة هذه المشكلة تحتاج إلى: تفكيك هذه المشكلة، وهي الوقوف على معاصي القلب كيف نطهر قلوبنا من معاصيه الأصل، القبة.. السقف لكل معاصي القلوب محبة الدنيا لكن هذه تحتوي على عناصر من هذه العناصر: الحسد من هذه العناصر الكبر من هذه العناصر الرياء، تحتاج لتتعامل مع كل عنصر من هذه العناصر لتخليص القلب منه فتخلص من ظلمة محبة الدنيا، أيضا أقبل على قلبك من تنقيته من سوء الظن بالناس أو احتقار الناس أو الترفع عليهم املأ قلبك محبة للناس محبة خير للناس، رحمة بالناس “الراحمون يرحمهم الرحمن سبحانه وتعالى ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء” العلماء يسمون هذا الحديث الحديث المسلسل بالاولية، مامعنى مسلسل بالأولية؟ كل شيء يبدأ يقول حدثني شيخي فلان وكان أول ما سمعت منه هذا الحديث، لماذا جعله أول مايُسمع:”الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” قالوا: لأن في ابتداء سماع العلم في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحديث الرحمة بداية تهيء لطالب العلم، بداية صحيحة في فهم معنى كيف يتعامل مع العلم، كي يزداد مع العلم رحمة بالخلق فيزداد قرباً من الخالق جل جلاله، فإذا جئنا إلى أحد أمراض القلوب سنجد أن أخطر وأعمق وأدق وأشد وأصعب أمراض ومعاصي القلب ثلاثة، هذه المعاصي الثلاثة معاصي قلبيه، ومكانها القلب تترجم بعد ذلك بالتصرفات بأفعال بأقوال، ممكن!! لكن أصل المشكلة أين؟؟ في القلب ..
الكبر

في القلب ..
أول هذه المعاصي الكبر والعياذ بالله من ذلك، مرض الكبر أصله مرض دقيق اسمه العُجب مامعنى العُجب؟ شهود ونسبة الفضل إلى النفس لا إلى توفيق الله..
نجحت في عمل من أعمالك تقول هذا بذكائي هذا تخطيطي هذا بعملي، يا أخي أناس لهم تخطيط وعمل وإتقان أكثر مما عملت فلم ينجحوا فما الفارق بينكما؟! قال: ربما الظروف!! من الذي يجري الظروف؟ تدبير الله سبحانه وتعالى، إذا وجد الإنسان في نفسه مكنة في حفظ آيات من كتاب الله وكلامه صلى الله عليه وآله وسلم، من أين جاء ذلك؟ قال: سعيت وتعبت وذهبت إلى المشائخ، صحيح!! لكن من وفقك إلى ذلك؟ الله.. إذا استطعت أن تجمع شيء من المال وتنفقه في أعمال الخير من بر من صدقة من معروف نعم أنت الذي بذلت ذلك لكن من الذي ألهمك فعل ذلك؟ الله فنسبة شهود الفضل إلى النفس أو إرجاع الفضل إلى الله اسمه العُجب، إعجاب الإنسان بنفسه، العُجب هو أصل مادة الكبر في نفس الإنسان فإذا وقر في نفس الإنسان معنى العُجب بدأ الكبر، بدأت شجرة الكبر تنبت في قلب الإنسان..
الكبر له وجهان

وجه إلى الباطن ووجه إلى الظاهر، الوجه الذي للباطن: شهود الفضل للنفس على الغير، مامعنى هذا الكلام؟ أرى لنفسي فضلا على غيري أني افضل من غيري، أنا خير منه!! إبليس قالها (أنا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلقتني مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) من الذي أضاع إبليس الأنا.. قولك أنا خير منه، أي أنه رأى لنفسه الفضل، مالذي أثمره رؤية الفضل للنفس على الغير؟ أثمر شعور بالترفع على الغير، أثمر الشعور في أوله إحساس في داخل القلب لكن يتحول بعد ذلك إلى ماذا؟ إلى سلوك ..
مراحل الكبر

1. حال في القلب :

يبدأ الكبر في داخل نفس الإنسان يعُجب بذاته ينسب التميز أو الميزة التي عنده إلى نفسه وليس إلى الله، ثم بعد ذلك يقارن بين ماعنده وأحوال الآخرين فيرى في نفسه الرفعة على الآخرين، وقع في الشبك مادام لم ينسبه إلى فضل الله، سيقارن: أانا صرت كذا وهو.. هم.. أقل مني، ينظر إلى الآخرين أنه أفضل منهم، هذه كلها لاتزال في حدود القلب، خواطر في داخل القلب مالذي يثمره ذلك!!؟
2. سلوك ” تصرفات” :

مثل ماذا؟ يمر على أناس فلا يسلم عليهم ينتظر يسلموا عليه أولا، هذا أصبح سلوكا ينظر إلى الآخرين بعين الازدراء والانتقاص هذا أصبح ماذا؟ سلوكا.. يتعامل مع الناس بجفوة هذا أصبح سلوكا، يرفض قبول الحق من الآخرين إذا نصحوه، هذا أصبح سلوكا.. مالذي يثمره هذا السلوك بعد ذلك؟ أقوالا، إبليس كان في الحقيقة عابدا في البداية وهو من الذين أكثروا من صور العبادات حتى قال بعضهم: لاتكاد يوجد في الأرض شبر إلا وتوجد لإبليس سجدة فيه سجدها لله تعالى، عمل ظاهر مع إغفال تنقية القلب، كلما سجد كلما شعر: أنا اعطيتك يارب!! أنا سجدت لك!! استغفر الله، أنا عملت، أنا، المسألة أصبحت ذات، عودة إلى ذاته هو، ثم بعد ذلك بدأ يشير ينبغي أن يكون أفضل من غيره، يارب أنا سجدت وعملت، رقي وأدخل دائرة المقربين، فصار يقارن بين نفسه وبين بقية المقربين: أنا عبدت أكثر منهم، يطلب ارتقاء أكثر، خذ!! إلى أن صار رئيس المقربين وكان يلقب بطاووس الملائكة، إبليس كان يلقب بطاووس الملائكة!! سبحان الله إلى هذا الحد المسألة في داخله، لكن تحولت نسبة العبادة إلى نفسه وليست إلى الله فدخلت في العُجب ثم صارت مقارنة بينه وبين غيره، أنا رئيس المقربين طاووس الملائكة..
3. أفعال بالجوارح :

لما جاء وأصفى خلق الله عز وجل آدم من طين ونفخ فيه من روحه وأمر الله الملائكة أن يسجدوا له، حصل هنا إشكالان: إشكال من ذوات ليس فيها كبر ولكن أرادت أن تعرف، وذات فيها كبر، ليس من الخطأ أن تستشكل شيئا أن تعترض على شيء أن تستفهم شيئا، أن تقول أنا غير مقتنع بذلك أريد أن أفهم، هذا ليس مكابرة ليست عناد، إذا كان الصدق هو الذي دفعك إلى ذلك، الملائكة يقولون: (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) هذا سؤال استفسار، قالته الملائكة لرب العزة استشكلوا الأمر، هم يعبدون الله يسبحونه مخلوقون من نور لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون مايؤمرون لكن فجأة جاء الحق عز وجل خلق مخلوق من طين ماسجد لله سجدة واحدة ولا رؤي فيه فضل ولا تميز عليهم، وقال لهم: اسجدوا له {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} ماهذا الخليفة نحن نسجد ونعمل فقال الله تعالى {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، الملائكة توقفوا عند هذا الحد؟! نعم، سبحانك أنت تعلم مالا نعلم.. انتهت القضية لكن إبليس!! كان عنده الكبر نسب أعماله إلى نفسه وليس إلى توفيق الله، رأى أنه أفضل من غيره، كيف هذا مخلوق من الطين وتريدني ان اسجد له مامنعك أن تسجد؟ قال إبليس (أنا خير منه) جاءت مقارنة (خلقتني من نار وخلقته من طين) قال: (فاخرج منها)، لاحظوا هنا بدأت المسألة في داخله ثم صارت سلوكا، ماهو السلوك رفض السجود معصية الله عز وجل عدم الإقرار بأمر الله، هذا فعل امتنع عند ذلك عن الفعل، ثم تلاه بعد ذلك القول اللفظ أنا خير منه ثم تلاه بعد ذلك الإصرار على الباطل (فبعزتك لأغوينهم اجمعين) سأريك!! يقول لمن؟ يقول لرب العزة سبحانه وتعالى، يتحدى من؟ هذا من أين جاء؟ مصيبته الكبرى شعوره بالترفع، ترتب على هذه المصيبة مصيبة ثانية وهي المرآءة الرياء، وسيأتي الكلام عنه، يرى أنه أفضل، ترتب عى ذلك مصيبة ثانية وهي الحسد وبدأ بعد ذلك يؤذي آدم وذرية آدم ولازال يترصد لهم، أعاذنا الله وإياكم منه، من أين كل هذا جاء؟؟ من مصيبة الكبر، إذا عرفنا أين يكون منبع الكبر ..
حقيقة الكبر

الكبر في حقيقته إذا أردنا أن نتكلم عن الكبر من تصوير أو من زاوية أخرى هو جهل، من أين يأتي الكبر؟ منبع الكبر.. أصل الكبر: الجهل، ولهذا كان بعض السلف يقول (بقدر مايزداد الانسان فيه من الكبر يزداد فيه من الجهل) كان بعضهم يقول: (بقدر مايدخل في نفس لانسان من الكبر يخرج من العلم) لايمكن أن يجتمع كبر وحقيقة علم، صورة علم ممكن، يحفظ أحكام ويحفظ آراء وتقريرات ويتقن أعمال، لكن حقيقة علم لا.. لايمكن أن ينالها أبدا المتكبر، لماذا؟!! ماهو ارتباط الجهل بالكبر؟ أنت تتكبر بماذا؟ هذا مقياس الجهل على ماذا تتكبر؟ تتكبر بسبب العلم، هذا من الجهل لأن العلم إما أن يكون حجة لك أو حجة عليك كلما تعلمت أكثر كلما حاسبك الله تعالى أكثر فما الذي يجعلك تتكبر!! ويل للجاهل إن لم يعمل مرة، وويل للعالم حيث لم يعمل ألف مرة، تعال كلما ازددت علما كلما زاد الحساب عليك، إذا مالذي يجعلك تتكبر على الآخرين ؟!
بكثرة علمك؟ بماذا تتكبر.. بتدينك؟ قمت الليل صليت استقمت عملت شيء من الصالحات، صور من الأعمال الصالحة ضمنت القبول؟ بمَ تتكبر؟ تعال الذي وفقك إليها الله ولولا توفيقه ماعبدته ثم بعد ذلك أنت إلى الآن لم تتيقن من القبول هل قبلت أعمالك أم لم تقبل .. لا إله إلا الله .. ربما تنظر إلى انسان تزدريه وترى أنه لاشيء أمام ما عندك من علم أوعبادة أو استقامة قد يكون قلبه معموراً مع الله أضعاف مافي قلبك، ربما تدخل الجنة بشفاعته يوم القيامة هذا الذي تزدريه، عاصي .. ربما يكون عاصي نعم، هل ضمنت أن العاصي سيموت على معصيته حتى تزدريه وتتكبر عليه، أنت تحتقر المعصية لا تحتقر العاصي، نعم المعصية كلنا لانحبها وإن صدرت منا نستغفر الله منها، لكن لايجب احتقار العاصي لأن خواتيمه مجهولة مبهمة، ربما ينظر الله إليه نظرة فيتوب الله عليه فيقبل قلبه فيصير مع الصديقين المقربين عند الله تعالى وأنت؟ وأنا كذلك أعبد!! بدأت قبله في الاستقامة، هل تضمن استمرارك؟ كم من الناس كانوا على استقامة ثم انصرفوا بعد ذلك والعياذ بالله، وهنا لاحظ مسألة الذي يقر نفسه على الكبر على الناس بسبب عبادته لابد أن ينصرف عن العبادة، خذها قاعدة تريد مثل إبليس عبد أكثر منك بكثير والآن ماحاله؟ أبعد الناس عن العبادة، كافر ظال مظل للخلائق ..
فمن تكبرعلى غيره بسبب عباداته سيعاقب بترك العبادة والإعراض عنها، أنت غير ضامن أن تستمر على العبادة
لماذا تتكبر على الأخرين؟ إذا كان العلم والعبادة أشرف شيء لا يبيحان أن تتكبر، تتكبر في المال؟ لاتجعلنا نضحك شر البلية مايضحك، المال تتكبر به؟ (حلاله حساب وحرامه عقاب) الإنسان يُسأل عن كل شئ مرة ويُسأل عن المال مرتين!! من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، مجنون أنت عاقل تتكبر بماذا؟ بمال، الفسقة والكفرة عندهم مال أكثر منك بمَ تميزت بالمال؟ المال مطية إن أحسنت التعامل معها قربتك إلى الله لكن في ذاتها تعتقد أنها فضل؟ أنها شيء تستحق أن تتكبر بها؟
بمَ؟ بنسبك بقبيلتك بعزوتك؟ هذا من أسخف أن تتكبر بشيء ليس لك فيه يد لم تعمل عليه، أنت ليس لك يد في نسبك وليس لك يد في قبيلتك وعشيرتك، لم تختر أن تكون من نسل كذا أو أن تكون من قبيلة كذا فكيف تتكبر بشيء ليس لك يد في تحصيله وليس لك فضل في تحصيله!! إذا لايوجد شيء يستحق أن تتكبر به على غيرك، مجمل الكبر مجمل حالة الكبر جهل .. جهل، هل يرضى المؤمن السالك إلى الله هل ترضى يامريد الله أن تعيش على الجهالة في معاملتك مع الله؟!
خطورة الكبر

أخرج السيوطي يسند صحيح: “الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار“، وفي رواية أخرى : “الكبرياء ردائي، فمن نازعني ردائي قصمته” ترى خطورة أكبر من هذه؟ الذي يقوم على إقرار نفسه على التكبر وعلى الكبرياء ويسكت يرى المسألة سهلة، أول خطورة أنه معرض لحرب الله عز وجل (قصمته) يقول الله عز وجل في الحديث القدسي ومن يقوى؟ ما السبب؟ لأن هذا منتهى الاعتداء، لماذا كان اعتداء؟ أن تدعي ماليس لك أن تنازع الله في أوصافه الذي له الكبرياء .. كلمة كبرياء مأخوذة من شيء أكبر وهو الكبرياء، فأنت تنازع الأكبر سبحانه وتعالى، أنت في الصلاة تقول الله أكبر فكيف تتكبر هذه خطورة ..
* قال العلماء أن لله صفات جلالية ولله صفات كمالية ولله صفات جمالية، وعبادتنا لله أن نعمل مع الصفات الجلالية بما يقابلها .. لله الكبرياء لنا ماذا؟ التواضع، لله العزة لنا ماذا؟ التذلل، لله الغنى لنا ماذا؟ الافتقار، لله القدرة لنا ماذا؟ العجز، إذا نظر الله إليك وأنت تتخلق بالأخلاق التي تليق بك بما يقابل صفات الجلالية وأخلاق الربوبية رضي عنك.
وأما أخلاق الربوبية الجمالية؟ نقتدي بها ونتخلق بأخلاق الله، الله رحيم كن رحيما، الله كريم كن كريما، الله عفو كن عفوا، الله حليم كن حليما، هذه صفات يحب الله عزوجل منك أن تقتدي به فيها.
وهناك صفات كمالية والصفات الكمالية إذا تحققت بما يقابلها من الصفات الجلالية، قابلت الكبرياء بالتواضع .. العزة بالذلة لله .. الغنى بالافتقار لله، وأخذت بالكرم وأخذت بأخلاق الله في الكرم، صرت كريم، صرت حليما صرت رحيما، تجلى الله عليك بصفاته الكمالية، أنت عاجز يعطيك قدرة من قوته، أنت ضعيف يعطيك قدرة من قدرته، أنت جاهل يعطيك علما وحكمة من علمه وحكمته (وعلمناه من لدنا علما) يعطيك العلم سبحانه وتعالى لأنك احسنت التعامل مع أسماء الله وصفاته .
المتكبر: سبب في تخريب هذه الأرض، كيف تسير إلى الله وأنت تخرب الأرض التي استخلفك فيها؟ (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) استخلفك على هذه الأرض، أصلح لاتخرب في هذه الأرض، مامعنى هذا الكلام؟ أكثر المصائب التي في الأرض مصدرها من الكبر، كل ماترونه من حروب ماترونه من الدمار من الاختلاس من الرشوات من السرقات، من القطيعة من البغضاء من التدابر بدايتها إقرار النفس على الكبر، إذا نحن نتكلم عن شيء يتعلق بحل مشاكل العالم الذي يحيط بنا، لكن من أين تبدأ معالجة مشاكل العالم، لاتبدأ أن ينفخ أحدنا صدره ويرى أنه الصالح الذي سيصلح العالم، ولو كان بإسم الاسلام؟ ولو كان بإسم الاسلام، لكنها تبدأ بأن يعود الإنسان إلى قلبه ليطهر قلبه من أمراضه .
علاج الكبر

1. علم :

أن تعلم من أنت؟ تعال تذكر وتفكر واقرأ وطالع وأعرف من أنت، (أوّلك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت تحمل فيما بين ذلك العذرة) الوسخ .. ما أنت؟ خلقت من ماذ؟ا منتهاك إلى ماذا؟ أنت ضعيف، الجوع يسقطك، التعب ويرهقك .
كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه يقول: عجبت ممن كان يتكبر وهو ضعيف تنته العرقة، إذا عرق بسبب رائحته صار ما يطيق نفسه، وتقتله الشرقة إذا أخذ الماء وشرق يمكن يموت في الشرقة، وتؤرقه البقة، البقة (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D9%82_%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%B4) هذا نوع من الحشرات أصغر من البعوضة يدخل إلى داخل الجسم مثل البراغيت لو دخلت إلى جسمك لاتستطيع أن تنام طول الليل هذا المخلوق الصغير يسهرك طول الليل!! أنت الضعيف في حقيقتك لكن القوة تأتيك من التجائك إلى الله، إذا علمت هذا الأمر وتحول هذا العلم إلى شئ ترسخ في داخلك يحتاج إلى جانبه عمل.
2. عمل :

الأول: احرص على الأعمال التي تنمي التواضع، احرص على المبادرة، كل مالقيت أحد من الناس ابدأ أنت بالسلام والمصافحة مهما كان كبير صغير صاحب مخالف، أنت الذي تبدأ لاتترك خواطر نفسك، يامريد انتبه لاتضحك عليك نفسك وتقول لك خذ هذا من باب الكبر.. الكبر فضيلة، خل هذا الكلام الآن، أنت ابدأ من لقيت بالسلام والمصافحة ..
الثاني: بادر إلى الأعمال التي فيها فضل وكسر النفس، دخلت إلى المسجد وجدت شيء من الوسخ نظف المسجد، كان شيخنا الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمة الله عليه، كان من الأكابر من أهل المراعاة لشأن القلوب، في بعض الأحيان يستفقدونه فيجدونه في بعض مراحيض المسجد (بيت الخلاء في المسجد) يغلق الباب وينظف القاذورات التي في المرحاض!! فلما سأله بعض خاصته قال: خفت على نفسي الكبر خفت أن أعُجب بنفسي .. الناس كلها تقول الشيخ الشعراوي.. الشيخ الشعراوي.. التلفزيون والوزير والخدم والحشم واعتقاد الناس فيّ، فخشيت أن أضيع فأردت أن أذكر نفسي بشيء عملي، لهذا تجد الذين يغلب على قلبهم الكبر يصعب عليهم أن يتقبلوا حتى هذا الكلام، إن قلت له قم ونظف هذه الوساخة، قال: ما هذه الوساخة تريدني أن أنظفها؟
كنا نذكر قصة سيدنا أويس القرني رحمه الله تعالى، أنه ذات يوم يجمع الطعام من بعض المزابل ينظفه ويعطيه الفقراء المحتاجين الذين لايجدون الطعام، وكان يقول: اللهم لاتؤاخذني بمن بات جائعا من أمة محمد، اسمع أخي التاجر الذي أعطاك الله شيء من المال، هذا ماكان عنده مال ولا طعام يلتقط الطعام والكِسَر من المزابل ينظفها ويتصدق على الفقراء المساكين، ثم يقول بعد ذلك لاتؤاخذني بمن بات جائعا من أمة محمد، وذات يوم جاء أحد الكلاب ونبحه وهو على المزبلة فقال له ياهذا .. يكلم من؟ الكلب .. لاتؤذيني ولا اؤذيك آخذ مما يليني وتأخذ مما يليك، فإن أنا اجتزت الصراط ودخلت الجنة يوم القيامة فأنا خير منك، وإن أنا هويت من الصراط على النار فأنت خير مني.
ننصرف من هذا المجلس

بأن هذه الحقيقة يا إخوان .. نعم!! الكلب يوم القيامة يتحول إلى تراب، أحدنا لا قدر الله إذا دخل إلى النار ماذا سينفعه؟ الكلب خير منه..
البعض سمعنا نذكر هذه القصة شنّع وصاح كيف ولماذا؟ .. تريد الناس يأكلون من المزابل؟؟ لا! بل نريد الكبر الذي في قلبي وقلبك أن يخرج .. نريد أن نعالج أمراض قلوبنا يا إخواني..
هذه أعمال ينبغي أن نحرص عليها، من هذه الأعمال خدمة الفقراء والمساكين، في حيك بعض الفقراء والمساكين، اذهب واخدمهم، اذهبي اسألي عن أيتام وفقيرات أو عاجزات نظفي ثيابهن ساعديهن على دخول بيت الخلاء اغسليهن لأن هذا فيه كسر لمعنى الكبر في النفس، قاس على النفس لكن فيه تهذيب للنفس وتربية لهذه النفس.. إذا علمٌ، وعمل، يعالج الكبر مع الإلحاح على الله تعالى بالدعاء ..
أسال الله تبارك سبحانه وتعالى أن يخلص قلوبنا من دقِ الكبر وعظيمه ، اسأل الله عز وجل أن يرزقنا كمال العبودية له .. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحققنا بدوام الإنكسار له .. أسأل الله عز وجل أن يفتح لنا في أنفسنا في المعرفة به توصلنا إلى معرفة به، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين..

محب الحبيب علي
12 Sep 2008, 08:41 PM
الدرس العاشر - الرياء


الحمد لله حمداً نتحقق به بصدق الإخلاص في الوجهة، ونكون به ممن امتلأت قلوبهم بأنواره سبحانه وتعالى، حتى لا يبقى فيها متسعاً لشريك تلتفت حال العمل إليه، وصلى الله على سيدنا محمد إمام أهل حقائق الإخلاص وعلى آله وصحبه ومن سلك على نهجه إلى يوم الدين..
لعلكَ أخي لعلكِ أختي من المجلس الماضي إلى الأن قد أعملتما الفكر؟ هل فكرت في كيفية تخليص قلبك من مشكلة الكبر؟ هل تذكرت أصل خِلقتك؟ هل تذكرت مآلك إلى حفرة يهال عليك فيها التراب؟ هل تذكرت فيما بين ذلك أنك لا تملك شيئاً إلا ما أعطاك الله تعالى إياه، ثم هل تنبهنا إلى بعض الأعمال التي يمكن أن تساعدنا على التحقق بالتواضع، كم لقيت من الناس فابتدأتهم بالسلام هل لك صديق كانت بينك وبينه وحشة نزغ الشيطان بينكم فبادرته أنت بإلقاء السلام عليه، هل قصدت إنسانا كنت ترى فيه نوعاً من الإساءة إليك فقبلت أن تكسر نفسك في طلب الصلح، هذه أعمال، عندك شجاعة أكثر؟ عندك قوة أكبر؟


* استمع للحلقة العاشرة وأنت تتصفح :
عندك همة كسائر مريد إلى الله؟، المسجد الذي بجانب بيتك فكر ولو مرة في الاسبوع أن تنظف مرحاضاً من مراحيضه، صعبة؟! هذا سلوك، سير إلى الله عزوجل، والله فيه تطهير لداخلك أنت، ليست القضية المكان الذي ستنظفه لكن فيها تنظيف لك أنت، صعبة قليلاً؟ ابدأ في بيتك خفف عمن يخدم في البيت عندك إذا كان في البيت من يخدم، خفف عن زوجتك قم ونظف معها وساعدها في التنظيف.. صعبة أيضاً؟! لا!!.. المشكلة كبيرة عندك، إذا صعب عليك حتى أن تنظف مجلس في بيتك أو حماما في بيتك أو مطبخا في بيتك تغسل شيئاً من الأواني في البيت، لايضحك عليك الشيطان تقول: لا أنا رجل لا يتناسب مع الرجولة ..انتبه!!..لاتغلط سيد الرجال صلى الله عليه وسلم كان يقم المنزل يعني يكنسه، يرقع الثوب ويغسله، يخصف النعل يحمل القربة على كتفه، يقوم في خدمة أهله .. هذا تهذيب للنفس قال عن نفسه صلوات ربي عليه وعلى آله: “إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد” تعرف ما المناسبة في هذا الحديث نظرت إله امرأة فوجدته يأكل مع بعض العبيد والضعفاء فقالت: ما لهذا يجلس كما يجلس العبد ويأمل كما يأكل العبد تريد نوع من التعيير أو شيء من ذلك، فقال النبي: “صدقتِ إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد” هذه الحقيقة أنا عبد لله عزوجل..
أتت إليه جارية من النساء وهو متوجه في بعض شؤون الأمة مع أصحابه.. من الشؤون المهمة.. فجاءته امرأة كان يشار إليها بأن في عقلها شيء مثلما يقولون الأن عندنا من ذوي الإحتياجات الخاصة أو معوقة أو توحد (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%88%D8%AD%D8%AF) أو شيء من ذلك، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أريد أن أتحدث إليك يا رسول الله فتوقف، وقال: هلمي تكلمي، فقالت: لا أريدك وحدك، فقال: اختاري ما شئت من طرقات المدينة وآتيكِ إليه، فقالت: ذاك المكان فقام إليها وجلس وتكلم معها حتى قضى حاجتها وعاد إلى أصحابه وانصرف إلى سبيله، هذا نبيك وهذا قدوتك صلوات ربي وسلامه عليه..
تأتي هرة فتنظر إلى الإناء في حجرته الشريفة ويرى فيها أثر العطش فيصغي (يميل) لها الإناء حتى تشرب ويشرب هو صلى الله عليه السلام، تنظر السيدة عائشة فقال: “ياعائشة إنها من الطوافات” تطوف علينا تذهب وتأتي وليست بنجسة، التقزز مما حكم الشارع بنجاسته، نتقزز من نجاسته لا من ذاته، ولا حتى الكلب على ما جاء من حكم نجاسة سوره، قال بعض العلماء: بأنها مغلظة مع ذلك لا يجوز احتقار الكلب، تنظر إلى الكلب باحتقار؟ تحتقر الصنعة أم الصانع؟
الكبر وارتباطه بالرياء

هذا حال السائر إلى الله عزوجل، لا زالت المسألة عندك صعبة؟ جاهد نفسك هنا مقام المجاهدة، هنا ميدان تطهير القلب ابدأ بهذه الأعمال الأسهل منها فالأسهل ثم تدرج إلى الأصعب فالأصعب وستجد أن قلبك يغسل، ستجد أنك
اسمع وفي مجاهدتك لنفسك في إخراج ظلمة الكبر منها تطهير لقلبك من نقطة ضعف أخرى: المتكبر يرى لنفسه الفضل على الناس فهو يعيش مقارنة بينه وبين الناس!! أنا والناس، أنا خير من فلان، أصبح مشغولاً بماذا؟ بغيره من الناس انشغاله بغيره من الناس وإن كان في صورة كبر أو ترفع أو تعالي على الناس في حقيقته هو ضعف وخضوع للناس، تعرف لماذا؟ لأنه أصبح مرتهناً بهم، إن هم أجلوه وعظموه وأشعروه بالمكانة التي يطلبها أقبل وسعد، إنه لما دخل المكان الناس قاموا له، أنه لما طلب أجيب لطلبه، أنه لما تكلم في موضوع أصغت له الآذان، واستمعت له الناس، أصبح محتاجاً إلى الناس إذا دخل إلى مكان لم يحترم الإحترام الذي يتوقعه ..غضب وتأثر وأخذه ما يأخذ الناس من الغضب والتأثر والصياح ..هؤلاء ما احترموني .. أنا لن اسمح لاحد أن يهينني أبداً .. على رِسلك .. أنت الآن سمحت لغيرك أن يهينك، تعرف لماذا سمحت؟ لأنك جعلت قيمتك وكرامتك مرتبطة بتصرفات الناس، أنت أهنت نفسك لو كنت جعلت عزتك وكرامتك بحالك وصدقك مع الله لا مع معاملة الناس لك لصنت نفسك، لكنك رضيت بتكبرك وتعاليك وترفعك ومطالبتك بالمكانة بين الناس رضيت أن تجعل نفسك بيد الناس، أكرموك وعظموك سعدت .. لم يلتفتوا إليك لم يقدروك غضبت .. فصارت حالتك حالة يرثى لها مهما كان هذا الإنسان غني، ملك، حاكم، أمير، رئيس، وزير، عالم، تاجر، مصلح، أكاديمي، فلاح، أستاذ أياً كان، الذي يرضى لنفسه أن يجعل قيمته سعادته رضاه أنسه فرحه مرتبط بما سيبذله الناس له هو قد أهان نفسه في هذه الحالة، لكن اسمع يترتب على هذا مشكلة ثانية، كان كلامنا في الحلقة الماضية عن تنقية القلب بعد أن تغلق مداخل الشيطان على القلب كيف ينقى هذا القلب، كان الكلام عن تنقية القلب من الكبر. خرجت من نقطة ضعف فيك إلى قوة بالله سبحانه وتعالى، المريد الذي يرضى بأن يستسلم لضعف نفسه في مسألة كبره على الآخرين هذا لا يمكن أن يكون مريداً لا بد أن يجاهد نفسه.
الرياء

الرياء والسمعة : الرياء من الرؤية، والسمعة من السماع، من أين جاء الإشتقاق في الرياء والسمعة؟ أي انشغال الإنسان برؤية الناس له وسماع الناس لما يقولون، انشغاله بنظرة الناس إليه وكلامهم عنه فتتسمع وتتراءى للناس في أحوالك، أنت أصبحت في هذه الحالة ترجع إلى نقطة الضعف التي كنا نتكلم عنها الآن قبل قليل، كنا نقول أن المتكبر أضعف نفسه للناس، ومهد نفسه لنقطة الضعف الثانية لمرض القلب الثاني لمعصية القلب الخطيرة، التي سميت بالشرك الأصفر، هي لا تخرج عن الملة، مسلم… لكن لماذا سمي بالشرك الأصغر؟ لأن المرائي هو الذي يصرف العبادة عن وجهة الله إلى وجهة الناس ويجعل مقصوده من العبادة ثناء الناس عليه واحترامهم له وإقبالهم عليه، واعتبارهم له أنه شيء فهو جعل مع الله شريكاً في إرادة العبادة هو عبد الله لكن أراد من عبادته أن يرضى الله عنه وأراد أيضاً أن يرضى الناس عنه، فأشرك طلب رضوان الله بطلب رضوان الخلق لهذا سمي بالشرك الخفي، الأصغر لأنه لايخرج عن الملة، والخفي لأنه على مراتب سيأتي الكلام عنها، الرياء مرتبط بمشكلة التفاتك إلى الناس، ما دمت تريد الناس يحترمونك يقبلون عليك يعظمونك يجلونك، مشغول برأي الناس فيك إذاً ستدفع ثمناً غالياً .. أثماناً غالية.. أحدها أن أرقى ماتملك في هذا الوجود وأعظم ما تقدم وهي عبادتك لله ستضطر إلى صرف شيء منها للناس، لماذا؟ لأنك مشغول بالناس فتراه إذا أراد أن يتصدق يريد الناس أن يقولوا عنه محسن كريم، إذا جلس يتكلم يتوقع الناس يثنون على كلامه ومستوى وعظه وتدريسه، إذا قام يصلي أو يتنسك أو صام يتوقع أن يثني الله على خشوعه وحضوره على مستوى ذكره لله، إذا تلى شيئاً من كلام الله ينتظر ثناء الناس على مستوى تلاوته، هذا في العبادات التي يتقرب بها إلى الله، تتفقون معي أن هذا الثمن غالي؟ لا ينبغي أن يدفع، إذا كان لاينبغي أن يدفع إذا دعونا نتخلص من مرض حب المنزلة في قلوب البشر.
أحب الناس وأحب للناس الخير وأحب محبة الناس لك في الله لكن لاتطلب المكانة لدى الخلق، فرق ما بينهما كبير وإن كان دقيقا، نعم أحب الناس من أجل الله وأحب أن يحبني إخواني في الله، لكن لاينبغي أن أقبل أن أعيش ملتفتا إلى منزلتي في قلوبهم، أترقب سقطت من أعينهم أو ارتفعت في أعينهم أكثر، صارت لي مكانة عندهم أو لم تعد لي مكانة عندهم، حب المنزلة في قلوب الناس هو الذي يورث الرياء، يورث أن يصرف إلى غير الله والعياذ بالله من ذلك، والتفات القلب محبة للمنزلة بين الخلق يورث اهتزازاً المنزلة لدى الخالق ..
التفات قلبك عندما تعبد الله إلى خلق الله طلبا للمنزلة عندهم يضعف منزلتك عنده، تريد المنزلة عندهم أم عنده؟ .. أنت مريد لله .. تريد الآخرة … خذ بشارة تهون عليك الخيارين، اصدق في طلب المنزلة عنده يجعل لك منزلة عند الخلق، هذه تختلف مع قضية أنا سأخلص مع الله، والله يجعل الناس يحبونني، سنة الله جرت أنك عندما تصدق مع الله في المعاملة ولا تطلب غير الله سبحانه وتعالى فالأمر إليه إن شاء جمع قلوب الناس عليك، وإن شاء فرق قلوب الناس عنك.. من الصالحين من أحبهم الناس واجتمعوا عليهم ومجدوهم وعرفوا فضلهم، ومن الصالحين من أساء الناس إليهم وتكلموا عليهم وضربوهم، سيدنا محمد رُمي بالحجارة ومن الأ نبياء من قتل، في هذا المسجد، جامع بني أمية (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF_%D8%A7%D9%84% D8%A3%D9%85%D9%88%D9%8A)
ليست هي المقصد ولا المطلب، لكن اصدق مع الله والحق يجمع لك خيري الدنيا والآخرة إن شاء، وما قيمة أن يثني عليك جميع الخلائق وينظروا إليك بعين الإجلال ويعظموك ويبجلوك ويتكلمون عنك: فلان جاء.. فلان راح، وأنت لست بشيءعند الله!! يا الله.. أتعس حالة يمكن أن يعيشها إنسان ويظن في نفسه أنه يعامل الله، أن يبيت وهو فرح مرتاح بسبب ثناء الناس عليه وإقبالهم عليه، هو لايدري سيغمض عينيه والله راض عنه أو غير راض عنه!!؟ إذاً منبت ومنشأ الرياء الالتفات إلى المنزلة في قلوب الخلق. يوجد رأس سيدنا يحيى بن زكريا عليه السلام من أيام الصحابة رضي الله تعالى عنهم، سيدنا يحيى قطع رأسه من أجل بغية (راقصة) من بغايا بني إسرائيل، سبحان الله..
تأمل في عاقبة الرياء

الخلق ماذا يمكن أن يعطوك أو يقدموا لك، يستطيع أحدهم أن يمنحك شيئاً؟ ..يملكون لك نفعاً أو ضراً؟ لو سجد لك جميع الناس -مع أن هذاممنوع- هل يزيدونك شيئاً؟ يرفعونك منزلة؟ في الوهم: نعم!! يشعر أن له مكانة بين الناس؟! وهم، لكن في الحقيقة هل يزيدونك شيئاً؟ لا والله، لا ينفعونك ولايضرونك، وأنت إذا وقفت بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة ستقف وحدك ليس معك أحد من الناس، وعند عرض الصلوات التي صليتها والأيام التي صمتها والتلاوة التي تلوتها والصدقة التي أنفقتها والخير الذي عملته، ساعة عرضه على الله عز وجل سيظهر المحك عند الذي لا تخفى عليه خافية عالم السر وأخفى، إذا سألك: عبدي ماذا عملت؟ تجرؤ تكذب عليه وتقول له: صليت لك وهو يعلم أنك كنت أثناء الصلاة مشغول بنظر فلان وفلان غليك؟ أنك أثناء الحج والعمرة كنت تفكر بمنفعة من فلان أو صلة بفلان؟ أنك عندما عملت شيئاً من أعمال الخير انشغلت بفلان أوفلان؟
هناك حديث يخيفني كما أخاف الكثير ممن كان قبلنا، في المستدرك: ” أول الناس يقضى فيه يوم القيامة: رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيه؟ قاتلت فيك حتى قتلت. قال: كذبت، ولكن قاتلت ليقال هو جريء، فقد قيل. قال: ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل تعلم العلم، وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه عليه فعرفها،فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم، وعلمته، وقرأت فيك القرآن، فيقول: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال هو عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل وسع الله عليه فأعطاه من أنواع المال، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: ما علمت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت فيه، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ” ..
الله عز وجل أول ما يوقف بين يديه لينصرف إلى النار عالم!! اسمع هذا الكلام .. أول من يدخل النار عالم.. قبل إبليس وفرعون وهامان، عالم مسلم يوقفه الله تعالى بين يديه ويسأله ماذا عملت ياعبدي؟ ..فيقول يارب تعلمت من أجلك وعلمت من أجلك، فيقول الله تعالى: له كذبت تعلمت ليقال عالم وعلمت ليقال معلم، فقد قيل اذهبوا به إلى النار فيلقى في النار على وجهه، ثم يوقف بين يديه سبحانه متصدق محسن فيقول الله له: ماذا عملت؟ فيقول يارب أنفقت في سبيلك وعملت الخير من أجلك فيقول الله تعالى له كذبت، إنما تصدقت ليقال محسن كريم متصدق، فقد قيل اذهبوا به إلى النار.. خلاص الشيء الذي عملته أخذت مقابله ممن طلبت منهم ذلك ممن نويت وأردتهم فيلقى في النار على وجهه ثم يوقف بين يديه سبحانه رجل قاتل بين الصفين وهو مسلم وقتل في الجهاد فيقول له الله تعالى ماذا عملت؟ فيقول يارب قاتلت من أجلك واستشهدت في سبيلك فيقول الله كذبت إنما قاتلت ليقال شجاع وقتلت ليقال شهيد، فقد قيل اذهبوا به إلى النار فيلقى في النار على وجهه… هذا الحديث أقض مضاجع الصالحين لأن فيه نوع من مواجهة الإنسان بحقيقة الأمر، الله كريم والحق عز وجل لا يضيع إيمان المؤمنين ولا يضيع أعمال العاملين لكن الحق سبحانه رب، إله، لايقبل أن يكذب عليه، لايقبل أن يعامله العبد بالخديعة، تقول إياك نعبد إياك نستعين وقلبك مشغول بزيد وعمرو..
لهذا جاء مرض الرياء من أشد وأخطر الأمراض التي تصيب القلوب، ينبغي للمؤمن أن يحرص على معرفة هذا المرض، على معرفة كيف يفتش على قلبه.. تعال يا مريد فتش على قلبك، كم مرة من المرات وأنت تذكر الله خطر في بالك لو دخل علي فلان ورآني!! كم مرة من المرات كنت تصلي في جوف الليل ففتحت أختك أو أبوك أو أمك أو زوجتك، دخلت وأنت تصلي فشعرت بأريحية أنهم ينظرون إليك وأنت تصلي!! كم مرة من المرات وأنت تتصدق انتظرت أن تـُشكر، انتظرت أن يقال فلان عمل كذا وكذا، التفت إلى الناس أثناء العمل، كم مرة وأنت تعد لعمل صالح خطر في بالك عندما ينظر الناس إليك سيثنون عليك!! حصل أولم يحصل؟ اصدق مع الله، قل فيما بينك وبين نفسك: نعم حصل ويارب أنا أطلب منك أن تتوب علي، أنا كرهت هذا الخاطر، لأن العلماء قالوا: أول علاج للرياء: كراهة الرياء في قلبك، أن تنظر إلى هذا الأمر نظرة كراهة عندما يخطر في قلبك خاطر الرياء تكره هذا الخاطر، تقول يا نفس السوء دعيكِ من هذه الخسة، ارتقي يانفس أنت تعاملين الله، مالك ولنظر الناس؟
أنواع الرياء

1. ظاهر جلي

أن يعمل الإنسان العمل وينتظر ثناء الناس هذا شيء ظاهر ماتضحك عليك نفسك فيه، أنت تعلمه من نفسك لكن إذا فتشت عليه..
2. متوسط

مثاله تقوم تصلي في الليل تقول أنا أصلي لله ركعتين، يخطر في بالك الآن أنه لوفتحت الباب فلانة، تقولين لو فتح الباب الآن فلان ورآني، يحصل سرور هنا، القلب يلتفت إلى الآخر هنا، لا لم يحصل هذا!! الحمد لله، عندك من التنبه ماهو أكثر ..
3. دقيق خفي

مثاله: قمت تصلي ركعتين وما انتظرت من أحد يراك وأنت تصلي لكن فتح الباب أحد ودخل ورآك وأنت تصلي، تـُسر؟ تفرح؟ هذا نوع من صرف العمل أدق وأعمق فيما يحصل بين الإنسان وربه سبحانه وتعالى، ثم لا منتهى لدقة الرياء إلى أن تستأصل شجرة حب المنزلة في قلوب الناس من قلبك، يبقى الأمر يدق ويدق وكلما سرت إلى الله تعالج شيء..
* مسألة أخرى كلما ارتقيت في الصلة بالله تنور قلبك بالذكر وبالإقبال على الله كلما اكشفت شيء لم تكن تعلمه من نفسك.. أحدهم جاء وهومتأثر يبكي قلت: ما يبكيك؟ قال: كنت أظن أني قد طهرت قلبي وصدقت مع الله اكتشفت أني مليء بالأوساخ!! قلت له: الآن ارتقيت.. بالأمس هذه الأوساخ كانت موجودة لكن كانت غائبة عنك لأنك لم ترتقِ في بصيرتك الى معرفتها لكنك الآن عندما ارتقيت في بصيرتك أدركت من الأمور مالم تكن تدرك، تماماً عندما يكون عند الإنسان ضعف في النظر لايرى بعض الأشياءالتي على ثوبه من وسخ لكن إن ركب نظارة تقوي له النظر فسيرى الوسخ الصغير الذي في ثوبه، ثم إن جاء بعدسة كبيرة سيرى أوساخ أدق لم يكن يعلمها، هي لم تأتي الآن لم يتوسخ الآن، هو الآن أدرك هذا الوسخ الموجود في داخله.. الوسخ موجود لكنه لما ارتقى، صارت البصيرة أكبر صار ينظر أكثر ويكتشف أكثر، فإذا جئت بالمجهر ستصدم بكمية الجراثيم والأوساخ التي على ثوبك.. القلب هكذا!! إذا ارتقيت في التنور والمعرفة بالله ارتقيت بقلبك بالتطهير في طلب تنقيته في طلب ترقيته ولهذا مع استمرار الإنسان في السير إلى الله سيكتشف معاني من الرياء أكثر لم يكن يلتفت إليها من قبل، ماذا عليك؟
علاج الرياء

بطلب امتلاء قلبك بعظمة الله، كانوا يذكرون الكثير من العلاجات منها كراهية خاطر الرياء واتهام النفس بالرياء وهذا اجعله يمشي معك في جميع أمراض القلب في جميع العيوب، لا تنفر من أن تتهم نفسك بالعيب لأنك اذا نفرت من أن تتهم نفسك بالعيب ضحكت عليك نفسك ولم تكتشف العيب…
كان مالك بن دينار رحمه الله يسير في بعض شوارع البصرة فناداه أحدهم من بعيد: يا مرائي!! يامرائي!! يقول لمن؟ لمالك بن دينار!! الإمام الكبير والعارف بالله من كبار أئمة السلف من رجال الرسالة القشيرية، يقول له: يامرائي!! تخيل أنك خرج من الجامع الأموي، صليت العشاء جماعة وصليت السنة وحضرت درس علم وأنت خارج شخص قال لك : أنت كذاب ومرائي غير صادق في الحضور تريد تظهر في التلفاز، كيف ستكون إجابتك عليه؟ أعوذ بالله من سوء الظن ياأخي، هذا لو كنت محترم أو جزاك الله خيراً، شكراًعلى النصيحة الله يصلح قلوبنا، وفي قلبك أنت مغتاظ من الرجل الذي قال لك هذه الكلمة، هذأ في أحسن الاحوال، هذا إذا لم تضاربه وتقول له انظر لنفسك ..
لكن اسمع مالك بن دينار شوف نفسك مالك بن دينار وهو يمشي في الطريق قال له: يامرائي فالتفت الإمام إلى الرجل وهومتبسم وقال له: من الذي دلك على اسمي الذي أخطأه أهل البصرة؟ كيف عرفت؟ أنا المرائي. ..لماذا لم يلعب به هذا الإنسان؟ ..لماذا لم يستفزه هذا الإنسان السفيه الذي قال لمالك بن دينار يامرائي، هذا السفيه الذي قال للامام يا مرائي، لكنه لماذا لم ينجح بأن يخرج مالك ابن دينار عن حاله مع الله؟ لأن مالك بن دينار في الأصل هو متهم لنفسه، هو معترف فيما بينه وبين الله، هو مطلع على أمور أرقى بكثير، لهذا كانوا يقولون حسنات الأبرار سيئات المقربين، أحد المقربين يرى شيئاً يعتبره سيئة لو كان عند أحد من الأبرار لكان من الحسنات ..من الأشياء الطيبة أن تتهم نفسك ..
ننصرف من هذا المجلس

اتهم نفسك .. إذا اتهمت نفسك وكرهت الفعل من نفسك والتجأت إلى الله أعطاك، لكن تريد الخلاصة تجمع لك جميع الأعمال التي يمكن أن تعملها للتخلص من الرياء، اشتغل بملىء قلبك بعظمة الله لأن الرياء يدل على خلو قلب صاحبه من عظمة الله. لو امتلأ القلب بتعظيم الله لما احتجت أن ينظر غير الله إلى عملك أما كفاك نظره إليك؟ أما كفاك علمه بما تصنع؟ هذا ينزع من القلب حب الدنيا وحب المنزلة بين الناس ويورث القلب الامتلاء بعظمة الله سبحانه وتعالى.
كلمة إذا أكثرت منها أعانتك على الإخلاص وهي كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله)، اجعل لك ورداًمنها وأنت تقول: (لا) استحضر معنى إخراج من سواه من قلبك (لا إله)، وأنت تقول (إلا الله) استشعر معنى إثبات نور الله في قلبك، فضل الله، عطاء الله ..رضاء الله في قلبك، .فلا يبقى في قلبك إلا الله، هذا تطهير لباطن القلب من معنى الالتفات إلى الخلق..
أسأل الله عز وجل ان يرزقني واياكم حقائق الاخلاص، تعالوا بنا نتوجه إلى الله الذي ما خيب من توجه إليه ولا رد من وقف على بابه، تعالوا بنا نقر ونعترف، تعالوا بنا نفتقر إليه وننكسر ..
الحمد لله رب العالمين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم انا نسألك الرضا والقرب منك، اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، اللهم إن هذه قلوبنا بين يديك والحال لا يخفى عليك نشكوا إليك أمراضا ألمت بها قلوبنا نخشى ألا يحسن بها مآلنا ومصيرنا ولا ننال بها الرضا ، اللهم من كان من العباد من يسألك شيئاً من شؤون الدنيا فهذه بادرة توفيق من حضرتك ألهمت هذا اللسان العاصي أن يسألك رضوانك الأكبر، اللهم فارزقنا رضوانك الأكبر، اللهم تب علينا توبة نصوحا طهرنا بها جسما وقلبا وروحا، برحمتك يا أرحم الراحمين وصل اللهم على سيدنا ومولانا محمد صلاة وسلاما تليق بجودك وكرمك وعلى آله بيته وأصحابه وتابعيهم والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

محب الحبيب علي
13 Sep 2008, 08:22 PM
الدرس الحادي عشر - الحسد


الحمد لله الذي يطهر قلوب الصادقين في الإقبال على طلب الطهارة، والذي يعين عباده على تنقية قلوبهم في مسلك صدق الإقبال عليه فله الحمد على ما أعطى وله الحمد على ما يعطي وله الحمد حتى يرضى وله الحمد بعد الرضى، اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد، صاحب أطهر قلب في هذا الوجود وعلى آل بيته وأصحابه وتابعيهم والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين..
كان الحديث في المجلس الذي مضى والذي قبله عن الالتفات إلى القلب بقصد تطهيره وتنقيته من قاذورات علقت به من معاصي القلب وأمراضه، مر معنا في الكلام عن معالجة القلب من مرض الكبر الذي هو علامة على جهل صاحبه، ومر معنا الكلام عن معالجة القلب من ظلمة الرياء الذي هو دليل على استهانة القلب من عظمة الله عز وجل، وعلى التفات القلب بحمق إلى حب المنزلة بين الناس، قال الإمام الحداد رحمه الله: الرياء علامة على حمق صاحبه لماذا؟ قال: لأنه يلتفت بما يتوجه به إلى الله إلى من لا ينفعه ولا يضره من الخلق ..
ويأتي الحديث في هذا المجلس طلبا للتخلص من الحسد، الذي هو المرض الثالث من أمهات أمراض القلوب ومعاصي القلوب..



الحسد

لو تذكرتم في المجالس الماضية كان الحديث عن أن الكبر يورث القلب التفاتاً إلى الناس لأن فيه مقارنة بين النفس والأخرين، يرى نفسه أفضل من الأخرين ففيه التفات إلى النفس، وهذا الالتفات يتطور من كبر واستعلاء على الناس إلى مراءاة للناس، استجداء لإكرام الناس له واحترام الناس وتعظيم الناس وحب المنزلة لديهم، هذا الأمر إذا تطور في نفس صاحبه يتحول إلى مرض ثالث وهو الحسد، معصية من معاصي القلب وهي استثقال رؤية النعمة لدى الخلق أن يثقل عليك أن ترى منعما عليه بنعمة دنيوية أو أخروية، من أين يأتي هذا الاستثقال؟ يأتي من أنك مشغول بمنزلة بين الناس، فإذا كانت منزلتك بين الناس على علم ثقل عليك أن ترى من هو أعلم منك لأن الناس ستلتفت إليه، فأصبح المرض متطوراَ إلى حد استثقال أن ترى النعمة على غيرك، لماذا؟ لأنك لا تريد الخلق أن يلتفتون إليه، تريدهم يلتفتون إليك، إذا كانت المنزلة التي ترجوها بين الناس بسبب المال وقدرة على تحصيل المال ونجاح في المشروعات يثقل عليك أن ترى أمامك من ينجح في المشروعات لأنه سيصرف أنظار الناس إليه. في علم في مكانة في جاه أياَ كان. امتلاء القلب بظلمة حب المنزلة بين الناس يورث القلب بعد ذلك هذا المرض الثالث وهو الحسد:استثقال رؤية النعمة، وإذا قلنا أن الكبر (http://www.almoreed.com/archives/episode9/) دليل على الجهل والرياء (http://www.almoreed.com/archives/episode10/) دليل على الحمق، فإن الحسد معاداة لله ظاهرة والعياذ بالله!! هل يقبل إنسان أن يجد نفسه معادٍ لرب العزة؟! الحسد معاداة لله ظاهرة لأن الذي يحسد كأنه يعارض الله عز وجل، لماذا أعطيت فلان؟ عندما يثقل عليك أن ترى النعمة عند أحد من الخلق فكأنك تعترض على الذي أعطاه النعمة سبحانه وتعالى.
هذا خطر الحسد أن تعيش في قلب مظلم يثقل عليه أن يرى الخير لدى الناس ويواجه الله بالاعتراض على الله بالإنعام على خلقه ..
أنواع الحسد

1. الحسد الإبليسي : تمني زوال النعمة من الغير ولو لم تؤول إليه :

أن يتمنى زوال النعمة من الذي أمامه ولو لم تعد إليه هو، واحد ينجح في صفقة من الصفقات تتمنى أن يخسر ولو لم تكن لك الصفقة، علي وعلى أعدائي كما يقولون، هذا حسد إبليسي، إبليس ثقل عليه أن يرى معنى الإجلال والإكرام والمكانة والمنزلة تنصرف إلى أبينا آدم عليه السلام فحمله هذا الحسد على معاندة رب العزة برفض السجود ثم بعد ذلك بدل من أن يعود إلى الله ويعتذر ويتوب وربما لواعتذر وتاب لغفر الله له، وكرم الله واسع، ولكنه عوضا من أن يتوب قام يتوعد الحق عز وجل في آدم وذريته (لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ) سأريك!! كل هؤلاء سأفعل فيهم كذا وكذا، هل فعلك في أبناء آدم يعيد منزلتك يا إبليس؟ هل يرد إليك المكانة التي فقدتها في هذا الموقف؟ لا!! لن يرد إليه المكانة، لشدة ظلمة الحسد في قلبه وسواد الحسد في قلبه انحرف عن التفكير في كيفية تعويض الخسارة التي حصلت له وتعويض المكانة التي فقدها إلى كيفية الإضرار بمن نال الفضل والمنزلة، كيفية القضاء على النعمة التي نالها غيره، هذا أشنع أنواع الحسد.
2. تمني زوال النعمة من الغير لتعود إليه :

يتمنى زوال النعمة من الذي أمامه لكن لتؤول إليه هو، يتمنى فلان يخسر ليربح هو، يتمنى فلان تسقط مكانته لأجل هو يكون مكانه في هذا الأمر، هذا يتمنى زوال النعمة لينالها هو، هذا أيضا قبيح وشيئ قذر في القلب والعياذ بالله خلصنا الله وإياكم منه، ولكنه أخف سوءا من الذي قبله.
3. تمني زوال النعمة من الغير لتحصل له، فإن لم تحصل رضي ببقائها لدى الغير

يتمنى زوال النعمة من الذي أمامه وحصولها له، لكن إن لم يكن هناك سبيل لتتحول إليه رضي أن تبقى النعمة عند غيره، هذا أيضا سيء لكنه أفضل من النوعين الذين قبله.
4. الغبطة :

ليس بسيئ يسمى الغبطة في صورته استثقال، لماذا فلان نال كذا؟ لكني لا أتمنى أن يخسر فلان ولكن أتمنى أن أنال مثل ما ينال هو، هذه هي الغبطة حسد المؤمن غبطة، المؤمن لا يحسد لكن يغبط، ما معنى يغبط؟ يتمنى أن ينال مثل الذي ناله الذي أمامه، لا بزوال النعمة عن الذي أمامه.
النوع الرابع لا بأس أن يحصل للمؤمن، رأيت إنسان عنده شيئ من الخير،حفظ القرآن قبلك، تستثقل أن لا تحفظ أنت القرآن فتتمنى أن تحفظ أنت القرآن لكن لا تستثقل أن يحفظ هو القرآن، فحملك هذا على حفظ القرآن وتنال ما ناله، لا أن تتمنى زوال ما عنده، هذا من باب التنافس (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) هذا شيء محمود، وهو يرجع إلى أصل المسألة في نفس الإنسان وهو تمني السبق تمني التمييز تمني التقدم إذا جاء على هذا النحو فلا بأس ولكن المشكلة في الثلاثة الأنواع الأولى، أن يتمنى الإنسان زوال النعمة.
عواقب الحسد

في الدنيا

1. الحسود مهموم ومنكود :
الحسود مهموم مدة حياته كلها، الذي يغلب على قلبه ظلمة الحسد لا يحب أن يرى منعم عليه، لا يحب أن يرى شخص مستقر مع أسرته فيحاول أن يفتن، لا يحب أن يرى إنسان منعم عليه بشيء من خيرات الدنيا، لا يحب أن يرى إنسان منعم عليه بخير أو بعلم وبصلاح، دائما لما يرى ماعند الناس من خير يثقل عليه ذلك فيتمنى زوال هذا الخير، هذا مسكين يعيش حياته كلها في كمد لأن فضل الله لا ينقطع على خلقه فهو دائما يرى فضل الله ونعم الله لدى الخلق وهو دائما في نكد في نكد إلى أن يموت، لو لم يكن للحسد عقوبة إلا هذه لكفت، هذه واحدة، فهو في الدنيا منكود.
2. الحسود ليس له صاحب :
لأن صلته بالناس تكون صورية، الحسود مهما اصطنع المحبة مع الناس، لا بد أن يأتي وقت وتبرز منه تصرفات تدل على أنه حاسد فتنفر الناس منه، فالحسود ليس له صاحب يعيش منبوذا مهما حاول أن يخفي الأمر.
3. الحسود محروم من ذلة المصافاة :
هذا في الدنيا قبل الآخرة، لايستطيع أن يعيش معنى المصافاه في صلته بالخلق، كل ما رأى أحدا نال شيئ ثقل عليه فهو مكدر الحال، بينما الذي تهنأ نفسه للخير للخلق يعيش معنى الصفاء، لأن صلته بالناس قائمة على حب الخير للناس.
4. الحسود لايمكن أن يكون داعي إلى الله :
لا يمكن أن يخدم الإسلام قط، مهما حاول أن يعمل صور من خدمة الإسلام لا يستطيع أن يكون سبب في إيصال الخير إلى الخلائق، لأن الأصل في الدعوة إلى الله أن توصل نور الإيمان إلى الأخرين، ما معنى هذا ؟ أن توصل الخير إليهم ما معنى هذا؟ أن تكون سببا ً في سعادتهم، فإذا كان القلب فيه حسد يستثقل الخير على البشر كيف يكون سبباً في إيصال الخير إليهم!!
* قصة : على سبيل المضحك المبكي كان أحد الأئمة الأفاضل إمام مسجد يحكي لي اسمه الشيخ محمد الشنقيطي قال كان في نفس المنطقة التي نحن فيها رجل من الولايات المتحدة يعمل في شركة بترول ومكث نحو عشرين سنة في البلد التي نحن فيه،ا ثم بعد ذلك قرب انتهاء عقده ليرجع إلى بلاده فذهب إلى رجل على هيئته صورة تدين، ذهب إليه فقال يا شيخ أنا عمري الآن في الستين ومدة جلوسي في بلدكم المسلمة بدأت أحب الإسلام هل يمكن إذا أسلمت أن يغفر الله لي ما حصل؟ فقال له: ستين سنة وأنت في المعاصي والذنوب واللخبطات بعدين خلاص تريد تدخل الجنة.. صعب لا يمكن، لا خلاص انتهت المسألة. فالرجل صدّق وعاد وهو منكسر، بعد ستة أشهر لايزال اللاعج والرغبة في قلبه أن يقبل على الخير في قلبه جعله يذهب إلى شيخ الذي قص لي القصة وقال له: هل يمكن أن أسلم؟ قال: بالطبع الآن انطق بالشهادتين، قال: أنت متأكد أنه يمكن؟ قال: أنت مقتنع بالاسلام ومعتقد به؟ قال: نعم، قال الأن انطق بالشهادتين لاتتردد، فنطق بالشهادتين وبكى قال له: ما يبكيك؟ قال ذهبت إلى شيخ قبل أو رجل في صورة أو هيئة شيخ وقال لي: خلاص لا يمكن قال له: من هذا؟ قال فلان الذي في نفس البلدة في المنطقة الفلانية، يقول الشيخ اتصلت به قلت له جاءك منذ أشهر خواجة وقال لك أنه يريد يسلم وقلت له خلاص ماعاد ينفع أنت في الستين؟ قال نعم، قال كيف فعلت ذلك؟! قال: الله المستعان هذا له ستين سنه يتمتع بالحرام وبالبنات وكل ما يريده بالدنيا وبعد يدخل الجنة معنا بعد هذا كله!! شفت المشكلة يدخل الجنة معنا.
- الحكمة من القصة : في هذه القصة ثلاث مشاكل ولكن مرجعها إلى مشكلة واحدة الحسد : فالأولى وهي الحسد، ما يريد أن يرى النعمة لهذا الإنسان، المشكلة الثانية أنه جزم أنه داخل الجنة وهذه مصيبة ثانية، العجب أورثه الكبر (يدخل الجنة معنا) هل ضمنت أنك داخل الجنة أصلاً؟، المشكلة الثالثة أعمق، أنه متحسر لأنه محروم من التلذذ بالمعاصي!! كيف هذا يتلذذ بالمعاصي ونحن لا نتمتع؟! فهو مغتاظ لماذا الآخر يتمتع بها وهو لا يتمتع، لماذا؟ بسبب الحسد.
5.الحسود محروم لذة الطاعة :
إذا حرم الصفاء وصار منكود فلا يذوق لذة الطاعة أبداً، لايمكن للحسود أن يتلذذ بمناجاة الله!! لا يمكن لحسود أن يعيش الأنس بالله، لأنه يقابل الله بالمعادة (أنت يارب لماذا تعطي فلان وفلان…) فيقابل الله بما لا يحب الحق عزّ وجل أن يراه في قلوب خلقه الذين يقبلون عليه، هذه المشاكل كلها في الدنيا .
في الآخرة

الحسد يحرق الحسنات، الحسد سبب لغضب الله، الحسد سبب للطرد، أما علمت أن الحسد كان سبباً في طرد إبليس؟ فالحسود مطرود، وهو سبب في دخول النار والعياذ بالله، الحسد يكون مقدمة لسلب الإيمان إذا لم ينتبه صاحبه والعياذ بالله، كيف؟ يكون سبب في سلب الإيمان؟ لأنه يعترض على الله ويعترض على الله .. يارب لماذا أعطيت فلان .. لماذا يسرت لفلان .. لماذا لماذا؟ خلاص يشعر تجاه ربه شعور لا أقدر أن أصفه إحساس أني غير راض بما يأتي منك يارب، هذا الحال إذا توصل إليه ماذا بقي له من إيمانه؟ ضاع وفقد إيمانه من أصله.
فتش عن الحسد
أيها المريد السائر إلى الله تعال أدخل إلى قلبك فتش، لأن الحسد أحياناً يخفى في النفس في داخل القلب، كم مرة من المرات شعرت أنك تغيظت على إنسان زيادة عن الحد في كلامك معه بسبب تافه لا يقتضي الصياح والصراخ، فتش تجد أنك ربما استثقلت منه شيئا، حسدته في شيئ فجاءت أدنى مشكلة جعلتك تقوم وتتكلم عليه بكثرة، كانوا يقولون أسوأ أنواع الحسد حسد العلماء وطلبة العلم والدعاة والسالكين أيضاً السائرين إلى الله عزوجل، لماذا؟ قال من المفترض أنهم الذين يعملون على بضاعة تطهير القلوب فإذا حسد طالبُ علم طالبَ علم .. ينتظر متى سيخطئ، فإذا أخطأ شنّ الحملة الكبيرة عليه ليس في جزئية الخطأ البسيطة بل بنى على الخطأ القضاء على كل ما يأتي من هذا العالم أو الداعية أو طالب العلم أو السالك إلى الله، لماذا؟ لأن المسألة مسألة حسد ليست مسألة انتقاد، كذلك في البيع والشراء والتجارة، لا لا لا هذا فلان لا يمكن أن نثق فيه أبداً، لماذا؟ في اليوم الفلاني عندما نزلت البضاعة إلى السوق لم ينبه الناس إلى المشكلة الفلانية في البضاعة، هل هناك احتمال أنه لم ينبه الناس نسيانأً؟ وارد هذا الإحتمال، لماذا أنت مباشرة اعتبرت أنه خائن أنه سيئ؟ لأني وإياه في نفس العمل، تنافس قائم فالحسد جاء، عندما يأتي مزارع وله مزارع آخر فحصل خطأ من هذا المزارع في شئ من أساليب الزراعة أثر على نوعية الزراعة التي يزرعها على المحصول، لالا هذا فلان لا تأمنوه أبداً هذا خائن، لا نأتمنه على بطون الناس وعلى أرزاق الناس فعل كذا وكذا، من الذي يشنع عليه؟ مزارع مثله من نفس العمل لماذا؟ لأنه يثقل أن يراه قد برز أو تفوق في شيئ.
علاج الحسد

1- كراهية الحسد:

أن تكره هذه الصفة فيك، اعترف!! جزئية منها موجودة واكره وجودها في داخلك، اجعل الله ينظر إلى قلبك فيرى من قلبك كراهية الحسد، كراهية أن تحسد غيرك.
2- الدعاء لمن تستثثقل رؤية النعمة عليه :

رأيت إنسان أنعم الله عليه بنعمة ظاهرة أو باطنة وشعرت في قلبك شيء من الاستثقال لرؤية النعمة.. اللهم زده وبارك له فيها .. اللهم وفقه لحسن الاداء فيها .. اللهم نعمه بها في الدنيا والأخرة .. اللهم أكرمه وأكرم ذريته بزيادة من عندك، البعض يقول: تريدني أن أدعو وقلبي غير راضي، ممكن أن أقول بلساني لكن ما أريد أضحك وأخادع ربي أنا ما أستطيع، أقول يارب زده وقلبي يقول لا تزيده، افعل حتى لو حصل ذلك، فإذا قلت يارب زده وقلبك يقول لا يارب لا تزده قل يارب أنا أبرأ إليك من هذا الذي في قلبي الذي أستطيع لساني حركتها فأعني على مالا أستطيع، توجهت إليك فيما يرضيك بما أستطيع فأعني فيما لا أستطيع .. يكرمك الله سبحانه وتعالى، وهذه من الأدوية المجربة لعلاج الحسد في القلب، أنك تدعو لمن استثقلت رؤية النعمة عنده وتسأل الله عزوجل أن يزيدهم من هذه النعمة.
3- تحدث بالثناء على من تحسده في غيابه :

تتحدث بالثناء على من استثقلت رؤية النعمة عنده، إن كان لك زميل في ميدان عمل أو في دراستك أو في أي مجال .. استثقلت النعمة التي عنده .. أثني على الخير الذي عنده في غيابه أمام الناس، أما أمامه تثني عليه ومن خلفه تتكلم عليه هذا نفاق هذه مداهنة، لكن الكلام في غيابه أثني على الخير الذي ناله ومكـّن ثمرة هذا الخير في قلوب الناس، تعرف أين يأتي العلاج هنا؟ هذا مثل العلاج المباشر على مشكلة حسد النفس ..لماذا حسدت؟تريد أن تتمتع؟ .. تريد منزلة عند الناس؟ … تتمتع بالمكانة، فإذا كان الذي ينافسك ينافسك في علم أو في تجارة أو في صناعة أو في تقنية أو في أي مجال، وبدأت تثني على إتقانه أمام الناس في غيابه، أنت ماذا تفعل هنا؟ أنت تؤكد المكانة التي ستصير له قي قلوب الناس بسبب النعمة التي معه، ماذا تفعل أنت الآن؟ أنت تستأصل المشكلة من أصلها في قلبك، أنت لماذا استكثرت واستثقلت أن ترى النعمة عليه لماذا حسدته؟ لأنك ترى أن هذه النعمة ستجعل له مكانة تنافسك عند الناس إذا بدأت تمكن له هذه المكانة في قلوب الناس أنت أخزيت النفس بكل ما يمكن أن تخزى به، أنت الآن قتلت هذه المشكلة من داخلك واستأصلتها من أصلها، فمن ثبت على ذلك ..
هذا تثقيل؟؟ أنت تريد القرب من الله عزوجل تريد أن تكون سائر إلى الله؟ ليس من السهولة بمكان من أبدا!! من المرة الأولى ستخرج متحمس بعد سماعك هذا الكلام في المجلس، اللهم اني كنت مستثقل الخير الذي عند فلان اللهم زده من هذا الخير اللهم أكرمه وبارك فيه .. غداً ستجلس بين أصحابك تقول فلان ما شاء الله ممتاز وهذا المجال الذي يتقنه سينفع كثير وأنا مسرور من نجاحه، إلى هذا الحد يمكن!! لكن بعد يومين ثلاثة أيام الناس الذين أثنيت عليه أمامهم سيبدؤون هم ينطقون بهذا الثناء ويسمعونك، تبدأ النفس تضيق، مدحوه مرة ثانية فتقول نعم نعم هو كذلك، مرة أخرى (بتغيض) عرفنا أنه ممتاز، من أين جاء هذا؟ لآن الخناق بدأ يضيق عليه، معنى كلامي هذا أن المسألة تحتاج إلى استمرار، أنك هنا تعارض نفسك فيما تريد، أنت الأن تستأصل مرض من داخل القلب من عمق القلب، وهو مرض الحسد.
4- فكر كيف تساعد مَن حسدته :

شعرت باستثقال في نفسك لما أعطاه الله هذه النعمة إن استطعت أن تساعده في شيئ يعينه على النعمة التي هو فيها هذا أيضاً سيعالج المرض أكثر وأكثر في قلبك، وسينظر الله إلى قلبك (وهو المطلوب وهي الثمرة) فإذا نظر الله إلى قلبك ورأى أنك تعامله على هذا النحو تجلى الله عليك بنوره، وإذا تجلى عليك سبحانه وتعالى بنوره عاد على قلبك بطهارة لم تكن تعهدها من قبل، وصار قلبك يهنأ للناس، وصار قلبك سبباً لإيصال الخير إلى الناس وصرت تعشق أن ترى النعمة لدى الخلق، لماذا؟ لأنك ترى تجليات المنعم سبحانه وتعالى..
الثمرة :

يا مريد افهم هذا المعنى وتنبه له .. إذا عالجت نفسك الآن بما يذكره الآن وما يذكره العلماء بمعالجة الحسد وبدأت ترى إشراق في قلبك، ما هو هذا الإشراق؟ نور الفرح برؤية نعمة المنعم على خلقه، معنى هذا أنك بدأت تشهد تجليات الله، رأيت إنسان أنعم الله عليه بنعمة، شهدت ماذا؟ في الصورة شهدت بشر ونعمة جاءت له، أما في الحقيقة شهدت تجلي الله سبحانه وتعالى باسمه المنعم على هذا العبد فانتقلت من ظلمة الحسد إلى نورانية شهود تجلي الله سبحانه وتعالى بنعمة على عباده، فكلما رأيت منعماً عليه رأيت رتبة أو مشهداً أو معنىً من معاني تجليات الله باسمه المنعم، فإذا ترى تجليات اسم الله المنعم وتجليات الله باسم الله المنعم هنا، فيمتلئ قلبك بأنوار اسم الله المنعم فتصبح انت متجلى عليك باسمه المنعم، وعند إذن يتجلى الله عليك بنعمة الوصول إليه التي من أجلها سلكت وأنصت لهذا الكلام وحضرت مثل هذا الدرس.
ننصرف من هذا المجلس ..

