المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحكم العطائية الكاملة " جديد "



الصفحات : [1] 2

محب الحبيب علي
25 Oct 2006, 02:32 AM
مقدمة ( بقلم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي )http://alwaei.awkaf.net/intro/images/photos/05-SQW-440.jpg

كلمة عن كتاب (الحكم) وصاحبه:

هو الإمام الملقب بتاج الدين، أحمد بن محمد بن عبد الكريم..
ابن عطاء الله السكندري المالكي، المتوفى عام 709 من الهجرة.
فهو من أعيان القرن السابع الهجري. وقد بدأ فتفقه ودرس التفسير
والحديثواللغة والأدب على شيوخ له في مصر، ثم توج حياته
العلمية بالسلوك التربوي والسعي إلى تزكية النفس على يد عالمين
جليلين جمع كل منهما بين ضوابط العلوم الشرعية وأصول تزكية
النفس من أمراضها التي سماها الله «باطن الإثم» أما أحدهما
فهو الشيخ أبو العباس المرسي أحمد بن عمر الذي اشتهر إلى جانب
غزارة العلم بالصلاح والتقوى. وأمّا الآخر فهو الشيخ أبو الحسن
الشاذلي علي بن عبد الله، وهو المرجع الأول في الطريقة
الشاذلية. وقد توفي الأول منهما عام 686 هـ، أما الثاني فقد
توفي عام 656 هـ.لمع اسم ابن عطاء الله عالماً من أجلّ علماء
الشريعة، مصطبغاً بحقائقها ولبابها التي تُحَرِّرُ الإنسان من
حظوظ النفس والهوى، وترقى به إلى سدة الصدق مع الله، وتمام
الرضا عنه، وكمال الثقة به، والتوكل عليه. ودرّس علوم الشريعة
في الأزهر، وتخرج على يديه كثير من مشاهير العلماء، من أمثال
الإمام تقي الدين السبكي، والإمام القرافي..وكان إذا جلس للنصح
والوعظ والتوجيه، أخذ حديثه بمجامع القلوب، وسرى من كلامه
تأثير شديد إلى النفوس. شهد له بذلك أقرانه الذين كانوا في
عصره، والعلماء الذين جاؤوا من بعدهم، على اختلاف مذاهبهم
ومشاربهم.أما كتابه (الحكم) فلا أعلم كتيّباً صغيراً في حجمه
انتشر في الأوساط المختلفة كانتشاره، وتقبلته العقول والنفوس
كتقبلها له!..هو مجموعة مقاطع من الكلام البليغ الجامع لأوسع
المعاني بأقلّ العبارات.. كلها مستخلص من كتاب الله أو من سنة
رسول الله .وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أما القسم الأول منها
فيدور على محور التوحيد وحماية المسلم من أن يتسرب إليه شيء من
المعاني الخفية الكثيرة للشرك، وأما القسم الثاني فيدور على
محور الأخلاق وإلى تزكية النفس وأما القسم الثالث فيدور على
محور السلوك وأحكامه المختلفة.وقد تسابق كثير من العلماء في
عصور مختلفة إلى كتابة شروح لهذا الكتيّب الصغير في حجمه
والكبير في آثاره ونفعه، ويبدو أن أكثرهم إنما اندفعوا إلى ذلك
ابتغاء التبرك به وأملاً في أن ينالهم شيء من نفحاته، لا سيما
بعد أن تأكد لهم أن كثيرين من طلاب العلم في الأزهر فتح الله
عليهم ورفع لهم من حياتهم شأناً بنفحاته وبركاته. * * *


مقدمة

حِكَم ابن عطاء الله والتصوف:

سيقول بعض الناس: إن العكوف على دراسة هذه الحكم إنما هو
انصراف إلى (التصوف). والتصوف شيء طارئ على الإسلام متسرب
إليه، فهو من البدع التي حذر منها رسول الله إذ قال: «..
وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة»
رواه_أبو_داود_والترمذي_من_حديث_العرباض_بن_سارية_وأ وله:_وعظنا
_رسول_الله_(_موعظة_بليغة_وجلت_منها_القلوب... . وأقول في
الجواب: أما الأسماء والمصطلحات فلا شأن لنا بها ولا نتعامل
معها. وها أنا منذ الآن سأبعد كلمة (التصوف) هذه، من قاموس
تعابيري وكلماتي، مع العلم بأن الأسماء والكلمات ليست هيالتي
توصف بأنها الإسلام أو هي البدع الطارئة عليه، وإنما الذي يوصف
بهذا أو ذاك، مسميات الأسماء ومضامينها والمعاني التي جاءت
الأسماء والمصطلحات معبراً عنها وخادماً لها.. فالمصطلحات
والأسماء ليست هي المعنيّ بقول رسول الله : «محدثات الأمور»
وإنما المعنيّ بها المعاني والمسميات التي تتمثل في معتقدات
زائغة أو سلوكات باطلة.ولكني، على الرغم من هذا، لن أتعامل مع
الأسماء والمصطلحات الحديثة التي تثير حساسية بعض الناس الذين
يتعاملون مع الأسماء والمصطلحات والشعارات أكثر مما يقفون على
جوهر المعاني والمسميات. ولذا فلسوف أحاول أن أشطب كلمة
(التصوف) هذه من ذاكرتي، فإن لم أستطع إلى ذلك سبيلاً، فلا
أقل من أن أبعدها عن قاموس تعابيري وكلماتي خلال رحلتي هذه
كلها في خدمة حكم ابن عطاء الله وتجلية معانيها.على أن ابن
عطاء الله أيضاً لم يدن إلى هذه الكلمة في شيء من حكمه هذه قط.
بل إني لم أجده يعرّج على هذه الكلمة في أي من كتابيه (لطائف
المنن) و (التنوير في إسقاط التدبير) وهما الكتابان اللذان
أتيح لي أن أقرأهما وأستفيد منهما بالإضافة إلى الحكم.إذن
فلننظر فيما سنصغي إليه من هذه الحكم إلى اللباب والمعاني، ثم
لنضع هذه المعاني كلها في ميزان كتاب الله وسنة رسوله. فما
وافق من ذلك هذا الميزان قبلناه، وما خرج عليه وشرد عنه
رددناه.

أحمد صبري
25 Oct 2006, 09:44 AM
http://www.almoslem.net/modules.php?name=Books&d_op=viewdownload&cid=2

محب الحبيب علي
28 Oct 2006, 05:44 PM
الإحسان وموقعه من الإسلام والإيمان:

ولرسول الله كلام عن الإحسان وأهميته والتعريف به في الحديث
الذي يرويه مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب، يقول فيه
جواباً عن سؤال جبريل له: « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه،
فإن لم تكن تراه فإنه يراك ». فهل سَاءَل أحدنا نفسه عن وجه
الحاجة إلى الإحسان، بعد أن وضعنا رسول الله أمام حقيقة كل من
الإيمان والإسلام؟وهل تساءلنا عن موقع الإحسان وعن وظيفته بعد
وجود كل من الإسلام والإيمان؟إن سيرة رسول الله وسيرة أصحابه
البررة الكرام، يبرز كل منهما وجه الحاجة إلى الإحسان، ويبرز
الموقع الذي يشغله الإحسان بين قطبي كل من الإسلام والإيمان،
لا سيما لدى المقارنة بين حياة رسول الله وحياة أصحابه من
جانب، وحياتنا نحن المسلمين والمؤمنين أيضاً من جانب آخر.من
المعلوم أن أركان الإيمان إنما تغرس يقيناً في تربة العقل، في
حين أن أركان الإسلام سلوك يصطبغ به الكيان والأعضاء.ولكن فما
هو السلك الذي ينقل شحنة اليقين العقلي قوة دافعة إلى الأعضاء
والكيان الجسدي؟..لعلك تقول: لا حاجة إلى هذا السلك؛ فيقين
العقل بأمر ما، يكفي وحده حافزاً إلى السلوك المناسب له.غير أن
هذا التصور باطل من الناحية العلمية، وهو باطل على صعيد الواقع
الدائم المرئي!!..كثيرون هم الذين آمنت عقولهم بالله، ولكن
سلوكهم ناقض مقتضيات هذا الإيمان وخاصمه.. جمع كبير من هؤلاء
كانوا على عهد رسول الله ، وجموع أكثر من هؤلاء أنفسهم،
يملؤون اليوم رحب العالم، وهم الذين قال الله تعالى عنهم: {
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً
وَعُلُوّاً } { النمل: 27/14 } والسبب العلمي في ذلك أن العقل
ليس هو الحافز الوحيد في كيان الإنسان إلى السلوك، بل يزاحم
العقلَ وينافسه في ذلك العصبيات والأهواء والأغراض، والعواطف
بأنواعها، لا سيما «الدافعة»
تنقسم_العواطف_إلى_عاطفة_دافعة_وهي_الحب_والكراهية،_ وعاطفة_راد
عة_وهي_الخوف،_وعاطفة_ممجّدة،_وهي_مشاعر_الانبهار_با لشيء_والتع
ظيم_له. وإذا لم يمتدّ بين العقل وكيان الإنسان هذا السلك
الذي نتحدث عنه، فإن العقل لا بدّ أن يصبح هو المغلوب والمهزوم
في هذا العراك. وعندئذ يصبح زمام السلوك بيد هذه العوامل
الأخرى المتمثلة في العصبية والأغراض والأهواء ورياح العواطف
المضادّة.وانظر إلى واقع أكثر الناس، تجده مصداقاً لما
أقول.إذن، فلكي يمتدّ شريان (الإحسان) في عبادات المسلم
وقرباته، بحيث يعبد الله كأنه يراه، لا بدّ أن يسري من العقل
الذي آمن إلى الأعضاء التي استسلمت وأسلمت، سِلْكٌ من التأثير
والفاعلية، بحيث يغدو المسلم يقظاً لحقائق إيمانه متفاعلاً
بشعوره معها أثناء النهوض بطاعاته وعباداته.فما هو هذا السلك؟
ومن أي شيء يتكون؟إنه الإكثار من ذكر الله وتذكره، والإكثار من
مراقبة الله والتنبه الدائم إلى مراقبة الله للعبد.. وخير سبيل
إلى هذا التذكر الدائم، والوقوف المستمر تحت مظلة المراقبة
الإلهية، ربط النعم بالمنعم، بحيث كلما وفدت إليه نعمة تذكر
الإله الذي تفضل بها عليه، وهيهات لسلسلة النعم الإلهية أن
تنقطع في لحظة من اللحظات عن العبد؛ إن هذا الإنسان الكريم على
الله عز وجل، محاط من الأرض التي يعيش فوقها بآلاف النعم،
ومستظل من السماء التي تعلوه بآلاف النعم، ومحشوّ من فرقه إلى
قدمه بآلاف النعم، هذا كله بالإضافة إلى النعم الوافدة
المتجددة التي لا حصر لأنواعها فضلاً عن عدّها وإحصائها.فإذا
عوّد العبد نفسه وأيقظ ذاكرته لتذكر الإله المنعم المتفضل،
كلما أقبلت إليه نعمة منها، أو كلما تعامل مع واحدة منها،
واستمر على هذا المنوال، اهتاجت بين جوانحه محبة عارمة لإلهه
المنعم المتفضل، إذ إن النفوس مجبولة على حبّ من قد أحسن
إليها. وكلما ازداد هذا العبد المغمور بنعم الله ذكراً وتذكراً
لربه ازدادت محبته له رسوخاً وازداد تعظيماً ومهابة له.ثم إن
هذه المحبة الراسخة تلعب دوراً كبيراً في طرد محبة الأغيار من
القلب، أو في تحجيمها وحصرها في زاوية ضيقة من الفؤاد الذي غدا
جلّه ساحة لمحبة الله عز وجل وتجلياته. فتذوب في ضرام هذا الحب
عصبيته للذات والمذهب ويتراجع سلطان أهوائه التي كانت مهيمنة
على نفسه، وتذبل مشاعره الغريزية التي تتحكم بكيانه
وتصرفاته.ويغدو عندئذ هذا الإنسان مظهراً للمؤمنين الذين وصفهم
الله في قوله: { وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ
اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ
آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } { البقرة: 2/165 } فهل تتصور
أن يقبل هذا المحب إلى صلاته دون أن يكون محسناً في أدائها، أي
دون أن يشعر بأن الله يراه إذ يناجيه وإذ يركع ويسجد بين يديه؟
أم هل تتصور أن تأتي مشاغله الدنيوية وأهواؤه الغريزية فتحجبه
عن تذكر الله ومراقبته وتنسيه نجواه لله في صلاته؟لا تتصور أن
يكون شأن هذا العبد المحب على هذا المنوال، ما دام أن هذا
السلك الذي حدثتك عنه قد امتدّ نابضاً بذكر الله عز وجل ما بين
مركز الإيمان في العقل ومركز الإسلام في الأعضاء والكيان. * *
* والآن، من ذا الذي يجهل أن هذا الإحسان الذي دعا إليه رسول
الله هو لباب الإسلام، بل هو الجامع المشترك بين الإيمان
والإسلام؟!.. وهل الإسلام بدون هذا الإحسان إلا كجسد لا روح
فيه، أو كتمثال لا حراك فيه؟ وهل يتعايش الازدواج بين شكل
الإسلام وألفاظه، والاستغراق في حمأة الشهوات والأهواء،
والخضوع للأغراض والعصبيات، في الواقع المعيشي والمرئي في حياة
كثير من الناس، إلاّ لأن صلة ما بين العقل المؤمن والكيان
المسلم أو المستسلم غائبة أو مقطّعة، لم يمتدّ بينهما سلك
الإحسان الذي لا سبيل إليه إلا عن طريق الإكثار من ذكر الله
وتذكره بالنهج الذي حدثتك عنه؟!..وإذا ثبت أن السبيل إلى ذلك
هو أن يأخذ المسلم نفسه بالإكثار من ذكر الله الذي هو سلّم
الوصول إلى محبة الله، والذي هو المدخل الذي لا بدّ منه إلى
تزكية النفس، فهل في المسلمين من يُهَوِّنُ من شأن هذا العلاج،
فضلاً عن أن ينكره ويدفع به إلى قائمة البدع والمستحدَثات.وكيف
يتأتّى للمسلم الصادق في إسلامه أن ينكره، والقرآن مليء
بالآيات الآمرة بالإكثار من ذكر الله والمحذرة من الاستسلام
للغفلات، وبالآيات الآمرة بالسعي إلى تزكية النفس وتطهيرها من
أوضارها التي سماها الله «باطن الإثم». فإذا جاء من يرشد
تلامذته ومريديه إلى اتباع هذا السبيل، ونبههم إلى أهمية السعي
إلى تزكية النفس عن طريق نقل الإيمان بالله من مجرد قناعة أو
يقين مغروس في العقل إلى عاطفة من الحب والخوف والتعظيم تهيمن
على القلب، ونظّم لهم إلى ذلك منهاجاً من الأوراد والمأثورات،
يأخذون بها أنفسهم، ليخرجوا بذلك من تيه الغفلة إلى صعيد
الذكر؛ فالمشاهدة بعين البصيرة، وليتحققوا عندئذ بالإحسان الذي
يجعلهم أثناء قرباتهم وعباداتهم كأنهم يرون الله.. أقول: إذا
جاء من يرشد تلامذته ومريديه وإخوانه إلى هذا النهج، أفيكون قد
أساء صنعاً من حيث إنه نفذ أوامر الله وتعاليم رسول الله في حق
نفسه أولاً، وفي حق إخوانه وأصحابه ثانياً؟!..ومن هم الذين
عناهم بيان الله بقوله عز وجل: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً
مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي
مِنَ الْمُسْلِمِينَ } { فصلت: 41/33 } والذين عناهم رسول
الله بقوله: « لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من
حمْر النعم» إن لم يكن هؤلاء المرشدون الناصحون في مقدمتهم؟ثم
إذا جاء من يطلق على الالتزام بهذا النهج الرامي إلى هذا الهدف
التربوي القدسي، اسم (التصوف) أو (علم السلوك) أو (فنّ
التزكية) أفتكون هذه التسمية مزهقة لشرعية المضمون، موجبة
لإبطال الحق، وإحقاق الباطل؟!.. على أن بوسعك أن تلتقط المنهج
والمضمون وتلقي الاسم والمصطلح وراء ظهرك، أو حتى إن -شئت- تحت

قدمك، وبذلك تصلح ما ترى أنه خطأ، وتقوّم ما تعتقد أنه معوج،


المهم أن لا تأخذ الجار بظلم الجار، وتعاقب المسمى البريء

بجريرة الاسم. * * *

محب الحبيب علي
28 Oct 2006, 05:45 PM
فإذا جاء من يحذر من البدع التي تسربت إلى هذا النهج..

فإن جاء من يقول: ولكن هذا النهج الإرشادي تسرب إليه مع الزمن
كثير من البدع التي لا يقرها قرآن ولا سنة، قلنا له: أنت مشكور
على غيرتك على شرع الله أن لا يتسرب إليه دخيل وأن لا يختلط به
ما ليس منه.ولكن الغيرة على الحق لا تتمثل في أن تعود فتأخذ
الجار بظلم الجار، وفي أن تزهق الحق من أجل الباطل الذي تسرب
إليه.إن استنكار المشروع من سبل تزكية النفس وبلوغ درجة
الإحسان، من أجل البدع التي تسربت إليه، هو دعوة غير مباشرة
إلى هذه البدع، وإغراء خفي بقبولها وبالتعامل معها. ولعل من
أهم أسباب انتشار هذه البدع وعكوف فئات من الناس عليها باسم
التصوف ونحوه، هذا اللون من الاستنكار الذي يهدف إلى هدم الدار
كلها، من أجل أرائك غير مريحة فيها!!..حدّد البدعة التي عثرت
عليها ضمن كلٍّ من الطاعة المشروعة، ثم ركز إنكارك عليها،
مدافعاً عن بقية الكل، داعياً إليه، منبهاً إلى أهميته، يذوي
عندئذ العشب الدخيل، والغصن الطفيلي الضار، ويزهو النبات
الأصيل صافياً عن الأوضار والشوائب.إن المسلمين اليوم في ظمأ
شديد إلى العاطفة الدينية التي حرمتهم منها قسوة المتطلبات
الدنيوية وفتنة المغريات المستشرية.. فإن أتيح لهم من يهديهم
إلى مواردها الشرعية الصافية عن شوائب البدع، فلسوف يركنون
إليها ويسعدون بها، ويصلون منها إلى ريٍّ لا غصص فيه. وإن لم
يجدوا أمامهم إلا من يصدّهم ويردّهم ويحذرهم من هذه الموارد
العاطفية التي داخلتها البدع، دون أن يرشدوهم إلى أي بديل،
فلسوف يستجيبون لنداء ضروراتهم الملحة، ويعرضون عن التحذيرات
التي لا بديل عنها إلا الظمأ القتال.ولا شك أن توجيه هؤلاء
الظمأى إلى حِكَم ابن عطاء الله وأمثالها، إنما هو توجيه إلى
مورد لعاطفة إسلامية صافية عن الشوائب، بعيدة عن عكر البدع
والمنكرات، ولسوف توصلهم إن هم أخذوا أنفسهم بنصائحها إلى صعيد
باسق من محبة الله وتعظيمه والمخافة منه والرضا عنه والثقة به
والتوكل عليه. وهل يصلح إيمان بالله بدون هذا كله؟والواقع
المرئي أمامي خير شاهد على ذلك.. عندما استخرت الله في تدريس
حكم ابن عطاء الله في لقاء عام في المسجد، ظننت أن الجمع
الكثيف والكثير الذين تعودوا على حضور دروسي سيتفرقون
ويعرضون.. زهداً منهم في هذه البحوث التي تنعت على ألسن كثيرمن
الناس بالتصوف، ولكني فوجئت بنقيض ذلك، لقد ازداد الجمع
المواظب تعلقاً وثباتاً، وأقبلت من ورائهم فئات شتى من سائر
المشارب والاتجاهات والطبقات، وفيهم من لم يكن ملتزماً بسلوك
إسلامي قط.. ساقهم جميعاً الظمأ العاطفي الذي أشعرتهم به
الفطرة الإيمانية التي لم يحرم الله منها أحداً من عباده. وكان
من حسن الحظ أن المورد الذي اجتمعوا عليه مورد شرعي سلفي سليم
خال من الشوائب، وحسبك أنه المورد الذي تمثل في حكم ابن عطاء
الله.فليتق الله أولئك الذين ينتقمون من البناء كله من أجل خطأ
في تصميم إحدى نوافذه، أو يحرّمون الطعام الطاهر الطيب من أجل
استنكارهم لاسمه!!..وأعود في نهاية هذه المقدمة، لأذكّر بالعهد
الذي قطعته على نفسي، أن لا أتعامل فيما قد فتح الله عليّ من
شرح (الحكم) إلا مع المضامين والمسميات، وأن لا أعرِّج على
اسم التصوف في قليل أو كثير.والله المسؤول أن يهبنا من جذوة
الإخلاص لوجهه، ومن صدق التوجه إلى معالجة أمراضنا النفسية
الوبيلة المهلكة، ما يبصّرنا بضرورة سلوك النهج الذي ذكرته في
هذه المقدمة، والذي ستتجلى تفاصيله في الصفحات التالية، بفضل
الله وتوفيقه. * * *

محب الحبيب علي
28 Oct 2006, 05:49 PM
الحكمة الأولى





من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

ـ الاعتماد على العمل، أهو في الشرع محمود أم مذموم

الاعتماد على العمل أهو في الشريعة أمر محمود أم مذموم؟يقول
لنا ابن عطاء الله: إياك أن تعتمد في رضا الله عنك وفي الجزاء
الذي وعدك به على عمل قد فعلته ووفقت له، كالصلاة، كالصوم،
كالصدقات، كالمبرات المختلفة، بل اعتمد في ذلك على لطف الله
وفضله وكرمه.هل هنالك من دليل على هذا؟ نعم، إنه حديث رسول
الله الذي رواه البخاري وغيره: «لن يُدْخِلَ أحَدَكُم الجنةَ
عملُه» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن
يتغمدني الله برحمته».إذن فالعمل ليس ثمناً لدخول الجنة، وإذا
كان الأمر كذلك فالمطلوب إذا وفقت لأداء الطاعات أن تطمع برضا
الله وثوابه، أملاً منك بفضله وعفوه وكرمه، لا أجراً على ذات
العمل الذي وفقت إليه.وهنا يقول: ومن أبرز الدلائل على اعتمادك
على العمل لا على فضل الله، نقصان رجائك بعفوه تعالى عند تلبسك
بالزلل أي عندما تتورط في المعاصي والموبقات.إن هذا يعني أنك
عندما كنت ترجو كرم الله وعطاءه إنما كنت تعتمد في ذلك على
عملك فلما قلَّ العمل وكثرت الذنوب غابالرجاء!.. فهذا هو
المقياس الدال على أنك إنما تعتمد في رجائك على عملك لا على
فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه.. هذا هو باختصار معنى حكمة ابن
عطاء الله رحمه الله.ثم إن هذه الحكمة لها بُعْدٌ هام في
العقيدة، وبعد هام يتجلى في السنة.. في كلام سيدنا رسول الله
، ولها بعد ذلك بُعد أخلاقي تربوي، وسنأتي على بيان ذلك كله إن
شاء الله. * * *

ـ حكم ابن عطاء الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

ولنعلم بهذه المناسبة أن حكم ابن عطاء الله مقسمة إلى ثلاثة
أقسام: القسم الأول منها يدور على محور التوحيد. القسم
الثاني يدور على محور الأخلاق. القسم الثالث يتعلق بالسلوك
وتطهير النفس من الأدران.ولنبدأ ببيان البعد الاعتقادي وتحليله
في هذه الحكمة الأولى:يقول صاحب جوهرة التوحيد: فإن يُثِبْنا
فَبِمَحْضِ الفَضْلِ وإن يعذِّبْ فبمحضِ العَدْلِهذه هي
العقيدة التي ينبغي أن يصطبغ بها كل إنسان مسلم.. وعلى هذا درج
السلف الصالح رضوان الله عليهم.قد يقول قائل: بل الظاهر أن
الثواب الذي نستحقه إنما هو على العمل الصالح الذي
عملناه.ولكننا لو تأملنا، وأمعنا النظر، في علاقة ما بين العبد
وربه، لأدركنا أن الأمر ليس كذلك.

محب الحبيب علي
29 Oct 2006, 10:16 AM
من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

ـ مامعنى قولك: إن الله إنما يثيبني بعملي؟

ما معنى قولك: إن الله إنما يثيبني بعملي.. وإنما يدخلني الجنة
بعملي..؟ معنى هذا الكلام أن الله عز وجل رصد قيمة للجنة، لا
تتمثل في دراهم أو في سيولة مالية، وإنما تتمثل في العبادات
والطاعات والابتعاد عن المحرمات. فإن فعلت الطاعات واجتنبت
النواهي، فقد بذلت الثمن، ومن ثم فقد أصبحت مستحقاً للبضاعة
التي اشتريتها!.. عندما تقول: إنما أثاب بالعمل الذي قدمتُه،
فهذا هو معنى كلامك.. فهل الأمر هكذا في حقيقته؟.. أي هل إنك
عندما تؤدي الأوامر التي طلبها الله عز وجل منك تصبح مستحقاً
للجنة ومالكاً لها بعرق جبينك، تماماً كما يستحق الذي اشترى
بضع دونمات من أرض، بقيمة محددة دفعها لصاحبها الذي عرضها
للبيع؟!.. لو تأملت لرأيت أن الأمر يختلف اختلافاً كبيراً..
أنا عندما أدفع قيمة هذا البستان نقداً كما طلب البائع فأنا
أمتلك بذلك هذا البستان بدون أي مِنَّةٍ له عليّ، وبطريقة
آليّة يقضي بها القانون. ومن حقي أن أقول له: اخرج من أرضي فقد
دفعت لك قيمتها كاملة غير منقوصة.ذلك هو شأن علاقة العبد مع
العبد.. أما عندما يأمرك الله سبحانه وتعالى بالطاعات التي
ألزمك بها، وينهاك عن المحرمات التي حذرك منها، ويوفقك الله
فتؤدي الواجبات وتبتعد عن المحرمات، فإن الأمر مختلف هنا بشكل
كلي.. من الذي أقدرك على الصلاة التي أديتها؟ من الذي أقدرك
على الصوم الذي أديته؟.. من الذي شرح صدركللإيمان؟ أليس هو
الله عز وجل؟ وصدق الله القائل: { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ
أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ
اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ } {
الحجرات: 49/17 } إذن هنالك فرق كبير بين الصورتين. من الذي
حبّب إليك الإيمان وكرّه إليك الكفر والفسوق والعصيان؟ من؟ هو
الله سبحانه وتعالى.. من الذي شرح صدرك وأقدرك على أن تأتي إلى
بيت من بيوت الله فتحضر صلاة الجماعة ثم تجلس فتستمع إلى ما
يقربك إلى الله سبحانه وتعالى؟ من؟ هو الله سبحانه وتعالى..
إذن فما يخيل إليك، من أن الطاعة ثمن دفعته من ملكك مقابل
امتلاكك لجنة الله تعالى قياساً على الذي دفع أقساط الثمن من
ماله الحر لكي يمتلك البستان، قياس مع الفارق الكبير.إذن فلا
يجوز أن تتصور أنك تستحق (تأملوا التعبير الدقيق الذي أستعمله:
لا يجوز لك أن تتصور أنك تستحق) جنة الله سبحانه وتعالىوثوابه،
لأنك قد قدمت له ما قد طلب، ولأنك قد فعلت ما قد أوجب، وابتعدت
عما حرم، لا يجوز لك أن تعتقد هذا. ولو اعتقدت ذلك لكان نوعاً
من أخطر أنواع الشرك.ذلك لأن هذا الاعتقاد يعني أنك تؤمن بأن
صلاتك بقدرة ذاتية منك، وأنك تفضلت بها على الله، وأن طاعتك
التي أمرك الله عز وجل بها بحركة من كيانك، وكيانك ملك ذاتك،
وقدرتك ملك ذاتك، فعملك أنت المالك له، وقدراتك أنت مبدعها
وموجدها، والباري لا علاقة له بها. إذن فكأنك فيما تتخيل قدمت
له هذهالطاعات على طبق، وقلت: ها هي ذي أوامرك قد أنجزتها كما
تريد، بقدرة وطاقة ذاتية مني فأعطني الجنة التي وعدتني
بها.وهكذا تصبح العملية عملية بيع وشراء.. أعطيتك القيمة ومن
حقي إذن أن أطالبك بالثمن!.. هل هذا هو منطق ما بين العبد
وربه؟ أين أنت إذن من واقع عبوديتك لله؟. أين أنت من الكلمة
القدسية التي كان يعلمها رسول الله أصحابه: «لا حول ولا قوة
إلا بالله»؟. أين أنت من اليقين الإيماني الذي لا ريب فيه بأن
الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد؟.. من الذي يخلق
أفعالنا نحن العباد؟ أظن أن العهد لم يطل بنا، في بيان الحق
الذي هو عقيدة السلف الصالح، وهم أهل السنة والجماعة الذين
يمثلهم الأشاعرة والماتريديون.. إذن فأنا عندما أحمد الله
سبحانه وتعالى بلساني؛ ينبغي أن أشكر الله على أن حرك لساني
بهذا الحمد.. وإذا قمت من جوف الليل لأصلي، ينبغي أن أثني على
الله أنه وفقني للقيام بين يديه.. لولا حبه لي، لولا عنايته
بي، لولا لطفه بي، لغرقت في الرقاد، ولما أكرمني بهذا الوقوف
بين يديه. ولقد حدثتكم مرة بقصة فتاة صالحة كان تخدم في أسرة،
وذات ليلة قام رب الأسرة من جوف الليل فرأى الفتاة تصلي في
زاوية من البيت، وسمعها تقول وهي ساجدة: اللهم إني أسألك بحبك
لي أن تسعدني.. أن تعافيني أن تكرمني.. إلى آخر ما كانت تدعو
به. استعظم الرجل صاحب البيت كلامها هذا، وانتظرها حتى إذا
سلَّمت من صلاتها، أقبل فقال لها: ما هذا الدلال على الله؟!..
قولي: اللهم إني أسألك بحبي لك أن تسعدني وأن تكرمني وأن...
قالت له:ياسيدي لولا حبه لي لما أيقظني في هذه الساعة، ولولا
حبه لي لما أوقفني بين يديه، ولولا حبه لي لما أنطقني بهذه
النجوىلاحظوا أيها الإخوة: هذا هو التوحيد الذي ينبغي أن يصطبغ
به كل منا، كيف تمتن على الله بصلاتك وهو الذي وفقك
إليها؟!فهذا هو المبدأ الذي عناه صاحب جوهرة التوحيد وكل علماء
العقيدة عندما قالوا: «فإن يثبنا فبمحض الفضل» ثم قالوا:
«وإن يعذب فبمحض العدل».

محب الحبيب علي
29 Oct 2006, 10:17 AM
من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

ـ معنى قول الله عز وجل: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}

قد يخطر هنا في البال السؤال التالي: إذا كان الأمر كذلك، فما
معنى قول الله عز وجل: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 } ، ولقد كرر الله تعالى هذا
الكلام كثيراً في بيانه القديم؟ وأقول لكم في الجواب ما يزيدكم
حباً لله، ويزيدكم انغماساً في مشاعر العبودية له:إن هذا
الكلام قرار من طرف واحد هو الله عز وجل، لا من طرفين
متعاقدين.. يوفقك الله للعمل، ويلهمك السداد، وتجأر على بابه
بالدعاء: تقول: اللهم لا حول ولا قوة لي إلا بك، ناصيتي بيدك،
تصرفها كما تشاء، فخذ بها إلى طريق السعادة والرشاد. فيستجيب
الله دعاءك، ويشرح صدرك للخير، ويوفقك للعمل الصالح، ثم يقول
لك يوم القيامة: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 } ، فهل هذا الكلام منه عز وجل
يعني تنفيذاً لعقد رضائي جرى بينك وبينه، كالعقد الذي يكون بين
البائع والمشتري؟!..لا، معاذ الله. إنه عز وجل عندما جعل عملك
سبباً لدخول الجنة إنما فعل ذلك تفضُّلاً منه وإحساناً.ولو أنك
أبيت إلا أن تتصور أن المسألة بين الله وعباده معاوضة حق بحقٍ،
وحملت هذه الدعوى معك إلى يوم القيامة، قائلاً لله تعالى: إنني
أستحق الجنة والخلود فيها بأعمالي المطلوبة التي أنجزتها، وشاء
الله عز وجل - بناء على دعواك هذه - أن يجرّك إلى الحساب
الدقيق، لن يبقى لك عندئذ أي حق مما تدعيه. ولسوف يضمحلّ ذلك
كله تحت سلطان عبوديتك لله وافتقارك إلى عونه وتوفيقه.ولعل
أقرب مثال إلى ما أقول ما ينهجه الوالد مع ابنه عندما يشجعه
على الكرم وعمل الخير، يقول لابنه: إن أعطيت ذلك الفقير مبلغاً
من المال فلسوف أكرمك بهدية، ويأتي الأب بالمال فيضعه خفية في
جيب الطفل، ويستجيب الولد لطلب أبيه متأملاً ما وعده به من
الإكرام، فيعطي الفقير مبلغاً من المال الذي دسه والده في
جيبه. فيستبشر والده بذلك، ويعبر عن إعجابه بالكرم الذي اتصف
ابنه به، قائلاً: لقد قمت بعمل إنساني عظيم، ولا شك أنك تستحق
بذلك أجراً كبيراً ومثوبة عظمى.من الواضح أن هذا عمل تربوي لبق
يأخذ به الوالد ابنه. ولا ريب أن الولد سيعلم فيما بعد، أن
المال الذي كان في جيبه إنما هو مال أبيه، وأن الإكرام الذي
تلقاه منه باسم المكافأة والمجازاة على عمله الطيب، إنما هو
لون من التحبب إليه ابتغاء دفعه إلى مزيد من هذا العمل
الإنساني الجميل. فقول الله عز وجل: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 } ليس إلا من هذا
القبيل. ورد في أكثر من خبر أن أحد عباد الله تعالى يقول يوم
القيامة: يا رب حاسبني بعدلك وبما أستحق، فأنا عشت حياتي
الدنيا كلها لم أعصك يوماً قط. فيذكّره الله بنعمة عينيه
الباصرتين اللتين متعه الله بهما، هل أدّيت شكر هذه العين؟
ويوضع فضل الله عليه في ذلك في كفة، وتوضع كافة طاعاته وقرباته
في الكفة الأخرى، فترجح كفة الفضل الإلهي على كفة الطاعات
والقربات التي أقدره الله عليها.لو أنك نظرت إلى نعم الله التي
عشت حياتك الدنيوية تتقلب فيها لرأيت أن لحظة واحدة من لحظات
تمتعك بهذه النعم أكثر وأطم من كل طاعاتك التي قمت بها.. أنت
عبد لله سبحانه وتعالى، بقدرته تطيعه، برحمته تسير إليه،
برحمته بك تتقرب إليه، إنني لأقول كما كان يقول والدي رحمه
الله تعالى في بعض أدعيته: يا رب إني أشكرك ولكنك أنت الذي
تلهمني شكري لك، فشكري لك يحتاج إلى أن أشكرك على أن وفقتني
لهذا الشكر، وعندئذ يتسلسل الأمر، فأنت الخالق لكل شيء وأنت
اللطيف بي في كل الأحوال.إذن فقول الله تعالى: { ادْخُلُوا
الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 }
قرار من طرف واحد. أما نحن فينبغي أن نعلم أننا ندخل الجنة
بمحض التفضل منه عز وجل.. تؤدي ما قد كلفك به بشعور الحق
المترتب عليك، حتى إذا فعلت ما قد أمرك الله عز وجل به وأنجزته
على النحو المطلوب، ينبغي أن تعلم أنك تسعى إلى كرم الله عز
وجل مجرداً من أي استحقاق لذلك، ليس معك إلا الطمع برحمته
وصفحه. رأى بعض الصالحين في منامه رجلاً من الربانيين بعد
وفاته، فقال له -وقد علم أنه متوفى -: ما فعل الله بك؟ قال:
أوقفني بين يديه وقال: بِمَ جئتني؟ فقلت: يا رب أنا عبد،
والعبد لا يملك شيئاً يأتي به إلى سيده، جئتك بالطمع بعفوك
والأمل في كرمك.أرأيت إلى منطــق العبــودية؟.. هكذا يكون
القدوم غداً على الله عز وجل. من لم يدرك ذلك اليوم، فلسوف
يدركه غداً.

محب الحبيب علي
29 Oct 2006, 10:18 AM
من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

ـ معنى قول رسول الله: ((لن يُدِخِلَ أحدَكم الجنة عمله))

وهذا ما قد قرره رسول الله في الحديث الذي رواه البخاري من
حديث أبي هريرة ومن حديث السيدة عائشة وحديث أبي سعيد الخدري
أن رسول الله قال: «لن يُدْخِلَ أحدَكم الجنةَ عملُه، قالوا:
ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله
برحمته». ولنلاحظ هنا دقة كلام رسول الله في التعبير عن المعنى
الذي بسطناه وأوضحناه. فهو لم يقل (لن يَدْخُلَ أحدُكم
الجنةَ بعمله) لو قال ذلك، إذن لجاء كلامه مناقضاً للقرآن الذي
يقرر أن الله يدخل الصالحين من عباده في الجنة بأعمالهم، وذلك
في مثل قوله عز وجل: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 } ، وإنما قال: «لن يُدْخِلَ
أحَدَكم الجنةَ عملُه» أي إن اعتمادك على العمل مستقلاً عن عفو
الله وصفحه، وعن مسامحته وكرمه، سيخيب آمالك ولن يحقق لك شيئاً
من أحلامك. ذلك لأن الله هو الذي جعل عملك البخس، طريقاً إلى
مغفرته وجنته. والباء في قوله تعالى: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 } إنما ساقتها
فربطتها بالعمل، رحمة الله، كرم الله، سعة عفو الله، لا
استحقاقك أنت أيها العبد أياً كنت وأياً كان شأنك
ومستواك.وانظر إلى مثال تَصَدُّقِ أحدنا بشيء من المال على
فقير، وتأمل كيف يتجلى سائق الرحمة الإلهية والمغفرة الربانية
للباء التي دخلت دخول السببية على العمل: من المعلوم أن المال
مال الله، وليس له من مالك حقيقي إلاّ هو. ألم يقل {
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } { النحل:
16/32 } ثم إنه يخاطبنا قائلاً: { .. بما كنتم تعملون } {
النحل: 16/32 } يعطيك من ماله، ثم يفترض أنك أنت المالك
الحقيقي له، ويقيم ذاته العلية مقام المقترض منك، قائلاً:
أتقرضني شيئاً من مالك هذا، إذن أعدك أنني سأعيده إليك أضعافاً
مضاعفة!..فهل تصدق يا هذا أنك أنت المالك حقاً، وأن الله ليس
إلا محتاجاً إليك ومقترضاً منك؟!.. أفيمكن أن يبلغ منك السكر
بهذا الأسلوب الرباني المتفضل الودود، أن تذهل عن الحقيقة وأن
تصدق أنك أنت المالك وأن الله هو المقترض، ثم أن تزعم بأن لك
أن تطالب الله بما أقرضته إياه، مضافاً إليه الفوائد التي
تعاقدت معه عليها؟!..إن كنت تتصور هذا، وتنسى أن باء السببية
هنا إنما ساقها اللطف الإلهي، فأنت مجنون بكل جدارة!....إذن
فقد أدركنا وتذوقنا معنى كلام سيدنا رسول الله : «لن يُدخِلَ
أحدَكم الجنةَ عملُه..» إلى آخر الحديث.ولكن فلنتساءل: هل من
تعارض بين أن يعدك الله دخول الجنة برحمته وبين أن يأمرك في
الوقت ذاته بعبادته؟لا تعارض، لأن العبادة حق لله عليك بوصف
كونك عبداً له، والجنة منحة وعطية من الله لك، بوصف كونه
رحيماً بك وغفوراً لك. وقد قضى بسابق حكمه أن يكون أولى الناس
برحمته أكثرهم أداء لحقوقه. وقد أعلن عن ذلك بقوله: {
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُم } { النور: 24/33
} ولا يقولنَّ قائل: ما حاجتي إلى رحمة الله وصفحه إن كنت
مؤمناً متقياً؟ لأن الإيمان والتقوى ليس شيء منهما قيمة لعطاء
تناله، وإنما هو حق مترتب لله عليك. فإذا أديت الحق الذي له في
عنقك، فليس لك عنده بمقابل ذلك شيء، وكل ما ينالك منه تفضل
ورحمة وصفح.والآن، نعود إلى كلام ابن عطاء الله، لنقف على نقطة
هامة يحذرنا منها: ((من علامة الاعتماد على العمل نقصان
الرجاء عند وجود الزلل)).أي إن من أخطر نتائج اعتمادك في مثوبة
الله على العمل، نقصان رجائك بعفوه عندما تتورط في الزلل
والآثام؛ فبين الأمرين تلازم مطرد. والسبيل الوحيد إلى أن لا
يقل رجاؤك برحمة الله وصفحه عند التقصير، هو أن لا تعتمد على
عملك عندما يحالفك التوفيق. وعندئذ تكون في كلا الحالين
متطلعاً إلى جود الله وكرمه، بقدر ما تكون خائفاً من غضبه
ومقته.إذن فالخوف من غضب الله وعقابه يجب أن يكون موجوداً مع
الرجاء الدائم برحمته وفضله، لأن الإنسان أياً كان، لن ينفك عن
التقصير في أداء حقوق الربوبية عليه، في سائر التقلبات
والأحوال.ومن ثم فإن الذي يرى أنه من الضعف والتقصير بحيث لا
يستطيع أن يؤدي شيئاً من حقوق الله عليه، يتجاذبه شعوران
متساويان في كل الأحوال: أحدهما شعوره بالأمل بفضل الله وعفوه،
ثانيهما شعوره بالخجل والخوف من تقصيره في جنب الله عز وجل، لا
يعلو ويشتدّ الشعور الأول إن رأى نفسه موفقاً للطاعات، ولا
يهتاج به الشعور الثاني إن رأى نفسه مقصراً في أدائها متهاوناً
في حقوق الله عز وجل، لأنه في كل الأحوال لا يقيم لطاعاته
وزناً، ولا يعتمد عليها في الأمل برحمة الله وعفوه. فهو إذن في
كل الأحوال بين الخوف والرجاء.

محب الحبيب علي
31 Oct 2006, 05:01 PM
من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

ـ قد يوسوس الشيطان بأن الطاعات ليس لها إذن أي دور في
تفضل الله على العبد، فلا فرق إذن بين الطائع والعاصي

ولعلّ الشيطان يوسوس إليك بأن الطاعات والقربات ليس لها إذن أي
دور في تفضل الله على العبد، وإذن فلا فرق بين إقبال العبد
إليها وإعراضه عنها!..ولكن فلتعلم أن هذا الوسواس الشيطاني ليس
نتيجة لهذا الذي نشرحه من كلام ابن عطاء الله، ولا لكلام علماء
التوحيد في هذا الصدد.. لقد قال الله تعالى: { مَنْ ذا
الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ
أَضْعافاً كَثِيرَةً } { البقرة: 2/245 } أفقال بعد ذلك:
سأكتبها للناس جميعاً، أم قال: { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ
شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُون } { الأعراف:
7/156 } ..هما أمران لا ينفك واقع عبودية الإنسان لله عنهما:
أحدهما أن عليه أن يسلك مسالك الهدى والالتزام بأوامر الله
والابتعاد عن نواهيه، ثانيهما أن يعلم أنه برحمة الله وعفوه،
لا بجهوده وأعماله ينال المثوبة والأجر.وهذا هو المعنى الجامع
الذي يتضمنه قول الله تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء.. } {
الأعراف: 7/156 } أي الإيمان والعمل الصالح واجبان، والمثوبة
تأتي عن طريق المغفرة والصفح لا عن طريق الأجر والاستحقاق.إنني
بحكم عبوديتي لله أنفذ أوامره، تلك ضريبة العبودية لله في
عنقي. ثم أبسط كفّيَ إلى السماء قائلاً: يا رب، أنا عبدك وابن
عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك
أسألك رحمتك، لا تعاملني بما أنا له أهل، بل عاملني بما أنت له
أهل، إنك أنت القائل: { فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُون
} { الأعراف: 7/156 } وشاكلتك الرحمة فارحمني، شاكلتك المغفرة
فاغفر لي.أقول مثل هذا الكلام دون أن أطالبه بأجر على عمل أرى
أني قد بذلته. بل أسترحمه بمقتضى ضعفي وشدة احتياجي، وأستجديه
العطاء كما يفعل الشحاذ إذ يستجدي احتياجاته من مال أو طعام
ممن يأمل منهم الجود والإحسان. هكذا تكون العبودية لله سبحانه
وتعالى.لعلك تقول: ولكن الله يحذر العاصين والمذنبين من مقته
وعقابه، فكيف لا ينقص رجائي بعفوه وإحسانه إن أنا ارتكبت
موجبات هذا النقصان؟.. كيف وقد شرط الله لنيل رحمته الإيمان
والتقوى، عندما قال: { . . فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ
يَتَّقُون } { الأعراف: 7/156 } والجواب أن العاصي الذي
يُطْلَبُ منه أن يظل راجياً كرم الله وصفحه، لا يمكن أن يُقبل
على الله بالرجاء إلا إن دخل رحابه من باب التوبة.أرأيت إلى
العاصي الذي جاء يطرق باب الله متأملاً صفحه ومغفرته، أيعقل أن
يفعل ذلك وهو مصرّ على معصيته مستريح إلى شروده وآثامه؟!..
لا.. من الواضح في مقاييس الأخلاق والمشاعر الإنسانية، فضلاً
عن مشاعر العبودية لله، أن هذا العاصي بمقدار ما يزدهر في نفسه
الأمل بصفح الله ومغفرته، تزداد لديه حوافز التوبة ومشاعر
الندم وعزيمة الإقلاع عما كان عاكفاً عليه.. فإذا تاب هذه
التوبة الصادقة، فلا بدّ أن يتنامى الرجاء لديه بصفح الله ولا
ينقص. إذ المفروض أنه يقرأ كتاب الله تعالى ويقف فيه على مثل
قوله: { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ
التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ
اللَّهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ } { التوبة: 9/104 }
والمفروض أنه وقف على مثل هذا الحديث القدسي المتفق عليه،
والذي يرويه رسول الله عن ربه: «أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم
اغفر لي ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم
أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي
رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أنه
له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب
اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له
رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي فليفعل ما
شاء».إذن فالتوبة لا بدّ منها، وهي السبيل إلى بقاء الرجاء
مزدهراً في نفس العاصي. أما المستمر في عكوفه على الآثام والذي
لا تخطر منه التوبة على بال، فالرجاء بصفح الله أيضاً لا يمكن
أن يخطر منه على بال.ثم إنه يتبيّن لك مما ذكرته وأوضحته أن
التلبس بعكس ما ذكره ابن عطاء الله، هو الآخر دليل على
الاعتماد على العمل. أي فمن ازداد رجاؤه بفضل الله ومثوبته
كلما ازداد إقبالاً على الله بالعمل الصالح، فذلك دليل منه على
أنه إنما يعتمد على أعماله الصالحة، لا على صفح الله
ومغفرته.وتتجلى خطورة هذا الربط بين تنامي الرجاء، وتنامي
العمل الصالح، إذا تصورنا إنساناً يزداد عمله مع الزمن صلاحاً
وتزداد طاعاته كثرة، وكلما ازداد ذلك منه ازداد ثقة بمثوبة
الله ووعده، ذلك لأن النتيجة التي سينتهي إليها هذا الإنسان،
بموجب هذا الربط، أنه في مرحلة معينة سيجزم بأنه قد أصبح من
أهل الجنة ومن المكرمين بالنعيم الذي وعد الله به. إذ هو
بمقتضى ذلك الربط بين العمل والأجر، لا بدّ أن يعتقد - إذا بلغ
تلك المرحلة في أعماله الصالحة - أن عمله كله مبرور وأن حياته
مليئة بالطاعات، إذن فهو من أهل الجنة قطعاً!. وهذا هو التألي
على الله، وكم وكم حذر منه رسول الله .وإنما سبيل الابتعاد عن
هذا المنزلق، العلم بأن حقوق الله على العباد لا تؤدَّى
بطاعاته مهما كثرت وعظمت، بل إن هذه الحقوق ستظل باقية. ولو
أديت حقوقه عز وجل بالطاعات، لكان أولى الناس بذلك الرسل
والأنبياء، ومع ذلك فما وجدنا واحداً منهم عقد رجاءه بمثوبة
الله بطاعاته وقرباته، بل كانوا جميعاً يتطلعون إلى مغفرة الله
وصفحه.كان سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام - وهو خليل
الرحمن - يرى أنه أقل من أن يكون في مستوى الصالحين من عباد
الله، فكانيسأل الله أن يلحقه بهم قائلاً: { وَإِنِّي
لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ
اهْتَدَى } { طه: 20/82 } وكان يتطلع إلى مغفرة الله وصفحه
قائلاً: { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شاكِلَتِهِ } { الإسراء:
17/84 } وكان يوسف عليه الصلاة والسلام يرى هو الآخر أنه أقل
من أن يرقى إلى درجة الصالحين، فكان يسأل الله أن يلحقه بهم
وإن لم يكن منهم، أليس هو القائل فيما أخبر الله عز وجل عنه:
{ . . فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُون } { الأعراف: 7/156
} أما سيد الرسل والأنبياء فهو الذي يقول كما قد علمت: «لن
يُدخِلَ أحَدَكم الجنة عمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته». * * * إذن،
فالإنسان، أياً كان، عندما يوفق للعمل الصالح، إنما يؤدي بذلك
جزءاً يسيراً جداً من ضريبة عبوديته لله عز وجل ومن حقوق النعم
التي أغدقها الله عليه في الدنيا، وهي نِعم كثيرة ومتنوعة لا
تحصى.فإذا كان هذا الإنسان على الرغم من طاعاته التي وفق لها،
لا يزال مثقلاً تحت حقوق الربوبية لله عليه، ومثقلاً تحت حقوق
النعم التيامتنّ الله بها عليه، فأنى له وبأي حجّة يطالب الله
أن يكرمه مقابل ذلك بجنان خلده، وبأن يضيف إلى نعمه الدنيوية
التي لم يؤد بعد حقوقها النعم الأخروية التي وصفها وتحدث عنها
في محكم كتابه؟!.. * * *

محب الحبيب علي
31 Oct 2006, 05:02 PM
من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

ـ يجب على المسلم أن يعبد الله لأنه عبده ولأن الله ربه،
أي سواء أثابه الله على طاعاته أم لا

وصفوة القول أن الإنسان - بعد أن عرف الله وأدرك أنه عبد مملوك
له - يجب عليه أن يعبد الله لأنه عبده ولأن الله ربه، أي سواء
أثابه الله على عبادته أم لم يثبه. ثم إن عليه أن يسأله جنته
تفضلاً منه وإحساناً، وأن يستعيذ به من ناره وعذابه، تلطفاً
واسترحاماً. وتلك هي سيرة رسول الله في دعائه.فلو أن أحدنا
قرر في نفسه أنه إنما يعبد الله طمعاً بجنته بحيث لو علم أنه
لن ينال على عبادته له هذا الأجر، فسيقلع عن العبادة ولن يبالي
بشرعته وأحكامه، فهو غير مسلم ولا مؤمن في ميزان الله وحكمه.
إذ إنه يعلن بذلك أنه ليس عبداً لله وإنما هو عبد للجنة التي
يبحث عن سبيل ما إليها.وهنا ندرك سموّ مشاعر التوحيد في مناجاة
رابعة العدوية لربها إذ كانت تقول له: «اللهم إني ما عبدتك
حين عبدتك طمعاً في جنتك ولا خوفاً من نارك، ولكني علمت أنك
ربٌّ تستحق العبادة فعبدتك».بعض السطحيين ظنّ أن رابعة كانت
تعبر بهذا عن استغنائها عن الجنة التي وعد الله بها عباده
الصالحين، ومن ثم أطالوا العتب والتشنيع عليها. وهذا تسرع في
الفهم وظلم في الحكم!.. فرابعة كانت تسألالله الجنة وتستعيذ به
من النار، وكم كانت في الكثير من مناجاتها تتخوف من عقابه الذي
ترى نفسها معرّضة له، وكم كانت تتشوق إلى إكرامه وجنة قربه،
ولكنها لم تكن تطلب ذلك أجراً على عبادتها، وقيمة لصلاتها
ونسكها. وإنما كانت تسأله ذلك لأنه الغني الكريم ولأنها
الفقيرة الراغبة بجوده.أما طاعاتها وعباداتها، فقد كانت تتقرب
بها إلى الله لأنه ربها ولأنها أمته. إنها مدينة بحق العبودية
له، ومن ثم فإن عبوديتها تلح عليها أن تعبده وأن تخضع لسلطان
ربوبيته، لا لشيء إلاّ لأنها أمته ولأنه ربها. وسواء أأكرمها
بنعيم جنانه أو زجها في أليم عذابه، فلن تنقض معه ميثاق هذا
الالتزام. وكيف تنقضه وهي في كل الأحوال صنع يده وملك
ذاته؟..هذا هو موقف رابعة رضي الله عنها.. فهل في المسلمين من
يقول: إنه موقف غير سديد؟!.. إذن فالموقف السديد نقيضه، وهو أن
نقول: اللهم إني لم أعبدك لأنك رب تستحق العبادة، ولكن لأني
طامع في جنتك!.. فهل في الناس المؤمنين بالله، حتى ولو كانوا
فسقة، من يخاطب الله بهذه المحاكمة الوقحة؟إننا على الرغم من
تقصيرنا وبُعد ما بيننا وبين رتبة أمثال رابعة العدوية، لا
يسعنا إلا أن نخاطب إلهنا وخالقنا بالمنطق ذاته الذي كانت
تخاطب به ربها، إننا نقول:اللهم أنت ربنا ونحن عبادك، نعبدك
وننقاد لأوامرك جهد استطاعتنا لا لشيء إلاّ لأنك ربنا ونحن
عبيدك.. ونحن نعلم أننا مهما استقمناعلى صراطك فلسوف يظل
التقصير شأننا الملازم لنا، لا بسبب استكبار على أمرك ولكن
لأنك قضيت علينا بالضعف.لسوف نرحل إليك من دنيانا هذه بخروق
كثيرة من الزلل والإساءة والانحراف، آملين أن نوفق لترقيعها
بالتوبة الصادقة النصوح.. سنرحل إليك فقراء عرايا إلا من ذل
عبوديتنا لك وافتقارنا إليك.ولسوف يكون جواب كل منا إن سألت،
بِمَ جئتني من دنياك التي أقمتك فيها؟: جئتك بالأمل في رحمتك..
بالأمل في كرمك، جئتك فقيراً إلا من عبوديتي لك، ذلك هو رأس
مالي الذي أقف به بين يديك ولن يجرِّئني عندئذ على استجداء
جنتك وكريم عطائك إلا ما أعلمه من تفضلك وكرمك وما أعتزّ به من
انتسابي بذل العبودية إليك.وبعد فهذا هو لُبَابُ التوحيد الذي
يجب أن يهيمن على مشاعر كل مسلم بعد أن يستقر يقيناً في عقله.
وتلك هي الحقيقة التي عناها ابن عطاء الله بقوله: «من علامة
الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل». * * *

محب الحبيب علي
02 Nov 2006, 08:34 AM
الحكمة الثانية

إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة
الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية


ـ معنى كلمتي: الإقامة في التجريد ـ والإقامة في الأسباب

هذه الحكمة تدور على قطبين اثنين: أحدهما ما يسمونه التجريد،
والآخر ما يسمونه الأسباب.. فما معنى هاتين الكلمتين؟يتعرض
الإنسان لحالتين اثنتين: الأولى أن يجد نفسه متقلباً تحت
سلطان من عالم الأسباب، فأينما تحرك وجد نفسه أمام أسباب لا
مناص له من التعامل معها. فهذه التي تسمى حالة
الأسباب. والثانية أن يجد نفسه معزولاً عن سلطان الأسباب، ليس
له سبيل إليها، إذ تكون بعيدة عن متناوله وعن المناخ الذي
أقامه الله فيه. وتسمى حالة التجرد أو التجريد.فالمطلوب من
المؤمن بالله الساعي إلى تنفيذ أوامره أن ينظر إلى الحالة التي
أقامه الله فيها فيتعامل معه طبق تلك الحالة. أي ما ينبغي أن
يسرع فيستجيب لمزاجه في التعامل مع نظام الأسباب آناً،
والإعراض عنها آناً آخر، دون أن يتبين الحال أو المناخ الذي
أقامه الله فيه. إنه -والحالة هذه- إنما يتعامل مع هواه ومزاجه
وإن كانت الصورة التي يظهرها من نفسه أنه يستجيب لأوامر الله
وأحكامه.تلك هي خلاصة معنى هذه الحكمة. ولكن فلنفصل القول فيها
في ضوء صور من الوقائع التي يتعرض لها كل منا. ولنبدأ بتحليل
الشطر الأول منها «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في
الأسباب من الشهوة الخفية».

ـ خلاصة سريعة لمعنى هذه الحكمة، ثم البدء بتحليل الشطر
الأولى منها: من أقامهم الله في عالم الأسباب.