بأي وجهة وبأي حال؟ بعد أن تكلمنا في ثلاثة مجالس على أمهات أمراض القلوب، هل بقي من الكبر شيئ لم تعد تكرهه في نفسك؟ نعم!! نأخذ وقت لنجتهد كي نتخلص منه نستعين بالله على ذلك، الرياء: التفات إلى الناس، الحسد: استثقال رؤية النعمة على أحد، سنعمل على التخلص منها..
ستخرج من هذا المجلس وأمامك شغل، تتخلص من الكبر بتذكر حالك ونقصك، نتخلص من الكبر بالأعمال ومبارة الناس بالسلام، تنظف البيت وتنظف حمامات المساجد، نتخلص من الرياء باستشعار عظمة الحق سبحانه وتعالى حتى لا نطلب المكانة بين الخلق، نكره خاطر الرياء الذي يحصل عندنا، نكثر من ذكر لا إله إلا الله، نتخلص من الحسد بكراهة هذه الصفة مع الاعتراف بوجودها، بالدعاء لمن نرى عنده نعمة ونشعر من أنفسنا استثقال من رؤية النعمة، الثناء عليهم في غيابه بمساعدتهم على الازدياد من الخير الذي هم فيه بالبحث عن شهود أنوار المنعم سبحانه وتعالى ..
هذه الأمراض أو المعاصي الثلاثة تتفرع عنها أمراض ومعاصي كثيرة في القلوب لأن أمراض القلوب كثيرة والعياذ بالله، لكن الذي يعتني بتطهير قلبه من هذه الأمراض الثلاثة فجميع ما عداها، دونها ومتفرع عنها، كأنك عالجت الأصل، فإذا أقبلت على هذا المعنى ورضيت بأن تمر عليك أيام وأوقات وجهود وفكر وبذل لتتخلص منها بدأت أنوار الطهارة تشرق على قلبك، انتقلنا الآن عن الكلام عن قلب طاهر أو قلب يرتقي في التطهر شيئا فشيئا، فإذا وصلنا إلى الحديث عن الطهارة سيكون حديثنا إن شاء الله عز وجل بالمجلس القادم عن (طهارة الظاهر) كان الكلام عن (تطهير الباطن) القلب من القاذورات والمعاصي والأمراض بقي تطهير الظاهر الذي لو اجتمع مع الباطن تهيأ الإنسان إلى السير إلى الله عز وجل ..يا أيها المريد أطلب طهارة باطنك وظاهرك..
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا واياكم كمال طهارة الظاهر والباطن .. يا باطن يا ظاهر .. طهر منا البواطن والظواهر واجعلنا من عبادك الصالحين .. اللهم نقِ قلوبنا من ظلمة الحسد.. اللهم ارزق قلوبنا محبة الخير لعبادك .. اللهم اجعلنا من أنفع خلقك لخلقك وأقربهم إليك.. اللهم إن محبتك لعبدك تزداد بمحبته لخلقك وبذله النفع لهم فاجعلنا ممن تحبهم ببذل النفع لعبادك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

محب الحبيب علي
14 Sep 2008, 08:33 PM
الدرس الثاني عشر - طهارة الظاهر


الحمد لله الذي يحب التوابين ويحب المتطهرين، وصلى الله وسلم وبارك على إمام أهل الطهارة سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
وقد انتهى بنا الحديث إلى التهيؤ لطهارة الظاهر بعد الحديث عن تطهير القلب من أمراضه، وقد لاحظ أحد الفضلاء من الحضور في المجلس الماضي والذي قبله والذي قبله، أن الحديث عن أمراض القلوب وأمهاتها التي ذكرت .. الكِبرُ والرياءُ والحَسد .. لا يكفي فيه الحلقات الثلاث أو المجالس الثلاث التي مرت، إذ انه أس الاشكال الذي يعانيه السائر إلى الله عز وجل، بل أس الإشكال الذي تعانيه الأمة، بل أس الإشكال الذي تعانيه البشرية في زماننا، ولولا أن هذه المجالس المقصود منها..




هذه المجالس المقصود منها : إلقاء الضوء على أمهات شؤون السير إلى الله عز وجل، بحيث يتم المرور على أبواب السير إلى الله تعالى من خلالها، ثم من وراء كل مجلس وكل موضوعٍ تفريعات إن تيقظت قلوبنا وتنبهت للسير إلى الله استشعرنا حاجتنا إليها، لأُطلِق العِنان في الكلام عن هذا الأمر، ولكن لكم أن ترجعوا إلى كتب القوم التي تخصصت، وهنا ينبغي التنبه إلى أمر .. كان الشأن فيمن سبق في السلف الصالح ومن بعدهم أنهم خصصوا لعلم السير إلى الله وتزكية الأنفس بابا..ً أي جعلوه علماً مستقلاً، فكان طالب العلم وطالب الوصول إلى الله كما يدرس علماً اسمه الفقه وعلماً آخر اسمه التوحيد وعلما ثالث اسمه الأصول ورابع اسمه الحديث وخامس اسمه علوم القرآن وما يتفرع عنه من علوم القرآن كأصول التفسير والتفسير وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، أيضاً كان هناك علم مخصص للتزكية لمنزلتها ومكانتها في ديننا وأهميتها لكل واحد منا، وقد انتشر إهمال هذا العلم في المائة سنة الماضية أو المائة والخمسين السنة الماضية من أحوال الأمة، وكان هذا أحد أسباب تاخر الأمة ايضاً وما آلت إليه، لهذا ينبغي العود إلى هذا العلم مرة أخرى، العلم الذي يُعنى بصلاح القلوب، سَمهِ الإحسان سمهِ التزكية سمهِ ما شئت لا ندخل معك في جدل حول الإسم لأنا نريد المسمى وليس مقصودنا الاسم، على كلٍ بعد حديثٍ مهم عن صلاح القلوب وتطهيرها بعد إغلاق المنافذ التي كانت تدخل من خلالها الأسواء والظلمات إلى القلب ثم العمل على تطهير باطن الانسان (القلب) بقي الاعتناء بظاهر الطهارة، تطهير ظاهر الانسان لأن ديننا من عظمته أنه بنى الإنسان بكله ظاهره وباطنه، لم يعتني بظاهرٍ معمور وباطن خرب، ولا بباطنٍ معمور وظاهرٍ خرب، بل بنى الانسان ظاهراً وباطناً.
طهارة الظاهر

الجانب الحسي

المقصود نظافة الأعضاء والملابس، طهارتها من النجاسات وطهارتها من أيضاً من الأوساخ “إن الله جميلٌ يحبُ الجمال نظيفٌ يحبُ النظافة“، (خذوا زينتكم عند كل مسجد) فعـُلمنا أن المؤمن لا يرضى أن يبقى وعلى جسده شيء من النجاسات أو على ثيابه شيء من النجاسات، لأن المؤمن في حال دوام حضور مع الله أيها المريد مهمتك أن يدوم حضورك مع الله ذاكراً مستشعراً عظمة الصلة به، والنجاسة مع ما فيها من قذارة تلحق بالجسد وتصيب الثوب تشمئز منها النفوس هي أيضاً مدخل للظلمات على الإنسان، النجاسة لها صلة بالظلمة كما أن الطهارة لها صلة بالنور، فأولاً لا ينبغي للمريد السالك إلى الله أن يبقى وعلى ثوبه أو على بدنه أو على مكانه شيء من النجاسات وإن أصابها شيء من ذلك فليسارع إلى إزالته وغسله، هذا ينبهنا إلى أمر وهو أنه بحاجة إلى أن يتعلم أحكام الشريعة في التعامل مع الطهارة والنجاسة، إذ أن السير إلى الله لا يكون على جهل أبداً، “ما اتخذ الله من وليٍ جاهل، ولو اتخذه لعلمه” هكذا كانوا يقولون، إذاُ نحن بحاجة للاعتناء بتنظيف المظهر..
الجانب المعنوي

أيضاً نحن بحاجة إلى اعتناءٍ بمعنى الطهارة المعنوية للظاهر وهي حصول رفع الحدث الأكبر والأصغر، بمعنى ألا يرضى المريد أن يمر عليه وقت وهو على حدث، إن أصابه حدث أصغر مما ينقض الوضوء سارع إلى الوضوء، وإن أصابه حدث أكبر مما يوجب الغـُسل سارع إلى الاغتسال، إذا عاشر أهل بيته أو استيقض وعليه جنابة يسارع إلى الاغتسال، وان اصابه أمر طارئ أخر عنه الاغتسال فلا أقل من الوضوء وفي أشد الحالات وندرها إذا شعر بالتعب الشديد وما استطاع فالتيمم ولو بجداره كما كان يفعل صلى الله عليه وآله وسلم وروت عنه السيدة عائشة، فلا أقل من أن يضرب بيده على صفحة الجدار بنية التيمم ويتيمم بحيث لا ينام إلا وهو على وجه من أوجه الطهارة، أما إذا أراد أن يخرج من بيته فلا ينبغي أن يخرج إلا وهو على طهارة ..
فوائد المداومة على الطهارة

1. التحصين والحفظ :

، كان أحد الافاضل البارحة يسأل ما الذي يقوي ويكثر من خواطر الخير التي تأتي إلهاماً من الله ولمة من الملك ويقلل خواطر الشر التي تأتي من الشيطان أو النفس أو من الاستدراج، تتذكرون ماكنا نذكره في المجالس الماضية حول هذا الامر، جاء سؤال جيد من أحد الأفاضل البارحة قال كيف يزيد هذا الأمر؟ أحد الاجوبة على هذا السؤال ما نحن بصدده الآن، المريد الحريص على استمرار الطهارة تكثر على قلبه واردات الخير وتقل واردات الشر، وعندما يكون الانسان أو السائر أو المريد الطالب القرب من الله عز وجل على غير وضوء وغير طهارة تكثر عليه خواطر الشر وسوسة الشيطان وحديث النفس، تقوى عند الإنسان الذي لا يكون على طهارة، لكن كلما دام على طهارته كلما عاش في هالة من نور يتحصن بها ويحفظ بها عن أن تدخل على قلبه خواطر الشر، يحفظ أيضا من أذى الشياطين .. شياطين الإنس والجن، يحفظ أيضا من الحسد، يحفظ أيضا من السحر، هذا حفظ وتحصين كامل للمريد أن يدوم على طهارة .
2. تقوية اليقين في القلب

ما دخلُ شيء من الماء أغسل به وجهي ويدي إلى المرفقين أو فوقهما قليلا امسح به رئسي واغسل به قدمي في تقوية اليقين الذي هو أساس الدين؟ قالوا نعم، الذي يحرص دائما على الوضوء يكون مستعدا للقاء الله في كل وقت، الذي يحرص على أن يكون على طهارة دائمة هو في كل لحظة مستعد للقاء الله عز وجل، من الأشياء التي كان أشياخنا جزاهم الله عنا خير الجزاء يحمسونا ويرفعون همتنا في الحفاظ على الطهارة ودوامها فينا، كانوا يقولون لنا: لو جاءك الموت في أي لحظة يأتيك وأنت على طهارة فصار الواحد منا كل ما أراد أن يتوضأ يتذكر هذا الكلام، يأتيني الموت وأنا على طهارة، إذا صار المريد متذكر للموت على الدوام، والذي يغلب على قلبه ذكر الموت والاستعداد للموت على الدوام لا يمكن للدنيا ان تلعب بقلبه لا يمكن للشيطان ان يلعب به لا يمكن للنفس ان تأخذ به، إن أخطأ مرة عاد وتنبه واستفاق ورجع لانه دائم الذكر للموت، والذي يجعله تذكره للموت يعمل ويقوم بالعمل وحول المسألة إلى عمل، قام يتوضئ استعداداً للموت، العمل يقوي اليقين في القلب، فإذا الحفاظ على دوام الطهارة يقوي اليقين في القلب.
الهيئة والهندام

بقيت مسألة قبل أن ننتقل إلى ما يعين على دوام الطهارة وهي مسألة جودة الهيئة والشكل واللباس والنظافة والتطيب والهندام وصلة هذا بالإرادة، البعض يقول أليس من الزهد ان يقلل الانسان من حسن هندامه وهيئته؟ أليس من الالتفات إلى الدنيا الانشغال بالهيئة والهندام؟ نقول المسألة لا ترجع إلى الشكل قطن يوجد من الحريصين على نظافة الجد وعلى التطيب وعلى الملابس الحسنة مَن هم مِـن أكابر العارفين بالله ويوجد منهم مَن هم مِـن أكابر المراءين الراغبين في لفت أنظار الناس إليهم، أيضا يوجد من أصحاب الثياب الرثة والهيئة البذلة مَن هم مِـن أكابر العارفين بالله أيضا ويوجد منهم مَن هم مِـن المراءين من الناحية الأخرى أو من الغافيلن أو من البعيدين عن معنى الالتزام بالسنة، القضية ليست الهيئة، القضية حال القلب مع الهئية، ماهي وجهة قلبك في هيئة معينة، إذا اغتسلت وقمت على نظافة ما مقصودك من ذلك؟ هل مقصودك التقرب إلى الله، لما علمت أن لله يحب النظافة (إن الله جميل يحب الجمال نظيف يحب النظافة) الله يحب النظافة إذا أنا أحب النظافة بمحبة الله للنظافة وإلا حتى غير المسلمين فيهم أناس نظيفين، فما الفرق بينك وبينهم؟ ما الزيادة التي أكرمك بها إيمانك وأكرمت بها بسبب إيمانك؟ أنت مرتبط بالنظافة لأنها طبع قويم في النفس البشرية فطر الله على ذلك المسلم والكافر إلا من تخلف عن هذه الفطرة، الأصل في الفطرة حب النظافة لكن زيادة على الأصل الموجود في الفطرة أنت مؤمن فأنت تعشق النظافة لأن ربك يحب النظافة، أحببت ما أحبه ربك يا سائر إلى الله، لهذا تحرص على النظافة، لماذا تحرص على الثياب الحسنة؟ (وكلمة الثياب الحسنة لا يعني بها التكلـّف بمضاهات الناس في الثياب أو أن تؤسر للمظهر)، ما الفرق بين من يحسّن هيئته وهو سائر إلى الله في ذلك وبين من يحسن هيئته وهو محجوب عن الله بهيئته؟ قالوا: الفرق أن الذي يحسّن هيئته وهو سائر إلى الله بهيئته هو يحسنها بمستطاعه مما يملك من غير تكلـّفٍ، استطاع أن يلبس من حسن الثياب بما يستطيع من المال لبس، خرج إلى الجمعة بأحسن ما يستطيع، خرج إلى لقاء إخوانه في الله بأحسن ما يستطيع، خرج إلى العيدين بزيادة وبأحسن ما يستطيع، (مما يستطيع وفي حدود الاستطاعة) .
* الهدي النبوي: أهديت له صلى الله عليه وآله وسلم امبيجانية (ثوب حسن) لبسه صلى الله عليه وسلم، جاء وقت من الأوقات ما وجد إلا الإزار فخرج وبطنه وصدره وظهره مكشوف صلوات ربي وسلامه عليه ولا يوجد إلا إزار يستر عورته، ورؤي وهو يلبس الرداء الاخضر ورؤي وهو يلبس الحلة الحمراء (المقصود بالحمراء أي البنية المائلة إلى الاحمرار والتي فيها الخطوط السود، وهي معروفة عند العرب بالحلة الحمراء) ما رأيت من ذي لمة سوداء في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان رسول الله فخماً مفخما.. أي أن حاله كان على هذا الشأن، كان يلبس ما وجد ويأكل ما وجد ما لم يكن إثماً صلى الله عليه وآله وسلم، هذا حال السائر إلى الله.
- ماحال المريد:

لكن المحجوب بالمظهر الذي أسر في مرض مظهره هو الذي إن لم يجد أعلى ما يمكن أن يلبسه في المظهر تكدر خاطره، يوم وجد فيه ما يلبسه كأقرانه أو ما يسمى بأحدث ما يوجد (الموضى أو الفوضى ما أدري ما اسمها) لبس أحسن ما يمكن أن يلبسه وفي اليوم الثاني ما وجد المال الذي يمكن أن يشتري به (التقليعة الجديدة في اللباس)، كان هذا الكلام في السابق نوجهه إلى أخواتنا من النساء للأسف صرنا اليوم بحاجة إلى توجيه هذا الكلام للنساء وللرجال ويمكن أصبح الرجال بحاجة إليه أكثر في زماننا!!
ما استطاع أن يلبس التقليعة الجديد ليضاهي بها زملائه يشعر في داخله بالكرب والنقص، إذا خرج إلى مكان يرقب نظرات الناس إليه كيف ينظرون إلى هيئته، إذا جلس بجانب أحد لبس أحدث ما يوجد يشعر أنه ناقص وبالتالي يقوم ويبحث عن مكان آخر (هذا خلل)!! في هذه الحالة نقول إتقانك لهذا اللباس حجاب بينك وبين الله ولا ينبغي أن يكون هذا حال المريد الطالب لقرب الله أبداً.
تعرف لماذا أصبح حجاباً؟ لأنك أصبحت مأسوراً له مملوكاً له، والمريد ليس بمملوكٍ لغير الله عز وجل المريد لا يَملك ولا يُملك، لا يرى أن له شيئاً في ملكه ماجاء بذله لله، ولا يُملك لا يرضى أن يملكه غير الله عز وجل، فإذا صرت تشاور نفسك .. ربما أتأخر عن حضور المناسبة الفلانية، لماذا؟ لأني لا املك الثياب المناسِبة للمناسَبة!! في هذه الحالة أصبح تزينك وتحسنك حجاباً بينك وبين الله، في هذه الحالة أنت بحاجة أن تكسر نفسك .. البس لباس أقل حتى مما تستطيع واخرج لتكسر هذا المعنى في نفسك ولتعالج هذا المرض في داخلك
إذا المشكلة ليست في الهيئة ربما تلبس أحسن اللباس وتكون في السائرين إلى مراتب المعرفة لله وربما يحجبك اللباس عن المعرفة بالله عز وجل.
أنتِ أيضاً أختي المريدة على نفس هذا الحال، التي تجد صعوبة في نفسها ان تحضر مناسبة في حضورها براً أو صلة برحم أو إدخالا للسرور على ذي صلة أو صديقة أو جارة .. فقط لأن ثوبها قد تكرر لبسه في عدد من المناسبات والزوج أو الأب أو الأخ أو هي لم تستطع أن تشتري ثوباً جديداً فخجلت من أن تـُرى بهذا الثوب أكثر من ثلاث أربع مرات في المناسبات، هذا الحال يصبح بسببه التزين حاجباً بينكِ وبين الله عز وجل.
متى يصبح التزين مقرباً لله؟ عندما أتزين لله .. أنا لا أتزين للناس ولما يقولونه عني .. أتزين لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته عليّ.
* علامة الصدق:
النفس تكذب على أصحابها كثيرا .. انتبه تخدعك وتقول لك: في الحقيقة أنا لا أريد ألبس من باب التباهي أو من باب المظهر ولكن لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، بارك الله فيك.. لكن تريد تتأكد هذا الكلام صدق وإلا تكذب عليك الأمارة بالسوء الكذابة، من هي؟ نفسك .. تريد تعرف صدق أو كذب؟ العلامة في ذلك: في حال عدم قدرتك على المستوى الذي كنت ترنو إليه هل يتغير الأمر؟ هل تتردد هل تتراجع؟ لم تتردد ولم تتراجع .. ولكن هل تشعر بالنقص والخجل بين الآخرين؟ هذه مشكلة .. لأنها تجعلك ملتفتاً إلى الصورة مأسوراً لها .. أصبحت قيمتك مرتهنة عندك بنظرة الناس إليك .. إن أكبروك صرت كبيراً وإن استصغروك صرت صغيراً .. اصبحت مملوكاً لمن؟ لنظر الناس. والمريد (أكرر) لا يقبل إلا ان يكون مملوكاً لله عز وجل .. عيب على من يعلم أنه يسير والله ناظر إلى قلبه يرتبك في حال تغير نظرة الناس إليه .. عيب على من جعل الله قيمته فيه روحاً نفخها الله من روحه (ونفخت فيه من روحي) أنت انسان مكرّم عند الله، فكيف ترضى ان تنزل وتسقط وتنحط إلى رتبةٍ تصير فيها قيمتك ساقطة من رتبة النفخة الربانية إلى ان تصير قيمتك بالخرقة البالية التي تلبسها، ان صارت خرقتك شكلها كذا صار لك قيمة وبدونها لم تعد لك قيمة .
* قصة : كانوا يذكرون عن الملا نصر الدين جحا (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%AD%D8%A7) .. تسمعون عن جحا؟ دائما إذا ذكر جحا تضحك الناس ولا يعرف عن جحا إلا أنه مهرجا، جحا بالمناسبة كان عالماً مفكراً وفيلسوفاً وداعياً، لكنه كان يحسن الفكاهة والدعابة التي تدل على المقصود والمعنى، الملا نصر الدين جحا دُعي إلى مناسبة في حيهِ فذهب بهيئته المعتادة المتوسطة أو دون المتوسطة، فأجلس في أخريات الناس ولم يستطع أن يقترب حيث الدسم، فتسلل وانسحب وعاد إلى البيت واستعار من جاره فروة فاخرة ذات قيمة، فلما أقبل نظر الناس إلى هيئته فرحبوا به وأجلسوه في صدر المائدة ، فلما أقبل على الخروف المشوي أمامه صار يأكل لقمة ويضع في الفروة لقمة أخرى ويقول (كلي فالتقديم لكِ لا لي)، لا ترضى أن يكون التقدير للخرقة التي تلبس، لا ترضى أن تكون قيمتك بالحديدة التي تركبها، لا ترضى أن تكون قيمتك بالاثاث.. الخشب الذي تزين به منزلك، ولا ترضي أنتِ أن تكوني كذلك، لا ترضى أن تكون قيمتك بمستوى المعيشة التي تتحدث عنها والمطعم الذي تأكل فيه أو تستدعي الطعام منه، قيمتك أن فيك قلب الله ناظر إليه .. لا تنزل ولا ترضى بالسقوط أبداً.
تقوى ومظهر، أم العكس؟!

عرفت الأمة أكابر من العارفين كانوا ذوي هيئات رثـّة، ينظر الإنسان إليهم لا يلتفت إليهم، نقول هذا خطأ؟ لا.. هذه استطاعته.. لا يملك أن يشتري الهيئة الكبيرة وهو يعلم أن قيمته مافي قلبه وليست الخرقة التي يلبسها، هل لهؤلاء مكرمة لحالهم؟ نعم.. أما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم (رُبّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له مدفوعٌ بالابواب إن تزوج لن يُزوج وان تشفعَ لن يُشَفع لو أقسم على الله لأبرّه)، لو قال يارب أقسمت عليك أن تحيل هذه الأرض الخضراء إلى غبراء لفعل الله له، إذاً يمكن أن يكون صاحب هيئة رثة وهو من المقربين؟ نعم، بعض الناس عالجوا المشكلة بطريقة خاطئة.. قالوا ديننا دين نظافة وأبدا ماكان الدين فيه دروشة وبهذلة، بالحقيقة الدين لم يكن فيه عبودية للظاهر والمظهر، الدين حررنا من عبوديتنا للمظهر إلى عبوديتنا للباطن الظاهر جل جلاله، إذا متى ما تيسرت الهيئة الحسنة من دون تكلف فهي الأولى ومتى لم تتيسر فالمتيسر، وأحياناً قد يحتاج المريد لفترة مؤقتة إلى أن يتبذل في هيئته ليكسر نفسه، يعالج مرض الالتفات إلى الخلق لكن بمقدارها وبالرجوع إلى شيخ يدله على كيفيتها في ذلك من الشيوخ المرشدين المربين، وقد يكون الإنسان صاحب هيئة بذلة وهو من كبار أهل الدنيا، يظن نفسه من الزهّاد وهو من كبار أهل الدنيا المتعلقين بها، لماذا؟ لأن هيئته هيئة الفقراء الزهـّاد وقلبه معلق بالدنيا ينتظر متى تأتي الدنيا ومتى يكسبها.
* قصة : كان أحد الصالحين له مريد يسلك على يده يربيه شيخ ويرشده، وهذا المريد يتاجر ويسافر من بلد إلى بلد للتجارة ، فأراد أن يسافر إلى بلدة فجاء يخبر شيخه : شيخي سأغيب فترة أسافر إلى البلدة الفلانية لا تنسونا من الدعاء .. توصونا بشيء؟ قال له شيخه نعم.. البلدة الفلانية فيها شيخ فلان من أكابر الصالحين والأولياء مظنة ولاية، اذهب واطلب الدعاء منه لك ولي وقل له: شيخي فلان يقرئك السلام ويقول لك: ادعُ لي. قال هذا التلميذ التاجر ذهبت إلى البلدة فلما دخلت سألت بعض أهل هذه البلدة: أين زاوية الشيخ فلان؟ فضحك وقال الشيخ فلان يسكن في قصر. قال فقلت في نفسي هذه واحدة، على كل حال أين قصر الشيخ فلان؟ دلوه عليه فذهب وقرع الباب.. أين الشيخ؟ قالوا: الشيخ معزوم على غداء عند الملك، قال هذه الثانية، وبينما هو في خاطره (كيف الشيخ فلان عند الملك في قصر وشيخي يقول قل له: يدعو لي وله؟ اصبر من أجل شيخي) وهو تخيل وركّب صورة الصالح على أن الصالح لا بد أن يكون الشخص الذي لا مال عنده ولا مسكن عنده لا يخالط الناس ويبتعد عن الدنيا… وإلا لا يكون صالحاً. قال فإذا به يأتي، فجاء على خيل فاخر ومعه خدم من أمامه ومن خلفه فلما دخل وجلس في القصر استأذن فأذن له ولما جاء سلم عليه -وقد تبخر حسن الظن ماعاد بقي منه شيء، لكن من باب أداء أمانة السلام-، فقال يا شيخ شيخي فلان يقرئك السلام ويقول لك لا تنساه من الدعاء وادعُ لي، فقال: أنت شيخك أخي فلان؟ قال نعم، قال أقرءه السلام وقل له أخوك فلان يسلم عليك ويقول لك إلى متى وقلبك معلق بالدنيا، أما آن لك أن تقطع علائق الدنيا عن قلبك؟ قال فهممت أن أرفع يدي وأضربه على وجهه!! شيخي الذي يعيش في عشّة ويأكل في اليوم وجبة يفطر عليها وهو صائم ولا يملك شيء من متاع الدنيا وهذا في قصر وكان عند السلطان تغدى ويأتي في موكب وبعد يريد يعلم شيخي (يتفلسف) يقول له إلى متى التعلق بالدنيا؟ قال فما منعني إلا الأدب مع شيخي الذي قال لي أنه من الصالحين. (وهنا فائدة الأدب مع الصالحين في كلامهم)، يقول فانصرفت ورجعت إلى البلدة فلما زرت شيخي قال: لي زرت شيخ فلان حفظه الله؟ قال كيف شيخ فلان عارف بالله وولي وهو ساكن في قصر وكان عند الملك يتغدى عنده وجاء في موكب وبعد يقول لي سلم على فلان وقول له إلى متى التعلق بالدنيا (أما آن لك ان تقطع علائق الدنيا عن قلبك؟) فأجهش الشيخ بالبكاء!! أو قال لك ذلك؟ قال: نعم فأغشي عليه … الشباب اليوم يستغربون من كلمة أغشي عليه شخص يدوخ ويغشى عليه من معنى، لكن ما يستغربون أن شخص يغشى عليه لأن الفريق الذي يشجعه ما فاز بالكرة، أو لأنها رأت الممثلة الفلانية أو الممثل الفلاني، لكن يستغربون إذا قيل أن فلان أغشي عليه من معنى من ذكر من آية من قصيدة سمعها، هذا أغشي عليه من التأثر.. فلما أفاق صار يبكي سائر يومه وفي اليوم الثاني جاء التلميذ قال طيب أفهمني ما فهمت، قال نعم إن الرجل الذي رأيته في صورة من الدنيا لم يكن في قلبه شيء من الالتفات إليها وهو مسخر لها في رضوان الله، وأنا تراني في حالة في صورتها ليس فيها التفات إلى الدنيا لكن تمر على قلبي في بعض الاحيان خواطر لو أن لي شيئاً من الدنيا، فكان أخي العارف بالله الذي أرسلك إليّ بهذه لنصيحة كأن الله أشعره بفراسة المؤمن لينبهني إلى العيب الذي عندي.

محب الحبيب علي
16 Sep 2008, 08:46 AM
الدرس الثالث عشر - طهارة الظاهر 2


الحمد لله حمدا ننال به رضوانه الأكبر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وتابعيهم والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين..
لايزال الحديث عن الطهارة، ولعل من حضر المجلس الماضي (http://www.almoreed.com/archives/episode12) قد عقد العزم ونفذ بأن يحرص على دوام طهارته وكل ما أحدث توضأ وصلى ركعتين أو سبـّح حتى يبقى على دوام الطهارة، ولعلنا راجعنا أنفسنا، هل راجعت نفسك قبل أن تلبس الثوب الحَسن؟ ما نيتك من لباسك هذا الثوب؟ وهل قررت أن لا تكون مملوكاً للمظهر بل مالكاً له، مع إحسانك للمظهر، بل أنت والمظهر مملوكين لله سبحانه وتعالى.
الحديث عن الحفاظ على الطهارة يبنبي عليه حديث عن ما يعين على دوام الطهارة، طاهرة المعنى والحس في ظاهر الإنسان، كان علماء التربية يقولون:






أن الذي يكثر الطعام لا بد وأن يكثر من الحاجة إلى قضاء الحاجة، وبالتالي يتردد كثيراً على بيت قضاء الحاجة وبالتالي يثقـُل عليه أن يدوم على الطهارة، كذلك كانوا يقولون: من كثر طعامه كثر نومه، ومن كثر نومه كثر كلامه، ومن كثر طعامه ونومه وكلامه لم يبقى له من الإرادة والسلوك إلا الصورة، الأصل في حق السائر الى الله سبحانه وتعالى أنه يأكل على قدر الحاجة وينام على قدر الحاجة ويتكلم على قدر الحاجة، هذا ملحظ، قبل أن نـُبحرَ في هذا الملحظ لأنه سيترتب عليه عمل، أود أن أعود قليلاً إلى مسألة المظهر..
طهارة الظاهر وارتباطها بطهارة الباطن

* قصة: يذكرون عن سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب سبط الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، “الحـَسنُ والحُسين سيدا شـَبابِ أهلِ الجـَنة” حديثٌ عن المصطفى، سيدنا الحسن قال عنه النبي : “إن إبني هذا سيدٌ ولعل الله أن يُصلِـحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلِمِين” كان سيدنا الحَسن قد اشتهر أنه يلبس أحسن ما يوجد، فشق ذلك على بعض المتزهدين في عصره وعاتبه في ذلك: أنت ابن بنت رسول الله، أنت قدوة للناس، فمال حال لباسك هذا؟ فقال (إن لباسي هذا يقول للناس إني غني عما في أيديكم، ولباسُك يقول للناس إني محتاجٌ إلى مافي أيديكم) هذا مشهد وهذا معنى في الفهم..
* قصة : الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الإمام الحسين وهو إمام أهل البيت أيضاً في عصره، وبالمناسبة.. أئمة أهل البيت هم أئمة المسلمين، هم أئمة أهل السنة والشيعة جميعاً، بعض شبابنا يظن أن ذكر أئمة أهل البيت خاص بطائفة دون طائفة، أئمة أهل السنة هم تلاميذ أئمة أهل البيت، الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان تلميذ جعفر الصادق وتلميذ زيد بن علي بن الحسين، كان يقول لولا السنتان لهلك النعمان، لولا السنتين التين درست فيهما على جعفر الصادق لهلكت..
سيدنا جعفر الصادق عليه السلام عتب عليه بعض أقرانه أن ثوبه الخارجي على هيئة حسنة، ولأن الذي عتب عليه كان من إخوانه المقربين إليه فأراد أن ينهي المشكلة التي في صدره، قال ناولني يدك، فناوله إياها فأدخلها إلى الثوب الداخلي (الشعار الذي يلي البدن، العرب تسمي ما يلبس في الداخل شعاراً وما يلبس في الخارج دثاراً)، فأدخل يده إلى شعاره فوجده من الصوف الذي لا يلبسه إلا فقراء الفقراء، أكثر الناس فقراً، قال أما هذا فلنفسي تهذيباً وأما هذا فاستغناءً عن الناس وما هم عليه.
هاتان القصتان تؤكدان معنى كنا نتحدث عنه في المجلس الماضي، أنه لا ينبغي أن تـُبنى الأمور على الهيئات والمظاهر..
* قصة أويس: في المقابل، سيدنا أويس تذكرونه؟ كنا ذكرناه قبل مجالس، لما قلنا لما نبحه الكلب وهو يجمع الطعام من المزبلة ليتصدق به على الجائعين ويقول (اللهم لا تؤاخذني على من بات جائعاً من أمة سيدنا محمد)، عندما نبحه الكلب قال: (يا كلب لا تؤذيني ولا أؤذيك آكل مما يليني وتأكل مما يليك فإن أنا اجتزت الصراط ودخلت الجنة فأنا خيرٌ منك وإن أنا سقطت من على الصراط وهويت إلى الناس فأنت خيرٌ مني)، سيدنا أويس كانت هيئتهُ رثـة، إذا نـُظر إليه لا يبالى به، حتى أن سيدنا عمر ابن الخطاب لما أراد أن يقابله، سيدنا عمر ابن الخطاب طلب بنفسه أن يقابل سيدنا أويس لأنه سمع من النبي ثناءٌ عليه (أويس وما أدراك ما أويس، رجل مجهولٌ في الأرضِ معروفٌ في السماء، كان به برصٌ فسأل الله فأبرءه منه إلا موضع درهم تحت منكبهِ سأل الله أن يُبقيهُ حتى يـَذكر نعمة الله عليه إذا نظر إليه، حبس نفسه على شويهات (غـَنـَم) لأمهِ يرعاها براً بإمه) وصفه النبي ثم قال لسيدنا عمر وسيدنا علي (يا عمر ويا علي إن أنتما رئيتماه فاسألاه أن يستغفر لكما يغفر الله لكما)، الله أكبر، الذي عليه جمهور أهل السنة أن سيدنا عمر وسيدنا علي أفضل من سيدنا أويس، هم من كبار الصحابة وسيدنا أويس من كبار التابعين، لكن مع ذلك علمهما رسول الله هذا الدرس، هذا أيضاً لي ولك أيها المريد، لنا نحن في السير إلى الله أن نطلب الدعاء ونحسن الظن بالكبير والصغير وأن لا نرى أن خصوصية خصّنا الله بها حاجبة بيننا وبين أن ننتفع بعباده.
سيدنا عمر في آخر سنة في خلافته قال يجلس الحجيج (كان في الموقف) إلا من كان من اليمن فجلسوا فبقي أهل اليمن، فقال ليجلس أهل اليمن إلا من كان من مراد (قبيلة سيدنا أويس) فجلس الجميع إلا عدد من قبيلة مراد ممن وفدوا على الحج، فقال ليجلس من كان من مراد إلا من كان من قرن (الفخيذة من القبيلة التي منها بالذات سيدنا أويس من هذا البيت) فبقي رجل كبير في السن شيخٌ، فقال له سيدنا عمر: أفيكم أويس؟ قال: يا أمير المؤمنين لا نعلم أويساً نرفعه لك إلا رجلاً به جنــّة (مجنون به حمق) تركناه على إبلنا يرعاها بأربعة دراهم، قال له سيدنا عمر: بك لا به، قم يا علي، وذهب هو وسيدنا علي ليلحقا بسيدنا أويس..
الشاهد في القصة: تعرفون ماهو؟ هنا هذا الموقف، كيف كانت نظرة المجتمع لسيدنا أويس؟، هذا الذي ذكره رسول الله عن بعد والذي قال لسيدنا عمر ولسيدنا علي (اسألاه أن يستغفر لكما يغفر الله لكما) المجتمع المحيط به كانوا يعتبرونه مجنوناً ويستهزئون به، ويرونه لا شيء فيهم..
إذن مسألة إعجاب الناس بهيئتك بمظهرك حتى مكانتك بين الناس ليست هي القصة وليست هي القضية في صلتك بالله، حتماً!! لا يُشترط حتى تصير سائراً إلى الله عز وجل أن تكون محطوط القدر في مجتمعك، تكلمنا عن الحسن ابن علي كيف كان يلبس وتكلمنا عن أويس، هذا تكرار للمعنى وتأكيد للمعنى الذي كنا نذكره في المجلس الماضي من أن الهيئة لا ينبغي أن تكون حَكماً على غيرك ولا حَكماَ عليك، لا ينبغي أن تتقيد للهيئة.
ذهب سيدنا علي وسيدنا عمر فوجداه يصلي تحت شجرة في عرفة والإبل ترعى ،. ألقيا عليه السلام فخفف الصلاة ورد عليهما السلام بعد الصلاة وتكلما معه،. فكان من ضمن الكلام ولا أطيل بذكره جميعاً، أن سيدنا عمر ابن الخطاب عرض عليه أن يعطيه شيء من المال، قال له إلى ان تذهب بعد الحج؟ قال إلى العراق (فرّج الله عن العراق، اللهم فرّج عن العراق وعن فلسطين فرجاً عاجلا وعن سائر بلاد المسلمين يارب العالمين)، قال إلى العراق، قال إذاً إنتظر حتى أذهب إلى بيت المال فآتيك بشيء من المال تستعين به وبشيء من الثياب (المال والثياب، الكلام عن الهيئة)، فقال يا أمير المؤمنين إن معي هذه الدراهم الأربعة التي أعطانيها القوم على رعي ابلهم ولا أدري أأعيش حتى أنفقها أو أموت قبل أن انفقها، يا أمير المؤمنين إن عليّ هذه الخرقة (الملابس) لا أدري أأعيش حتى أخِلقها (يعني تتبهذل) أو أموت قبل أن أخِلقها، يا أمير المؤمنين إن بين أيدينا عقبة (مرتفع مكان صعب الصعود إليه) عقبة كعداء لا يجتازها إلا المخِفـّون، فضرب سيدنا عمر ابن الخطاب الأرض بدرته وقال ليت شعري من يأخذها بما فيها (أي الخلافة) وددت آني لو أخرج منها كفافاً لا لي ولا عليّ، قال له: ألا أكتب إلى أمير العراق والي العراق حتى يعتني بك؟ قال أحب أن أكون في غبراء الناس يا أمير المؤمنين، ثم انقطعت الاخبار عن سيدنا أويس فترة حتى لقيه هرم ابن حيان رحمه الله، قال لقيت أويساً وهو جالسٌ على شط الفرات مدلٍ قدميه فألقيت عليه السلام فرد علي السلام فقلت أويس بن عامر القرني؟ قال نعم، هرم بن حيان؟ قال كيف عرفتني؟ قال ياهرم من عرف الله عرف كل شيء، قال فاستنصحته فنصحني، قلت له أسير معك؟ قال لا، نلتقي إن شاء الله على حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ما أراه إلا هرب من أن يُعرف بين الناس، حتى وجـِـدَ قتيلاً في معركة الصفين في صفوف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. أويس إبن عامر، هذا الذي بعد أكثر أو ما يقارب 1400 سنة لازلنا نذكره وأحسِب أن قلوبكم تحركت عند ذكره، كان في هيئته لا يُلتفت إليه،
لن تـُصبح مثل أويس إذا بهذلت هيئتك، ولن تصبح مثل الحسن إذا لبست الهيئة الحسنة، لكن ابحث عن قلب أويس وقلب الحسن، واحرص على أن تـَسلك هذا المسك وانظر أين يُقيمك الله، أقامك في هيئة كهيئة الحسن أو أقامك في هيئة كهيئة أويس من حيث الظاهر، لكن احرص على أن يكون لك قلب متصل بقلب الحسن وقلب أويس تسعد وترتقي..
طهارة الظاهر وضبط الطعام

لايزال الحديث عن طهارة الظاهر يستلزم الاستمرار على الطهارة كما ذكرنا في بداية المجلس أن نقلل من الطعام والشراب والنوم والكلام، حتى تقل حاجتي للذهاب إلى بيت الخلاء أقلل من الحدث فأحتاج أن لا آكل إلا قدر حاجتي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلب” هذا الأصل، الشيء الذي يقيم الصلب الذي تستطيع أن تستمر به بنشاط بحيوية بحياة سبب من الأسباب ، الأول كان علماء التربية والمشايخ يقولوا هذا الكلام، كان يقال لهم تمنعوا الناس من التمتع بالحلال وهذه نعم الله!! حتى جاء الأطباء وذكروا خطورة السمنة والدهنيات والنشويات وجاءت أمراض السكر والشحوم والكرش، بدأت الناس تبحث من جديد وبدأوا يعملون نظام حمية، هذه حمية من البداية قالها رسول الله وذكرها المربون ما أخذنا بكلامهم “بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلب” فإن كان ولا بد فثلث لطعامه، تتمتع!! أتمتع بالحلال لكن ثلث فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه.. من باب الدعابة إخواننا من طلبة العلم قال له أحدهم يكفيك ثلث لطعامه قال كل أدرى بثلثه دعوني وثلثي..
تريدون الحقيقة؟ مع اعتراف المتكلم بأنه لم يلتزم بها، قضية الثلث هذه لعموم المسلمين السالك المريد وضعه مختلف هو سلك سائر إلى الله هو من أصحاب اللقيمات هذا الأصل، فعجزت أن تكون من أصحاب اللقيمات، ولو تذكرتم قبل مجالس قلنا (http://www.almoreed.com/archives/episode6/) يقوم عن طعامه وهو يشتهي لقمة واحدة يتركها لله عزوجل يقوم ولا تزال نفسه متشوفة إلى لقمة يترك هذه اللقمة لله، لا يتركها في الصحن ترمى يتركها من الأصل يغرف دون حاجته فإن النفس إذا عودت أن تفطمها قبل أن تلبي حاجتها بدأت تخضع لك بدأت تنقاد لترويضها، لكن إن أعطيتها إلى منتهى حاجتها تفتحت في النفس الرغبات كلها بعد ذلك صعب عليك أن تأخذ بزمامها، أصبحت فوضى، أعطيتها ما تشتهيه من كل أنواع الطعام بالكميات التي تريدها أصبت بالتخمة جاءك النوم نمت، جاء وقت القيام ما استطعت أن تقوم من الليل، الفجر أيضاً يمكن حصل معك مشكلة تجاهه، الله المستعان الله يتوب علينا وعلى المسلمين، صار عندك مشكلة أيضاً بملء الوقت بما ينفع، حفظ الوقت بما ينفع، صار أكل كثير نوم كثير صار المزاج رائق كما يقول إخواننا المصريين صار يتكلم نصف ساعة!! ساعة!! ساعتين!! مستعد الرجال آكل نائم، ماذا بقي له من السير إلى الله؟! إذا كان وقته بين أكل وشرب ونوم وكلام ثرثرة، كله فضول، كله زيادة، كيف يسير إلى الباري سبحانه وتعالى هذه واحده..
* قصة : بالمناسبة الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى كان يأكل وجبة واحدة في اليوم وبالتالي كان يحتاج للدخول لبيت الخلاء مرة واحدة في اليوم، هذه القصة لها علاقة بالسير الذي نتكلم عنه ولها علاقة بمعنى عميق يرتقي إليه أهل الذوق في السير وهو معنى أدق، ما هي البلدة التي كان يسكن فيها سيدنا الإمام مالك؟ المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام رزقنا الله وإياكم زيارتها ومجاورته وجعل محلتنا في البقيع، كان يسكن المدينة كان يأكل وجبة واحدة وبالتالي كان يحتاج ليقضي حاجته مرة واحدة وكان لا يقضي حاجته في المدينة أبداً أدباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول إني لأستحي أن أضع قذري في مكان ربما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جلس فيه وكان لا ينتعل في المدينة أبداً ولا يركب على دابة في المدينة أبداً أدباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يركب الدابة إلامرة واحدة عندما عذب أخذ وسجن ظلماً فأركب على الدابة بالمقلوب من باب إرادة إهانته في طرقات المدينة حاسر الرأس حافي القدمين يقول يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس الأصبحي أفتي بان طلاق المكره غير نافذ، المسألة التي حولت إلى معنى سياسي وأوذي بسببها رضي الله عنه كان يأكل وجبة واحدة وبالتالي لا يقضي حاجته إلا مرة واحدة فإذا جاء وقت قضاء الحاجة يخرج إلى خارج المدينة خارج المدينة أي خارج حدود المسجد تقريباً الآن المسجد اتسع يكاد يكون استغرق المدينة القديمة جميعها، ويرجع مرة أخرى ولذلك كان الإمام مالك قوي الضبط لنفسه ضبط مسألة الطعام، كان لا ينام إلا على قدر الحاجة وبالتالي ما كانت نفسه تستطيع أن تغلبه..
طهارة الظاهر وضبط النفس

القصة كلها في قضية مغالبة النفس في السير إلى الله عزوجل، وكان وصل إلى حد القدرة على ضبط النفس خرج عن المألوف خرق العادة البشرية، يذكرون أنه كان في مجلسه رحمه الله يحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الروضة وكان إذا أراد أن يملي في أيام العرب أو أشعار العرب يملي، لكن إن أراد أن يدرس الحديث أو سئل عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل ويتطيب ويلبس أفضل ما عنده، رجعنا إلى اللباس ربط حسن اللباس بحسن المقصد، اليوم للأسف الكثير من إخواننا إذا أراد يخرج إلى المسجد إلى الجمعة لبس جلابية النوم وخرج، لكن لو كان عنده مناسبة تخرج أو زيارة أصحاب لبس أحسن ما عنده، البس الثوب الأبيض الجميل النقي البس القلنسوة أو العمامة ما تستطيع البس لبس حسن خذوا زينتكم عند كل مسجد، فإذا أراد الإمام مالك أن يحدث لبس أحسن ما عنده وجلس وأخذ يقول: حدثني نافع عن بن عمر عن صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم، يسمونها (سلسلة الذهب،. مالك عن نافع عن بن عمر) ذات يوم كان يحدث فرئي في وجهه تغير اصفر لونه واحمر وبدأ العرق ينصب من سيدنا مالك ولكنه لم يتوقف استمر في الحديث حتى انتهى من مجلس الحديث قال لمن هو قريب منه من الطلاب انظر مابين ظهري وثوبي فنظر فوجد عقرب قد لسع الإمام مالك سبع عشرة لسعة في سبعة عشر موضع فهال الطلاب هذا الأمر فقالوا لماذا لم تخبرنا عند أول لسعة ، قال: استحييت أن أقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للسعة عقرب ، ذبابة حطت على أنفي وأنفك ونحن نصلي ماذا نفعل؟ لو المكيف في المسجد أو الدفاية لم يكن في القدر المطلوب توترنا وما استطعنا، لو الفرش في المسجد كريهة رائحته قليلاً أوه…هذا خارق للعادة ها؟ البعض يقول هذا غير ممكن، نعم أنا أعرف وأفهم تماماً لماذا عقلك لا يتقبل هذا…لأنك لم تسلك، لكن لو سلكت هذا المسلك وخرجت من مرحلة أن تغلبك نفسك إلى مرحلة أن تغلب أنت نفسك ستفهم جيداً كيف يستطيع هؤلاء القوم أن يضبطوا أنفسهم.
* قصة من زماننا: أذكر قصة كنت في الرابعة عشر من عمري، لا تقل هذا مالك كان من رجال القرون الأولى من السلف الصالح أين نحن من هؤلاء، أحدثك من عصرنا كنت في الرابعة أو السادسة عشرة من عمري وخرجت مع شيخي الحبيب عبد القادر السقاف حفظه الله أحد كبار أشياخي الذين أخذت عليهم، خرجنا من مناسبة مجلس للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وركب السيارة وبعد أن أغلقت باب السيارة ركبت معه، فجاء أحد المحبين وفتح باب السيارة وطلب الدعاء وكلم الشيخ وصافحه ثم أغلق باب السيارة، ثم عاد قرع الزجاج السائق أنزل الزجاج فأخذ يكلم الشيخ بضع دقائق مدة، ودعا له وشيء من ذلك، لما انتهى من الكلام انصرف الرجل فلما مشى الرجل خطوات بحيث لا يسمعنا التفت الشيخ وقال: علي، قلت: لبيك قال: كأن الرجل أغلق الباب على إصبع يدي في المرة الأولى قبل أن ينزل الزجاج، نزلت من السيارة وفتحت الباب بسرعة فإذا بالدم يسيل من إصبع يد الشيخ أذكرها كأنها الآن أمامي، قلت: سيدي لماذا لم تخبر الرجل عند أول مرة أغلق فيها الباب صبرت حتى أخذ يكلمك ثم ينصرف؟!!، قال سيشق عليه لو علم أنه أغلق على إصبعي!!
جاهد تشاهد

هل وصل المعنى، إلى هذا الحد الرقي في المعاملة هذا مبحث وسنأتي إن شاء الله إليه ، لكن هنا الشاهد كيف استطاع أن يتحكم هذا الإنسان حتى في اللاشعور، الوضع الطبيعي للإنسان في اللاشعور أن إذا خبط على يدك تقول آه، آه تحرك هذا وضعنا نحن، لكن كيف استطاع هذا الإنسان وهو بشر ليس من أهل القرن الأول من الصحابة ولا من الثاني من التابعين ولا من الثالث من تابعي التابعين ولا من الخامس ولا السادس، في عصرنا أدركناه وجالسناه، كيف استطاع أن يتغلب على نفسه؟ هذا ثمرة السير إلى الله عزوجل، ثمرة السير التي نرجوها أن تخرق عادة نفسك هذه أهم من الكرامات التي يتكلمون عنها فلان طار فلان مشى على الماء، نحن نؤمن أن هذا حق وأن الله يجريها على أيدي الصالحين لكن ليست هذه حقيقة الكرامة هذه صورة الكرامة، حقيقة الكرامة أن تخرق عادة نفسك فتملك زمام نفسك لله سبحانه وتعالى إذا عشت مثل هذا الأمر استطعت أن تكون سالكاً في السير إلى الله عزوجل..
وجه الارتباط

ما دخل هذه القضية؟ أنت كنت تتكلم في بداية المجلس عن ثياب ودوام وضوء دخلتنا إلى ضبط النفس،هي هي ، البداية هذه بداية الأمور البسيطة التي قد تثقل على النفس تكاسلت قوم توضأ، نعسان قوم توضأ، أحدثت أمامك الميضأة الحمد لله ما طلب منك تنزح البير حتى تتوضأ كما كان الناس في السابق ،حرك فقط الصنبور واتوضأ كم يثقل عليك لاحظ عندما تقوم من المقعد الذي تقضي فيه حاجتك إلى الصنبور خطوتين لكن لا تستسهل أن تخرج مباشرة ما السبب؟ استثقال النفس، ابدأ من هنا حارب نفسك جاهد نفسك فيما تستثقل من الأمور التي تراها بسيطة، انظر هذه البداية فتسلك إلى تلك النهاية، ذكرت لك البداية وذكرت النهاية حتى تعرف إلى أين أنت تسير، خالفت نفسك في مسألة الحفاظ على الوضوء الحفاظ على الطهارة على النظافة الحفاظ على قلبك في هيئتك ما استطعت إلا أن يكون هذا ثوبك.
انتهى الأمر!! حافظ على هذا الأمر وتحمل الثقل البسيط فيه ترتقي إلى تحمل الثقل الكبير بعد ذلك بدون تعب فيصبح لذة، الذي نراه نحن خارق للعادة في تحمل الألم بالمناسبة لهؤلاء تلذذ بمرضاة الله سبحانه وتعالى ،اطلب هذه المعاني فإنها والله ولا أحب أن أكثر من القسم لكني الآن أقسم خلقت لك هذه المعاني لم تخلق لساداتنا الملائكة عليهم السلام لأنهم جبلوا على الطاعة ما عندهم أنفس ينازعونها هذه المعاني خلقت لك أنت وهذه المراتب خلقت لك أنت أيضاً وهذه العطاءات أنت المقصود بها، أنت ذات نفخ الله فيها من روحه لديك قلب فيه أنوار لا إله إلا الله، تعرف قيمة هذا المعنى انك تسير على الأرض بهذا الجسد الصغير الذي هو ولا شيء أمام هذه المجرات الكونية، يا صغير يا نقطة في هذا الوجود أقل من نقطة فيك شيء لو وضعت السماوات والأرض في كفة ووضع هذا الشيء في كفة لرجح بهم هو لا إله إلا الله يامن في قلبه أنوار لا إله إلا الله لا تستهين في هذا العطاء ومعنى أن لا تستهين في هذا العطاء أن لا تستصعب مرتقى في السير إلى الله لا تقول لا هذا كثير ، هذا لك وخلق من أجلك وهو في استطاعتك افهم فهماً صحيحاً قوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) البعض يفهمها معكوسة، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لا ما أقدر.. كلفك وما دام قد كلفك فهو في وسعك، إذاً مفهوم الآية منطوق الآية لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
ننصرف من هذا المجلس

باستشعار هذه المعاني ونفهم أن هذا مفتاح للتدرج في مجاهدة النفس، والأخذ بزمامها ثمرته الوصول إلى الله عزوجل رزقنا الله وإياكم حسن الأخذ به ..
اللهم يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلوبنا على دينك، اللهم اجعل سريرتنا خيراً من علانيتنا واجعل علانيتنا صالحة، اللهم أكرمنا بكمال الطهارة واجعلنا من خاصة أهلها، اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين واجعلنا من خاصة عبادك الصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي الطاهر الزكي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله رب العالمين.

محب الحبيب علي
16 Sep 2008, 08:37 PM
الدرس الرابع عشر - انضباط المريد


الحمد لله، حمد مستغرق في فضله وإحسانه وجوده وامتنانه، حمد عاجز عن أداء حق شكره على نعمه وآلاءه، حمد معترف بتقصيره وقبح عمله وسوء اجتراءه، حمد راجٍ في فضل الله تعالى وإحسانه وكرمه واصطفاءه، اللهم صل وسلم على سيدنا مولانا محمد أعظم من دلّ على الله؛ الباب الأوحد للدلالة على الله، (قل إن كنتم تحبونَ الله فاتّبعُوني يحببكمُ الله)، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى عترته وأصحابه، وتابعيهم والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
لعلنا منذ المجلس الماضي (http://www.almoreed.com/archives/episode13/) إلى الآن قد أحكمنا أمر أخذِنا بأزمّة أنفسنا نحو العمل، أحدثت؟ توضّأت؟ حدثٌ أكبر؟ اغتسلت .. ضبطت قلبك في شأن هيأتك ومظهرك .. أو تحاول أن تعمل ذلك وأنت في الطريق إليه، خذ ضابطين في هذا المجلس تستعين به على تدرجك في هذا الأمر ..




الضابط الأول: كنا تحدثنا معاً في المجلس الماضي عن أن ضبط طهارة الظاهر مرتبطة بتنوير الباطن، وطهارة الباطن له صلة بتقليل الطعام والنوم والكلام، هكذا؟ كان أشياخنا رحمهم الله وحفظ الله من بقي منهم وجزاهم عنا خير الجزاء، يقولون: أن التقلل من الطعام والنوم والكلام لا يكون دفعة واحدة، كنت تأكل في اليوم أربع أو خمس أوست وجبات بطيئة وسريعة..
ضبط الطعام

لا يتأتى أن تحولها في يوم وليلة إلى وجبة واحدة، سيحصل عندك اختلال، التدين لا يكون هكذا “إنّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى“..
خطوات عملية

أولا : بنصيب من الصيام، وعند الصيام نعتدل في الإفطار، ونلتزم وجبتين عند الإفطار وعند السحور، ونخفف الأشكال والألوان التي بينهما، هذه واحدة ..
ثانيا : قلنا من المجلس الماضي أنا سنقوم عن الطعام ونحن نشتهي لقمة واحدة نتركها من أجل الله سبحانه وتعالى ..
ثالثا : نتدرج في التقليل في كمية الطعام في الوجبة الواحدة، ثم نعوض نستشعره من نقص بإيثار ما لا نشتهيه على ما نشتهيه؛ جلست على المائدة وشعرت أنك غلبت أمام نفسك مرة مرتين ثلاث أربع مرات في نوع معين من الطعام هو نقطة ضعفك، أو نوعين أو ثلاث إذا وضِعت خلاص، هنا خذ هذا الضابط، في هذه الحالة ابدأ بشيء غير معتاد أنك تشتهيه اجعله يأخذ نصيباً أولا من بطنك، فإذا بدأت تأكل ما تشتهيه بدأت تأكل واللهف الذي في داخلك قد خف، ما عاد عندك هذا الاندفاع الذي كان في السابق، أبدأ بالسلطة؟ كل سلطة، ملأت حيزاً من بطنك إذا أكلت شيء مما تشتهي ستعتدل ستأخذ بزمام بطنك، هذا فيما يتعلق بالطعام .
ضبط النوم

كم ساعة تنام في اليوم والليلة؟ دعونا نضبط أمورنا نحن نقول أننا نريد الآخرة، مريد تريد السير إلى الله؟ مريد لايدري كم ينام وكم يستيقظ ما هو مريد لايكذب على نفسه -إن شاء الله يصدق يأخذ بالمسألة- كم ساعة تكفيك؟ ثماني ساعات؟ أكثر من ثماني ساعات هذا لايمكن أن يقبل أصلاً، أكثر من ثماني ساعات من أصل أربع وعشرين ساعة غير ممكن للمسلم العادي للإنسان العادي فضلا عن المريد، لكن الذي ألِف أن لا يضبط نومه نقول إبدأ بالثمان، أما الذي ألِف إبدأ بالست ساعات تكفيك، إن كانت على وجهها كما ينبغي فستكفيك الست الساعات، ما استطعت فثمان ساعات وقلل ربع ساعة، لكن بعد أن يمر عليك شهر وأنت ضبطت ثمان ساعات؛ بمعنى أن جسمك قد تأقلم على أنك تكتفي بها على أن لك قدراً من النوم لا تزيد عليه، لأن الزيادة على القدر المطلوب من النوم يورث النفس رخامة؛ تكون النفس رخِمة؛ فيها شيء من الكسل، التثبـّط، الضعف، عدم همة تضعف الهمّـة، لكن إذا ألِف الجسم أنه تبرمج ننام ثمان ساعات ..
خطوات عملية

لا يوجد ثمان ساعات ونصف أو ثمان ساعات وربع مر عليك شهر حتى ألف جسمك الإنضباط في نومك وألفت نفسك، قلل ربع ساعة .. الآن أنت إنسان مضبوط الآن، عندك فرق بين النوم ربع ساعة أونصف ساعة، قبل ذلك ربما نمت نصف ساعة أو ربع ساعة زيادة ساعة زيادة لا إشكال، لكن لا!! الآن أنت مريد سالك سائر إلى الله عزوجل، ربع ساعة لها قيمة عندك تنقص ربع ساعة من النوم مر عليك الشهر والثاني والثالث وقد ألفت نفسك الثمان ساعات إلا ربع نقص ربع ساعة، وهكذا بعد ثلاثة أشهر نقص ربع ساعة، وجدت عندك همة بعد شهر نقص ربع ساعة، وصلت إلى ست ساعات استقر على ست ساعات، متوسط نوم السائر ست ساعات وجدت همة وأنقصت ربع ساعة لا بأس .
انتبه!! الربع ساعة هذه التي تنقصها والربع ساعة والربع ساعة حتى تصل إلى الست ساعات ينبغي أن يكون في مقابلها يوم مضبوط، بمعنى أن الربع ساعة التي اقتطعتها لها وظيفة قد شغلتها به لها مهمة أديتها فيها لم تذهب في تسكع أو إضاعة وقت، بعض الشباب يقول تعال نقتل الوقت!، ما خـُلِـقت لتقتل الوقت بل خـُلِـقت لتعمر الوقت وتحيا ببركة الوقت، البعض يقول تعال نضيع وقت!، ما خلقت لتضيّع وقتاً حتى لا تضيع، خـُلِـقت لتتغانم الوقت، المريد للنفس عنده قيمة إذا مرت عليه إما في ذِكر أو في فِكرٍ أو في دعوة إلى الله أو في نفع لعباد الله سبحانه وتعالى، فإذا ملأت برنامج النهار بما ينبغي تستطيع أن تضبط ساعات النوم، لكن إذا تركت اليقظة سبهللاً لن تستطيع ضبط النوم أبداً .. بينهما صلة واتزان وتكامل، ضبطت وقتك في اليقظة ستشعر أنك محتاج إلى تقليل النوم وسيكون هناك ضبط في تقليل النوم.
وانتبه!! لا تخرج بهمة وحماسة تقرر من بعد هذه الليلة أن تنزل من عشر ساعات النوم إلى ساعتين نوم!! تـُجن لا يكون الأمر على هذا النحو وإنما يكون بالتدرج.
ضبط الكلام

هل أنت من الناس الذين إذا ذكر أي موضوع لا بد أن يشارك في الكلام سواء عنده ما يفيد أو لا يوجد عنده ما يفيد؟ إذا ثار نقاش يحب أن يدخل في نقاش سواء كان النقاش الذي يخرج الناس منه بفائدة أو من الكلام الميت
تعرف الكلام الميت؟ الذي لا تنبني عليه فائدة .. (سنة أربع وتسعين من أخذ كأس كذا؟ أخذها فلان، أبداً أخذها فلان .. أبداً أنا متأكد وتعال ونبحث وصراع!!) نصف ساعة ضاعت، الذي أخذها فلان ولا فلان
السيارة الفلانية هذه صناعة انكليزية أم أمريكية .. يابانية! هذه أفخم ولا السيارة الفلانية أفخم؟ وفي النهاية لا المناقش ولا المناقش الآخر سيشتريان هذه السيارة!!! لو كان النقاش سيترتب عليه عندك قرار أنك ستشتري سيارة ابحث عن الأقوى عن الأفضل، لكن نقاش طويل عريض وجدل وضاع من وقتك نصف ساعة تتناقشان …!
هذا يسمونه الكلام الميت بمعنى الذي لايترتب عليه نفع ولا يترتب عليه قرار أو زيادة فائدة،
واحد دخل عند شيخ وهو يدرس قال ياشيخ ياشيخ ما لون فروة الكبش الذي فدى الله تعالى به إسماعيل؟ لون فرة الكبش الذي فدى الله تعالى به اسماعيل!! وما الذي يترتب على هذا العلم؟؟ ستصبغ الكبش الذي عندك نفس اللون؟ ما القصة!؟
فلا ترضى أبدا أن تدخل في نقاش أو تتكلم في كلام ليس واضح أمامك ماذا تريد أن تصل إليه من هذا الكلام، لا تدخل في نقاش أو تتكلم في كلام لاتتوقع منه فائدة أو لا تريد أن توصل به رسالة أو تتعلم من خلاله من أحد، إذا أردت أن تتكلم إما أن يكون قصدك أن تـُعـَلم أو تتعلم .. تـُوصِل فائدة أو تتلقى فائدة .. لكن كلام لا تـُعلم به ولا تتعلم به .. لا تفيد به ولا تستفيد به .. هذا لا يليق أبداً بالسالك إلى الله، ليس لديه فضول الكلام أبداً.
كلام رسول الله ..

سبحان الله .. كلما ارتقى الإنسان كلما قل كلامه وكلما صارت الكلمة جزلة جامعة بحيث تغني عن عشرات الكلمات، لنقص المـُتـَكلم الذي أمامكم إذا أراد أن يوصل إليكم معنى احتاج إلى ربع أو نصف ساعة في جزئية ..
لكن اسمع .. كان صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إذا أراد جليسه أن يعد كلامه لعده، تأملت؟ ما كانت مهمته؟ ما هي وظيفته؟ كان رسول الله معلماً “إنما بعثت معلماً” والذي بـُعِث معلماً داعياً دالاً هادياً، يصفونه في الشمائل أن جليسه إذا أراد أن يَعـُد الكلمات التي نطق بها في مجلسه لاستطاع أن يعدها، وخرج بعد ذلك من هذه الكلمات التي تـُعد في المجالس عداً .. خرجت العلوم الكبرى في هذه الأمة، تفرعت علوم الشريعة في هذه الأمة، خرج الدعاة إلى الله من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، راجعوا صحيح البخاري أو صحيح مسلم، ما اعتدت تفتح البخاري ومسلم؟ خذ رياض الصالحين اقرأ فيه، تجد غالب الأحاديث لن تزيد عن سطرين أو ثلاثة أو أربع اسطر، ما معنى هذا الكلام؟ الصحابة كانوا أهل حفظ و أهل تدوين فيهم المدون وفيهم الذي يحفظ، يـَندر أن تجد حديثاً من صفحتين من صفحة ونصف، حتى أن بعض الحفـّاظ عندما يذكرون معايير من خلالها يضعفون أو يصححون الأحاديث، بعضهم علـّل بعض الأحاديث بطولها، هذا الحديث ثلاث صفحان أو أربع صفحات جعلها علـّة عند نقده لهذا الحديث عند الكلام عن المتن.
أين لسانك !!

معنى هذا؟ أنه رَبّى صلى الله عليه وسلم أصحابه على أن يجعلوا ألسنتهم من وراء قلوبهم، و أنت لا يمكن أن تكون إلا أحد إثنين لا ثالث لهما:
- إما أن تكون إنسان يسير قلبك من وراء لسانك، في هذه الحالة أنت الذي تتكلم في كل شيء على أي وجه، أي كلام يحصل تكلم، هذا الذي يتكلم هكذا سبهللاً بغير ضبط للكلام، في الغالب قلبه يتبعُ لِسانه وهذا سيذهب به إلى بعيد إلى خسارة،
- لكن الذي يجعل لسانه من وراء قلبه يقوده قلبه إلى الارتقاء فمن لسانه كذلك، كان حاله حال من يـَزِن الكلمة قبل أن ينطق بها ويعلم لماذا نطق بها.
يقولون أن بعض المشاهد التي شهدها الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة الإسراء والمعراج، رأى ثوراً كبيراً يخرج من ثقب صغير (جحرٍ صغير) ثم يحاول الرجوع غليه فلا يستطيع، فسأل ما هذا؟ قيل له: إنها الكلمة ينطق بها صاحبها ثم يندم ويود أن لو رجعت هذه الكلمة ولم ينطق بها فلا يستطيع أن يرجع عنها، .. هذا مشهد ومعنى ..
بماذا يتكلم المريد ؟!