نقول له: عليك قبل كل شيء أن تنظر في الحال أو المناخ الذي
أقامك الله.. لقد أقامك تحت سلطان من عالم الأسباب، وذلك عندما
جعل منك زوجاً لزوجة، وعندما جعل منك أباً لأولاد، وعندما أناط
بعنقك مسؤولية إعالتهم جميعاً. فإذا أعرضتَ عن هذه الحال التي
أقامك الله فيها، لتتخذ هذا الموقف، فاعلم أنك في الظاهر
تمارسالتوحيد، وفي الباطن ترعى هوى نفسك إذ تمتعها بشهوة من
شهواتها الخفية غير المعلنة، متطلعاً إلى أن تتباهى بين الناس
بأنك منصرف عن الدنيا إلى الله وأنك لا تتعامل مع الأسباب بل
مع المسبب.. وهذا غلط كبير وخطير في ميزان الدين وشرعه. والنهج
الصحيح في أوامر الله وحكمه أن تعلم أن الله عز وجل عندما جعل
منك رباً لأسرة فقد حمّلك مسؤولية إعالتها. إنك لا تتعامل في
هذه الحالة مع الله من أجل نفسك بناء على ثقتك الخاصة به في حق
ذاتك وإنما تتعامل معه من أجل أسرتك، زوجك.. أولادك.. وإذا كان
لك أن تزعم بأنك تملك من الثقة بالله في حق نفسك ما يجعلك تعرض
عن الدنيا وتنقطع للعبادة والطاعة، فبأي حق تجرّ زوجك وأولادك
إلى مثل هذه الثقة، وإلى مثل هذا الزهد الذي ارتضيته
لنفسك؟!..قل لهذا الإنسان: إن الله أقامك بين كفتين من ميزان
شرعه، عندما قال لك: { رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي
بِالصّالِحِينَ } { الشعراء: 26/83 } المباشر إلى بابي، وسر
إليه عن طريق ما أقول لك.. انزل إلى السوق، اشتغل، اكدح، تاجر،
ازرع، اسلك السبل التي يفتحها الله عز وجل أمامك.. هذا هو
النهج الذي ألزمك به.

محب الحبيب علي
02 Nov 2006, 08:36 AM
إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة
الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية

ـ يقول بعضهم: لماذا أخضع لسلطان الأسباب؟ إنني مع
المسّبِب!..

ولهذا اللون من الانحراف صور واقعية كثيرة ونماذج شتى. ولنذكر
منها بعض الأمثلة:رجل ذو أسرة وأولاد، يشتغل في السوق ولكنه
عندما يأتي إلى الدار يتجه رأساً إلى الزاوية التي أعدَّها
للعبادة في بيته، دون أن يلتفت يمنة ولا يسرة بعد السلام
التقليدي يلقيه على من حوله.. فيقبل على القرآن يقرؤه، أو يتجه
إلى القبلة يصلّي النوافل والسنن؛ دون أن يباسط زوجته التي
تنتظره، وصغاره الذين من حولها!..أنا لا أتخيل.. أنا أصف
واقعاً.. ما حكم الشرع في هذا العمل؟.. حكمه، هذا الذي يقوله
ابن عطاء الله السكندري.يقول له الشرع: يا هذا لو كنت منفرداً
لا زوجة لك، ولا أولاد ولا أرحام، وكانت دارك كمغارة تدخل
إليها فلا تجد فيها أحداً تُسَلِّم عليه، إذاً لصحّ لك أن تفعل
هذا، لأن الله لم يعلِّق بعنقك مسؤولية أحد، لكن أما وقد أقامك
الله في عالم الأسباب وأخضعك لمسؤوليّاتها عندما جعلك ربّ
أسرة، فقد كلفك بسلسلة أوامر شرعية داخلة في معنى الميزان الذي
ألزمك الله به. استجابتك لهذه الأوامر هي عبادتك،هي قراءتك، هي
تسبيحك وتحميدك وتهليلك.. أن تدخل إلى الدار وقد رسمت البسمة
الحارّة على وجهك.. أن تُسَلِّم على من حولك تسليمة الإنسان
الودود المشتاق إلى أسرته وأولاده، ثم تجلس إليهم تنثر وتنشر
من محبتك بينهم.. تلك هي العبادة التي ألزمك الله بها..
الصورة، صورة دنيا تتعامل بها، وشهوات تمارسها، ولهو تتقلب
فيه.. لكن الواقع الكامن وراء هذه الصورة، عبادة تتقرب بها إلى
الله لأن الله أقامك من هذه الأسرة في عالم الأسباب، ومن ثم
فقد أخضعك لنظامها، ولو قلت: بل سأقفز فوق التعامل مع الأسباب
التي لا حقيقة لها أمام سلطان الله وقدرته، وأتعامل مع المسبب،
فأدعو الله لزوجتي في السجود بأن يكرمها ويدخل السرور إلى
فؤادها ويغنيها عن مجاملاتي ومباسطاتي، إذن فهي قلة أدب منك مع
الله عز وجل!..علمك الله الطريقة التي بها تسعد أهلك، إذ قضى
بأن يثيب الناسَ بعضَهم ببعض. يجعل الزوج من نفسه سكناً لزوجته
بما ينهض به من الوظائف التي كلفه الله بها، وتجعل الزوجة من
نفسها سكناً له، بما تنهض به هي الأخرى من الوظائف التي كلفها
الله بها، فيؤجِر الله عز وجل كلاً منهما بالآخر، ويتحقق
قانونه القائل: { رَبَّنا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ } { إبراهيم:
14/41 } فإذا جاء من يقول: بل أحيل هذه الرعاية إلى الله الذي
بيده كل شيء، وأكفي نفسي مؤنة المشاغل الدنيوية التي تقصيني عن
أورادي وعباداتي، فلا ريب أنه يتلبس من موقفه هذا بنوع سمج من
سوء الأدب مع الله، والتطاول بالنقد على نظامه الذي قضى أن
يأخذ به عباده. ولا شك أن مثل هذا الإنسان محجوب عن الله بشهوة
من شهواته الدنيوية الخفية، من حيث يحسب أنه يسعى إلى الابتعاد
عن الدنيا التي تحجبه عن الله.وقِسْ على مثال رب الأسرة مع
أهله وأولاده، الناس الذين شاء الله أن يقيمهم في عالم الأسباب
عندما وَكَلَ إليهم مسؤولية رعاية الأمة في أي من مستوياتها
المتفاوتة، أو الذين وَكَل إليهم رعاية الدين في مجتمعاتهم
بالتعليم والتثقيف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو
الذين أناط بهم عجلة الاقتصاد أو حمّلهم مسؤولية إحياء موات من
أرض..هؤلاء وأمثالهم، من الذين أقامهم الله في عالم الأسباب،
أي جعل منهم وسائل لمقاصد، إنما تتمثل عبادتهم لله في انقيادهم
لما أقامهم الله فيه، وفي القيام بالمسؤوليات التي أناطها الله
بهم، بعد القيام بالجامع المشترك من العبادات والطاعات التي
خاطب بها الله الناس جميعاً.ومن الأخطاء الجسيمة التي يقع فيها
كثير من الناس، ما يتصورونه من أن الطاعات والعبادة محصورة في
أعمال محدودة معيّنة، فإذا تجاوزها أحدهم وقع في فلك الدنيا
وشواغلها!..

محب الحبيب علي
07 Nov 2006, 05:15 PM
إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة
الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية

ـ العمل الصالح يتمثل في أعمال كثيرة شتى.

العمل ناظر للحال التي يمرّ بها الإنسان وللوظيفة التي أقامه
الله عليها. يقول ابن عطاء الله تعبيراً عن هذه الحقيقة في
واحدة من حكمه: «تنوعت الأعمال بقدر تنوع واردات الأحوال» أي
فليس كل عمل صالح صالحاً بالنسبة إلى الناس كلهم. بل يتوقف
الحكم بصلاحه أو عدم صلاحه على الحال التي يمرّ بها صاحب
الفعل، وعلى الوظائف والمهام التي أقامه الله عليها.فالعمل
الصالح بالنسبة لمن قضى الله له بالانقطاع عن العلاقات
الاجتماعية، والابتعاد عن مسؤوليات الأسرة، يتمثل في طاعات
وعبادات شخصية تعود بالفائدة إلى ذاته وشخصه هو، أما العمل
الصالح بالنسبة لمن قضى الله له بأن يتحمل إحدى المهام
السياسية أو الاجتماعية فيتمثل في خدمة أمته من خلال قيامه
أصدق قيام بالوظيفة التي أنيطت به، والعمل الصالح في حق من
وُكِلَتْ إليه حراسة ثغر أو ردّ لغائلة عدوان، هو الإخلاص
بالقيام بما قد وُكِل إليه، وهكذا.. على أن لا ننسى أن هناك
قدراً مشتركاً من الطاعات الواجبة يشترك في ضرورة النهوض بها
كل الفئات على اختلاف أحوالهم وأعمالهم، كالصلوات المكتوبة
والصيام والقدر الأساسي من النسك والأوراد والأذكار.فهذا هو
معنى الشطر الأول من حكمة ابن عطاء الله الثانية، والتي نحن
بصدد شرحها. وهو «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في
الأسباب من الشهوة الخفية». «وإرادتك الأسباب مع إقامة الله
إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية».

محب الحبيب علي
07 Nov 2006, 05:17 PM
إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة
الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية

ـ الانتقال إلى شرح الشطر الثاني من هذه الحكمة: من
أقامهم الله في عالم التجريد.

المثال الأول: مجموعة من الناس توجهوا حجاجاً إلى بيت الله
الحرام. أما البعض منهم فمتحررون من سائر القيود والتبعات
والمسؤوليات، متفرغون لأداء هذه الشعيرة، مقبلون إلى مزيد من
العبادات والقربات. وأما بعض منهم فأطباء أنيطت بهم مسؤولية
الرعاية الجسمية للحجيج ومعالجة من يتعرضون منهم للآلام أو
الأسقام، أو متعهدون أنيطت بهم مسؤولية توفير عوامل الراحة
والحاجات التي لا بدّ منها لهم.

أما الطائفة الأولى فهي
تمرّ من الوضع الذي هي فيه بما سماه ابن عطاء الله حال التجرد
أو التجريد، فالمطلوب منها أن تقبل إلى ما قد فرغها الله له من
كثرة العبادات والقربات والأذكار والاستزادة من النوافل.

وأما
الطائفة الثانية ، فهي تمرّ من الوضع الذي هي فيه بما سماه
ابن عطاء الله مرحلة الإقامة في الأسباب. فالمطلوب من أفراد
هذه الطائفة التعامل مع الأسباب التي أقامهم الله فيها وألزمهم
بها. فالطبيب منهم مكلف برعاية الكتلة التي كلف بالسهر على
صحتها ومعالجة المرضى وأولي الأسقام فيها. ومتعهدو الخدمات
الأخرى مكلفون بالقيام بما قد تعهدوا به على خير وجه.

فلو أن
أحدهم تناسى المسؤولية التي أنيطت به، إذ أقامه الله سبباً
لإحدى الخدمات الكثيرة للحجيج، وأمضى أوقاته كلها أو جلّها في
البيت الحرام طائفاً ساعياً راكعاً ساجداً يتلو القرآن ويكرر
الأذكار والأوراد، مهملاً سببيته التي أقامه الله عليها في
خدمة المحتاجين وتطبيب المرضى، فهو مفتئت على شرع الله عابث
بنظام هديه، ذلك لأن الله أقامه من الوضع الذي هو فيه، في عالم
الأسباب، فتجاهله

تناساه مصطنعاً لنفسه حالة التجرد التي هو،
بحكم الشرع الإسلامي، بعيد عنها.

وكم في الناس من يتورط في
هذا العبث، لدى توجههم حجاجاً إلى بيت الله الحرام، يتعاملون
مع عناوين الإسلام وألفاظه المضيئة، ويتجاهلون مضامينه ومبادئه
الإنسانية القويمة!!..

المثال الثاني: شاب قال له والده:
سأقدم لك كل ما تحتاج إليه من أسباب المعيشة على اختلافها، ولن
أكلفك بأي نفقة مما تريد أن تعود به إلى نفسك، على أن تتفرغ
لدراسة كتاب الله وتعلم شريعته. إذن فقد أقام الله هذا الإنسان
في مناخ التجريد بمقتضى ميزان الشرع وحكمه، والمطلوب منه إذن
أن يتعامل مع هذا الذي أقامه الله فيه، فينصرف إلى دراسة كتاب
الله وتعلم شرعه والتفقه في دينه.

ولا يقال لمثل هذا الإنسان:
إن الشرع يأمرك بالتسبب للرزق وينهى عن الركون إلى البطالة..
ذلك لأن الذي يأمره الشرع بأن يغدو إلى السوق فيبحث عن مصدر
لرزقه، هو الذي ليس له من يتكفل برزقه واحتياجاته، كوالد
ونحوه. أما من قيض الله له متكفلاً لاحتياجاته، كهذا الإنسان
فلا يخاطب من قبل الشارع بهذا الأمر، ولأن الشرع يأمر بالتسبب
للرزق كي لا يجنح الإنسان عن ذلك إلى البطالة. أما هذا فلم
يركن إلى البطالة، بل تحول من السعي في سبيل الرزق الذي تكفل
له به والده إلى السعي من أجل معرفة الشرع والتفقه في الدين.
وقد قال رسول الله : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»
رواه_البخاري_ومسلم،_وأحمد،_من_حديث_معاوية_وحديث_عب د_الله_بن_
عباس_ورواه_ابن_ماجه_من_حديث_أبي_هريرة. .

وينطبق هذا المثال
عليّ في أول عهدي بالدراسة، فقد صرفني والدي عما كان من
المفروض أن أتجه إليه كسائر أندادي، من البحث عن وسائل الرزق
وجمع المال، وألزم نفسه بكل احتياجاتي المالية والدنيوية، وقال
لي - ولم أكن قد تجاوزت الخامسة عشر بعد -: لو علمت أن الطريق
إلى الله يكمن في كسح القمامة لجعلت منك زبالاً، ولكني نظرت
فوجدت أن الطريق الموصل إلى الله إنما يكون في دراسة دينه
وتعلم شرعه، فاسلك إذن هذا الطريق.

وهكذا فقد وضعني الله
تعالى من قرار والدي والتزامه، في حالة التجريد بمقتضى الشرع
وحكمه.

وقد أقبل إليّ جمع من الرفاق آنذاك، يدعونني إلى السير
معهم في طريق الكدح والكفاح من أجل الرزق وجمع المال،
ويحذرونني من أن الاسترسال في النهج الذي دفعني والدي إليه،
سيجعلني عالة على المجتمع، ويزجني في طريق الاستجداء!..

ولكن
الله سلّم ولطف.. فصبرت على النهج الذي سلكني فيه والدي بعد أن
التزم بكل احتياجاتي، وأعرضت عن التحذير والإغراءات اللذين
لاحقني بهما الرفاق.. فهل كنت بذلك متنكباً عن الشرع أم مطبقاً
لحكم الشرع؟.. لم أكن أدري أي جواب عن هذا السؤال آنذاك، ولكني
كنت أعلم أنني أنقاد لأمر والدي وتوجهه، وهذا ما يأمر به
الله.

أما اليوم فأنا على يقين بأنني بالإضافة إلى الاستجابة
لأمر والدي، كنت منسجماً في تلك الاستجابة لشرع الله وحكمه.
وهيهات أن

يرضى والدي بهذا الذي اختاره لي ووجهني إليه، لو
علم أنه مخالف لشرع الله عز وجل.

ولا شك أنني لم أتعرض لشيء
من المخاوف التي حذرني منها بعض الرفاق، بل الذي تعرضت له
وانتهيت إليه هو نقيض تلك المخاوف.. سلسلة من المكرمات الإلهية
والمنح الربانية لاحقتني من حيث لا أحتسب، وغمرني الله منها
بنعم ومنن لا تحصى.

المثال الثالث: رجل أقامه الله من
عمله الدنيوي في حانوت أو محل تجاري، يكدح فيه من أجل الرزق
يعود به إلى أسرته التي جعله الله مسؤولاً عنها. وهو يعلم أنه
إن تعهد متجره هذا كل يوم من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء،
فلسوف يكرمه الله برزق وفير ونعمة كافية. إذن فالشرع يقول
له:

إن الله قد أقامك من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء في
عالم الأسباب، وإنما واجبك التعامل والانسجام معه خلال هذه
المدة من كل يوم. وأقامك فيما قبل ذلك من الصباح وما بعد ذلك
من المساء في عالم التجريد، وإنما واجبك خلال هاتين الحاشيتين
من عملك اليومي، أن تتعامل مع مقتضى هذا التجرد الذي أقامك
الله فيه، فتقبل إلى معارفك الإسلامية تنميها وتتعهدها، وتقبل
إلى الطاعات والعبادات والقربات تستزيد منها.

إذن فميزان
الشرع هو الذي يرسم حدود الزمن الذي يخضع فيه هذا التاجر لعالم
الأسباب، وحدود الزمن الذي يخضع فيه لعالم

التجريد. والمطلوب
منه أن يتبين هذه الحدود ولا يفتئت على أي من المناخين أو
الزمانين لمراعاة الآخر.

وإني لأذكر عهداً مضى، كان أكثر
الذين يَصْفِقُونَ في الأسواق من تجار هذه البلدة، يطبقون هذه
الحكمة التي يقولها ابن عطاء الله، بل يقضي بها الشرع والدين،
كأدق ما يكون التطبيق، ولأضرب مثلاً بسوق مدحت باشا الذي كان
الملتقى الأول لكبار تجار دمشق.

لم يكن هذا السوق يستيقظ
للحركة التجارية قبل العاشرة صباحاً، ولم يكن يستمر إلاّ إلى
ما قبل أذان المغرب بساعة.

في هذه الساعات من النهار كان
السوق يشهد نشاطاً تجارياً عالياً.. فإذا دنت ساعة الغروب،
أظلم السوق، وأغلقت الحوانيت، وغابت عنه الحركة ودبت فيه
الوحشة، وتحول أقطاب تلك السوق من التجار وأرباب المال ورجال
الأعمال، إلى طلاب لعلوم الشريعة تتوازعهم المساجد أو بيوت
العلماء. وقد تأبط كل منهم كتابه في الفقه أو التفسير أو
العقيدة، معرضاً عن مشكلات التجارة والمال، متجهاً باهتمام
ودقة إلى دراسة أكثر من علم من علوم الإسلام.

فإذا أقبل
الصباح بدأ كل منهم نهاره طالب علم مرة أخرى، وحضر عدة دروس
متتابعة أخرى على أحد الشيوخ الأجلاء في ذلك العصر. ثم عاد كل
منهم إلى داره يباسط أهله وأولاده ويتناول إفطار الصباح معهم،
ويأخذ قسطه اللازم من الراحة، ليعود في العاشرة تقريباً إلى
سوقه التجارية.

إذن، فقد كانت ساعات الليل والنهار في حياة
أولئك التجار، مقسومة ما بين عالم التجرد وعالم الأسباب.
وكانوا يعطون كل منهما حقه كاملاً غير منقوص. فلم يكن يطغى
جانب منهما على جانب.

ولعلّ القارئ الكريم يتبيّن من كلامي
هذا صورة غريبة عن واقع أكثر التجار ورجال الأعمال اليوم، أجل،
هي فعلاً صورة غريبة، فلقد خلف من بعد أولئك الرجال خلْفٌ
أغرقوا أنفسهم في حمأة الدنيا واستسلموا بشكل كلي ودائميّ
لعالم الأسباب، غدوّهم ورواحهم حركة دائبة وراء التجارة
والمال، ولياليهم وسهراتهم مناقشات ومشاورات حول مشكلات
التجارة وعثراتها وسبل التغلب عليها، فإن فاض لديهم عن ذلك
وقت، صرفوه إلى الحفلات والمآدب وسهرات الأنس الدنيوي ومتاعب
القيل والقال!.. والله هو المأمول والمستعان أن يجذبهم بتوفيق
منه إلى ما كان عليه سلفهم قبل أربعين عاماً لا أكثر، من تقسيم
أوقاتهم بين عالمي التجريد والأسباب على النحو الذي وصفت والذي
لا تزال ذكراه الفواحة العطرة ماثلة في أخيلة الشيوخ بل الكهول
من أهل هذه البلدة.

مثال رابع: رجل اتجه إلى إحدى الولايات
الأمريكية بقصد الدراسة. ولما انتهى من الدراسة طمع بالمال
الوفير، والحياة الرغيدة، فاستمرأ مع زوجته وأولاده العيش
هناك، واستجاب لمغريات الوظائف ذات المردود المالي الكبير،
ومرت عليه السنوات سعيداً مبتهجاً بعيشه الدنيوي هناك.. أي إنه
استجاب لمتطلبات الأسباب القائمة من حوله.

ترى أهو في ميزان
الشرع وحكمه قائم في عالم التجريد أم في عالم الأسباب؟.. إن
الواقع الذي يواجه هذا الرجل وأهله، هو الذي يحدد
الجواب.

وإذا عدنا نتأمل الواقع الذي يتقلب هذا الرجل مع أهله
في غماره، نجد أن أولاده ينشَّؤون هناك تنشئة أمريكية تامة،
ربما كان الأبوان مشدودين إلى ماضيهما الإسلامي الملتزم، غير
أن من الواضح جداً أن الأولاد مشدودون إلى التيار الأمريكي
المتجرد عن أي التزام، كما قد لاحظت لدى زيارتي الأولى
للولايات المتحدة واحتكاكي بكثير من الأسر الإسلامية
هناك.

إذن فشرع الله يقول لهذا الرجل: ويحك إن الأسباب التي
تتعامل معها هنا، غير معترف بها في هدي الله وحكمه؛ فأنت إنما
تتقلب هنا في عالم التجريد، وأسبابك الشرعية التي تدعوك
للتعامل معها، ليست هذه التي تركن إليها هنا، بل هي تلك التي
تنتظرك في بلدك الإسلامي هناك.

وآية ذلك أولادك الذين يبتعدون
عن نهجك وبقايا التزاماتك رويداً رويداً، متجهين سراعاً إلى
الأفكار والحياة غيرالإسلامية، متعاملين بشغف مع تقاليد الحياة
الأمريكية وفلسفتها.

ومثل هذا الرجل لا بدَّ أن تصكّ أذنه ثم
تسري بالتأثير إلى قلبه حكمة ابن عطاء الله: «.. وإرادتك
الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة
العلية» إن كانت لديه بقايا من جذوة الإيمان وهديه.

والطريقة
الوحيدة لتنفيذه مقتضى هذه الحكمة، هي أن يرحل إلى عالم
الأسباب الشرعية التي تنتظره في بلدته الإسلامية التي رحل منها
لسبب الدراسة، ثم استمرأ العيش هناك للأسباب المعيشية التي كنت
قد ذكرتها.

فإن قال الرجل: ولكني لن أعثر في بلدي على شيء من
هذه الأسباب التي تتاح لي هنا، والتي غمرتني بكل ألوان الرخاء،
أجبناه بأن قرار الله تعالى يقضي بأن تضحي بأسباب رزقك من أجل
سلامة دينك، لا بأن تضحي بسلامة دينك من أجل الحصول على أسباب
رزقك.

على أن الله أكرم من أن يتركك لعواقب الحرمان، إن أنت
آثرت المحافظة على أوامره والالتزام بشرعه، على حظوظك المالية
والدنيوية. ألم تقرأ قوله تعالى: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي
مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ
فاطِرَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا
وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي
بِالصّالِحِينَ } { يوسف: 12/101 }

ودعني أحدثك بقصة شاب كان
يغشى دروس الحكم العطائية هذه في مسجد السنجقدار بدمشق، كانت
أسباب الدنيا مدبرة عنه وكان يتقلّب من ذلك في حالة شديدة من
الضنك، أي فكان يمرّ بهذا الذي يســـميه ابن عطاء الله حـــال
التجريد.. وزيادةً في الابتلاء من الله عز وجل، كانت تواجهه
فرص سانحة، الواحدة منها تلو الأخرى، لمزاولة أعمال من شأنها
أن تفيده برزق وفير، غير أنها لم تكن أعمالاً

مقبولة في ميزان
الشرع. فكان كلما لاحت له منها فرصة جاء يسألني عن حكم الشرع
في التعامل مع تلك الفرصة. ولقد كنت أقف من استفتائه بين
الإشفاق الشديد على حاله من الضنك الذي يعانيه، وبين ضرورة
الأمانة مع أوامر الله وأحكامه.. ولكن صدقه مع الله كان يشجعني
على أن أقول له: إنك تستشيرني والمستشار مؤتمن، فلا يجوز أن
أخونك من حيث أخون دينك الذي أراه غالياً عليك، إن هذا العمل
الذي عرض عليك غير شرعي.. فكان يعرض عن تلك الفرصة السانحة
ويواصل الصبر على بؤسه وفقره.

وتمرّ به بعد حين فرصة أخرى،
ويعود فيسألني عن حكم الشرع فيها، وأنظر فأراها هي الأخرى
ملغومة ومحرمة، فأعيد له الجواب ذاته، ويعود هو إلى الصبر
ذاته، راضياً بحالة التجريد التي أقامه الله فيها بمقتضى ميزان
شرعه.

فماذا كانت عاقبة صبره على تلك الحال؟

فتح الله أمامه
نافذة إلى سبب نقي طاهر لرزق وافر كريم، من حيث لا يحتسب،
انتقل بحكم ذلك إلى المدينة المنورة، وتزوج، ورزقه الله
الأولاد وعاد فاشترى بيتاً فسيحاً في مسقط رأسه دمشق، ومن خلال
تعامله الشرعي مع الأسباب أصبح يتردد بين مركز عمله في
المدينة، وموطنه وملتقى أهله في دمشق.

استسلم للتجريد طوال
المدة التي ابتلاه الله بها، ثم تقبل كرم الله له، عندما نقله
من خلال شرعه إلى عالم التعامل مع الأسباب.

* * *

ألا،
فلنعاهد الله أن يكون سلوكنا خاضعاً لقانون هذه الحكمة
الربانية التي اعتصرها لنا ابن عطاء الله من بيان الله وهدي
نبيه: «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من
الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية».

* * *

محب الحبيب علي
07 Nov 2006, 05:18 PM
إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة
الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية

ـ عرض طائفة من التطبيقات المبصّرة بهذا القانون الشرعي
الهام.