المريد لا يمكن ان يتكلم ولا يحرك لسانه إلا بثلاثة أنواع من الكلام فقط ..
- إما أن يتكلم بذكر..
- أو بتذكير (كلام فيه نفع .. يُعلم غيره أو يتعلم من غيره).
- أو قضاء حاجة (شيء من شؤون الحياة التي يترتب عليها لحاجة أن يتكلم فيها) .
فائدة: الذي يضبط كلامه يستطيع أن يضبط بقية الأعضاء، جاء في بعض الروايات أن في كل صباح الجوارح الأعضاء تنادي اللسان (اتق الله فينا فإنا بكَ .. إن صَلحت صَلحنا وإن فسدت فسدنا)، سبحان الله .. قال بعض الحكماء إن الله قد جعل على جارحة باباً واحداً وجعل على اللسان بابين، الأسنان والشفتين .. ما تنطق بكلمة حتى تفتح البوابتين لتتذكر، وجعل لك لساناً واحداً وأذنين حتى تستمع أكثر مما تقول.
* مسألة : الكلام شهوة كما أن الطعام شهوة والنوم شهوة والزواج (النكاح) شهوة والشهرة شهوة .. الكلام أيضاً شهوة (شهوة الكلام) .. وهو أكثر مما يُخاف منه على الذين يخدمون الدعوة من أمثال المتكلم أن يعيش شهوة الكلام، أن نتحول إلى أناس متشهين إلى أن نتكلم ونتكلم ونتكلم مع الناس، الكلام شهوة .. والمريد يجاهد في شهواته، إذاً عليك أن تجاهد شهوة الكلام فيك، تكلم عندما يكون هناك حاجة وعندما لايكون هناك حاجة إما أن تشغل لسانك بالذكر وإما تشغل قلبك بالفكر .. اصمت ومع الصمت تـَفكر .. وتستطيع أن تحضر بين الناس وأنت صاحب ذكر دون أن يشعر الناس إن خفت على نفسك الرياء .
خطوات عملية

* جرب وأنت الآن تستمع إلى هذا الكلام .. قل (لا إله إلا الله) لكن دون أن لاتحرك شفتك تستطيع أو لا تستطيع، (لا إله إلا الله) أعظم كلمة التي لو وزنت السماوات والأرض بها لرجحت عليها، لا تحتاج إلا أن تحرك لسانك، يمكن أن تكون جالس بين أناس وأنت مضطر أن تجلس بينهم لسبب أو لآخر وهم في غفلة لا تستطيع أن تتركهم وحاولت أن تدعوهم إلى الله ما استطعت أن تقنعهم اشتغل بالذكر على هذا النحو، لكن انتبه لا تشتغل في هذا الذكر وأنت على مكتبك في عملك وأنت موظف لأن في هذا إخلال بالأمانة، أنت هنا موظف لساعات معينة بمقابل معين لتؤدي عملاً معيناً .. ما دمت على العمل أتقن عملك هذه أمانة تؤديها .. وذكرك هنا في هذه الحالة هو عملك إن كان مباحاً ونويت به الكسب الحلال والإنفاق على من يجب عليك أن تنفق عليهم وصيانة نفسك عن الحرام.
* تذكر اليوم قبل أن تنام الليلة .. المجالس التي عقدتها أوحضرتها من النهار إلى الليل، كم عقدت مجالساً مع اثنين ثلاثة أربعة مع مجموعة؟ ثلاث مجالس خمس مجالس ست مجالس؟ راجع نفسك في الست المجالس التي مرت؛ نسبة الكلام المفيد إلى غير المفيد، مزعج!!، الصادق منكم لو بدأها هذه الليلة .. هذا الورد من المحاسبة.. ربما يصعب عليه النوم، لكن لغاية حسنة، في اليوم الذي يليه قبل أن تخرج حاول أن تستحضر ما هي المجالس التي ستحضرها، تعرف أنك ستلتقي بفلان وفلان، وستذهب إلى المكان الفلاني، بدأت المسألة تتبلور في ذهنك، قرر في المجلس الفلاني سأنشغل بكذا وكذا مما ينفع المجلس، والذي يليه كذا وكذا،والذي يليه كذا وكذا، وفي الليل ارجع حاسب نفسك؛ كم نسبة اللغو في كلامك الذي لاينفع وكم نسبة الكلام النافع.
- مثال عملي من زماننا: أحد الشباب لما سمع شيئاً من هذا الكلام في بعض الدروس، جرّب تجربة لطيفة استفاد منها كثيراً، أخذ مسجلاً رقمياً من هذه الـmp3، ووضعه في جيبه، واستمر معه ثمان ساعات في يومه، وهو يسجل، فلما عاد جاء ليستمع ثلاث ساعات من الثمان ساعات –اشتغـَلَ على نفسهِ- وبدأ يلاحظ نسبة الكلام المفيد الذي يحمد الله أن يراه مكتوب على صحيفته .. وكم نسبة الكلام الذي لا يفيد ..
- مثال من حال الصحابة: سيدنا أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه كما جاء عنه في بعض الروايات ضبط هذه المسألة بوضع حصاة صغيرة على لسانه؛ ليضبط لسانه، كلما تحرك اللسان لينطق بكلمة يفكر من ثقل الحصاة التي فيها ماذا سيقول !!
هل تجد صعوبة ؟

البعض يشعر أن السير إلى الله الآن بدأ يدخل طوراً فيه شيء من التعقيد من الثقل في النفس، لكن والله الثمرة كبيرة، لو علمت كلمة قيمة الثمرة، وأيضاً التعقيد هذا مؤقّت، الثِقل هذه والصعوبات مدة بسيطة؛ مدة ترويض الحصان تتذكرون قصة ترويض الحصان (http://www.almoreed.com/archives/episode6/)؟ لما قلنا أن النفس مثل الذي لم يروض بعد .. لما يأتي الذي يروضه ويركب عليه والحصان يتحرك يتحرك يتحرك..
الصعوبة والثقل الذي تتصوره الآن عند سماعك لمثل هذا الكلام مثل صعوبة ترويض الحصان في البداية، ثبتّ شهرين ثلاثة أربعة أشهر سترى النفس تنصاع، وسترى الذي كنت تتوهمه صعباً من أسهل ما يكون بعد ذلك، وخصوصاً إذا كان ذلك مربوطاً بالدعاء والإلحاح على الله.
الضابط الثاني : أن يكون جدولك في النهار مضبوطاً، وأول خطوة في ضبط الجدول الفرائض، هكذا في جدول اليوم (الفجر، الظهر، العصر، المغرب، العشاء) هذا أول ضبط للجدول، الفرائض في وقتها مع جماعة في المسجد، ما استطعت في المسجد، صلّ مع من معك جماعة، احرص على الجماعة، احرص أن لا تصلي إلا جماعة، ابدأ بهذا الضبط لمقياس الزمن، كما أن الإنسان يريد أن يبدأ خطة يضع أعمدة للخطة، يضع محاور لترتيب الوقت، المحاور الحقيقية لترتيب الوقت الصلوات الخمس، نعم أشغالنا وأعمالنا تدور لا تنضبط مع الصلوات الخمس، في الشتاء في الصيف وقت الذهاب للعمل مختلف عن وقت صلاة الصبح الظهر العصر المغرب العشاء نعم حياة الناس اليوم ترتبت على غير الصلوات، لكن اسمع حتى التركيب الفيزيائي لجسمك مرتبط بالصلوات، لأن الجسم يتأثر-وثبت هذا- بطلوع الشمس وغروب الشمس؛ يتفاعل مع الليل والنهار، اضبط وقتك على هذا الأساس؛ على أساس صلواتك في أول ما تضبط به الوقت، سيأتي الحديث عن تفصيل ذلك، عن كيف نعيش معنى الصلاة، عن الحضور مع الله في الصلاة، لكن هذه بداية اخرج من هذا المجلس هذه الليلة وأنت تفكر فيها؛ أنا سأقلل بالتدريج الطعام والمنام والكلام، وأخذت بعض ضوابط وقواعد سأنفذها، أول ضابط في اليقضة سأضبط الصلوات الخمس في أوقاتها.
محاور المريد العملية

يترتب على هذا أنك ستنتقل إلى مرحلة جادّة في تسيير يومك وليلتك، لدينا في تهذيب النفس وترقيتها في السير إلى الله محورين عمليين، هناك محاور علمية تتحول إلى سلوك وقرار، لكن هناك محورين عمليين أساسيين: محور الزمن (الوقت) ومحور الحياة (التعامل مع الناس، مع البيئة المحيطة بك) إذا ضبطت هذين المحورين ضبطت سيرك إلى الله، وسهُل عليك أن تعمل بالكلام الذي تسمعه في هذه المجالس، اضبط محور الوقت الزمن الذي يمشي معك واتفقنا الآن بدايته في الصلاة، واضبط محور التعامل مع الناس، العلاقات، الصلة بالناس، كيف تكون سالك إلى الله ليس فقط في المجلس، ولا في المسجد فقط، وليس فقط في خلوتك ولما يروق بالك جلست مجلس ذكر صرت ابن طريق سائر إلى الله عزّ وجلّ، لكن خرجت من مجلس الذكر دخلت إلى الشغل، ذهبت إلى المدرسة، ذهبت إلى الجامعة، دخلت إلى الوظيفة، إلى التجارة، إلى الحقل، إلى السوق، لا أصبح السلوك على جنب، وضِع على الرف، رجعت مرة أخرى بعد فترة .. الله!! اشتقنا لمجلس الذكر تعالوا نرجع نبحث عن السلوك .. لا .. المقصود أن يكون السلوك معك وأنت في علاقاتك اليومية، إذاً لدينا محوران: المحور الأول الوقت، والمحور الثاني العلاقات والتعامل مع الناس ..
الوقت هو ما سيأتي الكلام عنه إن شاء الله في المجلس القادم والذي يليه، من خلال الفرائض ومن خلال الرواتب والنوافل ومن خلال الأذكار والأوراد، ومن خلال الفكر، ومن الفكر وترتيب الأوقات سيأتي الحديث عن صلة ذلك بيومياتنا وبعلاقاتنا بالناس، وبهذا نبتدئ مرحلة التركيز في تنفيذ ما كنا نتكلم عنه في المجالس الماضية، أسأل الله عز وجل أن يصطفينا وإياكم لهذا الأمر.
ننصرف من هذا المجلس

بأعظم غاية في هذا الوجود؛ عن قيمة حياتك كلها، تستحق هذا التحدي؟ الأمر قريب لكنه يتطلب قراراً، القرار يسمى في لغة السلوك والسير إلى الله (النية) وترجمته (الهمة والعزيمة) إذا نويت وهممت وعزمت، سترى كيف أن الله سيفتح لك الأبواب،
كان الإمام الجنيد رحمه الله تعالى يقول-استمع لهذا الكلام- (من فتح على نفسه باب نيّة صالحة فتح الله له سبعين باباً من أبواب التوفيق) .. إذا خرجت من هذا المجلس ولك نية صالحة على أن تسير لتقتحم، يقولون أن الشباب عندهم روح التحدي، هذا مكان التحدي، باسم الله تحدى نفسك تحدى الشيطان، سترى كيف يأتيك المدد والعون من الله عز وجل، نسأل الله أن يصطفينا وإياكم ويمدنا وإياكم بتوفيقٍ من عنده، اللهم يا من وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه وفقنا للخير وأعنا عليه.
وأختم لكم المجلس بدعاء تحفظونه جميعاً ثلاث أو أربع كلمات، هذا الدعاء علّمه النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ ابن جبل رضي الله عنه وأرضاه، يسمي علماء الحديث هذا الدعاء الحديث المسلسل بالمحبة، ما معنى المسلسل بالمحبة؟ النبي قال لسيدنا معاذ: “يا معاذ إني أحبك” الله الله!! لا أدري كيف تحملت ذات معاذ هذه المواجهة التي ووجـِه بها من المصطفى، سيدنا محمد يقول له إني أحبك الله الله، لكنها ذوات الصحابة اصطفاها الله لهذا العطاء الكبير “إني أحبّك فلا تدعُنّ أن تقولوا دبر كل صلاة (بعني بعد كل صلاة مباشرة)، اللهم أعنـّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك” سهل؟ لاحظ هنا النبي صلى الله عليه وسلم كان من الممكن أن يقول له مباشرة يا معاذ واظب على هذا الدعاء، لكن ربطه النبي بمعنى؛ ربطه النبي بحبه له (يا معاذ إني أحبك) سيدنا معاذ قال لمن أخذ عنه من التابعين (إني أحبّك فلا تدعُنّ أن تقولوا دبر كل صلاة، اللهم أعنـّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) والتابعون قالوا لكل من روَوا عنهم من تابعي التابعين كل واحد منهم يقول للآخر (يا فلان إني احبك ……) وهكذا تسلسلت إلى أشياخنا..
إجازة

سمعت شيخي الحبيب أحمد المشهور بن طه الحداد، يروي بسندٍ إلى النبيّ هكذا قال لنا في المجلس (إني أحبكم فلا تدعُنّ أن تقولوا دبر كل صلاة اللهم أعنـّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، وإن صحّ للمتكلم بهذا السند فأقول لكم ولمن يسمع ولمن يرى (إني أحبّكم فلا تدعُنّ أن تقولوا دبر كل صلاة، اللهم أعنـّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) قبلتم؟ قلها وأنت مستشعر قيمتها.. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

محب الحبيب علي
18 Sep 2008, 08:48 AM
الدرس الخامس عشر - التهيؤ للصلاة


الحمد لله جعل الصلاة صلة بيننا وبينه وأهـّل قلب عبده وإن غفل أو أساء أو أخطأ أو إلتفت.. لباب من أبواب التدارك في الإقبال عليه، وهذا الباب باب الصلة بحضرته من جهة الوقوف بين يديه وهو حديث هذا المجلس بإذن الله عزوجل ..
نصل إلى محور ضبط الوقت في حياة المسلم وهو الفريضة، التي جعلها الله الركن الثاني من أركان الإسلام .. أول ما تسمع بعد الشهادتين تسمع إقامة الصلاة، ثم النظر إلى الفريضة هو أول ما ينبغي أن يكون الحديث عنه..




عند ذكر الفريضة مفهوم الصلاة صلاة الفرض، الكثير منا ينظر إلى الفريضة من باب أنها دين ينبغي أن يؤدى فحسب، من باب أنها حمل ينبغي أن يـُلقى من على الظهر إذا جاء الوقت فحسب، من باب أنه أمر يُخشى على المقصر فيه من الغضب فحسب، كل الثلاثة ليست بخاطئة لكن أن يكون أحدها أو أن تكون هي فحسب أي فقط، هذا يـُفسر عدم ارتقاء قلوب الكثير من المسلمين اليوم ممن يوافقون على الفريضة، هذا يفسر كيف أن الفريضة لم تتحول إلى محور ينضبط على أساسه وقت المؤمن وقت السائر إلى الله عز وجل، لأن مفهوم صلاة الفرض يحتاج إلى إعادة نظر..
مامعنى أن أن تقوم لتؤدي الفريضة؟

المعنى الأول: أن نستشعر من مفهوم الفريضة أنه موعد لقاء المحب مع محبوبه (موعد إذن المحبوب لأن تلقاه)، فرق كبير بين من يقوم إلى الصلاة وهو يستشعر أن عليه دين ينبغي أن يقضيه في العادة النفس تستثقل بقاء الدين وأداء الدين وترتاح بعد قضاء الدين، والمطلوب أن ترتاح في الصلاة وليس بعد الصلاة، ينبغي أن تبدأ حقيقة الأنس في قلبك قبيل دخولك إلى الصلاة بمجرد انتهاضك إليها بمجرد تفكيرك أن وقت الصلاة قد اقترب (موعد لقاء حبيبي قد اقترب) ..
المعنى الثاني: أن الصلاة هي موعد رفع الهموم والحاجات والكربات إلى من بيده وحده لا غير أن يفرجها عز وجل، هو موعد رفع عرائض الحاجات إلى ملك الملوك.
المعنى الثالث: وأنت منتهض إلى الصلاة، أن تقوم إلى الصلاة وأنت مستشعر أنك تتهيأ لمعراج ارتقائك، فإذا قيل لك جاءت الفرصتك لتترقى .. جاء موعد إعلان ترقيتك، كيف تنظر إلى مثل هذا الموقف وكيف يكون إقبال قلبك على الساعة التي تتهيأ فيها لترتقي لتنال درجة أعلى ليرتفع راتبك، لتنال شهادة التخرج لتعطى شيئاً من أنواع الترقي التي يعيشها الناس ويفكرون فيها؟ الرقي في الدنيا والآخرة مفتاحه من عند الحق سبحانه وتعالى، فساعة الصلاة ساعة المعراج ولكن هذا المعراج لا يقتصر فقط على الارتقاء بالمعاني الدنيوية أو الحسية أو التي نعرفها، الصلاة أيضاً هي معراج ترتقي فيه في معارج عبوديتك لله، الصلاة هي موعد ارتقاءك في مراتب عبوديتك لله في مراتب قربك من الله منذ أن تتهيأ للانتهاض إلى الصلاة منذ أن تقبل على المسجد، منذ أن تشرع في تحية المسجد أو السنة القبلية، منذ أن تشرع في الذكر قبل الصلاة منذ أن تقام الصلاة إلى أن تدخل في الصلاة أنت الآن في معراج حتى تأتي اللحظة التي تكون فيها أقرب ما تكون إلى الله عزوجل “أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد“..
إذاً الصلاة موعد ارتقاء، الصلاة موعد رفع الحاجات لتقضى “ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة”، المفهوم الأول للصلاة الذي ذكر ماهو؟،.لقاء المحب بمحبوبه، اليوم في عالم الحس لحظة التقاء الزوج بزوجته لأول لحظة في ليلة الزواج ما هي الأحاسيس التي تنازل نفس الزوج والزوجة إن كان كل منهما يحب الآخر لحظة اللقاء قد أزفت، ابن قد سافر لسنوات والأم في شوق لابنها، لحظة رجوع الابن كيف يكون قلب الأم الشعور أن موعد اللقاء قد حان، أخ في الله قد آخيته وفرقت بينكم السنون أو حصلت له مشكلة فتعثر عليك لقائه فجاءت وحانت لحظة اللقاء كيف يخفق القلب كيف تشرئب الروح كيف تأنس النفس كيف يستشعر أحدنا عند لقاء المحبوب؟ هذا مع أصناف من المحبوبين نحبهم ونجلهم لكن أنواع المحبة هذه مهما ارتقت فيها أنواع محدودة معدودة في إطار البشر، الحديث الآن عن لحظة اللقاء بأعظم محبوب في الوجود وهو الله جل في علاه، إذا حانت ساعة لقاء المحبوب قرب وقت أذان العشاء ما معنى هذا؟ قرب موعد لقائي مع محبوبي، هذا الأساس في فهم انتظامنا في الصلاة..
* النفس البشرية: عندما تواظب على شيء يخالجها معنيان، المعنى الأول: الذي يختلج بالنفس يختلط بها، معنى الاعتياد بمعنى الشعور بالرتابة، تعود مثل الشيء المبرمج، الله أكبر، سمع الله لمن حمد، أذن، ذهب صلى، رجع، تبرمج، فيفقد الإحساس..
المعنى الثاني: الاستثقال و الملل والسآمة عندما يصبح الأمر في بدايته وفي طور التعويد للنفس، كل يوم كل يوم كل يوم، هذا إذا خلى عن المعنى، لكن إذا عاش الإنسان هذا المعنى لقاء المحب مع محبوبه، قضاء الحاجات، رفع الهموم، الارتقاء بمعارج الصلة بجناب الحق، هذه هي الصلاة وهذه هي الفريضة.
إذا فهمنا هذه المعاني نستشعر عدة أمور

الأول - صلاة الجماعة :

أن يحرص كل منا أن تكون الصلاة الفريضة في جماعة، أقرب مسجد إليك، احرص على صلاة المسجد أيها السالك، فإنّ صلاة المسجد فيها مالا يوجد في غيرها مهما كان، إنها ضيافة الله في بيت الله، ما استطعت لسبب من الأسباب أو لعذر من الأعذار صلِّ جماعة ولو في بيتك ولو في مقر عملك، المهم احرص على أن تكون الصلاة في جماعة، واحرص على أن تكون جميعها في المسجد، ما استطعت احرص على أن يكون غالبها في المسجد، واعلم أن “صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة” وفي رواية ثلاث وعشرين درجة، ومريد سائر إلى الله يرى ويعتقد في نفسه أنه يسير إلى الله، فيستوي عنده الدرجة والسبع وعشرين درجة؟ يُقبل أن يكون هذا جاد في معنى سيره إلى الله؟ لا شك أن الجاد المجد في سيره إلى الله يوجد لديه فرق كبير بين السبعة والعشرين وبين الدرجة الواحدة، في الحس من حيث المراقي وفي المعنى من حيث الروح (وعجلت إليك ربي لترضى) استشعار أن هذا أحب إلى الله فسارع إليه..
كذلك النساء احرصن على صلاة الجماعة في البيوت ما دام هناك من الأئمة المعتمدين من قالوا في صلاة المرأة في جماعة والبعض قال لا، تصلي وحدها. لكن ما دام هناك ممن يعتمد على قولهم ومن يُحتـَج بقولهم من المستنبطين من الكتاب والسنة من أهل الذكر الذين أمرنا بالرجوع إليهم، قالوا أنها تـَصِح، مادام أن هنالك احتمال أنها تصح (وهو احتمال كبير) وهي بسبع وعشرين درجة إذاً كيف أتساهل في مثل هذا الأمر؟ إذاً نحرص على أن تكون في جماعة.
الثاني - وقت الأفضلية :

وقت الأفضلية غالباً عند أكثر أهل العلم في أول الوقت، بعد أن يؤذن المؤذن مع إقامة الصلاة هذا وقت الافضلية، ووردت أحاديث كثيرة في أفضلية أول الوقت لولا خشية الإطالة لذكرناها، هنا نحتاج إلى لفت نظر إلى أن وقت الأفضلية اختلف العلماء في تفصيله فعلى سبيل المثال قال الإمام مالك وأحمد والشافعي أن وقت الأفضلية في صلاة الفجر في أول الوقت، ورأى الإمام أبو حنيفة فيما روي عنه، أن وقت الأفضلية في الفجر عند أول الإسفار، إن أخذت بهذا أو أخذت بهذا المهم أن يكون تركيز المبادرة إلى الصلاة مرتبط بالصلة باستنباط، بكلام أهل علم مستنبطين من الكتاب والسنة، لا يكون توقيت الصلاة متى ما فرغت، متى ما ذهب عنك الكسل متى ما راق بالك، لا وقت الصلاة متى ما تبين لك وقت الأفضلية أو درست في المذهب الذي درست عليه أن وقت الأفضلية في هذا الوقت احرص عليه.
لاينبغي للسائر الى الله عزوجل أن يـُذهب بهجة سيره إلى الله عزوجل في المراء في الجدل المبني على غير الحق، لا هذا أفضل من هذا،.لالالا ما آخذ بهذا،هذا الدليل فيه أرجح، لست مرجحاً للأدلة، الذين يرجحون الأدلة هم المجتهدون من الأئمة, أخذت بقول من قال برأي من الآراء وله دليله ووقع في قلبك الأخذ به، حسناً سر إلى الله هكذا ما دام ممن يؤخذ برأيهم من الأئمة من العلماء من المجتهدين المعتمد قولهم، لا بأس لكن لا تحمل غيرك على ذلك لا تنازع غيرك في ذلك، هذا شأن السير إلى الله عزوجل.
الثالث - أحوالنا مع الفريضة :

أولا: كن مستعدا قبل دخول الوقت، خذ هذه القاعدة نحن نتهيأ للدخول إلى الصلاة في هذا المجلس والذي يليه بإذن الله، أولا، تهيأ قبل الأذان للصلاة لا تجعل الآذان يفاجئك؛ اجعل هذا نادراً في حياتك، كان بالأمس (الله أكبر، الله أكبر) مفاجئة وهو ما خلص الاجتماع؛ يا الله دخل وقت الصلاة، هذا يجعلك من حيث تشعر أو لا تشعر تستثقل دخول الصلاة، انتبه من هذا، خطيرعلى السائر إلى الله عز وجل، الطالب القرب من الله، أن يكون موعد لقاء المحبوب مستثقلاً على قلبه، نعم هو سيصلي سيؤدي الصلاة لن يتركها وسيبادر وسيترك الذي هو فيه لصلاته، لكن شعورك بالاستثقال؛ ليته تأخر قليلاً، وكأنك تقول: ليت موعد اللقاء يا محبوبي يتأخر، يوجد محبّ يتمنى تأخر موعد لقاء المحبوب؟! لهذا إن استطعت ولو بدقائق قبل الأذان أن تكون متهيّئ للصلاة؛ متهيّئ لدخول الوقت، ليدخل الوقت عليك وأنت مشتاق إلى دخوله..
لكن هناك من الناس دخل الوقت نبادر إليه، وهناك أناس آخرون دخل الوقت.. فقط نكمل الشغل الذي نحن فيه وإن شاء الله نلحق مع الإقامة سننزل إلى المسجد، وأحياناً أقيمت الصلاة.. إن شاء الله نلحق قبل آخر ركعة نكون قد وصلنا إلى المسجد، وأحياناً انتهت الجماعة الأولى.. إن شاء الله نصلي جماعة مع بعضنا البعض في المسجد هذه حال أخرى، حال أقلّ: نقوم نصلي جماعة مع بعضنا لكن ننجز اجتماع هذه الصفقة مهمة وغداً الترتيب عندنا كذا وكذا، تريد حالا أقل؟ -إن شاء الله لا تريد- لكن الحال الأقلّ: تأخر الوقت حتى خرج وقت الفضيلة- مريد وسائر إلى الله وخرج وقت الفضيلة!!- ، شيء أصعب: حتى ضاق الوقت ودخل وقت الكراهة؛، اصفرّت الشمس أي مالت إلى الاحمرار تكره صلاة العصر، لابدّ أن تصليها لكن دخلت وقت الكراهة، ما الذي جعلنا نؤخر لقاء المحبوب إلى وقت الكراهة؟ محبوب وكراهة !! كيف يجتمعان؟!!! هناك ما هو أسوأ: يصلي على ترتيب بحيث إذا قال السلام عليكم ورحمة الله خرج الوقت، هذا على الحافة، أو ربما خرج الوقت وهو لم ينته من الصلاة بعد، أسوأ من هذا كله خرج وقت الصلاة وهو لم يصلّ… الله!!
سائر إلى الله ويرضى أن يخرج الوقت دون أن يصلّي! سائر إلى أين هذا؟ إلى الله؟! إلى أي شيء آخر لكن إلى الله؟ ووقت اللقاء المفروض لا أتكلم عن النافلة؛ الوقت الذي محبوبك فيه قال لك: هذا وقت لقائي بك فرضاً، لا يقبل السائر إلى الله بذلك أبداً،.
كن مستعدّاً، والذي يألف انتظار الأذان من الله ويروّض نفسه عليه، إن جاءه ظرف من الظروف وفاجأه الأذان كيف تكون استجابته على وجه تلقائي، استجابة فرح بلقاء الله يبادر إليه يسارع إليه، فإذا أذن انتظر. معنى أنّ المؤذن بدأ يؤذن كل شيء يتوقف، لمَ؟ لأنها لحظة خطاب من المحبوب، لحظة تلاوة مرسوم الملك جلّ جلاله يدعوك فيه للقدوم إلى حضرته لتقابله، كلّ شيء يتوقّف عند الأذان، كلّ شيء، لذا حبّذا من إخواننا المؤذنين الذين أكرمهم الله تعالى بجمال الصوت ـ وينبغي أن يُتحرّى جمال الصوت ـ حبذا أن يخففوا من تمطيط الأذان الزائد، يأخذون في الأذان بالجمال وباللحن الحسن الذي يحرك القلوب ويرغبها، لا يكون المؤذن يؤذن بطريقة يقول للناس لا تأتوا لا تأتوا، لا..بصوت جميل وأداء حسن، لكن لا يبالغ قي مطّ الحروف حتى تخرج عن معتادها في اللغة العربيّة وحتى في التّلاوة، لا.. بقدر المستطاع يلطف لماذا؟ لأنّ هذا سيساعد الناس أن تنصت؛ مهما كان الإنسان في ترتيب في عمل أذن؟! ينصت يستمع.. أنت أيّها المريد أطال المؤذن أقصر المؤذن ليس الكلام الآن موجّه لك، لاتقول لما يؤذن الله يهديه طوّل ما خلانا نأخذ بالمسألة، ما هو عذر!!
ثانيا : استشعار معاني الأذان، الأذان مرسوم الإقبال على الله إذاً ننصت:
الله أكبر، الله أكبر.. نقول: الله أكبر الله أكبر، ونحن نعيش الله أكبر، ليس المقصود من قولنا الله أكبر أنه أكبر من غيره، ليس هو المقصود الحقيقي، لأن الله أكبر من أن يقارن بغيره أصلاً؛ لايقارن بغيره أصلاً حتى يقال أنه أكبر منه، لا يقول عاقل بمقارناته (الجبل أكبر من النملة) لا هل يقاس الجبل أصلاً على النملة؟ فإذا كان هذا بين المخلوقات فكيف بمن لا يقاس به شيء ولا يشبهه شيء جلّ جلاله،. إذاً ما المقصود الله أكبر؟ الله أكبر من أن يخطر في قلبك غيره في ساعةٍ يناديك فيها للإقبال عليه، الله أكبر من أن تؤثرعلى إقبالك عليه نفساً أو أهلاً أو مالاً أو كبيرا أو صغيراً في هذا الوجود، الله أكبر من كلِّ انشغال بما سواه، الله أكبر أيضاً مما أظن وأعتقد وأحسن الظن فيه؛ مهما أحسنت الظن به فهو أكبر من ظني به، مهما كان حبي له فهو أكبر من حبي له، مهما كانت حاجتي إليه فهو أكبر من حاجتي إليه، مهما كان تخيّلي لعطائه فعطاؤه أكبر من تخيّلي، الله أكبر… فأرددها وأنا مستشعرٌ لمعناها .
أشهد أن لا إله إلا الله.. إخواني لو أننا نعيش هذه المعاني لهمنا والله عند كل أذان، أشهدُ كلمة أشهدُ فيها لحيظة ارتقاء لك أنت إلى رتبةٍ الله رقّى إليها من أحبّهم ليعطفوا على شهادته جل جلاله (شهدَ الله أنَّه لا إلَه َ إلاّ هوَ والملائكةُ وأولوا العلمِ) من الذي شهد أن لا إله إلاّ الله؟ الله، ثمّ عطف الله الملائكة عليه رفعاً لقدر الملائكة، ثم عطف أهل العلم أيضاً رفعاً لقدر أهل العلم، فإذا سمعت أشهد أن لا إله إلا الله قلها وأنت مستشعر أن شهادتك متصلة بشهادته لذاته سبحانه وتعالى، وصل المعنى؟ أنك تقول أشهد وأنت مستشعرٌ أنّي أشهد شهادة الله شهد بها؛ فأنا أوافق الله على شهادته سبحانه وتعالى، هذا معنى راقي ترتقي إليه، قال بعض العلماء إن الله عز وجل قد رقى الملائكة عندما قال (إنّ الله وملائكته يصلّون على النّبيّ) كيف رقى الملائكة؟ جعل صلاتهم معطوفة على صلاته ذكروا معه سبحانه وتعالى، المقصود بذكروا معه أي بالتبعية وإلا فليس هناك شيء يعادله أو يشاركه سبحانه وتعالى، هذا معنى عندما تسمع كلمة (أشهد) قبل الكلام عن (لا إله إلا الله)، أشهد أن لا إله إلا الله تقولها خلف المؤذن وأنت تستحضر إخراج ما سوى الله من قلبك عند قولك (لا إله) استحضر هذا المعنى، (إلا الله) لم يبق في قلبك إلاّ الله، عندها تقول مادام لم يبق في قلبك إلاّ الله: “رضيت بالله ربّاً، وبسيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيّاً، وبالإسلام ديناً“.
أشهد أن محمدا رسول الله.. يقول أشهد أن محمداً… ذكر المحبوب صلى الله عليه وسلم، أحب الخلق إلى قلبك، وأعظم المحبوبين من خلق الله كلهم، عندما تسمع اسم مُحمّد، ما يفعل بقلبك هذا الاسم؟ ماذا يفعل ويحرك في قلبك؟
* قصة : سيدنا بلال رضي الله عنه عندما انتقل الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى - هذه القصة حسنها غير واحدٍ من الحفاظ، لم يستطع سيدنا بلال أن يحتمل البقاء في المدينة لأن كل شيء فيها يذكّره بمواقف كانت بينه وبين المصطفى صلى الله عليه وسلم، فارتحل إلى أرض الشام إلى هذا البلد المقدس المبارك الذي دعى له النبي صلى الله عليه وسلّم، إلى داريّا قريباً من دمشق وتزوّج هناك، ثم استيقظ ذات يوم وهو يبكي فسألته زوجته قالت له ما يبكيك؟ قال رأيت رسول الله البارحة، هل يعني لك شيئ إذا سمعت كلمة رأيت رسول الله؟ تحرك في قلبك شوق إلى أن تراه؟، هو قال في البخاري ومسلم “من رآني في المنام فيسراني حقا” ما قالها عبثاً هو قالها إلا ليحرك في قلبك هذا المعنى، قال: رأيت رسول الله البارحة يقول لي: (يا بلال ما هذا الجفاء أما آن لك أن تزورني) فخرج زائراً في قصة عظيمة منها أنه لما وقف بكى ولم يتمالك نفسه، لقيه سيدنا الصديق رضي الله يا بلال هلاّ أذنت لنا كما كنت تؤذن لرسول الله، فقال: اعذرني يا خليفة رسول الله والله ما استطعت أن أؤذن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم في المدينة كنت إذا انتهيت من الأذان ذهبت إلى حجرته صلى الله عليه وسلم وقلت له الصلاة يا رسول الله والآن كيف أقولها، سيدنا عمر يعتذر له، فيقبل الحسن والحسين أحدهما في الثامنة والآخر في السابعة، سيدا شباب أهل الجنة، فيعتنقهما ويبكي يشتمّ فيهما رائحة جدهما صلى الله عليه وسلم، فيسألانه أن يؤذن، فلا يستطيع أن يقاوم الطلب، ويصعد على المكان الذي كان يقف فيه ليؤذن أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: الله أكبر الله أكبر، ضجت المدينة، الله أكبر الله أكبر، صاح الناس في البيوت أبعث رسول الله! تذكروا الصوت الذي كان يؤذن في أيامه صلى الله عليه وسلم أشهد أن لا إله إلا الله فخرج الرجال من بيوتهم خرجوا من أسواقهم أشهد أن لا إله إلا الله خرجت العذارى من خدورهنّ الرجال والنساء خرجوا إلى طرقات المدينة يضجون أبعث رسول الله؟ أبعث رسول الله؟ فلما وصل بلال إلى قوله أشهد أن محمداً رسول الله خنقته العبرة فما استطاع أن يكمل أذانه ونزل من على المكان الذي كان يؤذن منه، قال الراوي فما عرفت المدينة يوماً أشد بكاءً وعويلاً بعد يوم وفاته كيوم قال بلال أشهد أن محمد رسول الله ..
هذه القصة أوردها الله على اللسان الآن في هذا المجلس لنستشعر كلمة أشهد أن محمد رسول الله، الذي لولاه ما عرفت الآذان، ولا عرفت الصلاة، ولا عرفت لا إله إلا الله، الذي لا يتم إيمانك حتى يكون هو أحب إليك من نفسك “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه“، الذي جعل الله سبحانه وتعالى حبه مرتبط به، لم يجعل حبه مرتبط بأحد من خلقه إلا سيدنا محمد (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني -والثمرة- يحببكم الله) - لا يَـثبت لكم فقط أنكم أحببتم الله بل ترتقون إلى رتبة الله يحبكم فيها، فإذا سمعت المؤذن خمس مرات في كل يوم يكرر أشهد أن محمداً رسول الله تعرف أن تقول أشهد أن محمداً رسول الله بعده ترديداً كما هي السنة بقلب حاضر بقلب يستشعر الصلة بهذا الجناب الشريف بهذا الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم، تعرف تقول: رضيت بالله رباً – الذي أرسل إليّ محمداً– وبسيدنا محمد نبياً، وبالإسلام دينا..
حي على الصلاة، حي على الفلاح، استشعرت معنى الإذن، أتطيق أن تجلس في مكانك بعد أن تسمع المنادي بأمر الله يقول لك حيّ على الصلاة؟ تقوم، لاتطيق أن تبقى بعدها، تقول لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم، ما معنى لا حول ولا قوّة إلا بالله، عند قيامك إلى الصلاة تستشعر أنك لا تقوم بقوّتك أنت بقدرتك لكنك تقوم بتوفيقه لك، لا حول عن المعصية ولا قوّة على الطاعة إلا بالله العلي العظيم، هكذا إذا كرر حيّ على الفلاح ..
الله أكبر الله أكبر.. استشعرت معنىً أرقى من التكبير ..
لا إله إلا الله.. ردّدتها معه واستشعرت أن الأذان ابتدأ بسم الله واختتم بسم الله، الله أكبر لا إله إلا الله فتكون حياتك كلها مبدأها من الله ومنتهاها إلى الله سبحانه وتعالى..
ثم إذا فرغ المؤذن صليت على رسول الله كما جاء في الحديث “إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة“، هو غير محتاج لدعائنا نحن بالوسيلة بالمناسبة ، حتى لايداخل قلبك شئ أن الرسول سينالها بدعائك له عيب عيب؛ اعرف قدرك، فهو يبلغها بما آتاه الله له، ولكنه بمحبته لك وحنانه ورحمته بأمته وتعطفه عليها أراد أن ترتقي الأمة هذا المرتقى.. الله الله.
فإذا فرغت من الدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم “اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمد الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته انك لا تخلف الميعاد يا أرحم الراحمين” اذكر والديك أيضاً بالدعاء (رب اغفر لي ولوالدي) ولو خمس مرات لأنهم أحق الناس بعد رسول الله وأولى الناس أعظم الناس منة عليك بعد رسول الله، وادعوا لأولادك وذريتك، الدعاء مستجاب بين الأذان والإقامة ثم قم وتوجه إلى المسجد وإذا دخلت صلي ركعتين تحية المسجد مع قبلية الصلاة ثم بعد ذلك أسكن لأن حضورك مع الله في الصلاة مربوط بهذا السكون.
ننصرف من هذا المجلس

ليأتي الحديث في الدرس القادم إن شاء الله كيف نتهيأ للحظة الله أكبر الذي يكون فيها الدخول إلى الحضرة، هناك الله أكبر الدعوة إلى الحضرة في الأذان؛ الدعوة إلى الحضور مع الله عز وجل الدعوة إلى حضرة الحق، لكن الكلام الآن عن الله أكبر أخرى (تكبيرة الإحرام) وهي الدخول إلى حضرة الله ،كان العلماء يقولون: (من صحت تكبيرة إحرامه صحت بقية صلاته) من حضر قلبه في تكبيرة الإحرام حضر قلبه معه عز وجل في الصلاة، أسأل الله أن يرزقنا جميعاً كمال الحضور إنه وليّ ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله ربّ العالمين.

محب الحبيب علي
18 Sep 2008, 08:29 PM
الدرس السادس عشر - مفتاح الصلاة “الله أكبر”


الحمد لله الذي يدعو إلى حضرته من أراد له السعادة من خلقه، وصلى الله على إمام كل إمام في الوصول إلى الله وفي الوقوف بين يدي الله وفي مناجاة الله، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه وهديه إلى يوم الدين ..
تذكرون ما جرى الحديث حوله في المجلس الماضي، اتفقنا على أن السائر إلى الله عز وجل معنى أداء الفريضة بالنسبة إليه هو موعد لقاء المحبوب فانتهاضه إلى الصلاة هو انتهاض إلى لقاء محبوبه، وهو موعد قضاء الحوائج ورفع الهموم، وهو موعد ارتفاعه وارتقائه في مراتب الصلة ومر معنا أن من كان هذا حاله فنظرته إلى الصلاة نظرة “أرحنا بها يا بلال” وليست نظرة أرحنا منها يا بلال!! فكل مواظب على الصلاة، الكلام هنا في حق من يواظب، إما أن يكون من أصحاب أرحنا بها أي: أن القلب مشتاق لها متعشق لحضور وقتها فإذا جاء وقتها كان فيها راحته وإما اقتصر نظره للصلاة على أنه دين ينبغي أن ينتهي منه ويرتاح من أدائه حتى لا يحاسب أرحنا منها، و إما لا شعور لاهذا ولا ذاك!! نكون من أصحاب أرحنا بها بإذنه سبحانه وتعالى، وذكرنا أن إنصاتنا للأذان هو إنصات لمرسوم الإذن للقاء المحبوب ..

ثم توصل بنا الحديث بالسعي الحثيث إلى استشعار لحظة الدخول إلى حضرته، وقلنا في المجلس الماضي أن لفظة (الله أكبر) عند الدخول إلى الصلاة هي مفتاح الحضور مع الله، فعلى قدر حضور قلبك مع الله في التكبيرة الأولى تكرم بالحضور مع الله في سائر الصلاة بعد ذلك، اجتمع على ذلك فقهاء الحس وفقهاء المعنى علماء الفقه الذين يعنون بالأحكام المتعلقة بالشروط والأركان والهيئات والسنن، وعلماء فقه القلوب الذين يعتنون بالحضور مع الله وتخلص القلوب من الرياء والسمعة والغفلة والاجتراء على الله في الصلاة، اجتمعوا على أن التكبيرة الأولى هي مجمع صحة الدخول إلى حضرة الله جل جلاله ..
ما الذي يعيننا على الحضور مع الله عند تكبيرة الإحرام (الله أكبر)؟

أولا: الحضور مع الله حال الوضوء :

عندما تتوضأ لا يكون وضوؤك .. تمضمضت، استنشقت، غسلت كفيك، غسلت وجهك، يديك، مسحت الرأس، غسلت الرجلين توضأت ..لا!! توضأ وضوء أهل ساعة الحضور … إذا أردت أن تتوضأ استشعر أن الوضوء هو الإذن بالدخول إلى حضرته الله، هو تطهير تتهيأ به للقاء المحبوب، أنت عندما تلقى محبوباً من البشر تعتني بموضع نظره وبموضع شمه ينظر إلى جسمك إلى ثيابك يشم رائحتك .. تعتني بذلك عند لقاء المحبوب وعند لقاء المحبوب الأعظم سبحانه وتعالى الأمر أجدى وأجل وأعظم وأجل.. ولا مجال للقياس هو اختار محلاً لنظره وهو القلب، لكن رغب إليك أن تتهيأ وضوء الظاهر غسل الأعضاء مع حضور القلب يورث طهارة القلب أيضا..
ولهذا ذكر الإمام الغزالي رحمه الله في كتاب بداية الهداية وهذا من الكتب العظيمة، إذا أخذته افتح على آداب الوضوء سترى آداباً للوضوء لو أخذت بها ستجد لذلك أثراً عند التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام .. عندما تتمضمض تتذكر السقيا من حوض المصطفى، عندما تستنشق تتذكر شم رائحة الجنة، عندما تستنثر تتذكر أن يعيذك الله من رائحة النار، عندما تغسل وجهك تطلب من الله أن يبيض وجهك يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، عندما تغسل يديك تتذكر إعطاء الكتاب باليمين وتسأل الله ذلك وتستعيذ من أن تعطى الكتاب بالشمال أو من وراء الظهر وهكذا بقية الأعضاء …
* قصة : كان الإمام علي بن الحسين الملقب بالسجاد زين العابدين من أئمة أهل البيت عليهم رضوان الله كان إذا أراد أن يتوضأ ترتعد فرائصه عند الوضوء ويصفر لونه سأله بعضهم: مالك لا تتمالك نفسك عند الوضوء؟ فبكى وقال: أتدرون بين يدي من سأقف ومن سأناجي؟ .. تعرفون أنا أستعد لمقابلة من؟ إن أخذتها من باب الأنس الشوق للمحبوب سأقابل محبوبي، وإن أخذتها من باب الهيبة عظمة المولى عز وجل سأقابله … فالحضور مع الله في الوضوء هذه الأولى..
ثانيا : استشعار دخول المسجد على وجه التعظيم :

هناك آداب جاء بها الحبيب صلى الله عليه وسلم، الكثير منا قد يراها صغيرة لكن لا يوجد من آداب النبي صغير، عندما يقول لك عند دخول المسجد تدخل باليمنى وعند الخروج تخرج باليسرى، القضية ليست قضية رجل تتقدم ورجل تتأخر القضية .. لا!! قضية استحضار معنى عندما تضبط نفسك أنك عند دخول المسجد لن تجعل دخولك هكذا كيف ما اتفق .. وصلت باليمين دخلت باليمين وصلت باليسار دخلت باليسار أصبح دخولاً معتاداً، مشياً معتاداً، لكن عندما لا تدخل المسجد إلا باليمنى تضبط نفسك ولو وصلت اليسرى تحبسها تبدل وتدخل باليمنى اتباعاً للمصطفى صلى الله عليه وسلم، تستشعر أنا أدخل إلى مكان مختلف، الآن في حالة مختلفة تحمد الله تصلي على النبي تسأل الله أن يفتح لك أبواب الرحمة “اللهم افتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم ووجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم” وتدخل المسجد..
* فائدة : كان بعض تجار الآخرة من مشايخنا رحمهم الله يقول يا أبنائي إذا دخلتم المسجد أوصيكم قبل الدخول ولو لحيظة استشعر إلى أين أنت داخل؟ لا تجعل الدخول هكذا تلقائي، لماذا تتوقف وتقدم اليمنى؟ قال لتستشعر إلى أين أنت داخل، أنت داخل إلى الله إلى بيت الله، على أي كيفية وبأي طريقة يدخل الإنسان إلى بيت محبوبه؟ بأي كيفية يدخل الإنسان بيت ملك الملوك من الأدب والتواضع والشوق والحب والفرح؟ ثم يقولون أنوي الاعتكاف مدة بقائك في المسجد، لأن نية الاعتكاف الفرق بينها وبين عدم نية الاعتكاف أن الذي ينوي الاعتكاف مدة بقائه في المسجد هناك عداد حسنات خاص للاعتكاف قائم يحسب له، معنى آخر هو الآن في حال عكوف، أي أنه عاكف عند الله عز وجل، فيتوافد على قلبه من إكرامات الله لمن يفد عاكفا على بيته سبحانه وتعالى..
مسألة أعلى في الاستثمار مع الله .. كان بعض مشايخنا يقول أن الفقهاء يقولون أن الفرق بين النافلة والفريضة سبعين درجة، أن الفريضة أجرها أجر سبعين نافلة، وانظر.. اذا أنت نويت الاعتكاف مدة بقائك في المسجد هذه نافلة أم فريضة؟ نافلة، لكن لو قلت قبل نية الاعتكاف نذرت الاعتكاف مدة بقائي في المسجد، النذر يجعل النافلة فريضة، فأجرها أجر الفريضة ..فإذا قلت نذرت الاعتكاف مدة بقائي في المسجد، صار الاعتكاف المنذور صار الأجر أجر الفريضة ، انظر هذه معاني من التركيز، أدب الدخول هذا يساعدك على التركيز أكثر أنت الآن في وضع غير طبيعي أنت الآن مقبل على الله، دخول المسجد على وصف الأدب، استشعاري أني في احتواء .. قد آويت إلى الله، من غير تشبيه عندما يكون الابن مشتاق إلى والدته وله مدة طويلة لم يرها، والأم كذلك، في أول لقاء ما أول ما يقصد الولد من أمه؟ أن تحتضنه أمه ولو كبر في السن لو صارت له لحية لو ظهر الشيب فيه، حضن الأم لا يقاس به شيء ولا يستغني عنه أحد، وبالمناسبة يا شباب لا يعرفه أحد مثل الذين فقدوا أمهاتهم هم يعرفون معنى قيمة حضن الأم .. والأم أيضاً هي تعرف معنى أن تحتضن ولدها وماذا يعني لها ذلك؟ الإيواء من غير تشبيه ولله المثل الأعلى، هذا في العلاقات مابين البشر لكن إذا ارتقينا إلى مالا يقاس دخولك إلى المسجد هو ارتماء على الله عز وجل نزول في ساحات الله تستشعر عند دخولك إلى المسجد أني الآن (آويت إلى الله) ..
أما قرأت في حديث أن ثلاثة دخلوا إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما أحدهم فرأى فرجة رأى فراغ في صف من الصفوف فتعدى الناس بلطف دون أن يؤذي أحداً وجلس في هذه الفرجة، وأما الثاني خجل أن يتعدى الناس فجلس في أخريات المكان، وأما الثالث رأى شيئاً من الازدحام فانصرف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أحدثكم عن النفر الثلاثة؟” قالوا بلى يا رسول الله قال: “أما الأول فقد آوى إلى الله فآواه الله” عش هذه الكلمة تريد أن تكون متصلاً بالله، أنت مريد الله؟ عش هذا المعنى “فآواه الله إليه” مع عظمة فضل الأم يتضاءل أمام هذا المعنى (آواه الله إليه) هو في الظاهر آوى إلى مجلس إلى فراغ في المجلس عند رسول الله لكن لما كان القصد هنا رضوان الله أصبح إيواؤه هنا إلى الله، وأما الثاني “فقد استحيا من الله فاستحيا الله منه” قال العلماء من استحى الله منه لم يعذبه أبداً، الأول آواه الله إليه رقاه والثاني لم يعذبه قال والثالث : “أعرض عن الله فأعرض الله عنه” هو أعرض عن مجلس لكن جعله رسول الله إعراضاً عن الله ..
فإذا دخلت إلى المسجد استشعر معنى أنك تأوي إلى الله، ولو وجدت فراغاً في الصفوف الأولى فتلطف بين الناس إلى الصفوف الأولى آوي إلى الله عز و جل، وإذا لم تجد فراغاً في الصفوف الأولى فلا تؤذي الناس استح من الله أن تؤذي جلاسه ممن هم في المسجد واجلس حيث ينتهي بك المجلس ولا تعرض حتى لا يعرض الله عنك!! هذه الثانية، قلنا دخول المسجد استشعار هذا المعنى مدة ما أجلس في المجلس أنا في حضرة الله، لا ينبغي أن يكون هناك سخط في المسجد، لا ينبغي أن يكون هناك تدافع في المسجد ولو في خير ولا حتى على تقبيل الحجر الأسود ولو حتى على دخول الكعبة فضلاً عن غيرها من الخيرات، ينبغي أن يكون شأن السكينة هو الشأن الغالب.
* قصة : لما نفر الناس من عرفة إلى مزدلفة مع الحبيب صلى الله عليه وسلم تعرفون كم كان العدد؟ مائة وعشرين ألفاً، المائة والعشرين ألف كيف تتصورون عندما تكون نفرتهم؟ لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم شيء من التدافع قال: “السكينة، السكينة” فقط قال هاتين الكلمتين، وما أن قالها رسول الله حتى سكن المائة والعشرون ألف، قالوا حتى أن الذي كان قد يضرب دابتة ليستحثها توقف، أرخى الصحابة الزمام للدواب وصارت تسير بالسكينة، في بيت الله عش هذه السكينة تتهيأ للدخول إلى حضرة الله.
ثالثا : كيف تقوم للصلاة :

يعني كيف تقف؟ تستوي مع من في الصف لتدخل في الصلاة، عندا تسمع إقامة الصلاة، قبلها، بعد ركوع السنة سبح الله (سبحان الله) عشر مرات، (لاإله إلا الله) عشر مرات، (الحمد لله) عشر مرات، هنا قدم لا إله إلا الله على الحمد لله على خلاف المعتاد (سبحان الله والحمد لله و لا إله إلا الله والله أكبر) لأن الحديث ورد بها هكذا حديث رافع، “إذا قال العبد قبل أن تقام الصلاة سبحان الله عشراً قال الله هذه لي” الله الله، أنا صغير صعلوك لا أسوى شيء نقطة في هذا الكون الكبير لا أكاد أساوي شيء لولا فضل الله، لساني هذا العاصي المذنب يقول سبحان الله، سبحان الله، الحق سبحانه يتجاوب معي يجيبني ويقول (هذه لي) ما أكون أنا وما يكون تسبيحي حتى يجعله الله بهذا الاعتبار (هذه لي) فإذا قال العبد لا إله إلا الله عشراً يقول الله (هذه لي) فإذا قال الحمد لله عشراً قال الله (هذه لي) فإذا قال الله أكبر عشراً قال الله (هذه لي) فإذا قال العبد أستغفر الله عشراً قال الله (قد فعلت) غفرت، تطلب منه المغفرة يقول قد فعلت، طيب عندما تشعر أن مثل هذا التسبيح الذي لا يأخذ أكثر من ثلاث دقائق ثمرته تكون مناجاة بينك وبين الله يقول (هذه لي، هذه لي،هذه لي، هذه لي) ثم تطلب منه المغفرة فيقول (قد فعلت) تتركها قبل الإقامة؟ مريد لله وسائر إلى الله يترك هذه الفرصة؟ ما يتركها، وإذا بدأها يستحي من أن يقول سبحان الله، سبحان الله ومنتظر الله يقول هذه لي؟ أنت منتظر الحق سبحانه يقول هذه لي فكيف تقولها بغفلة؟ قولها بتمجيد.
فإذا أقام المؤذن فالصلاة، جاء وقت الوقوف في البداية الأذان تذكرون في المجلس الماضي (http://www.almoreed.com/archives/episode15/) الدعوة إلى حضرة المحبوب تعال المحبوب أذن لك بلقائه الآن وقت اللقاء بالتحديد الآن وقت الدخول إلى حضرة الله بدأ المقيم يقيم الصلاة بدأت تجيب معاه (الله أكبر،الله أكبر،أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله،قال حي على الصلاة،حي على الفلاح،قلت لا حول ولا قوة إلا بالله،قال المؤذن قد قامت الصلاة)، وقت النداء الآن للدخول، اللحظة التي تقوم فيها إلى الصلاة لتستوي في هذه اللحظة تذكر أن هذه الوقفة مرتبطة بوقفة هذه الوقفة تكون باختيارك الآن عندك جزء من الاختيار لكنها مرتبطة بوقفة أخرى لا خيار فيها، عندما تسمع أنت ويسمع جميع من في المحشر جميع الخلق من لدن آدم وحواء إلى آخر الزمان كلهم يسمعون اسمك ليقم فلان بن فلانة للعرض على الله تقوم هذا القيام إلى الصلاة مرتبط بذلك القيام، ذلك القيام تقوم فيه ليخاطبك الله بغير حجاب بغير واسطة بغير ترجمان عندما ينادى هذا النداء تقوم اللحظة الأولى الساعة الأولى للقيام إلى الله عز وجل يغلب فيها على القلوب الهيبة.
* موقف : جاء في بعض الأحاديث أن السيد المسيح عليه السلام عندما يأتي النداء ليقم عيسى بن مريم للعرض على الله، يقوم السيد المسيح وهو روح الله وكلمته، فترتعد فرائصه لهيبة ودهشة الوقفة بين يدي الله لأول وهلة، فيناديه الله: يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ فتلتصق ركبتاه ويجثو على ركبتيه على الأرض من هيبة الحق، هذا حال المحبوب روح الله، لا شك أنه بعد ذلك يؤنسه، لاشك أنه بعد ذلك يبرؤه، لاشك أنه بعد ذلك يتحفه، يعطيه،يشفعه يرفع درجته ومقامه على الخلائق.. لكن الوهلة الأولى الهيبة ثم بعد الهيبة التي تحصل يختلف حال الناس يوم القيامة..
فمن الناس من يغلب عليه استمرار الهيبة، استمرار الهيبة، استمرار الهيبة حتى يؤمر به والعياذ بالله إلى النار بأخذ الكتاب بالشمال ورجحان كفة السيئات وينصرف ويسقط من على الصراط والعياذ بالله، وهناك أناس.. لا!! تأخذهم الهيبة ثم يأتي الخطاب، خطاب إذا ذكرناه يا إخواني أحضروا قلوبكم هذا الخطاب لي ولكم كل واحد منا سيسمعه كلنا نؤمن بذلك، عندما يقول لك وهو يكلمك (الله) عبدي تذكر يوم كذا؟ عملت كذا، أنعمت عليك ففعلت كذا.. الهيبة… لكن الذين ألفوا الأنس بالله في الصلاة، عدنا إلى الصلاة، عند قد قامت الصلاة الذي يقوم على وصف الأدب لكن في قلبه شوق إلى الله اعتاد في كل فريضة إذا قيل قد قامت الصلاة قام وهو مشتاق إلى المقابلة، أترونه بعد أن تمضي عليه سنوات من عمره وهو قد ألف الشوق إلى الأنس بمناجاته، أترون الحق بعد السنوات الطويلة الذي قام فيها في اليوم على الأقل خمس مرات يقوم بشوق وبأنس، أترون أن الله يحرمه يوم القيامة من أن يؤنسه بعد أن يقف بين يديه؟ حاشاه فالأنس هنا يرتبط بالأنس هناك فمن ألف أن يقوم إلى لصلاة وهو في هذه الحال أكرم يوم القيامة بالأنس بعد دهشة اللقاء الأولى وهيبتها، الأنس الذي مظهر من مظاهره يوم القيامة أن يسمع هو من الله بعد ذلك (نعم عبدي قد كان ذلك منك وأنت عاصي لكني قد تبت عليك وغفرتها لك وأنسيتها الحفظة ومسحتها من الكتب وأنسيتها الأرض التي عصيتني فيها ومقعدها من السماء وإني قد أحطك بحجاب ستري وكنفي فلم يسمع أحد من أهل الموقف عتابي لك ولم تفتضح) ويأمر الله المنادي بعد هذه المقابلة أن ينادي (لقد سعد فلان بن فلانة سعادة لا يشقى بعدها أبداً)، هذا النداء مرتبط بحالك عند قيامك إلى الصلاة..
الاستواء للصلاة

فهمت ما معنى أن تقوم إلى الصلاة، استشعرت معنى لحظة (قد قامت الصلاة)، فإذا قمت فاستشعر أنك الآن تقوم بين يديه وعن يمينك وشمالك إخوان لك من أهل لا إله إلا الله يصلون بجانبك صلاة الجماعة هذا التعاضد مع الجماعة، “يد الله مع الجماعة“، هذا التعاضد، تسوية الصفوف، التقارب، الكتف بالكتف العقب بالعقب، بعض الناس يجعلون الاستواء في مقدمات الأصابع والحقيقة أن الأصوب أن يكون بالعقب، لكن لا تتصارع مع الذين في الصف حتى تقدم العقب أو أصابع الرجل، حضور القلب هنا مقدم إن أخذوا بقولك وإلا فحافظ على الاستواء أهم من يكون بالعقب أو أن يكون بمقدمات الأصابع..
قف وافهم أن معنى أن تقف وأنت يلتصق كتفك بكتف غيرك وأنت في حضرته أن تقبل عليه بصفاء القلب على أهل لا إله إلا الله، فهمت؟ تقبل عليه وقلبك صافي، أنت الآن قريب من إخوانك لتتقرب إلى الله فلا يتأتى أن ترضى بأن يكون هناك قرب جسم وبُعد قلوب!! تحمل غِل على هذا وعلى ذاك، وترى نفسك أفضل من هذا أو من ذاك بخرقة أفضل منه فيها أو ربما علم أو صلاح أو عبادة، انتبه!! استشعر معنى الأدب أنت الآن تدخل إلى حضرة الله فلا تدخلها بالكبر.
فالاستواء هنا المقصود منه تقارب القلوب سد مداخل الشيطان البعض يجعل من الاستواء سبب لتباعد القلوب، يضايق هذا ويضرب هذا ويلصق رجله بقوة بهذا، لا لا لا.. الاستواء جاء لتقريب القلوب لسد مداخل الشيطان، فقف على هذا النحو مستشعراً الأدب إذا كنت إماماً استشعر معنى الإمامة، الإمامة هي نيابة عن سيدنا محمد هو الإمام لكل إمام صلى الله عليه وسلم أنت لولا اقتداؤك بسيدنا محمد بإمامتك لن تصلح إمامتك، وإذا كنت مستشعر للأدب في (واجعلني للمتقين إماماً) لا ترى لنفسك أفضلية عليهم لا تنافس على الإمامة الإمام الراتب يقدم ولو كان أقل علماً وإذا لم يحضر الإمام الراتب قدم الأتقى والأورع والأعلم لا يتسابق الناس إلى الإمامة، كان السلف الصالح يتهيبون الإمامة إلا أن يحملوا عليها ويرى الناس اليوم يتسابقون من الذي يقدم على الآخر، وحسّن ظنك وقف، فإذا كنت مأموماًً استشعر معنى الإنتماء للحبيب صلى الله عليه وسلم في معنى المتابعة، فإن متابعتك للإمام الذي أمامك من إخوانك إنما هو امتثال لأمر سيدنا محمد عندما أمرنا أن نتابع الإمام.
ننصرف من هذا المجلس

إذا قال الإمام (الله أكبر) معنى هذا انتقال من جميع ما كنت عليه قبل هذه الكلمة إلى عالم آخر، قال بعض العلماء سنّ لنا أن نرفع يدينا عند قولنا الله أكبر، قال بعض العلماء من الحكم الموجودة في رفع اليدين في حق المبتدىء في السير إلى الله (الله أكبر) أي أني ألقي ما سوى الله خلف ظهري، إن صحّت لك هذه أصبحت (الله أكبر) في حقك معنى أرقى وهو أن حجب قلبي ترتفع، أي رفعت عن قلبي حجاب الغفلة، توجهت إلى الله بأن يرفع عن قلبي حجاب الالتفات إلى الخلق حجاب محبة الدنيا حجاب إيثار الفاني على الباقي حجاب الخواطر، كلها ارتفعت..
الله أكبر دخلت إلى حضرت الله، الله أكبر من أن أذكر غيره وأنا في حضرته، الله أكبرمن أن يشغلني سواه وأنا في حضرته، الله أكبر من أن يأخذني غيري عنه وأنا في حضرته، الله أكبر من أن يخيبني وأنا في حضرته، الله أكبر من أن يردني وأنا في حضرته، الله أكبر من أن يحرمني لذة المناجاة وأنا في حضرته، وانطلق في هذا المعنى واستشعر (الله أكبر) حتى قال العلماء تكبيرة الإحرام لا يستحب مطها، ويستحب للإمام أن يقصرها جمعاً للقلب على التأكيد على الدخول إلى حضرة الله، وحفظاً للمأموم من أن يستبق فيقول الله أكبر قبل أن ينتهي الإمام من لفظة أكبر فيكون قد سابق الإمام، فإذا قلت الله أكبر خاطبت قلبك أنك دخلت في حضرة الأكبر، وعندها مهما حاولت الخواطر أن تجول في قلبك فهو أكبر، ولهذا جاء التعداد الله أكبر بالركوع بالسجود بالجلوس بالقيام، كل ما بدأ في قلبك شيء (الله أكبر) لا يشغلني عنه شيء ودخلت إلى حضرة الله..
سبحان الله انقضى وقت هذا المجلس مع انقضاء تكبيرة الإحرام عند دخولنا إلى حضرة الله أكبر، ولعل في ذلك حكمة أرادها الله كنا نظن أننا سنخوض في الحضور في الصلاة في المجلس، انقضى الوقت والخوض إن شاء الله في المجلس القادم.. لكن لعل من حكمة الله أنه جعل الانتهاء عند هذه الكلمة حتى نبدأ نعيشها إلى المجلس القادم، إذا انصرفت الى بيتك، إذا فرغت من هذا المجلس وقمت تصلي استشعر الله أكبر.. عش الله أكبر وأنت تدخل إلى حضرة الله واجمع قلبك بكل ما تستطيع.
أسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم هذا المعنى، اللهم ارزقنا الحضور معك وحققنا بحقائق الحضور بين يديك، إلهي وسيدي ومولاي من عليه معتمدي وتوكلي وإليه التجائي يا غياثي، يا غياثي حيث لا غوث سواه، يا ملتجاي حيث لا ألتجئ لغيره أو عداه، ها قد رفعنا إليك الأكف سائليك أن تكرمنا بحقائق ما قد أجريت على لسان عبدك الضعيف العاصي، اللهم انك قد أجريت على اللسان من معاني التي ذكرها أهل الإحسان في الحضور معك تهيئاً للدخول الى حضرتك واستشعاراً لكلمة (الله أكبر) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

محب الحبيب علي
20 Sep 2008, 09:09 AM
أدعية الوضوء - ملحق


نظرا لحرص الزوار على الحصول على أدعية الوضوء التي أشار إليها فضيلة الحبيب علي الجفري في حلقة مفتاح الصلاة، المذكورة في كتاب الإمام الغزالي : بداية الهداية، فقد استحدثت إدارة الموقع قسما جديدا أسمته ملحقات
من آداب الوضوء

السواك، استقبال القبلة، إطالة الغرة: غسل ما زاد على الوجه من جميع جوانبه، إطالة التحجيل: في اليدين إلى نصف العضد وفي الرجلين إلى نصف الساق.
التثليث: في كل عضو دون زيادة، عدم الإسراف في الماء أو لطم الوجه به أو نفضه، أن لا تتكلم أثناء الوضوء: مستشعرا أنك ستقف أمام الله جل وعلا .
ذكر الله: كما جاء في الحديث “من ذكر الله عند الوضوء طَهُرَ جسده كله، فإن لم يذكر اسم الله لم يطهر منه إلا ما أصاب الماء” .
أدعية الوضوء

* قبل الوضوء: بسم الله الرحمن الرحيم، ( رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون )
* غسل الكفين : اللهم إني أسألك اليُمنَ والبركة، وأعوذ بك من الشؤم والهَلَكة .
* المضمضة : اللهم أعني على تلاوة كتابك، وكثرة الذكر لك، وثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة .
* الاستنشاق : اللهم أرحني رائحة الجنة وأنت عني راض، “ويكون الدعاء قبل الاستنشاق” .
* الاستنثار : اللهم إني أعوذ بك من روائح النار وسوء الدار، “ويكون الدعاء بعد الاستنثار” .
* النية : نويت رفع الحدث والوضوء للصلاة .
* غسل الوجه : اللهم بيّض وجهي يوم تبيض وجوه أوليائك، ولاتسود وجهي بظلماتك يوم تسود وجوه أعدائك.
* اليد اليمنى : اللهم أعطني كتابي بيميني وأدخلني الجنة بغير حساب .
* اليد اليسرى : اللهم إني أعوذ بك أن تعطيني كتابي بشمالي أو من وراء ظهري .
* مسح الرأس : اللهم غَشَني برحمتك، وأنزل علي من بركاتك، وأظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم حرم شَعَري وبَشَري على النار .
* مسح الأذنين : اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم أسمعني منادي الجنة في الجنة مع الأبرار .
* مسح الرقبة : اللهم فك رقبتي من النار، وأعوذ بك من السلاسل والأغلال .
* القدم اليمنى : اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم مع أقدام عبادكَ الصالحين .
* القدم اليسرى : اللهم إني أعوذ بك أن تزلَّ قدمي على الصراط في النار، يوم تزلُ أقدام المنافقين والمشركين .
* بعد الوضوء : ترفع يدك إلى الأعلى، مستقبلا القبلة، وتقول : ” أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله”، “اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين”، ثم تقرأ سورة القدر (3) ..

محب الحبيب علي
20 Sep 2008, 09:10 AM
الدرس السابع عشر - معاني الصلاة


الحمد لله، حمداً نكرم به بكمال التوفيق لحسن الدخول إلى حضرته إذا صلينا، وصلى الله وسلم على إمام أهل الحضور مع الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن سلك نهجه إلى يوم الدين وبعد..
هل استشعرت أيها المريد معنى الدخول إلى حضرة الله في تكبيرة الإحرام، ومن استمع إلى هذا الكلام ثم عاد بعدها بليلة ممن شاهد وسمع، هل استحضر هذا المعنى فدخل إلى الصلاة دخول أصحاب القلوب.. الله أكبر، عندها انتهى الحديث وبها يُبتدَأ..