المثال الأول: مجموعة من الناس توجهوا حجاجاً إلى بيت الله
الحرام. أما البعض منهم فمتحررون من سائر القيود والتبعات
والمسؤوليات، متفرغون لأداء هذه الشعيرة، مقبلون إلى مزيد من
العبادات والقربات. وأما بعض منهم فأطباء أنيطت بهم مسؤولية
الرعاية الجسمية للحجيج ومعالجة من يتعرضون منهم للآلام أو
الأسقام، أو متعهدون أنيطت بهم مسؤولية توفير عوامل الراحة
والحاجات التي لا بدّ منها لهم.أما الطائفة الأولى فهي تمرّ
من الوضع الذي هي فيه بما سماه ابن عطاء الله حال التجرد أو
التجريد، فالمطلوب منها أن تقبل إلى ما قد فرغها الله له من
كثرة العبادات والقربات والأذكار والاستزادة من النوافل.وأما
الطائفة الثانية ، فهي تمرّ من الوضع الذي هي فيه بما سماه
ابن عطاء الله مرحلة الإقامة في الأسباب. فالمطلوب من أفراد
هذه الطائفة التعامل مع الأسباب التي أقامهم الله فيها وألزمهم
بها. فالطبيب منهم مكلف برعاية الكتلة التي كلف بالسهر على
صحتها ومعالجة المرضى وأولي الأسقام فيها. ومتعهدو الخدمات
الأخرى مكلفون بالقيام بما قد تعهدوا به على خير وجه.فلو أن
أحدهم تناسى المسؤولية التي أنيطت به، إذ أقامه الله سبباً
لإحدى الخدمات الكثيرة للحجيج، وأمضى أوقاته كلها أو جلّها في
البيت الحرام طائفاً ساعياً راكعاً ساجداً يتلو القرآن ويكرر
الأذكار والأوراد، مهملاً سببيته التي أقامه الله عليها في
خدمة المحتاجين وتطبيب المرضى، فهو مفتئت على شرع الله عابث
بنظام هديه، ذلك لأن الله أقامه من الوضع الذي هو فيه، في عالم
الأسباب، فتجاهلهتناساه مصطنعاً لنفسه حالة التجرد التي هو،
بحكم الشرع الإسلامي، بعيد عنها.وكم في الناس من يتورط في هذا
العبث، لدى توجههم حجاجاً إلى بيت الله الحرام، يتعاملون مع
عناوين الإسلام وألفاظه المضيئة، ويتجاهلون مضامينه ومبادئه
الإنسانية القويمة!!.. المثال الثاني: شاب قال له والده:
سأقدم لك كل ما تحتاج إليه من أسباب المعيشة على اختلافها، ولن
أكلفك بأي نفقة مما تريد أن تعود به إلى نفسك، على أن تتفرغ
لدراسة كتاب الله وتعلم شريعته. إذن فقد أقام الله هذا الإنسان
في مناخ التجريد بمقتضى ميزان الشرع وحكمه، والمطلوب منه إذن
أن يتعامل مع هذا الذي أقامه الله فيه، فينصرف إلى دراسة كتاب
الله وتعلم شرعه والتفقه في دينه.ولا يقال لمثل هذا الإنسان:
إن الشرع يأمرك بالتسبب للرزق وينهى عن الركون إلى البطالة..
ذلك لأن الذي يأمره الشرع بأن يغدو إلى السوق فيبحث عن مصدر
لرزقه، هو الذي ليس له من يتكفل برزقه واحتياجاته، كوالد
ونحوه. أما من قيض الله له متكفلاً لاحتياجاته، كهذا الإنسان
فلا يخاطب من قبل الشارع بهذا الأمر، ولأن الشرع يأمر بالتسبب
للرزق كي لا يجنح الإنسان عن ذلك إلى البطالة. أما هذا فلم
يركن إلى البطالة، بل تحول من السعي في سبيل الرزق الذي تكفل
له به والده إلى السعي من أجل معرفة الشرع والتفقه في الدين.
وقد قال رسول الله : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»
رواه_البخاري_ومسلم،_وأحمد،_من_حديث_معاوية_وحديث_عب د_الله_بن_
عباس_ورواه_ابن_ماجه_من_حديث_أبي_هريرة. .وينطبق هذا المثال
عليّ في أول عهدي بالدراسة، فقد صرفني والدي عما كان من
المفروض أن أتجه إليه كسائر أندادي، من البحث عن وسائل الرزق
وجمع المال، وألزم نفسه بكل احتياجاتي المالية والدنيوية، وقال
لي - ولم أكن قد تجاوزت الخامسة عشر بعد -: لو علمت أن الطريق
إلى الله يكمن في كسح القمامة لجعلت منك زبالاً، ولكني نظرت
فوجدت أن الطريق الموصل إلى الله إنما يكون في دراسة دينه
وتعلم شرعه، فاسلك إذن هذا الطريق.وهكذا فقد وضعني الله تعالى
من قرار والدي والتزامه، في حالة التجريد بمقتضى الشرع
وحكمه.وقد أقبل إليّ جمع من الرفاق آنذاك، يدعونني إلى السير
معهم في طريق الكدح والكفاح من أجل الرزق وجمع المال،
ويحذرونني من أن الاسترسال في النهج الذي دفعني والدي إليه،
سيجعلني عالة على المجتمع، ويزجني في طريق الاستجداء!..ولكن
الله سلّم ولطف.. فصبرت على النهج الذي سلكني فيه والدي بعد أن
التزم بكل احتياجاتي، وأعرضت عن التحذير والإغراءات اللذين
لاحقني بهما الرفاق.. فهل كنت بذلك متنكباً عن الشرع أم مطبقاً
لحكم الشرع؟.. لم أكن أدري أي جواب عن هذا السؤال آنذاك، ولكني
كنت أعلم أنني أنقاد لأمر والدي وتوجهه، وهذا ما يأمر به
الله.أما اليوم فأنا على يقين بأنني بالإضافة إلى الاستجابة
لأمر والدي، كنت منسجماً في تلك الاستجابة لشرع الله وحكمه.
وهيهات أنيرضى والدي بهذا الذي اختاره لي ووجهني إليه، لو علم
أنه مخالف لشرع الله عز وجل.ولا شك أنني لم أتعرض لشيء من
المخاوف التي حذرني منها بعض الرفاق، بل الذي تعرضت له وانتهيت
إليه هو نقيض تلك المخاوف.. سلسلة من المكرمات الإلهية والمنح
الربانية لاحقتني من حيث لا أحتسب، وغمرني الله منها بنعم ومنن
لا تحصى. المثال الثالث: رجل أقامه الله من عمله الدنيوي
في حانوت أو محل تجاري، يكدح فيه من أجل الرزق يعود به إلى
أسرته التي جعله الله مسؤولاً عنها. وهو يعلم أنه إن تعهد
متجره هذا كل يوم من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء، فلسوف
يكرمه الله برزق وفير ونعمة كافية. إذن فالشرع يقول له:إن الله
قد أقامك من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء في عالم الأسباب،
وإنما واجبك التعامل والانسجام معه خلال هذه المدة من كل يوم.
وأقامك فيما قبل ذلك من الصباح وما بعد ذلك من المساء في عالم
التجريد، وإنما واجبك خلال هاتين الحاشيتين من عملك اليومي، أن
تتعامل مع مقتضى هذا التجرد الذي أقامك الله فيه، فتقبل إلى
معارفك الإسلامية تنميها وتتعهدها، وتقبل إلى الطاعات
والعبادات والقربات تستزيد منها.إذن فميزان الشرع هو الذي يرسم
حدود الزمن الذي يخضع فيه هذا التاجر لعالم الأسباب، وحدود
الزمن الذي يخضع فيه لعالمالتجريد. والمطلوب منه أن يتبين هذه
الحدود ولا يفتئت على أي من المناخين أو الزمانين لمراعاة
الآخر.وإني لأذكر عهداً مضى، كان أكثر الذين يَصْفِقُونَ في
الأسواق من تجار هذه البلدة، يطبقون هذه الحكمة التي يقولها
ابن عطاء الله، بل يقضي بها الشرع والدين، كأدق ما يكون
التطبيق، ولأضرب مثلاً بسوق مدحت باشا الذي كان الملتقى الأول
لكبار تجار دمشق.لم يكن هذا السوق يستيقظ للحركة التجارية قبل
العاشرة صباحاً، ولم يكن يستمر إلاّ إلى ما قبل أذان المغرب
بساعة.في هذه الساعات من النهار كان السوق يشهد نشاطاً تجارياً
عالياً.. فإذا دنت ساعة الغروب، أظلم السوق، وأغلقت الحوانيت،
وغابت عنه الحركة ودبت فيه الوحشة، وتحول أقطاب تلك السوق من
التجار وأرباب المال ورجال الأعمال، إلى طلاب لعلوم الشريعة
تتوازعهم المساجد أو بيوت العلماء. وقد تأبط كل منهم كتابه في
الفقه أو التفسير أو العقيدة، معرضاً عن مشكلات التجارة
والمال، متجهاً باهتمام ودقة إلى دراسة أكثر من علم من علوم
الإسلام.فإذا أقبل الصباح بدأ كل منهم نهاره طالب علم مرة
أخرى، وحضر عدة دروس متتابعة أخرى على أحد الشيوخ الأجلاء في
ذلك العصر. ثم عاد كل منهم إلى داره يباسط أهله وأولاده
ويتناول إفطار الصباح معهم، ويأخذ قسطه اللازم من الراحة،
ليعود في العاشرة تقريباً إلى سوقه التجارية.إذن، فقد كانت
ساعات الليل والنهار في حياة أولئك التجار، مقسومة ما بين عالم
التجرد وعالم الأسباب. وكانوا يعطون كل منهما حقه كاملاً غير
منقوص. فلم يكن يطغى جانب منهما على جانب.ولعلّ القارئ الكريم
يتبيّن من كلامي هذا صورة غريبة عن واقع أكثر التجار ورجال
الأعمال اليوم، أجل، هي فعلاً صورة غريبة، فلقد خلف من بعد
أولئك الرجال خلْفٌ أغرقوا أنفسهم في حمأة الدنيا واستسلموا
بشكل كلي ودائميّ لعالم الأسباب، غدوّهم ورواحهم حركة دائبة
وراء التجارة والمال، ولياليهم وسهراتهم مناقشات ومشاورات حول
مشكلات التجارة وعثراتها وسبل التغلب عليها، فإن فاض لديهم عن
ذلك وقت، صرفوه إلى الحفلات والمآدب وسهرات الأنس الدنيوي
ومتاعب القيل والقال!.. والله هو المأمول والمستعان أن يجذبهم
بتوفيق منه إلى ما كان عليه سلفهم قبل أربعين عاماً لا أكثر،
من تقسيم أوقاتهم بين عالمي التجريد والأسباب على النحو الذي
وصفت والذي لا تزال ذكراه الفواحة العطرة ماثلة في أخيلة
الشيوخ بل الكهول من أهل هذه البلدة. مثال رابع: رجل اتجه إلى
إحدى الولايات الأمريكية بقصد الدراسة. ولما انتهى من الدراسة
طمع بالمال الوفير، والحياة الرغيدة، فاستمرأ مع زوجته وأولاده
العيش هناك، واستجاب لمغريات الوظائف ذات المردود المالي
الكبير، ومرت عليه السنوات سعيداً مبتهجاً بعيشه الدنيوي
هناك.. أي إنه استجاب لمتطلبات الأسباب القائمة من حوله.ترى
أهو في ميزان الشرع وحكمه قائم في عالم التجريد أم في عالم
الأسباب؟.. إن الواقع الذي يواجه هذا الرجل وأهله، هو الذي
يحدد الجواب.وإذا عدنا نتأمل الواقع الذي يتقلب هذا الرجل مع
أهله في غماره، نجد أن أولاده ينشَّؤون هناك تنشئة أمريكية
تامة، ربما كان الأبوان مشدودين إلى ماضيهما الإسلامي الملتزم،
غير أن من الواضح جداً أن الأولاد مشدودون إلى التيار الأمريكي
المتجرد عن أي التزام، كما قد لاحظت لدى زيارتي الأولى
للولايات المتحدة واحتكاكي بكثير من الأسر الإسلامية هناك.إذن
فشرع الله يقول لهذا الرجل: ويحك إن الأسباب التي تتعامل معها
هنا، غير معترف بها في هدي الله وحكمه؛ فأنت إنما تتقلب هنا في
عالم التجريد، وأسبابك الشرعية التي تدعوك للتعامل معها، ليست
هذه التي تركن إليها هنا، بل هي تلك التي تنتظرك في بلدك
الإسلامي هناك.وآية ذلك أولادك الذين يبتعدون عن نهجك وبقايا
التزاماتك رويداً رويداً، متجهين سراعاً إلى الأفكار والحياة
غيرالإسلامية، متعاملين بشغف مع تقاليد الحياة الأمريكية
وفلسفتها.ومثل هذا الرجل لا بدَّ أن تصكّ أذنه ثم تسري
بالتأثير إلى قلبه حكمة ابن عطاء الله: «.. وإرادتك الأسباب
مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية» إن
كانت لديه بقايا من جذوة الإيمان وهديه.والطريقة الوحيدة
لتنفيذه مقتضى هذه الحكمة، هي أن يرحل إلى عالم الأسباب
الشرعية التي تنتظره في بلدته الإسلامية التي رحل منها لسبب
الدراسة، ثم استمرأ العيش هناك للأسباب المعيشية التي كنت قد
ذكرتها.فإن قال الرجل: ولكني لن أعثر في بلدي على شيء من هذه
الأسباب التي تتاح لي هنا، والتي غمرتني بكل ألوان الرخاء،
أجبناه بأن قرار الله تعالى يقضي بأن تضحي بأسباب رزقك من أجل
سلامة دينك، لا بأن تضحي بسلامة دينك من أجل الحصول على أسباب
رزقك.على أن الله أكرم من أن يتركك لعواقب الحرمان، إن أنت
آثرت المحافظة على أوامره والالتزام بشرعه، على حظوظك المالية
والدنيوية. ألم تقرأ قوله تعالى: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي
مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ
فاطِرَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا
وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي
بِالصّالِحِينَ } { يوسف: 12/101 } ودعني أحدثك بقصة شاب كان
يغشى دروس الحكم العطائية هذه في مسجد السنجقدار بدمشق، كانت
أسباب الدنيا مدبرة عنه وكان يتقلّب من ذلك في حالة شديدة من
الضنك، أي فكان يمرّ بهذا الذي يســـميه ابن عطاء الله حـــال
التجريد.. وزيادةً في الابتلاء من الله عز وجل، كانت تواجهه
فرص سانحة، الواحدة منها تلو الأخرى، لمزاولة أعمال من شأنها
أن تفيده برزق وفير، غير أنها لم تكن أعمالاًمقبولة في ميزان
الشرع. فكان كلما لاحت له منها فرصة جاء يسألني عن حكم الشرع
في التعامل مع تلك الفرصة. ولقد كنت أقف من استفتائه بين
الإشفاق الشديد على حاله من الضنك الذي يعانيه، وبين ضرورة
الأمانة مع أوامر الله وأحكامه.. ولكن صدقه مع الله كان يشجعني
على أن أقول له: إنك تستشيرني والمستشار مؤتمن، فلا يجوز أن
أخونك من حيث أخون دينك الذي أراه غالياً عليك، إن هذا العمل
الذي عرض عليك غير شرعي.. فكان يعرض عن تلك الفرصة السانحة
ويواصل الصبر على بؤسه وفقره.وتمرّ به بعد حين فرصة أخرى،
ويعود فيسألني عن حكم الشرع فيها، وأنظر فأراها هي الأخرى
ملغومة ومحرمة، فأعيد له الجواب ذاته، ويعود هو إلى الصبر
ذاته، راضياً بحالة التجريد التي أقامه الله فيها بمقتضى ميزان
شرعه. فماذا كانت عاقبة صبره على تلك الحال؟فتح الله أمامه
نافذة إلى سبب نقي طاهر لرزق وافر كريم، من حيث لا يحتسب،
انتقل بحكم ذلك إلى المدينة المنورة، وتزوج، ورزقه الله
الأولاد وعاد فاشترى بيتاً فسيحاً في مسقط رأسه دمشق، ومن خلال
تعامله الشرعي مع الأسباب أصبح يتردد بين مركز عمله في
المدينة، وموطنه وملتقى أهله في دمشق.استسلم للتجريد طوال
المدة التي ابتلاه الله بها، ثم تقبل كرم الله له، عندما نقله
من خلال شرعه إلى عالم التعامل مع الأسباب. * * * ألا، فلنعاهد
الله أن يكون سلوكنا خاضعاً لقانون هذه الحكمة الربانية التي
اعتصرها لنا ابن عطاء الله من بيان الله وهدي نبيه: «إرادتك
التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية،
وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن
الهمة العلية». * * *

محب الحبيب علي
13 Nov 2006, 09:39 AM
الحكمة الثالثة


سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

ـ هذه الحكمة ذيل وتتمة للحكمة التي قبلها

هذه الحكمة ذيل وتتمة للحكمة التي قبلها وفيها أجوبة عن أسئلة
تثيرها الحكمة التي قبلها في الذهن. ودعونا نفسر أولاً هذه
الحكمة تفسيراً مجملاً في حدود المعنى المتبادر منها. «سوابق
الهمم لا تخرق أسوار القدر» الهمم هي العزائم التي يمتع الله
بها الناس في مجال الإقبال على شؤونهم، من تجارة وصناعة ودراسة
ونحوها.. هذه الهمم أو العزائم، مهما اشتدت وقويت، في نفوس
أصحابها، فإنها لا تستطيع أن تخترق أسوار الأقدار. والأسوار
جمع سور، وهو السور المعروف الذي يحيط بالبلدة. شبّه ابن عطاء
الله القَدر الذي قدّره الله في غيبه عليك وعليّ، بسور محكم
عالٍ غليظ يحيط بالبلدة، فمهما أراد الأعداء أن يخترقوه من هنا
أو هناك لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً. أي فأنت لا تستطيع أن
تلغي أو تقفز فوق أقدار الله تعالى بهممك ومحاولاتك مهما أوتيت
من براعة الحيلة وخوارق القوة.والمعنى الذي يرمي إليه ابن عطاء
الله هو التالي: يا ابن آدم اكدح كما تحب وابحث عن النتائج كما
تشاء ومارس الأسباب في عالمها الذي أقامك الله فيه، جهد
استطاعتك، ولكن فلتعلم أن الأسباب التي تتعامل معها، مهما كانت
ذات مضاء وفاعلية فيما يبدو لك، تتحول إلى ظواهر ميتة، إن هي
عارضت قضاء الله وحكمه المبرمين في سابق غيبه.وبادئ ذي بدء يجب
أن نتبين بدقة معنى كل من القضاء والقدر وما أكثر الذين فهموا
كلاً منهما فهماً باطلاً بل منكساً. ولقد حملني الجهل الذريع
بحقيقتهما على أن أخرج كتابي الذي أصدرته قبل عدة أعوام:
(الإنسان مسير أم مخير) إذ بسطت فيه هذا الموضوع وأخرجته من
دائرة التعقيد جهد استطاعتي، وأرجو أن يكون قد لعب دوره
المتوقع في إزالة الغموض الذي تطاول أمده على هذا الموضوع.

محب الحبيب علي
13 Nov 2006, 09:40 AM
سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

ـ عود إلى بيان معنى القضاء والقدر

وها أنا، بهذه المناسبة، أعود إلى بيان معنى كل من القضاء
والقدر، بالقدر الذي يزيل عنهما اللبس والغموض، ويقطع دابر
المشكلات الوهمية التي يقوم ويقعد كثير من الناس بها.قضاء الله
عز وجل: علمه الأزلي بكل ما سيجري في المستقبل. أما القدر فهو:
وقوع الأشياء وجريانها، طبقاً لعلم الله الأزلي بها. إذن فعلم
الله بالأحداث الكونية قبل وقوعها هو (القضاء) فإذا وقعت
(ولن تقع إلا مطابقة لعلم الله) فذلك هو القدر.ثم إن القضاء
الذي يتحول اسمه لدى الوقوع إلى (قدر) منه ما يقع بخلق الله
دون أن يكون للإرادة البشرية مدخل أو أثر في وجوده، مثل
المصائب وأنواعها من موت ومرض وعاهات، ومثل الحوادث الكونية من
زلازل وخسف وإعصار وفياضانات.. ومنه ما يتم ظهوره بخلق الله
ولكن على إثر إرادة وقصد من الإنسان إلى ذلك، كالتصرفات
الاختيارية التي تصدر من الإنسان والمتمثلة في أنشطته التجارية
والزراعية والاجتماعية على اختلافها، وفي طاعاته وقرباته
الدينية من صلاة وصيام وحج ونحو ذلك.والمهم أن تعلم أن كلا
هذين النوعين داخل في معنى قضاء الله وقدره إذ كل ذلك إنما
يجري بعلم الله وخلقه، وأن تعلم أن خضوع كل شيء لسلطان قضاء
الله وقدره، لا علاقة له باختيار الإنسان وجبره. ولسنا الآن
بصدد بسط القول في هذا الموضوع الذي له مجاله الخاص به.

محب الحبيب علي
13 Nov 2006, 09:41 AM
سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

ـ علاقة كلام ابن عطاء الله هنا بالحكمة السابقة

والآن، ما علاقة كلام ابن عطاء الله هنا بالحكمة التي فرغنا
الآن من شرحها؟ إليك الجواب:ربّ شخص يعكف على سبب من أسباب
الرزق مثلاً، ينصرف إليه ويتعامل معه. ويتبين لدى النظر أنه
سبب غير مشروع، فإن جاء مَنْ نَصَحَهُ بالابتعاد عنه وبعدم
التعامل معه لعدم شرعيته، ناقشه قائلاً: إن التسبب للرزق مشروع
ومطلوب، وإن الله يكره العبد البطال. وربما قال: إنني ملتزم
بحكمة ابن عطاء الله. فقد أقامني الله في عالم الأسباب، ومن ثم
فلا بدّ أن أتعامل معها.والجواب يتمثل في هذا الاستدراك الذي
يأتي ذيلاً للحكمة الثانية: «سوابق الهمم لا تخرق أسوار
الأقدار».أي عندما تجد أنك تتعامل مع أسباب غير مشروعة، كأن
تجد نفسك في بلدٍ يفور بالمحرمات، ونظرت، فإذا أنت منساق فيه
إلى ارتكاب الموبقات، فإن عليك أن تنفض يدك عن تجاراتك وأنشطتك
المالية كلها على اختلافها، وأن ترحل إلى مكان لا تلاحقك فيه
المعاصي والآثام. فإذا قال لك الشيطان: وهذا السبب الذي قيضه
الله لرزقك، أنّى لك البديل عنه إن أنت أغلقت السبيل إليه على
نفسك؟ل له: ومن أين لك أن تجارتي أو وظيفتي في تلك البلدة هي
مصدر رزقي وهي السبب الحقيقي لنعيمي وعيشي؟!.. أنّى لهذا الوهم
أن يسيطر عليّ وأنا ما زلت أعيش مع قول الله عز وجل: {
فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ } { العنكبوت: 29/17 }
إذن الرزق الذي سيأتيك مسطّر في علم الله، فهو داخل في قضائه،
ولن يأتيك منه إلا ما هو مسطّر لك في علمه وغيبه المكنون، وهذا
هو قدر الله المتفق مع قضائه.أما جهودك ونشاطاتك التجارية،
فإنما هي خادم لما هو مسطور في قضاء الله وحكمه، وللقدر الذي
سيقع مطابقاً لعلمه.قل لشيطانك الذي يوسوس إليك: إذا كان الله
قد كتب لي الغنى والرزق الوفير، فلسوف يتبعني هذا الذي كتبه
الله لي أنى ذهبت وأينما وجدت. وإن كان الله قد كتب لي في سابق
علمه رزقاً قليلاً ومالاً محدوداً، فلسوف يبقى قليلاً كما قضى
الله عز وجل، مهما عشت وتقلبت بين المشاريع التجارية، ومهما
رحلت أنتجع الرزق والغنى في غرب العالم وشرقه. ذلك لأن «سوابق
الهمم لا تخرق أسوار الأقدار» ولعلك أدركت الآن علاقة هذه
الحكمة بالتي قبلها.غير أن هذه الحقيقة قد تثير لدى بعض الناس
السؤال التالي: إذن فيمَ التعامل مع الأسباب، ما دام أنها لا
تخرق أسوار الأقدار؟.. فيمَ المشي في مناكب الأرض والسعي من
أجل الكدح والرزق؟والجواب أنك من الأسباب الكونية المختلفة في
إحدى حالتين: الحالة الأولى أن تكون الأسباب المشروعة كلها
بعيدة عنك غير خاضعة لنشاطك وجهودك، إذن فأنت في عالم التجريد
والمطلوب منك الاستسلام والانتظار.. وتكاثر الأسباب غير
المشروعة في حكم العدم كما ذكرنا، فالمطلوب منك تجاهلها
والابتعاد عنها.الحالة الثانية: أن تكون الأسباب المشروعة
موفورة أمامك ومن حولك، إذن فينبغي أن تقبل إليها وأن تتعامل
معها، لا لأنها ذات فاعلية أو مقاومة لقضاء الله وقدره، معاذ
الله!!.. بل لأن الله لما أقامك في خضمّها فقد أمرك بالتعامل
معها، مع اليقين الذي يجب أن لا يبارح عقلك، من أن الفاعلية
إنما هي لإرادة الله وحكمه، لا لتلك الأسباب التي تتعامل معها
وكأنك تعتمد عليها. أي فالإقبال على الأسباب المشروعة بالتعامل
معها والتقيد بها، إنما هو وظيفة أقامنا الله عليها وأمرنا
بها، فالتعامل في الحقيقة معه، لا معها، والآثار المترتبة،
إنما هي منه عز وجل، لا منها. وهذا يعني أن الأسباب خدم لقضاء
الله وقدره، وليس القضاء والقدر خادمين للأسباب. وهذا هو
المعنى الذي يرمي إليه ابن عطاء الله في حكمته الثالثة
هذه. ***ولنقف عند هذه الحقيقة التي أعلم أن كثيراً من
المسلمين لم يستيقنوها بعد، بل ربما تفاجأ باعتقاد أو تصور
مخالف، لدى بعض علماء المسلمين أو المشتغلين بأعمال الدعوة
الإسلامية؛ يلحّ أحدهم على أن الأسباب الكونية التي نتعامل
معها، كالنار والماء والسم والدواء والطعام.. إلخ تحتوي على
فاعلية كامنة في داخلها، فإن تذكر عقيدته الإيمانية وأراد أن
يتجاوب معها، استدرك وقال: ولكن الله هو الذي أودع فيها تلك
القوة أو الفاعلية!..وأنا لا أريد أن أحاكم هؤلاء الناس إلى
منطق علماء العقيدة والكلام لأن في هؤلاء الناس من لا يقيمون
وزناً لمنطقهم ولكثير من أقوالهم.

محب الحبيب علي
13 Nov 2006, 09:43 AM
سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

ـ هل في الأسباب الكونية فاعلية أودعها الله فيها؟ جواب
مفصل ودقيق عن هذا السؤال

2 ولكني أذكرهم بقواطع النصوص القرآنية، ثم بما تقتضيه عقيدة
التوحيد، أي الاعتقاد بوحدانية الله من حيث الذات والصفات.أما
قواطع النصوص، فأذكّرُ منها بما يلي:1 ً - قول الله تعالى: {
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } {
البقرة: 2/255 } وصف الله عز وجل ذاته بالقيوم، أي القائم بأمر
الكون كله على الدوام والاستمرار. أي فما من شيء يتحرك أو يؤثر
أو يتأثر إلا بفاعلية مباشرة منه في سائر الآنات واللحظات. فأي
فاعلية إذن بقيت بعد هذا للأسباب؟ 6 2 ً - قول الله تعالى: {
وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ، أَلاّ تَطْغَوْا
فِي الْمِيزانِ ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا
تُخْسِرُوا الْمِيزانَ } { الرحمن: 55/7ـ9 } أي أن تتحرك
الأفلاك والأرض وما بينهما وما قد أودع فيها، وأن تؤدي وظائفها
التي أناطها الله بها، بتوجيه وأمرمنه عز وجل. ولا تنس أن كلمة
{ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } {
الفرقان: 25/20 } في الآية، وهي فعل مضارع، تدل على الدوام
والاستمرار. أي فكل ما تراه من الحركات والتبدلات الكونية،
صغرت أم كبرت، إنما يتم لحظة فلحظة بقدرة وأمر من الله عز وجل.
وإذا تأملت في هذا الكلام الرباني أدركت أن ما يتراءى لنا أنه
أسباب ليس إلا جنوداً محكومة بسلطان الله وأمره، تتلقى القدرة
والفاعلية من الله عز وجل لحظة فلحظة، فهل بقيت فيها - مع هذا
التقرير الإلهي - فاعلية كامنة منفصلة عن الفاعل الأوحد وهو
الله عز وجل؟..3 ً - قول الله عزل وجل: { وَمَنْ يُهاجِرْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً
وَسَعَةً } { النساء: 4/100 } تأمل مرة أخرى في كلمة { إِنَّ
اللَّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينِ } {
الذاريات: 51/58 } التي تدل على الدوام والاستمرار. ثم انظر
إلى القرار الرباني الذي تنطق به الآية. إنها تقول بصريح
البيان:كل ما تراه وما لا تراه عينك من القوانين والأنظمة
الكونية التي تقيم السماوات والأرض على نسقها ونظامها المعروف
أو المدروس، إنما يكتسب الدوام والاستقرار لحظة فلحظة بتدبير
الله وحكمه. ولو تخلى الله عنها لحظة واحدة لتهاوى واندثر كل
شيء، وهيهات عندئذ لكائن أو لسبب ما أن يحلّ محل الله في
الفاعلية والتدبير. إذن فالذي يضم كل لاحق مع سابق بسلك ما
نسميه السببية هو الله عز وجل، وإنما يتم ذلك، كما عرفنا الآن،
لحظة فلحظة. فكيف تكون، والحالة هذه، في مخلوقات الكون أياً
كانت فاعلية مستقرة كامنة؟4 ً - قول الله عز وجل: {
فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ } { العنكبوت: 29/17 }
إذا كانت في الفلك المشحون الذي يمخر عباب البحر، فاعلية كامنة
مستقرة، فلماذا نسب الله حمل الناس المحتشدين على ظهرها وفي
داخلها إلى ذاته العلية، ولم ينسبه إلى السفينة التي فيها قوة
مستقرة مودعة؟إن الآية تعلن أن الحامل للسفينة ومن فيها إنما
هو الله. إذن فقد انمحى وهم السببية الحقيقية فيها، وآلت
فاعلية الحمل والرعاية على الدوام والاستمرار إلى الله عز
وجل.5 ً - ومثله، بل أوضح منه، في الدلالة على الحقيقة ذاتها
قول الله عز وجل عن سيدنا نوح: { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ
هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } { البقرة: 2/255 } 6 ً - وتتجسد
هذه الحقيقة التي تلتقي هذه الآيات على تقريرها وتأكيدها، في
الكلمة القدسية التي علمنا إياها رسول الله وأمرنا بتكرار
النطق بها والتشبع بمعناها، وهي: «لا حول ولا قوة إلا
بالله».فانظر إلى هذه الجملة الجامعة، كيف نفت جنس الحول كله
والقوة كلها، عن كل شــيء، وفي كــل لحظــة، لتحصرهــما في ذات
الله عز وجل. والمراد بالحول الحركة التي تنبعث من وجود
القدرة، فهي مبالغة في نفي القوة التي تبعث على الحركة
والتبدل، عن كل المخلوقات أياً كانت، وإثباتها لله وحده؛ فإن
رأيت انتشار حركة دائبة في المكونات كلها، فإنما انبعثت فيها
الحركة بقوة مرسلة إليها من الله عز وجل لحظة فلحظة. تماماً
كانتشار الضوء الذي يسري نهاراً في كل ما تراه من حولك، إنما
هو من سريان الأشعة التي تتجه إليها من الشمس لحظة فلحظة، فلو
تقلصت عنها هذه الأشعة لاكتست من ذلك ظلاماً دامساً.بقي أن
ألفت النظر إلى المنطق العلمي الذي تقتضيه عقيدة توحيد الله عز
وجل من حيث ذاته وصفاته وأفعاله. وهي العقيدة التي يجب أن يدين
بها كل مسلم.. ينبغي أن يعلم أن الله واحد في ذاته فليس في
الكون إله من دونه، وأن يعلم أنه واحد في صفاته فلا يشاركه
مشاركة حقيقية في شيء من صفاته أحد، وأن يعلم أنه واحد في
أفعاله، أي فهو وحده الخالق والصانع فلا يشاركه في الخلق
والصنع أحد.فإذا جاء من يعتقد أن في النار مثلاً قوة محرقة
أودعها الله فيها، ثم تركها، فهي بهذه القوة الكامنة في داخلها
تحرق، فذلك يعني أن في الكون قوة محرقة مستقلة بذاتها، كل ما
في الأمر أن الله جاء بها ووضعها في النار لتمارس بها وظيفة
الإحراق. إذن فقد أثبتت هذه العقيدة أن في الكون قوة غير قوة
الله تشاركه في إقامة نظام الكونحكمه وهي قوة الإحراق. وتصبح
النار عندئذ كالعقل الأليكتروني الذي يلقَّم المعلومات ليعود
فينطق أو يذكِّر بها. ويصبح عندئذ القول في الدواء وفاعليته،
والقول في السم وفاعليته، والقول في الطعام وفاعليته، كهذا
الذي قلناه عن النار والإحراق، في وهم هؤلاء الناس.. وتصبح
سائر القوى والقدر عندئذ مستقلة في وجودها وتأثيرها عن الله عز
وجل. وإنما يكون عمل الله تجاهها مجرد الاستعانة بها إذ يوزعها
بين الأشياء ويودع كلاً منها في المكان الذي يراه مناسباً
له!.. وهل هذا إلاّ شرك صارخ وصريح؟وهل تقف النصوص القرآنية
التي أتينا عليها من هذا التصور، إلا موقف النقيض من
النقيض؟!.. * * *