في المجلس الماضي توصلنا بعد ذكر الاستعداد للدخول إلى الصلاة إلى لحظة الدخول إلى الصلاة، وذكرنا استشعار قلوبنا لمعنى الدخول إلى حضرة الله، فإذا رفعت يديك فألقيت ما سواه وراء ظهرك وقلت الله أكبر جامعاً لهمك وقلبك عليه وانتقلت من جميع ما يحيط بك من الأكوان، ومن جميع ما يختلجك أنت في كونك فأنت كون في داخلك، وألقيت جميع ذلك وراء ظهرك ودخلت إلى حضرته (الله أكبر)، شرعت في الاستفتاح طالباً الفتح منه سبحانه وتعالى، بأي صيغة من الصيغ التي وردت عنه صلى الله عليه وسلم “وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض….” قال الإمام الحسن ابن صالح البحرالجفري رحمه الله تعالى في كتابه (صفة صلاة المقربين): (واحذر أن يكذب حالك مقالك) أنت تقول وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض.. فهل أنت متوجه إليه في تلك اللحظة؟ أم أن قلبك مخالف للمعنى الذي تقول؟ أو إذا أخذت بالرواية الأخرى (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين….) هل استشعرت معنى أن كلياتك لله رب العالمين الآن؟ صلاتك، نسكك، محياك، مماتك، هل كلها أصبحت لله رب العالمين؟ هذا معنىً من معاني حقائق التوحيد ودقائق التوحيد ألا تشركه في الحضور معه في حضرته مع سواه جل جلاله..
فاتحة الكتاب

إذا شرعت في فاتحة الكتاب ابتدأت الحوار ابتدأت المناجاة ابتدأت المكالمة.. سيدنا موسى عليه السلام تميز بأنه كليم الله، وسيدنا موسى رفع عنه الحجاب فصار يسمع مكالمة الله له، أنت بمعنى آخر كليم لله، لكن لم يأذن لك برفع الحجاب في هذه الدنيا فأنت تعتقد وتتيقن بأن الله يكلمك في هذه الساعة، فأنت كليم الله بمعنى دون تلك الرتبة لكنه معنى من معاني المكالمة..
أما ورد أن العبد إذا قال: (بسم الله الرَّحمَن الرّحيم * الحمدُ للهِ ربِّ العالَمِينَ) قال الله تعالى: (حمدني عبدي) يجيبك يكالمك الحق عز وجل، فإذا قلت (الرَّحمَنِ الرَّحيم) قال الله عز وجل (أثنى علي عبدي)، فإذا قلت: (مَالكِ يومِ الدّينِ) قال الله عزوجل: (مجدني عبدي)، سبحان الله!! من أنا وما ذكري وما لساني ومن أكون عندما يتلفظ لساني الذي هفا وقصر مع الله بحمد لله يكون لهذا الحمد قيمة عند ملك الملوك جل جلاله في تلاوة كلامه فيخاطبني يقول حمدني عبدي، وما يكون حمدي لكنه حمدي له بما أنزله هو من حمدٍ حمدَ به نفسه (الرحمن الرحيم)، يقول (أثنى علي عبدي) من أنت حتى يكون لي ولك هذا القدر لكن من فضل الله عليك أن أكرمك وعلمك كيف تثني به كيف تثني عليه كما أثنى هو على نفسه به، عندما تقول: (مالك يوم الدين) يقول مجدني عبدي، وهو المجيد سبحانه وتعالى قبل أن يوجد موجود في الوجود..
فإذا قلت: (إياك نعبد) استشعرت بقولة (إيّاك) خلوص توحيده في قلبك، لامعبود سواك، (إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعينُ) ارتقيت في لحظة إياك نعبد وإياك نستعين مرتقىً عالياً، وهو أنك تستشعر معنى الأدب الكامل مع الله فأنت تعلن توحيده بعبادته وتستعينه سبحانه وتعالى على تصحيح هذه العبادة، لا يفهم قط من قولنا إياك نعبد وإياك نستعين أن إياك نعبد تنفصل عن إياك نستعين، إياك نعبد وإياك نستعين حتى في عبادتنا إياك، وإياك نعبد في استعانتا بك على ما أقمتنا فيه في شؤون حياتنا وفي شؤون معاشنا ومعادنا إياك نعبد وإياك نستعين، وقد ألف الإمام الهروي رحمه الله كتابا كاملا أسماه (منازل السائرين بين إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) شرحه الإمام الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه أسماه (مدارج السالكين) في مجلدات أربعة هذا الكتاب في الترقيات التي تكون في إياك نعبد وإياك نستعين، إذا قال العبد (إياك نعبد وإياك نستعين)، قال الله عزوجل (هذه بيني وبين عبدي)، إيه من أنت ومن أنا، ما أكرمك؟، أهذه مقابلتك لمن تحب؟، أهذا إسعادك لمن تحب؟ الله، أهكذا تقابل من يقبل عليك ولو لحظة؟ ترفعني وأنا العبد المذنب الصغير العاصي الغافل المقصر، أقول لك (إياك نعبد وإياك نستعين) بما أنزلته فتقول: (هذه ببني وبين عبدي).. الله الله، يرفعك إلى درجة بينك وبينه صلة (بيني وبين عبدي يقول الله ولعبدي ما سأل)، يفتح لك الباب، يليق وأنت في هذا الحال العظيم من الخطاب مع الله ومخاطبة الله لك ويجعل بينك وبينه صلة وتكون غافلا القلب عنه؟!! إياك نعبد وإياك نستعين، العقل في الدكان، إياك نعبد وإياك نستعين، الاختبارات الامتحان، إياك نعبد وإياك نستعين، بعد الصلاة نخرج للمشوار الفلاني نشتري كذا، (إياك نعبد وإياك نستعين) معه سبحانه عزوجل، و إذا قال (ولعبدي ما سأل) مباشرة علمك ما تسأل فيما انزل في كتابه حتى لا تفوتك هذه اللحظة فتطلب ما لا يليق في هذه الحضرة..
(اهدِنا الصِّراطَ المُستقيمَ صراطَ الّذينَ أنعَمتَ علَيهم)، قال أحد أشياخنا: انظروا في الصلاة وهي أقدس الحضرات حضرة الصلاة، في مناجاته وبكتابه علمنا أن نعلق قلوبنا بالصالحين علمنا أن نرتبط بالصالحين حتى ونحن في حضرته، هذا من عين التوحيد له سبحانه وتعالى، لماذا نقول (إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم)، هو يعلم الصراط المستقيم سبحانه وتعالى هو غير محتاج لأن ندله ما هو الصراط المستقيم؟ صراط أولئك الذين أنعمت عليهم لكنه أنزله على هذا النحو في كتابه لكي يعلمنا نحن أن الصراط المستقيم لا يتأتى السير عليه إلا بصلة بالمنعم عليهم، إلا بأن ترتبط قلوبنا بمعنى الحب في الله والبغض في الله، بمعنى الولاء لله ولمن أحب الله سبحانه وتعالى، (صراط الذين أنعمت عليهم) علمنا أن حصولنا على الاستقامة والسير على الصراط المستقيم أحد خطوات الوصول إليه يكون بصلتنا بالمستقيمين، من هم الذين أنعم الله عليهم، في آية أخرى يقول الله عزوجل (ومن يطعِ اللهَ والرَّسُولَ فأولئكَ مَعَ الّذينَ أنعَمَ اللهُ عَليهم منَ النّبيّينَ والصّدّيقينَ والشهدَاء والصَّالحينَ وحَسُنَ أولئكَ رفيقاً) حسّن رفقتهم الحق سبحانه وتعالى (ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما) لو علم الله فضلاً يفوق هذا الفضل لذكره في هذا الموقف (وكفى بالله عليما)، (اهدنا الصِّراطَ المُستقيمَ صراطَ الّذينَ أنعَمت عليهم غير المغضُوبِ عَلَيهم) من الذين خالفوا وبدلوا وهم يعلمون، (وَلا الضّالينَ) الذين ضللوا فانحرفوا وساروا خلف أئمة الضلال ممن ساقوهم إلى الانحراف عن الصراط المستقيم، (آمين)،..
هذه الفاتحة، لا!! هذا مفتاح من مفاتيح الدخول إلى معنى الفاتحة، وإلا فقد قال الإمام علي بن أبي طالب لو أردت أن أملي معاني سورة الفاتحة لأوقرت سبعين بعيراً؛ أي سأملي كلام يكتب في كتب عددها تكون حمل سبعين بعيراً من الكتب التي سأمليها في معاني سورة الفاتحة، ثم قال رضي الله عنه وهو باب مدينة العلم: (لو أردت أن أملي معاني بسم الله الرحمن الرحيم _ البسملة التي في الفاتحة_ لأوقرت سبعين بعيراً) ثم قال: (لو أردت أن أملي معنى الباء في بسم الله الرحمن الرحيم لأوقرت سبعين بعيراً)، سبحان المعطي، البعض قد يستكثر أو يستغرب ماذا سيقال في الباء أوفي البسملة أوحتى في الفاتحة! نعم من لم يعلم له أن يقول ذلك، لكن..(وإذا لم ترَ الهلالَ فسلّم لأناسٍ رأوهُ بالأبصارِ)، إذا لم ترتق فاعرف قدر من ارتقى، وإذا كنت تستكثر أن يكون في الفاتحة هذه المعاني، فاستغفر الله!! لأن الفاتحة كلام الله، بل هي عِدل البقية من كلام الله في كتاب الله، جعل الله عز وجل السبع المثاني عدلاً للقرآن الكريم، هل تستغرب؟ (قل لو كانَ البَحرُ مدَاداً لكلمَاتِ ربّي لنفِدَ البحرُ قبلَ أن تنفدَ كلمَاتُ ربّي ولَو جئنا بمثلهِ مدداً).
ثم تقرأ ما تيسر أو يقرأ الإمام وتنصت بحضور القلب، فإذا استحضر قلبك شيئاً من تذوق عظمة خطاب الله؛ ما معنى أن تقرأ شيئاً من القرآن الكريم أوتستمع إلى الإمام وهو يقرأ؟ معناه أن الله يخاطبك الآن، الذي يدعوا يخاطب الله لكن الذي يقرأ القرآن يخاطبه الله لأنك تقرأ كلام الله الموجه إليك فالله يخاطبك سبحانه وتعالى، فكيف ستنصت إلى الله إذا خاطبك؟ إن كنت محباً مشتاقاً إنصات المحب كيف يكون؟ إن كنت مستشعراً هيبة المتكلم المتهيب كيف يكون؟ إن كنت خجلا من تقصيرك معه الخجل كيف يكون؟ إن كنت طامعاً في فضله الطامع في فضل المتكلم كيف ينصت إلى كلامه؟ إن كنت مشفقاً على نفسك من غضبه المشفق كيف ينصت؟ هذه معاني تدور على قلوب الصادقين إذا استمعوا إلى القرآن الكريم، هذا قبل الركوع.
الركوع والسجود.. وسر الخضوع لله

فإذا قلت (الله أكبر) وركعت استشعرت أنك تقترب بالانحناء إلى الله عزوجل، الحق عزوجل لا تحويه سماء ولا أرض فهو منزه عن الزمان والمكان فهو سبحانه وتعالى حيث كان قبل أن يخلق الزمان والمكان، لكن ما معنى أن نقترب بالركوع نقترب بالسجود (كَلاّ لا تطِعهُ واسجُد واقترِب) معنى هذا أن الاقتراب إليه يكون بالخضوع، جعل الاقتراب أكثر كلما انحنيت أكثر، ما معنى هذا؟ معناه أنك تقترب أكثر كلما خضعت أكثر، لماذا؟ هو غني عن خضوعي وخضوع العالمين الكون كله خاضع له جل جلاله..
“أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي” تعرف لماذا؟ والله أعلم لأنك تقترب من الحقيقة أكثر، والله عزوجل اسمه الحق وكلما اقتربت من الحق-الله- اقتربت من الحق- الحقيقة-، الخضوع اقتراب من حقيقتك أنت التي خلقك الله عليها، في الحقيقة أنت ضعيف أنت عاجز أنت فقير ذليل لولا فضل الله عليك بفضل الله عليك، فكلما خضعت أكثر كلما لامست حقيقتك أكثر، كلما اقتربت من حقيقتك أكثر اقتربت من الحق أكثر سبحانه وتعالى، ولهذا “سبحان ربي العظيم” استشعار عظمته له صلة باستشعار ضآلتك وأنت تركع له.
ثم إذا قلت أنت أو قال الإمام (سمع الله لمن حمد) هو سبحانه وتعالى يسمع من حمد ومن لم يحمد، لكن سماعه لمن يحمده عزوجل على وصف خاص… سماع قبول وتقريب وعطاء وإكرام، تقول (ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملئ السماوات وملئ الأرض وملئ ما شئت من شيء بعد)، هذه من علمنا إياها؟ الصحابة كانوا يقولون (ربنا لك الحمد) هكذا تعلموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يصلون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أعرابي أي بدوي، جاء وصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبحان الله الأعراب بصفاء الفطرة ونقائها كانوا يستشعرون ويتذوقون الكلمة يعرفون قيمة الكلمة، فهو عندما سمع النبي يقول (سمع الله لمن حمد) عندما سمع هذه الكلمة أن الله يسمع من يحمده عاش لذة الحمد، الله الآن يسمعني! فقال: (ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملئ السماوات وملئ الأرض وملئ ما شئت من شيء بعد)، أخذ يتبحبح بالثناء على الله لما نازل قلبه من نشوة استشعار أن الله عزوجل يسمعه لما سمع النبي يقول (سمع الله لمن حمده)..
هل تسمعها كما سمعها البدوي هذا الذي ما كان يقرأ ولا يكتب؟؟ يا متعلم!! يادارس!! يا متعلمة!! يا دارسة!!، هذا البدوي ما كان يقرأ ولا يكتب جاء من البادية لكنه كان صاحب قلب حاضر، حتى السماوات والأرض ما عادت تكفيتي بأن تمتلأ حمداً أريد أكثر من ذلك أن أحمدك، فلما انتهى المصطفى من الصلاة أقبل عليهم بوجه، الله.. كيف كانوا ينظرون إلى إقبالته إذا التفت إليهم بعد الصلاة بوجه من قابل ربه أعلى مراتب المقابلة، أعظم من قابل العظيم من الخلق أقبل بوجهه المنير عليهم، فقال: “من الذي قد كان قالها آنفا” في رواية أن الأعرابي قال: أنا يا رسول الله، وفي رواية أن الأعرابي أحجم خشي أن يكون قد أساء أو أن النبي تأذى من صوته ومن كلامه، فكررها صلى الله عليه وسلم “من الذي قد قالها آنفاً فلقد رأيت بضع وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يثبتها في صحيفته“، قال أنا يا رسول الله تأكد أن المسألة فيها رضى..
وهذا درس كيف رسول الله شرع لنا أصبحت سنة تقريرية - السنة قولية قالها رسول الله وفعلية فعلها رسول الله وتقريرية أقرها رسول الله؛ النبي رأى أحد الصحابة يعمل عملاً فيقره عليه فتكون سنة - فكان إقرار النبي للصحابي الأعرابي علمنا كيف نتعلم ممن معنا، رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح بعد ذلك يقولها عندما سمعها من أحد أتباعه.
فإذا قال الإمام (الله أكبر) وسجد، تهيأت لحضرة السجود..
التشهد، ومقام الشهود

فإذا جلست بين السجدتين استشعر معنى الأدب، جلسة الافتراش التي تكون بين السجدتين فيها نوع تهيب أو شعور بالهيبة، فتذكر الله وتستغفر، ثم تعود إلى السجدة ترتقي معنى آخر من معاني القرب، ثم تقوم إلى الصلاة من السجود فترفع رأسك وتنتهض قائماً بين يديه بعظمة الوقوف، تدوم على هذا الحال حتى تصل إلى التشهد.
تستشعر بالتشهد أنك دخلت إلى حضرة خاصة، جاء في بعض الروايات - البعض ضعف سندها لكنهم ممن يصح روايتهم في مثل هذا الموضع، أن أصل التحيات موقف حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج، لما جاوز السبع الطباق في السماوات وإذ جاوز سدرة المنتهى تأخر جبريل وتقدم سيدنا محمد، يا محمد أنت إذا تقدمت اخترقت أي اخترقت هذه الأنوار وأنا إن تقدمت احترقت، كل واحد له مقام، نعم كل له مقامه وهذا سيدنا محمد، فلما وصل إلى حضرة خاطبه فيها الحق عزوجل بغير واسطة ونازله من حضرة الحق ما نازله في تلكم الحضرة، حيا ربه “التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله” فجاءه الخطاب من الله “السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته” فذكر صلى الله عليه وسلم من صلح من أتباعه فقال “السلام علينا“ تلقى السلام من الله ثم أفاضه صلى الله عليه وسلم على الصالحين “السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين“..
هذا المعنى تعيشه في معراجك أنت في كل صلاة؛ في حضرة خاصة في كل صلاة، فإذا قلت التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله استشعرت أنك في حضرة خاصة أنك تخاطب الله، ثم تسلم على سيدنا محمد - بأي قول بأي رواية أخذت بقصة المعراج هذه أو لم تأخذ لا إشكال- في النهاية هل ثبت أنك تسلم على رسول الله في التحيات، أنت تسلم على رسول الله في التحيات؛ فأنت في حضرة الله في الصلاة التي تدخل فيها تخاطب الله الذي توحده سبحانه علمك رسول الله بما أمره الله به أن تسلم على سيدنا محمد وأنت في الصلاة؛ فسيدنا محمد معك وأنت في صلاتك تسلم عليه، ما معنى معك؟ أي تستحضر أنك تسلم عليه، هذا من عظمته من رفعة قدره عند الله جعلنا الله عزوجل نعبده سبحانه وتعالى وفي عبادتنا له سبحانه وتعالى نسلم على سيدنا محمد؛ هل تصح صلاتك من غير أن تسلم على سيدنا محمد؟ الفقهاء قالوا لا تصح الصلاة بدون أن تسلم على سيدنا محمد، في الصلاة؟ في الصلاة تسلم على سيدنا محمد وأنت تصلي..
وهذا متصل بالتوحيد مرتبط بعمق التوحيد، لهذا جعلت شهادة التوحيد مرتبطة بعدها مباشرة، تقول “السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين” لا يوسوس لك الشيطان أن ذكر الصالحين وأنت في الصلاة ربما يوصلك إلى الإخلال بالتوحيد، “أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله” ففي صلاتك توحيدك جاء بعد ذكرك للصالحين وسلامك على الصالحين، كيف لا نحب الصالحين!! كيف لا نتعلق بهم!! المرء مع من أحب ثم بعد ذلك تصلي على أصلح الصالحين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هذه صلاتنا هكذا علمنا رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى (ومَا ينطقُ عنِ الهَوى إن هُو إلاّ وَحيٌ يُوحَى) أين نذهب بهذا البرهان، الصلاة هكذا في صلاتك في حضرتك مع الله آخر ما تقوله تصلي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، منتهى معراج الصلاة منتهى ما تصل إليه في صلاتك في قربك من الله أن تصلي على سيدنا محمد، (اللهم صلِّ على سيدنا محمد) أو قلت (اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم..) أو قلت (اللهم صلِّ على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل سيدنا محمد وأزواجه وذريته كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم…) على أي نحو هذه كلها وردت، إن أدخلت لفظ السيادة فهو اختيار كبار الأئمة من علماء المسلمين، وإن اختصرت على الموصوف عليه اللهم صلي على سيدنا محمد فهو اختيار لكبار أئمة المسلمين، كلاهما قائم، ثم بعد ذلك تأتي بالدعاء الوارد قبيل التسليم وتسلم،..
نحن نعبد السلام !!

تختم صلاتك بالسلام لتستشعر أنك جئت من حضرة السلام سبحانه وتعالى، ويتعلم العالم أجمع أن السلام ليس مجرد ألفاظ تذكر في المؤتمرات أو وسائل الإعلام، مهما تكلم العالم اليوم عن السلام فلن يعرفوا السلام ولن ينالوه، السلام ليس بكلام، السلام اسم من أسماء الله..
إذا جاءت اليوم أمم أو ثقافات تتحكم في السلام فنحن معاشر المسلمين نعبد السلام، هم يحترمون السلام نحن نعبد السلام إلهنا هو السلام سبحانه وتعالى، لكن معنى السلام الذي نتحدث عنه بدايته تنبع من باطن الإنسان، حقيقة هذا السلام وسكونه وطمأنينته وأمانه تنبع من الداخل، فلهذا من جاء من حضرة السلام واجه العالم بالسلام سبحانه وتعالى..
فيقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل تكلم إذا كان بجانبك أحد من الناس؟ نعم تقصد بذلك من على يمنك وجميع المسلمين من الإنس والجن والملائكة أجمعين فإذا لم يكن بجانبك أحد تقولها أو لا تقولها طيب تقول لمن ليس بجانبك أحد، تقولها لتشعر نفسك وتخاطب الأكوان التي تحيط بك انك تسلم على جميع هذا الكون من حضرة خالق الكون سبحانه وتعالى، وتعلم أن حقيقة صلاتك أنك تنطلق من حضرة الله إلى حضرة الله، فتخاطب الناس بالله سبحانه وتعالى تخاطب الناس بحالك مع الله، الذي يخاطب الناس بعد الصلاة بمعنى حال الصلاة لا يمكن أن يغش لأنه مع الله، لا يمكن أن يكذب لأنه مع الله، لا يمكن أن يسرق لأنه مع الله لا يمكن أن يهريق دماً بغير وجه حق لأنه مع الله، لا يمكن أن يقتل النفس التي حرم الله لأنه مع الله، لا يمكن أن يسيء إلى الآخرين لأنه مع الله..
ننصرف من هذا المجلس

بأن يذهب إلى البيت، وهو بالسلام إلى البيت داخل، ويتحرك في هذا الوجود بسر اسم السلام سبحانه عزوجل تعالى في علاه، وهكذا نصلي، بل أقول هكذا تبتدأ الصلاة وما جرى على اللسان، هو بدايات لمعاني الحضور مع الله في الصلاة، وإلا فالحقيقة أكبر وأكبر، ومن جاهد نفسه في الصلاة على شيء من هذه المعاني من غالب نفسه، تأتيك الخواطر ستشغلك لكن كلما تنبهت أعرض عنها لا تناقشها حتى تطردها اعرض عنها وواصل، أنت مع الله الآن ما عندك وقت تناقشها، ومن جاهد نفسه حضر مع الله..
* فائدة : كان شيخنا الحبيب عمر (http://www.alhabibomar.com/) يُسأل: كيف يكون الحضور مع الله في الصلاة؟ السائل قال أوجز لي فقال له: (أوله تكلف وآخره تألف)، أوله مجاهدة تدفع الخواطر تدافعك، وآخره تألف أي تألف روحك الحضور مع الله، وإذا ألفت في كل صلاة ستذوق معاني أعلى من المعاني التي سمعتها، وفي الصلاة التي بعدها ستذوق معاني أعلى من الصلاة التي قبلها..
رزقنا الله وإياكم كمال الحضور معه، يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يا من ليس لنا رب سواه، نسألك اللهم كما أكرمتنا بإجراء المعاني للحضور معك على اللسان أن تحقق بها الجنان، لا تجعل حظنا منها مجرد لقلقة اللسان، ولا مجرد استماع الآذان، اللهم اجعلنا من الحاضرين في حضرتك، المكرمين بشريف نظرتك، إلهي وسيدي، مضت أعمارنا وقلوبنا غفـّل عن هذه المعاني، نسألك اللهم فيما بقي من الأعمار أن تغمر جميع صلواتنا بأنوار الحضور معك، اجعلنا من أولئك يا حي يا قيوّم، لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، اللهم أعنـّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وصلِ اللهم وسلم على إمامنا في ذلك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

محب الحبيب علي
20 Sep 2008, 09:15 AM
الدرس الثامن عشر - الحضور في الصلاة


الحمد لله الذي يمن على قلب عبده إذا صدق في الوجهة إليه بنور الحضور بين يديه والصلاة والسلام على إمام أهل الحضور في حضرة الله سيدنا محمد الذي قال “صلوا كما رأيتموني أصلي” اللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته وأصحابه وتابعيهم والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.


كيف كانت صلاتك يا من سمع المجلس الماضي هل حضر قلبك؟ هل استشعرت قيمة الله أكبر عند دخولك إلى الصلاة؟ هل استشعرت معنى الاستفتاح في حضرته؟ هل كان قولك وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض يصدقه حالك؟


هل قلت: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، فكان لله رب العالمين؟، هل استشعرت جمع قلبك على الله عندما كان الله عزوجل يكلمك في الصلاة، حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي هل استشعرت هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وهل سألت؟ كيف كان حضور قلبك مع الله في الصلاة بل كيف كان استشعارك لمفهوم الأذان عندما لامس أذنك صوت المؤذن، قائلاً الله أكبر هل استشعرت الفرح بموعد بلقاء المحبوب؟ وهل استشعرت وقت قضاء الحوائج وتفريج الكروب؟ وهل استشعرت وقت العروج إلى حضرة علام الغيوب؟، هذه المجالس ثمرتها تظهر بالعمل العلم ينادي بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.


وفي هذا المجلس تذكير لي ولمن يحضر بأن حضور القلب مع الله عزوجل في الصلاة ودفع الوساوس والخطرات والغفلة أثناء الصلاة هو ثمرةٌ لمجاهدة، قد يأتي من الله فتحاً بنظرة من الله يجذب بها قلب عبده إلى معنى الحضور معه، لكن الأصل وسنة الله في هذه الحياة أن الوصول إلى الحضور يكون ثمرة لمدافعة خواطر النفس يكون ثمرة للمجاهدة، يكون ثمرة لاستشعار عظمة المذكور سبحانه، أيضاً قالوا أن الحضور مع الله في الصلاة لا يتفق وصفة الكبر، فمن أقر نفسه على الترفع والكبر والعياذ بالله يصعب عليه أن يحضر قلبه مع الله، حضور الجسد أن تستقبل القبلة أن تحضر إلى المسجد حضر جسدك وقام، لكن حضور القلب أن يتصل قلبك بمن تقف بين يديه ولا يتأتى للقلب أن يتصل بمن تقف بين يديه سبحانه وتعالى مادام القلب لم يتهيأ للصلة، وتهيأ القلب للصلة إنما يكون بالأدب مع المتصل به سبحانه وتعالى.


وصول الدكتور البوطي..
ما شاء الله، الحمد لله الذي منّ علينا بحضور شيخنا وعلمنا ومربي الجيل ومعلم الجيل سيدي ومولاي الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، حيث أكرمنا الله عزوجل بقدومه هذه الساعة في هذا المجلس، ومعه أخي الدكتور محمد ابن عبد الستار السيد وزير الأوقاف في هذا البلد، أسأل الله أن يبارك لنا في حضور الشيخ وأن يرزقنا حسن الانتفاع به.


والحديث في هذا المجلس بعد ذكر أهمية الحضور مع الله وضبط الفرائض في أوقاتها وفي أوقات الفضيلة منها على أنه محور لترتيب وقت السائر إلى الله إذ أن وقته رأس ماله، يأتي الحديث في هذا المجلس عن أهمية الرواتب والوتر والضحى، مع استشعار مفهوم الذكرِ وأهمية الذكر في السير إلى الله عزوجل، والذكر سلطان الكرب، والرواتب مكملات للفرائض إن نقص شيء من الفرائض بغير قصدٍ تـُكمل من النوافل والرواتب، وفي هذا الميدان (ميدان الذكر) والحضور مع المذكور سبحانه وتعالى، لسيدي الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي باعٌ كبير تعلمت منه الكثير من معاني الحضور مع الله بكلماتٍ سمعتها في مجالسه ومن حالٍ شهدته فيه، لهذا أرجو أن يتكرم شيخنا علينا في هذه الليلة لاستكمال الدرس في هذا المجلس حول هذا المعني، اتحبون أن تسمعوا من سيدنا الشيخ؟ هذا طلب من الجميع حاشاكم أن تردوه سيدي، فتفضلوا.
سر الحضور في سر العبودية لله.. الدكتور البوطي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وأسأل الله سبحانه وتعالى مغفرته وستره وأصلي وأسلم على حبيبنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه صلاة وسلام دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وبعد:
فإن الذي حدا بي بمعية وزير الأوقاف الدكتور محمد عبد الستار السيد إلى هذا المجلس: الحاجة، أقولها عن نفسي أولاً الحاجة إلى أن أسمع وأن أصغي لا سيما وقد عرفت أن الموضوع لا سيما وأن عرفت أن الموضوع هو كيفية السير إلى الله سبحانه وتعالى، فأنا بأمس الحاجة لأن أسمع وأن أتعرض للمجالس التي ترقق قلبي القاسي والحقيقة أعاني في هذه الأيام قسوة في قلبي ولا أدري السبيل إلى ترقيق فؤادي والتخلص من هذه القسوة التي رانت على قلبي، لا شك بسبب ذنوبي والآثام التي أتعرض لها ولكن حبيبنا الحبيب فوت عليّ هذا الهدف الذي جئت بمعية السيد الوزير للوصول إليه وللتحقق به.
سر العبودية

ما دام الحديث عن الصلاة أيها الإخوة فينبغي أن نلاحظ أن الإنسان تتكامل عبوديته وتستيقظ إن كانت غير مستيقظة في الصلاة لا سيما عندما يناجي ربه عزوجل وهو يتلو فاتحة الكتاب، عبودية الإنسان تستيقظ بين جوانحه من خلال حقيقتين اثنتين:
أولاً العزم على الانقياد لأمر الله سبحانه وتعالى والخضوع لسلطانه وحكمه، وثانياً إعلان الافتقار لله سبحانه وتعالى والعجز الكلي عن النهوض بما قد طلب منه وإعلان التقرب لا أقول من حوله بل من أوهام حوله وقوته .
فإذا تمتع الإنسان بهاتين الحقيقتين العجز عن أن ينهض بكل ما قد أمر به الله عزوجل والابتعاد عن كل ما قد نهى الله عنه ثم إعلان عجزه الكلي عن القيام عن كل ماقد طلب منه فقد تحقق بأعلى رتب العبودية لله
ما الذي يضمن يقظة هاتين الحقيقتين بين جوانحه؟

عندما يخاطب الله عزوجل قائلاً (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) في الجملة الأولى يعلن عن عزمه وانقياده لله عزوجل، والعزم حقيقة خفية في كيان الإنسان لا تحتاج إلى قوة بل ليست هي من مقولة القوة أو العجز، العزم: هو توجه الإرادة إلى تنفيذ ما قد طلبه الله عز وجل مني، يعبر عن هذه الحقيقة قول الله سبحانه الذي يعلمنا كيف نخاطب الله به (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ولكن عندما عزمت على هذا الأمر فوجئت بعجزي فوجئت بعدم قدرتي على أن أفعل أي شيء إلا بتوفيق من الله عز وجل، من أنا؟ لايتأتى مني شيء، أفعالي كلها تتم بخلق الله؛ الآيات التي أتلوها وأحرك لساني بها إنما يتم ذلك بخلق الله عز وجلّ، وقوفي بين يدي الله عز وجل قائماً وواقفاً بتوفيق من الله وبقدرة من الله، ركوعي وسجودي كل ذلك بالله سبحانه وتعالى، فكيف أقول إياك نعبد وأنا العبد العاجز، هنا يأتي الاستدراك في الجملة الثانية (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أي أستعين بك فأعني لتنفيذ ما قد عزمت عليه، أعني لتنفيذ هذا الذي عاهدتك عليه أن أكون عند أوامرك، لا أتقاعس عن شيء منها، بعيداً عن نواهيك، لا أقع في شيء منها، نعم.. إن لم تعني فأنى لي لا أستطيع أن أنفذ ما قد طلبته مني..
مهما تاه الإنسان وشرد في صلاته عن الكلام الذي يخاطب به ربه، ما ينبغي أن يشرد عندما يصل إلى هذه الآية، إلى هاتين الجملتين (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) إذا نطق بها لإنسان من أعماق قلبه وخاطب ربه بها بكل مشاعره لاشك أن النجدة ستأتيه (إياك نستعين)، إذا كان قبل أن ينقاد إلى تنفيذ أمر الله، وقبل أن يلبي المؤذن الذي ناداه ودعاه إلى الصلاة يعاني من شهواتٍ اثاقل حملها عليه، يعاني من أهواء تشده إلى الوراء، يعاني من رغبات دنيوية يعاني، من قسوة في قلبه، يعاني مما تعرفون، عندما يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى بصدق ويقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تأتيه النجدة من الله سبحانه وتعالى تقول له: لبيك..
سر دوام الافتقار والانكسار

كم وكم شاء الله عز وجل أن ألتقي بأناس شاردين تائهين عن صراط الله عز وجل ولكني أعلم أنهم يتمنون لو أن الله سبحانه وتعالى جذبهم إليه دون جهدٍ منهم كثيرون هؤلاء، أقول للواحد من هؤلاء هل طرقت بابه؟ هل التجأت إليه؟ هل تضاءلت ملتصقاً بأعتابه؟ هل شكوت إليه عجزك؟ هل شكوت إليه دخان شهواتك وأهوائك؟ يقيناً أنك لم تفعل ذلك، لأن الله سبحانه وتعالى شأنه أن يستجيب، أن ينتظر التجاءك إليه، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) معنى أنه قريب أي سريع الاستجابة لمن التجأ إليه، لمن شكا إليه مرضه، لمن شكا إليه سوء حاله، إن كانت الأهواء قد قيدتك، إن كانت محبة الدنيا وشهوات والرغائب المختلفة قد شدتك إلى الوراء فاستغث بمولاك وخالقك، من أنت؟ أنت لا تملك حولا ولا قوة بشكل من الأشكال.
قف بين يديه وقل (إِيَّاكَ نَعْبدُ) وأنت تعني أنك قد عزمت على أن تكون عند أمر الله سبحانه وتعالى، ثم قل له ولكن يا ربي أنا عاجز (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) إن أنت فعلت هذا جاءتك النجدة من الله سبحانه وتعالى، هذه النجدة يحتاج الانسان إلى أن يكرر التجاءه إلى الله سبحانه وتعالى بها، لأن الشيطان لا يتركه، إن تركه ساعة وتغلب على الشيطان بالتجاءه إلى الله سبحانه وتعالى فلسوف يعاود الشيطان الكرة تلو الكرة ولكن صلاته التي تتكرر أيضاً المرة تلو المرة هي التي تجعله يقارع نفسه كلما أرادت أن تتسلط عليه، يقارع شيطانه كلما أراد أن يتغلب عليه ولذلك شاء الله عزوجل أن يكرمنا بالصلاة هذه في اليوم والليلة خمس مرات، كلما رأيت نفسك قد ابتعدت عنه واحتوشتك الأهواء والشهوات تكون قد حانت ساعة الصلاة الآتية، تعود إلى الله عزوجل مرة أخرى وتقول له (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) يارب ها أنا أعود مستعيناً بك.
إن كنت تعاني من أزمة مالية أو في الأسرة إن كنت تعاني من أزمة نفسية وشهوات وأهواء تغلبت عليك فاعلم أنك تستطيع بخطوة واحدة تتحول من هذه الحالة حالة العجز إلى أعلى حالات الإنتصار على النفس، المسألة تحتاج إلى أن تتذلل وأنت تقف بين يدي الله عزوجل.
الطريق إلى الله.. خطوتان!!

رأيت كلاما للبرهان المؤيد أظن، لسيدي الشيخ أحمد الرفاعي، سُأل.. كيف الوصول إلى الله ما هو السبيل الذي به نصل إلى الله عزوجل ونتخلص من أهواءنا؟ فقال هما خطوتان: الخطوة الأولى تضع فيها قدمك على عنقك والخطوة الثانية تصل فيها إلى الله، معنى ذلك أن الخطوة الأولى هي التذلل أن تتذلل لله عزوجل وأن تعلم أنك لا شيء نهائياً هذا معنى أن تضع قدمك على رقبتك، الخطوة الثانية تكون فيها قد وصلت إلى الله عزوجل يعني حطم نفسك التي تقف حاجزاً بينك وبين الله سبحانه وتعالى، اسأل الله سبحانه وتعالى أن يمتعنا بذل العبودية له وأن يشعرنا بأننا لاشيء، ولكن أسأله سبحانه وتعالى أن يملآ أفئدتنا بالحقيقة التي تتمثل بهذه الجملة المختصرة (إذا التجأنا إلى الله سبحانه وتعالى فإن الواحد منا يصبح كل شيء).. فأنت بدون استعانة بالله لا شيء وعند الإستعانة الحقيقية بالله تصبح كل شيء.
نسأل الله عزوجل أن يجعل صلاتنا التي اكرمنا بها والتي نقف بها بين يدي الله سبحانه وتعالى، علاجنا علاج أدواءنا وأمراضنا وأن يجعلها سر تحولنا من حالة قسوة القلب وأنا اعاني في الواقع من هذه الحالة، إلى رقة القلب والى المستوى الذي يرضى الله سبحانه وتعالى، وأرجو أن نعود ونصغي إلى التتمة من هذا الحديث لحبيبنا الحبيب، تفضل أخي أنا أديت واجبي ..
استشعار النقص، هو عين القوة!! الحبيب علي الجفري ..

الحمد لله على ما أسمع وعلى ما أجرى على قلب ولسان سيدي الشيخ.. وبقي في نهاية هذا المجلس أن أذكـّر نفسي وأن أذكر من حضر، ومن حضر من وراء أجهزة التصوير، ومن سيسمعنا بعد بث هذه المجالس، أن حقيقة الإنكسار والافتقار والذلة هو استشعار النقص الذي هو حقيقة في داخل الإنسان، هي عين القوة التي يفتقر إليها السائر إلى الله، وهي عين القوة التي تحتاج إليها أمتنا اليوم، إن أمة يكثر فيها أصحاب القلوب المنكسرة لله عزوجل التي يثمر انكسارها معنى الحضور مع الله لتتلقى هذه القلوب أنوار الحضور مع الله، فتخرج من الصلاة بالصلاة، هناك من ينصرف من الصلاة إلى الحياة، أي: وكأنه انصرف من الصلاة مغادراً الصلاة إلى الحياة، فكأنه كان في وقت يصلي فيه لله وفي وقت آخر يعيش حياته، لكن أصحاب الحضور مع الله بهذا المفتاح الذي سمعنا الحديث عنه في مجلسنا هذا بما أكرمنا الله به من حديث على لسان سيدي الشيخ محمد سعيد حفظه الله، معنى الانكسار والذلة توقف الإنسان على الحقيقة والحقيقة تقرب من الحق سبحانه وتعالى والقرب من الحق يفيض على قلب المتقرب من الله إفاضات الإمداد من الله، وفيض الإمداد من الله إذا فاض على قلب العبد استمد من الله القوة فيتبدل ضعفه قوة وعجزه قدرة وفقره غنى وذلته عزة، حقيقية وليست صورية، فينصرف من الصلاة إلى الصلاة، لو أن عـُشر المسلمين اليوم ينصرفون من الصلاة بالصلاة ولا ينصرفون من الصلاة عن الصلاة لتحول حال الأمة أجمع .
الدين والدولة والفن والمال، تجمعهم الصلة بالله

وقبل أن نختم هذا المجلس متهيئين للمجلس القادم بإذن الله عزوجل للحديث عن الذكر والحضور مع المذكور سبحانه وتعالى لنخلص بعد ذلك للحديث عن مراتب النفس وترقياتها، أود من إخوتي الحاضرين أن ينظروا إلى صدر هذا المجلس، كما أود من أخي المبارك محمد بايزيد المخرج أن يوجه التصوير الى صدر المجلس، في صدر هذا المجلس يجلس الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي العالم الرباني، أعلم أن المؤمن إذا مدح في وجهه ربى الإيمان في قلبه، هو مظهر العلم لا في الشام بحسب بل في العالم أجمع إلى جانبه يجلس أيضاً من هم من أهل العلم لكن ممثل ولي الأمر، وبجانبه أحد البارزين في ميدان الفن محمد رفيق السبيعي..


ما الذي يجمع هؤلاء الثلاثة على هذه المائدة؟ إن شئتم قلتم عظمة الإسلام وإن شئتم قلتم عظمة السير إلى الله عز وجل، وإن شئتم قلتم بركة الشام التي دعا لها النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة، لم أقصد هنا مدح الشام وإن كان مدح الشام قربة، غير أني أريد هنا أن ألفت النظر إلى أن أمتنا فيها من مخبآت الخير الكثير، فلو أن الأمة كثر فيها مثل هذا المنظر: جلوس وارث رسول الله صلى الله عليه وسلم من العلماء مع ولي الأمر مع من فتح الله له باب التفنن في مخاطبة عقول وأنفس البشر ولو أضيف إليهم رابع وهو الذي ائتمن على المال من التجار في هذه الأمة، وحصل في هذا الجمع معنى الجلوس على مائدة طلب القرب من الله كما نحن الآن في هذا المجلس، لو دامت هذه الصلة في بلدان المسلمين على هذا النحو لرأيتم تغيراً كثيراً في أحوال هذه الأمة إلى الأرقى وإلى الأفضل .
ننصرف من هذا المجلس

في خاتمة مجلسنا هذا بم تنصرفون من هذا المجلس إضافة إلى الكلام والعلم الذي تعلمناه هناك دروس كثيرة، رأيتم كيف يتعطف الكبير على الصغير فيأتي إلى مجلسه، نعم، المتكلم إن جئنا عند الإنصاف لا أصلح لأن أكون في طبقة تلاميذ تلاميذ تلاميذ تلاميذ الشيخ محمد سعيد البوطي، ومع ذلك نرى الكبير متعطفاً على الصغير ويأتي ويقول وهو صادق أنه جاء بنية أن يرقق قلبه، بنية أن ينتفع أن يستمع، هذا شيء هو من كنوز هذه الأمة التي كان منتشراً فيها في الأجيال التي مضت وبدأ يقل في زماننا حتى صار الصغير يسكر من زبيبة معلومة عنده، أو حسن كلام أو طلاقة لسان كالمتكلم فيرى أنه مستغني عن الكبار (الصغير يرى أنه قد استغنى عن الكبار)، لكن الأصل في الإرث النبوي أن الكبير كلما كبر كلما ازداد افتقاراً إلى الله واستمداداً من فضل الله بما يراه على خلقه كباراً وصغاراً، هذا المعنى هو في حد ذاته درس لا ينبغي أن يفوت في خضم استمتاعنا بالدرس الذي سمعناه من لسان الشيخ درس الحال الذي رأيناه في هذا المجلس.
أسأل الله عزوجل أن يمتعنا في عمر الشيخ ويمد في عمره مع العافية الكاملة وسائر علمائنا، أسأل الله أن يبارك في هذا البلد وأن يري العالم سر البركة التي أودعت فيه من دعاء الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، “اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا“، اللهم إنها أخوة قد عقدها حبيبك المصطفى ولا ينقض عهده صلى الله عليه وسلم فضاعف هذه البركة، وأدم هذه البركة وابسطها على الوجود شرقاً وغرباً يا أكرم الأكرمين، اللهم بارك لنا في الجامع الأموي وبارك لنا في أسرار وأنوار من تقدم فيه من أصحاب رسول الله وآل بيته وتابعيهم ومن سلف من أئمتنا وعلمائنا .
اللهم وإنك أسمعتنا في هذا المجلس حديثاً غضاً طرياً عن معنى الحضور معك وعن سر الانكسار لك والتأدب معك وطلب الوصول إليك عبودية واستعانة، فاجعل اللهم ما سمعناه يقر في قلوبنا ولا تجعل حظنا منه مجرد استماع الآذان، اللهم اجعل له حقيقة تقِرُّ في الجـَنان وتستجيب لها الأركان يا حنان يا منان، اللهم اجعلنا ممن سبقت لهم سابقة العناية وأدركتهم لاحقة التوفيق برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد آله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

محب الحبيب علي
20 Sep 2008, 08:12 PM
مشايخ في علم السلوك


- الأسماء المذكورة لمشائخ في فن وعلم السلوك والتزكية دون غيرهم من أهل الفضيلة العلماء في باقي الفنون والعلوم الإسلامية الأخرى ..
- هذه الأسماء على سبيل الذكر لا على سبيل الحصر، واختص بها من عرفهم فضيلة الحبيب شخصيا..
.
*الأردن : سماحة المفتي الشيخ نوح القضاة، والشيخ اسماعيل الكردي
*الإمارات : الشيخ عبدالرحمن عمورة “أبوظبي”
*الجزائر : الشيخ عبداللطيف بالقايد
*الدنمارك : الشيخ د.عصمت المجددي
* السعودية : السيد ابراهيم الخليفة والشيخ يحيى الملا “الأحساء”، والسيد محمد عبدالرحمن السقاف “جدة”
*العراق : مشايخ الزاوية الفيضية بالموصل، والشيخ سعد عبدالله البرزنجي
*الكويت : أ.د. الشيخ محمد عبدالغفار الشريف (http://www.dralsherif.net/)، والشيخ محمد ياسر القضماني
*اليمن : الشيخ أبوبكر بن علي المشهور (http://www.goraba.com/) “عدن”، والشيخ عمر بن محمد بن حفيظ (http://www.alhabibomar.com/) “تريم”
* بريطانيا : أ.د. الشيخ محمد أبوبكر باشعيب، و أ.د. الشيخ عبدالحكيم مراد Timth Winter كامبردج
* سوريا : الشيخ شكري اللحفي و د.الشيخ محمد سعيد البوطي (http://www.naseemalsham.com) والشيخ هشام البرهاني “دمشق”، والشيخ سعيد الكحيلي والشيخ عدنان السقا “حمص”
* لبنان : الشيخ أحمد الكردي، والشيخ باسم عيتاني والشيخ أمين الكردي
* مصر : سماحة المفتي أ.د الشيخ علي جمعة (http://www.alimamalallama.com/)، والشيخ أحمد الريان

محب الحبيب علي
21 Sep 2008, 09:20 AM
الدرس التاسع عشر - الجمعة والرواتب


الحمد لله الذي يكرم الصادق في السير إليه، بنور المواظبة والثبات والاجتهاد مع الأدب، وصلى الله على إمام أهل الصدق في ذلك كله سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سلك على نهجه إلى يوم الدين ..
بعد أن حضرنا في المجلس الماضي مائدة أكرمنا الله بها، وبحضور شيخنا الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله تعالى وأمتع به مع العافية الكاملة، وما ذكـّرنا به من ارتباط الانكسار لله عز وجل بحقيقة الحضور مع الله، تذكرون عندما قال نقلا عن الإمام أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى، بأن الطريق إلى الله خطوتان..

خطوة تضع فيها قدمك على عنقك، ثم الخطوة الثانية تصل بها إلى الله -كلام راقي- تضع قدمك على عنقك بمعنى أن تستعين بالله في أن تكون قوياً على نفسك، في أن تجلِس نفسَك في مكانها (عبد)، بأن تجاهدها هي لا تريد ذلك في أول الأمر تحتاج إلى مجاهدة حتى ترتقي في ذلك .. سيأتي الحديث إن شاء الله بعد مجلسين من الآن عن مراتب ترقي النفس وكيف يرتقي الإنسان في كل مرتبة من مراتبها، لكن الأساس في حصول هذا الترقي مع الإنكسار وتصحيح النية الثبات والمواظبة.. “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل” أنت عندما ترى مورد المياه تنزل منه قطرة تلو قطرة تلو القطرة وكل قطرة تنزل على الصخرة، لا يمر وقت إلا وهذه القطرات قد أحدثت ثقباً في الصخرة، بينما لو جمعنا جميع الماء الذي حصل في هذه المدة التي تحصل منها خرق الصخرة وصببناه صب مرة واحدة على هذه الصخرة لما خرقت هذه الصخرة، مرة واحدة وبنفس الكمية لما خرقت الصخرة، لكن الاستمرار والمواظبة يصل بسببها الأثر، ولهذا جاءت عندنا السنن الملحقة بالصلاة، وكان حديثنا عن الحضور مع الله في الصلاة، وعن أهمية الفريضة في وقت الأفضلية وأن تكون جماعة.
الاعتناء بالجمعة والجماعة، والاعتناء بالرواتب والضحى والوتر، أسس في السير إلى الله، لا يـُتصور أن يكون هناك مريد للوصول إلى لله عزوجل وهو متهاون في الجمعة أوالجماعة وهو متهاون في صلاة الراتبة أو الوتر أو الضحى.
صلاة الجمعة

أما الجمعة فهي عيد المسلمين في كل أسبوع وهو اليوم الذي خصصه الله عزوجل لساعة الإجابة، في يوم الجمعة ساعة تمر يجيب الله فيها الدعاء لمن دعاه، وأخفى الله عزوجل هذه الساعة واختلف العلماء فيها فمن قائل بأنها أول ساعة في الجمعة أي مع الإشراق، ومنهم من قال أنها بعد الأذان بين الأذان وصعود الخطيب على المنبر، ومنهم من قال أنها عند الإقامة ونزول الخطيب من على المنبر، منهم من قال أنها عند تسوية الصفوف، منهم من قال أنها بعد الصلاة، وذهبت السيدة فاطمة الزهراء عليها سلام الله إلى أنها آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة أي قبل المغرب بساعة أي بعد العصر إلى المغرب، أخفيت هذه الساعة كما أخفيت ليلة القدر ليعيش المؤمن سر الارتقاب لأن الإنسان عندما يعيش سر الارتقاب، يمكن أن تكون هذه الساعة إذاً اضبط نفسي، لا قد تكون هذه الساعة إذاً أتوجه إلى الله، أن يعيش المؤمن معنى الارتقاب، تعرفون معنى الارتقاب؟ التوقع، الأمل، الرجاء، الطمع، استمرار توقع شيء يأتي من الله؛ ظن الخير من الله عزوجل، هذا يجعل الإنسان في دوام ترقي، دوام ترقي، دوام ترقي، دوام ترقي، لأنه في مدة هذا الوقت الذي يرتقب فيه أن ينال العطاء من الله هو متوجه إلى من؟ وهل حجب القلوب وأخرها إلا انشغالها بالتوجه إلى غيره، فإذا مر عليك الوقت وأنت مرتقب مرتقب مرتقب منتظر الصلاة في صلاة فأنت في ترقي على هذا الحالة.
آداب الجمعة

وأمر آخر متعلق بالجمعة وهو رعاية آداب الجمعة، من آداب الجمعة الاغتسال، لا ينبغي للمريد أن يترك الاغتسال يوم الجمعة إذ أنه سنة ويبدأ وقت الاغتسال منذ طلوع الفجر لكن الأفضل أن يكون قبل الخروج إلى المسجد، والتطيب، ولبس البياض في يوم الجمعة، ولبس عمامة أو على الأقل قلنسوة (الطاقية أو الكوفية) لأن هذا من سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من آدابه صلى الله عليه وسلم، يبكر الإنسان إلى الجمعة جاء في الحديث: “من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام خرجت الملائكة يستمعون الذكر“.
والتبكير إلى الجمعة من السنن المهجورة في زماننا، وإن لها صلة كبيرة في ارتقاء السائر إلى الله كما أن لها صلة بارتقاء الأمة، هي سنة من السنن التي أميتت في أمتنا إلا فيما ندر فلمحييها ثواب من أحيا سنة من سنن النبيمن أحيا سنتي عند فساد أمتي فله أجر شهيد” في رواية “سبعين شهيد” وفي رواية “مائة شهيد” أو كما قال صلى الله عليه وسلم على اختلاف في سند بالروايتين الأخيرتين، والتبكير إلى الجمعة أقله: أن تصل إلى المسجد قبل أن يصعد الخطيب إلى المنبر وأفضل ما يكون: بعد الإشراق، طويلة!! أربع ساعات خمس ساعات ماذا نفعل فيها؟.. الكثير لو أردت أن تروض نفسك، لكن لا بأس ابدأ بأن تحرص على أن تصل إلى المسجد قبل أن يصعد الخطيب إلى المنبر، لا يصعد الخطيب على المنبر يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إلا وأنت قد ركعت السنة وجلست. تحرص على التبكير. صلى الله عليه وسلم “
الدجال ويوم الجمعة

ثم روض نفسك على التبكير أكثر، اجعل مثلاً وردك في يوم الجمعة قراءة سورة الكهف أليست هذه من سنن يوم الجمعة، وقد وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من واظب عليها في ليلة الجمعة ويومها بأن يحميه الله عزوجل من فتنة الدجال.
فتنة الدجال قبل بروز الدجال، ما معنى فتنة الدجال قبل بروز الدجال؟ أي منهجية الدجال التي تمهد لخروج الدجال، منهجية الدجال إيثار الدنيا على الآخرة، اللعب على الناس بتجويعهم؛ ونسمع الحديث عن الأزمة الغذائية وأزمة المياه إلى آخره.. تجويع الناس حتى يتنازل الناس عن مبادئهم من أجل اللقمة، إغواء الناس بتبرج النساء وإغراء المرأة باسم تحريرها بأن تحول نفسها إلى مستعرضة ببدنها وإغواء الناس بذلك، هذه كلها من مقدمات دولة الدجال التي جاءت بالأحاديث المخبرة عنه في آخر الزمان بها، الوقاية من فتنة الدجال قبل بروزه وفي حال بروزه وقد أظلنا زمانه والعياذ بالله من ذلك، المواظبة على سورة الكهف مع التأمل والتدبر مع الترتيل وحسن التجويد لا تأخذ أكثر من نصف ساعة أو ثلث ساعة والبعض ربع ساعة والبعض عشرة دقائق وقد أحسن قراءة سورة الكهف، في كل أسبوع تحافظ على قراءة سورة الكهف، ما رأيك أن تجعل قراءة سورة الكهف في المسجد أي قبل صعود الخطيب على المنبر معناها ستأتي قبلها بوقت.
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

أيضاً ما رأيك أن ترتقي في الصلاة على النبي، أخبرنا صلى الله عليه وسلم وحثنا “أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا” [زيادة الجامع الصغير للسيوطي]، وفي رواية “في الليلة الغراء واليوم الأزهر؛ فإن صلاتكم تعرض علي” [الجامع الصغير للسيوطي]، حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكثر من الصلاة عليه إذاً خذ مسبحتك معك وأنت ذاهب إلى المسجد بعد أن تغتسل وتتطيب وتلبس البياض وتخرج إلى المسجد وتصلي تحية المسجد، واقرأ سورة الكهف انتهيت من قراءة سورة الكهف خذ مسبحتك واشتغل بالصلاة على الحبيب صلى الله عليه وسلم.
* تساؤل: البعض يقول ما الأفضل في هذه الحالة أن أتلو القرآن أم أصلي على النبي؟ نقول تصلي على النبي في هذه الحالة لأن هذا الوقت خصص للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، كما يسأل أحدنا يقول أيهما أفضل قراءة القرآن أم أقول سبحان الله ثلاث وثلاثين بعد الصلاة؟ نقول: (سبحان الله)، لأن الوقت الذي بعد الصلاة الشارع الحكيم جعل المحبب فيه مثل هذا الفعل.
الحضور والاستشعار

ثم بعد ذلك تستشعر حضور قلبك مع الله أثناء الخطبة تصغي إلى ما هو خير من كلام الخطيب وتحضر قلبك في ذلك؛ لا تنشغل بالناس، لا تتكلم مع أحد، لا تتخطى الصفوف، تعال مبكرا، تعرف؟ من رأس مال المريد السائر إلى الله أن يحرص على الصف الأول في يوم الجمعة، هذه مسألة ينساها الكثير من الناس، أحياناً تجد فراغ في الصف الأول وهناك أربعة خمسة صفوف وراءه معنى هذا عدم استشعار قيمة الصف الأول “لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأول ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاستهموا” هكذا أخبرنا صلى الله عليه وسلم، نحافظ على الصف الأول، نجلس بحضور قلب نصغي إلى الخطبة أقيمت الصلاة نقوم بمعنى الحضور للقيام بين يدي الله عزوجل، نحرص على الجمعة، من فوت الجمعة بغير عذر أظلم ثلث قلبه، فإذا فوت جمعتين ثلثي قلبه، ثلاث جمع انطبق القلب والعياذ بالله من ذلك، “من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه” نحرص على حضور الجمعة نحرص على حضور الجماعة، ومر معنا كلام بأن السائر إلى الله الذي لا يبالي بالفرق بين الجماعة وبين الصلاة منفرداً، الفرق بين السبعة والعشرين درجة والدرجة الواحدة كيف يعتبر نفسه سائر إلى الله عز وجل.
الرواتب

نحرص مع ذلك على الرواتب، ما معنى الرواتب أي التي رتبت بانتظام مؤكدة، النبي صلى الله عليه وسلم لم يتركها لا في سفر ولا في حضر.
* تصلي ركعتين قبل الفجر، قال عنهما النبي صلى الله عليه وسلم “ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها” الآن سنتكلم قليلاً عن جدول عمل أكثر من كونه الخوض في معاني، لكن هذا جدول للعمل هو وقود اشتعال المعاني في قلبك وقود يستضئ بسببه قلبك بأنوار المعاني، لكن متى؟ بعد المواظبة، “ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها” قال صلى الله عليه وسلم، اسمع هذا عمل؛ ركعتين ما تأخذ خمس دقائق، لكن مع هذا العمل هناك معنى؛ عندما تقوم تصلي وأنت معتقد في قلبك أن هذه الركعتين خير من الدنيا وما فيها، ثم تنصرف إلى عملك هل سترضى أن تضيع دينك من أجل دراهم! رشوة! غش! عدم إتقان في العمل! ستقبل هذا؟ أنت علمت أن ركعتين فيها صدق إقبال على الله خير من الدنيا وما فيها، إذاً أنا أبيع آخرتي بشيء يعتبر جزء قليل من الدنيا، المليون ما نسبته من الدنيا؟ طيب العشرة ملايين ما نسبتها من الدنيا، المئة المليون المليار ما نسبته من الدنيا؟ نسبة قليلة من الدنيا والدنيا وما فيها لا تساوي ركعتي الفجر، فهمت؟، إن فهمت هِمت، وعرفت قيمة الكلام هذا؛ أن الدنيا ما تساوي الركعتين هذه التي تصليها قبل الصبح، أيها المريد للقرب من الله.
* صليت الركعتين قبل الفجر ائت بمائة مرة إذا حضرت المسجد في أول الوقت أو مع من تصلي معهم (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أستغفر الله) مائة مرة جاء في فضلها روايات عدة، ثم تأتي بدعاء الفجر وفيه فتح كبير تجده في هذه الصفحة، ستجده في كتاب الأذكار للإمام النووي، تجده في كتاب بداية الهداية للإمام الغزالي الذي مطلعه (اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها شملي…) إلى آخر الدعاء، ثم تسبح التسبيحات التي ذكرناها قبل الإقامة (سبحان الله، ولا إله إلا الله، والحمد لله، والله أكبر، أستغفر الله) كل واحدة منها عشر مرات، (هذه لي، هذه لي، هذه لي، هذه لي، ثم يقول الله عندما تطلب المغفرة… قد فعلت)، فإذا أقيمت الصلاة تعلمنا في المجالس الماضية كيف يكون حالنا مع الصلاة، هذه قبلية الفجر ركعتين.
* قبل الظهر ركعتين جعلتها أربع نعم، ما قدرت على الأربع الوقت ضاق لا أقل من ركعتين احرص عليهما، بعد الظهر ركعتين جعلتها أربع، الله… هناك حديث في ابن ماجه لو قرأته لهمت طرباً في ما يحصل للمواظب على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعد الظهر، “من صلى قبل الظهر أربعاً، وبعدها أربعاً، حرمه اللَّه على النار” .
* بعد المغرب ركعتان، بعد العشاء ركعتان، مجموع هذه عشر، هذه هي السنن الراتبة، إذا واظبت عليها نلت رتبة في السير إلى الله إذا واظبت عليها ستشعر أن هناك سياج حول الفريضة قد بني، من كان يشكو من نفسه تكاسلاً في أداء الفريضة أو تقصيراً أو خلو قلب عن الحضور يحيط الفريضة بسياج من هذه الرواتب، واظبت على هذه الرواتب شهر شهرين ثلاثة أشهر طالب نفسك بالزيادة.
المريد.. همه دوما المزيد

* احرص على صلاة الوتر النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا” خطيرة!! مخيفة هذه!!، لهذا ذهب عدد من ساداتنا الأحناف مذهب الإمام أبي حنيفة إلى وجوبها، أوتروا ولو بركعة، “أوتروا يا أهل القرآن” يقول النبي صلى الله عليه وسلم، لا تنام إلا عن وتر إلا أن تكون متأكد أنك تستيقظ ما شاء الله ضبطت نفسك تستيقظ قبل الفجر وتصلي ثلاثاً في هذه الحالة أفضل تؤخرها، لكن لا الاحتياط لا تنام إلا وقد صليت الوتر، استيقظت آخر الليل اشفع وواصل ثم أوتر، أو حتى واصل على ركعتين ركعتين ما هناك إشكال، المسألة فيها سعة عند أهل العلم المهم لا تنام إلاعن وتر، واظبت على الوتر -هذا برنامج عمل- والآن.
* صلاة الضحى، كانوا يذكرون عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: (من أراد ترك المعاصي فعليه بصلاة الضحى) مهمة أم غير مهمة؟ أنت ملأت الجدول متى سندرس ومتى سنشتغل ومتى سنقوم بأعمالنا؟ لا والله ما تعبّأ صدقني بس ابدأ ابدأ بالعمل، تريد نحسبها بالورقة والقلم يضيق وقت المجلس لكن احسبها أنت!! بالتدريج ستجدها راخية ويسيرة على القلب، بل ستجد أن في وقتك بركة بسبب هذه الصلوات، ستجد أن قدرتك على التركيز في عملك أكبر، وستنجز في نصف ساعة مالم تكن تنجزه في ساعتين أو ثلاث ساعات، هذا شيء اسمه البركة نؤمن به نحن المسلمون نحن معاشر المسلمين نؤمن بشيء أسمه البركة، أن الله يبارك في الوقت القليل فيحصل فيه ما لا يحصل في الوقت الكثير، وهذه لا تأخذ وقتا كثيراً.
صلاة الضحى تصليها ركعتين، استطعت تصليها أربع ما شاء الله، أقصاها ثمان ركعات، والإمام أحمد ابن حنبل قال أقصاها ثنتي عشرة ركعة، لكن صلِّ أربع ركعات، صلِّ ركعتين من الضحى فيها وعد فيها بشارة؛ يقول (من أراد ترك المعاصي -وجد صعوبة في ترك المعاصي- فليصلي ركعتين الضحى)، متى يبدأ وقتها؟ من بعد طلوع الشمس إلى استوائها أي قبيل أذان الظهر ينتهي وقتها لكن قبل ذلك الوقت مفتوح، ما يحصل استراحة في العمل يسمونه Break الآن في الوقت هذا الناس مشغولة في الدنيا قوم توضأ وصلي ركعتين ولو متوسطتين في الطول وواصل استراحتك، كذلك في استراحة المدرسة يسمونها الفسحة أو الفرجة أو ما شاءت، قم وصلي ركعتي الضحى أو أربع ركعات ستجد بركة كبيرة في وقتك، هذه الرواتب وهذه الضحى والوتر.
* واظبت عليها ثلاثة أشهر أخرى، صار لك ما شاء الله ستة أشهر بدأت تقطع فيها شوطاً. نريد منك تضيف أربع ركعات بعد سنة المغرب البعدية، جاء فيها حديث “من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن بسوءعدلن له بعبادة ثنتي عشرة سنة“، ثواب اثنى عشر سنة ست ركعات تصليها، الحديث بين الحسن لغيره وبين الضعيف الذي يصح الأخذ به في مثل هذه المواقف في مثل هذه الفضائل فضائل الأعمال. -لم يشتغل باللغو وبأمور الدنيا بعد صلاة المغرب-

تنبيه حديث ضعيف: اسمع، لا يقول أحد لك هذا حديث ضعيف يعني تتركه هذه بدعة ظهرت في هذا الزمان؛ بدعة ضلالة أن الحديث الضعيف يترك، الذي يترك الموضوع الذي وصل إلى شدة الضعف، جمهور الفقهاء وجمهور الحفاظ والفقهاء على أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، والورع ليس في ترك الحديث الضعيف الذي في فضائل الأعمال، الورع في فعله، ما نقول نتركه احتياطا، نقول نعمله احتياطا، لأن فيه حث على شيء من الخير، أما نتركه احتياطا تريد تعرف أين؟ في الفلوس في المال في الدينار والدرهم، بعض العلماء قالوا هذا يجوز وبعضهم قالوا هذا ربا!! نتركه احتياطا، هنا عند الاختلاف نتركه احتياطا، لكن الورع عند الاختلاف في الفضائل بأن تعمل لا بأن تترك، اتضحت المسألة؟، في أمور الشهوات والدنيا الورع أن تترك عند الاختلاف، لكن في أمور الطاعات الورع أن تعمل عند الاختلاف وليس أن تترك عند الاختلاف.
* صلينا ست ركعات بعد المغرب واظبت عليها عشرين يوم ثلاثين يوم شهر، أضف ركعتين بعد سنة العشاء البعدية، هناك حديث “من صلى العشاء في جماعة، وصلى أربع ركعات قبل أن يخرج من المسجد كان كعدل ليلة القدر“، الله الله .. (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، اضربها ألف شهر فيها ثلاثين ألف ركعة اضربها في أربع صارت كم؟ مئة وعشرين ألف ركعة بأربع ركعات تصليها بعد العشاء تتفوت تتفوت هذه يامريد؟ ما تتفوت ما يفوتها عاقل هذه صلوات.
المائدة الخاصة.. قيام الليل..

إن استطعت أن تجعل بعض ركيعاتك من صلاة الوتر من آخر الليل قبل، الفجر استيقظت… الله،.. والمتكلم يشعر بخجل وهو يذكر لكم ذلك لشدة تقصيره في قيام الليل، اللهم إني أشهدك أني أقر بالتقصير، وأسألك أن تكرمني وإخواني المستمعين بأن تدعونا إلى حضرتك في آخر الليل، الصلوات هي مائدة الله العامة لخلقه الفرائض في جماعة، لكن صلاة الليل هي المائدة الخاصة للمحبوبين، الملوك لهم مجالس عامة يستقبلون بها عموم الناس، ولهم مجالس خاصة يدعون إليها صفوتهم، وملك الملوك جل جلاله يدعو خواصه الذين يحبهم ليقربهم يدعوهم بوقت آخر الليل، آخر الليل هو وقت الصفاء إذا خلا المحب بمحبوبه، آخر الليل تبث ما عندك للمحبوب، آخر الليل هو يتجلى عليك “ينزل الله في كل ليلة وفي رواية “إذا كان ثلث الليل” إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر” الغني يناديك يا فقير بدلا من أن تسارع تناديه هو الغني يناديك!! يقول تريد شيء أعطيك؟ هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من ذي حاجة؟ وبعد ذلك ترضى لنفسك أن تتأخر؟ ترضى لنفسك ان تتأخر!
كان بعض الصادقين في السير إلى الله يقول معنى عجيب جميل قال: (أنا أستحي من الله أن يدخل وقت السحر قبل أن أستيقظ)، ما يستيقظ وقت السحر ويقوم يصلي، يرى أنه ينبغي أن يستيقظ قبل وقت السحر، قيل له لماذا؟ قال: (لأن وقت السحر يبدأ فيه النداء من العيب أن يبدأ يناديني قبل أن أكون مستعداً لتلقي هذا النداء) من العيب أن يبدأ النداء ولست واقفاً ملبياً، فلا يأتي النداء إلا وقد تهيأت لتلبيته، هذا معنى راقي، لكن ولو قمت قبل الفجر بربع ساعة!! بعد أن قلت لك أن هناك أناس يقومون قبلها بكم؟ قبل دخول السحر أي قبل الفجر بساعتين، قم قبل الفجر ولو بربع ساعة صلِّ لله عز وجل فيها.
الاستغفار ختام الليل والنهار

استغفر (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) هناك وقتان إذا حرصت فيهما على الاستغفار ستجد بركة في باطنك كبيرة، أيضاً الرزق سيتيسر، هذا الذي عامل لك عامل للناس مشكلة كبيرة، الوقت الأول: قبل الفجر استغفر، والوقت الثاني: قبل غروب الشمس أيضاً تستغفر، هذه خواتيم الأوقات، خاتمة الليل قبل الفجر، وخاتمة النهار قيل المغرب، احرص فيها على الاستغفار (أستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات) سبع وعشرين مرة، (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الحي القيوم وأتوب إليه رب اغفر لي) سبع وعشرين مرة، هذه واظب عليها، تواظب عليها قبل المغرب وقبل الفجر، أذن الفجر في ليلة من الليالي قبل أن تستيقظ قلها بعد صلاة الفجر، واظب عليها احرص عليها .
مابعد الفجر

ثم بعد صلاة الفجر لا تنم مباشرة بعض الناس.. السلام عليكم ورحمة الله.. السلام عليكم ورحمة الله.. ومباشرة إلى الفراش، المريد لا ينبغي أن يكون هذا حاله السائر إلى الله؛ بعد أن صليت الفجر وأقبل الله عليك بماذا تستفتح يومك؟ هناك أذكار عن النبي صلى الله عليه وسلم واردة، منها: قراءة الإخلاص والمعوذات ثلاثاً ثلاثاً ثلاثاً، ومنها (رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين) ثلاثاً، وهناك ورد جمعه الإمام الحداد رحمه الله تعالى سماه (الورد اللطيف) أخذه من السنة؛ ما هي الأذكار التي ينبغي أن تكون في الصباح، وجمع غيره من العلماء أيضاً أمثال ذلك، هذا الذي يحضرني الآن… احرص على هذا الورد تجده في هذه الصفحة، خذ هذا الورد وحافظ عليه يومياً في الصباح الأشياء التي كان يرددها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هنا سر وهو أن هناك أذكار مطلقة وهناك أذكار مقيدة، المطلقة تقولها في أي وقت وهناك أذكار مقيدة يقول لك: رسول الله واظَب على هذا؛ في كل جمعة الكهف، في صباح كل يوم الأذكار هذه، وفي مساء كل يوم تبارك، الواقعة وكل يوم يس.
ننصرف من هذا المجلس

بأن هذه الرواتب والأذكار في كل يوم مثالها مثال الغذاء للروح كما أن الجسد يحتاج إلى الغذاء كل يوم كيف تمشي لا بد تأكل كل يوم، كذلك الروح لها غذاء يومي إذا لم تأخذه يحصل لها مثل ما يحصل للجسد إذا تأخر عنه الغذاء، تنحل الروح تشحب الروح تضعف الروح تتراجع همة الروح، تتراجع بصيرة ونورانية الروح، في حال ماذا؟ في حال عدم تغذيتها، فالأوراد النبوية التي وردت للمواظبة عليها كل يوم هذه بمثابة الغذاء للروح قياساً على الغذاء للجسد، والذكر المطلق بمثابة التفكه بمثابة التلذذ بمثابة الاستفادة أيضاً والارتقاء، إذاً يجب أن نحرص على هذه الأوراد في كل يوم ونواظب عليها، هذا فيما يتعلق بالأوراد المرتبة، وجمع الذكر؛ أفضل كلمة تذكر الله فيها (لا إله إلا الله) هي الكلمة التي توصف للمبتدئ والمنتهي، يبتدأ بها السائر إلى الله ويرتقي إلى أذكار أذكار أذكار ثم إذا وصل إلى أعلى ما يمكن أن يصل إليه من مراتب الولاية والمعرفة بالله يعود أيضاً إلى لا إله إلا الله، حاجته إليها قائمة لكن بحضور قلب.
وردك من القرآن الكريم أيها المريد ستقرأ كل يوم جزء من كلام الله عز وجل ستختم المصحف مرة في الشهر، هذا أقل المتوسط في حال المريد، ما استطعت نصف جزء على الأقل من كل يوم تقرأه، ما كانت لك عادة تقرأ القرآن وعندك مشقة في القراءة اقرأ صفحتين لكن إذا تدرب لسانك على القراءة اقرأ نصف جزء ثم اقرأ جزءً كل يوم، أما الحافظ فوضعه آخر!! حافظ القرآن يحتاج إلى أكثر وأكثر كي لا ينسى، لكن الذي ليس بحافظ تقرأ في اليوم جزءً من القرآن، في رمضان ستزيد أكثر لكن بشيء من التأمل والتخشع، لا بالجري والركض، لا تهذر القرآن كهذر الشعر بل ينبغي أن يكون هناك شيء من الأدب مع القرآن، لكن نقول الذي يصعب عليه لا يستطيع أن يقرأ نقول اقرأ صفحتين لكن واظب كل يوم صفحتين كل يوم صفحتين حتى تختم، ختمت أول مرة ستجد المسألة أسهل، اجعلها حزباً – الذي هو نصف الجزء- ثم اجعلها جزء؛ سنواظب على القرآن.
اليوم المجلس كان ملآناً بالأعمال أليس كذلك؟ كان ملآناً بجدول عمل ببرنامج عمل، لكنه والله سهل على من نوى، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا وإياكم على العمل، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله ربّ العالمين.

محب الحبيب علي
22 Sep 2008, 08:30 AM
الدرس العشرون - آداب الذكر


الحمد لله المذكور، الذاكر لمن ذكره، (فاذكروني أذكركم) وصلى الله وسلم على أعظم الذاكرين عبودية للمذكور سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً..
وبعد، كان الحديث في المجلس الماضي عن أعمال، اتفقنا على التبكير إلى الجمعة على الإغتسال على التطيب على لبس البياض على لبس العمامة أو القلنسوة -الكوفية أو الطاقية- أدباً مع يوم الجمعة، اتفقنا على التبكير ولو قبل صعود الإمام على المنبر، اتفقنا على قراءة سورة الكهف على الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم..