محب الحبيب علي
13 Nov 2006, 09:44 AM
سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

ـ الجواب عن السؤال القائل: ففيم التعامل مع الأسباب إذن

وقد علمت الجواب عن سؤال من قد يقول: ففيمَ التعامل مع الأسباب
إذن؟ ولماذا لا نخترقها جميعاً لنتعامل بدلاً منها مع الله،
وننتظر حكمه وسلطانه في كل ما نحتاج إليه من غذاء ودواء، ونجاة
مما نتوهمه سبباً للمصائب أو الآلام؟إن الجواب يتلخص في أن
التعامل مع الله إنما يكون بالانسجام مع أوامره والتعامل مع
نظامه الذي أقام هذا الكون على أساسه.وقد أمرنا إذا جعنا أن
نأكل، وإذا ظمئنا أن نشرب، وإذا مرضنا أن نبحث عن الدواء، وأن
نأخذ حذرنا مما يبدو أنه سبب للآلام أو الهلاك أو الأسقام. ثم
أمرنا أن نعلم علم اليقين أن لا فاعلية إلا لله،وأن لا تأثير
إلا بحكم الله، وأن نعلم أن الله هو الخالق لكل شيء والآمر له
بأداء الوظيفة التي وكلت إليه: { وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ
السَّماءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِه } { الروم: 30/25 } أمرنا أن
نتعامل مع ما يبدو لنا أنه سبب وعلة، وأمرنا في الوقت ذاته أن
نعلم أن «سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار».وكم يتجلى
انسجام هذه الشريعة التي كلفنا الله بها، مع الحقيقة
الاعتقادية التي علمنا الله إياها، في خطاب الله لمريم عندما
ألجأها المخاض إلى جذع النخلة: { تقوم } { الروم: 30/25 }
***

محب الحبيب علي
13 Nov 2006, 09:44 AM
سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

ـ بيان الأثر التربوي الذي يتركه التعامل مع الأسباب مع
الاعتقاد الجازم بأن لافاعلية فيها

وانظر إلى الأثر التربوي الذي يتركه التعامل الشرعي مع
الأسباب، مع الاعتقاد الجازم بأن لا فاعلية فيها وبأنها خادم
لقضاء الله وقدره،إنه أثر تربوي رائع يحققه هذا الانسجام على
مستوى كل من النفس والصحة الجسمية، وراحة الفكر والبال.إن كان
في قضاء الله وقدره أن يثمر تعاملك مع الأسباب، وأن تصل من
ورائه إلى ما تبتغيه، فاض فؤادك يقيناً بأن المتفضل هو الله،
ومن ثم لا بدّ أن يلهج لسانك بشكره وحمده والثناء عليه.وإن كان
في قضائه عز وجل أن لا تصل من وراء تعاملك مع الأسباب إلى ما
تبتغيه، فلسوف تعلم أن المسألة عائدة إلى قضاء الله وحكمه، ومن
ثم فلن تحيل الأمر إلى جهل منك باستخدام الأسباب على نحو أدق،
أو إلى عجز منك في التحايل على الموانع والمشكلات التي واجهتك،
أو إلى افتراضات بأنك لو فعلت كذا.. لما كان كذا.. وأنك لو
تداركت الأمر على النحو الذي فعله فلان لنجحت كما نجح، ولما
وقعت في مغبة العجلة التي داهمتك.وكم في هذه الأوهام التي
تهيمن على أفكار كثير من الناس، ما يزجهم في أمراض جسدية، أو
كآبة نفسية، أو إرهاق فكري.ولكن المؤمن الذي جمع بين الانقياد
السلوكي لأحكام الشرع واليقين الاعتقادي بحقيقة القضاء الإلهي،
يبقى في نجوة وسلامة من هذه المصائب والآلام. إذ يعلم أن هذا
الذي وقع إنما هو نتيجة لقضاء الله وحكمه الذي لا بدّ أن يلحقه
ويقع به أينما ذهب وبأي حيلة أو سبب تمسك. فإذا كان ذا ثقة
بالله ورضا عنه؛ ازداد راحة وطمأنينة ويقيناً بأن ما انتهى
إليه هو الخير.ولسوف يكون عندئذ مظهر انقياد لوصية رسول الله
التي يقول فيها: «.. استعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا
تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان. ولكن
قل قدّر الله وما شاء فعل»
رواه_مسلم_من_حديث_أبي_هريرة._وأوله:_«المؤمن_القوي_ خير_وأحب_إ
لى_الله_من_المؤمن_الضعيف». .أخيراً يجب أن تعلم أن خضوع
الأسباب لقضاء الله وقدره، لا يعني أن الإنسان لا يملك إذن أي
اختيار أمام قضاء الله عز وجل، بل إن مسألة القضاء والقدر لا
علاقة لها باختيار الإنسان ولا بعدم اختياره.ولعلك تبينت هذا
من فاتحة حديثنا عن هذه الحكمة، عندما عرّفنا كلاً من القضاء
والقدر، ونبهنا إلى الوهم الذي يقع فيه كثير من الناس في فهم
معنى كل منهما.ومع ذلك فإن الأمر يحتاج إلى بيان أكثر تفصيلاً.
غير أن المجال هنا لا يتسع لأكثر مما ذكرنا. فإن كنت لم تصل
إلى قناعة تامة في هذه المسألة بعد، فارجع في الوقوف على تفصيل
وافٍ لها، وابتغاء الوصول إلى فهمٍ ثم قناعة تامة بالحق الذي
أوجزت بيانه بشأنها، إلى كتابي (الإنسان مسير أم مخير). ***

محب الحبيب علي
13 Nov 2006, 09:49 AM
الحكمة الرابعة


أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به
لنفسك

ـ قد يرى بعض الناس تعارضاً بين هذه الحكمة والتي قبلها

قد يرى بعض الناس في هذه الحكمة ما يعارض، قول ابن عطاء الله
في الحكمة السابقة: «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في
الأسباب من الشهوة الخفية» إذ هو هناك يدعو إلى التعامل مع
الأسباب التي تواجه الإنسان في حياته، والتي يكون التعامل معها
بشكل شرعي.. ولكنه هنا يحذره منها ويدعوه إلى أن يريح نفسه من
عناء الإقبال إليها، وينصحه بأن لا يتعب نفسه بجهد قد أراحه
الله منه.والواقع أنه لا تعارض في كلام ابن عطاء الله. بل بين
ما ذكره في الحكمة السابقة وكلامه هنا منتهى التوافق
والانسجام.

محب الحبيب علي
13 Nov 2006, 09:50 AM
أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به
لنفسك

ـ بيان مفصل للفرق بين اتخاذ الأسباب، والتدبير الإلهي
الذي تجند له الأسباب

هنالك فرق كبير بين التعامل مع الأسباب، وتدبير الإنسان أمور
نفسه من خلال الأسباب..التعامل مع الأسباب جهد عضلي مادي يبذله
المتعامل معها، يذهب إلى السوق ليتاجر.. يذهب إلى الجامعة
ليتعلم.. يتجه إلى الطبيب ليتداوى.. يبتعد عن أسباب الضر التي
حذر الله منها..أما التدبير فعمل فكري، وقرار عقلي، معناه أن
يحدث الإنسان نفسه بأنه بتعامله مع الأسباب قد رتب لنفسه خطة
الربح والنجاح وضمن لنفسه النتائج، فالأسباب في نظره خدم تحت
سلطانه وأدواتتدبيره، وعقله هو مفتاح نجاحه ومصدر تدبيره. ألا
تراه يقول: أرح نفسك، بدلاً من أن يقول: أرح جسمك أو أبعد
جسمك.فالتعامل مصدره الجسم والأعضاء، وهو مطلوب
ومرغوب.والتدبير مصدره النفس والفكر، وهو مرفوض ومكروه.ومن
تلاقي هاتين النصيحتين: الإيجابية والسلبية يتكوّن النهج
الإسلامي في حياة المسلم. يخرج إلى السوق فيعمل كما يعمل
الآخرون، ويقبل على الأسباب التي تنتصب في طريقه فيقدرها
ويتعامل معها طبق التعاليم الشرعية.. فإذا جاء من يسأله: ماذا
تتوقع من وراء أنشطتك وأعمالك هذه، قال له: واجبات كلفني الله
بها، أديتها كما طلب. ما الذي سيخلقه الله من وراء ذلك؟ إنه
عائد إلى تدبير الله وحكمه. وأنا مستسلم لقضائه راض بحكمه.هذا
هو النهج الإسلامي الذي يذكّر به ابن عطاء الله. تعاملٌ مع
الأسباب القائمة، بما يتفق مع الشرع، وتسليم لحكم الله وتدبيره
مع ذلك وبعد ذلك.وبوسعك أن تتبين هذا النهج في حياة قدوتنا
المصطفى .. انظر إلى شأنه يوم هاجر إلى المدينة المنورة
مصطحباً معه صاحبه أبا بكر رضي الله عنه.. تعامل في هجرته هذه
مع الأسباب كلها، حتى لكأنه يوقن بأنها الشرط الذي لا بدّ منه
لنجاح هجرته. خرج متخفياً، ترك علياً رضي الله عنه ينام في
فراشه حتى يظن المشركون أنه رسول الله فلا يتعقبونه ويبحثون
عنه، ترك راعي أبي بكر يسير بأغنامه وراءهما لتعفي الأغنام على
آثار مشي رسول الله وصاحبه، أقاماثلاثة أيام في غار ثور،
ريثما ينقطع الطلب في الطرقات عنهما، عهدا إلى رجل من المشركين
مأمون الجانب أن يلقاهما في ميقات معين عند غار ثور، وهو (عبد
الله بن أرقط) ليدلّهما على الطرق الخلفية إلى المدينة.. فهذا
هو التعامل التام مع الأسباب.وفي أثناء اختفائهما في الغار،
وصل جمع من المشركين في أثناء بحثهم عن رسول الله إلى الغار،
وأصبحت فتحة الغار تحت أبصارهم، واضطرب أبو بكر، وهمس في أذن
رسول الله قائلاً له: لو أن أحدهم نظر عند قدمه لرآنا، فقال
له: ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ )).. ولما خرجا من الغار
وواصلا سيرهما متجهين إلى المدينة، أدركهما سراقة على فرسه
قاصداً بهما الشر، كما ورد في الصحيح، وأخذ يتلفت أبو بكر إليه
وقد داخله من ذلك الخوف على رسول الله ، ورسول الله ماض في
سيره لا يلتفت يسرة ولا يمنة، يواصل قراءته، معتمداً على حماية
الله وتدبيره.. وهذا هو إسقاط التدبير والاعتماد على تدبير
الله.مارس الأسباب وتعامل معها خضوعاً لأمر الله وانسجاماً مع
النظام الكوني الذي أقامه الله عز وجل، ثم نسي الأسباب
وقيمتها، وربط النتائج، في يقينه الاعتقادي، بحكم الله ولطفه،
مع ثقته التامة بحكمته ورحمته وتوفيقه.إذن، فهذا المشهد النبوي
يشرح لك قول ابن عطاء الله: «أرح نفسك من التدبير، فما قام به
غيرك عنك لا تقم به لنفسك» ويوضح مدى الانسجام بينه وبين
قوله: «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من
الشهوة الخفية».ورد أن عليّ بن الحسين رضي الله عنهما كان له
متجر في السوق، وكان ذا تجارة واسعة، وكان إذا حان وقت الصلاة
ترك متجره واتجه إلى المسجد للصلاة. وذات يوم، وبينما هو في
المسجد يصلي إذ جاءه من يخبره أن النيران اشتعلت في السوق،
وأنها بدأت تلتهم متجره!..لم يكترث عليّ رضي الله عنه بالخبر
وظل مقبلاً على صلاته فرضاً ونافلة وذكراً وتسبيحاً، كعادته
دائماً. ثم أقبل عائداً إلى السوق آمناً مطمئن البال.فانظر إلى
تعامله مع الأسباب كيف يتجلى في نشاطه التجاري في متجره وسوقه
التجارية. وهي الوظيفة التي أقام الله عباده عليها.ثم انظر،
كيف جرّد نفسه من التدبير وإمكاناته، وأحال ذلك، بقناعة تامة
مطلقة إلى تدبير الله وحكمه، عندما أدى وظيفته التي كلفه الله
بها، ثم اتجه إلى الوظيفة الكبرى التي خلق الله الإنسان من
أجلها، وهي الصلاة والعبادة.لم يلتفت عندئذ إلى الأسباب، ولم
يكترث بها، لأنه كان قد انتقل آنذاك من مجال الأسباب والتعامل
معها إلى ساحة التجريد. فأعطى كلاً من الحالين حقه، ولم يخلط
واحداً منهما بالآخر، ووكل في سائر الأحوال التدبير - أي خلق
النتائج - إلى الله عز وجل.أراح رضي الله عنه نفسه من التدبير،
بعد أن اطمأنّ إلى أنه لم يدّخر وسعاً في التعامل مع الأسباب،
موقناً بأنه لن يجري في السوق كله، بما فيه محله، إلا ما قد
قضاه الله. ولن تخترق محاولاته التي قد يُدْعَى إليها على أمرٍ
قد أبرم الله فيه حكمه وبتّ فيه قضاءه، ومطمئناًلى أن الخير
فيما قد قضاه الله، ففيم الجزع والاضطراب والانصراف عن الإقبال
على الخالق الرازق المدبر لأداء العبادة التي خلق من أجلها،
إلى جهد من الأسباب لن تعود إليه بأي طائل؟!..ربّ مجادل يقول:
ألم يكن عليه وقد جاءه الخبر بالنار التي أخذت تسري إلى محله،
أن يختصر صلاته، ويكتفي بالفريضة دون النوافل وذيولها، ليحاول
بما يمكن، حجز متجره عن النيران؟والجواب أنه لو كان آنذاك
منصرفاً إلى بعض شؤونه الدنيوية، إذن لكان عليه فعلاً أن يبذل
جهده في استخدام الأسباب التي تصون متجره، لأنه يتحرك في عالم
الأسباب ومن ثم فإن عليه أن يتعامل معها.ولكنه كان -كما علمنا-
منصرفاً إلى أداء حق الله، متجهاً إلى الوظيفة العظمى التي خلق
من أجلها، إنه إذن مع الله في عالم التجريد. وقد انتهى من
وظيفة التعامل مع الأسباب، إلى وظيفة الواجبات التي كلفه الله
بأدائها، وما قد يتبعها من سنن ومندوبات. وقد علم أن التدبير
ليس عائداً إليه ولا إلى شيء من جهوده ولكنه عائد إلى الله عز
وجل.. إذن فليس ثمة أي مبرر (وقد أقبل يباشر وظائف عباداته)
أن يعرض عنها بعد إقبال، وأن يتجه إلى دنياه ومتجره بعد
إعراض. * * *

محب الحبيب علي
13 Nov 2006, 09:51 AM
أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به
لنفسك

ـ هل من اليسير أن يتبرأ الإنسان من مزاعم التدبير مع
واجب اتخاذه الأسباب وما العلاج؟

ولكن هل من اليسير أن يخضع أحدنا شعوره وسلوكه لهذه الحكمة؟هل
من اليسير أن تستجيب مشاعري وأعصابي، بعد اقتناعي، لنصيحته
هذه: «أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك، لا تقم به
لنفسك»؟!..قد يقتنع عقلي نظرياً بهذا النصح، بعد الذي شرحناه
وبيناه. ولكن استجابة المشاعر والأعصاب والوجدان له، عسير
جداً. إذ الإنسان نزَّاع دائماً إلى وضع ذاته، من شؤونه كلها،
في موضع المدبر والمحقق للنتائج والأهداف. فإذا لاحت له بوادر
لا ترضي ولا تتفق مع طموحاته وأهدافه، أخذ القلق بمجامع نفسه،
وأخذت المشاعر والأفكار تطوف برأسه، باحثاً في نفسه عن كل ما
يملك وما لا يملك من السبل والأسباب، فلا تصفو له في هذه الحال
عبادة، ولا يذوق لذّةً لذكر أو طاعة أو قراءة قرآن. هذا إن كان
لديه ما يشده إلى القربات والعبادات في مثل هذه الحال. بل لا
يصفو له، والحالة هذه، عيش مع أهله، ولا يهنأ له رقاد في
عينيه.فما العلاج الذي ييسر هذا العسير؟ ما العلاج الذي يجعل
المشاعر والوجدان تتشرب هذه الحكمة تفاعلاً معها، كما خضع لها
العقل إيماناً بها؟

محب الحبيب علي
13 Nov 2006, 09:52 AM
أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به
لنفسك

ـ علاج ذلك الإكثار من ذكر الله ومراقبته

علاج ذلك يتمثل في الإكثار من ذكر الله، أي تذكره ومراقبته،
وخير سبيل لذلك ربط النعم بالمنعم جلّ جلاله، والتزام ورد دائم
منتظم من قراءة القرآن بتدبر وتأمل.. هذا العلاج ينمي محبة
الله في القلب، ويزيد الإنسان ثقة بحكمة الله ورحمته ولطفه.
فإذا داوم المسلم على هذا العلاج وأخذ نفسه به، وابتعد جهد
استطاعته عن الفواحشالآثام، فإن مشاعره الوجدانية تتشرب نصيحة
ابن عطاء الله هذه ويتذوقها ويركن إليها.إذن فالمسافة الفاصلة
بين الإيمان النظري بهذه الحكمة، والتفاعل السلوكي معها، تتمثل
في العكوف على هذا العلاج والمداومة عليه.فإذا قطعت هذه
المسافة، ذقت حلاوة هذه الحكمة، وتعاملت معها بسعادة وطمأنينة
بال!.. إذا طرق بابك طارق يخبرك بمشكلة وقعت في متجرك أو
بمشروعك، فلسوف تعود بذاكرتك إلى ماضي علاقتك مع متجرك أو
مشروعك، متسائلاً: هل قصرت في النهوض بالوسائل والأسباب التي
كان عليّ أن أنهض بها؟.. وتتبين أنك بحمد الله وتوفيقه لم تقصر
في شيء من ذلك، وأنك نفذت أوامر الله في التعامل مع الأسباب
واستخدامها إلى النهاية، إذن فلسوف تنام قرير العين هادئ
البال، مطمئناً إلى أن المشكلة ليست مسؤوليتك، وإلى أن حلها
ليس بيدك، وإنما الأمر كله بيد الله. أما وقد قمت بواجبك ونهضت
بالاحتياطات التي هداك الله إليها، فلسوف تحملك الثقة بحكمة
الله ورحمته، مع الحب الذي تنامى بين جوانحك لذاته العلية، على
الاستسلام لحكمه وقضائه موقناً أنه لن يختار لك إلاّ الخير، إن
لم يكن كذلك في ظاهره، فهو بلا شك خير في باطنه ومآله.. وبذلك
توفر لنفسك سكينة القلب وراحة الأعصاب وسرور القلب وبشاشة
الوجه... واستمرار العافية رهن بهذه الأسباب.ولست أنسى يوماً
كنت عائداً فيه إلى دمشق، وأدركتني صلاة المغرب في مشارف حمص،
فصليت المغرب في جامع سيدنا خالد بنالوليد، ولما انتهيت من
الصلاة، واتجهت للخروج من المسجد، واجهني داخلاً إليه رجل أسمر
اللون ذو ثياب رثة، واحد من هؤلاء (الدراويش) الذين لا يؤبه
بهم.. أقبل إليّ بابتسامة تغمر وجهه، وقد بدت الفرحة على
أساريره، قائلاً: ما لك؟.. ما لك لا ترقص فرحاً؟ ألا تعلم أن
الله مولانا؟ ألا تعلم؟.. إننا لسنا يتامى في جنبات هذا
الكون!.. ثم تركني وهو يتمتم منتشياً بهذا الكلام!.. ووقفت
أتأمل، وتذكرت قول الله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلَى
لَهُمْ } { محمد: 47/11 } لقد اتخذت من كلام ذلك الرجل، ومظهره
الذي كان كتلة فرح وطرب وابتهاج، واستسلام لعذوبة ولاية الله
له - اتخذت من لقياه عبرة ودرساً لي، وآمل أن يكون درساً
لأمثالي وإخواني جميعاً، نحن الذين يشملنا شرف التلاقي تحت
مظلة الولاية الربانية، والمثول تحت جناح رحماته وألطافه
العلوية.أجل.. ما الذي يخيفك ويقلقك، من تقلبات الدنيا
وأحوالها - بعد أن تؤدي وظيفتك في التعامل مع الوسائل والأسباب
المشروعة - إنكنت قد وقفت وقفة المستيقن بقول الله عز وجل: {
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا
وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ
} { فاطر: 35/41 } عندما تتمتع بهذا اليقين، ستغمرك النشوة
بهذا التحبب الرباني إليك، ولسوف يقيمك الطرب ثم لا يقعدكَ،
عندما تسمع هذه الأبيات التي كثيراً ما يتغنى بها المنشدون،
دون أن تحدث أي أثر في نفوس أكثر المستمعين: كُنْ مع اللهِ
تَرَ الله مَعَكْ

واتركِ الكُلَّ وحاذِرْ طَمَعَكْ
لا
تُعَلِّقْ بسواهُ أَمَلاً

إنما يَسْقيكَ من قد
زَرَعَكْ

فإذا أعطاكَ؛ مَنْ يَمْنَعُهُ؟

ثُمَّ مَنْ
يُعْطي إذا ما مَنَعَكْ؟ * * *

محب الحبيب علي
15 Nov 2006, 11:59 AM
الحكمة الخامسة


اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

ـ جواب عن سؤال يقول: فإذا كانت الأسباب ليست فيها قوى
أودعها الله فيها، فلماذا قال الله للنار التي أوقدت لحرق
إبراهيم: يانار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم؟

دعونا، قبل أن نبدأ بشرح هذه الحكمة، نجب عن سؤال أخٍ استشكل
ما قلناه في الدرس الماضي أو الذي قبله، من أن هذه الأشياء
التي نسميها أسباباً، ليست فيها قوة أودعها الله فيها، فبها
تؤثر في الأشياء، وبها تتحقق سببيتها، بل إن التأثير آتٍ من
عند الله لحظة فلحظة، أي عندما تقترن بمسبباتها. يقول هذا
الأخ: فإذا كانت النار مثلاً باردة في أصلها لا تحرق، فلماذا
أخبرنا الله بأنه قال لها، يوم قذف بسيدنا إبراهيم فيها: {
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ
الْمَشْحُونِ } { يس: 36/41 } أقول لهذا السائل: إن النار
بطبعها، أي قبل أن يوجهها الله إلى أي وظيفة، ليست فيها حرارة
ذاتية ولا برودة ذاتية. ولكنها تتلقى من الله تعالى الأمر
بالإحراق عندما يشاء فتحرق، وتتلقى منه الأمر عندما يشاء بغير
ذلك فتستجيب لأمر الله وحكمه.فإذا توجه أمر الله إلى النار بأن
تكون برداً وسلاماً، فليس في ذلك دلالة على أنها كانت قبل ذلك
تختزن طبيعة الإحراق في داخلها.أرأيت إلى قوله لها: {
وَحَمَلْناهُ عَلَى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ، تَجْرِي
بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ } { القمر: 54/13ـ14 }
هو المفهوم، خلق البرودة فيها عندما شاء ذلك، واستمرت البرودة
فيها، بخلق مستمر لها، طوال مشيئة الله ذلك.فكذلك الحــرارة
المحرقة. هي الأخرى تتحقق بأمر صادر من الله عز وجل، وتستمر
الحرارة والإحراق، مع استمرار توجه الإرادة الإلهية النافذة
إلى هذا الحكم. ولو تخلّى الله عز وجل بحكمه عن النار، ولم
يوجه إليها أمره بمهمة ما، في أي لحظة من اللحظات، إذن لما
رأيت فيها أياً من معاني الحرارة ولا البرودة، ولتخلّت عما
توهمته وظائف وأوصافاً لها.وهذا معنى قول رسول الله : أصدق ما
قاله لبيد: « ألا كل شيء ما خلا الله باطل» أي يكفي - كما
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى - لبطلانها وتلاشيها
مجرد تخلّي الله عنها
انظر_مجموع_الفتاوى_لابن_تيمية_رحمه_الله:_2/425_. .فلا تخدعنك
أوهام المعتزلة الذين أخذوا دهراً من الزمن بسمادير الفلاسفة،
ثم أنقذهم الله منها وأيقظهم إلى بطلانها. * * *

محب الحبيب علي
15 Nov 2006, 12:00 PM
اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

ـ عود إلى شرح الحكمة: بيان الوظيفة التي ألزم الله بها
الإنسان، والوظيفة التي ألزم الله بها ذاته العلية تجاهه

نعود الآن إلى الحكمة الخامسة، ونستلهم الله عز وجل ما ينبغي
أن نقوله في شرحها.يقول الله عز وجل: { أَلا لَهُ الْخَلْقُ
وَالأَمْرُ } { الأعراف: 7/54 } ويقول عز وجل: { ..وَهُزِّي
إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً
جَنِيّاً } { مريم : 19/25 } تنطق هاتان الآيتان بما يلي: أقام
الله الإنسان على وظيفة يؤديها لذاته العلية، هي أن يمارس
عبوديته لله عز وجل بالسلوك الاختياري، كما قد خلق عبداً له
بالواقع الاضطراري.. وأقام الله عز وجل ذاته العلية على وظيفة
يؤديها تجاه الإنسان، يضمن له بها مقومات حياته ورغد عيشه.فما
الذي تقتضيه هذه القسمة من المسؤوليات؟مقتضى هذه القسمة أن
ينصرف الإنسان (المؤمن بالله طبعاً) إلى الوظيفة التي عهدت
إليه وكلف بها، مقابل التزام الله عز وجل بما قد تعهد له به،
من توفير مقومات عيشه وتسخير المكونات التي حوله لمصالحه
ورغائبه. ذلك لأن هنالك شيئاً طلبه الله منا، وشيئاً آخر ضمنه
الله لنا. ومن أوضح البدهيات أن علينا في هذه الحالة أن نصرف
الجهد ونرهق الفكر في أداء الوظيفة التي كلفنا بها، وأن نطمئن
بالاً إلى الضمانات التي ألزم الله ذاته العلية لنا بها. فلا
نشغل بذلك فكراً ولا نحمل أنفسنا منه عنتاً أو اضطراباً.ولكن
في الناس من يجتهدون ويجدون ويرهقون أنفسهم فيما قد ضمنه الله
لهم، ويعرضون عن الوظيفة التي طلبها الله في مقابل ذلك منهم.
وهذا دليل - كما قال ابن عطاء الله - على انطماس البصيرة من
هؤلاء الناس.وهو إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على عدم الثقة
بوعد الله وما قد ضمنه للإنسان كما يدلّ على الرعونة النفسية
التي تهيمن على كيانه وتفكيره. * * *

محب الحبيب علي
15 Nov 2006, 12:00 PM
اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

ـ من أهم مايجب علمه أنه مامن مخلوق إلا وأقامه الله
تعالى على وظيفة

ومن أهم ما يجب علمه أنه ما من مخلوق، حيواناً كان أو نباتاً
أو جماداً إلا وأقامه الله تعالى على وظيفة، فهو منصرف إليها
عاكف عليها. تأمل في أصغر الذرات أو الجزيئات التي لا تتبينها
إلا بالمجهر، ثم تدرج منها إلى ما هو أكبر فأكبر، إلى أن تصل
إلى أكبر الأجرام من الكواكب والمجرات، وسرح نظرك في عالم
البهائم على اختلافها، وفي عالم الطيور وحيوان البحار، تجد
كلاً من هذه المخلوقات قائماً على وظيفة أقامه الله عليها، لا
يشرد عنها ولا يتمرد عليها. وهذا معنى قول الله عز وجل: {
وهزي إليك بجذع النخلة } { مريم : 19/25 }

محب الحبيب علي
15 Nov 2006, 12:01 PM
اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

ـ غير أن الله قضى أن تمارس المخلوقات كلها وظيفتها
بالاضطرار الخِلقي، أو بالشعور الغريزي، إلا الإنسان فقد
قضى أن يمارس وظيفته عن طريق الحرية والاختيار

والإنسان ليس بدعاً من هذه المخلوقات، فهو الآخر هُدِيَ إلى
المهمة التي خلق من أجلها. إلا أن سائر المخلوقات الأخرى من
دون الإنسان تمارس وظيفتــها بالقهر والاضطــرار أو بالغريزة
والطبع. أما الإنسان فقد قضى الله عز وجل أن يخلق مختاراً ذا
حرية وإرادة، وأن يُدعى بعد ذلك إلى أداء وظيفته والقيام
بمهامّه من خلال حريته واختياره، دون أن يكون للغريزة سلطان
قاهر عليه. وذلك تكريماًوتنزيهاً له عن أن يساق كالحيوانات
العجماوات، إلى وظيفته، بعصا الغريزة القاهرة.ولذا فإن الإنسان
هو المخلوق الوحيد الذي يكثر فيه الشاردون بل المتمردون على
الوظيفة التي كلف بالنهوض بها، في حين أن سائر المخلوقات
الأخرى على اختلافها ماضية في العكوف على وظائفها والمهامّ
التي خلقت من أجلها. إذ الإنسان يمارس وظيفته من خلال حريته
ومدى رغبته، فظروف الإعراض عنها، كظروف الإقبال إليها، سانحة.
أما غيره من المخلوقات الأخرى فيمارس وظيفته من خلال القسر
التكويني كما هو شأن الجمادات والنباتات، أو من خلال الدافع
الغريزي كما هو شأن الحيوانات العجماوات، فظروف الإعراض عنها
مغلقة غير سانحة. وانظر إلى مصداق هذا في قول الله عز وجل: {
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ
وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ
وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ
وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ.. } { الحج: 22/18 } من
الواضح أن المراد بالسجود الخضوع للوظائف التي أقام الله
المخلوقات عليها. فانظر إلى بيان الله عز وجل كيف عمّم خضوع
المخلوقات كلها بأنواعها التي ذكرها، للوظائف التي أقامها الله
عليها، حتى إذا تحدث عن الإنسان، أوضح أن في هذا الجنس الطائع
والعاصي.. فيهم الخاضع لحكم الله وأمره، وفيهم المتأبي على
حكمه الشارد عن المهام التي كلفه الله بها، ولذا عطف على سائر
المخلوقات الساجدة لله عز وجل كثيراً من الناس، ولم يعطف عليها
كل الناس،أكد هذه البعضية بقوله بعد ذلك: { ..وَكَثِيرٌ حَقَّ
عَلَيْهِ الْعَذابُ } { الحج: 22/18 } * * *

محب الحبيب علي
15 Nov 2006, 12:02 PM
اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

ـ والعجب في حال الإنسان أنه بدلاً من يزداد إقبالاً على
الوظيفة التي أقامه الله عليها عن طريق الحوار والاختيار،
يتخذ هذه المزية ذاتها في كثير من الأحيان سبيلاً للتمرد
على أوامره وحكمه

والعجيب في حال الإنسان أنه بدلاً من أن يزداد إقبالاً على
المهام والوظائف التي كلّفه الله بها، وأن يكون أكثر انقياداً
لها من الحيوانات العجماوات التي لم يمتعها الله بحرية السلوك
والقدرة على الاختيار، يتخذ في كثير من الأحيان هذه المزية
التي متّعه واختصه بها، سبيلاً للشرود عن أمره والتمرد على
حكمه.وما هي الوظيفة التي أقام الله الإنسان عليها؟هي أن ينهض
بعمارة الأرض التي أحياه الله عليها على النحو الذي بيّنه
وشرعه له، طبقاً لقوله عز وجل: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلَى
لَهُمْ } { محمد: 47/11 } واتباعه في ذلك للنهج الذي شرعه الله
تعالى يحقق أمرين اثنين: أحدهما ممارسة العبودية لله بسلوكه
الاختياري كما قد خلق عبداً له، بواقعه الاضطراري. ثانيهما أن
الأرض تُعْمَرُ عندئذ عمراناً مادياً وحضارياً على وجه سليم
يسعد الناس مجتمعاً وأفراداً، ويمدّ فيما بينهم جسور الود،
وينشر فوقهم مظلة العدالة والأمن.يضاف إلى هذا كله أن الله
الذي أقام الإنسان على هذه الوظيفة التي ما أقامه عليها إلاّ
لخيره وإسعاده، ضمن له في مقابل ذلك مقومات عيشه وأسباب رغده
وأدار الكون الذي من حوله لخدمته ورعايته!..أليس من أعجب
العجب، ومن أشد ما يبعث على الحياء والأسف، أن يعرض الإنسان -
بعد هذا - عن الوظيفة التي لم يكلَّف بها إلا لخيره ومصلحته،
وأن يقبل بدلاً عنها إلى ما قد ضمنه الله له من أسباب رزقه
ورغد عيشه، فيضحي بوظائفه سعياً وراء ما قد تكفل له الله به من
ذلك كله؟ يقول الله له: { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ } { البقرة:
2/257 } فيعرض عن أهله وأولاده، غير مبال بتربيتهم ورعاية
دينهم وسلوكهم، معتذراً بأنه لا يملك مزيداً من الوقت الذي
يصرفه لتجارته وملاحقة رزقه، لرعايتهم وتربيتهم.يقول الله له:
{ ..يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْراهِيمَ } {
الأنبياء: 21/69 } فيتلاعب بالكيل والوزن، ويمعن في الغش
وأسبابه، أملاً في أن يصل إلى ما قد وعده الله به، إن استقام
على العدل، ولكنه يأمل ذلك عن طريق الظلم والفساد والغش.يقول
الله عز وجل للإنسان: { كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى
إِبْراهِيمَ } { الأنبياء: 21/69 } فيعرض عن العمل الصالح الذي
أمره الله به، ثم يبحث عن الحياة الطيبة، في مراتع اللهو
ومنعرجات الفسوق والعصيان.يقول الله تعالى: { وَما خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ، ما أُرِيدُ
مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ، إِنَّ
اللَّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين } {
الذاريات: 51/56ـ58 } وتتأمل في حال فريق كبير من الناس، وإذا
هم معرضون عن وعد الله بهذا الاستخلاف إن هم أنجزوا أوامره
ونفذوا وصاياه وأحكامه، ويبحثون للوصول إلى هذا الاستخلاف
والحكم في الأرض، عن كل ما يتخيلونه من الوسائل والأسباب
الأخرى، وربما وضعوا أنفسهم موضع المهانة في استجداء هذا الذي
وعدهم الله به، من أعدائهم ومن الأمم أو الدول المتسلطة
عليهم!!..

محب الحبيب علي
15 Nov 2006, 12:03 PM
اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

ـ الغريب أن تجربة إعراض الإنسان عن الوفاء بعهد الله،
يتجلى للعيان سوء نتائجها، ومع ذلك فمن شأن كثير من الناس
الإمعان في هذا الإعراض!

والغريب أن تجربة هذا الإعراض عن الوفاء بعهد الله، مقابل ما
ألزم الله به ذاته العلية من الوفاء بعهدهم، يتجلى للعيان سوء
نتائجها، وخيبة آمال أصحابها بها، ومع ذلك فإنهم يمعنون، في
هذا الإعراض عما كلفهم الله به من الوظائف، ويواصلون المضيّ في
تجاربهم الفاشلة، التي تنقلهم من ذل إلى ذل، وتزيدهم بعداً عن
الهدف الذي يطمحون إليه. فهل في التصرفات التائهة ما هو أعجب
من هذا التصرف؟ولو أن أحداث التاريخ لم تكن شاهداً عملياً
لصِدْق وعد الله لعباده، إن هم صدقوا معه في إنجاز ما قد كلفهم
به، لربما كان في الوعد النظري ما يبعث على الريبة والشك،
نظراً لضعف ثقة المسلمين اليوم بوعود خالقهم ومولاهم.ولكن
تاريخ هذه الأمة، ينطق واقعه بشهادة تجلجل على أسماع الدنيا
كلها، بصدق وعد الله عز وجل فيما أخبر والتزم!..

محب الحبيب علي
15 Nov 2006, 12:04 PM
اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

ـ تجربة الأمة العربية يوم كانت وفية بعهد الله ثم يوم
أخذت تعرض عن الوفاء بعهده

كان المسلمون في صدر الإسلام حفنة من عرب الصحراء، فلما أصغوا
إلى خطاب الله لهم، وتبينوا الوظيفة التي حمّلهم الله إياها،
وآمنوا بألوهيته ووحدانيته، ووثقوا بوعده وحكمه، وسعوا سعيهم
الجاد إلى أداء وظائفهم التي كلفوا بها فمارسوا عبوديتهم لله
بالسلوك الاختياري، كما قد فطروا عليها بالواقع الاضطراري،
أنجز الله لهم الوعد الذي ألزم به ذاته العلية (ولا ملزم له
جلّ جلاله) في مثل قوله عز وجل: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ
بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً
نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } { طه: 20/132 }
فأزاح عن طريقهم امبراطوريات الروم والفرس واليونان، وأقام من
تلك الحفنة من عرب الصحراء قادة وحكاماً لشعوب تلك البلاد،
وأورثهم أرضهم وديارهم بكل ما فيها من ذخر وخيرات!..وإن
المتأمل في تاريخ ذلك الرعيل، ليعجب بالوفاء الذي بادل الله به
وفاءهم، في أحداث ناطقة بهذه الحقيقة لا تحتمل أي ريب.وإن من
أبرز مظاهر هذا الوفاء وآثاره، قول عمر لأبي عبيدة، وقد وصل
عمر إلى مشارف الشام مرتدياً مرقعته المعروفة التي كانت تحوي
ما لا يقل عن اثنتي عشرة رقعة، والتي أثارت عتباً خفياً همس به
أبو عبيدة في أذن عمر: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما
طلبنا العزّ بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله»!..ألا، فلتعلم
هذه الأمة، أن كل حرف من هذه الكلمات، يرتل نشيد وفاء مع الله
عز وجل، تجاه ما قد أنجزه لتلك الحفنة من الوعد الذيطعه على
ذاته العلية لها.. هذا بالإضافة إلى الذوق العالي الذي تتألق
به هذه الكلمات وتزدان به معانيها. لو أن عمر كسا جسمه ثياب
الأبهة والفخار، وأقبل إلى أباطرة الشام مزهواً بها، لكان في
ذلك ما يشعر بأن العرب (وإنما عمر ممثل لهم في ذلك الموقف)
إنما انتصروا وتغلبوا، بهذه الفخامة والمظاهر، وفي ذلك تزييف
للسبب الحقيقي، وتناسٍ للفضل الإلهي الذي نصرهم مع ضعفهم،
وأغناهم من فقر، وأعزهم من ذل. إذن يجب أن يراهم أباطرة الشام
على حالتهم التي كانوا عليها، حتى يعلموا أن اليد التي
انتشلتهم وسمت بهم إلى هذا الشأو الباسق، إنما هي يد الله عز
وجل. وحتى يكون ذلك بمثابة إعلان منهم، بأنهم ليسوا مدينين في
ذلك كله إلا لمنة الله وفضله!..ذلك هو الشعور العالي الذي كان
يساور عمر الذي أصرّ أن لا يراه زعماء الشام وأباطرته إلا بتلك
المرقعة التي تنطق لهم بحقيقتين اثنتين: أولاهما: افتقار
العرب إلى أدنى مقومات النصر وتجرُّدُهم عن كل أسبابها المادية
الطبيعية. الثانية: اليد الإلهية التي رفعت لهم شأناً وخلدت
لهم ذكراً وأورثتهم (وهم يتمرغون في ضعفهم وفقرهم) أجلّ
درجات القوة والغنى.أما نحن اليوم، أحفاد ذلك الرعيل، فلا نحن
بالوظيفة التي كلفنا الله بها ننهض، ولا بوعده الذي قطعه لنا
نثق، ولا بذلك الواقع التاريخي الناطق نعتبر!.. نتطوح ذات
اليمين وذات الشمال، ونطرق كل الأبواب المذلة ما عدا باب الله
المعزّ!.. وتزيدنا التجارب التائهة خسارة إثر خسارة، دون أن
نعود من هذه التجارب الخائبة والمخيبة،إلى الباب الذي دلنا
عليه الله، وإلى العكوف على الوظيفة التي خلقنا الله لها
وأقامنا عليها!..

محب الحبيب علي
15 Nov 2006, 12:05 PM
اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

إذا كان ابن عطاء الله يحذرنا من الاجتهاد فيما ضمن لنا،
فلماذا أوجب الله علينا التعامل مع الأسباب؟ جواب مفصل عن
هذا السؤال

وكأني ببعض من يطلع على ما أقول يستشكل أو ينتقد قائلاً.ألم
تقل في شرحك المطول للحكمة الثانية: إن على المسلم أن يمارس
الأسباب وأن لا يعطلها؟.. ألم تؤكد أن الإعراض عن الأسباب مع
انتظار أن يخلق الله النتائج من دونها، سوء أدب مع الله عز
وجل؟..إذن فلا بدّ من الاجتهاد فيما ضُمِنَ لنا، وذلك بأن نسعى
وراء أرزاقِنا ومصالحنا الدنيوية عن طريق الأسباب التي أقامها
الله أمامنا.والجواب يتلخص في أن الاجتهاد المذموم في نيل ما
قد ضمنه الله للعبد، يتمثل في أن يجعل من انشغاله بأسباب دنياه
صارفاً له عن القيام بوظائفه وواجباته الدينية المختلفة.. يدعو
الداعي إلى المسجد لشهود صلاة الجماعة فيعرض عن الداعي وعن
صلاة الجماعة لانشغاله بأسباب تجارته أو زراعته أو وظيفته، حتى
إذا أوشك وقتها أن يزول، أقبل إليها إقبال من يريد التخلص منها
بأقل ما يمكن من دقائق، هذا إن تذكرها ووجد لديه حافزاً
لتداركها قبل الفوات!.. تلاحقه أوامر الله بأن يربي أولاده،
وأن ينشئهم في ظل التعاليم الإسلامية، وأن يدخل حب الله
وتعظيمه في قلوبهم، وأن يراقب سلوكهم أن لا يشرد عما قد أمر
الله به، وأن لا يجنح إلى ما قد نهى الله عنه، فيعرض عن هذه
الوظيفة، محتجاً بأن مشاغله الدنيوية، أياً كانت، لا تترك له
وقتاً كافياً لذلك، ويترك أهله وأولاده لرياح المجتمع وتخبطاته
ومغريات الشهواتالأهواء!.. يطلب الله عز وجل منه أن يتعلم
إسلامه وأن يتفقه في دينه وأن يتلو كتاب الله تلاوة صحيحة
متقنة بتدبر وتمعن، فيعود إلى الإعراض والاعتذار بأن المشاغل
التي تلاحقه لا تترك له فضلة وقت يلتفت فيها إلى تلاوة القرآن
أو التفقه في الدين أو دراسة شيء من علوم الإسلام!.. ومن
المعلوم أن مشاغله هي الدنيا التي تكفل الله له بها، وما يلح
في الإعراض والاعتذار عنه، هو الوظيفة التي خلقه الله عز وجل
من أجلها!..فهذا هو مراد ابن عطاء الله باجتهاد المسلم فيما قد
ضمنه الله له، وإعراضه عما قد كلفه الله به.. أن يضحي
بالتكاليف التي خلق من أجلها، لحاقاً وراء الدنيا التي ضمنها
الله له.أما الذي يقبل إلى واجباته الدينية التي كلفه الله بها
في حق نفسه وفي حق أهله وأولاده، فيتعلم أحكام دينه ويتشبع
بمعرفة عقائد الإسلام ودلائلها، ويتعلم القرآن تلاوة ثم دراية
وتفسيراً، ويقبل إلى أهله وأولاده فيربيهم التربية الإسلامية
التي أمره الله بها، ثم يقبل إلى الدنيا فيمارس أسباب رزقه حسب
ما قد أقامه الله فيه، وينشط في اكتساب رزقه بالطرق المشروعة
التي أمكنه الله منها، فإن مما لا ريب فيه أن نشاطه هذا وإن
كان في ظاهره دنيوياً إلا أنه في حقيقته جزء لا يتجزأ من
الوظيفة التي كلفه الله بها. لا سيما إن اتجه منه القصد إلى
تلبية أمر الله عز وجل بالكدح والسعي من أجل الرزق، وذلك في
مثل قول الله عز وجل: { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ
وَتَسْبِيحَهُ } { النور : 24/41 } بل إن هذه الأنشطة بهذا
الضابط الذي أوضحته، وبالقصد الذي ذكرته، تغدو نوعاً من الجهاد
في سبيل الله.روى الطبراني في معجمه الصغير والكبير من حديث
كعب بن عجرة أن رسول الله خرج ومعه جمع من الصحابة فرأوا
رجلاً قد بكر إلى العمل، ورأوا من جَلَدِهِ ونشاطه ما أعجبهم،
فقال أحدهم: ويح هذا، لو كان في سبيل الله، فقال عليه الصلاة
والسلام: «إن كان خرج يسعى على ولدٍ له صغاراً فهو في سبيل
الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين فهو في سبيل الله، وإن
كان خرج يسعى على نفسه ليعفها فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى
على أهله فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى تفاخراً أو
تكاثراً فهو في سبيل الشيطان».إن اسم العبادة ليس خاصاً
بالصلاة والصيام والحج وما هو معروف ومحفوظ من أحكام الإسلام
وتوابعه من نوافل القراءات والأذكار، بل هو شامل لكل سعي
يُبتغى منه التقرب إلى الله. فإذا تحقق هذا القصد فإن كافة
أنواع التجارات والصناعات وكل أنواع الفلاحة والزراعة والبناء،
جزء لا يتجزأ من العبادة، بل إن خوض غمار السياسة والنهوض
بمسؤولياتها المتفاوتة، من جوهر العبادة ولبها.ولكن فلتعلم أن
القصد إلى بلوغ مرضاة الله بذلك؛ لا يكون إلا حيث تكون هذه
الأعمال والأنشطة كلها مشروعة مباحة، ثم إنه لا يكون أيضاً إلا
بعد التنسيق مع الواجبات الأساسية الأخرى، من سائر أنواع
العبادات والنسك التي تمثل أركان الإسلام وذيوله وآدابه،
وفيمقدمة ذلك كله العكوف على معرفة الإسلام متمثلاً في
مصدرَيْه القرآن والسنة، وفي معرفة أحكام الشريعة الإسلامية
الأساسية والمتعلقة بكل فرد.وإلا فكيف يكون السعي اللاهث وراء
التجارة أو الصناعة أو الأنشطة السياسية، سعياً في سبيل الله
أو لوناً من ألوان العبادات والقربات، إذا كان صاحب هذا السعي
غافلاً عن صلواته ونسكه، معرضاً عن دراسة الإسلام وتعلم عقائده
وأحكامه؟!.مثل هذا الإنسان لا يعقل أن يكون قصده من أعماله
وأنشطته الدنيوية التقرب إلى الله عز وجل، إذ لو وجد هذا القصد
لديه حقاً، لساقه سوقاً، إلى حضور الجمعات والجماعات، وإلى
مجالس العلم وحلق الذكر.إن أكثر الأنشطة الدنيوية التي يلهث
وراءها أبطالها اليوم، بعيدة كل البعد عن حال من وصفه رسول
الله بأنه في سبيل الله. إنك تنظر فتراهم يعرضون ناسين أو
متناسين أوامر الله تعالى ووظائفهم الأولى التي خلقوا من
أجلها. يقدحون زناد الفكر للتفنن في السباق اللاهث إلى أعلى
درجات الغنى، والفوز بأبهى أنواع البذخ والمتع، وهم بأبسط
أحكام دينهم جاهلون، والرسالة القرآنية المبعوثة إليهم من الله
عز وجل مطروحة ومنسية وراء ظهورهم، غريبة ألفاظها عن ألسنتهم،
مجهولة المعاني من عقولهم.. إنهم حقاً مظهر صادق لقول ابن عطاء
الله: «اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك، دليل على
انطماس البصيرة منك».ودعوني أقل لكم ما يلي:يلاحقني كثير من
هؤلاء الأغنياء المترفين، بالدعوات المتلاحقة إلى حضور حفلات
يقيمونها بمناسبة عقود نكاح أو أفراح أخرى، في بعض من هذه
الصالات الفخمة التي تعرفون.. فأستجيب لما تتاح لي الاستجابة
إليه منها.. غير أني أقول لهؤلاء الداعين وأمثالهم الموجودين
في الحفل، من خلال الكلمة التي أدعى إلى إلقائها:ها أنا أستجيب
جهد استطاعتي لدعواتكم، فهلاّ استجبتم لحفلاتي التي أدعوكم
إليها، مع العلم بأن دعواتكم تستبطن غاية دنيوية ونجاحاً في
سباق إلى حظ من حظوظ النفس، أما دعوتي فهي متجهة إليكم باسم
الله عز وجل، إلى حضور درس من الدروس العلمية التي تقربكم إلى
الله، وتصعد بكم من حمأة هذه الدنيا ومنافساتها وصراعاتها، إلى
صعيد من النشوة والانتعاش بذكر الله.ثم إني أحسن الظن وأنتظر
الاستجابة، وألتفت باحثاً بين وجوه الآلاف الذين يغشون درسي في
شرح هذه الحكم أو غيره، فلا أرى إلا المقبلين إلى الله من
الشباب وذوي الدخل المحدود من عامة الناس. أما تلك الطبقة
المتميزة، فلا أجد منها أحداً في مثل هذه المجالس، إنهم يتقنون
فن الدعوة إلى حفلاتهم الباذخة، وأسلوب النقد والعتب الشديد إن
تغيبت ولم أستجب، ولكنهم لا يعرفون أبداً السبيل إلى المجالس
التي من خلالها يمكنهم النهوض بالوظيفة القدسية الكبرى التي
خلقوا من أجلها. * * *

محب الحبيب علي
15 Nov 2006, 12:06 PM
اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

موقفه التوازن بين الوظائف الدنيوية والواجبات الدينية

وصفوة القول في فهم هذه الحكمة على الوجه الشرعي السليم، تتمثل
في قول الله عز وجل: { رَبُّنا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ
خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } { طه: 20/50 } لاحظ أن الله وصف هذه
النخبة من الناس بقوله: { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع.. } {
النور: 24/36 - 38 } كل هذا تدركه من قوله جلّ جلاله: { لا
تلهيهم } { النور: 24/36 - 38 } الكلمة القرآنية: { أَلَمْ
تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ
فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ
وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ
وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ.. } { الحج: 22/18 }
اجعلوا وظائفكم الدنيوية دائرة في فلك واجباتكم الدينية..
وعندئذ تتحول دنياكم التي كانت تشغلكم عن الله إلى دين يقربكم
إلى الله عز وجل.ثم إن هذا الحكم الرباني الذي يتجلى في هذا
النص القرآني، قبل أن يبرز حكمة في كلام ابن عطاء الله، ينطبق
على الأفراد، وعلى المجتمعات متمثلة في القادة والحكام.في كلا
الحالين يجب أن تدور الأنشطة الدنيوية المختلفة في فلك
الواجبات والوظائف الدينية التي أقام الله عباده
عليها. والضمانة التي ألزم الله بها ذاته العلية، لمن سعى
بجدٍّ في تنفيذ الوظائف التي كلفه الله بها، تنطبق على
المجتمعات كما تنطبق على الأفراد.وإن تاريخ هذه الأمة خير مظهر
لهذا التطبيق، في كل من حالتي الطرد والعكس.انظر إلى شأن
الرعيل الأول من قادة هذه الأمة وحكامها: فتح الله أمامهم
مغاليق الدنيا، وأخضع لهم الحضارات، وبدد أمامهم القوى، وفجر
لهم عوامل الغنى من داخل الفقر، ونسج فيما بينهم وحدة ظلت مضرب
المثل؛ عندما أقاموا من أنفسهم خدماً لدين الله، وجعلوا من
أنفسهم جنوداً لأداء الوظيفة التي كلفهم الله بها، وصدقوا الله
فيما بايعوه عليه وألزموا أنفسهم به. فصدق فيهم قول الله عز
وجل: { ..وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ } { الحج: 22/18
} ثم انظر إلى أولئك الذين ذاقوا لذة الدنيا، ممن جاؤوا على
أعقابهم، أو سبقوا بعضاً منهم، فسكروا بها وركنوا إليها، ونسوا
الوظائف القدسية التي كلفهم وشرفهم الله بها، فجعلوا ديدنهم
جمع المزيد ثم المزيد من المال، وتشييد القصور الباذخة،
والتقلب في فنون المتع والنعيم، متوهمين أن مفاتيح الأبواب إلى
متعهم وشهواتهم، هي ذاتها مفاتيح الأبواب إلى قوتهم
وانتصاراتهم!.. إلام آلت عاقبتهم؟كانت عاقبة أمرهم خسراً، كما
قال الله تعالى، أفقرهم الله على الرغم من الأموال المكتنزة في
باطن أراضيهم، وأذلهم الله على الرغم من القوة المادية وأشعّة
الأبهة التي تزدان بها قصورهم وجباههم، ومزق الله شملهم وأقام
عوامل النزاع فيهم محل نسيج الوحدة الذي كان جامعاً لأشتاتهم.
ثم إن الله أقصاهم من ساحة الأحلام والآمال الدنيوية التي
جعلوا منها بديلاً للنهوض الجادّ بما قد كلفهم الله به، وسلّط
عليهم أعداءهم الذين توجهوا إليهم من كل نافذة وصوب!.. فلا هم
بالأمانة القدسية التي عهد الله بها إليهم نهضوا، ولا على
أحلامهم وأمانيهم الوردية الضبابية عثروا. ودونك فتأمل في
جنبات العالم العربي والإسلامي، هل تجد إلا مصداقاً بيناً
دقيقاً لما أقول؟!..والمصيبة كل المصيبة تتمثل في انطماس
البصيرة الذي أودى بقادة الأمة إلى سوء هذا المنقلب. إذ أنساهم
مصدر عزهم الذي هو الإسلام، فتنكروا له وأعرضوا عنه، ثم إنهم
بحثوا وبحثوا عن البديل الذي يعزهم، فلم يعثروا على شيء. فها
هم أولاء يجترون عواقب تيههم الذي تطوحوا فيه. وتُوقِّع
الليالي والأيام بتوقيع من النور علىحكمة ابن عطاء الله التي
تصيدها من كتاب الله: «اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طلب
منك، دليل على انطماس البصيرة منك». * * *

محب الحبيب علي
19 Nov 2006, 10:09 AM
الحكمة السادسة


لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً
ليأسك، فهو ضمن لك الاستجابة فيما يختاره لك، لا فيما
تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد

ـ أولاً: تعالوا نتساءل عن معنى الدعاء وشروطه

أولاً: تعالوا نتساءل عن معنى الدعاء، إذ كثيرون هم الذين
يلتبس عليهم الطلب بالدعاء، وبينهما فرق كبير.الطلب وصف للفظ
ينطق به الطالب، أما الدعاء فعبارة عن حالة نفسية تعتري الطالب
فيسمى طلبه عند ذلك دعاء. والحالة النفسية التي من أجلها يسمى
الطلب دعاء، تلك التي يتحقق فيها أمران اثنان: أولهما: يقظة
القلب والمشاعر، واتجاه كل منهما بانكسار وتذلل إلى الله عز
وجل. فأما إن لم يكن القلب يقظاً ولا المشاعر متفاعلة مع الطلب
اللساني، في حالة من التذلل والانكسار، وإنما كان اللسان ينطق
بكلمات محفوظة مع امتداد آليّ للكفين حسب الطقوس والعادة، مع
شرود الذهن وانصراف المشاعر إلى أفكار أخرى، فإن هذا لا يسمى
دعاء بالمعنى الشرعي المطلوب الذي يتحدث عنه ابن عطاء الله في
هذه الحكمة. وإنما يسمى طلباً، وهي تسمية لغوية يصطلح عليها
علماء اللغة العربية، عند حديثهم عن الإخبار والإنشاء.إذن، فلا
تقل والحالة هذه: إن فلاناً قد دعا الله. ولكن قل: قد طلب.
وإذا لم يكن هناك دعاء فلماذا تنتظر الاستجابة؟كثيرون هم الذين
يتحرقون سعياً وراء أحلام ورغائب دنيوية يطمحون إليها، يسمع
أحدهم أن ثمة أدعية معينة إن دعا بها الإنسان استجيب دعاؤه،
فيتتبع صيغ هذه الأدعية من بطون الكتب، أو يسأل عنها من يرجو
أن يكون لديهم علم بها، من العلماء أو طلاب العلم الشرعي، ثم
إنه يقبل إلى هذه الصيغ يحفظها كما يحفظ التلميذ درسه، ثم يسرد
ألفاظها في حركة طقوسية مجردة، وتنظر إلى حاله مع الله، وإذا
هو من المعرضين عنه وعن وصاياه وأوامره وتعليماته. ولكنها
الرعونة التي عبر عنها المثل العربي القائل: «صاحب الحاجة
أرعن لا يروم إلا قضاءها».فإذا كرر هذه الألفاظ التي حفظها،
ونظر فلم يجد استجابة لطلبه وبقيت أحلامه وهماً حبيساً في ذهنه
وفكره، أعلن الشكوى والعتبلى الله وقال: ها أنا قد دعوت فلم
يستجب لي، فأين أنا من مصداق الآية القائلة : { هُوَ
أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها } { هود:
11/61 } ثانيهما: أن يبدأ الداعي فيتوب إلى الله من المعاصي
التي ارتكبها في حقه. ويجعل من توبته الصادقة شفيعاً بين يدي
دعائه.فأما الذي يواصل العكوف على معاصيه، ويتجه في الوقت ذاته
إلى الإله الذي يعصيه، يطلب منه تحقيق أحلامه وحاجاته، فهو لا
يتعامل مع عقله فضلاً عن كونه بعيداً عن التعامل المنطقي مع
ربه!..تصور - ولله المثل الأعلى - رجلاً قد أساء إلى مسؤول
ذي شأن كبير، وجاء في الوقت ذاته يسأله قضاء بعض حوائجه، دون
أن يبدأ فيعتذر عن إساءاته وسوء تصرفه، لا السائل يعدّ منطقياً
في سؤاله، ولا المسؤول يُتوقع منه أن يستجيب لطلبه. والإنسان
أخو الإنسان أياً كانت الصلة بينهما، أما الإنسان مع الله:
فمملوك مع مالك، ومخلوق مع خالق، وعبد ذليل مع معبوده الواحد
بالحق.فكيف يقبل كلٌّ من الرشد والمنطق أن يدخل العبد رحاب
الله عز وجل وهو مثقل بالأوزار التي ارتكبها في حقه عز وجل،
دون أن يبدأ فيلقيها عن كاهله بتوبة صادقة نصوح، ثم يطلب منه
قائمة طلباته؟!.. طلب الله منه أن لا يعصيه فعصاه، ثم طلب الله
منه بعد التورط في العصيان أن يتوب إليه فأبى. ومن خلال عصيانه
وإصراره على العصيان، وعزمه على الاستمرار، جاء يقدم إلى الله
قائمة طلباته، ثم أخذ يلحف في الطلب.. ثم أخذ يعتب على الله
أنه دعاه فلم يستجب، خلافاً لما قد وعد!!..أيعقل أن يقدم على
هذا إنسان ذو إنسانية مستيقظة؟