* فائدة: ذكر الإمام السخاوي في القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع: أن أقل الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مائة مرة حتى يكون الإنسان مكثراً ويُعد من المكثرين، أقل الإكثار ثلاث مائة مرة.
اتفقنا أن نحرص على الصف الأول ولكن لا نتخطى الرقاب إلا لو كان هناك فراغ، لكن لا تؤذي الناس وتزاحمهم في حال عدم وجود فراغ في الصفوف الأولى، اتفقنا أيضاً أن نحافظ على الرواتب على الضحى على الوتر سنتدرج في ذلك، سنحافظ على صلاة الأوابين بعد المغرب لتكن ست ركعات، وعلى أربع ركعات بعد العشاء، اتفقنا على أن نحافظ على ورد من الكتاب العزيز إلى أن تصل إلى الجزء فإن زدت فهو خير أن يكون متوسط تلاوتك على مر أشهر السنة أن تختم كل شهر كتاب الله عزوجل، أما الحفاظ لهم ترتيب أكثر، اتفقنا على أن يكون لنا ورداً من لا إله إلا الله..
ترقي المريد في الصلاة على النبي

يضاف إلى ذلك أننا بحاجة إلى ورد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم، النبي بحاجة إلى صلاتنا عليه؟! قطعاً لا، قد صلى عليه رب العزة (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)، سبحان الله جعل الله الأمر بالصلاة على النبي بعد الإخبار بأنه هو قد صلى عليه وأن الملائكة يصلون عليه، قالوا من الحِكمة في ذلك: أن لا يتوهم أحد منا بأن النبي بحاجة إلى صلاتنا عليه، لو جاء الأمر مباشرة: يا أيها الذين آمنوا صلوا على النبي، لو جاءت الآية هكذا لتوهم البعض أن: هيا همتكم شيلوا مع النبي لا، جاء الإخبار أولاً أن الله قد صلى عليه، أغناه عن صلاتنا عليه لكن إن كنت تريد أن ترتقي أنت ادخل في هذه البركة اشتغل بعمل قد نسبه الله إلى نفسه وعطف عليه ملائكته فيه، والصلاة من الله الرحمة المقترنة بالتعظيم وهي من الملائكة الاستغفار ومن الآدميين التضرع والدعاء، تأمل لما جاء الأمر بالصلاة على النبي ذهب الصحابة إلى النبي وقالوا: قد علمنا كيف نسلم عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك، قال: “قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد“، تأملوا قال قولوا اللهم صلي، نحن هنا صلينا عليه أم طلبنا من الله أن يصلي عليه، فصلاتك عليه أن تطلب من الله أن يصلي عليه أما حقيقة الصلاة عليه لا يقوم بها إلا رب العزة سبحانه وتعالى، صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، الصلاة على النبي فيها تفريج للكروب، فيها قضاء للحوائج والديون، أحاديث وردت بذلك..
الصحابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي، قال: ما شئت، قلت الربع؟ قال ما شئت، فإن زدت فهو خير قلت فالنصف؟ قال ما شئت فإن زدت فهو خير قلت فالثلثين؟ قال ما شئت، فإن زدت فهو خير قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك“، يعني أنت المستفيد لا تتوهم أني محتاج إلى صلاتك علي، إذاً هذه فائدة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ..
فائدة أعظم من ذلك كله من تفريج الهم وقضاء الدين، نحن نسمع عن الحديث الصحيح الذي قال فيه النبي “من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً“، ما معنى صلاة الله علينا؟ قلنا هي رحمة مقرونة بالتعظيم، لكن اسمع نص على مفهوم الصلاة من الله على العباد.. قال تعالى (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) إذن إذا صلى الله عليكم، ما الثمرة؟ ماهي علة صلاة الله علينا؟ ليخرجكم من الظلمات إلى النور، فثمرة صلاة الله علينا أن نخرج من الظلمات إلى النور، ونحن إن صلينا على سيدنا محمد صلى الله علينا عشرا أي أخرجنا من الظلمات إلى النور عشراً، وإن صلينا عليه عشرا خرجنا من الظلمات إلى النور مائة، وإن صلينا عليه مئة خرجنا من الظلمات إلى النور ألفاً، مَن هذا الذي يفرط في الصلاة على النبي إذاً؟
معنى أرقى، الخروج من الظلمات إلى النور هذا معنى راقي كبير لكن اسمع هل يستحق النبي أن تصلي عليه ولو لم يكن من صلاتك عليه فائدة أم ما يستحق؟ هل أحسن إليك؟ هل له حق عليك؟ هل تفضل عليك؟ إيه، والله ما أحسن إلينا أحد في الوجود من الخلق كإحسان سيدنا محمد أبدا، أخرجنا الله به أصلا من الظلمات إلى النور، من الشرك إلى التوحيد، من الغفلة إلى الحضور، من الإعراض إلى الإقبال، من النار إلى الجنة، لا يوجد في الخلق من هو أمن علينا من سيدنا محمد، لو لم يكن في الصلاة على النبي وعود عظيمة كالتي ذكرناها، يكفي إن صدقت في حبك لرسول الله أن تمضي وقتك في الصلاة عليه، فكيف وقد وعِدت بالمكافئة، إذاً ورد من الصلاة على النبي.
الحضور في الذكر

الآن نريد أن نتحدث في مجلسنا هذا بما يفتحه الله عزوجل عن معنى الحضور بالذِكر، عندما تجلس وتذكر وتقول (لا إله إلا الله) كيف يحضر قلبك مع الله؟ الكثير يشتكون أنا نحاول المواظبة على الذكر وقد نواظب ولكن نواظب بألسنتنا وهناك صعوبة في أن تستمرقلوبنا حاضرة مع الله عند الذكر، نقول ارجع للكلام الذي كان قبل مجالس، الفريضة الفريضة، حقق الفريضة تـُعان على غيرها، لكن أيضاً.. الحضور مع الله عزوجل في الذكر مراتب وليس مرتبة واحدة، وهناك درجات لترتقي إلى مرتبة الحضور ..
1. تفعل شيئاً يخرجك عما يحيط بك :

أول درجة لترتقي إلى مرتبة الحضور -لا يعد هذا من الحضور لكن يعين على الحضور- أن تفعل شيئاً يخرجك عما يحيط بك، ما الذي يشتت حضورك مع الله في الذكر؟ انشغالك بما يحيط بك، أخذت المصحف وشرعت في التلاوة، أخذت المسبحة وشرعت في الذكر، وأثناء الذكر جاءك خاطر.. الدكان، الصاحب، المدرسة، الجامعة، الهم، الرزق، الأمور كلها تأتي!! لماذا؟ لأنها لحظة فيها شيء من السكون، عند الذكر تبدأ تسكن وعندما يسكن الإنسان تحرك ما كان شاغلاً في باله فيبدأهو يزعجك، يأتي العلم كله إليك في وقت الذكر، نعم.. فأول خطوة حاول أن تخرج عن هذا العالم إلى ما أنت فيه، يقول الإمام الحداد المجدد رحمه الله تعالى: أنك في البداية لتدرب نفسك على الحضور استحضر أو تخيل أمامك حروف الذكر التي تذكر الله بها، عندما تقول لا إله إلا الله أستحضر (ل ا- إ ل ه - أ ل ا - ا ل ل ه)، ارسم الحرف أمامك وأنت تذكر، قال هذه نقلة تخرج بها أول من انشغالك بالأشياء الأخرى إلى تركيز بشيء له علاقة بالذكر.

2. التفكير في معنى الذكر :

إبدأ فكر بما معنى لا إله إلا الله، عندما كنا ندرس في الإبتدائي.. أيام كانت المناهج تهتم بالدين، هل لازالت على هذا النحو أم تغيرت الكثير من المناهج في دول العالم الإسلامي.. تعلمنا أن كلمة لا إله إلا الله معناها لا معبود بحق في الوجود إلا الله، فإذا استشعرت لا معبود بحق في الوجود إلا الله، في كل مرة لسانك يقول لا إله إلا الله وقلبك يقول لامعبود بحق في الوجود إلا الله بدأت ترتقي إلى شيء من معاني لا إله إلا الله فكرت في المعنى.

عندما تقول: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، في البخاري كما جاء في أول المجالس، “من قال: سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر” مهما كانت الذنوب، شخص قال: أعمل ذنوب التي أريدها وبعدين أقول (سبحان الله وبحمده) قلنا له الحق لا يـُضحك عليه حاشاه، الذي تكون هذه نيته أتحداه أنه لا يستطيع المواظبة على (سبحان الله وبحمده) مائة مرة كل يوم، سامحوني في لفظة أتحداه لكن لا يستطيع الذي يستطيع أن يواظب عليها هو الذي نوى أن يستغفر ويتوب هذا الذي يكرم بالمواظبة لأن هناك وعد على أن المواظب عليها تغفر ذنوبه مهما كانت كثرتها، عندما تقول (سبحان الله وبحمده) تستحضر الحروف في البداية حتى يبدأ قلبك ينخلع عن كل المشاغل الأخرى وأمامه الحروف، الآن انتقل إلى المعنى ما معنى تسبيح التنزيه؟ أي جلّ الله، تعالى الله عن كل ما يخطر في البال عن كل ما تتصوره الأوهام عن كل ما يدور في عقولنا كل ماخطر في بالك فالله بخلاف ذلك، الله فوق كل شيء، ليس المقصود بالفوق الفوقية الحسية لأن هذه نسبية، فوق الشام يعتبر تحت البلد الذي يقابل الشام من الجهة الأخرى من الكرة الأرضية، الكلام هنا عن الفوقية الحقيقية وليست الفوقية الحسية.. حقيقة الفوقية، أعلى من كل شيء في هذا الوجود سبحانه وتعال عزوجل، تقول سبحان الله تنزه الله عن الشريك، تنزه الله عن الشبيه تنزه الله حتى عن معرفتك أنت به، هو فوق معرفتك به سبحانه وتعالى.. تستحضر المعنى.
تقول الله أكبر قبل مجالس تكلمنا، الله أكبر من كل ما خطر في بالك وهكذا بقية الأذكار، قلت استغفر الله، ما معنى كلمة استغفر الله؟ يعني اغفر لي، سامحني، يعني اعتذار، طلب مسامحة من الله، طلب مغفرة، هل يتأتى أن تكون مخطىء في حق مخلوق ثم تأتي وتعطيه ظهرك وتقول سامحني، سامحني هل يقبل الاعتذار؟ يقول لك لو لم تعتذر لكان الأمر أخف الآن أجد عليك أكثر مما قبل الاعتذار، لأن الاعتذار كان فيه ماذا؟ فيه استخفاف، وكذلك الاستغفار ما ينبغي أن يكون مع خلو القلب عن شهود معنيين: معنى التقصير ومعنى طلب المغفرة أخطأت قصرت سامحني، هذا معنى الاستغفار، ولهذا قالت السيدة رابعة العدوية: (استغفارنا يحتاج أويفتقر إلى استغفار).
3. استشعار عظمة المذكور :

هذه أعلى في الحضور في البداية حضرت مع الحرف ثم حضرت مع المعنى، ثم في الدرجة الثالثة؟ ارتقيت من الحرف إلى المعنى إلى المذكور حضرت مع معنى أنك الآن تذكر الله أي أنك جليس الله “أنا جليس من ذكرني” معنى هذا أنك مذكور الآن في حضرة الله (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ) ما معنى أنك ذكرت الله عز وجل؟ أي: أن الله يذكرك، تعرف معنى أن الله يذكرك؟ تعرف ما معنى أني المسكين، الحقير، الضعيف، المذنب، المسيء الملطخ، فقط إذا تنبهت وخرجت من غفلتي وجلست أذكره (لا إله إلا الله) فإذا به يذكرني هو في عليائه سبحانه وتعالى: “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم” مُتَّفَقٌ عَلَيه، استشعرت هذا المعنى؟ تعرف مامعنى أن الله يذكرك؟ هنا يأتي الحضور مع الله في الذكر، هذه ثلاث مراحل نتكلم عنها في الحضور أولها: مع الحرف وثانيها مع المعنى وثالثها مع المذكور سبحانه وتعالى..
إذا وصلت إلى الحضور مع المذكور، تستشعر أنك الآن معه في حضرته بين يديه أنه يذكرك، ابتدأت في حقيقة الحضور بالذكر، ما قبله فهو مقدمات، لماذا؟ قالوا لأن الذي يعيش هذا الحضور مع المذكور أثناء الذكر يبدأ قلبه يتلقى عن المذكور، يفيض عليه الله عز وجل هنا ابتدأنا الكلام عن عمق معانى السير إلى الله، المريد هو الذي يتلقى قلبه واردات الذكر السائر إلى الله إذا أدمن الذكر، انظر تعبير (أدمن) انظر كيف يرتقي التعبير، كلمة إدمان مستهلكة في أشياء أخرى لكن انظر كيف ترتقي الآن (أدمن الذكر) مع تكلف الحضور، مجاهدة النفس، كلما جاءته خواطر دفعها فحضر مع الحرف ثم مع المعنى ثم مع المذكور سبحانه.
حضرات الملوك

يا إخوان الذي يجلس في حضرات الملوك يخرج وهو خالي الوثاق؟ ما عنده شيء؟ الذي يجلس ثلاثين مرة أربعين مرة مع ملك وهذا الملك كريم رحيم عنده مروءة يجعلك تخرج هكذا فاضي يا الله، ملوك الدنيا يعطون من يجالسهم، تسمع واحد أعطي أرض حجمها كذا وكذا لأن صديقه المسؤول الفلاني جلس عنده، ملك الملوك المطلق في عطائه أكرم الأكرمين خالق السخاء أرحم الراحمين سبحانه وتعالى اللطيف بعباده من أدمن مجالسته لأنه صار صاحب حضور مع الذكر، لا إله إلا الله أستشعر أني مع الله صرت مع الله ربع ساعة، صرت مع الله نصف ساعة، صرت مع الله ساعة، صرت مع الله، صرت مع الله، صرت مع الله، كم تجالسه وتعود فاضي؟

حاشا الكريم يردهم عطشى وقد ** وردوا وأصل الجود من ذا المنبع ِ
وردوا على نهر الحياة وكلهم ** شربوا وكم في الركب من متضلع ِ
يا رب لي ظن جميل وافرٌ ** قدمته أمشي به يسعى معي
كل الذين يرجون فضلك أمطروا ** حاشاك أن يبقى هشيماً موضعي
فإذا أدمنا الحضور مع المذكور، صرت الآن مع المذكور من الحرف إلى المعنى إلى المذكور، لا بد يعطيك شيء المذكور، وإذا تكلمنا عن عطاء من يأتي لحضرة الله فأنت تتكلم عن عطاء لا يكيف، تتكلم عن عطاء لا يحصر من أعظم مقدمات هذا العطاء أن يأخذك عن نفسك إليه الذي يعيش نور الذكر، مامعنى نور الذكر؟ العطاء الذي يأتي من الله للذاكر، (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ في زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ) قال ابن عباس مثل نوره في قلب المؤمن، فقلبك خلقه الله ليتنزل عليه نور الله ما معنى نور الله؟ الفيض الذي يفيضه الله على الذاكر، عطاء يأتي من الله إلى الذاكر، إذا بدأ هذا النور يدخل إلى قلبك وأنت في الذكر ابتدأ القلب يتطهر طهارة حقيقية، قد تكلمنا في مجالس ماضية عن مقدمات الطهارة اتركوا الحسد اتركوا كذا، الذكر يعينك على ذلك، بل الذكر يغسل القلب غسلاً لأن القلب تصُب عليه أنوار المذكور سبحانه فإذا امتلأ القلب بنور الله هل يبقى في القلب مجال لأن يبغض؟، قلب تنور بنور الله يعرف يحسد؟، يعرف يحقد؟، يكره؟، يؤذي؟، يسئ؟ هذا قلب فيه نور الله عز وجل، بغير حلول ولا اتحاد، تعالى الله عن لك..
اللسان هنا يا إخواني يعجز عن التعبير، ولكن قوموا أمامكم هذا الميدان واذكروه بشيء من هذه المعاني ويفتح الله عليكم وانظروا ما ينازل قلوبكم؟ إن الذي ينازل قلوبكم أن يأخذكم الله يفني صفاتكم التي لا يحبها، يخليكم عن الصفات التي لايرتضيها، يحليكم بالصفات التي يحبها عز وجل، يتجلى عليكم، هذا عماد السير إلى الله الذكر سلطان القربات، الذكر رأس مال المريد في سيره إلى الله، الذكر وقود السير إلى الله سبحانه، الذكر روح السير إلى الله تعالى فإذا عمدت إلى هذا الذكر ابتدأت تدخل طوراً من الحضور مع الله عز وجل تنسى فيه نفسك لمَ؟ لأنك تذكر من تحب ومن تحب يذكرك، بقي هناك انشغال بالناس؟ لا!! الناس نسيناهم من زمان لم يبقى هناك انشغال بالخلق ولا بالسماء ولا بالأرض ولا بالملك ولا بالملكوت حتى.. أصبح الانشغال بالله وحده لكن بقيت النفس، الآن النفس تذوب أمام ذكر الله فيبدأ الفناء عن النفس.
مامعنى الفناء عن النفس؟

أن يأخذك الله عن الانشغال بحظ نفسك، ما تريد نفسك، ما تطلبه، فتصبح تشهد نور الله لا نور نفسك، تشهد أنك مع الله لامع ظلمة نفسك، أنك مع الله لا مع نفسك، يأخذك الله عنك، شباب أعرف أن هذا الكلام مع جماله واستئناس أرواحكم به بدأ قليلاً يأخذ طور الصعوبة، لكن اسمع، ولله المثل الأعلى، سامحونا سننزل إلى الأرض مرة أخرى، إذا رأيتم شخص يجلس أمام مباراة كرة، والمباراة محتدمة، والوقت في نهايته وهو مهتم بفريقه، هل يشعر بالذين حوله؟ لايشعر بهم لوكلمه أحد قد لا يسمعه، يناديه فلان لايجيب، فلان لا يجيب، فلاااااان، فيقول نعم، فيقول له صاحبه كم مرة ناديتك وأنت لا تجيب، فيقول والله ما سمعتك، صدق أم كذب؟ صدق، هو صادق ما سمعك، هل تعطلت حاسة السمع؟ لا هو يستمع وكان يرى ما تعطلت لكن لما اجتمع قلبه على شيء قد انشغل به وأحبه وامتلأ اهتماماً واعتناء به، عطله و أفناه عما سواه، هذا في مباراة، لعب، مع احترامي للرياضة وأهلها لكن لعب في النهاية، فإذا قابلت رباً وجالست الله وجمعت قلبك عليه تجلى لك بأنوار يفيضها على قلبك، هل يمكن أن تشعر بشيء؟
* قصة : هذا يفسر كيف أن بعض السلف أصابه جرح في ظهره كاد أن يودي بحياته واشتد ألمه الإمام أبو بكر السكران، تعرفون لماذا لقب بالسكران؟ قط ما شرب الخمر، بل لم يرى الخمر في حياته لكن لقب بالسكران لأنه كان يغيب في الذكر ما يشعر بشيء مما حوله، أصبه ورم في ظهره بسبب الجرح تقيح وتضخم صار يؤلمه للغاية فجاء الطبيب وقال يجب أن نستأصله، قال إني قد كبر سني وضعف بدني، قال له نعطيك أعشاب تخدر، قال لا ما أحب أن يضيع وقتي عن ذكر الله (هؤلاء في حال آخر مع الله) ولكن إن كان ولا بد إذا قمت إلى صلاة الضحى فافعل ما بدا لك، وكان من عادته أن يطيل صلاة الضحى، أنا سأرخي الرداء وأدخل في صلاة الضحى، قال له الطبيب: كيف!! وأنت واقف ومن غير تخدير؟ قال: نعم، فجاء الطبيب يقطع الجرح ويبتره، لو عندك جراحة صغيرة وتقيحت لا تريد أحد أن يلمسها، هذا جراحة كبيرة استأصلها وفصدها وأخرج الدم ووضع الأعشاب وربطها والرجل واقف لم يتحرك، بعد أن انتهى من الصلاة الإمام أبو بكر التفت وقال ياولدي ألم أقل لك أن تزيل الجراحة إذا دخلت في الصلاة قال يا سيدي انتهينا من الجراحة وقطعناها ولففناها قال سبحان الله وأنافي الصلاة، لكن الآن أشعر بحكة في ظهري، خرج من الصلاة وشعر بالحكة وهو في الصلاة لم يشعر بالقطع، لأنه مع الله ولهذا ابحث عن معنى الحضور في الذكر..
والله الذي ينقضي عمره دون أن يذوق لذة الحضور مع الله في الذكر فاته العمر كله ما أدرك شيء، لتستعين بالله فيما تشتاق إليه من الحضور مع الله في الذكر، اجعل لك أوقات ذكر في خلوة، جالس فيها وحدك مع الله واجعل لك أوقات تذكر الله فيها مع إخوانك، اجتمعوا واذكروا الله معاً لا إله إلا الله، هذا يعين، إذا بدأ قلبك ينشغل بالذكر الذي يحيط بك من كل مكان بأصوات إخوانك يعينك على الحضور مع الله سبحانه وتعالى، فاذكر الله في نفسك واذكر الله في الملأ كما جاء في الحيث القدسي الصحيح، اجعل لك وقتاً ولو مرة في الأسبوع مجلس ذكر مع أحبابك وإخوانك ما وجدت في بلدتك أنت وزوجتك وأولادك أنت وإخوانك في بيتك الذي أنت فيه أنت وأصدقاؤك اجعل لك أصدقاء على مائدة الذكر تجتمع أنت وإياهم على ذكر الله سبحانه فإن ذلك يعين على الحضور..
ننصرف من هذا المجلس

بأن تجعل لك ذكر جهراً واجعل لك ذكر على وصف السر.. أنت تحتاج الى هذا وهذا، ذكر السر يعين على الإخلاص وذكر الجهر يعينك على أن تنشغل بصوتك في الذكر عن غيرك ويعينك على الحضور ولهذا جاء في الأثر الصحيح في الحديث عن ابن عباس قال كنا على عهد النبي نعرف بانتهاء الصلاة من ارتفاع أصواتهم بالذكر، يعني إذا تأخر أحدنا عن الصلاة يعلم أن الصلاة قد فاتته قبل أن يدخل المسجد عند باب المسجد إذا اقتربنا من أصوات الناس وهم يذكرون الله بعد الصلاة لكن هذه السنة أضعفت في كثير من البلدان لا تقيموا الإشكالات والصراعات من أجل إحيائها، الوئام فرض والجهر سنة لكن احرصوا على أن يكون في كل بلد مساجد تضج بذكر الله سبحانه وتعالى بعد الصلوات هذه الأوراد ا لتي بعد الصلاة، نحتاج إلى الجهر ونحتاج إلى السر، نحتاج إلى الفرد في الخلوة يذكر الله وحده ونحتاج إلى الذكر الجماعي، وفي النهاية نحتاج إلى تحقيق الصلة بالمذكور رزقنا الله عز وجل كمال ذلك ومن وراء الفناء بالمذكور البقاء بالمذكور لتعود للعالم مرة أخرى لكن لا منشغلا بالعالم وما يحيط بك بل تعود للعالم وقد جئتهم من عند الله من حضورك مع الله لتقبل عليهم بالله سبحانه .
ولنا حديث في المجلس القادم حول ثمرة الذكر وهي الفكر وثمرة الذكر والفكر هي أن نسير بين الناس بنور الذكر والفكر فنصبح مع الله ونحن بين خلقه أجسادنا مع الخلق وأرواحنا مع الخالق وهنا يتهيأ المريد لشيء من التمكين في سيره إلى الله تعالى فبدون أن تكون حاضر القلب مع الله وأنت في السوق، وأنت في العمل، وأنت في الدراسة لايمكن أن تكون متمكناً من سيرك إلى الله، نسأل الله أن يحققنا ويمكننا من حقائق الذكر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.

محب الحبيب علي
23 Sep 2008, 09:16 AM
الدرس الحادي والعشرون - مراتب الذكر


الحمد لله أنيس الذاكرين وجليس المقبلين، وصلى الله وسلم على أجل وأعظم من صدق في الذكر وصار بذكر المذكور له أجل مذكور سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته وأصحابه وتابعيهم والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين،
لعلك أخي السائر إلى الله عز وجل قد خلوت بنفسك سويعةً بعد المجلس الماضي، شرعت في الذكر طلباً للترقي في مراتب الذكر، كنا نتذاكر بأن الذكر يبتدأ معنى الحضور فيه مع الله عز وجل بالانصراف عن تشويشات الوجود الذي يحيط بنا، العالم، الخلق، بالخروج من وساوس النفس والشيطان وخطرات القلب..

ذكرنا أنه يمكن للمبتدىء بمجاهدة نفسه على طلب الحضور مع الله أن يتصور أمامه ويتخيل حروف الذكر فيكون أول معنى للحضور هو الحضور مع الحروف ثم إذا انصرف عما يحيط به إلى الذكر الذي هو فيه فليـُعمِل النظر في معاني الحروف التي يذكر الله عزوجل بها، يستشعر معنى إخراج ما سوى الله من قلبه عند النفي والإثبات في لا إله إلا الله، ويستحضر تعظيم الحق عزوجل وتنزيهه في التسبيح إذا قال سبحان الله، ويستشعر عظمة الحق إذا قال الله أكبر، ثم يرتقي بعد الحروف والمعاني إلى استشعار الحضور مع المذكور سبحانه حيث تضمحل الحروف وتضمحل المعاني ولا يبقى ساعة الذكر إلا الباقي سبحانه عز وجل، حيث يستشعر الذاكر أن هذا العالم الذي يحيط به هباء،. يضمحل في مشهده، بل يستشعر أنه هو هباء يـَفنى في مشهده فلا يبقى أمامه إلا من يـَذكـُر سبحانه عز وجل، ولو تذكرون كنا نقول أن هذا الأمر في أوله يحتاج إلى تكلـّف، يحتاج إلى مجاهدة للنفس، يحتاج إلى الصبر والمكابدة يحتاج إلى أن تسبقه مقدمة إتقان الفرائض على وجهها.
مراتب الذكر

1. ذكر باللسان :

أي اشتغال هذه اللحمة (العَضَلة) بتحركها بذكر الله عز وجل وهو عطاءٌ من الله أن يلهمك الله عزوجل أن تـشغل لسانك بذكره هو بحد ذاته عطاء ينبغي بأن تشهد فضل الله فيه ينبغي أن تحمده عليه، شكا بعض السائرين إلى شيخه يقول: إنني أشتكي عدم حضور قلبي مع الله عزوجل في الذكر، ذكري فقط باللسان فـَلـَمَح الشيخ في كلمة التلميذ مع الرغبة الصادقة في حصول حضور القلب إشكالاً، وهو أنه لم يستشعر عظمة منـّة الله عليه، حيث شغل لسانه بذكره، فقال له: فلتحمد الله الذي زين جارحة من جوارحك بذكره، شغل شيئاً من أعضائك بذكره فإنك إذا شهدت هذه النعمة وحمدته هيأك للمرتبة التي تليها، ومن أدمن الذكر باللسان بصدق النية وإخلاص الوجهة.. لابد وأن يثمر هذا الذكر في قلبه نوراً يرتقي به إلى ذكر القلب وهي الرتبة الأعلى..
2. ذكر بالقلب :

أول مراتبه استحضار معنى الذكر، وثاني مراتبه تذوق معنى الذكر، ما الفرق بين الأمرين؟
استحضار معنى الذكر، عند الذكر تقول لا إله إلا الله هذا معناه لا معبود بحق إلا الله، لا موجود على وجه الحقيقة إلا الله، لامقصود إلا الله، لا مشهود إلا الله، نفي ما سوى الله عز وجل عن قلبك، هذا شيء تستطيع أن تستحضره في قلبك وعقلك أن تتفهمه لكن الاستمرار على هذا الحال على وصف الإخلاص يجعل القلب يتذوق لذة الذكر، يعرف أن لـ (لا إله إلا الله) ذوق، لها لذة (سبحان الله) لها لذة أخرى (الحمد لله) لها لذة ثالثة (الله أكبر) لها لذة رابعة..
- مراتب تلذذ في : لا إله إلا الله ..
1. يتلذذ بمعنى أن الله أكرمه بالتوحيد فهو لا يعبد غير الله، في كل مرة يقول فيها لا إله إلا الله يذوق لذة نعمة التوحيد، لا معبود إلا الله.
2. هناك طعم آخر لـ(لا إله إلا الله) يذوقه القلب وهي لذة إفراد الوجهة إلى الله، لا مقصود إلا الله، لا أقصد في حياتي غير الله، لا أطلب إلا الله، لا أرغب في غير الله لا أتوجه إلا إلى الله.
3. هناك طعم أرقى وهو الثالث لا موجود إلا الله، ما معنى لا موجود؟ هذا العالم الذي حوالينا؟ نعم هو موجود لكن ليس موجوداً بذاته باستقلاله، من الذي أوجده؟ الله، ولو لم يتجلى عليه الله عز وجل بقوله (كـُن) لما كان، فإذاً هذا الوجود ليس له وجود بذاته لولا أن الله أوجده، فلا موجود بذاته باستقلاله إلا الله، فتشهد أن لا موجود أمامك إلا الله، هذا معنى.
4. هناك طعم رابع لـ(لا إله إلا الله)، لا مشهود إلا الله، أي ما تشهد أمامك فيما ترى في هذا العالم من تحرك أو سكون أو عطاء أو منع أو حزن أو فرح إلا الله، من الذي ألهم فلان أن يعطيك؟ ومن الذي ألهم فلان أن يمنعك؟ من الذي ألهم فلان أن يدخل السرور على قلبك؟ ومن الذي ألهم فلان أن يحزنك؟ الله، كل هذا العالم صور في تحركاته من وراء هذه الصور مصور عظيم إذا استشعرت لذة ذكره ارتقيت لأن تكون معه لا مع هذا الوجود.
الذكر فواكه ومذاقات !!
سبحان الله كنا نتكلم عن مذاق لا إله إلا الله ومذاق سبحان الله ومذاق الحمد لله والله أكبر مذاق أستغفر الله، ومذاق الصلاة على الحبيب عليه الصلاة والسلام، اليوم الناس ينشغلون عند ذكر المذاقات بالأطعمة، يعرف الواحد كيف يفرق بين طعم الأرز وطعم الخبز ويعرف يفرق بين مذاق السلطة والخضروات وبين مذاق الفواكه، ثم بعدها يعرف يفرق بين مذاق الأرز إذا طبخ مكبوساً أو إذا طبخ مسلوقاً، الطعام الواحد له مذاقات .
لكن تعالوا نخرج عن الأسر الذي نعيشه في أن تنحصر معاني الذوق عندنا فقط على مشتهيات الأنفس، إيه.. إن لقلبك ذوقاً وشوقاً وتشهياً لا تحسر ولا تحرم نفسك من لذته، فإذا ارتقى الإنسان إلى ذكر القلب أورث القلب نوراً يسميه العلماء نور المعرفة بالله ..
3. ذكر الروح :

القلب ذكره يورث معرفة الله لكن الروح ما هو ذكرها؟ ذكرها أن تهيم في الشوق إلى الله عز وجل، أن تهيم في محبة الله، أن يأخذها معنى تلذذها بالقرب منه سبحانه، بأنسها به فـتـَذوقِ الروح للذكر حب، حُب!!؟ هذه أرقى كلمة في العالم اليوم لكن الناس قد سقطوا بها في كثير من أحوالهم إلى الدون، المحبة شيء عالي.. أرقى ما يمكن للقلب أن يتوجه به القلب، أن تتوجه به الروح، فإن الروح إذا توجه بالحب ارتقى صاحبه..
وهنا يأتي ارتباط الذكر بالحب ففرق كبير بين من يشتغل بالذكر وروحه تتوهج وتتوقد حبا وبين من يذكر فقط ليذكر، يذكر فقط ليمضي وقتاً، يذكر فقط ليحصل الخير وهو على خير، لكن الفرق كبير ومن صدق في محبة الله فلا بد وأن يكون مكثرا من الذكر، من (أحب شيئاً أكثر من ذكره) .
4. ذكر السر (السريرة) ..

5. ذكر أرقى، وأرقى ..

ولا منتهى للمراقي، لماذا لا منتهى للمراقي؟ لأنها متصلة بالله (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى)، إذاً لا منتهى للمراقي، لكن الذي يعنينا من هذا الحديث الآن ونحن نتحدث على الملأ مع العالم مع كل من يسمع: أن المسلم قد أكرمه الله عزوجل إذا صدق في طلب القرب من الله بإكرامات في باطنه هو، في داخله يعيش بها قيمة الحياة ليخرج بها من أسر الشهوات، يخرج بها من أسر المحدودات المحصورات الماديات يرتقي بها من أن يسقط بها إلى الحضيض، من أن يُشيء، تعرفون معنى يشيء؟ يتحول الإنسان إلى بضاعة إلى شيء، نحن في زمان صال كل شيء يحيط بنا يشيء، صار الإنسان بضاعة نحن في زمان أوصل التقدم والتطور والحضارة والانجازات العلمية أوصلت الإنسان إلى أن يفقد قيمة إنسانيته، في بعض البلدان نجد أن المحكوم عليهم بالإعدام يؤخذون في سيارات كبيرة وعلى سرر مثبتة بحديد وقيود ثم يذهب بهم إلى مركز طبي ويأتي طاقم الأطباء الطبيب الأول يحقن كل واحد منهم بحقنة يموت بثلاث دقائق بعد أخذها، والآخر يفتح الصدر والبطن ويدور على الذين ماتوا واحداً بعد واحد والثالث يأخذ القلوب والرابع يأخذ الكلى والخامس يأخذ العيون فيتحول الإنسان إلى بضاعة تودع بعد ذلك في بنك يباع ويشترى فيها..
جاء نور المعاملة مع الله ليرتقي الإنسان من هذا المستوى من الانحطاط الذي يتحول فيه حال الإنسان عندما يفتح الله عليه بالمُكنة في هذه الأرض، عندما يلهمه الله اكتشاف أسرار هذه الأرض، قوانين هذا الكون، نواميس هذا الكون، يعطيه أن يحفر في الجبال ويغوص في البحار ويخترق الفضاء، وبعد ذلك كله يكتشف أنه فقد وجوده فقد ذاته، يعيد للإنسان معنى إنسانيته، معنى أنه عبد لرب أحبه وكرمه (كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، أن فيه سر النفخة (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) أن فيه معنى الارتباط بسر الأمانة (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً).
نور البصيرة.. عين القلب ..

إذا ارتقى الإنسان في معنى يذوق فيه لذة صلته بربه حال الذكر انفتح للإنسان في باطنه شيء يسمونه البصيرة، يسمونها الفراسة، يسمونه التوفيق، يسمونه الالهام، يسمونه الفتح، يسمونها المعرفة بالله يسمونها عين القلب (إِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) هذه البصيرة إذا توقدت بنور الذكر في قلب السائر إلى الله بدأ ينظر إلى الوجود الذي يحيط به نظرة تختلف عن نظر الغافل، إذا نظر إلى شيء نظر إليه نظر إليه بعين المتبصر، العين إذا نظرت إلى شيء من أمور الدنيا تنظر إلى ظاهر زينتها والقلب ينظر إلى باطن عبرتها، العين تنظر إلى اخضرار الأرض إذا اخضرت فتلتذ النفس بجمال اخضرارها لكن القلب ينظر من وراء ذلك إلى عظمة من جعلها خضراء إلى عظمة من أبدعها، إذا هب النسيم العليل فشعر الإنسان بجمال هذا النسيم إذا هبَّ أخذت النفس حظها من تلذذها ببرودته وعذوبته لكن القلب يأخذ شيئاً أكبر وهو أنه يستدل بالنسيم على من نسمه، على من أجراه، على من أنعم عليه به، إذا شرب أحدنا شربة من الماء العذب فيه شيء من البرودة في شدة الصيف وحرارته، النفس تلتذ مع الجسد بجمال ذلك وعذوبته لكن القلب يلتذ من وراء ذلك بشهود فضل المنعم الذي سقى سبحانه وتعالى، الذي جعل هذا الماء عذباً وهنا يأتي الذكر “الحمد لله الذي سقاني برحمته ماءً عذباً فراتاً ولم يسقني بذنوبي ماءً ملحاً أجاجاً“..
هكذا حال المريد هو يلتذ، لا تظنون أن السائر إلى الله السالك الطالب لمعنى القرب من الله عزوجل محروم مما يتنعم به غيره من الغافلين، لا والله!! إنه يتنعم أضعاف تنعمات الغافلين، هو يلتذ بعذوبة الماء لكنه يلتذ مع ذلك بما هو أعظم بعذوبة شهود فضل الذي ساق له هذا الماء، إذا سمع صوتاً جميلاً حدا بنغمة جميلة ببيت من الشعر جميل أخذه جمال الصوت مع جمال النغمة مع جمال الكلمة ليرتقي به مع استعذاب النفس وحظ النفس من الطرب يرتقي به طربه إلى استعذاب من أودع الكلمات روح المعاني، ومن أودع الحنجرة حبال الصوت هذا الجمال عند الإنشاد، ومن أودع المنشد جمال الاتقان للنغمة عندما ينشد، من أوجد فيها سر تحريك نفسه، الله، فهو يعيش معه في سائر أحواله يرتقي بذكره إلى شيء اسمه الذوق هذا الذوق يجعله ينظر إلى الحياة ويعيش مع الحياة معنىً غير الذي يعيشه من انقطعوا عن ذوق لذة الصلة بالله عز وجل، نور الصلة بالله سبحانه وتعالى..
الفكر.. من هو المفكر ؟؟

فيرتقي في فكره هذا هو المُفـَكِر، اليوم كلمة مفكر في عصرنا شرّقت وغرّبت وخبط الناس بها فيما ينبغي وفيما لاينبغي لكن اسمعوا هذا هو التـَفكـّر، المفكر الذي يُعمِل فكره فيما يزداد به قرباً من ربه فيما يزداد به معرفةً بالله فيما يزداد به معرفة بالوجود الذي يحيط به..
فيمَ نتفكر ؟

* ما من ذرة من ذرات هذا الوجود إلا ولسان حالها يقول، الله، وعزة الموجود!! تقول الله خلقني، الله لك سخرني، الله أمرني أن أكون لك مسخرة، الله قد ساقني لك تتنعم بي، هذا المعنى من التفكر يجعل الإنسان ينظر في هذا الوجود في القرآن الصامت وهو هذا الكون الذي أوجده الله عزوجل من حولنا، ينظر نظرة المستعبر فيه الذي يقرأ آيات الله عز وجل كيف خلق الله هذا الوجود؟ كيف برأ هذه الأرض بما فيها؟ كيف برأ هذه الأرض والسموات؟ كيف أوجد الماء؟ كيف أحكم تسير هذا الوجود بقدرته؟ كيف برأك أنت في نفسك حتى تبصر في داخلك، في باطنك كيف أوجد فيك ما أوجد؟ التفكر يورث القلب نور المعرفة بالله، هذا نوع من التفكر، التفكر في عظمة هذا الوجود الذي أوجده الله يورث القلب نور المعرفةً بالله فيزداد به القلب معرفة وتذوقاً لعظمة الله سبحانه.
* ثم تتفكر فيما أنعم الله به عليك، النعم العظيمة الجزيلة، النعم المحسوسة والنعم المعنوية، نعمة السمع، نعمة البصر، نعمة الذوق، نعمة الألم، تعرف نعمة الألم؟ نعمة الجوع، تعرف نعمة الجوع؟ لولا نعمة الجوع لمِت وأنت تسير في الطريق لأنك لن تبالي بحاجة جسمك إلى الطعام.. لولا نعمة الألم لمِت وأنت تسير في الطريق لأنه لولا نعمة الألم ما شعرت أنك بحاجة إلى التطبب، كل ما يحيط بك نعم يسوقها الله عز وجل إليك، نعمة الوالدين، نعمة الزوجة، نعمة الأبناء، نعمة الإدراك التي أعطاك الله إياها، وهناك من النعم المعنوية نعمة الأمن، يا إخواني الكثير منا اليوم يعيش في أمن وأمان، يصبح ويخرج من بيته ويرجع وهو آمن على زوجته وأولاده، لكم إخوان في الأرض أحدهم يخرج من بيته وهو لا يدري أيرجع أم لا يرجع؟ أهله وأولاده في خوف وهو لا يدري عندما يرجع أيجد زوجته وأولاده على قيد الحياة أم أن البيت قد دُمر ومن في البيت قد قـُتل، نعمة الأمن، نعمة الرزق..
* نعمة أخرى وهي نعمة الستر، نعمة الستر يا إخواني، كانت هناك أمة من الأمم إذا أذنب أحدهم أصبح مكتوباً وعلى جبهته قد فعل البارحة كذا وكذا، وهناك أمة أخرى إذا أذنب أحدهم بالليل أصبح مكتوباً على باب بيته فلان فعل كذا وكذا، لكن الله عز وجل قد أكرمك بنعمة الستر، ولولا نعمة الستر ما تصافح الناس، لولا نعمة الستر ما تحاب الناس وما تقاربوا من بعضهم البعض، لولا نعمة الستر لما احترمك أحد في هذا الوجود، لما استطعت أن تقضي حاجة من حاجاتك أو مطلباً من مطالبك، هذه النِعم التي تساق إليك، نعمة (لا إله إلا الله) نعمة أنك مسلم، تعرف إذا أصبحت تقول الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها من نعمة، إذا تفكرت في هذه النعم العظيمة الجزيلة التي ساقها الله تعالى إليك أورثك ذلك شيئاً اسمه (حب الله) فالتفكر في النعم يورث المحبة، محبة الحق على وجه الحقيقة لأن النفوس جبلت على حب من أحسن عليها.
- قصة : كان إبراهيم بن أدهم رحمه الله يسير في الطريق فوجد رجلاً على قارعة الطريق مقطوع الأطراف لا يدين ولا رجلين به جذام جلده متناثر أعمى لا يرى وفي حالة رثة والناس يمرون يضعون الطعام في فمه إشفاقاً عليه وهو على الرصيف على قارعة الطريق مـُلقى، فأخذ يتأمل فيه فإذا بالرجل يقول (الحمد لله على نعمه العظيمة وعطاياه الجسيمة)، نعم عظيمة !! عطايا جسيمة!! توقف ابراهيم بن أدهم، هنا قضية، هنا شيء أحدنا إذا جاءه مغص في بطنه يقول يا رب لمَ المغص في بطني، هذا يدين ورجلين مقطوعتين، أعمى، أجذم، مرمي في الشارع فألقى ابراهيم بن أدهم عليه السلام فقال وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا ابراهيم، قال كيف عرفتني؟ فقال: ما جهلت شيئاً منذ عرفت الله، تعالوا وأحضروا قلوبكم وعيشوها بالمعاني الراقية، عيشوها بمقاصدها، أناس تعامل الله عز وجل، قال له: ماذا كنت تقول آنفاً قال كنت أقول الحمد لله على نعمه العظيمة وعطاياه الجزيلة، قال: ما الذي جرى لأطرافك؟ قال بترت، قال ما الذي على جلدك؟ قال الجـُذام، قال أين بصرك؟ قال: كُفَّ، قال أين بيتك؟ قال قارعة الطريق التي تراني عليها، قال من أين تأكل؟ من الرزق الذي يسوقه الله لي على أيدي خلقه نعمة منه، قال فأين النعم العظيمة والعطايا الجسيمة يا هذا؟ قال: يا ابراهيم.. ألم يُبقي لي لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً!! قال: بلى، فقال: فأي نعمة أكبر من هذه؟!
ننصرف من هذا المجلس

بأن يتأمل العبد ونظر في نعم الله واستشعر عظيم فضل الله فاض نور الحب في قلبه استشعر عظمة هذا الرب الكريم وإذا تفكر الإنسان في الدنيا وفنائها وما تلعب به بأهلها وكيف تعبث بهم ترفع أحدهم ثم ترميه وتلقي به، كيف تستر أحداً فترة ثم تفضحه، كيف تؤذي من أخلص لها وترك إخلاصه لله، كيف تدوس وتستخدم من خدمها، كيف هي قليلة العطاء كثيرة العناء سريعة الفناء، نبت في القلب نور الزهد..
فإذاً التفكر في آيات الله وعظمة ما أودع يورث نور المعرفة والتفكر في آلاء الله ونعم الله يورث الروح نور الحب والتفكر في أحوال الدنيا وفعلها في أهلها يورث القلب الزهد فيها وإنزالها منزلتها فتكون الدنيا في اليد ولا تكون الدنيا في القلب أبداً هذا معنى أو هذه نفحة نفحنا الله بها في هذا المجلس أو بداية أو مفتاح من مفاتيح التفكر، لكن الذي يقبل بنور الذكر على ساحة الفكر يفاتحه الله ويفتح على قلبه بمعانٍ من هذا التفكر يرتقي به مرة بؤنس يغيب به مع الله غياباً يفوق غياب السكران الذي يسكر بما يشرب، ذاك يسكر بشرب الإثم وهذا يسكر بشرب نور والتفكر والحب والشوق إلى الله، وتارةً يأخذه الله إليه بنور الخوف من الله وتارةً يأخذه إليه بنور الأنس بالله وتارةً يأخذه إليه بنور الحياء من الله، أنا قصرت وأعطاني فيتنقل العبد من نور إلى نور، من نور إلى نور، ولنا حديث بإذن الله الملك الواحد الكريم النور في المجلس القادم حول صلة بترقي الإنسان في معارج هذا الفكر ليرقى إلى معاملة الله بهذا الفكر رزقنا الله وإياكم أنوار الفكر ..
اللهم حققنا بحقائق الفكر وأنعم علينا بنعم الذكر واجعلنا من عبادك الصالحين، ويختم مجلسنا هذا بالدعاء أخي وسيدي الشيخ عدنان السقا حفظه الله تعالى وهو من كبار العلماء الدعاة إلى الله الذي عرفته وصحبته ورأيت فيه من الصفاء ما الله به أعلم، تفضلوا يا شيخ حفظكم الله..
دعاء .. الشيخ عدنا السقا..

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم وبارك على عبد وخليلك سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، اللهم تقبل منا من أعمالنا ما كان صالحاً، وأصلح منها ما كان فاسداً، وأصلح فساد قلوبنا واصلحلنا ظاهراً وباطناً يا مصلح الصالحين، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، اللهم إنا نسألك الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم زدنا حباً فيك وبأحبابك، اللهم اجعلها دروس ترقيق وتطبيق ونهوض واستنهاض ورقي وحضارة وتقدم، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم صل وسلم وبارك على عبد وخليلك سيدنا محمد، واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، الفاتحة..

محب الحبيب علي
24 Sep 2008, 08:26 PM
الدرس الثاني والعشرون - ارتباط الذكر والفكر


الحمد لله الذي يكرم الصادقين، بنور الفكر والفهم عنه، وصلى الله وسلم وبارك على إمام أهل الذكر والفكر سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سلك على نهجه إلى يوم الدين.
لعلك أخي يا من يريد الله عز وجل، قد استشعرت من مجلسك الذي مضى فتح أبواب من التفكر عمَرت بها وقتك، فان الوقت الذي يمضي على الإنسان إما أن يكون معمورا وإما أن يكون خربا، الوقت الخرب مثل الخرابة لا يمكن أن ينتفع بها؛ الذي يمر على الإنسان لا يصرفه فيما ينفعه فيما يفيده، والوقت المعمور هو الوقت الذي يرتقي به الإنسان..

لعلك عدت إلى ميدان الفكر، تفكرت بالدنيا وما تفعل بأهلها، وكيف تبيدهم وكيف تعبث بهم وتهينهم، فعافت نفسك الدنيا وزهدتها وجعلتها بـُلغة، تتبلغ بها إلى الآخرة، وفقهت أن من يلبس النعل في قدميه فقد وضع النعل في مكانه، لكن من أخذ نعليه ووضعهما على رأسه وقال: النعلان مهمان، وبهما يوقى الإنسان من الحر ومن القر ومن الزجاج ومن القذر، لا بدَ أن نحترم النعال لا بد أن نعطيها قدرها ظلمناها، تعالوا نضع النعال فوق الرأس وخرج إلى السوق وهو واضع نعليه على رأسه، ماذا يقال عنه؟ مجنون!!، نعم النعال نحتاج إليها لكن أين مكانها؟ في القدمين؛ الدنيا هكذا، نحتاج إليها لكن مكانها القدمين.
لعلك تفكرت في ذلك فعافت نفسك الدنيا، لعلك أعملت الفكر في عظيم صنع الله، في بدائع القدرة في هذا الوجود، في نفسك، فأورثك ذلك نورا من معرفة الله ترتقي به، لعلك أعملت الفكر فقضيت وقتا وأنت تتفكر في النعم الكبيرة التي أكرمك الله بها، ومن النعم العظيمة: الإمهال؛ الاستمرار بالنعم بالرغم من الأخطاء والتقصير، أنعم عليَ فأسأت فلم يسلبني النعمة، بل أمهلني لعلي أرجع، لعلي أتوب، فالإمهال من النعم، تفكرك في النعم هل أوجد في قلبك تذوقا لمعنى الحب لجناب الحق؟ اشتقت إليه أنست إليه، استشعرت عظيم فضله عليك سبحانه فقلت: الله..، لكن قلتها وأنت مشتاق إليه، الفكر يثمر في صاحبه ارتقاء في الذكر أيضا، فذكر المتفكر ليس كذكر الغافل، وهذا يغذي هذا، فإذا ارتقيت في الفكر إلى ميدان أعلى من الذكر، رقَاك الميدان الأعلى من الذكر إلى ميدان أعلى من الفكر، ومع الذكر والفكر نضيف ثالثا-وهو مزيجٌ بين الذِكر والفِكر- ألا وهو التدبّر لكلام الله عز وجل.
التدبر.. مزيج الذكر والفكر

عندما تتلو آيات الكتاب وأنت مستشعر عظمة الخطاب من رب الأرباب، كيف أكرمك بأن أذن لك أن تتلو كلامه؟ لولا فضل الله لما طاقت لما تحملت لما استطاعت ذواتنا الضَعيفة أن تتلو كلامه، الله سماه القول الثقيل (سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) وأخبرنا أنه أنزَله على قلب سيدنا محمد (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ) أخبرنا أنه تيسرَ بلسانِ سيدنا محمد (بِلِسَانِكَ) كما قال له الله عزوجلَ، ثمَ جاءنا هذا الكلام الغض الطري وصار لك الحق أن يكلمك الله، ما هذه العطية، عندما تأخذ كلام الله تأخذ المصحف وتتلو، الآن رب العزة يـُكلمك يخاطبك، فأنت تتلقى كلام الله من الله سبحانه عزَ وجلَ، هذا التعظيم والاستشعار عندما تنظر به يتحول إلى بصيرة تفتح لك خزائن كتاب الله في كل سورة في كل جزء في كل آية في كل كلمة بل في كل حرف، خزائن من عطايا الحق سبحانه وتعالى، فإذا أقبلت بنور التعظيم للمتكلم، فـَتح لك هذه الخزائن، قد تحتاج إلى ما يساعدك، مفاتيح من أمثال اللغة العربية، قراءة شيء من كتب التفسير، سماع كلام أهل العلم، لكن عندما تـُقبـِل مع هذا بتعظيم لكلام الله تستشعر أن الله يفتح لك خزائن كتابه فإذا به يُفيض عليك من أنوار الكتاب العزيز، مفاهيم، أذواق، علوم، تستشعر أنك تغرف من بحر كتابه سبحانه وتعالى.
* حكمة : كان أحد الصالحين من أهل هذا المسلك الراقي يتكلم عن الفؤاد فأعجز العلماء الذين استمعوا إليه تعجبوا قالوا كلامك كله منضبط بضابط الكتاب والسنة والشريعة لكن فيه معاني ما وقفنا عليها من قبل من أين أتيت بهذه العلوم؟ قال أتيت بها من آية من كتاب الله عزوجل، قالوا وما هذه الآية التي جئت منها بكل هذه العلوم؟ قال قوله عزوجل (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ) أقبـَلَ على مائدة القرآن فبسط الله تعالى له هذه المائدة..
إلى أين نصل بالتدبر ؟

هذا التدبر يجمع الإنسان على فهم راقي، هو قد نظر بعين التفكر إلى القرآن الصامت إلى هذا الوجود فاستلهم منه معاني ثم نظر إلى القرآن الناطق كلام رب العزة فاستلهم منه هذه المعاني وقد مهد طريق قلبه لذلك بالذكر فجمع بين الذكر والفكر والتدبّر (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) ما الذي يمنع الإنسان من التدبر، قلة المعرفة؟ قلة علم؟ قلة ذكاء؟، قال لا، (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) الذي يَحول بين الإنسان وبين أن يتدبر كلام الله الإقفال الذي يحصل على القلوب لكن إذا أقبلنا على هذه الساحة، نحن من بداية هذه المجالس نتكلم عن النية عن الباعث (http://www.almoreed.com/archives/episode2/) تتذكرون عن التوبة (http://www.almoreed.com/archives/episode3/) عن الخواطر التي تخطر على القلب، كيف يحفظ الإنسان قلبه (http://www.almoreed.com/archives/episode4/) عن الجوارح وهي النوافذ التي تصب على القلب كيف يحافظ الإنسان عليها، عن مداخل الشيطان (http://www.almoreed.com/archives/episode8/) كيف يـُكفاها، عن التفريق بين الخواطر كيف يتعامل معها، كل ذلك ليتهيأ القلب ليعمل.
مر معنا الكلام عن تطهير القلب من أمراضه من معاصي القلب؛ من الكبر (http://www.almoreed.com/archives/episode9/) من الرياء (http://www.almoreed.com/archives/episode10/) من الحسد (http://www.almoreed.com/archives/episode11/)مما يتفرع عن ذلك، تكلمنا عن طهارة الظاهر (http://www.almoreed.com/archives/episode12/)، تكلمنا عن حفظ الوقت، تكلمنا كيف تقوم الحياة على أساس أن الصلاة محور لهذه الحياة (http://www.almoreed.com/archives/episode14/)، تترتب الأوقات على أساس الصلاة، سرنا إلى النوافل والرواتب (http://www.almoreed.com/archives/episode19/)، وصلنا إلى الذكر، الذكر أوصلنا إلى إلى الفكر، الفكر أوصلنا إلى التدبر، وصلنا إلى حال من الطمأنينة، هذا الحال يحمل السالك السائر إلى الله على أن يعيش بتوظيف هذه العطايا التي هو في طريقه إلى الله يزداد منها في ميدان المعاملة مع الله، يبدأ العبد مع مرور الوقت عليه من الصباح إلى المساء مع مرور الأيام والليالي يشعر بأنه يُعامل من؟ الله، مع اختلاطه بالناس وما يخاطبونه به وما يعاملونه به، يُعامل الله، مع أحواله هو مع نفسه، يُعامل الله.
تشعر بالتكاسل ؟؟

شعرت في نفسك تكاسلا عن الطاعة، أقبلت بعد أن حضرت هذه المجالس أو سمعتها أو غيرها من مجالس الخير أو ما قذف الله في قلبك وبدأت تـُطبق هذا الكلام، جاءت عليك فترة بدأت تشعر فيها أن النفس بدأت تكسل، الملل السآمة الكسل، كيف تتعامل مع هذه المشكلة؟ أنت تتعامل مع الله، كيف تـُعامل هذه المشكلة التي في نفسك؟
1. الترغيب :
تأخذ من آيات الرجاء وأحاديث الرجاء، تتفكر في ما أكرم الله به الطائعين، عندما تعجز أوتتكاسل عن الخروج إلى المسجد، مرة من المرات كسلت نفسك ؛كل يوم كل يوم، بدأت تكسل بدأت تمل، تذكر أن السائر إلى المسجد على كل خطوة يخطوها ينال حسنة وتـُغفر له سيئة وتـُرفع له درجة، إذا ضعفت عن شيء من آداب الوضوء تذكرت أن هذا يجعل الوضوء سببا ًفي مغفرة ذنوبك، تخرج الذنوب مع آخر قطرات الوَضوء، إذا تكاسلت عن شيء من الرواتب التي تصليها تتذكر أنها تسد عجز أو الخطأ الفرائض التي ذهبت عنك من غير قصد، هذه معاني إذا تأملت فيها، ما أعطاه الله عزوجل للمتقين، ما أعطاه الله عزوجل للصابرين، فكلما وجدت تكاسلا من نفسك ذكرها، افتح لها أبواب الرجاء أبواب الطمع، لأن طبيعة النفس البشرية أنها إذا طمعت تحفزت كالولد الصغير، يا ولد اذهب للمدرسة آه طفشت،يا ولد ذاكر آه طفشت، آه طفشت حق الأطفال هذه هي موجودة عندي وعندك، ماهي؟ ملـّيت شغل الأطفال، الطفل الصغير ماذا تقول له أمه إذا وجدته ملّ عن المذاكرة تقول له لو ذاكرت أشتري لك حلوى، يقول لها حلاوة أكيد أمي؟ فيذهب، تأتيه الهمة.. إن عملت كذا سأعطيك كذا، هذه النفس التي يُحَفـّز بها الطفل هي نفسك هي هي لم تختلف لم تتغير، فالنفس البشرية تتحفز عندما تـُطَمّع بما ستـُعطى.
2. الترهيب :
أما إذا وجدت في نفسك إصراراً على المعصية ميلاً إليها استعذابا للمعصية، المعصية ليست فيها عذوبة فيها وهم العذوبة، وهم العذوبة تستعذبه النفس فإذا وجدت في نفسك استعذاباً أو ركوناً للمعصية أو ميلاً فهذا الوقت ليس وقت الرجاء الآن، هذا وقت الخوف، انتبه أنت لا تحتمل النار، ذكـّر نفسك بآيات العذاب وبأحاديث الترهيب، ما يحصل للعصاه، ما يقابلون به، إثم الغيبة، النميمة، أكل مال الناس بغير حق، الربا، الوقوع والعياذ بالله بالعلاقات التي لا تجوز، هذه الأشياء التي تهفو إليها النفس كلما وجدت فيها ميلاً إلى الحرام ذكرها بالعذاب ذكرها بالغضب.
3. التشويق :
إن كانت نفسك قد ارتقت قليلاً من ثمرة السير الذي بدأت به ذكرها بأشد عذاب في الوجود، تعرف ماهو أشد العذاب؟، طبعاً من أشد عذاب النار جهنم، لكن هناك عذاب أشد من جهنم، أن يعرض الله عنك أن لا ينظر الله إليك، انظر لما خاطب الحبيب صلى الله عليه وسلم ذوق الصحابة وذوق الأمة من ورائهم خوفهم من النار وذكر لهم الآيات التي في ذلك، لكن نبههم إلى ملمح قال: “ثلاثة لايكلمهم الله -هذا الإعراض- ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم“..
ما معنى قول النبي للصحابة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم؟ معنى هذا أن الحبيب يخاطب فينا الذوق، أنت تحب الله أنت تريد الله فإذا علمت أن هذا الفعل ستعاقب بسببه أن الله لن يكلمك، لن ينظر إليك، من الذي يفهم هذا الكلام؟ أهل الحب الحـَبّيبة كما يقولون، هم يفهمون هذا الكلام، إذا أحب إنسان انسان آخر بأي نوع من أنواع الحب أياً كانت هذه الصلة أو العلاقة راقية سافلة أياً كان لكن عنده حب -إن شاء الله محبتنا كلها تكون راقية- لكن إذا أحب هذا الإنسان إنسانا يمكن يتضايق لو أن هذا الإنسان شاتمه أو صرخ عليه أو غاضبه، لكن لو كان يحب بصدق سيتضايق أكثر لو أنه سكت عنه محبوبه، كلمني طيب عبرني خاطبني، يأتي إليه من هنا يعرض عنه يأتي من هنا يعرض، الذي يعرف الحب يُدرك هذا الكلام الذي أقوله الآن أن هذا أشد على الإنسان من أي شيء آخر، يقول كلمني ولو اشتمني بس كلمني، ياأخي اضربني بس لا تتركني هكذا، لماذا؟ لأنه يحبه فلم يطق هجره.
فإذا جاءك كلام يخبرك بأن هناك شيء قد يسبب والعياذ بالله أن يعرض الله عنك، هذه كبيرة، فلهذا السائر إلى الله بالتفكر بالفكر بالتدبر يعالج نفسه إذا وجد في نفسه تكاسلاَ عن الطاعة رغبها بالجنة بالعطاء بالإحسان بما أودع الله من نعيم بما وعد الله به الصادقين من كرم من فضل أصغر أهل الجنة يملك مثل الدنيا عشر مرات هذا أفقر أهل الجنة، أحوال المقبلين على الله عزوجل الذين رضيهم الله عزوجل، إذا قرأت فيها انتهضت همتك إلى الإقبال، ثم بعد ذلك إذا تذكرت العطاء الذي هو أكبر من الجنة وهو رضوان من يعطيك الجنة رضا الله عزوجل خالق الجنة…
نعبد الله للجنة أم للنار ؟!

احذر هنا من شطحات الشاطحين الذين يجعلون الكلام عن طلب رضوان الله والخوف من سخط الله مبرراً في الإستهانة بشأن الجنة والنار، أعوذ بالله، احذر هذا من مزالق الشيطان، يأتي الشيطان لبعض السائرين يقول ما الجنة وما النار أنت تريد الله، لا جنة ولا نار، لا!!، الجنة مَنّ الله بها أحبابه والنار خوف الله بها أولياءه، انتبهوا، فإذا ذُكِرت الجنة هامت قلوب الصادقين وإذا ذُكِرت النار ارتدعت قلوب الوجلين، لكن لا الجنة ولا النار هي المطلب، ما معنى؟ ليست هي العلة في عبادتنا لله؛ نحن لا نعبد الله من أجل الجنة والنار، لكن الجنة والنار تستحثنا في همتنا، نعبد الله لأنه أهل للعبادة.
* قصة : كانت رابعة العدوية رحمها الله وقفت على حد الإستقامة على هذا الباب، الناس بين تطرفين؛ شطح فما عاد يبالي لا بجنة ولا نار والعياذ بالله وهذا سوء أدب مع الله، أو صار نظره مقصور على الجنة والنار ولم يعد يتحرك لمعنى المعاملة مع خالق الجنة والنار، تحب إنسان يقول لك خذ هذه العطية، أخذت منه الهدية.. أوه هدية جميلة، بدأ يكلمك ما عدت تلتفت إليه، ناداك ما أجبته، ما هذا التصرف؟ شغلتك العطية عن المعطي، هذان تطرفان.
ما هو مسلك أهل الحق؟ مسلك أهل الحق يخافون من تخويف الله عباده من النار، ويطمعون فيما يطمع الله به عباده من الجنة، لكنهم لا يعبدونه من أجل ذلك، لهذا قالت رابعة رحمها الله (اللهم إني لا أعبدك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، ولكني أعبدك لأنك أهلٌ للعبادة) سمعها بعض من لم يفهم قال يا رابعة، اتقي الله هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل الله الجنة واستعاذ به من النار، قالت: وأنا أسأل الله الجنة بل الفردوس الأعلى من الجنة وأستعيذ به من النار- فلم يفهم- لكنها ليست سبب عبادتي، أنا أعبده لأني أحبه لأنه أهلاً للعبادة -ما فهم الرجل- قالت له: يا هذا، أرأيت إن لم يخلق جنة ولا ناراً، أما كان أهلاً لأن يعبد؟ ما كان يستحق أن يُعبد؟ أهل للعبادة أو ليس بأهل؟؟
التدبر.. من تهذيب النفس إلى معاملة الله في الناس !!

ولهذا توظيف أوتوجيه لهذا الفكر والتدبر والذكر إلى معنى المعاملة مع الله ترقيك إلى رتبة تبدأ فيها بصلتك بالناس تعامل الله عزوجل أيضاً، فهمت؟ بصلتك بالناس تعامل الله عزوجل، أول بدأت مع نفسك، نفسك كسلت ذكرتها بالثواب والعطاء انتهضت، تجرأت على المعاصي خوفتها ارتدعت، هذا إعمال ثمرة الذكر والفكر والتدبر في النفس ثم بعد ذلك إعمال هذه الثمار بصلتك بالخلق.
لماذا تحب فلاناً؟ تقول والله ظريف دمه خفيف، أيضاً الكافر يحب الكافر إذا كان ظريفاً ودمه خفيفاً ما الفرق بينك وبينه؟، لماذا تحب فلان؟ لأنه يساعدني ويقف معي، حتى غير المؤمن نفس الشيء، الكلب الحمار الهرة تحب الذي يساعدها أيضاً ما الفرق بينك وبين ذلك؟
تعال تعال ما سمعت عن شيء اسمه الحب في الله، والذي ساعدني؟ نعم أنا أحبه في الله لأن الله جعله سبباً في جريان الخير إلي من لم يشكر الناس لم يشكر الله المسألة محلولة، المفارقة بين المؤمن وغير المؤمن لا تجعل غير المؤمن على التضاد لا تلغي في المؤمن إنسانيته وبشريته أبداً، لكن المفارقة تضيف على بشرية وإنسانية المؤمن إرتقاءً، أنا أحب من يحسن إلي، لكن لماذا أحبه؟ لأن الله أجرى الاحسان على يده إليّ، أحب الذي ينصحني لأن الله أجرى التنبيه على لسانه لي، أحب الذي عنده خفة دم ولطف لأن الله يدخل السرور على قلبي بسببه، فأنا أحب هذا لأن الله، وأحب هذا لأن الله، فحبي لهم من أجل من الله، صار حباً مرتبطاً بالله..
- لمزاح ..

شخص أضحكني لكن بشيء محرم ينفع أقول أحبه لأن الله أدخل السرور على قلبي بسببه بشيء محرم!!؟ ما أحب هذا، عرفتم الفرق؟، يا أخي هذه فلسفة، سيان أنا أحبه لأن دمه خفيف واختصر المسألة، نقول لا، أحبه لأن الله أدخل السرور على قلبي بواسطته على يده فإذا جاء يدخل السرور على قلبي بما يغضب الله نحب هذا؟ لا، حتى لو أرادت نفسي أن تتمتع، نكتة مضحكة لكن فيها شيء محرم، ياأخي مضحكة لا تثقل علينا تكدر تشدد علينا، لا لا، أنا أوسع عليك هذا لك، هذه النكتة المضحكة بشيء محرم يغضب الله هل سيدوم فرحك بها؟ ضحكت نصف دقيقة تضحك أكثر منها دقيقة دقيقتين تضحك أكثر من خمس دقائق بسبب نكتة؟ ما أظن وإلا صارت مرضاً، طيب خمس دقائق أضحكك فيها وأوقات أبكاك فيها في قبرك لأنك رضيت أن تسمع الحرام وأقررت بالحرام، أوقاتاً أبكاك فيها يوم القيامة أوقاتا أحرجك فيها عندما تقف بين يدي الله ويسألك عن قيمة السمع التي أعطاك إياه فأصغيت به بما لا يرضيه، غيبة نميمة لكنها مضحكة بطريقة مضحكة، أنت الآن ترفض، لماذا؟ لأن الإضحاك هنا لم يتصل بالله لم يكن على وصف يُرضي الله، لاحظتم الفرق؟
* مزح النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ..
الحبيب صلى الله عليه وسلم كان له من الصحابة صاحباً اسمه نعيمان يُضحك رسول الله ينكت كثيراً ويعمل مقالب مع الصحابة ولكن بوصف فيه الرضى ويلاطفهم ويضحكون، مرة جاء برجل أعرابي يبيع العسل ووجد ان الاعرابي يشكو، ما أحد يشتري مني العسل لم يُشترى عسلي، قال أنا آخذك إلى من يشتري منك العسل، أعرابي أول مرة يدخل المدينة.. أخذه وأوقفه على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انتظر وأخذ العسل ودخل إلى رسول الله وقال يا رسول الله هذا هدية لك وانصرف، وقال لهذا الأعرابي لقد اشترى صاحب هذا البيت العسل وسيخرج يعطيك المال، خرج رسول الله فأمسك به الأعرابي وقال أين المال، قال أي مالٍ قال مال العسل، قال أهدانيه نعيمان، قال إنه عسلي، فضحك رسول الله وقال فعلها نعيمان أجزلوا العطاء للأعرابي، فأخذ الأعرابي ماله.
كان في نكت، كان في مقالب، لكن لم يثنهم ذلك قط على أن يكونوا مع الله كانوا يضحكون.. تأتي عجوز تقول يا رسول الله ادعوا الله أن يدخلني الجنة، قال لا تدخل الجنة عجوز، آه يا رسول الله، قال تعودين شابة ثلاثة وثلاثين سنة عمرك.
أوجد هذا المعنى لكن على وصف يرضي الله نضحك في الدنيا ونضحك في الآخرة لا نضحك في الدنيا مع أناس يضحكونا قليلاً ويبكونا كثيراً، هذه ثمرة إعمال الفكر أثناء التعامل مع الخلق.
- معروف الناس ..

إنسان أجرى الله على يديه معروفاُ لك مصلحة، مساعدة مالية أو وظيفة أو انقاذ من موقف أياً كان، إما أن يحجبك عن الله أو يزيدك قرباً من الله ما هناك ثالث، ما يمكن ان يكون حياد في التعامل مع البشر، إما أن يكون تعاملك مع الخلق يزيدك قربا من الله أو يبعدك عن الله والعياذ بالله إذا لم تتنبه. هذا أحسن إليك، من الذي أحسن إليك؟ الله، أجرى الله الإحسان على يد عبده فلان فمن الذي أجرى لك الإحسان، الله، هذا فكر، تتكلمون عن المفكرين هذا الفكر، أجرى الله على يده الإحسان إليك.
يوم من الأيام شخص يقول لك أحسن إليك لكن مقابل أن تغير شيء بالعمل تغش مقابل أن تقبل تمريرة الشيء الفلاني بما لا يجوز، حرام أو إضرار بالناس أو سرقة أو أكل أموال الناس بغير الحق أو أذى للبشر، كيف تتعامل معه؟ أنت تحبه هو الذي أحسن إليك، إذا كنت تنظر من زاوية فلان له فضل علي أحسن إلي قد تخجل ها؟ قد تضطر تمضيها له أو تطمع أن يعطيك مرة ثانية تمضيها له، لكن إن كنت تنظر على أن الله أجرى الخير إليك على يده، كيف الله سيجري خير على يد فلان بشيء يغضبه!!! لا والله لا أغضبه أبداً أنا أنتظر الخير مِن مَن؟ من الله فإذا كنت أنتظر العطاء من الله أوافق أحداً من خلقه لأن الله أجرى على يده الخير على معصيته؟ على ما يغضبه؟ أنا انتظر منه العطاء إذاً لا أخالفه أبداً، لا!! جزاك الله خير أحسنت إلي فيما وأسأل الله أن يثيبك ولعل الله يقدرني أن أرد لك المعروف يوماً من الأيام لكن لن أعصيه من أجلك أبداً، لماذا لا تعصيه؟ لأني أشهد أن الله يعطيني على يد فلان وليس فلان الذي يعطيني.
أرأيتم الفرق بين أن ننظر في معاملاتنا مع البشر على أن البشر يستقلون بالنفع بالضر بإدخال الحزن بإدخال الفرح بالإغضاب بالخوف وبين أنهم آلة كما يقول بعض العوام عندنا في حضرموت في اليمن.. يقولون الكون آلة بيد الجلالة، آلات ينفذون ما يسيرهم الله تعالى به إما عطاء لعباده أو ابتلاءً لعباده..

ننصرف من هذا المجلس

فهمنا؟، هل وصل المقصود؟ يا رب، إذا وصل المقصود إلى قلبك تحولت حياتك كلها في معاملتك للخلق لكن الكلام هذا مقنع صحيح؟، لكن هناك مسافة بين الإقتناع به وبين تطبيقه، تعرف ما هي هذه المسافة؟ أيها السائر إلى الله أيها المريد أيها الراغب في قرب الله، المسافة بين سماع هذا الكلام والإقتناع به وقبوله والفرح به وبين تحويله إلى واقع أنت، نفسك، النفس فقط هي المسافة، متى ما أقبلت على النفس لتطلب ارتقاء هذه النفس لتطلب سمو هذه النفس اشتغل على نفسك بالله عزوجل، انظر كيف يتحول هذا الكلام من معاني تتذوقها تعجبك إلى حياة تعيشها.
في البداية ابدأ بتقويم ألفاظك.. ابدأ روض نفسك، بدل ما تقول فلان أعطاني، أجرى الله لي على يد فلان، أو فلان رتب كذا، ابتلاني الله على يد فلان، فلان تسلط علي، سَلطه الله علي بكذا وكذا لعل الله يريد أن يذكرني، كيف؟؟؟ انتبه للمسألة هذه: فلان مجرم فعل بي آذاني، فلان سلطه الله علي إن شاء الله يرفع عني هذا التسليط.. ما الذي يترتب على كلمة سلطه الله علي؟، لا ليس الاستسلام للسوء الذي يفعله فلان، يترتب على ذلك محاسبة النفس الرجوع إلى النفس، أين الأخطاء التي ارتكبتها؟ أين الذنوب التي فعلتها؟ أين الإساءة التي أسأت بها إلى بعض الخلق ربما ممن هم أضعف مني فسلط الله علي آخر؟ أبدأ أحاسب نفسي لكي أتبصر كيف أرد هذا الأذى كيف أستعين بالله على رد هذا التسليط “أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك“، هذا سيوصلنا من هذه الميادين إلى ميدان الإقبال على النفس للعمل على ارتقاء أنفسنا مستعينين بالله عزوجل في مراتب ترقي النفس.

يقولون الأنفس سبعة.. أول هذه الأنفس، النفس الأمارة بالسوء (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)، ثم تبدأ ترتقي من الأمارة إلى اللوامة إلى الملهمة إلى المطمئنة إلى الراضية إلى المرضية إلى الكاملة هذه سبع مراتب للنفس.. وهو ما يأتي الحديث عنه إن شاء الله عز وجل في المجلس القادم، ارتقاء السائر إلى الله في مراتب تزكية النفس .
أسأل الله عزوجل أن يرزقنا وإياكم كمال ذلك يا رب.. أجريت على لسان عبدك الفقير المذنب المخطئ المقصر شيئأً من كلام أهل الصدق معك مما ذكروه في كتبهم أو علموه لطلابهم مما ورثوه عن نبيك صلى الله عليه وسلم، نسألك الله أن تنظر إلينا نظرة تلهمنا بها من التوفيق ما نتهيأ به لكمال الإقبال عليك وصدق المعاملة معك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

محب الحبيب علي
25 Sep 2008, 09:27 AM
الدرس الثالث والعشرون - مراتب النفس


الحمد لله الذي يلهم نفس الإنسان فجورها وتقواها، سبحانه عز وجل خلق النفس لتكون محلا لخطابه، فترتقي بهذا الخطاب (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)، اللهم صلِّ وسلم على إمام أهل النفوس الكاملة المطمئنة الراضية المرضية سيدنا محمد، اللهم صلِّ وسلم على إمام أهل تزكية الأنفس سيدنا محمد، اللهم صلِّ وسلم على من لا تتزكى نفس مسلم إلا بنور متابعته ومحبته سيدنا محمد، وعلى آل بيته وأصحابه وتابعيهم والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
هل خاطبت نفسك من المجلس الذي مضى إلى الآن في توجيه نور الذكر النابع من قلبك إلى ميدان الفكر، والعودة بميدان الفكر إلى مرتبة التدبر في كلام الله عز وجل، لتتهيأ لفهم المعاملة مع الله حال تعاملك مع خلقه، ما الذي يؤخرك عن ذلك؟

ربما تتأثر بكلام تسمعه بمجلس فتعتزم، ثم بعد ذلك عندما تدخل في خضم الحياة وهذا يغضبك وهذا يضايقك أو هذا يؤذيك يتبخر أو تغفل لا أقول يتبخر لأن النور يبقى بإذن الله، لكن ربما ينحجب عنك في ساعة الإنفعال معنى التعامل بما كنت نويت أن تتعامل به، لماذا؟ لماذا سمعت من قبل من دعاة إلى الله أو قرأت في كتاب أو استشعرت في لحظة تفكر أن الحِلم وغض الطرف والصبر عند الأذى والعفو والصفح عند المقدرة أن هذه خصال راقية يحبها الله ورسوله، وأنت كإنسان تشعر أنك تجل صاحبها، ثم بعد ذلك في اللحظة التي استغضبت فيها أو استثرت غاب عنك هذا المعنى ما تذكرته، لك مدة وأنت تردد “ما ازداد عبد بعفو إلا عزاً” هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لما جاء المحك واستفزك أحد بأذى واستطعت أن تنتقم منه أردت أن تشفي غليلك ما استطعت أن تصبر أو أن تعفو لماذا؟ لماذا أنت مقتنع أن الكذب لايليق بمؤمن لا يليق بإنسان، لما دخلت صفقة معينة وشعرت أنه الرقم كبير سيفوتك قبلت أن تكذب حتى تنال هذه الصفقة، أنت تعرف أن هذا خطأ، أنت في داخلك مقتنع أن هذا دون، أن هذا انحطاط، لكن تحاول أن لاتراها في تلك الساعة، لماذاغـُلبت في تلك اللحظة؟ لماذا عندما مالت نفسك إلى شئ تشتهيه وأنت تعلم أنه حرام تعلم أن ضرره كبير عليك في الدنيا والآخرة لكنك في لحظة تأجج الرغبة ضعفت وانسقت، مع أنك كنت تعلم أن هذا خطأ أين ذهب ذلكم العلم في لحظة الانفعال بغريزة أو بغضب أو بطمع؟ ما الذي غيب عنك ذلك الاستشعار؟
ما الذي جعلك تنسى في لحظة فتسب وتشتم بألفاظ عندما هدأت وسكنت بعد ذلك قلت أستغفر الله، الله يهدي فلان، استفزنا خلانا نقول كلام ما كنا نريد أن نقوله، فلماذا قلته؟ قال فلان هو الذي استفزنا خلانا أقول؛ جعلني أقول ما لم أكن أريد أن أقول، أفلان جعلك!! معنى هذا أن فلان تحكـّم فيك! معنى هذا أن فلان كان أقوى منك! معنى هذا أنك ضعفت أمام فلان، صحيح؟ اعترف، لو لم تضعف أمامه لما استطاع أن يخرجك عما كنت تريد أن تبقى عليه، أنت كنت تريد أن تبقى على الخلق العالي، لم تكن تريد أن تسب أو تشتم، كيف نجح في جعلك تسب أو تشتم، كيف استطاع أن يُخرجك من حيزك الذي أنت مقتنع ومؤمن بأنه الأرقى، إلى حيز أنت تعلم وأنت تعتقد وتؤمن بأنه ليس الأرقى، بأقل درجاته أنا قلت ليس الأرقى في أحسن أحواله، ما السبب؟
مشاكل العالم من أين ؟

اليوم عندما نتكلم مع الأمة، ما سبب مشاكل المسلمين اليوم وما سبب الأذى؟ قال المؤامرات وأعداء الإسلام والتخطيطات والشرق والغرب، مؤامرات توجد مؤامرات والذي يقول لا توجد مؤامرات يضحك على نفسه، لكن هل هي السبب؟ نَصدُق قليلا، طيب السبب الحكام والأعمال التي يعملوها وتصرفاتهم والحكام فعلو وتركوا و…، هناك حكام يخطؤون لكن هل هو السبب؟ العلماء.. العلماء ينافقون يداهنون همهم الدنيا، طيب حاضر يوجد علماء دنيا لكن هل هذا هو السبب؟ من السبب؟ التجار.. التجار فجار هؤلاء لأجل الدنيا يحتكرون يغشون يؤذون الناس ما عندهم دين ولا أمانة، والتجار من بقي؟ والعمال؟ أي عمال ما عندهم أمانة لو غفلت قليل عنهم يهملون الشغل ولا يعملون العمل كما ينبغي، والعمال أيضاً، تعال، معك، ما رأيك في المزارعين؟ أين المزارعين كان هناك من المزارعين من يمكن أن يقوم لكن اليوم أخذهم الطمع ما عادوا مهتمين بالزراعة ولا يقنعون بالحياة البسيطة التي كانوا عليها، والمزارعين أيضاً، والجيران؟ وين الله يرحم الجيران الذين كانوا يتفقدون جيرانهم الآن ما سلمنا من أذاهم ما عاد نريد نفعهم؛ سيارتهم يوقفونها أمام بابنا، يؤذونا، الصوت العالي أولادهم ينظرون لبناتنا، الجيران صاروا نيران، والجيران شطبناهم، لاحظ بالأول العالم، الشرق والغرب، الحكام، العلماء، التجار، العمال والمزارعين، وحتى الذين حواليهم الجيران، صرنا نقترب الآن من الدائرة شيئاً فشيئاً، طيب ما رأيك بالأقارب؟ الأقارب عقارب، فلانة عملت سحر على فلانة، وهذاك عمل كذا، لماذا مقاطع فلان؟ يا أخي خلينا نكف شرهم أنا ما في قلبي شيء لكن ما أريد أن أراهم ولا أسلم عليهم، والأقارب!! حاضر من بقي؟ البيت، لا الجيران ولا الأقارب ولا..، ها يا رجّال ما أخبار الحريم هذا الزمان؟ الحريم!، والله ما عاد يرضيهم شيء كل يوم تريد فستان جديد تريد تعمل كذا ما عاد يسمعون الكلام وين كانوا زمان أول..، والحريم، طيب يا مرأة ما أخبار الرجل زوجك؟ الرجال! أين الرجال؟ تصدق في رجال بهذا الزمان؟ هذا همه ياكل ويشرب، طيب يا أب يا أم ما أخبار الأولاد؟ أولاد! زمان كانوا أولاد، الله يرحم زمان كنا ما نقدر نرفع عيننا في عين آبائنا وأمهاتنا، اليوم أبناء هذا الزمان عقوق وما في أدب ولا احترام -مع أنه في الحقيقة من رباهم؟- لكن خلاص خلاص حاضر والأولاد كذلك راحوا، طيب يا أولاد والآباء والأمهات؟ فين الآباء والأمهات الله يرحم جدتي كانت تسهر طول الليل لو أنا مرضت اليوم أمي همها تروح الكوافيرا وتعمل تسريحة، وأبوي يروح يلعب مع أصحابه في القهوة..!!
نقد الذات..

تعالوا، إذاً من الطيب؟ أنا!!؛ الذات؟؟ العالم كله على سوء وحكامنا وعلماءنا وتجارنا وعمالنا ومزارعينا وجيراننا وأقاربنا والحرمة تقول الرجّال والرجّال يقول المرأة والآباء يقولون الأبناء والأبناء يرمونها على الآباء، من سينتقد نفسه إذاً؟ إذا كانت المشكلة الجميع إلا أنت، أنت الذي بقيت صالح في الأرض؟ يعني العالم كله هو سبب إشكال العالم وأنت الصالح الوحيد في الأرض؟
تعالوا بنا إذاً ننظر من الناحية الأخرى، أنت، أنا المتكلم، كم مرة أخطأت في حق أبنائي؟ (نبتدأ بالدائرة القريبة) هذا ولدي موجود هنا ادعوا له بالخير- كم من المرات تمر أيام يشتاق يرى والده يصعب عليه أن يجلس معي؟ أتكلم عن نفسي علي الجفري يكلمكم، تعالوا بنا نبدأ سُنـّة نقد الذات، والداي جزاهم الله عني خير الجزاء يقولان نحن راضيين عنك وهبناك لله لكن كم من المرات قصرت معهما في المعاملة، الزوجة كم مرة من المرات قصرت معها في المعاملة، الأقارب والأرحام، الجيران بعض الجيران إلى الآن لم أقم بواجب التعرف عليهم كما ينبغي، علاقاتي بالناس بالعلماء كم عالم من العلماء سَلِم من لساني عندما أختلف معه من سوء أدبي عليه؟، لما أتكلم عن التجار كم من التجار سَلِم من تصرفاتي معه؟، كم من الحكّام صدقت معه في النصيحة، وكم من الحكام حسّنت الحسن الذي صدر عنه ونصحته في السيّء ودعوت له في ظهر الغيب بأن يُصلح الله شأنه؟
حل مشاكل العالم من أين يبدأ؟

الحقيقة يا إخوان أن حل مشاكل العالم -مع ان الكلام عن الإرادة أيها المريد هذا عنوان المجالس- حل مشاكل العالم تبدأ من هنا من أنفسنا من الداخل (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) تعلوا نتأمل مَلحَظ في هذه الآية (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ) التغير هنا نـُسِب إلى من؟ إلى الله، متى يغير الله ما بقوم؟ قال: (حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) التغيير الثاني نـَسبه إلى من؟ إلينا، تأمل، الواقع الذي نعيشه يتغير بأمر من الله، متى يتغير؟ حتى نغير نحن أنفسنا، طيب تغيير أنفسنا ألا يكون بتوفيق من الله؟ بلى، لا يستطيع أحدٌ أن يغير نفسه إلى الأفضل إلا بتوفيق من الله سبحانه عز وجل، إذاً في المرة الأولى نسب التغيير إليه مع أننا مطالبون با لتسبب لتغيير واقعنا، وفي الثانية نسب التغيير إلينا مع أن التوفيق من الله عز وجل في التغيير لأن التكليف هكذا يبدأ، حتى يُغير الله واقعنا وحتى نرى التغيير في واقعنا نحن بحاجة إلى أن نبدأ بالعمل على تغيير أنفسنا، فلهذا في مجلسنا الحديث عن تغيير أنفسنا..
الحديث عن تغيير النفس في المجلس الليلة يرجع إلى الغوص على أسرار حالة النفس وتقلبات الأنفس، الحق سبحانه وتعالى ذكر النفس مراراً في كتابه، ووصف النفس بأوصاف مختلفة في كل مرة يذكر فيها النفس..
مراتب النفس

1. النفس الأمارة :

صفة الأمر بالسوء، على لسان امرأة العزيز وقال بعض أهل التفسير على لسان سيدنا يوسف عليه السلام (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) كنا في نهاية المجلس الماضي ذكرنا أنّ كلمة أمارة صيغة مبالغة بمعنى أن النفس تأمر وتأمر وتأمر تستمر بكثرة تأمر بالسوء هذه في البداية هكذا النفوس، أما أوّل ما خلقها الله منذ الولادة كانت لا تطلب إلاّ الخير “كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ” لكن لما تلوّثت فطرة النفس بالشهوة بالطعام بالشراب بالصّلة بالعراك بالعلاقات بالناس أصبحت معجونة بالأمر بالسوء، لأن صفة الأنانية تبحث دائماً عن شهوتها عن حظّها عن رغبتها عن الإنتصار لذاتها فلهذا تأمر صاحبها بالسوء..
هل أنت مقتنع أن نفسك تأمر بالسوء؟ يالله نبتدأ من الآن، هذه خطوة عملية، هل ضبطتها مرة من المرات أمرتك بالسوء؟ أحياناً، طيب أحياناً ضبطتها وهي تأمر بالسوء وأحياناً؟ كيف فاتك الضبط هذا؟ تعرف لماذا؟ لأن سُنـّة قرآنية قد أمتناها نحتاج أن نحييها، أيّها السائر إلى الله اشرع ابدأ في إحياء هذه السُنـّة القرآنية، ما هي السُنـّة القرآنية؟ سُنـّة نقد الذات نبدأ نروّض أنفسنا على أن يكون من السهل علينا أن ننتقد أنفسنا، كسرت شيء في البيت، آسف أنا كسرت، غلطت بالعمل، أنا أخطأت في هذا الأمر، لا تبحث عن من تـُلقي عليه خطأك، لا أصل فلان ما بلّغني الطلبية، متأخر، لا أصل فلان عمل كذا..، لا لا أنت أخطأت؟ أنا أخطأت وانتهى الأمر، وأتحمل مسؤولية خطئي لا أتوقع أن يُعفى عني من قبل الناس، لكن أكون شجاعاً أنا أخطأت، أبدأ أروّض نفسي.
ما الفرق بين نقد الذات وجلد الذات؟ جلد الذات أن ينتقد الإنسان نفسه بغير طريقة لارتقائها، هذا يورثها الإحباط، لكن نقد الذات أن تعترف بالخطأ وتبدأ خطوة لتصويب وتصحيح الخطأ، تبدأ تفكر لماذا نفسي أمرتني بهذا الأمر السيئ؟ لماذا أخطأت في هذه المسألة؟ كيف أغلِـق هذا الباب السيئ على نفسي؟ تتذكرون الكلام عن الخواطر؟ كيف وَلـَجَ إلى قلبي خاطر السوء الفلاني من النفس وقبلته؟ إذاً هذه النفس بحاجة إلى تربية، كيف كان الكلام في المجلس الذي تـُحدِث به عن الخواطر عن معالجة خاطر السوء خاطر الشر الذي يأتي من النفس، أحد يذكر؟ بأمرين: تقليل العلف، وتكثير العمل، قلِل مشتهياتها وتناول المشتهيات، ما كل شيء تأمرك تقول حاضر حاضر، ولو في المباحات، أعطها من المباحات ما تنشط به إلى الطاعة، لكن لا تكن عبدها كل ما اشتهت شيء تقول حاضر، لا، قلِل العـَلف وكثـّر العمل؛ ألزمها العمل، قومي صلي هذه الليلة صلاة الوتر أحد عشرة ركعة ما قدرت ثلاث ركعات المهم صلّي الوتر، كلفها اقرأي اليوم جزءاً من كلام الله عزوجل، أوه مستثقلة.. اقرئيه، لا تعوّد نفسك أن تعمل فقط عندما تتمتع بالعمل، أن تشترط عليك نفسك حتى تستجيب أن تكون هي راغبة ومتمتعة، ستتحول إلى عبد لنفسك وستستمر النفس تأمر بالسوء تأمر بالسوء وأنت تستجيب انظر إلى المنظر حرام نظرت، قل الكلمة البذيئة قلت، خذ هذا الأمر الذي ليس لك أخذت تعوّدت أن تطيع، لماذا؟ لأنك عوّدتها من قبل أن تطيعها في كل شيء، لكن لو عودتها أن لا تطيعها في كل شيء، ما يصلح تطيعها فيه وما لا يصلح لا تطيعها، وعوّدتها أيضاً أن تلزمها أن تعمل وهي مستثقلة، دخل عليك شهر رمضان في أول يوم كان عندك حماسة ونشاط صلّيت التراويح إلى العشرين ركعة وثلاث ركعات، وبدأت تقرأ كلام الله، يومين ثلاثة بدأت تمل، تبحث عن إمام سريع أو بدأت تمل فصليت بعض الركعات وانصرفت، لا!!، صلي وأنت مالّ، البعض يأتي الشيطان أو تأتي النفس تضحك عليه، تقول لا، لازم تصلي وأنت متلذّذ راغب، أنت كيف تقابل الله وأنت غير..؟ لا قابل الله يحبك الله عزوجل ويثيبك ويرقيك إذا رآك تـُجهد نفسك من أجله، وهي مستثقلة وغير راغبة صلِّ أتمِّ،
تتذكرون المثل الذي كنا نذكره في ترويض النفس؟، مثل الحصان الذي لم يروّض، رأيت منظر من قبل لفارس يروض الحصان دائماً يحاول أن يلقي بصاحبه من على ظهره، لايريد الفارس أن يركب على ظهره، يسقطه مرتين ثلاث أربع مرات صحيح؟ لكن لو يأس الفارس وقال هذا ما فيه فائدة خلاص اتركوه، ممكن أن يتروض هذا الحصان؟ ممكن؟ لا، لكن لو أصرّ الفارس مرّة بعد مرّة بعد مرّة، هذا الرفض يتحوّل إلى ماذا؟ إلى تقبل تقبل تقبل إلى الدرجة التي يصبح فيها الحصان يفهم الكلمة من صاحبه؛ انطلق ينطلق يصفـّر أو يصفق صفقة يأتي الحصان يجري إليه، ما السبب؟ رُوِّض، نفسك هكذا، أثقِل عليها بشيء من الطاعات -بتدرج بملاحظة- عملت طاعة أثبها، الحصان إذا قبل بعض الترويضات كالقفز على الحواجز يعطيه صاحبه سكـّر صحيح؟ يقول له خذ يعطيه لوز يعطيه حلوى، أن تتعود أن تعطيها المشتهيات الحلال بعد عمل طاعة، هي تتروض بهذا الأمر، فإذا بدأت النفس تتروض بالاستمرار بالذكر والفكر والتدبر الذي كان الكلام عنها في المجالس الماضية، وبدأت تروّضها شيء فشيء، بدأت النفس هي تذوق لذة المعاملة- شيء بسيط- بدأت هي تتقبل، فتتحول من النفس الأمارة إلى رتبة أخرى،..
2. النفس اللوامة :

يقول الله عزوجل: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) أي أقسم، سماها اللوامة، لماذا لوّامة؟ كانت أمارة؛ دائماً تأمر بالسوء بالسوء، الآن صارت تأمر أحياناً بالسوء ثم تلوم صاحبها على السوء؛ أنا لماذا عملت كذا؟ أنا لماذا البارحة نمت دون أن أصلي الوتر؟ أنا لماذا أطلقت لساني بالكلام؟ أنا إيش يلي يخليني أمشي مع أصحابي السيئين في الموضوع الفلاني؟ لماذا قبلت الإغراء بالصفقة الفلانية؟ تبدأ تلوم، في البداية هي قالت لك اعمل هي أعجبها الأمر، لكن ثم تنبهت واستيقظت وبدأت تلوم، فلها وجه إلى النفس الأمارة ولها وجه إلى النفس الراغبة في الخير المطمئنة، هذه النفس اللوامة إذا استمريت معها بنفس العلاج الذي عالجت به النفس الأمارة، مع زيادة شيء هو التذكير بالمعاني، النفس الأمارة تحتاج إلى السَوق بالجلد بالشغل اشتغلِ قللِ العلف -مجاهدة- فإذا أصبحت لوامة ساعة تلوم على الشر وتـُرَغـّب بالخير، وساعة تأمر بالشر، في هذه الحالة أنت تحتاج إلى الاستمرار معها في السوق بالإثقال عليها، اعملي وأنتِ غير راغبة واتركِ وأنت راغبة -المجاهدة لها- لكن أيضاً ابدأ خاطبها بالمعاني، أنوار الترغيب أنوار الترهيب التشويق إلى الله سبحانه وتعالى، أسمعها صوت قارئ للقرآن بصوت عذب، أسمعها صوت منشد يحرك فيها همة، رغبها اجعلها تخرج مع بعض الصالحين، قل لها: ما رأيك ننال رتبة كذا وعطاء كذا، خذها إلى ميدان التدبر في كتاب الله، تبدأ ترتقي تتنوّر، فإذا تنورت ارتقت إلى الرتبة الثالثة ..
3. النفس الملهمة :

قال الله عن هذه النفس (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) فإذا بدأت النفس تشعر بمعنى الاستلهام، ما معنى تشعر بمعنى الإستلهام؟ تبدأ تستوعب ما يجري، تبدأ تميز بين الخاطر الرباني، لمّة الملك، وسوسة الشيطان، وهواها وحظها كنفس، بين الاستدراج، بين المثوبة والعقوبة، بدأت تستلهم الاستبيان والاستبصار، فإذا وصلت إلى هذه المرتبة استمر في مجاهدتها وفيما كان أيام النفس الأمارة، واستمر في تنفيسها بالنظر في المعاني، وزد على ذلك إغراقها في الذكر، الاستغراق في الفكر والاستمرار في الذكر مع الفكر يجعل النفس الملهمة يقوى فيها جانب النور على جانب الظـُلمة تبدأ هذه النفس ترتاح لثمرة الخير.
أحد الصحابة جاء من بلاده وأتعب الراحلة وتعب وخاف أن المصطفى يتوفى صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يعرف الجواب منه، قال: “يا رسول الله! أسألك عن علامة الله فيمن يريد وعلامته فيمن لا يريد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف أصبحت؟ -تريد تعرف حالك مع الله انظر كيف أصبحت- قال: أصبحت أحب الخير وأهله ومن يعمل به، وإن عملت به أيقنت بثوابه، فإن فاتني منه شيء حننت إليه، قال: هذه علامة الله فيمن يريد وعلامته فيمن لا يريد؛ ولو أرادك بالأخرى هيأك لها ثم لم يبال في أي واد هلكت“.
ما هي العلامات؟ أحب أحب أفرح أحزن،. حُب فرح حٌزن، هذا ماذا نسميه أحوال معاني في باطن الإنسان، فعندما تمون النفس الملهمة يرتقي بها صاحب يجعلها تعيش هذه المعاني، أحب الخير وفعل الخير أفرح بتوفيق الله لي بفعل الخير أحزن إذا فاتني شيء من فعل الخير، الإغراق في الذكر يجعل هذه النفس الملهمة تبدأ ترسخ، ما معنى ترسخ؟ تبدأ تستقر على الطاعة تستلهم أنوار الطاعة فتستقر تـُعرض عن المعاصي، تـُعرض عليها المعاصي فتأباها وتستقر استقرار.. استقرار استقرار.. ماذا يحصل لهذه النفس؟
4. النفس المطمئنة :

(الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) إذا بدأت النفس تطمئن تتهيأ لأن يخاطبها الله، نحن يخاطبنا الله في كل يوم في كل ليلة في آية من الذكر تقرأها الله يخاطبك في كل صلاة تصليها تتذكرون؟ (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي، الله يخاطبنا لكن إذا اطمئنت النفس بدأت تتذوق في باطنها أثر خطاب الله عزوجل عليها، قال الله عزوجل في معرض هذا البيان (يَا أَيَّتُهَا) العرب يأيهون إذا أرادوا أن يكرموا، ما قال يانفس مطمئنة، (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً)، فإذا اطمئنت النفس جاءها خطاب من الله بالرجوع إليه في حال النفس المطمئنة يعتني صاحب النفس المطمئنة بالرضى عن كل ما يأتي من الله يعتني بمعنى الرجوع إلى الله، جاءت نعمة، من الله، جاء بلاء، من الله رضيت رضيت..
5. النفس الراضية :

ذِكرُك “رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً صلى الله عليه وآله وسلم” بدأت النفس ترضى فترتقي إلى النفس الراضية، (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً) وإذا عاشت النفس المطمئنة في بحبوحة الرضى؛ صارت راضية، جاءها الرضى من الله..
6. النفس المرضية :

ثم إذا جاءها الرضى من الله صارت مرضية لدى الله، ارتضاها الله للكمال للقرب منه فصارت نفساً (مَّرْضِيَّةً)، (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) .
7. النفس الكاملة :

ثم تتهيّأ للارتقاء إلى (الكمال)، والكمال هنا هو الكمال المقيد أما الكمال المطلق فللّه وحده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كمُل من الرجال كثير وكمُل من النساء فاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وآسيا بنت مزاحم” صلى الله عليه وآله وسلم ..

رزقنا الله وإياكم كمال الارتقاء في هذه المراتب، يا رب، لا تجعل حظنا من ذلك مجرد لقلقة اللسان، ولا مجرد استماع الآذان، اللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليُّها ومولاها، لا تحرمنا ونحن ندعوك ولا تردنا ونحن نسألك ونرجوك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

محب الحبيب علي
26 Sep 2008, 01:13 PM
الدرس الرابع والعشرون - صلة المريد بالرزق


الحمد لله الرزاق المعطي الوهاب القيوم وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه ومن سلك نهجه إلى يوم الدين.
يقولون أن نباشاً للقبور، ومعنى نباش القبور: أي الذي يحفر القبور ليسرق الأكفان ويبيعها قماشاً، في بعض الأزمنة من شدة الفقر وُجد مثل هذا النوع من السرقة، سرقة الأموات حتى، وزماننا غير بعيد الآن هناك من يزور في بعض البلديات ويحاول أن يغير الأوراق ليحول المقابر إلى أماكن استثمارية دون رعاية لحرمة الميت، على كل يقولون أن نباشاً تاب من هذه السرقة أو الجريمة وذهب بعد توبته أو تاب على يد شيخ من أئمة المسلمين الإمام أبي اليزيد البسطامي رحمه الله..

فبعض الحاضرين في المجلس قالوا للنباش ما هو أعجب وأغرب ما رأيت فأنت تنبش القبور في الليل لا شك أنك سترى عجائب وغرائب، فما هو أعجب ما رأيت؟ قال نعم أعجب ما رأيت أني نبشت أكثر من ألف قبر، فوجدت أكثر من تسعمائة من هذه القبور قد حولت وجه أصحابها عن القبلة، هذه عند أهل العلم علامة سلبية سيئة مخيفة أن يُحول وجه الإنسان عن القبلة نذير بشؤم، فهال المجلس هذا العدد وتأثروا واستغربوا واستعظموا المسألة وقالوا للإمام أبي اليزيد ما ظنك في السبب؟ فقال إن كان ثمة سبب فما أراه إلا الشك في وعد الله بالرزق، الله عز وجل قد وعدنا بضمان الرزق بل أقسم الله يقول سبحانه وتعالى (وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)… أحد الأعراب من البدو مر بمـُقرىء في صلاته يقرأ فإذا بالمقرىء يقرأ هذه الآية فلما قال فورب السماء والأرض إنه لحق، صرخ الأعرابي غفرانك من كذبك حتى تحلف!!، الأعراب يستمعون بسجيتهم بصفاء ونقاء تلقيهم للغة فالأعرابي تعجب كيف أن الله عزوجل يُقسم بربوبيته للسماء والأرض بصدق ما قال من أن الرزق مقسوم، من أن الرزق قد ضُبط أمره في السماء (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) فإذا علمنا ذلك فموضوع مجلسنا هذا أيها المريد السائر إلى الله عز وجل صلة المريد بالرزق..
مشكلة خوف الرزق خاصة بمن ؟

هـَمٌّ يعيشه الكثير من الناس لا أقول فقراء الناس فحسب هـَمٌّ يشترك فيه الفقير والمتوسط والغني والقاسم المشترك الذي يمكن أن نصنف به أصحاب هذا الهَم لا يتعلق بوجود المال من عدمه، لا يتعلق بوجود الوظيفة من عدمها، لا يتعلق باستقرار البلد واقتصاد من عدمه، هو أمر يتعلق بنفس الإنسان بداخل الإنسان، فنجد في كبار الأغنياء من يعيش وفقره بين عينيه لا يستطيع أن ينام الليل في بعض الأحيان يفكر، احتمال الصفقة تخسر.. كيف أعمل لمستقبلي؟ أخاف أن ينزل مستواي؟ أخاف أن أكون من الفقراء، وإذا نظرت إلى رصيده في تلك الليلة من المال المسيل الخالص تجد ما يزيد عن المائة المليون ومع ذلك يبيت وهو قلقان على مستقبله المالي، يخاف أن يكون من الفقراء،. يمكن أن تجد الموظف الذي يأخذ من المال ما يفيض في نهاية كل شهر منه فائض يدخره في المصرف ومع ذلك تجد منهم من يبيت قلقاً على مستقبله من جهة المال، تجد الفقير من باب أولى تجده يبيت وهو يفكر عندي أولاد أو أريد أن أتزوج أو أي سبب من الأسباب محتاج إلى المال، إذاً المسألة لا تتعلق بوجود المال من عدمه، هل المسألة متعلقة بالسن؟ هل مثلاً كبار السن يخافون أو لا يخافون وصغار السن يخافون أو لا يخافون، تجد الشاب الصغير عنده القلق.. مستقبلي!! تجد هناك من يبكي ليلة ظهور النتائج في الثانوية العامة، تجد من تأتيه حالة هستيرية أو يحتاج إلى حقنة تخفف من التوتر العصبي أو حتى الانهيار العصبي على نتيجة الثانوية العامة، لماذا؟ يقول مستقبلي مرهون بهذه، جزع على مسألة المستقبل في الرزق، تجد الجامعي تجد الخريج تجد الذي قد وجد المال الذي أوصله للزواج تزوج وعنده مرتب وظيفة وخائف من مستقبله، تجد الذي بلغ الأربعين وعنده الأولاد تجد من هذا السن من يخاف على مستقبله المالي على الرزق، تجد الشائب الذي ابيضت لحيته وقد ستره الله سائرعمره ولم يحوجه إلى أحد من الخلق ومع ذلك يشك في وعد الله لا يزال خائفاً على مستقبله في مسألة المال..
تجد هذه المشكلة عند العرب والعجم.. مختلف البلدان، إذاً لا السن.. لا المستوى المالي.. يميز أصحاب هذه المشكلة، نقول أصحاب المستوى المالي المعين عندهم هذه المشكلة أصحاب الفئة العمرية، لا، تجدها في مختلف الأعمار، البلدان نقول البلدان الغنية هل يوجد فيها هذا أو البلدان الفقيرة، تجدها عند جميع البلدان من يوجد على هذا الحال، إذاً لا تصنف في البلدان بـِمَ نصنفها؟ بـِمَ نـُصنف الفئة التي تصبح وتمسي وهي قلقة على شأن الرزق؟ كيف نصنفها ونميزها عن بقية الفئات؟ هذا سؤال.. تجد على مستوى المجتمعات تجد المجتمع الخائف على المستوى المالي، تجد من الدول التي تخاف على المستقبل المالي، اسمعوا نجد العالم يخاف على مستقبل مشكلة المياه والغذاء، ما الذعر الموجود في الأنفس البشرية اليوم؟ ما القصة؟ لماذا هذا القلق كله؟ تجد هذا عند المسلم وتجده عند الكافر، تجده عند أصناف البشر، عند التأمل والنظر ستكتشف أن هذه المشكلة تتعلق بالنفس الإنسانية، تتعلق بمفهوم الطمأنينة واليقين فكلما قوي اليقين في القلب وقويت الثقة بالله عز وجل وقوي تصديق وعد الله في القلب كلما اطمأن الإنسان على مستقبل رزقه، وكلما ضعف هذا الأمر ضعف اليقين بالله عز وجل وكلما قوي الاعتماد على الأسباب في النفوس كلما عـَظم في هذه النفوس الشك والخوف من الفقر.
ماهو الفقر ؟

عندما تقرأ في الأذكار النبوية من عمل منكم في المواظبة كما ذكرنا في مجالس مضت على أذكار الصباح والمساءوأعوذُ بكَ منَ الفقر” ما الفقر الذي استعاذ منه رسول الله؟ أهو قلة المال كما يعرف الناس الفقر؟ العِوز؟ نحن نعلم أن الحبيب صلى الله عليه وسلم لقي الله وهو لم يشبع من خبز الشعير يومين متتاليين نحن نعلم أن السيدة عائشة رضي الله عنها والسيدة أم سلمة رضي الله عنها قد ذكرتا (أن الهلال يُرى والهلال الثاني والثالث يعني شهرين، شهران يمران على رسول الله ولا يوقد في حجرات رسول الله نار، يعني لا يوجد طبيخ فماذا كنتم تأكلون؟ قالت نعيش على الأسودين التمر والماء)، نحن نعلم أن الحبيب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ما جمع بين إدامين في حياته، نحن نعلم أن الحبيب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم جاء إليه أصحابه وقد شكوا إليه شدة الجوع حتى كشفوا عن بطونهم فإذا على بطن كل واحد منهم حجر قد رُبـِط ليضغط على المعدة فيخفف من ألم الجوع فتبسم نفسي له الفداء وكشف عن بطنه الشريف فإذا به يربط على بطنه حجرين من شدة الجوع، ما هذا المعنى؟ سيجد أن من أذكاره صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ من الفقر “
كيف يستعيذ رسول الله بالله من الفقر ويعيش فقيراً بالنسبة للمال يعيش مُقِلاً في مالهِ؟ مع أنه لم يكن مضطراً إلى الفقر، قال: عُرض علي جبل أحد أن يكون لي ذهباً فأبيت، قال: “عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا يا رب، ولكني أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك” إذاً كان فقره من ناحية المال قائماً، كان من عداد الفقراء وكان فقراً اختيارياً لم يكن مضطراً إلى ذلك عُرض عليه الغنى المادي فأباه فلم كان يستعيذ بالله من الفقر؟ إذاً الفقر الذي يستعيذ رسول الله بالله منه لا يمكن أن يكون أبداً نقص المال، ولهذا قال العلماء إنما استعاذ من مرض خوف الفقر من أن يعيش والخوف من الفقر غالبٌ على عقله..
اليوم عندما نجد الهم الذي يشغل عقول من يُظن أنهم جادون من يـُنظر إليهم على أنهم شباب يحملون شيئاً من الجدية في حياتهم، أما الغير مبالي هذا في حال آخر، لكن الذي عنده شيء من الاجتهاد ما يشغله؟ يقول يا أخي أفكر في مستقبلي، لماذا تدرس في المدرسة وتجتهد لتحصل علامات عالية؟ يقول لكي أؤمن مستقبلي، لماذا تتعب نفسك ويتعب أهلك أنفسهم في مستوى الجامعة والتخصص الذي تدرس فيه؟ قال: لتأمين المستقبل، ما معنى تأمين المستقبل؟ قال تأمين المستقبل أي أؤمن رزقي، إذاً القلق تجاه تأمين المستقبل وهذا إشكال، طبعاً لا يـُفهم من الكلام قط أنا لا نحث السائر إلى الله على الاجتهاد في دراسته بل هذا أمر يقربه إلى الله أن يجتهد، لا نثني من يريد أن يدخل تخصصات بتنوع هذه التخصصات بل هذا قد يكون أحياناً حكمه الشرعي يصل إلى فرض الكفاية أن يوجد من أصحاب الإتقان لمختلف التخصصات من يكفي المسلمين حاجتهم إلى غيرهم في هذه التخصصات، الفقهاء جعلوا ذلك من فروض الكفاية في جميع المهن والاختصاصات ينبغي أن توجد خبرات مسلمة لا تجعل المسلمين عالة على غيرهم يتعاملون مع غيرهم يستفيدون من غيرهم لكن لا يكونون عالة على غيرهم.
* حكمة: كان شيخنا الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله يقول “من لا يأكل من فأسه لا ينطق من رأسه” لا يكون له استقلالية لا يكون له الحق أن يكون له رأي أو قرار أو خيار هذا واضح، لكن ما الشيء الذي نعيبه ما الإشكال هنا؟ الإشكال أن هناك فرق كبير بين من يدرس ويجتهد ونيته في ذلك أن ينال رضوان الله عز وجل بأن يكفي أمته باباً من أبواب حاجتها بأن يكون متقناً لمهنة أو لحرفة تكفيه عوز أن يكون عالة على غيره بأن يحصن نفسه ومن يعول عن الحرام هذه نيات تجعل الاجتهاد في الدراسة قربة إلى الله، لكن الإشكال عندما يكون المقصود من الاجتهاد في الدراسة وَهَم تأمين المستقبل.
في تأمين المستقبل.. مشكلتان !!

المشكلة الأولى: ما هو المستقبل؟

يقولون الآن ينبغي أن نكون ذوي بعد في النظر العالم يُخطط إلى خمسين سنة ينبغي أن يكون هناك تخطيط مستقبلي…. نحن نتكلم عن هذا الأمر، المسلم عنده نظرة مستقبلية بعيدة، يخطط للخمسين سنة.. للعشر سنوات.. للخمس سنوات.. للأشهر.. نعم، لكن هو أيضاً يخطط إلى ما لا نهاية لملايين السنين التي لا تنقضي التي الموت ما هو إلا انتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى فيها، فالمستقبل بالنسبة للمؤمن ليست السنوات القليلة التي يعيشها في الدنيا المستقبل بالنسبة للمؤمن نظرة بعيدة هذه واحدة.
المشكلة الثانية : من أين يأتي الرزق ؟

أن الذي يُجـِد ويَجتهد في الدراسة أو في الوظيفة لِوَهم أن ذلك تأمين للرزق الذي يسميه المستقبل يقع في خطر كبير في مشكلة كبيرة في سيره إلى الله، لأنه أصبح يعتقد بأن الرزق يأتي من جهده، أن الرزق يأتي من عمله من شهادته من وظيفته وينسى مسألة مهمة جداً وهي أن الرزق يأتي من الله، قبل أن تستدرك علي أو تنتقد تقول ماذا تقول؟ نعم الرزق يأتي من الله ولكن الأسباب، نقول نعمل بالأسباب، وقبل قليل كنا نقول ينبغي أن تجتهد الأمة وتنتهض ولا تكون عالة على غيرها هذا متفق عليه، لكن انتظر ركز قليلاً..
أيها السائر إلى الله هناك فرق كبير بين الأخذ بالسبب وهو عبادة وبين الاعتماد على السبب وهو معصية، إن أخذت بالأسباب طاعة لله لأن الله جعل الأسباب سُنـّة كونية، تشتغل تحصل مال تجتهد تحصل زيادة هذا سبب كوني، لكن هل أثناء شغلك تنتظر النتيجة من جهدك وتعاملك مع الناس على أساس هذا الجهد أو تنتظر النتيجة من الله؟ هذه فلسفة ما هناك فرق؟؟، هناك فرق انتبه فرق كبير يترتب صدق سيرك إلى الله، يترتب عليه ارتقاؤك في مراتب اليقين، يترتب عليه حسن خاتمتك عند الموت..
أتعرف ما الفرق؟ تريده عملياً كيف يظهر الفرق؟ يظهر عملياً عندما يكون المجال الذي تنتظر منه الرزق رب العمل، رئيس الشركة، مديرك، الشركة التي تتعاقد معها أو تعقد صفقة تتبادل معها التجارة، أخذت أنت بالأسباب على أحسن ما يكون ثم بعد ذلك حصلت مشكلة هذه المشكلة بسبب أن المسؤول عنك يريد منك أن تغض الطرف عن جزئية لا تتناسب مع الأخلاق ولا مع الدين حرام، تسرق فيها أو ترضى عن غش أو تسكت عن مواصفات غير صحيحة ممكن أن تسقط بسببها عمارة ويموت فيها خلق ويقول لك إن لم توافق أطردك من العمل ما يكون رد فعلك؟ طبعاً الذي يوافق على أن يسكت على مثل هذه الجريمة لا يعتبر نفسه سالكاً أصلاً… لا بد يرجع يعيد النظر ويتوب إلى الله حتى يبدأ في السلوك، أنا أتوقع من السائر إلى الله أن يرفض لكن الكلام على أي حالة يبيت بعد أن يرفض؟، رفضت وقلت أبداً هذا حرام أنا لا أرضى أن أعصي الله عز وجل في أخذي لأسباب الرزق، وتنتظر في اليوم التالي أن يصدر قرار بطردك من العمل بسبب مبادئك ومواقفك، كيف تبيت تلك الليلة؟ إن بت هانىء البال مرتاح غير مبالي فمعنى هذا أنك كنت تأخذ بالأسباب لكن قلبك كان يعتمد على المسبب لأنك كنت تنتظر الرزق من الله فلما تغيرت الأسباب ما تغير شيء، الله موجود لما جاء تهديد باضطراب الأسباب لم يخفك هذا التهديد لأنك في الأصل لم تكن تعتقد أن الرزق سيأتي من هذا السبب، طيب لماذا كنت تتعب نفسك بالسبب؟ كنت تتعب نفسك بالسبب لأن الله أمرك بالأخذ بالأسباب،واضحة؟، أما إذا بت في الليل تفكر آه، مشكلة، ولو طردني أين أجد شغل؟ اليوم في أزمة أعمال،أنا مقبل على فتح بيت جديد، أنا مقبل على زواج.. والزواج بعد شهرين، أو تزوجت وعندي أولاد، دفع القسط للأولاد بعد كذا، مستقبلي.. ماذا أعمل؟، هل ستقبلني شركة أخرى؟ هذا القلق يدل على أنه عندك مشكلة في الاعتماد على الله، لكن أنا بشر! أنا أكلمك كبشر ما كلمتك كملاك، لكن الفرق بينك وبين بقية البشر أنك قررت أن تسير إلى الله أن تكون مريداً للقرب من الله إذاً لا ينبغي أن تهتز فيك شعرة، لماذا؟ مرة أخرى لأنك لم تعتمد قط على الأسباب في الرزق أنت تتقن الأسباب على أحسن مستوى لكنك تعتمد على المسبب جل جلاله، في أكثر من مجلس في غير هذا البرنامج كنا نضرب مثلاً أحب أن أكرره في هذا المجلس يقرب الصورة جداً ويبين الفرق بين إتقان السبب وبين مشكلة الاعتماد على السبب .
* قصة : الولد الصغير الذي قال لوالده: أبي أريد أن أشتري حلوى قال قم إلى الدكان لكن تتقن العد إلى عشرة؟ قال نعم أتقن العد إلى عشرة فأخذه إلى الدكان المتجر ثم قال هيا يا ولد عد، فقال الولد : (1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10) فقال الأب لصاحب الدكان : أعطه، الولد أخذ الحلوى وتمتع بها بعد أن عد إلى العشرة بجدارة، لو لم يعد إلى العشرة كان من الممكن ألا يعطيه أبوه لكن هل كان العد للعشرة هو ثمن الحلوى؟ اليوم الثاني جاء الولد إلى الدكان، ما كلم أباه، ماعاد رجع إلى أبيه راح إلى الأسباب وقف إلى صاحب الدكان وقال :عماه (1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10) فأجابه البائع : أيوه!؟ فكرر الولد العد إلى العشرة، قال له أيوه!؟ قال أنا امس عديت لك للعشرة فأعطيتني الحلوى الآن أعطني الحلوى فقال له : يا ولدي أنا لم أعطك الحلوى لأن ثمنها العشرة أعطيتك العشرة لأنك امتثلت لأمر أبيك وأبوك طلب أن أعطيك وأنا امتثلت أمر أبيك سمعت كلام أبوك وأبوك الذي أمرني ان اعطيك الحلوى وانا امتثلت أمر أبيك، ولله المثل الأعلى الأسباب كالعد إلى العشرة والرزق مثل الحلوى هذه، فعندما ننشغل ونعتقد أن الأسباب هي التي يأتي منها الرزق اعتمدنا على العد إلى العشرة ولم نعتمد على طاعة من أمر صاحب المتجر أن يعطي الحلوى، هل المثل هذا أوصل شيء من التوضيح؟ هذه مشكلة فرد، مشكلة أسرة، مشكلة مجتمع، مشكلة أمة قضية اليقين بالرزق، كيف نتعامل في سيرنا إلى الله مع موضوع الرزق؟

أسباب الرزق

مر الكلام عدة مرات أن نـُتقن الأسباب لكن المشكلة كيف قلوبنا مع هذه الأسباب؟ حتى نتحقق برتبة أي بدرجة نصعدها نحن هذا المعنى الذي البعض يراه عالياً يحتاج إلى شغل حتى يصل إليه، أول درجة أن نفقه في الأسباب نفسها أن هناك نوعان من الأسباب: أسباب حسية وأسباب معنوية ..
1. الأسباب الحسية :

هي التي نعرفها وتعرفونها (الشغل، الوظيفة، التجارة، البيع، الشراء، الاستعداد للشهادة بالدراسة) هذه تسمى أسباب حسية.
2. الأسباب المعنوية :

الاستغفار، (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً) لو استغفرت؟ (يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً) إذاً وعد الله أهل الاستغفار بالرزق، هذه واحدة ما نصيبك من الاستغفار عندما تشعر أنك محتاج إلى الرزق، طيب عندما يأتيك القلق من الرزق ابدأ بالأسباب المعنوية مع الأسباب الحسية، اجعل لك ورداً من الاستغفار أيها المريد وأنت مستشعر بأن هذا الاستغفار مع ما ترجوه من المغفرة من الله سيكون سبباً في تيسير الرزق هذه واحدة.
سورة الواقعة كل يوم، جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنها ستكون سبباً في تيسير الرزق حتى أن بعض السلف لما أوشك على الموت سألوه ماذا خلفت لأبنائك؟ قال سورة الواقعة، السورة من أسباب تسيسر الرزق، أيضا من أسباب تقوية اليقين في الموضوع لأنه في سورة الواقعة (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً) بعد ذلك ماذا قال سبحانه (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ) يُعلمنا الله في هذه السورة كيف ننسب الأمر إليه، إذاً هناك شيء اسمه الأسباب المعنوية عندما نأخذ بها نكون قد ارتقينا إلى درجة بين النظر إلى الأسباب الحسية وبين معنى إتيان الرزق من الرزاق لأنك بدأت تعتقد أن اللجوء إليه بالاستغفار بقراءة سورة الواقعة .. -البعض يقول بلى أنت يا رب-
بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقد ورد أنها سبب في تيسير الرزق بهذه الأسباب المعنوية من الأذكار أنت تعملها وأنت تعتقد أثناء عملها أنها تكون سبباً في حصول الرزق، إذاً أنت بدأت تربط الأسباب بالمسبب سبحانه وتعالى، لكن مجرد الذهاب إلى العمل أو التخطيط للعمل أو الوظيفة أو الشهادة الأسباب هنا مرتبطة بمن؟ بك، هي لا شك مرتبطة بالله لولا توفيق الله ما نجحت في الدراسة ولولا توفيق الله ما قبلوك في العمل، هناك من عندهم شهادات أعلى من شهادتك ويعملون أعمال في غير مجالهم أطباء يسوقون تكاسي أجرة لولا توفيق الله عز وجل ما نجحت الصفقة ما ارتفعت الشركة التي أنت فيها لكن هذه تخفى أثناء السير، اليوميات تجعل الإنسان تغيب عنه هذه الأمور فيشعر أن المسألة كلها متعلقة بجهده، يقول بعَرَقي، لكن لما يشرك عرقه وجهده مع معنى الالتجاء إلى الله عز وجل يرتقي شيئاً فشيئاً، أصبح يعتمد على شيء له صلة بمعنى الالتجاء إلى الله هذا دور الأسباب المعنوية ليفقه الإنسان بين الأخذ بالسبب والاعتماد على السبب، الحديث عن الرزق مهم أيها السائر إلى الله لهذا لن تكفيه هذه الحلقة لن يكفينا هذا المجلس وسنتكلم مرة أخرى عن مسألة الرزق .

ننصرف من هذا المجلس

قبل أن نختم هذا المجلس أريد من كل واحد منا (طالب في المدرسة، موظف، تاجر، عامل، خادم، مزارع) أياً كان من الليلة هذه يبدأ ورده من الأسباب المعنوية في الذكر لتحصيل الرزق :
كم مرة ستستغفر في اليوم والليلة؟ تستطيع تواظب (100مرة) كل يوم وليلة “رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم” هذه من استغفاراته صلى الله عليه وسلم مائة مرة لو معك مسبحة وأنت أو السيارة في الباص تنتهي منها بسهولة..
تواظب على سورة الواقعة كل يوم وقلبك معتقد أنها سبب لتحصيل الرزق مع إتقانك لمجال عملك لا تتراجع عن ذلك ذرة، كم مرة قلنا مع إتقان العمل؟ لعل الناس تفهم حتى لا يُخلط الأمر ويُدعى إلى عدم إتقان العمل “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه” تتذكرون في السنة الماضية كنا في هذا الجامع نـُلقي دروساً بعنوان إتقان.. تتكلم عن إتقان العمل، الكلام الآن عن ماذا؟ عن “أيها المريد” كيف عملك هذا يوصلك إلى الله لا يقطعك عن الله تعالى الدرجة الأرقى الآن،سنحافظ على الاستغفار على سورة الواقعة، - على (100مرة) من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
سنبدأ نفكر إذا رجعنا هذه الليلة إلى أنفسنا كم مرة شككت في وعد الله بالرزق؟ كم مرة حصلت مواقف أنستني أني عبد وأن الذي يرزقني الله، كم مرة عندما جاءت هذه الإختبارات هذه التي تزلزل الناس ثبت فيها؟
لقاؤنا إن شاء الله في المجلس القادم لاستكمال الحديث حول الرزق بعد أن تكون قد قرأت هذا الورد وبدأت تتصل بالأسباب المعنوية مع الأسباب الحسية، اللهم وسّع أرزاقنا وحسّن أخلاقنا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين.

محب الحبيب علي
27 Sep 2008, 09:14 AM
الدرس الخامس والعشرون - صلة الرزق باليقين


الحمد لله الذي لا يخلف وعده، الرزاق الذي تكفل لخلقه بالرزق وضمن لهم إياه، لكنه كلفهم بحسن عبادته والإقبال على عمارة الأرض طلباً لرضوانه، اللهم صل وسلم على أعظم معلم دلَّ عليك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين..
يا من استمع إلى الدرس الماضي وشاهده، هل ابتدأت بأخذ الأسباب المعنوية للرزق مع قيامك بالأسباب الحسية؟ هل قرأت البارحة سورة الواقعة؟ هل استغفرت الله عزوجل؟ هل اتخذت ورداً من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟ إن فعلت بدأت تخطو نحو تحقيق اليقين في قلبك بأن ترتبط بالأسباب الحسية والمعنوية.. ما رأيك أن نزيد في هذا المجلس خصلتين..

الخصلة الأولى معنى تفكر فيه أثناء تلاوتك لسورة الواقعة أثناء الإستغفار والصلاة على الحبيب صلى الله عليه وسلم، تعرف ما هو هذا المعنى؟ أن تنتظر أن يكرمك الله بالرزق بعد هذه القراءة كما تنتظر أن يكرمك بالرزق بعد انتظامك على عملك أو أخذك للصفقة، أي أن تعول وتنتظر من فضل الله في أخذك بهذه الأسباب ما تنتظره من فضل الله بعد أن تأخذ بالأسباب الحسية هذه واحدة، واضحة؟ ما أقرأ سورة الواقعة وانتهت المسألة، أقرأ وأنا مطمئن، قرأت سورة الواقعة وأخذت بالأسباب الحسية لن يخيبني الله عزوجل سيكرمني الله بالرزق، سيكون عندك نسبة من التعويل بالأخذ بهذه الأسباب على فضل الله ..
الخصلة الثانية نحن كنا نتكلم على أن نأخذ بالأسباب المعنوية بجانب الأسباب الحسية صحيح؟ تعالوا نـَقلِب المسألة نبدأ من الأسباب الحسية هل من الممكن أثناء الأخذ بالأسباب الحسية أن أنتظر نتائج غير المال غير الرزق الحسي؟ هل من الممكن وأنت تداوم في عملك في وظيفتك أو تعقد صفقتك أو تراجع درسك أو تضرب بفأسك في الأرض أو تعمل على منشارك أو في أي سبب من أسبابك الحسية لتحصيل الرزق أن تنتظر شيء آخر غير المال بجانب المال؟ أنت تنتظر من الصفقة مالاً، تنتظر من العمل مالاً، تنتظر من الوظيفة مالاً، هل يمكن أن تنتظر شيء آخر غير المال ويكون فرق بينك وبين غير المؤمن، تنتظر المغفرة مثلاً نعم يمكن أن تنتظر المغفرة جاء في الطبراني “من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له” من أمسى كالاًًً قام واجتهد من الصباح واشتغل طلباً للرزق الحلال وواظب على صلواته ولم يرتكب حراماً في رزقه لم يغش لم يسرق لم يرتشي لم يرشي أحداً لم يأخذ ربا مشى على الصراط المستقيم وعاد إلى البيت متعب من العمل مجهد إن كان نوى عند الصباح قبل الخروج إلى العمل أن ينال رضوان الله بأن يقوم بواجبه بالأخذ بالأسباب وأن يكفي نفسه ومن يعول أن يكونوا عالة على غيره في الرزق.
(هذه نيات) نويت الصدقة من فائض مالك وذهبت واشتغلت ورجعت متعب إلى البيت، ترجع وأنت منتظر المال نتائج العمل صفقة تسلم أو بضاعة تسلم، لكن حلك وأنت داخل إلى البيت تقول: الحمد لله أني أبيت وأنا أنتظر المغفرة هذه النيلة انتظرت في الأسباب الحسية نتيجة ماهي معنوية رزقاً معنوياً، وانتظرت كما تعلمنا في المجلس الماضي من الأسباب المعنوية نتيجة حسية وهي حصول الرزق، قمت واشتغلت في عملك وفي المساء آويت إلى الفراش منتظر المغفرة قرأت سورة الواقعة استغفرت الله صليت على النبي صلى الله عليه وسلم الأصل، أن هذه التلاوة والإستغفار والصلاة على الحبيب ماذا تنتظر منها؟ حسنات، المغفرة، الرضوان، القرب من الحبيب صلى الله عليه وسلم، النتائج هذه حسية أو معنوية؟ معنوية في الآخر، طيب أنت أخذت بأسباب معنوية وانتظرت مع النتائج المعنوية نتائج حسية، وهناك هناك في الآسباب الحسية اشتغلت وعملت انتظرت مع النتائج الحسية (المال) نتائج معنوية، هذا يورثك بالتدريج إن استمريت وواظبت على ذلك طمأنية تجاه الرزق، كان الناس بالسابق عندما كنا نقول اقطعوا علائق قلوبكم بالأسباب، أدوا الأسباب وانتظروا النتيجة من المسبب نضرب المثل يكون الكلام واضح لكن حتى نتحقق به في باطننا صعب، نتأثر بالكلام نقتنع به لكن عندما ندخل في دوامة الحياة تختلف المسألة، ابدأ هذا العمل، هذا الآن جهد يرقيك تحصل نتيجة تراكمية يعني شيء فشيء تنبت هذه النتيجة، مثل ما تنبت الزرعة وضعت بذرة وسقيتها وسقيتها ما تلاحظ أنت الفرق لكن تنبت شيء فشيء حتى تصير شجرة.
شجرة اليقين

هكذا شجرة اليقين تنبت بالقلب بهذه السقيا بالأخذ بالأسباب الحسية وانتظار النتائج المعنوية مع المال الحسي، والأخذ بالأسباب المعنوية مع انتظار نتائج حسية مع النتائج المعنوية تبدأ ترتقي في فهم كيف يأتي الرزق، يبدأ في قلبك إحساس نور بأن الرّزاق هو الله سبحانه وتعالى، وعندها يبدأ باطنك يتحصل على قوة، هذه القوة هي قوة الثقة بالله عزوجل تورث في قلبك سكوناً رسوخاً لا تستطيع بسببه الدنيا وأسبابها أن تشغل قلبك يمكن أن تشغل عقلك في التفكير كيف ترتب الصفقة أو العمل أو الدراسة، يمكن أن تشغل وقتك في دوام العمل أو الدراسة، يمكن أن تشغل جهدك بدنك لكن لا يمكن أن تشغل قلبك، لأن الدنيا لا يمكن أن تكون في قلب السائر إلى الله أبداً.
ثم إذا تحول هذا الأمر إلى ثقة بالله يبدأ دورك أيها المريد ينتقل من مرحلة الإنسان الذي يتأثر بما يفد عليه، الذي يمكن أن يتزعزع إيمانه عند الصفقة، يمكن يفكر هل يبيع دينه أو لا يبيع عند التهديد، يمكن أن يهزم أو لا يهزم، تتحول إلى إنسان على يدك يثبت الله قلوب الخلق، يبدأ الناس يتعاملون معك يقول لك يمكن هذه الصفقة لو عملت كذا يكون، تقول لا الرزق من الله فالذي كان سيأتيني من الرضا بالحرام بإستعجال الرزق بالضبط مثله كان سيأتيني بالحلال لو صبرت فقط هذه القضية، ما كـُتِبَ لك أن يأتيك رزقاً سيأتيك مهما كانت الأسباب مهما كانت الأحوال ما كـُتِبَ سيأتيك، لكن إما أن يأتيك بطريق الحلال إذا وثقت بالله وثبت وصبرت وإما أن تستعجل ويأتيك بطريق الحرام، وإذا جاءك بطريق الحرام!! غضِب الله عليك مُسِخـَت البركة في رزقك ظهر الأذى في نفسك وأولادك وأهلك وذريتك وأحوالك كيف ستقدم على الله ضاع السلوك ضاع السير إلى الله عزوجل فوّتَ سيرك إلى الله هذه واحدة..
* قصة : ينتقل الأمر إلى من حواليك يبدأ الناس يتعاملون معك فيتأثرون بما تقول وحجة صاحب اليقين لا يمكن أن تقف أمامها أوهام المتشككين أبداً، تتذكرون قصة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قام يتفقد الرعية فسمع امرأة تكلم ابنتها وهما يبيعان اللبن في النهار تقول: هيا يا بنية قبل أن يطلع النهار ونفتضح اخلطي اللبن بالماء -تغـُش اللبن-، فتقول لها ابنتها: يا أماه إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نهى عن خلط الماء باللبن، قالت: أي بنية إن عمر بن الخطاب قد نام في بيته وهو لا يرانا، فقالت لها: يا أماه، نعم إن عمر لايرانا لكن رب عمر يرانا.
الناس تعرف هذه القصة أكثركم وتعرفون أن سيدنا عمر أشار على ابنه أن يتزوج هذه الفتاة في اليوم الثاني وأنها جدة عمر بن عبد العزيز الذي أعاد الخلافة إلى نصابها بعد الظلم الذي سبقه، الشاهد هنا ليس في القصة المألوفة والنتيجة المألوفة وإن كانت هذه فوائد لها علاقة بطلب الحلال أن الحلال يعطي البركة بالأبناء تيسير الأسباب تحولت من بائعة لبن إلى زوجة لإبن أمير المؤمنين، لكن هنا مسالة عندما كانت أمها عندما كانت أمها تناقشها لاحظوا عندما كانت أمها تناقشها، أمها تقول لها اخلطي البنت تقول..لا هذا حرام نهى أمير المؤمنين أن نخلط اللبن بالماء، أمها بدأت تجيب حجة.. تقاوم.. عندها مقاومة يا بنية إن عمر لا يرانا، ماذا كان رد البنت؟ لكن رب عمر يرانا إن الله يسمع ويرى هل استطاعت الأم أن تجادل لا لماذا؟ هل استطاعت أن تقاوم لا!! لأن حجة الحق إذا صدرت عن لسان امتلأ قلب صاحبه باليقين لا يقف أمامها شيء في الوجود..
أصوات المسلمين واحتجاجتهم اليوم

تعرفون لماذا اليوم احتجاجات المسلمين لا تبلغ مداها في العالم؟ لأنها أصوات أحياناً تكون عالية ينقلها التلفاز والإعلام، صرخات أحياناً تتحول إلى أعمال وقد لا تكون صائبة ولكن لماذا لا تبلغ للعالم؟، لأن الأعداء يمنعون وصولها والإعلام، تعال نحن نعرف هذا الكلم لكن تعال أين شهودك لقدرة الله عز وجل؟ أين استشعارك لمعنى أن هناك شيء يضاف للمعادلة في الإشكال بيننا وبين من يعادينا وهي معادلة أن معنا نصرة الله لكن إذا فقدناها؟! نعم!! تعود المسألة للأسباب مرة أخرى، هم أقوى عندهم إعلام تخطيط نعم.. لكن إذا استطعنا أن نستجلب معنى نصرة الله كيف ترجح الكفة؟ أخذنا الأسباب بما نستطيع وأتقنا ما نستطيعه هم أخذوا بأسباب أضعاف ما نستطيع صارت الكفة لهم راجحة ثم أضيف في كفتنا نصرة الله ماذا يصبح، لكن لماذا لم تضف إلى كفتنا نحن نصرة الله عزوجل؟ أحد أسبابها مسألة اليقين، لهجتنا لم يعد فيها الصدق الذي يسطو على القلوب بسطوة الحق، عندما نقرأ في كتاب شمائل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة يصف سيدنا محمد ماذا يقول في وصفه “كان رسول الله أصدقهم لهجة” ما قال أصدقهم حديثا هنا أي أن نبرة صوته ولهجته تشعر الذي يستمع أن الذي يتكلم صادق ما يمكن أن يقاوم ما يمكن إلا أن يخطر على القلب أنه صادق فحسب، من نظر إلى وجهه علم انه ليس بوجه كذاب، قط لا يمكن.. ما السبب؟ هذه سطوت الحق إذا برزت، عندما يستقر في قلب السائر إلى الله، إذا ظفرت أيها المريد بمعنى الصدق في قلبك، باليقين بأن الرزق من الله.
جاء أحد قال لك اقبل السرقة، لايمكن أسرق، يا رجل نتقاسم نحن وأنت بالفائدة، غض الطرف أنت اسكت وأنا سأعمل المسألة، مشّي ولك نصيب، لا، لماذا؟ لأن هذا حرام، يا أخي لاتعقد المسائل، قال: أنا لا أطلب الرزق بما يغضب الرزاق سبحانه وتعالى، كيف أنتظر رزقه بما يغضبه؟ كيف؟ إذا رأيت أهل الغفلة قد استسهلوا واستمرؤوا تحصيل الأموال بما يعلمون أنه حرام، لا ينبغي أن أغترّ بما يجري في أيديهم لأني أتعامل مع الله، لأني أطلب رزقه سبحانه وتعالى، فإذا علمت أن طلبنا للرزق ينبغي أن يكون جزءاً من عبادتنا لله سبحانه وتعالى.
نتيجة ارتباط الأسباب الحسية بالمعنوية

محصلة هذا الكلام ونتيجته، أن إتقاننا لصلتنا بموضوع الرزق، هو جزء من العبادة (صلاة، زكاة، حجّ، صيام، جهاد، دعوة، ذكر، رزق) كيف أتعامل مع الرزق هذا جزء من العبادة بل هو جزء من العقيدة، إذا أردت أن تتكلم عن التوحيد، ما الذي يجعل الإنسان يقبل السرقة، الغش، الرشوة؟ أنه قد اهتز ثباته في عقيدته بأن الله سيرزقه، عندي سبعة عيال أو تسعة عيال ماذا أعمل مضطرّ أغشّ، إذا أنت عندك شك في أن الله قادر أن يرزق سبعة عيال، ولولا شكُّك في قدرة الله على رزقك ما قبلت أن تخالف أمره، هنا مسألة تتعلق بالعقيدة باليقين، انظر.. هل اتضحت المسألة؟ إذاً سيرك إلى الله معلق على يقينك بالله عزّ وجلّ في مسألة الرزق الذي يأتيك، أنا مضطرّ وماذا أعمل، ظروفي المادية، لذلك قبلت أعمل دور حرام، لماذا قبلت دور حرام؟ لماذا قبلت أن يكون في مطعمك أو في فندقك خمر يدار؟ والخمر ملعونة مع عشرة ممن يتعامل معها، منها (الحامل، والمحمولة إليه، وآكل الثمن، والبائع، والمشتري وكله يدخل في اللعنة) دعك من فلان أفتاني وفلان قال لي، كن صادقاً مع نفسك، حرام.. حرام، لماذا قبلت الحرام؟ يا سائر إلى الله اصدق مع نفسك قليلا والله بقدر ما تصدق مع نفسك تصدق مع الله، وبقدر ما تضحك على نفسك وتغشّ نفسك، ستسيء في معاملتك مع الله ستفقد الصدق مع الله، حتى تكتب عند الله صديقاً لا ترضى أن تكتب عند الله كذاباً، لماذا قبلت وغضضت الطرف؟ ماذا نعمل كل الناس اليوم هكذا بدون هذا لا يمكن أربح؛ يعني لا يمكن يأتيني الرزق، الرزق من أين يأتي؟ إن كنت تعتقد أنه من الله فالمعادلة فيها خلل؛ غير منطقية!! بالعقل؛ هنا اختلال في المنطق، إن كنت تعتقد أن الرزق من غير الله فهذا شيء آخر، لكن إسمع إذا رضيت أن تقر بأن الرزق من غير الله فهذا خطر على إيمانك كله كيف هذا الكلام، أيها السائر إلى الله ينبغي أن تعلم أن أساسك في سيرك إلى الله هذا الأمر ثقتك برزق الله عز وجل، تأخذ بالأسباب -يا أخي تعبنا- أقول خذ بالأسباب أتقن الأسباب لكن لاتغضب المسبب لأنك تنتظر منه سبحانه وتعالى ..