محب الحبيب علي
19 Nov 2006, 10:12 AM
لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً
ليأسك، فهو ضمن لك الاستجابة فيما يختاره لك، لا فيما
تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد

ـ الفرق بين الطلب والدعاء

إن هذا العمل يسمى طلباً، ولا يسمى دعاء، كما قد أوضحت، ولكي
يتحول الطلب إلى دعاء لا بدّ من توافر هذين الشرطين فيه:
أولهما يقظة القلب والمشاعر إلى مناجاة الله تعالى في تذلل
وانكسار حقيقيين، ثانيهما التوبة الصادقة النصوح إلى الله
تعالى من سائر الذنوب والآثام. والله عز وجل إنما وعد باستجابة
الدعاء ولم يعد باستجابة ما يسمى طلباً.وهذا هو السبب في أن
الإنسان كثيراً ما يدعو الله لنفسه فيستجاب له، ويدعو لعامة
الناس فلا يستجاب له. إذ من اليسير عندما يدعو أحدنا لنفسه أن
يقدم بين يدي دعوته توبة صادقة لله عز وجل من جميع سيئاته
وأوزاره، ولكن ليس من اليسير أن يتحقق هذا الشرط عندما يدعو
أحدنا للمجتمع بأسره، إذ المجتمع مليء بالتائهين والعاصين
والمستكبرين، ودعاؤنا لهم جميعاً تبقى استجابته معلقة على شرط
التوبة، على أن يتمثل في توبة الداعي وتوبة من ندعو لهم. وأنى
لك بتوبة الكثرة الكاثرة من هؤلاء التائهين والعاصين؟إذا دعوت
الله عز وجل أن يرفع الشدة عن المجتمع الذي أنا فيه، وأن
يمدّنا بمزيد من العطاء والرخاء، وأن يكرم الأمة بالغيث،
فلأعلم أن خطاباً يوجه إليّ قائلاً: ذكّر الأمة التي تدعو لها
أن يتوب أفرادها وفئاتها عن المعاصي والظلم وأن يتحققوا
بالشروط التي لا بدّ منها لاستجابة الدعاء، فإن هم أقلعوا عن
المعاصي وتحققوا بالشروط، فادع الله لهم، يُسْتَجَبْ دعاؤك.
فإن أعجزك هذا الأمر، فادع الله لنفسكبعد التقييد بالشروط،
(وإن بوسعك أن تلزم نفسك بها) ، يَسْتَجِبِ الله لك.

محب الحبيب علي
19 Nov 2006, 10:14 AM
لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً
ليأسك، فهو ضمن لك الاستجابة فيما يختاره لك، لا فيما
تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد

ـ من عادة الله عز وجل لدى استجابته لدعاء عبده، أن يحقق
له الهدف المطلوب بقطع النظر عن الوسيلة التي تعلق بها

فإذا تحققت الشروط، والآداب المطلوبة كلها، فإن الله سيستجيب
الدعاء ويحقق المطلوب. ولكن إياك أن تتصور بأن الاستجابة تعني
أن يحقق الله لك حرفية ما طلبته منه.. بل اعلم أن الاستجابة
التي وعد الله بها عباده أعم وأوسع من ذلك.إن استجابة الله لك
تعني أن يحقق لك هدفك، وليس من لوازم ذلك أن يحقق لك حرفية ما
قد طلبت، لظنك أنه هو السبيل الذي يوصلك إلى هدفك.طلبتُ من
الله تعالى شيئاً بمواصفات معينة، ظناً مني أنها الضمانة للهدف
أو الخير الذي أبتغيه. ولكن الله الذي يعلم غيب السموات
والأرض، ويعلم ما قد تأتي به التقلبات والأحداث، قد يعلم أن
هذا الشيء الذي طلبته وتعلقت به لظني أنه يتضمن الخير الذي
أبتغيه، لا ينطوي في الواقع على هذا الخير، بل ربما كان سبباً
لنقيضه. فيصرف الله عني حرفية ما طلبت، لطفاً منه ورحمة بي،
ويحقق لي الهدف البعيد الذي أبتغيه بوسيلة أخرى لم تكن تخطر
مني على بال.. وهذا هو معنى قول الله عز وجل: { وَأْمُرْ
أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْأَلُكَ
رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } { طه:
20/132 } وإلى هذا يشير ابن عطاء الله في هذه الحكمة السادسة،
إذ يقول: «فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره
لنفسك».وكم في حياة كل منا نماذج تجسد هذه الحقيقة التي
أقولها. كم من إنسان تعلق قلبه بمهنة أو بوظيفة خيل إليه أنها
تحقق له أهدافه وأحلامه، وبات يدعو الله ويلحف في الدعاء أن
تتحقق له تلك الوظيفة، وانتظر وانتظر.. دون أن تتحقق له تلك
الوظيفة، حتى خيل إليه أن الله لن يستجيب دعاءه، وما هي إلا
أيام حتى خلق الله له أسباباً أخرى أوصلته إلى بغيته من حيث لم
يكن يحتسب، وتأمل في الأسباب التي اختارها الله له، وإذا هي
خير من الوظيفة التي كان قد تعلق بها، بأضعاف!.. فأخذ يحمد
الله أن صرفه عما كان متعلقاً به، وأكرمه بما لم يكن يخطر منه
على بال.وأني لأذكر، ولا أنسى، أنني في كثير من الأيام الخوالي
من عمري، تعلقت برغائب خيل إليّ أن سعادتي متوقفة عليها، وأخذت
أدعو الله وأسأله ليل نهار أن يحققها لي، ولكنها لم تتحقق،
وقبل أن ينال الشيطان مني فرصة إساءة الظن بالله عز وجل،
عوَّضني عن تلك الرغائب بما هو خير منها. فأخذت أحمد الله عز
وجل أن لم يحقق لي حرفية ما كنت أطلب، إذ لو تحققت لي تلك
الرغائب الحرفية لجرّتني إلى مصائب لا حدّ لها. وإنه لَلُطْفٌ
كبير وعجيب من الله بالعبد أن يراه لجهالته يتعلق ببوارق
ظاهرها الخير وباطنها البلاء الكبير، فيقصيه الله برائع لطفه
ورحمته عن تلك البوارق، ويكرمه بما يتأمله ويبتغيه من ورائها،
من الآمال التي تسعده وتبعده عن أسباب الشقاء. * * *

محب الحبيب علي
19 Nov 2006, 10:15 AM
لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً
ليأسك، فهو ضمن لك الاستجابة فيما يختاره لك، لا فيما
تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد

ـ خطأ ثان يقع فيه الإنسان أحياناً، هو استعجاله
الاستجابة

خطأ ثان، يقع فيه بعض الناس. يدعو أحدهم وقد التزم بالشروط
التي لا بدّ منها: تاب إلى الله، أعاد الحقوق إلى أصحابها، دعا
بشعور يقظ وبقلب واجف منكسر.. ثم أخذ يحسب على الله الليالي
والأيام، وربما الساعات، منتظراً أن يلقى الاستجابة في أقرب
وقت، فإذا مضت بعد دعائه مدة يحسبها في نظره طويلة، دون أن يجد
الاستجابة المطلوبة، ضاق ذرعاً، وقال في سره أو جهره: ها أنا
ذا دعوت، فلم يُسْتَجَبْ لي!..وذلك هو شأن الرعونة التي تهيمن
على كثير من الناس نتيجة لشدة تعلقهم بالرغائب والأحلام
والآمال التي يطمحون إليها.فما هو موضع الخطأ في هذا
الأمر؟موضع الخطأ أن هؤلاء الناس يظنون أن الدعاء الذي أمر
الله به، إنما هو وسيلة إلى غاية، أي أن اللجوء إلى الدعاء
إنما يكون - فيما يظنون - لعارض يتمثل في حاجة طرأت أو مصيبة
وقعت، فإذا تحققت الحاجة وزالت المصيبة لم تبق حاجة إلى
الدعاء.. ثم إن هذا الظن يحمل أصحابه على أن ينتظروا متلهفين،
بعد الدعاء، فإن لم يجدوا سرعة الاستجابة، أيقنوا أن الدعاء
إذن لا فائدة منه، فتفتر عندئذ عزائمهم عن استمرار السؤال
والدوام على الدعاء. إذ إنهم ينظرون إلى الدعاء على أنه -كما
قلت- وسيلة إلى غاية، ولا يعلمون أنه غاية بحدّ ذاتها.وهذا خطأ
كبير، بل وقتّال ربما!..الدعاء عبادة قائمة بذاتها.. فهو غاية
لا وسيلة. الإنسان عبد مملوك لله. والعبد محتاج في كل لحظة إلى
سيده بالنسبة لسائر أموره المتنوعة والمختلفة. ومن أهم وظائف
العبد أن يعلن عن عبوديته لسيده، وذلكبأن يعبر عن احتياجه
الدائم إليه، وتوقف حياته ومقومات عيشه وسعادته على الرعاية
التي تفد إليه منه.. وسواء رأى العبد آثار سؤاله ودعائه وإعلان
احتياجاته، أو لم ير شيئاً من ذلك، فإن شأن العبودية أن يظل
العبد واقفاً على الأبواب متذللاً عند الأعتاب.. ولْتَعْلَمْ
أن هذا لا ينطبق إلا على عبودية واحدة لا ثاني لها، هي عبودية
الإنسان لله.ولا يوهمنَّك خلافَ هذا الذي أقول أن الله قرن
الدعاء بالاستجابة عندما قال: { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا
كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } { الإسراء: 17/35 } لا.. ليس معنى
الآية كذلك، وليس بين الجملتين شيء من هذا الربط أو العلاقة
التي قد تسري إلى وهمك.الآية تتضمن أمراً اقتضته عبودية
الإنسان لله، وهو قوله: { مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ
أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً
طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما
كانُوا يَعْمَلُونَ } { النحل: 16/97 } وهذا هو السبب في قوله
: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يُسْتَجَبْ
لي»
رواه_الشيخان_وأبو_داود_والترمذي_وابن_ماجه_من_حديث_ أبي_هريرة.
.ومعنى قوله هذا: يستجاب لأحدكم ما لم يظن أن له على الله
حقاً أن يستجيب دعاءه إن دعاه، ويقل في نفسه، وها أنا مع ذلك
قد دعوت ولم أنل حقي في الاستجابة!!..إذن. هما أمران كل منهما
منفصل عن الآخر. الدعاء عبادة يجب على من علم عبوديته لله أن
يؤدي حقها عليه، بقطع النظر عن النتائج التي يتوقعها. وهذا
معنى قوله : «الدعاء هو العبادة»
رواه_أحمد_وابن_حبان_والحاكم_في_المستدرك_والبخاري_ف ي_الأدب_ال
مفرد_من_حديث_النعمان_بن_بشير. والاستجابة تفضل وإكرام من
الله عز وجل.والنتيجة السلوكية التي يجب أن يلتزم بها المسلم
بناء على هذا، هي أن عليه أن يمدّ يد الافتقار إلى الله عز وجل
في كل الأحوال، وأن يعلن بالذل والانكسار عن كل احتياجاته التي
لا حدود ولا نهاية لها، بقطع النظر عن النتائج التي قد تواجهه.
ولكن عليه في الوقت ذاته أن يثق بكرم الله وإحسانه، وبأنه
سيستجيب دعاءه، وما الحكمة في تأخر ظهور الاستجابة في كثير من
الأحيان، إلا أن يُربَّى العبد على فهم هذه الحقيقة، وأن لا
يتصور أن الاستجابة نتيجة آلية أو حتمية للدعاء. وعندئذ يصبح
كل من الدعاء وانتظار الاستجابة دون ضجر ولا قلق، جزءاً لا
يتجزأ من العبادة، بل هو لب العبادة وروحها. ولذا ورد في
الحديث قوله : «انتظار الفرج عبادة»
رواه_ابن_أبي_الدنيا،_وابن_عساكر_من_حديث_علي._ورواه _القضاعي_م
ن_حديث_ابن_عمر_وابن_عباس،_ورواه_ابن_عدي_في_الكامل_ والخطيب_ال
بغدادي_في_تاريخه_عن_أنس._وهو_وإن_كان_ضعيفاً_إلا_أن _هذه_الطرق
_يقوي_بعضها_بعضاً. .فهذا هو معنى الجزء الثاني من حكمة ابن
عطاء الله هذه، وهو قوله: «.. وفي الوقت الذي يريد لا في
الوقت الذي تريد» أي ضَمِنَ لك الإجابة في الوقت الذي يحبه هو
طبق الحكمة التي يراها، لا في الوقت الذي تريد طبق الرعونة
التي تهتاج بك وتضطرب في كيانك.

محب الحبيب علي
20 Nov 2006, 10:48 AM
الحكمة السابعة


لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه،
لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك

ـ في كتاب الله تعالى وعود كثيرة ألزم الله بها ذاته
العلية دون اشتراط دعاء، قد يرى كثير من الناس أنها لم
تتحقق وأن الواقع يخالفها، فما الجواب

يفيض كتاب الله عز وجل بوعود ألزم بها ذاته العلية للمسلمين،
دون أن يقيد إنجازها بمسألة ودعاء، بل ألزم الله بها ذاته
العلية ابتداء، إن وفى المسلمون بالأوامر والمتطلبات التي
كلفهم بها.من ذلك هذه الوعود القاطعة التي ألزم الله عز وجل
بها ذاته لعباده الذين أنجزوا ما قد أوصاهم وكلفهم به:- {
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَما
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً.. } { النور: 24/55
} - { لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ
الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ
وَعِيد } { إبراهيم: 14/13ـ14 } - { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ
عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ
أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ } { القصص: 28/5 } - {
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً.. } { النحل: 16/97 } - {
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي
مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } {
الملك: 15/67 } والذي يحصل أن كثيراً من الناس قد يمرون على
هذه الآيات وأمثالها، ويقفون على هذه الوعود التي ألزم الله عز
وجل ذاته بها لعباده الذين طبقوا أوامره.. وينظر فيجد أن هذه
الوعود، أو أكثرها، غير ناجزة اليوم. فالمسلمون ليسوا منصورين
كما قد وعدهم الله، والظالمون يسرحون ويمرحون ويستلبون الحقوق،
ولم يهلكهم الله كما قد وعد، وتوعّد. والمسلمون فيهم الكثير
ممن لم تتحقق لهم الحياة الطيبة كما قد وعدهم الله عز وجل..
إلخ.فابن عطاء الله يخاطب هؤلاء المرتابين في وعود الله عز وجل
قائلاً: «لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه،
لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك». * * *
غير أن لأحدنا أن يسأل قائلاً: كيف لا أشك في الوعد، وأنا أرى
أمامي الواقع المخالف له؟والجواب هو أن الذي تُداخله الريبة في
صدق وعود الله عز وجل، (وقد ذكرت نماذج عنها)، هو ذاك الذي
يلاحق دائماً ما له من حقوق عند الله، ولا يلاحق نفسه بشيء من
الواجبات الثابتة لله عليه.إنه يقول مثلاً: ها نحن مؤمنون
مسلمون، مساجدنا عامرة بالمصلين، نستقبل شهر رمضان بالصيام،
نهرع إلى الحج في أيامه، إذن فنحن ننتصر لدين الله، فأين هو
نصره لنا؟ ما له يسلط علينا الأعداء من كل جهة، يستلبون حقوقنا
ويحتلون أوطاننا؟يقول هذا من خلال المناظير المكبرة التي يضعها
على حقوقه وحقوق الأمة جمعاء، دون أن يتتبع الواجبات التي كلفه
الله بها فضيعها، من خلال منظار ضعيف واحد!..يمتن على الله بأن
شعائر الإسلام لا تزال قائمة، فالمساجد تشهد مصلين فيها،
ورمضان يشهد الصائمين والقائمين، ومكة تزدحم بالحجيج في كل
عام. غير أنه لا يخترق هذه الشعائر العامة ليقف على أخلاق
الناس وسلوكهم، وليدخل البيوت ويشهد غربة الإسلام فيها،
وانصراف الأسر إلى ليالي الشهوات والأهواء، وليطل على الأفكار
التي تستهين بالإسلام كله من جذوره إلى فروعه، وتقف من أحكامه
وأنظمته موقف المتبرم من القديم الذي ملّه واجتواه أهله،
وليتبين التيار المستغرب الذي ينادي بالحداثة آناً وبالعلمانية
آناً، وبالحرية التي تهدف إلى الانعتاق من أَسْرِ الدين آناً
آخر، ولا يتأمل ليرى أن هذا المزيج المعرض عن الله وأحكامه هو
النسيج الذي يشكّل كسوة المجتمع في الجملة، وهو الذي يفرزه
مسرح الأنشطة والأحداث التي تموج فيه. أما الشعائر التي يمتن
بها على الله ليطالبه من خلالها بحقوقه، فهي كما يعلم الجميع
قشرة رقيقة وضاءة تغطي واقعاً مظلماً مخيفاً.وآية هذا الذي
أقول، أن جلّ الذين يقولون هذا الكلام ويحتجون على الله
بوعوده، نجدهم من الشاردين عن هديه والمستهترين بأحكامه،
والبعيدين حتى عن معرفة الأساسيات من دينه. وعندما يحتجون على
الله بهذا الذي يقولون، إنما يتذكرون في الشعارات الإسلامية
العامة، التزامات غيرهم!..فما هو الأساس الذي يتفرع عنه هذا
الواقع الذي وصفت؟أساس ذلك أن الإنسان كلما كان بعيداً عن الله
مستغرقاً في المشاغل الدنيوية تقل وتضمر أمام بصيرته حقوق الله
عليه، وتتكاثر رغباته وأمنياته التي قد يرى فيها حقاً له على
الله!!..مثل هذا الإنسان إن رأى نفسه يؤدي الفرائض الخمس ويتجه
مع الناس في موسم الحج إلى بيت الله الحرام، وينساق مع الناس
للصيام في شهر رمضان، يجزم بأنه قد أدى كل ما لله من حق عليه،
وإنما بقي أن تصله حقوقه التي وعد الله بها عباده الصالحين في
محكم كتابه.وكلما كان الإنسان أكثر معرفة بالله وصفاته، وأبعد
عن الاستغراق في المشاغل الدنيوية، تعظم وتتكاثر أمام بصيرته
حقوق الله عليه، وتضمر بل تذوب حقوقه التي يرى أنه قد غدا
أهلاً لها.تصور حال شاب حديث العهد بالإنابة والتوجه إلى الله،
إنه إن وجد نفسه موفقاً لأداء الفرائض الخمس بأي أشكال الأداء،
قادراً على الإقلاع عن الفواحش والكبائر التي كان عاكفاً
عليها، يظن أنه قد بلغ بذلك درجة الصديقين.فإذا ازداد تشبعاً
بحقائق الإسلام وازداد معرفة بالله وصفاته، أخذ يشعر بتقصيره،
وأصبح يرى في صلاته الثغرات الكثيرة من الغفلة وعدم الحضور
فيها، ومن الاكتفاء بالفرائض وإهمال ما يتممها من النوافل،
ويحفزه هذا الشعور على أن يحمل نفسه على مزيد من الطاعات وعلى
مزيد من الإتقان في أدائها.. فإذا ازداد تذوقاً لحقائقالإسلام
وازداد حباً لله وتعظيماً له، عاد إلى قرباته وطاعاته ينظر
إليها وإذا هي في عينه تافهة قليلة لا تساوي شيئاً أمام عظيم
حق الله عليه وأمام نعمه الكثيرة التي يتقلب منها في يمّ لا
حدود له، فيضاعف عندئذ من قرباته وطاعاته، ويبالغ في رعايتها
أن تكون صافية عن الشوائب.فأنى لهذا الإنسان والحالة هذه أن
يرى لنفسه حقاً على الله يطالب به؟ وكيف يتأتى له، وهو مغمور
بمشاعر تقصيره، أن يطالب الله بالحياة الطيبة التي وعد بها
عباده الصالحين؟ولما كان سيدنا محمد رسول الله أكثر الناس
معرفة بربه وأكثرهم حباً وتعظيماً له ومهابة ومخافة منه، فقد
كان أكثرهم شعوراً بالتقصير في جنبه والعجز عن شكره وأداء
حقوقه.. ولقد كانت تنتابه من ذلك حالات من الضيق الآتي من تصور
بعده عن الوفاء بحقوق الله فيستغرق في الاستغفار، شأن العاصي
الذي جاء يطلب من الله الصفح عما اجترح. وهذا معنى قوله
: «إنه ليغان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم والليلة مئة
مرة»
رواه_بهذا_اللفظ_مسلم،_ورواه_البخاري_بلفظ:_«فأستغفر _الله_أكثر
_من_سبعين_مرة». .وقد عبر عن هذه الحقيقة بعض الصالحين بقوله:
«حسنات الأبرار سيئات المقربين».وبوسعك أن تتبين جليّ ما قد
أوضحت، في هذه الأسطر التي أنقلها لك من كلام الإمام الشاطبي
في كتابه الموافقات: «فالضرب الأول حاله حال من يعمل بحكم عهد
الإسلام وعقد الإيمان، من غير زيادة. والثاني حاله حال من يعمل
بحكم غلبة التعظيم والخوف والرجاء والمحبة. فالخوف سوط سائق،
والرجاء حادٍ قائد، والمحبة تيارٌ حامل.. والخائف يعمل مع وجود
المشقة، غير أن الخوف مما هو أشق يحمل على الصبر على ما هو
أهون وإن كان شاقاً.. والمحب يعمل ببذل المجهود شوقاً إلى
المحبوب، فيسهل عليه الصعب، ويقرب عليه البعيد، وتفنى القوى
ولا يرى أنه أوفى بعهد المحبة ولا قام بشكر النعمة»
الموافقات_للشاطبي_2/141. . * * *

محب الحبيب علي
20 Nov 2006, 10:49 AM
لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه،
لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك

ـ النتيجة هي أن الله لايخلف وعداً قطعه على ذاته لمن
أدوا شروط الوفاء به

والنتيجة التي ننتهي إليها من معرفة هذا الأساس، هي أن الله لا
يخلف عهداً أو وعداً قطعه على ذاته العلية لمن أدوا شروطه بصدق
وإخلاص.غير أن الذين يعرفون هذه الشروط ويقدرونها حق قدرها هم
الذين عرفوا الله حق معرفته وفاضت أفئدتهم حباً وتعظيماً له،
لا الذين يتعاملون مع الله على أساس من عقد الإسلام فقط كما
قال الشاطبي، ويحصون على الله حقوق أنفسهم دون أن يتذكروا حقاً
على أنفسهم له. إن هؤلاء لن يدركوا أي معنى لقوله تعالى: {
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها
اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ ، رِجالٌ
لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصارُ ، لِيَجْزِيَهُمُ
اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ } { النور:
24/36 - 38 } لقوله: { لا تلهيهم } { النور: 24/36 - 38 }
713 أخبرني أحد الجنود الذين كانوا في هزيمة حرب عام 67، أنه
كان عائداً إلى دمشق مع ثلة من زملائه الجنود، وفي الطريق حان
وقت الصلاة، فبحثوا عن مكان مناسب، ووقفوا يصلون.. وفي تلك
الأثناء مرّ بهم خبراء من العسكريين الأجانب، فوقفوا ينظرون
إليهم.. ولما أتموا صلاتهم قالوا لهم: إن الله لم ينصركم في
الحرب فلماذا تصلون له؟..قلت للجندي الذي أخبرني بهذه القصة:
كان عليكم أن تقولوا لهم: إننا نصلّي شكراً له أنه لم يعاقبنا
على آثامنا وإعراضنا عن أوامره، وارتكابنا للمنكرات الكثيرة
التي تفور بها معسكراتنا، بخسف ولا بمحق ولا بزلزال، ولا
بحجارة يمكن أن يرسلها علينا من السماء، إذ إننا نستحق أكثر من
هذا الذي أصابنا.إن أولئك الخبراء الذين طرحوا سؤالهم ذلك، لم
يكونوا جاهلين بحقوق الربوبية، بل كانوا جاهلين بالذات
الإلهية، ناسين وجوده من حيث هو!..وإني لأذكر أن أحد الصالحين
سئل - وكان مظنة ولاية وقرب من الله عز وجل -: ألا ترينا يا
سيدي بعضاً من كراماتك التي تزيدنا إيماناً وثقة بالله عز
وجل؟قال لهم: ألا ترون أعاجيب الخوارق والكرامات التي يكرمني
الله بها في كل لحظة؟قالوا له: لم نر شيئاً منها بعد..قال:
أفلا ترون أني أسير فوق الأرض دون أن تخسف بي، ودون أن تنهمر
عليّ النيازك والشهب؟.. أليس من الإكرام الإلهي - وأنا أستحق
الهلاك بسبب تقصيري الدائم وتفريطي في أوامره وحقوقه - أن
يحيطني بحمايته ورعايته فلا يهلكني كما قد أهلك الكثير ممن
كانوا قبلي؟!..إن هذا الذي قاله هذا الرجل الصالح كان صادراً
من صادق مشاعره، ولم يكن يقوله تصنعاً أو تكلفاً.. بل هو شأن
كل من فاض قلبه تعظيماً لله ومهابة له وخوفاً منه وإدراكاً
لآلائه ونعمه التي يتقلب في غمارها، لا سيما عندما يقف على مثل
قوله عز وجل: { لا تلهيهم } { النور: 24/36 - 38 } * * *

محب الحبيب علي
20 Nov 2006, 10:51 AM
لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه،
لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك

ـ على كل من يتعامل مع الله عز وجل أن يبدأ فيعلم سنن
الله التي يتعامل على أساسها مع عباده

ثم إن على كل من يتعامل مع الله عز وجل، أن يبدأ فيقف على سنن
الله في عباده والقواعد التي يتعامل معهم على أساسها، كي لا
يخطئ في فهم ما قد يراه من الأحداث.