هل لصلة المريد بالناس ارتباط بالرزق ؟

هذا الأمر يترتب عليه أمر آخر وهو صلتك بالناس، صلتك بالناس، إما أن تكون صلة غير إختيارية: أنت اخترت والدك ووالدك ماأخترتهما وأيضاً صلة غير إختيارية: كالأرحام أنت ما أخترت فلانة خالتك وفلان عمك الوالدان والأرحام صلة غير اختيارية، وهناك صلات شبه اختيارية: كالجيران وزملاء الدراسة وزملاء العمل وشركاء العمل فيها جانب اختياري وفيها جانب إضطراري وهذا واقعه، وهناك صلات اختيارية بحتة: الأصدقاء الأصحاب الذين تميل إليهم الزوجة الزوج فيها جانب واسع من الإختيار، صلتك بمن يحيط بك في ثقتك بالله عزوجل فيما يغدق عليك من أرزاق، جزء منها يتعلق بالمال الذي سنتكلم عنه في المجلس الثاني وجزء منها يتعلق بنوع آخر من الأرزاق يسمونها الأرزاق المعنوية: السعادة الرضا الأنس السرور الحزن الغضب الضيق التعاسة.
كم مساحة تأثير الناس عليك فيها؟ كم مساحة تأثير الأصحاب في إدخال السرور على قلبك وكم مساحة تأثيرهم في إدخال الحزن على قلبك، كم مساحة تأثير من يحيط بك في استقامتك على الطاعة؟ وكم مساحة تأثيرهم عليك في انصرافك عن الطاعة؟ كم مساحة تأثير المحيط الذي يحيط بك الناس الذين تتعامل معهم في إصرارك وثباتك على اللقمة الحلال؟ وكم مساحة تأثيرهم عليك في غضك الطرف علن أكل الحرام أو فعل الحرام؟ ، مالك يافلان رضيت أن تتعامل بالحرام قال يا أخي الموت مع الجماعة رحمة كل الناس اليوم هكذا،كل الناس اليوم هكذا؟ ! نعم كل الناس يا أخي أنا وحدي!! انظر الكل يغش الكل يسرق كل الناس اليوم ترتشي جيت لعندي أنا خلاص النار وقفت علي أنا الله سيحاسبني أنا شعور التأثير بماذا هنا؟ بالمحيط الذي يحيط بك، هذا له أثر كبير على سيرك إلى الله.. ما دخل هذا بموضوع الرزق؟ واضح دخل هذا بموضوع الرزق من جهة تعاملك مع المحيط ومن جهة تأثر قلبك عند تزعزع يقين المحيط.
* قصة وعبرة :
يذكرون عن حاتم الأصم احد كبار الأئمة الصالحين من رجال الرسالة، الرجل حن قلبه في سنة من السنوات إلى الحج وما كان يمتلك نفقة الزاد إلى الحج ولا نفقة الأبناء والزوجة عند سفره طعمهم وشرابهم ونفقتهم ولا يجب الحج بل لا يجوز أن يسافر دون أن يضع نفقة أبناءه إلا أن يرضوا، فلما اقترب الموسم رأته ابنته حزيناً باكياً وكان في البنت صلاح وهي صغيرة، قالت: ما يبكيك يا أبتاه، قال: الحج أقبل قالت ومالك لا تحج قال: النفقة قالت: يرزقك الله قال: ونفقتكم قالت يرزقنا الله قال: لكن الأمر إلى أمك فذهبت تذكر أمها أن الرزاق هو الله وليس الأب في النهاية الأم والأبناء قالوا له: اذهب إلى الحج وسيرزقنا الله ترك لهم نفقة ثلاثة أيام، ذهب هو إلى الحج لم يكن لديه القيمة الكافية ليلتحق بالقافلة فكان يمشي من وراء القافلة، في أول الطريق عقرب لسعت رئيس القافلة سألوا هل يوجد من يمكن أن يقرأ عليه أن يعالجه وجدوا حاتم نادوا له فقرأ عليه فعافاه الله من ساعته فقال: رئيس القافلة نفقة الذهاب والإياب علي، فقال: اللهم هذا تدبيرك لي فأرني تدبيرك لأهل بيتي..
مرت الأيام الثلاثة انتهت النفقة عند الأبناء نفذ الطعام في البيت بدأ الجوع يقرص عليهم فبدأوا اللوم على البنت: أنت السبب أنت التي أقنعتينا بأن نأذن له انظري الآن من أين نأكل؟ البنت تضحك وهي جائعة تضحك، ما يضحكك ونحن نتلوى من الجوع، قالت لهم: يا أماه يا أختاه يا أخي أبونا هذا رزاق أم آكل رزق؟ قالوا لها: آكل رزق الرزاق هو الله، قالت لهم: ذهب آكل الرزق وبقي الرزاق، هي تكلمهم فإذا الباب يقرع من على الباب قالوا: إن أمير المؤمنين يستسقيكم، كان في رحلة صيد الحاكم وعند رجوعه شعر بشدة من العطش نفذ الماء منهم فقال: اقرعوا هذا الباب اطلبوا لنا ماء منهم فقامت الأم تملئ لهم من القربة وهي تقول: سبحان الله ثالث ثلاثة من الأيام لا نجد طعاماً وأمير المؤمنين يستسقينا، فشرب الخليفة فوجد حلاوة في الماء لم يعهدها فقال: من أين أتيتم بالماء قالوا من بيت حاتم فقال: نادوه حتى أجازيه فقالوا إنه قد ذهب على الحج، فخلع الخليفة منطقته -المنطقة هي حزام من القماش الفاخر مرصع بشيء من الجواهر- وقال: هذه لهم ومن كانت لي عليه يد -أي يعزني يحبني يحترمني- فليخلع عليه منطقته، الوزراء والتجار والحاشية الكل صار يخلع منطقته مثل هذا الزمان لو اذا رأوا المسؤول الكبير يميل الى شخص الكل مالوا إليه، سبحان الله النفوس البشرية نفسها في كل زمان واحدة!! فتكومت المناطق فجاء أحد التجار واشتراها منهم بمال ملأ البيت ذهباً يكفيهم إلى الموت، وأعادها إلى أمير المؤمنين وإلى الحاشية تزلفاً إليهم مجاملة، فاشتروا الطعام بدئوا يأكلون وهم يضحكون فإذا بالبنت هذه تبكي، قالت لها الأم إن أمرك عجيب يا بنيتي قبل قليل نحن نتضور من الجوع وأنت تضحكين أما وقد فرج الله علينا فمالك تبكين، قالت: يا أماه إن هذا مخلوق لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً (أي الخليفة الحاكم) نظر إلينا نظرة عطف أغنتنا إلى الموت فكيف لو نظر إلينا الخالق!!
انظر إلى القوة التي عاشتها البنت من أين جاءت هذه القوة؟ لم يثنها تهديد الفقر لم يثنها الواقع الذي ضغط عليها بالجوع، أكثر من ذلك لم يغيرها المحيط – الكلام هنا عن المحيط – لم يغيرها لا لوم الأم، ولا لوم الإخوان، ما غيرها شيء ثابتة، ولما ثبتت أثمر هذا الثبات أن الله أيدها بهذا الثبات فتحولت من فتحولت من ملومة معرضة للتأثر إلى صاحبة عظة تعظ الذين حواليها .

ننصرف من هذا المجلس

أنت الذي تحاول أن تبرر لنفسك أكل الحرام أو المخالفة لأن المجتمع كله هكذا، (الموت مع الناس رحمة) تبرر لنفسك والله الأولاد ضغطوا علي يريدون مثل الناس الزوجة تريد شكل كذا، أين أنت من هذا المعنى؟ تعرف ما المشكلة؟ المشكلة أن ضابط التعامل مع الناس مختل، فإذا انضبط لدى السائر إلى الله ضابط التعامل مع الناس ذهب هذا الخلل، إذا فقه كيف يقيم ميزان التعامل مع الناس، متى يكون الإستجابة للتأثر بالناس إذا توجهوا إلي بشيء، متى أجالس الناس على ماهم عليه ومتى أفارق الناس على ماهم عليه وكيف إذا جالستهم لا أفقد ما عندي وكيف إذا فارقتهم لا أتكبر عليهم أو أجعلهم يستوحشون مني أو أن أكون قبيحاً معهم في المفارقة، كيف أكون جميلاً في المفارقة وكيف أكون منضبطاً في المجانسة، هنا يأتي معنى اليقين والثبات عند السائر إلى الله..
وسيأتي الحديث في المجلس القادم عن ضوابط التعامل مع الناس لكن في نهاية المجلس، هل نوينا مع المواظبة على ما ذكرناه في المجلس الماضي بأن نطلب الرزق الحس بأسبابه الحسية وبأسبابه المعنوية، ننتظر أيضاً من الأسباب الحسية رزقاً مادياً حسياً مال وظيفة غيرها وننتظر أيضا رزقاً معنوياً المغفرة “من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له”، وأيضا عندما تقرأ سورة الواقعة أو أن نستغفر وأن نصلي على الحبيب صلى الله عليه وسلم ننتظر الأجر ننتظر المغفرة ننتظر الصلة بالجناب النبوي الشريف ننتظر أيضاً تسهيل الرزق، فنطلب الرزق الحسي بالأسباب الحسية والمعنوية، ونطلب الرزق المعنوي بالأسباب الحسية والمعنوية.
دعونا نخرج من هذا المجلس ونحن متحققون بهذا الأمر لنلتقي في المجلس القادم بإذن الله، الإلحاح على الله بالدعاء يفيد، الحمد لله رب العلمين اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها انت خير من زكاها انت وليها ومولاها، إلهنا وسيدنا أجريت على هذه اللسان العاصية حديثاً من حديث الصادقين من عبادك المتقدمين وخبراً من أخبار دلالات سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، اللهم ثبتنا على الحق فيما نقول، ثبتنا على الحق فيما نعمل، ثبتنا على الحق فيما نعتقد، اللهم اجعلنا ممن نظرت إليهم فارتضيتهم لقربك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

محب الحبيب علي
29 Sep 2008, 09:18 AM
الدرس السادس والعشرون - صلة المريد بالخلق


الحمد لله الذي خلق الإنسان وركبَ فيه معنى الأنسة بمثيله وشبيهه، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد إمام أهل البر في الصلة، وعلى آله وصحبه ومن سَلكَ على نهجه إلى يوم الدين..
هل واظبنا على ورد المجلس الماضي؟ من ارتقاب الأرزاق الحسية والمعنوية من كلٍ من الأسباب الحسية والمعنوية؟ هل توقعت عندما ذهبت إلى عملك مع حصول المال أن تحصل على المغفرة؟ انتظرت المغفرة كما انتظرت المال؟ “من أمسى كالاً -تعباً- من عمل يده، أمسى مغفوراً له”، هل انتظرت مع تلاوتك لسورة الواقعة كل يوم والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الأجر والمغفرة والصلة به صلى الله عليه وسلم، حصول الرزق؟

هذه المجالس ثمرتها تظهر بالعمل (العلم ينادي بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل)، في هذا المجلس نكمل ما كنا قد بدأنا به في المجلس الماضي، وهو ما خلـُصنا إليه من الحديث عن الرزق إلى الحديث عن أثر أو تأثر موضوع الرزق بصلتنا بالخلق، ثم تأثرنا نحن في سيرنا إلى الله بصلتنا بالخلق.
أنواع الصلة بالناس من حولنا

النوع الأول : لا اختيار لك في صلتك بهم :

أنت مُجبر على أن تكون ذا صلة بهم، الوالد والوالدة، الوالدان لم تخترهما أبدا، أعجباك لم يعجباك مناسبان غير مناسبين أحسنا إليك أساءا إليك هما والداك، لا خيار في المسألة، الأرحام (الأعمام العمات الخالات الأخوال أبناء العمومة أبناء الخؤولة الأجداد الجدات…..) هل اخترتهم؟ أيضاً لم تخترهم. هذا النوع من الناس الذين لا خيار لك في الصلة بهم، الأمر في ارتباط صلتك بهم في سيرك إلى الله قوي فلا يمكن أن يصح سيرك إلى الله إذا أخللت بالصلة مع هؤلاء، لماذا؟ لأن هذه الصلة لم يكن لك فيها اختيار فاختبار العبودية فيها قوي، أنت لم تختار والديك، ولو اخترت ربما قد تختار والدين غير هذين أو مستوى مختلف أو نوعية مختلفة أو أخلاقيات مختلفة، ربما!! وهنالك الكثير قد أكرمهم الله بوالدين ليس في نيته أو في خاطره أن يفكر في غيرهما، أحمد الله على والدي، لكن هنا وجه العبودية، السير إلى الله عبودية، جعل لك والدين لم تخترهما ثم جعل لهما حقوقاً عليك، ولاحظوا..
كلما فـُقِدَ الاختيار كلما كانت الحقوق أقوى، وكلما حصل شيء من الإختيار كلما كانت الحقوق أخف، الأصدقاء والأصحاب أنت تختارهم في الغالب، أنت الذي تختار من يناسبك من بين ثلاثين أو أربعين طالب في الصف الذي تدرس فيه، اخترت من بينهم فلان وفلان وفلان ليكونوا اصحابك، أو ما أعجبوك أثناء الاستراحة تعرفت على غيرهم وصحبتهم، أنت اخترت فلاناً من زملائك العشرة أو العشرين أو الثلاثين في العمل ليكون أنيسك وصاحبك الذي تميل إليه، ها هنا نسبة من الاختيار أوسع، وللصحبة حقوق، لكن أيها أعظم؟ حقوق الصحبة أو حقوق الوالدين؟ حقوق الوالدين، كلها عظيم، لكن أيهما أعظم؟ حقوق الوالدين، لماذا؟ لأن نسبة الإختيار أقل، فيها معنى العبودية لله أكبر، أنا اخترت لك هذين وقلت لك أن تـُحسن إليهما، أمرتك.. هل تمتثل أو لا تمتثل؟ أمرتك بالاحسان إليهما، وجعلت الإحسان إليهما أول المطالب بعد التوحيد (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ) مباشرة بعد بعد التوحيد (إِلاَّ إِيَّاهُ)، (وَبِالْوَالِدَيْنِ) فجعل الإحسان إلى الوالدين أول مطلب بعد التوحيد، وجعل عقوق الوالدين أشد كبيرة بعد الشرك، (أكبر الكبائر) كما جاء في الحديث الصحيح قال “الإشراك بالله وعقوق الوالدين” وكان متكئً فجلس وقال “ألا وشهادة الزور” صلى الله عليه وآله وسلم، طيب يا رب أنا ما اخترتهما، واحد يقول والدي سيئا الخـُلق آذياني لم يعطياني حقي، أنت مُطالب من الله بالاحسان إليهما، أنا متضايق من الوالدين، أنت مُطالب من الله بلإحسان إليهما، تـُطيع أو لا تـُطيع؟ هذا اختبار العبودية لله.
فأنواع الصلة التي لا خيار لك فيها هي محكُ العبودية، أنا اخترت لك فلان خالاً وفلانة خالة وفلان عم وفلانة عمة، فيهم من آذاك فيهم من قاطعك فيهم من ضرك فيهم من كاد لكِ فيهن من آذتكِ واغتابتكِ من نمّت عليكِ من حاولت أن تؤذيكِ أو آذتكِ، ولكن مع ذلك نـُهينا عن قطيعة الرحم، في الحديث “ إن الله تعالى خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه قامت الرحم، فقال: مه؟ فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب. قال: فذلك لك“.. خطير مخيف، قطيعة الله لعنة، تخرج من رحمة الله، (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ) عندما ذكر الله الذين يقطعون أرحامهم، إذن موضوع الرحم خطير مخيف، لا عُذر في قطيعة الرحم، آذوك، أساءوا إليك، كادوا لك، ضروك، لا عُذر في القطيعة. يا أخي كل ما تواصلت معهم زادت المشاكل، اجعل الصلة بينك وبينهم على القدر الذي ينفي القطيعة،، السلام عليكم، عليكم السلام، كل عام وأنتم بخير، من العايدين، شهر مبارك، مناسبة زواج مبروك، عزاء عظم الله أجركم، جاء مقتضى من المقتضيات تواصلت معهم، التقيتم في مناسبة تبادئ أنت بالمصافحة والسلام، تبادئين أنتِ بالمصافحة والسلام، أما مسألة القطيعة حرام، ولا عذر في قطيعة الرحم قطُ، لو كان الرحم كافر؟، لو كان الرحِمُ كافراً، قطيعة الحم محرمة، لو كان أحد الوالدين فاسق؟ انظر مدخل الشيطان، أنت سالك إلى الله وسائر تصلي الفرائض في المسجد تصلي الرواتب والوتر والضحى وتقوم الليل ولك ورد من القرآن وماشاء الله حالة ممتازة، لا قدّر الله الوالد أو الوالدة في طريق غير مستقيم، الوالد يشرب ولا يعمل كذا ولا يؤذي، لا لا لا هذا فاسق اتقي الله يا أبي حرام أنت تدخل النار أي نوع من الآباء أنت،. تعال تعال تعال، أنت سائر إلى الله؟ أنت هنا تضحك على نفسك أو نفسك تضحك عليك كلاهما إشكال، أنت تضحك على نفسك تقول انك تنصح أنت هنا لا تنصح أنت تتمرد على مفهوم البنوة أنت تتمرد على مفهوم البـِـر بالوالدين، كيف أتمرد على مفهوم البر بالوالدين؟ أنا أغضب لله،، لا، ما هكذا يكون الغضب لله.
لو كان هذا الأب كافراً، الكفر أشد من المعصية، لو كان الأب يُطالبك بالكفر (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) المعصية لا تطعها “لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق“، لا أب لا أم لا ملك لا رئيس لا وزير لا كبير لا صغير لا زوج لا زوجة، لكن لا طاعة تقوم تضارب وتصايح وتتمرد؟، لا، (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً). إذن الرحم الذي يسيء، أو الأب والأم الذَين يُسيئان الاسائة التي تصدر منهم لا تـُبرر القطيعة هذا سير إلى الله علاقة متعلق بالسير إلى الله.

النوع الثاني: لك نسبة من الإختيار ونسبة من الاضطرار في صلتك بهم :

كالجيران، أنت اخترت البيت واحياناً الظروف، في نسبة ونسبة، سبحان الله جعل حقوق الذين هناك نسبة من الاختيار ونسبة من عدم الاختيار أكبر من حقوق من نسبة الاختيار أكبر، انظر لاحظ.. كلما زادت مساحة الاختيار كلما قلت عظمة الحقوق وكلما ضاقت مساحة الاختيار كلما اشتدت مسألة الحقوق. الجار، “لا يؤمن من بات طاعماً وجاره جائع” نفى النبي الايمان، واحد يبيت شبعان وجاره جائع،…. لم يكمل إيمانك، “من لم يأمن جاره ضوائقه” لا يأمنه ينظر إلى نساءنا أو يرمينا بالحجارة، يذهب شيء من الأرض النبي نفى إيمان هذا الإنسان، فكيف يكون سائر إلى الله؟
* قصة : الإمام أبو حنيفة رحمه الله (الإمام الأعظم) له قصة لطيفة في هذا الباب، كان له جار، الجار هذا مؤذي، ابتـُليَ بهذا الجار المؤذي، نسبة من الاختير أقل تمام؟ كان جاره يضرب على العود يبيت يضرب على العود وكان الجار معجباً بنفسه، صوته نشاز، وإذا جلس الإمام أبو حنيفة مع طلابه يتجاذبون أطراف الحديث في الدرس أو في المذاكرة العلمية يبدأ هو يدق على عوده ويغني أبيات من الشعر يرضي بها شعوره بأن الناس قد ضيعوه (أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ** ليوم كريهة وسدادِ ثغرِ) أنا فارس قومي ما عرفوا قيمتي، في الغالب المؤذي لمن يحيط به يكون عنده نسبة من الاغترار بنفسه، انتبه، انتبه، كلما ازداد اغترارك بنفسك والعياذ بالله كلما ازداد أذاك لغيرك، وكلما ازداد تواضعك وفقهك ومعرفتك بنفسك كلما قلَّ أذاك لغيرك،،. المهم.. الإمام أبو حنيفة متضايق والطلاب متضايقون، يا إمام كلم هذا الجار يكف عنـّا أذاه، قال لهم إنه جاري، لا أكدر على جاري، من ناحية لشريعة من حقه أن يشتكيه ولكن الكلام هنا ليس من جانب هناك حق أو ليس هناك حق، الشريعة سبحان الله جاءت لتتناسب مع مقدرات البشر المختلفة، انسان من عموم الناس ما يطيق الأذى يجوز شرعا له ان يشتكي لأنه أوذي، لكن نحن لا نتكلم عن عموم المسلمين نحن نتكلم عن من؟ عنك ايها السائر إلى الله يا من تريد نيل منزلة قريبة من الله وأنت قادر على ذلك بإذن الله، لا تقل أنا وين وأبو حنيفة وين؟ لا. لا، قادر بإذن الله، الذي أعطى أبو حنيفة لايزال يعطي سبحانه وتعالى لايزال يُكرم جل جلاله وتعالت عظمته..
ليلة من الليالي تذاكروا الدرس ولم يسمعوا الصوت فأثناء الدرس بعد ان انقضت فترة انتبه الإمام أبو حنيفة قال أين صاحبنا (أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ** ليوم كريهة وسدادِ ثغرِ)؟ سبحان الله بعض الناس يُفتقدون اذا غاب أذاهم وبعض الناس يفتقدون إذا غاب خيرهم، أنت من أيهم؟ هل يفتقدك الناس اذا غبت يفتقد الناس منك الأذى السوء،.. أم انك من النوع اذا غبت اذا افتقدك الناس افتقدوا الوجه اللطيف الحسن البشوش الأخلاق الة العطاء البر الصدق؟ انظر عندما تغيب من هذه الحياة ماذا سيفتقد الناس منك؟ المسألة متعلقة بالصلة بالناس لازلنا لم نخرج عن الموضوع، الإمام أبو حنيفة “أين صاحبنا؟” فضحك الطلاب، كل واحد ينظر إلى الآخر ويضحك، قال مابالكم؟ قالوا قد خلصك الله من شره، قال وما ذاك أصابه أذى؟ قالوا تعارك مع الشرطة واودَعوه السِجن، قال وجبت وقام الإمام أبو حنيفة، قالوا وما وجبت؟ قال الشفاعة، وذهب في الليل وقد مضى هزيعٌ من الليل وقرع باب الخليفة في بغداد من في الباب؟ قال النعمان أبو حنيفة، يقول الحاجب أبو حنيفة!! مو مصدّق، أبو حنيفة لا يأتي إلى الخليفة إلا إذا طلبه الخليفة، فتح الباب فإذا به أبو حنيفة وقال له أهلا سيدي، قال أريد أن أقابل الخليفة، قال سيدي الخليفة قد دخل إلى أهل بيته لا أدري أنام أم لا يزال مستيقظ، قال فانظر واسأل عنه، فقرع الحاجب على الخليفة يسأل… من؟ قال له سيدي أبا حنيفة في الباب، قال أجُنِنت؟ إن أبا حنيفة لا يأتينا في النهار سيأتينا في الليل؟ ولا يأتي إلا إذا طلبناه وأفتقدناه، قال إنه في الباب، لبس الخليفة ما تيسر وخرج… ما القصة يا أبا حنيفة؟ قال لي جار قد حبسته الشرطة إن كان مسيئاً فأنا كفيله ضميته أدفع مال وإن كان مضمون فاطلقوه، قال أمن أجل هذه قد جئت في هذه الساعة؟ قال إنه جاري يا أمير المؤمنين .
- يا أصحاب الوجاهات لا تترددوا في بذل وجاهاتكم لنفع الخلق فإن لكل شيء زكاة، وزكاة الجاه بذله للمستحقين، لا تظن أن وجاهتك وجاهك سيذهب، أهل المال وأهل السلطان يفرقون بين من يأتي يتكلم في شؤونه الخاصة وبين من يأتي يتكلم بشؤون من هم أهل استحقاق، بالمعروف بقدر المستطاع والأمور بموازينها- ..
قال له غداً تعال إن شاء الله تعالى ونـُصدر الأمر بما تريد، قال الليلة يا أمير المؤمنين إن شئت، قال الليلة يا أبا حنيفة وأمر الحاجب أن يوقظ من في السجن ليُخرج الرجل، فوقف الإمام أبو حنيفة على مقربة من السجن ينتظر خروج الرجل، فلما خرج الرجل وأقبل على أبا حنيفة مشى الإمام أبو حنيفة فمشى الراجل وراء الإمام أبو حنيفة، فإذا بأبو حنيفة رضي الله عنه يسير ويقول (أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ** ليوم كريهة وسدادِ ثغرِ)، قال لم يضيعني أحد أنا الذي أضعت نفسي يا إمام، أشهد الله وأشهدك أني قد تبت، تتلمذ على الإمام أبو حنيفة. غـَيَـرَ أم لم يُغير؟ قوة أم ضعف؟
المشكلة أن الشيطان يضحك علينا يقول نحن لو صبرنا وتعاملنا بالأخلاق يا شيخ الله يهديك الناس قد تغيرت الله يرحم،… أبي حنيفة أين؟ النفس البشرية هيَ هيَ.
لكن السؤال.. هل لك قوة وعزيمة؟ لا تضعف، لا تقل الناس، قل نفسي ضعيفة وابدأ قوي نفسك. لا يا أخي نحن بشر.. ماطالبناك بشيء خارج حدود البشر أنت بشر وأنا بشر، لكن هذه المراقي أنت تستطيعها بإذن الله، واعلم أن هذه قوة “ما ازداد عبداً بعفوٍ إلا عِـزا” هذه قوة، وكلما كنت أنت الأرقى في التعامل مع من كنت مجبراً على الصلة بهم أولاً، أصحاب الحقوق الكبرى، أيضاأقول للآباء الأبناء لهم حقوق “رحم الله أب أعان ابنه على بـِرهِ”
النوع الثالث : أصحاب شبه الاختيار :

نأتي الآن إلى الكلام عن الذين لك مطلق الخيار أو شبه الإختيار المطلق في اختيارهم، أنت اخترت بمزاجك، أول معلومة خذها يا مريد يا سائر إلى الله، أصحابك مرايا لحالك أنت، وجدت قلبك يميل إلى اصحاب سفهاء يعني لايزال وجود سفه في داخلك حاول أن تتخلص منه، وجدت قلبك يستريح إلى المجاهرين بالمعاصي يعني لاتزال نفسك متعلقة بالمعاصي، عالج نفسك، هذه أول فائدة.. ما دمت قد اخترت صاحباً “من جالس جانس” الصاحب والصاحب قواسم مشتركة يقيناً.
الأولى : القواسم المشتركة :
حتى أن بعض حكماء العرب نظر فوجد غراباً وطيراً أبيض (نورس) يتناقمان مع بعضهما البعض كل منهما يناقم الآخر، فاستغرب ما الذي جمع هذا الغراب على هذا النورس!! ماهناك قاسم مشترك، لا اللون ولا الجمال ولا الصوت، ما لذي جمع بينهما؟ ثم قاما وتحركا فإذا كل منهما أعرج. فكل إنسان تجد أن بينك وبينه ألفة وأنسة معنى هذا أن هناك قاسم مشترك بينك وبينه.
الثانية : ما الذي يسبق الى فكرك أولا ؟
غير الوناسة والفرح والسرور، بدأت تفكر في صلتك بهذا الإنسان، الذي يخطر على قلبك أولاً المصلحة الدنيوية أم الأخروية؟ هذا صاحب ممتاز الصفقة الفلانية ينفعنا، زوج عم خالة جدته يشتغل في المكان الفلاني وزير وعند الفقة سيفيدني، أو،. هذه ما شاء الله عليه رئيت منه موقف من الأخلاق شعرت أني احتاج أن أصحب هذا الإنسان، فما الذي يسري إلى ذهنك؟ هذه النقطة الثانية المنفعة الدنيونية أم المنفعة الأخروية؟ إن سبق إلى ذهنك في التفكير المنفعة الدنيوية لا يزال حب الدنيا يلعب بك، يا الله اشتغل كـُر على نفسك عالج هذه النفس يالله سوقها بالذكر تذكر الموت إقرأ في سِيـَر الصالحين اقرأ كتب القوم الذين يعالجون أمراض القلوب..
الثالثة : ما الذي يَغلب عليك في الوقت مع الصاحب؟
قضيت معه ساعة ساعتين ثلاث ساعات، الذي غلب عليك مما يـُقرّب إلى الله أو ما يُغضب الله أو لا يـُقرّب ولا يُغضب لغواً، الذي غلب اللغو، هذا مقياس ثالث. الصاحب الذي يغلب عليه في الوقت الذي تجلس معه ما تحب ان تراه في صحيفتك، جلست معه ذكرك بالله قال قم نذكر الله لا إله إلا الله خرجت تتمشى على البحر إنت وأصحابك تتنسمون تغيرون جو تروحون عن أنفسكم وخطر في بالكم وانتم في السيارة مع هبوب الجو الجميل على البحر ترددون مع بعض خمسين مرة اربعين مرة لا إله إلا الله،لا إله إلا الله، ولو بنغمة فيها طرب سبحان الله، سبحان الله.. رددت انت واصحابك شيء من ذلك؟
الرابعة : ماهي استمرارية الصحبة ؟
هل تنبني على بصيرة أو على غير بصيرة، كيف هذا الكلام؟ يعني لو فكرت هكذا، أنا لي خمسة أصحاب عشرة، هل فكرت هذه الصحبة ستستمر وإلا ستنقطع؟ ما الأساس في الاستمرارية من عدمها؟
اسمع، هناك آية من القرآن الكريم، لأن الوقت يدركنا الآن وهذا الموضوع مهم، الله سبحانه وتعالى يقول (الأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا…) تعال، تعال،أول كلام، مامعنى الأخلاء؟ جمع خِلّ والخـُلة هي منتهى المحبة والصحبة، الخليل أشد الناس قـُرباً منك، الله سبحانه يقول سيـُصبح عدوك، هذه كارثة مسألة جادة إذاً!!، (الأَخِلاء يَوْمَئِذٍ -أي يوم القيامة- بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ –كل الأصحاب والأخلاء- إِلا الْمُتَّقِينَ)، إذن كل صحوبيات الناس وكل علاقات الناس الموجودة بالدنيا من مودة ومحبة لن تتحول إلى عدم مودة ومحبة أخف هذه المسألة سهلة، لو قال الله الأخلاء يومئذٍ يتفرقون، سهل، انه معلش تمتعنا مع بعض بدنيا بصحبة بأخلاق بجمال بتعامل، مشينا، لكن لا ما قال فقط يفترقون، قال (بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) ما معنى بعضهم لبعض عدو؟ كل واحد يترصد للثاني كيف ينتزع من حسناته، يوم القيامة يأتي الصاحب الخليل يأتي يوم القيامة يقول يارب في اليوم الفلاني سهرنا مع بعض وانا خرجت قبلهقام نكت عليّ وانا غير موجود عند أصحابي، انظر يارب هذا اغتابني والآن أريد من حسناته مقابل الغيبة، آه أنا واياك أصحاب بيننا مواقف الآن تريد حسناتي؟ يقول له ما أعرفك اليوم جنة ونار الآن مافي لعب يارب ما اسامح ما اتنازل أريد حسناتي كاملة..
جاء في بعض الروايات أن الغيبة الواحد لا يقنع الغريم فيها إلا بأربعين فريضة مقبولة أو سبعين فريضة مقبولة ثوابها يأخذها بسبب غيبة، مشكلة ! صح؟ هذه معنى (بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)، يارب في اليوم الفلاني رآني اعمل الخطأ وضحك، حكيت له قصة عن علاقة مشبوهة لا ترضيك بدلاً من أن ينصحني قال والله رجال سبع البرمبة زي ما يقولون، أنا ما قلت له يعمل الغلط، لا يارب شجعني، أنا ماكنت شريك له لا ساعدته لا عملت معه لا اعطيته مال، لا يارب ما نهاني ما نصحني ماكان من حقوق الصحبة ان ينصحني؟، سبحان الله الآن صارت مرافعة وقضية ومن الذي يدعي عليك؟ الصديق!
(الأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ -يارب في استثناء؟ قال نعم- إِلا الْمُتَّقِينَ)، الذين صحبتهم قامت على اساس طلب رضوان الله عزوجل، المتقي الذي ينصح أخاه الذي يبحث عن الأخ الذي كلما صحبه كلما ازداد إيماناً وازداد قرباً من الله، الأخ والصديق الحقيقي الذي قد تستثقل دمه عندما ينصحك بما لا يعجبك عندما يقول لك خطأ لا ماممكن. عندما لا يقبل ان يساعدك في امر لا يرضي الله، كم تتضايق وتغضب منه هذا يوم القيامة سيكون أخ لك لأنه سيأتي يوم القيامة يشهد لك أنه نصحك وانك قبلت النصيحة، يوم القيامة إن كان أرقى منك درجة عند الله وقبله الله لدخول الجنة يقول يارب هذا أخي كنت آكل وأشرب معه شفعني فيه يارب، جاء في الحديث أن الله يُشـَفـّع أناساً في أناس، يُشـَفـّع الانبياء والشهداء وحفظة الكتاب العزيز والعاملين به يُشـَفـّع هل الصلاح وأهل الولاية بمن كان لهم صلة بهم، هاهنا تأتي ثمرة صحبة التقوى وقد أدركنا الوقت.

ننصرف من هذا المجلس

لكن بمَ نخرج من مجلسنا هذا؟ كيف تتعامل مع الوالدين؟ كيف تتعامل مع الأبناء؟ الأرحام؟ يامن يسمع هذا الكلام، لك قريب أو لكِ قريبة بينكما قطيعة مهما كانت الأسباب لا عذر، الآن بعد ان ينتهي المجلس ارفعِ سماعة الهاتف: فلانة سامحيني أنا أخطأت في حقك، ارفعِ السماعة وأنتِ لا تنتظرين منها أن تقول لك خلاص أبداً كل شي تمام…. لا.. ارفعي السماعة وأنتِ تنتظرين من الله، الكلام أنكِ سائرة إلى الله مريدة تطلبين الله، ارفعي السماعة وانتِ تنتظرين من الله أن ينظر إليكِ نظرة رضى، قالت لكِ أهلا وسهلا.. طبقت السماعة في وجهك، غداً ستتصلين بها مرة أخرى، صعب، لا ليس بصعب تقدرين أصدقِ مع الله عزوجل وأنت اصدق مع الله عزوجل.
اسأل الله عزوجل أن يرزقنا الصدق، هذا يتعلق بحالنا مع الله، اللهم يا من وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه وفقنا للخير وأعنـّا عليه لا تحرمنا خير ماعندك لشر ماعندنا فضلاً وإحسانا وجوداً وامتناناً يا أكرم من سؤل وأجود من أعطى وما بَخِل، أعنـّا على هذا البـِر واجعل صلتنا بخلقك مرقاةً لحسن الصلة بك يا كريم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد أبر الخلق بالخلق وعلى آله وصحبه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

محب الحبيب علي
30 Sep 2008, 01:46 AM
الدرس السابع والعشرون - المقصود من الصلة بالخلق


الحمد لله .. حمداً نستلهم به التوفيق من حضرته، ونتهيأ به لعواطف نظرته، وصلى الله وسلم على خلاصة الخلاصة وصفوة الصفوة من بريته وخلقه سيدنا محمد، اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد أعظم من دلّ عليك وأشرف من أوصل إليك وعلى آله وصحبه ومن سلك نهجه إلى يوم الدين..

لعلك أخي يا من حضرت المجلس الذي مضى وأصغيت إليه أعدت النظر في صلتك بالخلق، تنبهت إلى من خُلِقت وقد قدر الله لك أو عليك أن تكون على صلة بهم لا اختيار لك في ذلك من والدين ورحم، واستشعرت عظيم حق من كانت لك نسبة من الاختيار فيهم ولكن هناك جزء آخر لا اختيار لك فيه كجيرانك، ثم راعيت النظر في من تصاحب..

قبل أن نشرع في المجلس اليوم، أرجو أن تكون قد صالحت رحمك التي كان بينك وبينهم قطيعة، ودون أن تصالح الرحم وتعود إلى صلة الرحم لا تضحك على نفسك السير إلى الله عندك صعب، أعلم أن هذا القرار سيكون صعب بالنسبة لك أن تدوس على نفسك وتتنازل عما تراه كرامة لك أو حقاً لك وتسترضي من ترى أنه أساء إليك من الرحم، أعلم أن هذا ثقيل لكن أنا أثق أنك مسلم ومؤمن وبالتالي الأثقل عندك والأعظم والأكبر رضوان الله سبحانه وتعالى وأنك لن تتردد قط في أن تدوس نفسك بقدميك وتطلب رضوان الله، صَعُبَ عليك من المجلس الماضي من الآن انوي هذه النية، الله مُطلع على قلبك وأنت تنصت إلى هذا الكلام، هل نويت صلة الرحم التي قطعت؟ حالك مع الوالدين، الجيران، أساؤوا أخطئوا… جيران، “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه“، أصحابك ما كان حالك معهم تذكرت أنهم مرآتك؟؛ فإذا أردت أن تعرف حالك انظر إلى أحوال أصحابك، اختيارك للأصحاب لقاسم مشترك بينكم، هل راجعت نفسك من المجلس الماضي إلى الآن فيما يغلب على تجالسك معهم أهو النافع أو الضار أم أنه لغو يضيع الوقت فحسب.. على كل في مجلسنا هذا نلج إلى عُمق في مفهوم صلتنا بالخلق، هو أساس في ارتقائنا في صلتنا بالخالق..
عمق المقصود من الصلة بالخلق

طبيعة الإنسان.. الأنسة ولذلك سمي إنسان ـ على قول ـ لأنه يأنس يحتاج يأنس إلى ما حواليه، أيضاً سُنـّة من سنن الكون التي أوجدها الله عزوجل أن الإنسان يصعب أن يستقل بنفسه في الحياة، كي تلبس أنت محتاج إلى الخياط وإلى النساج وإلى المزارع وإلى الصانع، كي تأكل القمة أنت بحاجة إلى المزارع وإلى الراعي وإلى الصانع، كي تسير من بيت إلى بيت آخر على العربة أنت محتاج إلى كذا وكذا، هناك تكامل هناك شيء من التسخير من الله عزوجل البشر لبعضهم البعض، الصلة بين البشر فيها نوع من صورة الحاجة من كل طرف إلى الآخر ولا يوجد أحد من البشر أُغنـِيَ عن بقية البشر في عالم الحس إلا فيما ندر، حتى الأعلى لا يستغني عن الأدنى، الملك الحاكم محتاج إلى الشعب وإلا كيف يكون حاكماً؟ يكون حاكم على نفسه إذا ماعنده شعب ماهو بحاكم، الوزير محتاج إلى الذين معه وإلا ما قامت وزارته، التاجر محتاج إلى الذين يعملون عنده وإلا ما راجت تجارته، المزارع محتاج إلى من يعينه أو من يشتري بضاعته وإلا ما مشت زراعته، الطالب محتاج إلى من يعلمه والمعلم محتاج إلى الطالب ليعلمه، إذاً الحاجة قائمة بين البشر في عالم المحسوس، هذه الحاجة إما أن تترجم عند صاحب الغفلة بنوع من التعلق بمن له صورة احتياج إليه، هذا التعلق إما أن يكون بمحاولة استمالتهم واسترضائهم أو بمحاولة دفعهم وقهرهم، لكن في كلا الحالتين أنت تشعر أن لك تعلق.. أن لك علاقة بهؤلاء الناس صحيح؟، لكن أصحاب الصلة بجناب الحق عز وجل..
أيها المريد الذي يريد أن يسلك الذي يريد أن يقترب إلى الله عزوجل حاول أن تفهم سنة التكامل التي أوجدها الله عزوجل بين البشر بمنظور آخر وهو أن الله جعل البشر سلالم لبعضهم البعض في الارتقاء إليه، الغني عندما يحسن إلى الفقير يكون الفقير بالنسبة له سُلماً يرتقي به إلى الله أعانه على الارتقاء إلى الله، والفقير عندما يجد المعونة من الغني جعله الله سبباً في قضاء حاجته، المعلم والمتعلم.. الكبير والصغير.. الحاكم والمحكوم.. الطبيب والمريض.. الكل..
لو نظر كل منا إلى صلته بمن حواليه أنهم وسائل لارتقائه إلى الله عزوجل النظرة ستختلف كثيراً ما معنى ستختلف كثيراً؟ في أحوالنا مع الله، ثم ما يترتب على ذلك في معاملاتنا مع بعضنا البعض، عندما تنظر إلى إنسان على أنه معراج ارتقائك إلى الله السبب في قربك من الله ..أتحبه أو لا تحبه؟ تـُحسِن إليه أو لا تـُحسِن إليه؟ تتمنى الخير له؟ هو سبب في قربك من الله، لكن إذا نظرت إلى إنسان على أنه العقبة بينك وبين ماتريد، الله يعينا يخلصنا من فلان من هذه المشكلة.. مرتب الشيء الفلاني ….فرق كبير، سواء أراد هذا الشيء بأسلوب المداهنة والملاطفة أو بأسلوب القهر سيان في النهاية، أنت في هذه الحالة مقهور تحت هذا الإنسان حتى ولو كنت في الصورة قاهراً لهذا الإنسان، أنت مقهور لأنك تشعر أنك لا تستطيع أن تخطو خطوة إلا بعد أن تنتصر على مشكلتك مع هذا الإنسان، لكن إن نظرت إلى صلتك بالبشر على أنهم مراقي ترتقي بها في الصلة بالله المحسن منهم يعلمك الإحسان والمسيء يعلمك الصبر المحسن منهم يحيي في قلبك معنى الشكر لنعمة الله أن ساق إليك المحسنين، والمسيء منهم يحيي في قلبك الاعتبار والتعلم حتى لا تكون مسيئاً، كيف تكون نظرتك إلى أناس تراهم أنهم جميعاً يحملونك إلى الله عز وجل الفرق كبير..
إعادة النظر فيما نرجوه من الخلق من حولنا

يترتب على هذا أن تعيد النظر في مفهوم ما ترجوه من الخلق وما تخشاه من الخلق هذا بجانب النظرة الأولى، المفهوم الأول: اتفقنا أننا سننظر إلى البشر على أنهم مراقي لنا في صلتنا بالله صحيح؟، المفهوم الثاني:
أصبحت النظرة إنسان لإنسان غاب عنها شهود الرحمن، النظرة الأولى تلك السابقة كنا ننظر أنه سبب في ارتقاءنا إلى الله لأن الله جعلهم أسباب لترقينا، لكن مفهوم الحاجة هذا إذا نظرنا إلى بعضنا البعض في صلتنا ببعضنا البعض بتصحيح مفهوم ما نحتاج إليه أصلاً من الدنيا، أيها المريد ماذا تحتاج من الدنيا أنت لا تحتاج على وجه الحقيقة على أكثر من كسوة تستر عورتك وتقيك البرد وكذلك من تعولهم ولقمة تقوًم بها عودك ولو بشيء من التنعم في المباح ومأوى تأوي إليه ومركب تركبه، يوجد في الدنيا أكثر من ذلك؟ حقيقة لا كل ما سوى ذلك أوهام يتوهم الإنسان التلذذ بها، يتوهم الإنسان التلذذ بأن ستارة بيته أغلى من ستارة بيت جاره بعشرة آلاف أو بخمسة آلاف، هنا لا يوجد لذة في الحقيقة لكن توهم اللذة بتوهم أني صرت أعلى منه أني صرت أرقى منه أنه سينظر إلي بأني… في الحقيقة لا توجد لذة حقيقية بهذا الشيء، لكن اللذة في الوهم الذي تعيشه إن أخذتنا هذه النظرة للحاجة. وهو مفهوم الحاجة وهذه مسألة لها صلة بالعقيدة لكن بباطن العقيدة بروح العقيدة بسر العقيدة .. اليقين، إذا ظننت بأن أحد من هؤلاء البشر يملك لنفسه نفعاً أو ضراً فضلاً عن أن يملك لك نفعاً أو ضراً فأنت في مشكلة، لماذا فلان يكره فلان؟ لأنه أعتقد أن فلان منعه ما يريد أو أخـّره عما يريد أو صَعّب عليه ما يريد أوأخذ ما يريد. ولماذا يبيع فلان دينه لفلان بكذب أو مداهنة أوطاعة في معصية الله عز وجل لأنه أيضاً يظن أنه بيده أن يعطيه ما يريد..
موقف المريد من الفقر والغنى

ما موقف السائر إلى الله ما موقفك أيها المريد من الفقر والغنى؟ هذا له صلة كبيرة لسيرك إلى الله وله صلة بصلتك بالخلق، إن كتب الله لك سعة في شيء من أمور الدنيا ما نظرتك لمفهوم الغنى والجـِدَة؟ وإن قَدَر الله عليك رزقك وصارت عندك حاجة أو صارت أمورك شدة ما نظرتك لذلك؟ إن قررت أن تكون واضحاً صادقاً قوياً بالله عز وجل ستدرك أنه من حقك أن تأخذ بالأسباب إذا أردت أن تتوسع، من حقك أن تتاجر من حقك أن تأخذ بأسباب الدنيا، لكن ينبغي أن يكون قلبك مطمئناً أولاً إلى أنك لن تستطيع أن تأخذ شيء لم يكتبه الله تعالى لك، فتجتهد اجتهاد المطمئن لا اجتهاد اللهج المتلهج القلق، الشيء الآخر أنت مريد الله فالدنيا بالنسبة لك بـُلغة لن تنظر إليها على أنها إما حضرت وإما شقيت، إما توفرت سيارة من النوع الفلاني أو فرشت بيتك من النوع الفلاني وإلا فأنت غير سعيد، أنت الذي حكمت على نفسك في هذه الحالة أن لا تكون سعيداً!! ليست هي الحقيقة، فإذا فهمنا أنها بـُلغة وأن المتيسر منها سيأتي المكتوب وغير المكتوب لن يأتي خذ الأسباب لكن كن مطمئناً بأنه لن يأتيك إلا ما قـُدّر لك، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في ما مضى تعاملك مع الفقر والغنى هل تفهم كيف تصبر إذا حصل الفقر وتشكر إذا جاء الغنى؟
رتب المريد مع الفقر والغنى

أقل رتب المريد أن يشكر عند الغنى وأن يصبر عند الفقر؟ نعم وهذه بدايات سنة أولى روضة تمهيدي حضانة .. بدايات الإرادة، جاءك شيء من الفقر .. صبرت ثبتت أخذت بالأسباب لكن عندك الصبر الرضا، فـُتِحَ لك شيء من أبواب الدنيا شكرت وأديت حقها..
يوجد أرقى من ذلك؟ نعم، تعرف ما هو الأرقى؟ هناك من الصالحين من إذا جاءت الدنيا أقبلت خافوا وقالوا لعلها عقوبة معجلة ذنب عُجـِّلت عقوبته، وإذا جاء الفقر وقلة ذات اليد يقول الحمد لله شعار الصادقين قد أقبل عليّ… صعبة، هناك أرقى .. لا لا هذه صعبة ما استوعبناها كيف هناك أرقى؟ نعم..
هناك أرقى، الذي ينظر إلى هذه الرتبة التي يستصعبها البعض، إذا جاءت الدنيا خاف وقال لعله ذنب عُجـِّلت عقوبته كما كان السلف يقولون وإذا أقبل الفقر اطمأن وانشرح صدره وقال مرحباً بشعار الصالحين كيف ينظرون ماهي الفلسفة التي ينظرون بها إلى هذا الأمر؟ في الحقيقة هي معرفة أكثر من كونها فلسفة، حلال الدنيا حساب وحرامها عقاب، هذه واحدة، الثانية غالب أهل الدنيا الذين لم تطمئن قلوبهم لأنوار المعاملة مع الله في نكد لا تعلمونه أنتم، لا يعلمه من لم يتسع في الدنيا، وانظروا إلى هذا الفقير الذي ثوبه قد خِيط عدة مرات وهو يسير هانئ البال يضحك بملء فيه وإذا آوى إلى فراشه بمجرد أن يضع رأسه على الوسادة أطبق عليه النوم، وانظروا إلى هذا الذي يملك الأموال الطائلة ويركب السيارات الفارهة ويلبس الملابس الفاخرة وهو لا يستطيع أن ينام إلا بحبوب منومة، ما القصة ما الخبر ما السبب؟ نعم رأينا فقراء أيضاً جزعين، ورأينا أغنياء مرتاحين، المسألة ترجع إلى طمأنينة في القلب فقط، هل اتضح هذا المقصد لماذا كانوا يقولون مرحباً بشعار الصالحين ويقولون ذنب عُجـِّلت عقوبته في صلتهم بالفقر والغنى، ماهو الأرقى حتى لايدركنا الوقت، الأرقى من هذا وذاك أن يستوي عندك الفقر والغنى، الجـِدَة والعدم؛ كتب الله لك أن تعيش عيشة الفقراء بالرغم من بذلك الأسباب لكن في النهاية ما تيسر إلا هذا المستوى، راضي يا رب بما قسمته لي.. القضية أيام نعديها في الدنيا ونسير يا الله بحسن الخاتمة، كتب الله عليك ابتلاء الأموال والسعة في أمور الدنيا، يا رب أعني على ما أقمتني فيه وارزقني حسن التصرف والتقبل ولا تجعل الدنيا في قلبي.
حال أهل الأنس بالرضى بالله عز وجل: أن الوجد والعدم عندهم سواء، طيب لماذا جعلنا من استوى الفقر والغنى في قلوبهم أرقى من الذين يخافون من الغنى ويفرحون بالفقر؟ لأنه بالرغم من أن هذا الخوف والفرح راقي، إلا أنه لا يزال فيه نسبة نظر إلى الدنيا، أثرت بخوف أو فرح وإن كان راقياً، اتضحت أو أعيدها؟ أعيدها، هذا الذي يفرح بالفقر ويقول شعار الصالحين قد أقبل واتخلص من مشكلة حساب الدنيا، أو قد جاءت الدنيا فيقول ذنب عُجّلت عقوبته لكن لا يزال في قلبه تأثر في الدنيا إن أقبلت أو أدبرت، وإن كان هذا التأثر إيجابياً لكن في نسبة تأثير في الدنيا عليه، أما من استوى عنه الوجد والفقد .. الغنى والفقر عنده على حدٍ سواء هذا قد انقطعت الدنيا عن قلبه بالكلية ما عادت تهز له شيئاً؛ وجـِدَت أخذها وبذلها في محلها، فـُقِدت ما شاء الله ما فقد شيء لأن قلبه معمور بالله..
مواقف ..

* من السيرة : الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم مرّت عليه أيام وفـّر لزوجاته مؤونة سنة كاملة من الطعام، ومرّت عليه أيام ما يجد طعام، في الحديث الشريف : “أن رجلا - ضيف.. يعني انظروا الإحراج في مفهومنا العصري، برؤيتنا القاصرة - أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يضم أو يضيف هذا). فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء. فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت - قبل نزول الحجاب- كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين“..
الله الله، بعضنا يستثقل أن يجلس عنده الضيف ليلة أو ليلتين من الرجال والنساء يستثقلون.. خصوصيتنا وترتيبنا وأمورنا، أما تعلم أن الضيف يدخل برزقه ويخرج بذنوب أهل ذلك البيت؛ أي بمغفرة ذنوب أهل ذلك البيت؟ على كلٍ موضوعنا أن الحبيب صلى الله عليه وسلم كان عنده الأمر على حد سواء، هذه الدرجة العالية..
* من السيرة: يأتي إليه أعرابي وقال له يا محمد أعطني، وكان قد قسم لرسول الله من سهمه غنم تملأ ما بين الجبلين ملئ الوادي، فيقول رسول الله للأعرابي: انظر لهذا الغنم ملء الوادي، فيقول : نعم، فقال: إنها لك، فقال الأعرابي أتهزأ بي يا محمد، فقال إني لا أهزأ بك خذها وسر بها إلى قومك، فيأخذها الرجل ويسير: جاء في الحديث: “ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر” ، هنا الشاهد، الرجل هنا لم يطلب من قومه أن يسلموا من أجل المال؛ الغنم، الرجل انبهر من عدم تأثير الدنيا على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، انظر إلى التعبير الراقي الذي عبر به هذا الرجل “فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر” من لايخاف من الفقر، ليس عنده التفات أبداً؛ جاء الفقر ..أهلاً وسهلاً، جاء الغنى .. أهلاً وسهلاً؛ أنا مع الله، بالله عليك ما تشتاق هذه المنزلة ما تطلبها؟ هي ممكنة الحق يعطيها، أعطاها أعداد من الأمة في كل زمان من هذه الأمة من أعطاه الله هذا الأمر..
* من زماننا المعاصر : أحد الأشياخ الذي أخذت عنهم كنت في مجلس الدرس كنت في تلك الأيام في الخامسة عشر أو في السادسة عشر، تعلمون لماذا أحكي لكم قصة أحد الأشياخ الذي جالستهم؟ حتى لا يقول أحدكم ذاك رسول الله ذاك أبو بكر وعمر أولئك السلف الصالح من مثلهم، كم وكم هناك أناس بين ظهرانينا عايشناهم وجالسناهم في القرن الواحد والعشرين أوالخامس عشر الذي نتحجج به في ما تروج له أنفسنا من الخنوع والرضا بأن لا نرتقي، شيخنا هذا حفظه الله تعالى كنت في مجلسه وبعد الدرس كنت أبقى لكي أنظر هل يحتاج الشيخ شيء، هل أكرم بخدمة الشيخ بشيء أو إذا أراد آتي له بقلم أو أقرب نعليه إليه عند خروجه، أي والله.. الفقير إلى الله أعلم في نفسي النقص في كثير من الشؤون، لكن إن كان ثمة شيء أجراه الله من النفع، صدقوني والله، إني لأعتقد أنه ببركة حملي لنعال مشايخي، نعم، هذا ليس تواضع!! لا تفهموه على أنه تواضع!! هذا إخبار بحقيقة، الصادقون مع الله شأن الجلوس معهم عجيب وهو موضوع درسنا إن شاء الله الذي يأتي أو الذي يليه، بقيت فلما انصرف الناس جاء أحد تجار البلدة من الذين يحبون الشيخ وقال للشيخ أريد أن أتكلم معك في أمر خاص، قال هات ما عندك يعني كلمني، خرج هذا التاجر وجاء ومعه سائقه يحملان جونيه (شوالاً) يسمونها التي يوضع فيها الرز قال له الشيخ : ما هذا؟ قال له مليون، هذا الكلام في الثمانينات الميلادية، قال له الشيخ ما لنا حاجة إليها يا أخي، قال أنا قد نويتها لك تريدها للخير للصدقة لأولادك، كان التاجر هذا من أهل الحجاز هذا الكلام في جدة قال (تحرقها) بلهجة أهل الحجاز، افعل ما تريد، فدعا له الشيخ وانصرف الرجل..
قال تأكد أن سيارة الرجل قد غادرت المكان، ذهبت وتأكدت له ورجعت أخبرته، قال تستطيع أنت والسائق تحملانها قلت إن شاء الله نعم، فحملت هذا الشوال مع السائق ووضعناه في السيارة وركبنا مع شيخنا، نعم كان هو في مقدمة السيارة مع السائق وكنت أنا بجانب الكيس الذي فيه المليون، كان هذا الكلام الساعة العاشرة صباحاً.. ما وصلنا إلى الساعة الثالثة بعد الظهر إلا وقد فرغ الكيس، أدخلني إلى أماكن ضيقة فيها من الفقراء مالم أعرفهم في بلدة ولدت فيها ونشأت فيها، يقول لي إقرع هذا الباب سيجيبك رجل شائب من الشباك لا يستطيع النزول قل له فلان أرسلني، سيلقي لك المفتاح افتح واصعد أعطيه هذه الرزمة، اطرق هذا الباب.. يا ولدي أنت قد بلغت سن الرشد غض البصر لأن الذي فيه إمرأة وبناتها عذارى ليس لهن أحد ناولها من عند الباب وارجع وهكذا.. فلما فرغ من تفرقة الكيس قال لي بقي شيء قلت لا سيدي فأمسك بطرف هذا الكيس وبكى فقال اللهم فاشهد.
هذا أوتي المال جاءه المال إلى عنده لكن ليس له أثر في قلبه ليس له منزلة عنده، وسأحكي لكم إن شاء الله في المجلس القادم قصة قريبة منها لها صلة أيضا بشيخنا الشيح أحمد متولي الشعراوي رحمة الله تعلى عليه هؤلاء القوم جاءتهم الدنيا، وأنت تأتيك الدنيا أو لا تأتيك، المهم ما حال قلبك هل يفرحك إتيانها؟ هل يحزنك انصرافها أو العكس؟

ننصرف من هذا المجلس

بأن نضع هدفا أمامنا : أن يستوي فيها الأمران إلى أن تصل إلى هذه الدرجة عش بالتدرج، أنت تحكم الشريعة تؤدي الزكاة كما ينبغي، لا ترضى أن يدخل عليك درهم أو دينار بحرام أو بشبهة واضحة حاول ان تبتعد عن الشبهات ما استطعت، ثم إذا جاءك تحمل مسؤلية أن الله إئتمنك على هذا المال متع أولادك وسع على أهل بيتك بتوسط ثم بعد ذلك والتوسط نسبي ثم بعد ذلك انظر مهمة المال أين ينبغي أن ينفق وإلى أين ينبغي أن يذهب، صدقت مع الله في ذلك قوي النور عندك في الذكر والإلحاح على الله قوي يقينك في الشؤن التي مر الكلام عنها بدأت الدنيا تصغر في قلبك ارتقيت إلى مرتبة تتقزز فيها من الدنيا ثم ارتقيت إلى مرتبة يستوي فيها الإقبال والإدبار..
اللهم حققنا بحقيقة هذا المعنى لا تجعل حظنا منه مجرد لقلقة اللسان أو سماع الآذان، اجعل له حقيقة تقر بالجنان ياحنان يامنان، اللهم لا تجعل الدنيا في قلوبنا، اللهم اجعلها في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا، اللهم لا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أرنا الدنيا بالعين التي أريت إياها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن كَمُل من أهل بيته وأصحابه وتابعيهم والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين آمين اللهم آمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم، والحمد لله رب العالمين .

محب الحبيب علي
03 Oct 2008, 04:35 PM
الدرس الثامن والعشرون - ميزان التعامل مع الخلق


الحمد لله خالق الدنيا والآخرة وربّ الدنيا والآخرة ومالك الدنيا والآخرة ومُدبر الدنيا والآخرة، وصلى الله على من دلنا على حُسن طلب رضوان الله في الدنيا والآخرة، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سلك نهجه إلى يوم الدين..
ما أخبارك من المجلس الماضي إلى اليوم؟ كيف صار نظرك إلى وجدِ الدنيا وعدمها (فقدها)؟ كيف صار نظرك إلى من يملكونها وإلى من لا يملكونها؟ بقدر ما ترتقي في نظرك إليها ترتقي في التخلص من تأثيرها على تشويش الرؤية عليك..

الدنيا وصلتها بنظرتنا للخلق

كلما ضعفت الدنيا في قلبك ضعف أثر الدنيا على قلبك كلما استطعت أن تنظر إلى الناس بعين نظيفة وبرؤيا واضحة كما يقولون، لكن كلما شوشت الدنيا على قلبك تشوشت الرؤية عندك، صار يؤثر فيك النظر إلى الناس إما بانبهار بمن لديه نصيب من السعة في الدنيا وفتح الله عليه بشيء من الرزق أو بغضب منهم بحسد عليه، إما بانبهار وتملق.. فلان عنده كذا وفلان عمل زواج بكذا وفلان اشترى كذا.. انبهار.. هذا مرض ما سببه؟ أن الدنيا كبيرة في قلبك ما خرجت، أو حسد، أعوذ بالله من هؤلاء أهل الدنيا عندهم جشع ما يشبعون لهم الدنيا ولنا الآخرة..ضمنت لك الآخرة؟ ما هكذا حال أهل الآخرة وما هكذا ينظرون، ماهناك حل وسط؟ ما تستطيع أن تنظر للإنسان كإنسان؟ لا تستطيع أن تنظر إلى المؤمن كمؤمن؟ لابد أن تنظر إليه كدنيا؟ إذاً المشكلة عندك في النظر إلى الدنيا.
أو النظر إلى الفقير بعين الاحتقار، من على الباب؟ فلان.. أوه فلان.. يتجهز!! من في الباب؟ فلان أووه أنا مشغول في وقت ثاني هذا ثقيل دم، وذاك ما كان ثقيل دم؟! هذا جاء في وقت مزعج وذاك جا في وقت مزعج لماذا ذاك لم يزعجك وهذا أزعجك؟
أو النظر إلى الفقير بعين التبجيل على أن الفقر معناه الصلاح، فلان هذا هو العالم الصحيح الزاهد الذي ما عنده شيء من الدنيا، في….. من هؤلاء العلماء عندهم سيارات وبيوت.. لا لا تصدق فلان هذا وزير محترم حتى شقة جديدة ما عنده!! نعم الذي يظهر عليه أثر الدنيا بدون مقدمات بمجرد أنه تحمل مسؤولية من مسؤوليات الدنيا حـُكم أو وزارة حتى مسؤولية دينية لكن لها دخل بالمال فجأة ظهر عليها المال لا شك محل ريبة!! ينبغي أن يُحاسب وعلى ولي الأمر أن يُحاسبه ينبغي أن يُشعَر بهذه الريبة، لكن لا تكون المسألة قاعدة عامة تـُطبق على كل الناس، فلا تنظر إلى الغني ولا إلى الفقير لا بعين الرضا ولا بعين الغضب لا بعين الاحترام ولا بعين الاحتقار على أساس الغنى والفقر لو فعلت ذلك فمعنى هذا: أن الدنيا فيك لا تزال المشكلة عندك وليست عند الذي تتعامل معه، اتضحت هذه المسألة؟
عند أهل التدقيق في هذا المعنى، كنت وعدتكم أن أذكر قصة في المجلس الماضي، شيخنا الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمة الله تعالى عليه من المعلوم أنه ممن ابتلوا بالظهور بالشهرة، والشهرة نوع من أنواع الدنيا.. الشهرة، الجاه، المال، محبة الناس هذه كلها من ابتلاءات الدنيا إن أحسن الإنسان التعامل معها كانت سبباً في ارتقائه بالقرب من الله وإن افتتن بها والعياذ بالله طاح ..
* قصة : شيخنا الشيخ الشعراوي من شهرته بالخير الذي أكرمه الله به علماً وصلاحاً، يجتمع عليه أهل الدنيا يحبونه ويترددون عليه ووجدوا فيه الهداية والدعوة إلى الله، فترة من الفترات سُرقت شقته التي كان يسكن فيها في حي الحسين فجاء الخبر إلى أحد أشياخي وبينه وبين شيخنا الشيخ الشعراوي رحمة الله تعالى عليه أخوة، فلما أُبلِغَ بعد الدرس من بعض الحاضرين أن الشيخ الشعراوي سُرق من بيته ثلاثون ألف جنيه مصري تغير وجه الشيخ لما بلغه الخبر، شَعرت أن تغير وجه شيخنا لم يكن محصوراً على قضية أنه أوذي الشيخ الشعراوي.. وهنا القصة، خرج الناس قال هات الهاتف جئت بالهاتف أخرج الرقم واتصل بالشيخ الشعراوي: شيخ متولي قال: أهلاً شيخ فلان كيف أنتم بخير؟ قال بلغنا أن شيء طرأ عليكم ودخل سارق إلى بيتكم، قال نعم كان هناك ثلاثون أف جنيه أعطانيها التاجر الفلاني من المحبين وقال لي إذا خرجت في نهاية الأسبوع إلى قريتكم دقدوس قسمها على بعض الفقراء في قريتكم فجعلتها في الخزانة حتى يأتي آخر الأسبوع لكن السارق جاء وأخذها فتهلل وجه شيخنا، تعجبت السرقة ثبتت ما تغير شيء لماذا تضايق في البداية؟ و إذا به يقول الحمد لله الذي لم يخيب ظننا في أخينا ما كنت أظن أبداً أن ترضى على نفسك أن تدخر من الدنيا ثلاثين ألف جنيهاً.. كيف يفكر هؤلاء القوم؟
لاشك التاجر له أن يدخر والإنسان له أن يدخر لكن الكلام هنا عن النظرة، كيف ينظر الناس إلى المقاييس؟!.. مقاييس الفقد والوجد، الخسارة والربح، مفهوم الخسارة والربح، مفهوم التعامل مع المظهر والدنيا، ذكرت لكم في مجالس سابقة أن شيخنا الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمة الله تعالى عليه بعض الأحيان يفتقدونه فيجدوه يغسل مراحيض المسجد، لما سأل عن ذلك قال خشيت على نفسي لما رأيت الوزراء والتجار والكبار والصغار يحيطون بي خفت أن يكون لي التفات إلى الدنيا.. الجاه، المكانة، لما دخلت إحدى القرى أهل القرية حملوا السيارة بمن فيها، قال خفت على نفسي من هذا الحال أن يحصل لقلبي التفات.. هذا الشأن من مراعاة القلب هو مهمة المريد هو مقصود المريد في السير إلى الله عز وجل..
يترتب على الذي يعيش وعنده هذا الحس عنده هذا الانتباه أن معاملته مع الناس تختلف، يُصبح مقياس تعامله مع الناس.. تذكرون في المجلس الماضي (http://www.almoreed.com/archives/episode27/) قلنا أن الناس إما ينظر بعضهم إلى بعض أن كل واحد منهم له حاجة يريد أن ينتزعها من الآخر، غابة، وهذا ما يعيشه أكثر الخلق اليوم، وإما أن ينظر بعضنا إلى بعض على أن كل الناس الذين يحيطون بنا وسائل نرتقي بحسن معاملتنا معها إلى من؟ إلى الله سبحانه وتعالى، إذا نظرنا بهذا المنظار الراقي وهو منظار المريد منظار المؤمن الذي يريد الآخرة يريد رضوان الله سبحانه وتعالى إذا نظرنا بهذا المنظار أصبحت المعاملة مع الناس مختلفة، كيف؟ أصبحت صلتي بمن حولي لا تشوش علي فيها النظرة إلى الدنيا، انتهينا من الكلام هذا؟ لايشوش علي فيها وهم أن هؤلاء ينفعون ويضرون النافع الضار هو الله أو يعطون أو يمنعون المعطي المانع هو الله، ذكرنا هذا في المجلس الماضي لا يشوش علي ما قد يصدر منهم من إحسان أو إساءة تجاهي من مدح أو ذم، هذه نقطة مهمة للسائر إلى الله، لايستقيم أمر السير إلى الله دون ضبط هذا الأمر، كيف؟
مقاييس الصلة مع الناس في المدح والذم

الإنسان صلته مع الناس مقياسها: مقياس القبول والرفض والتشوش والسعادة والحزن كيف يعامله الناس؟ أحسن بعض من حولي إليه ارتاح أساؤوا إليه ضجر، لا أعني بذلك الراحة والضجر الطبيعي الذي يحصل كبشر، نحن بشر لكن أقصد ارتاح شعر بنشوة الناس تحسن إليه وتراعيه أو شعر بغضب يعميه الناس أسائت إليه ولم تحسن إليه ولم تراعيه لم تراعي التعامل معه، أو مدحوك أنت ما شاء الله ممتاز مثلك ما في ما شاء الله، مثل ما يقولون أحبابنا في الشام ما شاء الله حولك الطبيب الذي ليس مثلك طبيب المهندس الذي ليس مثلك مهندس الكاتب الذي لا يشق له غطاء، التاجر ممتاز، العالم ذو اللسان الزلق الطويل، الكذا، الكذا…مدح..مدح..مدح..ما أثر مدح الناس على قلبك؟ أو العكس، لا لا أنت ما تفهم تعبان لا أنت سيء، أنت كذاب لا أنت مغرض لا أنت نصاب لا أنت سارق.. ماذا يؤثر فيك هذا؟ بطبيعة البشر يتأثر الإنسان يحزن أو يفرح لكن بعد أن يحزن لأول وهلة أو يفرح لأول وهلة بطبيعة البشرية ونحن لازلنا في الطريق إلى الله، أثر الفرح والحزن للوهلة الأولى إلى أي مدى يؤثر فيك؟ كيف؟ يؤثرفي نظرتك إلى الذي تعامل معك بهذه الطريقة في الناس الذين ممن حولك، إلى أي مدى يؤثر في قرارك كيف ستعاملهم؟ هذا أخذ يثني عليك ويمدحك ويبجلك و..و..و..كيف شعرت؟ انتشيت؟ هذا أثر داخلي عليك، كيف قررت تتعامل معه؟ هذا الإنسان صادق معك منصف ما في قلبه حسد هذا ما شاء الله محترم وممتاز.. هذا الذي يعرف الناس هذا الذي يقدر، وآخر تكلم عليك، شتمك، آذاك، أساء إليك في الوهلة الأولى حزنت، كل الناس تتأثر إلا الذين ارتقوا مراتب الله يرقينا إن شاء الله، لكن بطبيعة الحال في أول السير نتأثر لكن بعد التأثر إلى أي مدى وصل إلى قلبك هذا التأثر؟ هل أسرك بإساءته؟ هل رضيت أن تبيت وفي قلبك كراهية، حقد، حسد، بغض، إذا ذكر هذا الإنسان أمامك هل تشعر أنك تمتعض؟ هل تشعر أنك تغضب من ذكره؟ هل تستثقل الثناء عليه؟ هذا أصبح إنسان بالغ الأثر عليك.. أسرك وتحكم فيك، كما أسرك المادح أسرك الذام، ثم ماذا قررت في التعامل معه؟ هل قررت أن تتعامل معه من منطلق الإساءة؟ تترصد له، تبحث عن الفرصة لتؤذيه، تبحث عن معايبه مثالبه.. أول خطأ.. آه قلت لكم انظروا كيف فعل؟ بينما قبل أن يشتمك أو يسبك أو يفتري عليك أو يُسيء إليك كان يخطئ مثل هذه الأخطاء وأحياناً أكثر منها قليلاً ما كنت تنتقده هذا النقد، ما كنت تركز على أخطائه بهذه الطريقة وذاك الذي مدحك ما كنت تتغاضى عن أخطائه إلى هذا الحد.. لا مسكين ما قصد.. ما أراد.. التمس لأخيك حتى السبعين عذر وذاك ماهو أخوك؟ هذا الذي مدحك وأعطاك ما تريد.. التمس لأخيك حتى السبعين عذر، و”المؤمن للمؤمن” و”من ستر مسلما ًستره الله“.. تأتي الأحاديث كلها أمامك ترغيب، وذاك الذي آذاك.. إنكار المنكر واجب.. السكوت مداهنة.. المؤمن لا يداهن.. يجب أن آخذ على يده.. هذه الأحاديث لمَ لمْ تكن هناك وتلك الأحاديث لمَ لمْ تكن هنا؟ لماذا فقدت ميزان التعامل بهذه الأحاديث لتـُدرك متى تحتاج إلى اللين ومتى تحتاج إلى الشدة.
لماذا أصبح الميزان ليس ميزاناً النبوة ولا السنة؟ أصبح الميزان انطباع نفسك تجاه لهذا أو ذاك.. لا المريد لا يقبل أن يستمر بهذه الطريقة، المريد لا يرضى أن يستمر بهذه الطريقة بأن يؤسر بتعاملات الناس معه، إن أحسَنَ أحد الناس إليك أو مدحك من الذي أنطق لسانه أو أجرى على يده الإحسان.. من؟ الله.. هو لا شك مكلف بما فعل إن أحسَنَ إليك سيجزى بالإحسان إحساناً، إن أثنى عليك بما في ثنائه من الخير بنية صالحة يثاب على ذلك وإن أثنى عليك من باب التملق يحاسب على ذلك، وذاك الذي ذمك أو آذاك من الذي حرّكه أو أطلق لسانه؟ الله.. نعم الله، لا شك سيُحاسبه إن أساء بفعله لكن في الأصل من الذي أنطق هذا وذاك؟ الله.
ما رأيك تعيش مأسور لنطق الناس البشر الذين من حولك، هذا مدحك أخذ قلبك، هذا ذمك أخذ قلبك، هذا أحسن إليك امتلكك، هذا أساء إليك امتلك مشاعرك بالكـُره، أم تعيش مع الله؟
تعامل المريد مع المدح

1. فلان من الناس أحسَنَ إليك: سبحان من ساقه ليُحسن إلي اللهم لك الحمد شكراً، وأشكر من أجرى الله على يده الخير.. جزاك الله عني خيراً، أجرى الله مديحك على لسان أحد بالثناء عليك، سبحان من أظهر الجميل وستر القبيح.. يا رب لو كنت أطلعتهم على بعض مساوئي كان يمكن هؤلاء يمدحوني؟، لا أقبل أن أغتر بمدح زيد وعمرو أنا أعرف بما عندي، يقول الحسن البصري: “الأحمق من ترك يقين ما عنده لظن ما عند” أنت متيقن تعرف ماذا عملت من أخطاء.. أنا أعرف ما عملت من أخطاء وأعرف القـُبح الذي في داخلي، جاء واحد قال لي أنت ممتاز، هو ظنه حسن الله يجزيه الخير على ثنائه لكن لاتكن مغفلاً وتصدق ظن الذي أمامك وتترك يقينك أنت الذي تعرفه، هذا حَمَق تضحك على نفسك، فإذا أطلق الله لسان أحد من الخلق بالثناء عليك.. سبحان من أظهر الجميل وستر القبيح.
2. سيدنا أبو بكر الصديق إذا أثنى عليه أحدهم (وهو أهل للثناء) يقول: اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، هم ظن الخير اجعلني أفضل ما أكره أريد أكون أفضل، “اللهم اجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون، الشيء الذي ما علموه أنت تعلمه، ولا تؤاخذني بما يقولون“، لا تحاسبني قالوا عليك كذا وكذا..تعرف هذه الدعوة؟
3. تريد معنى آخر راقي؟.. أثنى عليك أحد من الناس قل سبحان الله الثناء الحقيقي بين البشر ينبغي أن يكون لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. ما من خصلة رآها الذي أثنى عليّ فظنها حسنة إلا هي في أعلى مراتبها موجودة في سيدنا محمد الثناء لسيدنا محمد ماهو لي على سيدنا محمد ماهو عليّ.
4. تريد معنى راقي آخر؟.. لماذا نحتاج إلى تعدد هذه المعاني؟ لأن المشكلة عويصة، التفات القلب في التعامل مع الناس في الثناء والذم خطير.. خطير.. إي والله، المعنى الآخر شخص أثنى عليك، كان أحد أشياخي الحبيب محمد الهدار رحمه الله يقول إذا أحد أثنى عليك فقل آمين.. لماذا؟ قال اعتبر ثناءه دعاء، اعتبر أنه يدعو لك أن تتحقق بهذا أنت تعرف أن ما عندك شيء من ذلك، قال لك ما شاء الله عليك من الأولياء قل آمين.. تعرف ما فائدتها؟ أولاً دعوت الله وربما يكرمك الله فتتحقق، الفائدة الثانية حميت نفسك من أن تـُصَدق ما دام قلت آمين معناه أنك معترف أنها ليست فيك وما زلت تطلبها حتى يعطيك الله إياها.. هذا الثناء.
تعامل المريد مع الذم

1. جاء شخص وما شاء الله فتح لك نشرة أخبار في مساوئك: يا كذاب يا منافق يا فعل يا ترك أنت قدام الناس مرائي لماذا تصلي وسبحة وأنت غشاش.. ونزل عليك أو عرفت أنه يكيدك يحاول يؤلب عليك الآخرين.. كيف تنظر إليه؟ لأن النظرة يترتب عليها تصرف، كل التصرفات مبنية على مشهد القلب، الأساس القلب في تصرفات البشر، يمكنك أن تقول هذا حاسد هذا حاقد هذا مبغض وهذا كاذب هذا مخطىء وقد يكون هذا صحيحاً هذا الكلام، قد يكون تكلم عن حسد عن بغضاء لكن أنت لا تستفيد شيء إن قررت هذا الأمر لو انشغلت بحاله هو حاسد مبغض، تعال ارجع إلى حالك المريد مشغول بحاله مع الله ويطلب القرب من الله، قال لا.. لا.. ولكن من باب الأمانة ينبغي أن أردعه.. انظر إلى حالك مع الله واصدق مع الله وسيجري الله على يدك الخير له سيجري الله صلاحه على يدك.. كيف؟ فـَكِر.. أنا فعلت أشياء خاطئة في حياتي أو ما فعلت؟ قد لا يكون الشيء الذي قاله هو فيك لكن هناك أشياء سيئة فيك أما توجد؟ ماشاء الله خلاص.. كلنا فينا مساوىء ..
من ذا الذي ماساء قط ، ومن له الحسنى فقط ، محمد الهادي الذي ، عليه جبريل هبط
أنت فيك كذا وكذا.. تـذكـَر.. أنا يمكن الخصلة هذه ماهي فيّ لكن أظن أن فيّ أشياء ثانية أسوء ولعل الله سلطه عليّ ليكفـّر ذنوبي أو لعل الله سلطه عليّ ليُذكرني حتى أتنبه، يمكن أنا ظلمت أحد من قبل في كلامي أراد الله أن ينبهني، ما أنطق الله لسانه إلا ليُرقّيني جاءتني فرصة ترقية، هناك لما مدحني أحدهم فرصة الترقية أن أقول آمين وإلا في خطر سقوط لو التفت إلى كلامه وقبلته وصَدّقت نفسي ..
2. هنا فرصة الترقية هي كيف تتعامل مع هذا الأمر؟ إما أن تتعامل بالصبر.. جزاك الله خير وتنسحب (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً) هذه رتبة وهي عالية لكن شرط أن تبيت وقلبك صافي عليه ماهو أمام الناس.. جزاك الله خير.. الله يسامحك وقلبك يقول الله ما يسامحك أبداً.. لكن إذا رجعت إلى البيت ووضعت رأسك على الوسادة تقول: أف هذا خبيث يا الله ايش سويت فيه هذا لماذا؟.. طيب أنا ما آذيته وما فعلت معه شيء؟ معناه قدر يؤثر فيك، هـُزمت أمامه الآن، أما إذا ردّيت الطاق طاقين وفتحت لسانك..لا لا هذه خلها للثانيين.. دعها لغيرك لأنك أنت سالك لا ترد بفحش القول، الناس أنت ما تعرف يا شيخ أنت على نياتك، الناس في هذا الزمان إذا ما وقفتهم عند حدودهم وترد الكلمة كلمتين يدوسوك دوس…أنا ماذا؟ قال أنت على نياتك، وأنت لماذا لا تكون على نياتك؟ قال يا شيخ أنت رجل طيب.. وأنت لماذا لا تكون رجل طيب وانتي كوني إمرأة طيبة، لا.. هذه هزيمة إما أن يهزمك فيجعلك تخطىء أو تسيء وإما أن يهزمك فيجعلك تتظاهر بالصبر ثم إذا عـُدت إلى بيتك حملت عليه..
أنا بشر حملت لا أريد أن أكذب على نفسي ولا أكذب على ربي أريد أن أسير إلى الله ذهبت إلى البيت وجدت في قلبي شيء من هذا الذي آذاني وتكلم عليّ.. لها علاج؟
نعم أول علاج أن تقتنع أنها مرض لا تـُكابر لا تقول لا أصل المسألة كذا والواقع كذا…لا هذا ضعف، الحمد لله من كرم الله علي أن ساق إليّ هذا الذي أساء إليّ لكي ينبهني إلى نقطة الضعف التي عندي.. تمام؟ نبهني لأني ضعفت أمام الإساءة والشتم ما قدرت أصبر.. يا رب جزهِ عني خير الجزاء يا رب أصلح شأنه، أصلح شأنه بحب.. يا رب بلـّغه من فضلك وإحسانك ما أنت له أهل يا رب أكرمه.. تعرف تقول يا رب أكرمه؟ حتى ولو قلتها وقلبك غير قابل هذا ليس بنفاق هذا معالجة لمرض لقلب قلها وقلبك غاضب عليه وحامل عليه هذا يُطهر قلبك.
3. تروضت على هذا الأمر.. هناك مرقى أكبر.. أنت سائر إلى الله تطلب أعلى أعطاك الله القدرة تكون أعلى أنت مسلم فيك أنوار لا إله إلا الله تستطيع بفضل الله وتوفيقه لمعنى أفضل من ذلك ما هو الأفضل؟ الأفضل أن تفكر ما هو الأرضى لله للتعامل معه الأرضى لله…الأرضى لله.. أولاً: أن أستفيد من كلامه مهما غضبت وأخذتني الغضبة أتفكر في الكلام الذي قاله هل فيه شيء صحيح ولو بنسبة ضئيلة هل يوجد؟ علامة الصدق في السير أنك تنظر من أين ممكن كذا وكذا وكذا نعم ممكن أن لا يكون كلامه دقيقاً لكن بالفعل أنا قد يصدر مني فعل كذا وكذا… يا رب كما أرسلت إليّ من ينبهني أعني على التخلص مما أنا فيه، يرضي الله هذا الأمر، يقربك إلى الله أن تنظر بهذا المنظار..
* قصة : الإمام علي زين العابدين بن الحسين السجاد عليهما السلام إمام أهل البيت في عصره وزمانه يوجد في هذا الجامع حجرة نزل بها الإمام علي زين العابدين عندما أوتي به وآل البيت بعد معركة كربلاء، الإمام علي زين العابدين ابن الحسين خرج ذات يوم متوجهاً إلى الكعبة هذا الرجل كان يصلي ألف ركعة في اليوم والليلة، لا تقل لي كيف احسبها بالدقيقة؟ ابدأ واظب على أحد عشر ركعة في صلاة الوتر ستبدأ تفهم هذا الكلام هذا كلام عمل، دخل إلى المسجد وعليه السكينة والهدوء وصلى ودعى الله وعبد ثم خرج.. عند خروجه تلقاه رجل من الذين في نفوسهم شيء على أهل البيت والعياذ بالله وهذا من النفاق فلما رآه قال له أمام الناس: أنت الذي تدعى بزين العابدين قال: نعم قال: أنت شين العابدين، يقول لمن هذا الكلام؟ أنت الفاسق أنت الفاجر أتى بكلام مقذع فاحش يخاطب به الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام عصره وزمانه فغضب بعض الناس الذين مروا وسمعوا الكلام فقال: دعوا الرجل يكمل، لما انتهى الرجل من كل ما عنده من مسلسل الشتم كله أقبل عليه سيدنا علي زين العابدين وقال “يا ابن أخي أما وكل الذي ذكرته فيّ وما خفي عنك أعظم ألك حاجة أقضيها لك تلقاء النصيحة التي بذلتها لي” أنت أحسنت إلي نصحت فبكى الرجل وقال أشهد أنك ابن رسول الله، سامحني يا سيدي لقد أغراني القوم بشيء من المال، قالوا لي: إن أنت أغضبت علي بن الحسين وجعلته يجهل عليك يجهل أي يغضب ويشتم سمّي جهل عند العرب، إن جعلته يجهل عليك أعطيناك ألف دينار من الذهب فتبسم مرة ثانية تعرف تتبسم عندما يسيء إليك أحد هذا أول شيء تفعله عملياً كل ما يسيء لك أحد تبسم في وجهه مدة التبسم استحضر حالك مع الله فكـّر مالذي يرضي الله في الرد قبل أن ترد، تبسم مرة أخرى وقال: أهذه؟.. على الألف دينار؟ قال نعم قال أما لو أخبرتنا لأعطيناكها دون أن نحوجك إلى أن تـُغضبنا فنجهل عليك هل عندنا ألف دينار؟ أعطوه.. فأعطوه الألف دينار، سمعت؟
لا تقل هذا علي بن الحسين الذي أعطاه يعطي، هذي أخلاق فيها إرث هذه الأمة فيها سمو المعاملة مع الله عزوجل، انظر كيف (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) تـُرجمت عملاً سيدنا علي بن الحسين دفعها بالتي هي أحسن ماذا أثمرت (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) لا تقل أنا حاولت أدفع بالتي هي أحسن لكن الناس ما فيهم فائدة.. كلام الله لا يخطئ.. أنت لما تقول أنا دفعت بالتي هي أحسن لكن فلان مافيه فائدة أنت تكذب كلام الله؟ الله يقول (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) صدق الله العظيم، إذاً إذا توهمت أو تخيلت أنني دفعت بالتي هي أحسن فلم أرى نتيجة (فَإِذَا الَّذِي) معناه أنه لم أدفع بالتي هي أحسن لأن كلام الله ما يتغير سبحانه وتعالى ..
ننصرف من هذا المجلس

كيف نتعامل مع من يسيء إلينا، الليلة قبل أن تنام قبل أن تنامي يفكر كم مرة تعرضت فيها للإساءة من أحد كيف كان تعاملي؟ يا الله عندما يبدأ الإنسان منا ينظر بهذا المنظار النبوي الشريف الراقي سيضحك على نفسه، والله لما تتذكر أنك يوماً من الأيام كنت في السيارة والإشارة خضراء وأتى شخص قاطع الإشارة وكاد أن يتسبب في حادث ونزلت وغضبت وشتمت وسببت لما تتذكره تقول كيف تعاملت معه بهذه الطريقة الرجل ربما كان مشغولاً أو مستعجلاً أو حتى أخطأ يا أخي الحمد لله الله سلمني من الحادث، أشكر الله بدل أن الناس سبحان الله كيف كنت أنا أتصرف.. تماماً مثل الصبي الصغير عندما يكبر ويتذكر كيف كان تصرفه مع الصبيان، يتحدى ويضارب ويصارع.. كيف كنا صغار بسرعة نغضب ونتزاعل هي هذه…ماذا قررت في نهاية هذا المجلس؟ لم يبقى معنا إلا شيء يسير من هذه المجالس إلى أين وصلت في صدق اتخاذ القرار عندما تسمع (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) هذا كلام من؟ الله.. تعجب ما قال للمسلمين فقط قولوا حسنا ما قال قولوا للمحسنين وأصحاب الأخلاق لأن هؤلاء الذين ينفع معهم الحسنى الثانيين ما ينفع، (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ) المحسن والمسيء والمؤمن والكافر الصالح والطالح، وقولوا للناس حسنا رزقنا الله وإياكم قول الحُسن..
يارب.. يارب.. يارب.. سمعنا عن أخلاق الصادقين في محبتك بمن ساروا إليك فأوصلتهم إليك.. فاشتاقت أرواحنا وقلوبنا إلى أن نتحقق به.. فإنا نعلم يا سيدي من أنفسنا ونقصنا وعجزنا وتقصيرنا ما يحول بيننا وبين ذلك غير أنا نعلم أكثر من علمنا بعيوبنا ونقصنا بأن فضلك الواسع وجودك العظيم حريٌ بأن تنظر إلينا في ساعتنا هذه نظرة تـُعيننا بها على أنفسنا.. اللهم أعنا على أنفسنا.. اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.. اللهم ارزقنا صدق الإقبال عليك وحـُسن المعاملة معك.. اللهم ارزقنا من البصيرة ما تؤتينا به سر الفرقان حتى نـُفرق به بين الحق والباطل فنعامل خلقك معاملة تربطنا بصدق المعاملة معك يا أكرم من سـُؤل وأجود من أعطى وما بخل، لا تحرمنا ونحن ندعوك لا تردنا ونحن نسألك ونرجوك جودك عظيم وفضلك عميم وأنت يا الله كريم رحيم حليم.. نسألك اللهم نظرة إلينا ونحن في بيتٍ من بيوتك على مائدة من موائد فضلك وإحسانك.. اللهم إنا نسالك أن لا ينفض هذا الجمع ولا ينتهي هذا المجلس إلا وقد أكرمت كل حاضر ومستمع وناظر بكرامة من عندك يقوى بها على صدق السير إليك على وصف المحبوبية، يا كريم مع اللطف والعافية وأعد عوائد ذلك على أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم في المشارق والمغارب.. فرج عن اخواننا في فلسطين فرج عن إخواننا في العراق فرج عن أهل لا إله إلا الله في المشارق والمغارب يا كريم.. وصلى الله على سيدنا محمد آله وصحبه وسلم.. والحمد لله رب العالمين.

محب الحبيب علي
06 Oct 2008, 08:56 AM
الدرس التاسع والعشرون - الشيخ المربي


الحمد لله وصلى الله وسلم على سيدنا محمد أكرم الخلق لديه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الوقوف بين يديه.. وبعد..
لعلنا قد أعملنا الفكر بشأن معاملاتنا مع الخلق بدأنا نفكر بكيفية تعاملنا مع المحسن والمسيء، الكلام الذي ذكر في المجلس الماضي وفيه شيء من العمق حول نظرتنا إلى الخلق.. هل هم وسائل نرتقي بها إلى الله عز وجل بحسن تعاملنا معهم على من يرضي الله؟ أم أنهم أشخاص نتنازع نحن وإياهم ليأخذ كل منا من الآخر ما يريد ويدفع ما لا يريد.

كان بعض الأشياخ يقول في مسألة التعامل مع الناس: من أهم الأمور أن تـُحكم ميزان القبول والرد، أحسن إليك أحدهم إحسانا إما ماديا بمال أو هدية، أو معنويا بحسن معاملة أو بازدراء نصيحة القبول والرد، ميزانه ينبغي أن يستوي عند السائل إلى الله أن ينضبط.
ميزان القبول والرد

في ميزان القبول والرد في التعامل مع الناس أقبل أو أرفض!! ينبغي أن ابحث عن ماذا يرضيه سبحانه وتعالى في ذلك قبل أن أبحث عن حاجتي من عدمه، أعيد؟.. نبحث عما يرضيه سبحانه وتعالى قبل أن نبحث عن احتياجنا من عدمه، عـُرض عليك شيء من المال قد تكون محتاجا إليه.. عندك من أقاربك من هو في مستشفى أو عندك سداد دين أو قسط لكن لو بدأت تفكر في الحاجة قبل مرضات الله ستضعف وسيختل عندك الميزان.. ميزان القبول والرد، ستقبل ما لا يصح قبوله وترد ما لا يصح رده، إما أن يأخذك الكبر وتظن أنه من باب عزة المؤمن وترفض شيئا لا يجوز أن ترفضه في وضع معين، العائل المستكبر من الناس الذين لاينظر الله اليهم والعياذ بالله.. نعم.. وإما أن تقبل في ظل شعورك بالحاجة على نحو لا يرضي الله، لكن أنا عندي ظرف ومحتاج، إن كان مكتوب لك أن يصل إليك ارفضه بالحرام سيأتيك مباشرة بالحلال هذه سنة ماتتبدل ولا تتحول، قد يبطئ الوقت اختبارا لكنها لاتتبدل ولا تتحول.
الأصل هل أخذ هذا الشيء يرضي الله أو لا؟ هذه النظرة الأولى.. ثم بعد ذلك إن عرض عليك شيء من العطاء وهو على نحو لا يرضي الله هل تقبله أو ترده؟ قال الميزان في ذلك هل جاءك بطلب؟؟ الأصل أن السائر إلى الله لا يطلب من الخلق، يطلب من الخالق هذا توحيد يطلب من الله سبحانه وتعالى هذا الأصل.
الأصل أن السائر إلى الله لا يطلب من الناس.. اسمع.. ما هو فقط ما يطلب بلسانه لا يـُلمح، شيء أكبر؟ لا يستشرف.. لا يقر نفسه على أن تستشرف العطاء من الخلق لأنه يعلم أن الخلق آلة بيد الجلالة الذي يحركهم هو الله. أنا يستشرف إلى عطاءه هو يـُفرج عني، ولهذا قال الإمام الحداد رحمه الله في آداب سلوك المريد [ فإن جاءك شيء بغير طلب ولا استشراف نفس -هذا نوع من الطلب الباطن- ومن وجه الحلال وأنت محتاج إليه فخذه واقضِ منه حاجتك فإن فاض شيء فتـَصَدق -فرِّج على من هو محتاج- وإن جاءك بطلب استشراف نفس أو أنت غير محتاج إليه أو ما هو أدهى.. إن جاءك على وجه غير صحيح -أو غير مباح غير حسن غير مقبول شرعاً- فرده ولكن رده ردا حسنا ] لأن النفس إذا حرمت من الحظ المحسوس المادي أن تأخذ، تريد أن تستعيض عن هذا الحرمان بشيء.. حظ آخر، وهو الحظ المعنوي، العنترية.. أنا عرضوا عليّ يعطوني كذا وكذا.. رفضت، قلت أبدا أنا مثل هؤلاء؟!، أنا لو أريد لسكنت في قصر لكن أنا عندي أمانة..
ولهذا قال الإمام الحداد رحمه الله: [ واياك والاخذ بشهوة أو الرد لشهرة ] انظر لعظمة هذه العبارة.. سبحان الله!! وإياك والأخذ بشهوة –أخذت لأنك مشتهي شيء تريده قبل أن تنظر هل الاخذ هذا يـُرضي الله أو لا يرضي الله، وإياك والأخذ بشهوة أو الرد لشهرة، العالم الفلاني عرضوا عليه سيارة وبيت يقول: أبدا ما أريد -هناك صادقون يقولون ما أريد- لكن الصادق يقول لا أريد.. شكرا.. جزاكم الله خير.. وغيره، رأيت الفرق؟ تلذذ النفس بالشهرة أكبر من التمتع بالحس بالمال .. يقال أن فلان رفض كذا أكبر من تلذذه بركوب السيارة الفاخرة.. النفس!! عمق النفس ..
هذه ضوابط.. هذه الضوابط وما كان قبلها والمواضيع التي ابتدأنا بها من بداية هذه المجالس التي نسير بها إلى الله عز وجل، تتذكرون من بداية مفهوم الإرادة (http://www.almoreed.com/archives/episode1/) من الباعث (http://www.almoreed.com/archives/episode2/) من التوبة (http://www.almoreed.com/archives/episode3/) وكل الأمور التي تـُحدث عنها: الخواطر (http://www.almoreed.com/archives/episode7/)، تطهير القلب (http://www.almoreed.com/archives/episode4/)، الطهارة (http://www.almoreed.com/archives/episode12/)، الوقت (http://www.almoreed.com/archives/episode14/)، الصلاة، (http://www.almoreed.com/archives/episode17/) النوافل، الرواتب (http://www.almoreed.com/archives/episode19/)، شغل كثير.. صحيح؟

مجالسة الصالحين

وهذه المجالس هي بمثابة المفاتيح لن يحصل كل المطلوب من المجلس، فضل الله واسع.. إن شاء الله يحصل لكن لا تضجر إذا ما وجدت أن المطلوب كله حصل لك بمجرد جلست في المجلس، لكن هناك وسيلة تعين على التحقيق بذلك مع الإلتجاء إلى الله والدعاء ومجالسة الصالحين “من جالس جانس” كانوا يقولون، في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أظن كلكم أو على الاقل جلكم حفظ أو سمع هذا الحديث “مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك -يعني بياع العطور- ونافخ الكير -يعني الحداد- أما حامل المسك فإما ان يهديك -يعطيك هدية- أو أن تبتاع منه أو أن تجد منه ريحاً طيبة وأما نافخ الكبير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة” هذا ليس فيه تقليل من قدر حامل الكير.. نافخ الكير يعمل بحلال “من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له“.
الجليس الصالح

الكلام عن ربط المثل الحسي بحرق الثوب والريح الكريهة بمفهوم معين..انتبهوا.. هذا حديث عظيم وكل أحاديثه عظيمة نفسي له الفداء صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث يقول لك أن مُجالستك للصالحين لابد أن تستفيد منها في كل حال من الأحوال.. إلا أن الاستفادة على مراتب، إما أن يحذيك وهذا راجع المراد بها إليه هو بتوفيق الله أن قرر أن يعطيك هو أهداك، وإما أن تبتاع منه ترجع إلى من؟ إليك.. قررت تستشري تدفع فلوس وتأخذ إما أن يحذيك.. أن يتكرم عليك الصالح بمجالستك إياه وإما أن تجتهد في حسن المجالسة بالاستفادة، لا أحسنت الاجتهاد في الاستفادة ولا طاب خاطره أن يعطيك.. تخرج هكذا؟ لا!! وإما تجد منه ريحا طيبة.. ما يمكن أن تدخل عند العطار لا تجد ريحة طيبة، تدخل عند العطار يعطيك هدية دعاية يسمونها، وإما تدفع فلوس لمشتري، لكن لا هو أعطاك ولا أنت اشتريت ممكن ما تشم ريح طيبة؟ لابد أن تشم ريحا طيبة إذا دخلت عنده..
جليس السوء

ماذكر النبي ثلاث احتمالات ذكر احتمالين، لاحظوا هنا!! جليس السوء إما أن يحرق ثوبك.. لماذا؟ قال: أن حرق الثوب هذا نتيجة لعمل مشترك بين الطرفين هو ما انتبه نفخ الكير وأنت ما انتبهت أطلقت ثوبك أو وقفت في المكان غير مناسب أو أحدكما يحصل منه هذا، فالضرر هنا قائم بالمشترك، لا أحرق ثوبك وأنت انتبهت وهو انتبه وأنا واثق من نفسي، ولو جالستهم أنا أتسلى!! فقط اقضي وقت.. فقط قليلا أنفس عن نفسي، والأمور سهلة.. “وإما أن تشم منه ريحا خبيثة” تقدر تمر بمكان فيه ريح كريهة وما تشم؟ مزكوم؟ هذا شيء آخر.. حتى الجراثيم تدخل أيضا “وإما أن تجد منه ريحاً كريهة” إذا لابد للإنسان أن يتأثر بالجليس..
إذا نحن بحاجة مستعينين بالله عز وجل أن نفكر بعد هذه المجالس.. مَن الناس الذين نجالسهم؟ مَن الذين حولنا؟ مَن اخترنا مجالستهم من الأصحاب الذين نأنس إليهم؟ كم نسبة الصالحين فيهم؟ ثم الصالحون هؤلاء.. كم نسبة الذين نوع الجلوس معهم شيء مفيد؟ مَن منهم يعتاد النصيحة إذا لاحظ مني شيء يأتي وينصحني، هذا من أغلى الأصحاب هذا عملة نادرة في زماننا.. هذا من أغلى ما يمكن أن يعطيك الله في صلاتك بهؤلاء الأصحاب.. أن يوفر لك أو يهئ لك صديقا ينصحك، أنا لاحظت منك كذا وكذا، انتبه تستثقل النصيحة لأن هذا مؤشر خطير!! الصادق في طلب السير إلى الله يقبل النصيحة.. لا!! ليس فقط تقبل النصيحة، أنك تشعر أنك ممتن لله حيث ساق إليك من ينصحك، تنظر إلى النصيحة على أنها هدية، ما سمعت قول بن الخطاب رضي الله عنه الذي يفرق الشيطان من ظله سيدنا عمر “رحم الله امرئ أهدى إلي عيوبي” كيف هدية؟ لأن لو لم ينبهك إليها ستستمر في هذا العيب وقد بعض العيوب تؤدي بك.

* حكمة ومثال : كان الإمام الغزالي رحمه الله يقول مثلا عجيباً، قال لو أن أحدا من جلسائك لاحظ عقربا استل إلى ثوبك بين الثوب والجسد فقام وزجرك ونهرك وهدد.. أنت ما ترى؟ قرب هيه هيه وصاح فيك حتى يخرج العقرب.. إذا رأيت العقرب بالفعل، أولا تستغرب لماذا صرخ فيك وقام وهب عليك لكن بعد أن ترى العقرب وقد خرج من جسدك وقد سلمت من لسعته كيف تنظر إلى هذا الصاحب؟ جزاك الله خير.. وإلا تقول يا أخي المفروض يكون أسلوبك أرقى كان المفروض تقول لي انتبه في عقرب في ثوبك!!.. لكن قبل أن تعرف عقرب صاحب تعرف انه ما يكذب حتى في المزاح صاح فيك.. هيه عقرب في ثوبك.. تقول له يا أخي اخفض صوتك تكلم معي بأسلوب محترم وإلا ما آخذ كلامك!.. وصلت؟
الأصل في النصيحة: أن الإنسان يؤديها بأسلوب حَسَن، أنا لما أنصح أطالب نفسي بالأسلوب الحسن، لكن إذا ساق الله إليَّ النصحية بيد أحد.. بأسلوب حسن أو غير حسن.. النصيحة هدية، يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى “إذا كان هذا في الحق العقرب الحسي الذي غاية الأمر أن يُصيب الجسد بآلام قد لاتصل إلى الموت في نوادر من الاحيان لو مات الجسم، فكيف بعقارب الصفات الذميمة التي قد توردك النار وبئس القرار” فإن وجدت من ينبهك إليها أتحبه أو لا تحبه؟ تفرح به أو لا تفرح؟ النفس الأمارة بالسوء تستثقل أن تسمع النصيحة..
الشيخ المربي المرشد

ثم أن هناك نوعا من الصالحين نحتاج إليهم في مثل هذه المجالس في السير لله عزوجل وهم الصالحون الذين هيئهم الله للدلالة على الله، الشيخ المربي المرشد الذي يدل السالك إلى الله عز وجل.. كيف يمكن أن يتخلص ويتخلى عن الصفات الذميمة التي لا ترضي الله عز وجل وكيف يعينه أن يتحلى بالصفات الحميدة، الشيخ الذي له خبرة بأمراض القلوب وكيفية معالجتها، الإنسان بحاجة إلى هذا الأمر من أراد أن يتخلص من صفات نفسه الذميمة يقرأ كلام الله يُرتل، ينظر في كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم، يُجاهد نفسه، ينظر في كلام القوم، كما أنه أيضا بحاجة إلى مُعلم.. بحاجة إلى مُرشِد..
ولهذا جاء شأن النبي مع الصحابة والصحابة مع التابعين والتابعين مع تابعي التابعين، الصحبة، كان الصحابة مرشدهم سيدنا محمد.. الله.. الله.. الله.. ما أحد عنده شيخ مثل شيخهم، ولهذا اعرف أدبك مع الصحابة، انتبه تضيع!!، لا تضحك عليك نفسك ولاعقلك ولاقرأت التاريخ.. دققت.. عندك تجرد في القراءة في النظرة.. انتبه هؤلاء شيخهم محمد صلى الله عليه وسلم سيد الوجود، أنت من شيخك؟ اعقل واعرف من أنت!!
والصحابة كانوا شيوخاً مرشدين للتابعين، والتابعون كان منهم الشيخ المرشد لتابع التابع، فمسألة الأخذ والتلقي مسلسلة من رسول الله إلى مشايخ زماننا الربانيين رواية ودراية وتزكية هذا أمر يحتاج إليه السائر إلى الله، نعم!! ومن ادعى أن الإنسان لا يحتاج إلى مرشد يربيه ويوجهه ويبصره بعيوبه فكأنه يُبطل دور النبوة والعلم (إرث النبوة)، الحاجة ماسة أنا أحتاج إلى من ينبهني ..
كيف أعرف هذا الشيخ المرشد؟

كيف أميز هذا الشيخ؟ الإدعاء في هذا الباب للاسف كثير، يكثر من يدعون الصلاح والمشيخة، أسأل الله يُصلح أحوالنا جميعاً.. ومسألة السير إلى الله هذه رأس المال ليست محل للمخاطرة لا أسَلِم مسألة سيري إلى الله وزمام تربية نفسي إلى كل من هبَّ ودبَّ، وليس الضابط هنا الشهرة، يقول الامام الغزالي رحمه الله [ إن من الكبر الخفي أن يأبى التلميذ إلا أن يأخذ عن مشاهير العلماء أو المشايخ المربين ويستنكف أن يأخذ عن الخاملين ] يعني الذين لايعرفهم الناس خاملي الذكر إلا أن مقصودك في الأصل الوصول إلى الله فإذا وجدت من يدلك بغض النظر عن نظر الناس إليه ففيه من الخير ما لا يخطر لك على بال..
ما هي صفات الشيخ المربي الذي يدل على الله سبحانه وتعالى؟ يجب أن تقتنع هذا الشيخ يصلح أن يكون مرشدا لي دالا على الله، يقول الإمام الحداد في آداب سلوك المريد عبارة سأقرأها لكم لأنها عبارة نفيسة يقول هناك: [وكن شديد الحرص على طلب شيخ صالح .. مرشد ناصح.. عارف بالشريعة.. سالك للطريقة.. ذائق للحقيقة.. كامل العقل .. واسع الصدر.. حسن السياسة.. عارف بطبقات الناس مميز بين فطرهم وغرائزهم وأحوالهم] ..
* الصلاح.. الاستقامة.. مرشد.. أي أن وصفه الإرشاد عالم عارف بالشريعة” وكن شديد الحرص.. شديد الحرص لأنك محتاج إلى ذلك على طلب أي البحث لا هذه المسألة ليست بسهولة على طلب شيخ صالح فأول صفاته الصلاح والاستقامة مرشد صالح، أي انه صالح في نفسه حريص على إصلاح غيره غير مكتف بصلاحه معرض عن بدل النصيحة والإرشاد للبشر ..
* عارفٍ بالشريعة.. فلا يتأتى أن يدل على الله من هو جاهل بشريعة الله “ما اتخذ الله من وليٍّ جاهل ولو اتخذه لعلمه” قد يكون أمياً ويعلمه الله عز وجل وينبهه إلى سلوك طلب العلم، أقل ما ينبغي ان يكون فيه من معرفة بالشريعة أن يعرف ما يجب أن يعرفه كل مسلم المتعين فرض العين، وأن يعرف من العلم الشرعي ما يتعلق بإرشاد العباد، لابد أن يكون له نصيباً من ذلك فإن كان من العلماء فهو أولى وأولى من المتنفعين في العلم..
* سالك للطريقة.. أي سار إلى الله عز وجل مشى في مراتب التهذيب للنفس جرب ما ستجربه ما سيرشدك إليه، قد يكون هناك إنسان اجتباه الله عز وجل، جذبه إليه جذبة صالحة فما عانى شؤون الطريق، إن لم ينظر بشأن السلوك يَصعُب عليه أن يُعَرّفَ الناس لهذا البعض يظن أنه بمجرد أن يجد شخص مظنـّة ولاية وصلاح في حاله، هذا له من كرامات ومن الأولياء هو الذي سيوصلني إلى الله.. لا!! المسألة دلالة على الله.. شرح لمَسلك الطريق.. فينبغي أن يكون سالكاً للطريقة.
* ذائق للحقيقة.. أي أن ثمار سيره إلى الله بعلم بالشريعة واستقامة وصلاح قد أوصله إلى تَذوُق معاني المعاملة مع الله عزوجل.
* كامل العقل.. بمعنى أنه صاحب تبصر ليس من الطائشين المندفعين، كامل العقل..
* حَسَن السياسة.. أي سياسة النفوس يُحسن مسايسة النفوس البشرية، لا يكون أرعناً، إذا حصلت مشكلة صاح وانتهت المسالة، لا.. يقولون: “سَهـُلَ ترويض السباع ولم يسهل ترويض الطباع، يقولون هكذا..
قال: حسن السياسة عارف بطبقات الناس مميز بين غرائزهم انفعالاتهم، وعاداتهم وفطرهم وأحوالهم، قال هذا الذي هذه أوصافه [فإن ظفرت به فألق بنفسك عليه]، صالح.. ناصح.. عارف بالشريعة.. سالك بالطريقة.. ذائق للحقيقة.. مستقيم على مسلك المتابعة للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، عارف بطباع الناس متنبه لسياسة نفوسهم صادق متنور الباطن، إن وجدت من هذه صفاته تغانمه واعكف عليه وامتثل أمره من غير معصية الله فيما يتعلق بالسير إلى الله، كن كالمريض بين يدي الطبيب إذا تعاملت معه، المريض إذا ذهب إلى الطبيب ما يتفلسف كثيرا أمام الطبيب يتأكد فقط أن الطبيب هذا طبيب ماهو طبيب بس معلق لوحة ومعه شهادة .. ماهو شيخ ولحية عمامة ولاغترة وسبحته طويلة والناس خلفه تركض.. لا!! تأكد أنه طبيب ولو تأكدت أنه طبيب كنْ كالمريض مع الطبيب، المريض إن قال له الطبيب عندك مشكلة كذا تحتاج الى الدواء الفلاني ياخذ الدواء ويتعالج..

آداب التعامل مع الشيخ

ويحتاج المريد بصلته بالشيخ الذي يدلُ على الله بعد أن يتأكد من حال هذا الشيخ وصدقه مع الله، يحتاج الى آداب في التعامل، بعض هذه الآداب عامة ينبغي أن يتعامل بها المسلم مع كل حواليه.. منها أن لا يقاطعه في كلامه .. أن لا يسيء إليه في المعاملة، منها أن يتودد إليه، هذه مع الكل.

ثم هناك أخلاق نتعامل بها مع العلماء العاملين مع من يُعلـّم، التلميذ مع المعلم، بقدر ما يكون عند التلميذ من نباهة وذكاء ومطالعة، أيضا ومن أدب وحُسن المعاملة يستفيد.

- أدب تلاميذ الرسول: كان التلاميذ .. أعظم تلاميذ في الوجود عند أعظم أستاذ في الوجود صلى الله عليه وعلى آل بيته وعليهم أجمعين إذا جلسوا بين يديه وكان على رؤسهم الطير، يغضون البصر، إذا تكلم كانوا كلهم آذان صاغية.. غاية في الأدب معه، لا يحدون البصر إليه إمعاناً، نعم لأنه رسول الله لكن أيضاً لأنه معلمهم ومربيهم، لأن الصحابة رأينها منهم ذلك مع بعضهم البعض التلاميذ مع الأساتذة .

- أدب الصحابة مع بعضهم : ابن عباس رضي الله عنهما تتلمذ على زيد بن ثابت رضي الله عنه، كان يجلس على باب زيد لا يدق الباب ينتظر متى يخرج زيد، قال ربما يأتي الريح فيسف التراب عليه حتى يمرّ المار لا يظنه إنسانا يظنه من متاع المنزل من كثرة التراب، فاذا خرج زيد ينظر من هذا فيقول ابن عباس ينفض الغبار عليه ما الذي جاء بك إلى هنا يا ابن عم رسول الله ؟ أدب الصحابه مع آل البيت لا حد يتفلسف يقول الصحابة وآل البيت كيف كانوا .. هذا أدب الصحابة مع آل البيت، فيقول جئت أسألك عن علم رسول الله الذي أخذته، ابن عباس توفي المصطفى وهو في الثانية عشرة من عمره وزيد أخ أكثر من التحصيل العلمي في الرواية، قال هلا أرسلت إليَّ فآتيك؟ أنت ابن عم رسول الله .. يقول العلم يؤتى (الأدب)، لِمَ لـَمْ تقرع عليَّ الباب؟ قال خشيت أن تكون بعض حاجتك مع أهل بيتك فأؤذيك.

- أدب الأستاذ مع التلميذ : يُرى ابن عباس وهو يحمل جنازة زوجة زيد فإذا به يأخذ بزمام دابة زيد أي كأنه من الخدم الذين عند زيد ويفعل زيد عن الراحلة فيأخذ هو بزمام الراحلة يسوقها .. لاحظ ..ابن عباس قـُرَشي وزيد وإن كان في الأصل من الأحرار لكنه كان مولى من الموالي، وكانت في العرب يصعب عليها أن يتواضع السيد القرشي مع المولى المملوك لكنه تأديب رسول الله لنفوس الصحابة كانه مملوك بين يديه، “عن عمار بن أبي عمار أن زيد بن ثابت ركب يوما فأخذ ابن عباس بركابه، فقال له: تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال له: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا فقال زيد: أرني يدك، فأخرج يده، فقبلها فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا” ، هذا معنى من الأدب فيما بينهم البين على هذا الرُقي في المعاملة .. التلميذ مع الأستاذ والأستاذ مع التلميذ ورثَ ذلك مَن بعدهم..

- تسلسل الأدب فيمن بعدهم : حتى رؤي الإمام الشافعي رحمه الله يصف حاله مع شيخه الإمام مالك كان يقول كنت أصفح الورق بين يدي مالك برفق لئلا يسمع وقعها .. و تلميذ الشافعي الربيع قال كنت أستحي أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي أدباً مع الشافعي ..

الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تلميذ الامام الشافعي كان يجلس مع بعض الكبار محدثي عصره من الأئمة الأكابر فيمر الشافعي من بعيد على بغلته فيقطع المجلس الإمام أحمد ويسارع الى الامام الشافعي ويأخذ بزمام بغلة الشافعي .. وهو أحمد ابن حنبل الشيباني العربي ابن القبيلة يأخذ بزمام دابة الإمام الشافعي ويتذاكر معه في العلم، فلما أوصل الشافعي إلى مقصده وعاد إلى أقرانه تغيضوا عليه قالوا كنا نتذاكر في حديث رسول الله فتركت هذا الامر لتأخذ بزمام البغلة؟ وأنت احمد ابن حنبل؟ قال دعوكم من هذا الكلام إذا أراد أحدكم الفقه فليأخذ بزمام الآخر لهذه البغلة للشافعي.. الأدب الذي كانوا يعيشون عليه .. هذه آداب ينبغي أن نحرص عليها في حسن المعامله ..

ننصرف من هذا المجلس

يقولون أن الوقت قد أدرك ولم نفرغ بعد من ذكر هذه الآداب، المجلس المقبل هو خاتمة هذه المجالس .. يالله بها يالله بها يالله بحسن الخاتمة.. لعلنا في بداية المجلس نفرغ من مسألة الأدب أو الصلة بين التلميذ والشيخ .. لنخلص إلى خاتمة هذه المجالس الذي أسال الله عز وجل أن يجعل لها قبولاً في السماء ونفعاً في الأرض وأن يجعلها حجة لنا جميعاً وأن لا يجعلها حجة علينا جميعاً، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وما شاب ذلك الإخلاص من شوائب أنفسنا أسأله أن يعود عليه وأن يسبل عليه من بين إحسانه وفضله ما يجعلها في المقبولات يا أكرم الأكرمين يا أكرم الأكرمين يا أكرم الأكرمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .. والحمد لله رب العالمين.

محب الحبيب علي
09 Oct 2008, 10:02 PM
الدرس الثلاثون - ختام المجالس


الحمد لله في الأولى والآخرة، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد لله كما يليق بفضله وإحسانه، الحمد لله على جوده وامتنانه، وصلى الله على سيدنا محمد الفاتح الخاتم الصادق السابق وعلى آله وصحبه ومن سلك نهجه إلى يوم الدين..
هذا المجلس هو خاتمة مجالسنا المباركة التي كنا نتجالس فيها تعرضاً لنفحة الله ..أيها المريد.. قبل أن نراجع مراجعة سريعة للمجالس الماضية، دعونا نستكمل الحديث عن صلة التلميذ بالأستاذ؛ المريد بالشيخ لأننا من بعد هذه المجالس سيحتاج كل واحد منا إلى مواصلة شأن سيره إلى الله عزوجل..


مرَّ معنا في المجلس الماضي (http://www.almoreed.com/archives/episode29/) أن للشيخ صفات ومَرّ ذكرها [المرشد الناصح، المستقيم الصالح، العارف بالشريعة، السالك للطريقة، الذائق للحقيقة، الحكيم المتبصّر؛ الذي يُحسن سياسة النفوس وتهذيب الطِباع؛ كامل العقل]، مَرّ معنا أن المريد بحاجة إلى طلب الشيخ.. البحث عنه بصدق وإخلاص، الأصل أن الصادق في البحث عن الشيخ لا بد وأن يجمعه الله على الشيخ الذي يرشده، لهذا قال المربون: “عند التناصف ما ذهب إلاً الصدق ولو صدق المُريد لوجد الشيخ على باب بيته”، فإن وجد الإنسان من اجتمعت فيه هذه الصفات؛ إرث النبوة الكامل باستثناء الوحي والعصمة وخصوصية النبوة ..
الشيخ المربي


- ماذا يلزم من وجد الشيخ المربي؟

أولا: تصحيح النية، في الصلة بهذا الشيخ الأستاذ؛ أفهم ماذا أريد منه، أنا لا أبحث عن صنم عن كهنوت، أنا أبحث عن دالٍ يدلني على الله عزوجل، أيضاً أنا لا أبحث عن مظهر وصورة أتباهى بها أمام الناس، أبحث عمن يعينني على التربية والسير إلى الله عمن يبصرني بعيوبي وكيف أتخلص منها، وعمن يُبصرني بالصالحات من الأعمال والحسن من الصفات ويعينني على الأخذ بها، فبحثي عن الشيخ بحث عن سيري إلى الله..
ثانيا : نراعي الأدب مع الشيخ، مَرّ معنا في المجلس الماضي كيف كان الصحابة يتأدبون مع المصطفى وكيف كان التابعون يتأدبون مع الصحابة وكيف كان تابع التابعين يتأدبون مع التابعين، وكيف كان الشافعي تذكرون يصفح الورق صفحاً رقيقاً حتى لا يُحدث صوتاً في حضرة مالك، هذه الآداب.. الأدب مع الشيخ مع الأستاذ هو جزء من تهذيب النفس أولاً ومن الإعتراف بالفضل لأهله ثانياً، أيضاً فائدة هذا الأدب أنه يعينك على أن تتقوى على نفسك لأن النفس من طبيعتها التمرد لا تحب أن يوجد من يوجهها إلى عمل الشيء ولهذا تريد أن ترفض بأي طريقة، فلهذا سَوْقها بالأدب تهذيب النفس ومَرّ اعاة الأدب مع من نأخذ عنه العلم مع من نتربى على يده له الأثر الكبير في تهيئة النفس لأن تواصل لأن تأخذ لأن تستفيد، أيضاً مع تصحيح النية ومع الأدب.
ثالثا : صدق المحبة، ووجه هذه المحبة، لماذا أحب الشيخ محبة كبيرة شديدة عظيمة؟ لأنه يدلني على الله فمحبتي له هي محبة في الله، من باب حبي لوصولي إلى الله وصلتي بالله أحب هذا الإنسان الذي يعينني على ذلك بإرشاده وتوجيهه.
رابعا : أن أدرك أن صلتي بهذا الإنسان صلة روح، ليست مجرد صلة جسد؛ ليست مجرد استماع أذن لكلام وأنصرف.. هي صلة روحية، مفاد هذه الصلة أن الشيخ هذا له صلة بشيخ قبله، والشيخ الذي قبله له صلة بشيخ قبله وهكذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو نور ممتد من زمان إلى زمان إلى زمان إلى زماننا، مراعاة هذه الآداب مع أدب أساسي ..
خامسا : الصدق، أن أكون صادقاً معه فيما يسألني عنه فيما أخاطبه فيه فيما أخبره به فيما أستدل به على الله عزوجل من دلالته، فإن أمثال هذه الصفات مع الجد والاجتهاد في الطاعة في غير معصية الله؛ أطيع شيخي في تربية نفسي في الأمور المتعلقة بسياسة النفس في كل ما يأمرني به في غير معصية الله عز وجل فـ”لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” أبداً، مراعاة أمثال هذه الأمور تعين على تنور القلب .

نشأ لدينا تطرفين في التعامل مع مسألة الشيخ :
الأول : تطرف فهم من هذا الكلام معنى التسليم الكلي ولو في معصية الله، وهذا لا يتأتى لأحد من البشر، هنا يأتي المحظور .
الثاني : طرف آخر فهم فهماً آخراً عكسياً جاء إلى حد التمرد عدم مراعاة الأدب، شهدنا اليوم من التلاميذ من يرفع الصوت على المدرسين انظروا إلى مدارسنا اليوم، من ينكت على المدرس من يرمي بالطباشير على رأس المدرس فيلتفت المدرس فيضحك الجميع، وإذا تكلم أحد يقولون لا هذا يعطي العقل انطلاق .. لا تغلقوا العقول .. إلغاء للفكر .. كيف يعني يكون مطيع للشيخ متأدب معه؟ ما رأينا خيراً من أمثال هذه الكلمات، وقد ينتقد البعض لجهل سمعنا بعض من جهل الأمر يقول: هذا من الكهنوت كيف يعني يتأدب مع الشيخ ويطيعه في غير معصية الله؟ يعني من باب المدح والله أقول جهل ليس من باب الذم لأني لو أردت أن أصفه بصفة أخرى ستكون أشد من صفة جهل، ولكن نقول (الإنسان عدو ما يجهل) .

مشكلة الإدعاء في مسألة الدلالة على الله وتعريف الناس بطريق الله :
كثر الأدعياء الذين ليسوا بصادقين ليسوا بأهل للطريق أخذوا صورة في الدلالة على الله ولم يأخذوا حقيقتها، والسبب في انبهار الناس أو أن الناس ينغشون بأمثال هؤلاء الأدعياء أن البعض مفهوم المشيخة عنده غير واضح، مفهوم المشيخة عنده الرجل الذي يُجري الكرامات التي تحصل على يديه خوارق العادات، كلنا يؤمن بالكرامات والخوارق العادات وأهل السنة والجماعة يعتبرون إنكار الكرامة فسقاً.. خللاً.. بدعة في عقيدة الذي ينكر الكرامة، هذه ثابتة عند أهل السنة والجماعة بنص القرآن والسنة، قصة مريم (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً)، قصة جُريجر الراهب الذي اتـُهم بالباطل فخاطب الطفل الصغير فأنطق الله له الرضيع، الكرامة ثابتة، الصحابة كثرت عندهم الكرامات فكلنا نؤمن بها، لكنها ليست هي المقياس لمعرفة الصالح فحسب، الأساس في تمييز الصالح والدال على الله الإستقامة ولهذا قالوا: “الإستقامة أعظم كرامة“، قال الإمام الجنيد: “لو رأيتم الرجل يطير في السماء أو يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تقيسوه على الأمر والنهي -أي أمر الله ونهيه- فإن رأيتموه ممتثلاً لأمر الله منتهياً عما نهى عنه الله فهو ولي صديق وإلا فهو دَعيٌّ زنديق“، يمكن أن تـُخرَق العادة بسحر يمكن أن تـُخرَق العادة بجن يمكن أن تـُخرَق العادة بصورة فهلوة ليس حقيقية، لكن خـَرق العادة إذا صحت بالإستقامة نعم نعتبرها كرامة، لكن مقام الشيخ الذي يَدل على الله ويرشد لا يُقاس بكثرة الكرامات التي تـُجرى على يديه، يقول الإمام الجنيد: “مشى أقوامٌ باليقين على الماء، وماتَ أقوامٌ أعظمُ منهم يقيناً من شدةِ الظمأ“، فالمقياس هنا عُمق السير والإستقامة على مرضاة الله، الأكمل في متابعة سُنـّة الحبيب صلى الله عليه وسلم في التـَخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، الأعمق نظراً في مقاصد الشريعة، من كانت هذه صفاته لا شك نحن بحاجة لأن نأخذ عنه..

- ماذا يلزم من لم يجد الشيخ المربي ؟

ما وجدت هذا الشيخ ماذا تعمل؟ الحق عزوجل لا يَرُد صادق في الإقبال عليه، الصدق سيجمعك على الشيخ لكن إلى أن تجتمع عليه :
1. ألحّ على الله في الدعاء
2. واظب على وردك من كتاب الله
3. اقرأ في سُنـّة الحبيب صلى الله عليه وسلم
4. اقرأ في كتب القوم التي تدل على السير إلى الله
الكلام الذي كان يُنثر في هذه المجالس إنما هو نـُبـَذ من كلام القوم المعتنين بالتربية والسلوك، حُجة الإسلام الإمام الغزّالي الذي ألـّف إحياء علوم الدين في هذا الصرح المبارك في خلوته الموجودة هنا في هذا الجامع عندما عكف عشر سنين على تصنيفه، احرص على الإستفادة منه..
- تنبيه: أما مسألة من يتكلم عن تخريج الأحاديث في الإحياء، استـُدرك على تخريج الحافظ العراقي رحمه الله تعالى استدرك عليه الحافظ السبكي والحافظ الزبيدي في شرحه للإحياء وغالب الأحاديث الموجودة لها شواهدها الصحيحة من الكتاب والسُنـّة والكتاب كتاب تربية، كتب الإمام الغزّالي لها أثر كبير في تهذيب النفوس..
كتب الإمام الحداد الذي أخذنا من كتابه آداب سلوك المريد هذه المجالس وله كتب مفيدة في هذا الباب، كتب الإمام ابن عطاء الله السكندري كالحكم العطائية وشروحها، أيضاً بالإضافة إلى كتب القوم، سِـيَر الصالحين، تراجم الأنبياء، قصص الأنبياء (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) جَعَلَ الله تثبيت فؤاد سيدنا محمد بقصص الأنبياء .. كيف بنا نحن؟ أيضا سِـيَر الصحابة رضي الله عنهم سِـيَر الصالحين من التابعين ومن بعدهم سِـيَر آل البيت عليهم السلام، القراءة في سير الصالحين تحرك القلب ..
5. أكثِر من الصلاة على سيدنا محمد..
فقد قال العلماء: [الصلاة على النبي شيخُ مَن لاشيخ له]، كيف؟ قال نحن موعودون: “من صلى عليَّ مرة صلى الله عليه بها عشرة” صحيح؟ والصلاة من الله قال الله فيها (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) فصلاة الله علينا إخراج من الظلمات إلى النور، فكلما أكثرت من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما خرجت من الظلمات إلى النور، والصادق في الإلحاح على الله لابد أن يدله الله عز وجل على مسلك الوصول إليه، هذا ما يسره الله سبحانه وتعالى في هذه المجالس من حديث..
استذكار المجالس

تتذكرون في بداية المجالس كان الحديث عن تصحيح الإرادة (http://www.almoreed.com/archives/episode1/) نسأل الله أن نكون قد صححنا مرادنا لا يكون فينا من لا يزال يريد الدنيا، جاء الكلام عن إرادة الآخرة والسعي لها، مَرّ معنا أن أول الأمر في السير إلى الله هو الباعث (http://www.almoreed.com/archives/episode2/) ما يبعث الله تعالى به قلب السائر إليه، هِمّة السير إلى الله ما يقذفه الله في القلب، ولعلكم طلبتم الباعث فنلتموه نسأل الله ذلك، ولعلنا بعد نيله حرصنا على تقويته والحفاظ عليه وعلى إجابته، مَرّ معنا بعد ذلك الكلام في أن أول خطوة في مقامات السائرين إلى الله التوبة (http://www.almoreed.com/archives/episode3) وتصحيح هذه التوبة وكيف نسلك مسالك التائبين، ثم مَرّ معنا بعد ذلك الحرص على حفظ القلب (http://www.almoreed.com/archives/episode4/) في أول السير إلى الله في الإلتفات إلى القلب، وأن القلب له منافذ حسية ومنافذ معنوية تتذكرون الكلام عن السمع والبصر واللسان والنطق واللقمة وما تؤثر به، هذه كلها كان الحديث عنها، كما مَرّ معنا في الليالي المباركة التي انقضت في هذا المكان المبارك الحديث عن حفظ القلب من الخواطر خواطر الشر (http://www.almoreed.com/archives/episode6)، تتذكرون كيف كنا نتحدث عن تفريقنا بين خاطر الشر وخاطر الخير ميزان الشريعة والإبتداء ومخالفة النفس، كيف نـُميز بين خاطر الخير (http://www.almoreed.com/archives/episode7) الذي يأتي من الله إلهاماً، وخاطر الخير الذي يأتي لمة من الملك، وكيف نـُميز بيت خاطر الشر الذي يأتي من الشيطان حتى نفقه كيف ندفعه بالذكر والإستعاذة، خاطر الشر الذي يأتي من النفس الأمارة بالسوء وكيف ندفعه بترويض النفس (نقلل العلف ونكثر العمل)، تتذكرون الخوف من خاطر الاستدراج خاطر الشر الذي يأتي استدراجاً عقوبة من الله وعلاجه سرعة التوبة إلى الله، تتذكرون الحديث الذي مَرّ معنا عن مداخل الشيطان (http://www.almoreed.com/archives/episode8/) السبعة وكيف نسدها بالإلتجاء إلى الله والذكر، ثم بعد ذلك تتذكرون الحديث عن الالتفات إلى القلب بعد حمايته بإحكام المداخل مداخل الخواطر.. مداخل الجوارح.. أن نلتفت إلى القلب لنحرص على التخلص من أمراض القلوب من معاصي قلوبنا وكان أشدها الكِبَر (http://www.almoreed.com/archives/episode9/) والحَسَد (http://www.almoreed.com/archives/episode11/) والرياء (http://www.almoreed.com/archives/episode10/) وما يتفرع عنها ومَرّ الحديث عن معالجتها..
كما مَرّ معنا الحديث أنـّا مع تطهيرنا لقلوبنا ينبغي أن نحرص أيضاً على طهارة ظاهرنا (http://www.almoreed.com/archives/episode12) من النجاسات والقاذورات، الحفاظ على الوضوء كلما أحدثنا، الذكر لله سبحانه وتعالى بعد الوضوء، صلاة سنة الوضوء، تتذكرون الحديث عن تطهير ظاهرنا (http://www.almoreed.com/archives/episode13/) الحديث عن ضبط أوقاتنا كيف تسير وأن المريد السائر إلى الله أغلى ما يملك أنفاسه [نفس المريد جوهرة لا قيمة لها] أي لا تـُقدّر بقيمة، تتذكرون أنـّا إذا أردنا أن نضبط أوقاتنا (http://www.almoreed.com/archives/episode14/) كان الحديث أن الحاجة إلى أن نجعل محاور للوقت تنضبط عليها الأوقات وأن محور أوقاتنا هي الفرائض، كيف يكون الحضور (http://www.almoreed.com/archives/episode18/) مع الله في الصلاة كيف نجيب المؤذن (http://www.almoreed.com/archives/episode15/)، ثم جاء الحديث عن حاجتنا إلى أن يكون لكل منا رواتب (http://www.almoreed.com/archives/episode19/) مع الصلوات القبلية والبعدية أيضا صلاة الوتر صلاة الضحى نحافظ عليها نستمر على ذلك، تتذكرون الحديث عن الورد (http://www.almoreed.com/archives/episode20/) من قراءة القرآن العظيم من الأذكار الواردة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله سلم، نحافظ على الأوراد (http://www.almoreed.com/archives/episode21/)، ذكرنا لكم ورداً استـُنبط من السُنـّة الورد اللطيف (http://www.almoreed.com/archives/attachment3/) للإمام الحداد، ذكرنا أيضاً في مجالسنا عن حضور القلب مع الله (http://www.almoreed.com/archives/episode22/) سبحانه وتعالى، ثم تحدثنا عن عددٍ من الأمور التي تلحق ذلك من النظر إلى صلتنا بالخلق (http://www.almoreed.com/archives/episode26/) من النظر إلى مسألة الرزق (http://www.almoreed.com/archives/episode24/) والتعامل معها، تحدثنا عن شؤون وشجون تتعلق بسيرنا إلى الباري سبحانه وتعالى، حتى توصلنا بعد ذلك إلى حُسن النظر في معاملتنا للخلق (http://www.almoreed.com/archives/episode27/) وعدم أخذ الخلق لقلوبنا لتغيبها عن الله سبحانه وتعالى، علمنا أقسام التعامل مع الناس (http://www.almoreed.com/archives/episode28/) ذكرنا أن هناك من الناس من لابد من حُسن المعاملة معه.. لم نختر أن تكون لنا صلة به، وأن هناك من الناس من كانت لنا نسبة من الإختيار، ومن الناس من اخترنا صحبتهم وكيف نتعامل مع هؤلاء جميعاً..
في هذا المجلس الآن توصلنا إلى خاتمة هذه الليالي المباركة في هذا الجامع المبارك الجامع الأموي الكبير جامع دمشق الذي عبق بأنفاس ساداتنا الصحابة رضي الله عنهم، في هذه الأماكن جلس عبد الله بن مسعود درس، وهنا جلس بلال بن رباح وهنا درّس التابعون الذين أخذوا عنهم، هنا مَرّ سلطان العلماء العِز بن عبد السلام ودرس، وهنا درس الإمام الغزّالي واختلى وألـّف إحياء علوم الدين، هنا جلس صدور المحدثين والفقهاء والأصوليون والمربون هنا شهدت هذه الجدران وجوهاً باتت في دُجى الليل تقوم لله مُناجية مُصلية مُخاطبة له سبحانه وتعالى، وأنتم الجيل الذي ورث هذه المواطن الشريفة وفي كل بلدٍ من بلاد الإسلام توجد أماكن مثل هذه في غير بلاد المسلمين نور الروحانية للمُقبل على الله أكبر وأكبر فـ”ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين” وذاكر الله في الغافلين كالحي بين الميتين ..

كلمة شكر

في خاتمة هذه المجالس نسأل الله عزوجل أن يبارك في جميع من حضر ومن استمع وأن يجزي عنا خير الجزاء الإخوان الذين قاموا على الإنتاج والإخراج أخونا المخرج محمد والشباب الذين عملوا معهم، الأستاذ عمار.. الدكتور محمد يحيى.. وإخواننا الذين سعوا في ترتيب مثل هذا الأمر.. أخونا أشرف وبقية الاخوان، نسأل الله أن يبارك في هذا البلد .. الشام .. بلاد الخير والنور بلاد البركة التي دعا لها الحبيب صلى الله عليه وسلم البلاد التي آوى إليها عمود القرآن عمود الدين، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أرض الرباط، البلد التي كلما تكررنا عليها وترددنا عليها شهدنا عجائب من صدق قوله صلى الله عليه وسلم وبشارته، وهنا أنا أخاطب من هم يسمعون ويرون من وراء آلات التصوير من وراء الشاشات البلد التي يظلمها الكثير في الحديث عنها نسمع كلاماً كثيراً عن هذه البلد متعلق بالتعامل مع أهل الدين وأهل العلم، جئنا وجدنا المجالس معمورة دروس المشايخ تملأ المساجد حلقات القرآن والحمد لله تملأ المساجد معاهد تعليم الشريعة تملأ المساجد تملأ البلاد أيضاً، هذه البلاد التي لا تزال فيها البركة، أسأل الله أن يبارك بكل من ساهم في الخير وفي كل من أعان عليه أسأل الله أن يبارك في إخواننا في وزارة الأوقاف الذين هيئوا لنا السبيل لتسجيل مثل هذه الحلقات، أسأل الله أن يبارك في ولي أمر هذا البلد ورئيسها وأن يوفقه لما يحب ويرضاه وأن يلهمه من الأعمال ما ينفعه ساعة الوقوف بين يديه وما يعين شعبه على ما هم عليه وأن يهيئ له البطانة الصالحة وسائر من ولاهم الله أمور المسلمين، إخواني البعض يتضايق وقليلا يتحرج من مسألة الدعاء لولاة الأمر، الفـُضيل بن عياض كان يقول [لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها لولي الأمر]، هذا أمر يجب أن نفقهه ونعيشه، نسأل الله أن يوفق أولياء أمور المسلمين للعمل على طاعته على تطبيق كتابه وسُنـّة نبيه صلى الله عليه وسلم وأن يجمع بين قلوبهم في الخير على الخير وأن يبصرهم بما أقامهم الله من ثقل هذه الأمانة وأن يعينهم على ثقلها وحُسن أداءها، أسأل الله أن يبارك في علماء هذا البلد رأيت منهم من الأدب من التواضع، كلكم رأى شيخنا الكبير الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي بتواضعه وجلالة قدره كيف جاء إلى هذا المجلس، كلكم رأى الحفاوة التي نراها من مشايخنا وكبار علماء الشام الذين أحدهم لا يستحق أن يكون الفقير تلميذاً لتلميذ تلميذهم رضي الله عنهم وبارك للمسلمين فيهم وفي سائر علماء المسلمين، توجهوا إلى الله في أن يبارك في علمائنا أن يمد في أعمارهم أن يعينهم على ما أقامهم عليه أن يجمع بين قلوبهم ويوحد صفوفهم، نسأل الله البركة للكبير والصغير في هذا البلد وسائر بلاد المسلمين ..
ننصرف من ختام مجالس أيها المريد

تعالوا بنا في خاتمة هذا المجلس نوجه قلوبنا إلى الله، لكن نريد ننصرف قبل الدعاء بأربع تذكيرات سريعة :
1. الحب : أعظم ما يُعطي الله للقلوب نعمة الحب، اعتنوا بالمحبة أحبوا بعضكم البعض هذا من حب الله وحب رسوله، أحبوا أوطانكم وبلدانكم، أحبوا إخوانكم، أحبوا جيرانكم، أحبوا أصحابكم أحبوا مخالفيكم، وأحبوا لهم الخير، انشروا المحبة فإن المحبة أساس في السير إلى الله .
2. على التناصح فيما بيننا البين..
3. دوام الإلحاح على الله ودوام الدعاء والوقوف ببابه ..
4. تذكروا إخوانكم من المسلمين.. في مشارق الأرض ومغاربها في دعواتكم في توجهاتكم في هذه الليالي الشريفة المباركة.. لكم إخوان في فلسطين يعانون أسأل الله أن يفرج عنهم، في العراق في أفغانستان وفي الصومال وفي البلقان وكم سأعدد وجهة القلوب إلى الله عزوجل عليها المدار والمعوّل، اللهم ارزقنا الصدق يا كريم ..

مسك الختام - الدعاء

الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، اللهم إنا نسالك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك وإمائك نواصينا بيدك ماضٍ فينا حكمك عدل فينا قضاؤك نتوجه إليك في ساعتنا هذه بقلوبنا وألسنتنا وأسماعنا راجين فضلك وإحسانك وجودك وامتنانك، اللهم إنا نسألك أن تقبل هذه المجالس عندك، اللهم اقبل هذه المجالس من المتكلم والسامع والساعي والخادم، اللهم واقبل من الجميع ماوفقتهم إليه، اللهم إن الأعمال مهما كانت إن لم تخلص إلى ساحة القبول فهي هباء منثور، اللهم تقبل منا هذه المجالس واجعل لها قبولاً في السماء ونفعاً في الأرض، اللهم بارك في إخواننا الذين حضروها وترددوا عليها واستمعوا إليها، اللهم اجعلها حجة لنا ولا تجعلها حجة علينا، اللهم اجعلها خالصة لوجهك الكريم، اللهم وما شابها من شائبة رياء أو سمعة أو عجب أو إلتفات إلى الخلق أو نقص أو خطأ أو تقصير أو نسيان فنسألك اللهم أن تعود عليه بعوائد فضلك وإحسانك وجودك وامتنانك، نسألك اللهم أن تنظر إلى هذه المجالس نظرة رضى من حضرتك فإنك إن رضيت عن أمر باركت فيه ووفقت أهله إلى ما تحبه وترضاه، اللهم ارزقنا الإخلاص بالمعاملة..
اللهم ارزقنا اليقين.. اللهم حققنا بحقائق اليقين علمه وعينه وحقه، اللهم إن ذنوبنا كثيرة وأمراض قلوبنا خطيرة وليس لنا رب غيرك نتوجه إليه وليس لنا إله سواك نلجأ إليه، نلجأ إليك وإلى فضلك وإلى إحسانك وإلى جودك وإلى امتنانك أن تنظر إلى قلوبنا نظرة الرضى، اللهم طهر قلوبنا اللهم أصلح قلوبنا اللهم نور قلوبنا اللهم عافي قلوبنا اللهم إن قلوبنا مريضة فاشفها، إلهنا وسيدنا ليس لنا رب غيرك ولا إله سواك فنلجأ إليه، ها نحن الآن بين يديك وحالنا لا يخفى عليك أمرتنا فتركنا ونهيتنا فأتينا وارتكبنا، وعزتك وجلالك ما فعلنا ذلك ولا تركنا ما تركنا استخفافاً بأمرك ولا استهزاءً بأدب نهيك.. كيف وأنت ربنا وإلهنا وسيدنا وخالقنا غير أن أنفسنا الأمارة بالسوء، وها نحن الآن بين يديك ملتجئين إليك راجين فضلك وإحسانك، اللهم تب علينا توبة نصوحا طهرنا بها جسما وقلباً وروحا، اللهم من صحّت نيته في هذه المجالس فاقبل منه ذلك ومن لم تهب للمسيء منا للمحُسن يا كريم، إلهنا وسيدنا إن الأمور بخواتيمها وها نحن في خواتيم هذه المجالس فاجعلها خاتمة رشد يا كريم.
اللهم وإذا حانت ساعة الإنتقال ونادانا مناد الرحيل والزوال فنسألك اللهم أن تحين هذه الساعة علينا وقد أصلحت قلوبنا وقد رزقتنا حسن الإقبال عليك وقد رقيتنا في مراتب المعرفة بك حتي لا تأتي هذه الساعة إلا وقد أشرق على جنبات قلوبنا من أنوار الشوق إليك وصدق محبتك ما نتهيأ به لرضوانك الأكبر ونأمن به مما نخاف ونحذر، اللهم فإذا حانت الساعة فخفف عنا سكرات الموت اللهم خفف عنا سكرات الموت واجعل ملك الموت بقبض أرواحنا شفيقاً رحيما، اللهم وإذا استـُلت الروح عن الجسد فعلى لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإذا أوينا إلى القبور فارحم غربتنا ووحشتنا وذلتنا، وثبتنا عند السؤال واجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، واجعل بيننا وبين غضبك وسخطك وقاية من رحمتك وجُنة، اللهم وإذا جاء يوم الحشر والنشر، ونفخ النافخ في الصور مرة ثانية فجٌمعنا وجميع الخلائق فتحت ظل عرشك، اللهم تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظله، اللهم وعلى حوض نبيك فاجمعنا أجمعين واسقنا من حوضه صلى الله عليه وسلم شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدا.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

عبدالسلام النووى
01 Jul 2010, 03:59 AM
جزالك الله خير الدنيا والاخرة

محب الحبيب علي
01 Jul 2010, 04:07 AM
شكرا لكم أخي الفاضل ، وأرجو عند وضع الموضوع الذي تريده أن يكون في مكانه الصحيح ، ودمتم بكل خير وعافية