ـ من هذه السنن قوله عز وجل: {واتقوا فتنة لاتصيبّن الذين
ظلموا منكم خاصة}

إن من بعض هذه القواعد والسنن، أنه جلّ جلاله قد يأخذ الكلّ
بجريرة البعض، وقد نص البيان الإلهي على هذا في قوله عز وجل:
{ ..لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ
الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ
وَعِيد } { إبراهيم:14/13ـ14 } عندما سألته زينب رضي الله
عنها قائلة: «أنهلك وفينا الصالحون؟» فأجابها قائلاً: «نعم،
إذا كثر الخبث».فلا يقولن قائل: ما جريرتنا نحن الملتزمين
والمستقيمين، أن يصيبنا البلاء أو يحيق بنا الهلاك بسبب
غيرنا.وقد نفذت هذه القاعدة، بقدر كبير من الشدة والدقة، في
عهد رسول الله ، يوم أحد، ويوم حنين.في غزوة أحد أمر رسول
الله الرماة، وكانوا زهاء خمسين، أن لا يبارحوا أماكنهم حتى
يأذن لهم رسول الله ، وكان رسول الله قد أقامهم فوق رابية
يحمون فيها ظهور المسلمين.فلما بدأ القتال ودارت رحى الحرب على
المشركين، وأيّد الله المسلمين بالنصر، فهُزم المشركون شرّ
هزيمة، وتركوا وراءهم كثيراً من الأموال والغنائم، نظر الرماة
من أماكنهم إلى ما حلّ بالمشركين، فلم يشكّوا في أن الحرب قد
وضعت أوزارها، وتشاوروا في أن ينزلوا فينالوا نصيبهم من
الغنائم.. فأيد بعضهم ذلك وخالف آخرون محذرين من مخالفة أمر
رسول الله. فنزل الذين اجتهدوا ورأوا النزول قبل أن يأذن لهم
رسول الله بذلك. فماذا كانت النتيجة؟أدخل الله في أفئدة فلول
المشركين العزيمة والجرأة، بعد الخوف والرعب، فاستدار بعض منهم
يرأسهم خالد إلى جبل الرماة الذي خلا من أكثر الذين كانوا
عليه، فقتلوا البقية المرابطين عليه، وانحطوا بسهامهم في ظهور
المسلمين الذين أدخل الله في أفئدتهم الاضطراب والرعب، بعد
الذي كانت تفيض به من الصمود ونشوة الظفر.. وماهو إلا أن تحول
النصر إلى هزيمة، راح ضحيتها كثير من المسلمين، بل أصاب رشاشها
شخص رسول الله الذي كسرت رباعيته ووقع في كمين أعده له
المشركون.كل ذلك، من أجل خطأ أو معصية تورط فيها بعض الجنود من
أصحابه ، ولم يشفع وجود رسول الله في الغض عن تلك المعصية
وطيّها عن الاعتبار. ونزل في ذلك بيان من الله عز وجل يرسِّخ
في أذهان الناس هذه السنة الإلهية التي يأخذ بها عباده، كي
يأخذوا حذرهم ولا يعودوا إلى مثلها. وهو قوله عز وجل: { وَقالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم } { غافر:40/60 } فتأمل،
يرحمك الله، وقارن بين تلك الغلطة أو المعصية التي تورط فيها
بضع عشرات في جيش معهم رسول الله ، والمعاصي الكبيرة والكثيرة
التي تفيض بها المعسكرات اليوم، والتي يكاد يصل البعض منها إلى
قريب من الكفر. ثم قارن بين عصا التأديب التي أصابت رسول الله
وأصحابه من جراء تلك الغلطة، وعصيّ التأديب التي تصيبنا نحن
المسلمين اليوم، من جراء الآثام الخطيرة التي استسلمنا راضين
مطمئنين لتياراتها، تجد أننا مغمورون بدلال عجيب وبألطاف كبيرة
من الله عز وجل.فإذا جاء، مع هذا كله، من يرتاب في وعود الله
عز وجل، ويرى أنه يستحق تكريماً لم يمنحه الله إياه، أو يرى أن
مجتمعاتنا اليوم تستأهلالنصر الذي وعد الله به عباده الصالحين،
فإن ارتيابه هذا لدليل على انطماس بصيرته وخمود نور سريرته،
كما يقول ابن عطاء الله. * * *


ـ ومن هذه السنن أيضاً ما يعامل الله به الطغاة الذين
قطعوا آخر خيوط الصلة بمولاهم عز وجل

وإن من هذه السنن والقواعد الإلهية، ما يعامل الله به الطغاة
والعتاة الذين قطعوا آخر خيوط الصلة بخالقهم، وأزهقوا أوهى
الآمال المتبقية بعود حميد إلى الله، من فتح أبواب المتع كلها
أمامهم، وتسخير الدنيا كلها لمطامعهم وأهوائهم، ليزدادوا بذلك
عتواً وسكراً، فيكون العقاب الذي أعدّه الله لهم أشدّ وأقسى!..
فإذا أخذهم الله بعد ذلك، أخذهم أخذ عزيز مقتدر.تأمل في هذه
النصوص القرآنية التي ترسخ هذه السنة الإلهية وتؤكدها:- {
وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى
أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } { البقرة : 2/216 } - {
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ، وَأُمْلِي
لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } { الأعراف: 7/182ـ183 } - {
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ
إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصارُ } {
إبراهيم: 14/42 } - { وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلَى أُمَمٍ مِنْ
قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ
لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ، فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا
تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، فَلَمّا نَسُوا ما
ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ } { الأنعام: 6/42 - 44 } وهذه السنة
الإلهية، مع هذه النصوص القرآنية الناطقة بها، هي التفسير لما
قد تراه، ويعجب له كثير من السذج والجاهلين، من تقلب أمم البغي
والضلال، في النعم والمتع التي لا حصر لها. إنها، كما قال الله
تعالى متاع قليل لا دوام له، ثم إنه متاع وإن بدا للناظر
باعثاً على السعادة ناشراً للأمن والسرور، إلا أنه في الواقع
الحقيقي، يحمل في داخله بذور الشقاء والآلام. فإذا حان الميقات
الخفي الذي لا يعلمه إلا الله، تفجرت هذه البذور بالشقاء
والدمار على أولئك الذين كانوا يعكفون منها على متع ولذائذ لا
حصر لها.. ومصداق هذا قول الله عز وجل: { ..حَتَّى إِذا
فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ
مُبْلِسُون } { الأنعام: 6/44 } فإذا جاء اليوم من يقول: نحن
المسلمين يحجب الله عنا وعوده التي التزم لنا بها، وأولئك
الجاحدون العتاة الظالمون يكرمهم الله بما لم يعدهم به من
الأعطيات والانتصارات، فما مردّ قوله هذا إلا إلى انطماس
بصيرته، وإعراضه عن خطاب الله الذي لو تأمل فيه، لعرف قواعده
وسننه التي يتعامل على أساسها مع عباده المؤمنين والجاحدين،
والمهتدين والتائهين. * * *

محب الحبيب علي
21 Nov 2006, 09:50 AM
الحكمة الثامنة


إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك

ـ انتقال الإنسان من أودية الضلال إلى صعيد الهداية يتم
بأحد طريقين: طريق الإنابة، أو طريق الاجتباء، والتعريف
بكل منهما

يمكن أن يرقى الإنسان من وهدة الضياع والضلال إلى صعيد الهداية
ومعرفة الله، من خلال أحد طريقين لا ثالث لهما:أحدهما يتجه به
الإنسان إلى الله، وهو طريق طويل وشاق، يبدؤه الإنسان بغرس
حقائق الإيمان وأركانه في عقله، ثم يوجه قلبه إلى محبة الله
وتعظيمه والخوف منه، ثم يقبل إلى أوامر الله عز وجل فيأتمر
بها، وينتهي عن المنكرات التي حذر منها، ويستعين على ذلك
بالإكثار من ذكر الله والإكثار من تلاوة القرآن. والنتيجة التي
ينتهي إليها سالك هذا الطريق هي تضاؤل الدنيا شيئاً فشيئاً
أمام بصره وبصيرته، وتعاظم الآخرة وما فيها شيئاً فشيئاً في
نفسه وفؤاده، فيهتم لما هو مقبل إليه أكثر من اهتمامه للدنيا
التي يعبرها ويمرّ بها. وهذا الطريق يسمى طريق الهداية
والإنابة.ثانيهما طريق يتجه به الله إلى العبد. أي فالطريق
الأول يكون البدء فيه منك إلى الله، كما قد بينت لك، أما هذا
الطريق الثاني فيكون البدء فيه من الله إليك. ويسمى طريق
الاجتباء.. يكون الإنسانستغرقاً في شروده وبعده عن الله،
منصرفاً إلى أهوائه ورغائبه الدنيوية، وفجأة تدركه رحمة من
الله تعالى لسبب من الأسباب التي قد لا يعلمها إلا الله،
ويتجلى الله عليه تجلّي لطف وإيقاظ، فيجذبه إليه، ويسمو به إلى
صعيد معرفته فحبه وتعظيمه. وقد يتم ذلك كله في لحظة
واحدة.ويعبّر البيان الإلهي عن هذين الطريقين للخروج من التيه
والضلال، إلى الهداية والرشد بقوله عز وجل: { اللَّهُ
يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ
يُنِيب } { الشورى: 42/13 } اجتباء وهداية.. أولهما يكون
باصطفاء وجذب من الله عز وجل، لمن شاء من عباده كما قال..
وثانيهما يكون بإنابة فسير من العبد إلى الله تعالى خلال طريق
طويل من المعارف والطاعات والأذكار والقربات.وارتباط الاجتباء
بمن شاء الله أن يجتبيهم ويجتذبهم إليه، فيه دلالة على أن
الإنسان ليس له أي دور في اختيار هذا الطريق، وإنما هو خصيصة
واصطفاء من الله لمن شاء. والطريق الثاني الذي سماه الله طريق
الإنابة والهداية هو الذي أناطه الله بسلوك الناس واختيارهم،
وتأتي الهداية في أعقابه ثمرة لجهادهم وجهودهم.

محب الحبيب علي
21 Nov 2006, 09:51 AM
إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك

ـ ابن عطاء الله يلفت النظر في هذه الحكمة إلى الهداية
التي قد يكرم الله بعض عباده عن طريق الاجتباء

فابن عطاء الله السكندري رحمه الله، يلفت النظر في هذه الحكمة،
إلى أحد هذين الطريقين، وهو طريق الاجتباء الذي يأتي نتيجة
اصطفاء من الله لبعض عباده، فينتشلهم في لحظة واحدة من أقصى
أودية الضياع والبعد عن الله، إلى أعلى قمم العرفان والقرب من
الله عز وجل. يقول: «إذا فتح لك» أي الله عز وجل «وجهة من
التعرف» أي نافذة يعرفك من خلالها على ذاته، وذلك بعامل من
عوامل الجذب والفتح، التي تطوي الأزمنة في لحظات أو دقائق
معدودة، يغنيك الله بها عن دراسة تستغرق أشهراً أو سنوات.
«فلا تبال معها أن قلّ عملك» أي فلا تعجب عجباً قد يزجك في
ريب، من أنك قد بلغت هذا الأوج من التوجه إلى الله والتعلق به،
دون أن تستعين على ذلك بكثير من العبادات والنوافل والأذكار
والقربات، كما هو الشأن في العادة. ذلك لأن طريق الفتح الإلهي
مختلف عن طريق السير الإنساني، وهو جلّ جلاله «ما فتحها» أي
تلك الوجهة «لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك» أي إلا وهو يريد
أن يعرفك على ذاته. وهذه الإرادة التي شرفك الله بها من شأنها
أن تملأ كيانك معرفة وحباً وتعظيماً له ومهابة منه، حتى وإن قل
أو فقد قبل ذلك عملك المقرب إلى الله. ثم إن ابن عطاء الله
يقارن بين الطريقين قائلاً: «ألم تعلم أن التعرف هو مورده
إليك، والأعمالَ أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو
مورده عليك» ؟.. أي تأمل، كم هو الفرق كبير بين سلّم الأعمال
التي ترقى بها إلى الله وجلّها لا يخلو من الشوائب والحظوظ،
وبين الألطاف التي تهبط وترد إليك من حضرة الله عز وجل!.. لا
شك أن قوة الجذب في هذه الألطاف الإلهية الهابطة إليك أجلّ
وأفعل، من قوة الطاعات الصاعدة منك إلى الله.هذا هو باختصار
الفرق ما بين ما ترسله إلى الله من قربات وأعمال، وما يرسله هو
إليك من تجليات وألطاف. وتلك هي الخلاصة السريعة لمعنى هذه
الحكمة. ولكن فلنعد إليها بشيء من التفصيل.

محب الحبيب علي
21 Nov 2006, 09:52 AM
إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك

ـ نماذج من أخبار من هداهم الله إليه عن طريق الاجتباء

في التاريخ الإسلامي كثير ممن جذبهم الله بنقلة واحدة من التيه
إلى الرشد، ومن الشرود إلى الالتزام، ومن محبة الأغيار إلى
محبة الله عز وجل.في أصحاب رسول الله منهم كثير.. يفد
الأعرابي الجلف من البادية إلى المدينة، فما تكاد عيناه تبصران
رسول الله ، وما تكاد أذناه تسمعان شيئاً من نصائحه وحديثه،
حتى يتحول وهو في مجلسه ذاك من حال إلى أخرى، تغيب عنه جلافة
طبعه وقسوة قلبه، ويولد ولادة جديدة في كل ما يتعلق بدخائل
نفسه ثم لا يخرج من مجلس رسول الله إلا وقد عزفت نفسه عن
الدنيا، وفاض قلبه حباً ومهابة لله عز وجل.. كثيرون هم أولئك
الذين نُقلوا من أصحاب رسول الله إلى صعيد الالتزام والرشد عن
طريق الاجتباء السريع، لا عن طريق التربية والممارسة
الطويلة.وفي الناس الذين جاؤوا من بعد، من اجتذبهم الله إليه
عن طريق الاجتباء، فانتقلوا من الانحراف الشديد إلى الاستقامة
التامة طفرة وبدون توقع. منهم الفضيل بن عياض الذي تحول خلال
دقائق في جوف ليل مظلم من فتاك قاطع طريق إلى متنسّك رباني فرغ
قلبه من كل شيء إلا من تعظيم الله وحبه والخوف منه. ومنهم عبد
الله بن المبارك الذي كان مولعاً بالطرب والسماع والعزف على
الأوتار، بعيداً عن الالتفات إلى أوامر الله وحقوقه، فما هو
إلا أن تحول في سواد ليلة واحدة، هو الآخر، إلى نموذج عجيب
نادر للعالم الرباني الذي جعل دنياه كلها فداء لرضا الله عنه
وسبيلاً لقربه منه
اقرأ_سيرة_وافية_لحياة_كل_منهما_في_كتابي_(شخصيات_اس توقفتني).
. ومنهم مالك ابندينار الذي تحول فجأة من شرطي يتعاطى اللهو
والسكر إلى واحد من كبار الربانيين الذين كانت تغشى دروسه
الآلاف، وهدى الله على يديه الكثير من التائهين والمارقين.ومن
المهم أن نعلم أن سبيل الاجتباء هذا ليس وقفاً على أجيال أو
على عصور بعينها، بل هو سبيل مفتوح في كل عصر إلى أن تقوم
الساعة، أي إن لله عباداً من النساء والرجال يجتذبهم إليه من
التيه إلى الرشد، في كل عصر وربما في كل بقعة وصقع.كان لي جار
مسرف على نفسه ممعن في ارتكاب الموبقات، وكان يعشق الخمرة، لا
بدّ أن ينال حظه منها في كل ليلة. ولم يكن بينه وبين الهداية
أي جسر أو خيط ممتدّ، إذ كان كلُّ ما حوله وكل من يتعامل معهم،
من شأنهم أن يزيدوه بعداً عن الله وإمعاناً في اللهو
والآثام.وصباح ذات يوم دخلت المسجد كالعادة لأداء صلاة الفجر،
وإذا بي أرى العجب الذي رأته عيني ولم يصدقه عقلي، رأيت جارنا
السكير يجلس في الصف الأول جلسة إنسان متبتل متعبد ينتظر إقامة
الصلاة.. وهكذا تحول الرجل في ظلام ليلة واحدة إلى واحد من
أفضل من عرفت رشداً والتزاماً وحباً لله وبغضاً للمنكرات. كانت
اليد التي جذبته هي يد الله، وكانت البــداية التفـــاتة لطف
واجتباء من الله عز وجل.وقصة أكثر الفنانين والفنانات الذين
تحولوا واللائي تحولن إلى طريق جديدة من الحب، ولكنه حب الله،
وإلى جاذب جديد من الشوقولكنه الشوق إلى الله، بل إلى سكر جديد
من العشق ولكنه عشق الذات الإلهية.. إنها هي الأخرى قصة
الاجتباء الإلهي، كانت اللفتة الأولى من الله، وكانت اليد
الأولى هي يد الله، وكان الحب الأول هابطاً إليهم وإليهن من
الله
يلاحظ_أن_حظ_هذا_الاجتباء_في_حياة_الفنانين_والفنانا ت،_يكاد_يك
ون_محصوراً_في_مصر_دون_غيرها!.._فما_الحكمة_ترى؟_أين _هو_حظ_الا
جتباء_من_الفنانين_والفنانات_في_سورية_مثلاً؟!.._الل ه_أعلم،_وا
لله_هو_المسؤول_أن_يتولى_الجميع_بألطافه_وفضله. . وصدق الله
القائل: { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ
عَلَى الْكافِرِينَ } { المائدة: 5/54 } ولكن حذار من أن يقول
قائل من التائهين والشاردين عن صراط الله: إنني أفضل الوصول
إلى الله والاستقامة على الرشد، بهذا الطريق، طريق الجلب
والاجتباء، فذلك أيسر وأسرع. ذلك لأن أمر الاختيار في هذا عائد
إلى الله وليس عائداً إليك. ألم تتأمل في قوله { يَجْتَبِي
إِلَيْهِ مَنْ يَشاء } { الشورى: 42/13 }

محب الحبيب علي
21 Nov 2006, 09:52 AM
إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك

ـ مصدر الاجتباء فضل الله عز وجل، والله يؤتي فضله من
يشاء

ولا يقولن قائل أيضاً: فما هو مصدر هذا الحظ الذي يناله بعض
الناس دون بعض؟ مصدره فضل الله الذي يؤتيه من يشاء، على أن
الذي أحبه الله فاجتباه، إنما أحبه لخصلة أو خلق أو سبب ما
علمه الله منه ولم تعلمه.ثم إياك أن تفهم قول ابن عطاء الله:
«فلا تبال معها أن قلّ عملك» على غير وجهه، وإليك المعنى الذي
يريده ابن عطاء الله والمثبت في كتاب الله:الذين يجتبيهم الله
عز وجل ممن تحدثنا عنهم وذكرنا نماذج منهم، لا يشترط في اجتباء
الله لهم أن يأخذوا أنفسهم بمقدمات من العبادات والقربات أو
الأوراد والأذكار، كما هو الشأن بالنسبة لغيرهم ممن يأخذون
أنفسهم بأعمال التزكية. بل إن الله ينتشلهم من وهدة الضياع
والتقلب في حمأة المعاصي، طفرة وبدون مقدمات، إلى صعيد العرفان
والالتزام ويمتعهم خلال دقائق، وربما لحظات، بتزكية النفس
والفؤاد.فإذا استقر بهم الحال على هذا الصعيد الذي جذبهم الله
إليه، أقبلوا إلى أوامر الله ووصاياه ينفذونها ويلتزمون بها،
واتجهوا إلى العبادات والقربات والأذكار يستزيدون منها، هذا
فضلاً عن ابتعادهم التام عن المحرمات والمنهيات كلها.فالحديث
هنا عن قلة العمل، وعن عدم أهميته وأهمية فقده، إنما هو بالنظر
إلى حال هذا الإنسان قبل أن يجتبيه الله. هل العمل والتوبة عن
المعاصي آنذاك مقدمات ضرورية؟ هي ضرورية للذين يريدون أن
يسلكوا سبل الهداية بجهود وأسباب يبدؤونها من عندهم، وهو الشأن
بالنسبة لأكثر الناس.. ولكنها ليست ضرورية بالنسبة لمن اجتباهم
الله ونظر إليهم نظرة لطف واصطفاء.. فقد رأيت كيف نقل الفضيل
بن عياض ومالك بن دينار وأمثالهما، من أقصى أودية التفلت
والشرود إلى أعلى درجات الرشد والالتزام، دون واسطة من قربات
أو أدعية أو أذكار أو أي مقدمات من الطاعات.ولكنهم ما إن ذاقوا
لذة معرفة الله ونعيم القرب منه والحب له، حتى شمروا عن ساعد
الجدّ وحمّلوا أنفسهم أعباء كبيرة من العباداتالطاعات. ولم يكن
يصلح شأنهم بعد التحول السريع الذي أكرمهم الله به إلا
بذلك.فإياك أن تفهم من قول ابن عطاء الله هذا ما يحلو لبعض
محترفي أعمال الإرشاد ومهامّه أن يفهموه، من أن الذين اجتباهم
الله لهم خصوصية من القرب والحب، تغنيهم عن كثرة الطاعات
والعبادات والتنزه عن المحرمات!.. تلك هي وساوس الشياطين
لأوليائهم من الزنادقة.. وهي وسوسة تناقض الحقيقة تماماً.
فالمجتبون هم أكثر الناس تعلقاً بالطاعات والعبادات، وأكثرهم
ابتعاداً عن المحرمات والشبهات، ولو كان في المقربين إلى الله
من قد حطّ الله عنهم مسؤولية الالتزام بالأوامر والابتعاد عن
النواهي، لكان رسول الله أولاهم بذلك.. وإنما كان عليه الصلاة
والسلام، أكثر الناس تحملاً لعزائم الطاعات وصبراً على النوافل
والعبادات وابتعاداً عن الشبهات. ألم يكن هو الذي تتورم قدماه
من طول القيام في الصلاة؟.. أولم يكن أول الناس في أصحابه
زهداً في الدنيا واخشيشاناً في المعيشة؟.. كذلك سائر
المجتَبْين من بعده، كانوا أكثر الناس إقبالاً على وصايا الله
وأوامره وأشدهم ورعاً في فهم الحلال والحرام، وأدومهم على
النوافل والأذكار.إذن فكلمة «لا تبال معها أن قلّ عملك» حديث
عما قبل التحول من التيه إلى الرشد، وليس إغراء بالإعراض عن
العمل، بعد التحول الذي جاء نتيجة اجتباء من الله عز وجل. * *

محب الحبيب علي
21 Nov 2006, 09:53 AM
إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك

ـ ترى هل من سبيل لمعرفة صفات من قد يتعرضون لهذا
الاجتباء الإلهي؟

ونعود للحديث عن هؤلاء القلة الذين ينتقلون طفرة إلى صعيد
الهداية والرشد بجاذب من الاجتباء الإلهي، من هم؟ وما هي
المزية التي تؤهلهم لهذه النقلة اليسيرة والسريعة؟أعود فأقول:
إنها تجليات ربانية لا تنضبط بمقاييس معارفنا، ولا تنضبط بحدود
قواعدنا. ولا بدّ أن لها أسباباً إلا أنها أخفى من أن تدركها
اجتهاداتنا.ولكن أليس ثمة صفات يتصف بها بعض الناس، تكون هي
مظنة تنزُّل هذا اللطف الرباني إليهم ومن ثم تكون هي سبب هذا
الاجتباء لهم؟..


ـ الذي نملك أن نقوله هو أن كل من أضاف إلى شروده عن الله
الاستكبار عليه، فهو محجوب قطعاً عن هذا الفضل الإلهي.
فأما الضالون من غير المستكبرين عليه فكلهم معرض لهذا
الفضل

الذي أستطيع أن أقوله جواباً عن هذا السؤال، هو أن كل من أضاف
إلى شروده وضلاله عن صراط الله تعالى، الاستكبار عليه، ومعاندة
الحق على الرغم من معرفة أنه حق، فهو محجوب قطعاً عن التعرض
لهذا اللطف الإلهي، وهيهات أن تفتح له وجهة من التعرف على
الذات الإلهية، على حدّ تعبير ابن عطاء الله. وكيف تفتح لهم
هذه الوجهة، وهم الذين قال الله عنهم: { إِنَّ الَّذِينَ
كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ
لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى
يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُجْرِمِينَ } { الأعراف: 7/40 } والمفهوم المخالف لهذه
الحقيقة هو أن كل من فاض قلبه شعوراً بالذل لله عز وجل، وكان
دور المعاصي في حياته تكريس مشاعر الذللله بين جوانحه، بحيث
يرى نفسه كالمتلوث بالأقذار من فرقه إلى قدمه، فهو أينما ظهر
ووجد يخجل من حاله، ويخيل إليه أن كل الناس الذين من حوله خير
منه، يكون في مقدمة المتعرضين لهذه الألطاف الإلهية التي
تجذبهم إلى سبيل الهداية والرشد.ولقد رأيت كلاماً أظنه للسيد
أحمد الرفاعي رحمه الله (512 - 578 هـ) يقول فيه: نظرت إلى
الطرق الموصلة إلى الله، فرأيتها جميعاً مزدحمة، ونظرت إلى
طريق التذلل والانكسار، فإذا هو فارغ لا ازدحام عليه!..أي إن
طرق الطاعات والقربات الظاهرة، كالعلوم الشرعية والاشتغال بها
وأعمال الدعوة إلى الله، والدخول في مسالك الجهاد، والتردد إلى
بيت الله الحرام للحج والعمرة، تتسرب إليها في كثير من الحالات
حظوظ هامة وكبيرة للنفس، ومن ثم يكثر الوافدون إلى هذه الطرق،
كل له بغيته أو غرضه الذي يرمي إليه. أما التوجه إلى طريق
التذلل والانكسار لله عز وجل، بحيث يرى السالك نفسه بعيداً عن
الله موغلاً في الموبقات، ويظن أن الناس كلهم خير منه، فيتعامل
معهم على هذا الأساس، فقلّ أن يصبر عليه إلا المخلصون لله
والصادقون معه، إذ إن النفس ليس لها أي حظ في هذا التذلل
والانكسار واتهام الذات، على مرأى من الناس.فأصحاب هذه النفوس
المنكسرة بصدق دون تمثيل وتكلف، هم في مقدمة من يتعرضون لنفحات
الله ولألطافه التي تجذبهم إليه، وإن كانوا موغلين في
الانحرافات والآثام.وعندما فوجئت بتوبة جارنا السكير الذي
اجتباه الله، على نحو ما حدثتك عنه قبل قليل، زرته في داره
لأول مرة لأهنئه على حياته الجديدة التي أكرمه الله بها. فقال
لي: لقد كنت أخاطب الله في أنصاف الليالي وأخرياتها، وأنا وحيد
في غرفتي هذه، والشراب أمامي، قائلاً: يا رب، إنه ليسوءني أن
يبقى هذا الجدار قائماً بيني وبينك، وكم أود أن أزيله، ولكني
ضعيف لا أقوى على ذلك، فما لك يا رب لا تزيله وأنت الرب القادر
على كل شيء؟..تأمل في هذا التذلل.. في هذا التدخل على الله، في
هذه المناشدة التي تعبر عن أدق معاني العبودية لله.. إنه
العامل الأوحد ربما، أو لعله أهم العوامل التي كانت السبب في
أن ينظر الله إليه نظرة رحمة ولطف واستجابة، انتشلته في دقائق
معدودات من أوحال تيهه إلى صعيد الحب والاجتباء. وصدق
القائلون: الصلح مع الله بلمحة واحدة. * * *

محب الحبيب علي
21 Nov 2006, 09:54 AM
إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك

ـ بيان الفرق بين الطاعات التي تعلو منك إلى الله،
والأفضال التي ترد إليك من عنده

بقي أن نتأمل في هذا المقطع الدقيق والبليغ من حكمة ابن عطاء
الله هذه، تأمل في قوله: «ألم تعلم أن التعرف هو مُورده عليك،
والأعمالَ أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مُورده
عليك» .سلّم الأعمال والقرباتوالرياضات والأذكار التي يحاول
أحدنا أن يتقرب بها إلى الله، سلم طويل وكثير الدرجات، لا بدّ
لبلوغ أعلاه من الصبر على اجتياز الزمن الطويل.. هذا بالإضافة
إلى أن القربات والأعمال الصالحة مهما كانت مفيدة ومقربة إلى
الله بحدّ ذاتها، فإنها لا تكاد تصدر من النفس الإنسانية التي
يغلب عليها أن تكون أمّارة بالسوء، إلا وهي متأثرة بالكثير من
حظوظها وأغراضها، فتتحول بذلك تلك الأعمال الصالحة، أو كثير
منها، إلى مطايا لأهواء النفس ورغائبها. ومن ثم فإن هذه
الأعمال الصالحة على تنوعها واختلافها لا تملك إلا قدرة محدودة
على تحويل صاحبها كلياً من وهدة الشرور والانحرافات إلى صعيد
الانضباط الدائم بأوامر الله. وكم في هؤلاء الناس من يسيرون
إلى الله اعتماداً على هذه الأعمال، بضع خطوات، ثم ما هو إلا
أن يعودوا إلى مثل ما كانوا عليه من السوء. ومردّ ذلك إلى عدم
صفاء الأعمال من آفات النفس وحظوظها الدنيوية، وهي آفة قلما
يستطيع الإنسان التخلص منها.أما إن أقبل الله إليك بطائف جاذب
من لطفه ورحمته بك، فلسوف تتكون من ذلك تكويناً جديداً، ولسوف
يغيّبك هذا اللطف الرباني عن الأكوان، لتعيش مع المكون، ولسوف
تنظر إلى الأشياء بعين غير التي كنت تنظر بها من قبل، ولسوف
تسبر غورها بعقل غير فكرك السطحي الذي كنت تدرك به من قبل،
ولسوف تستيقظ من الغفلة النفسية وتنطلق من سجن الوقوف عند
ظواهر الأشياء، فتتجاوز دائرة من قال الله عنهم: {
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ
الآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ } { الروم: 30/7 } تنظر إلى كواكب
السماء في الليل فلا ترى نفسك من ذلك إلا أمام يد الصانع
المبدع، يسيح عقلك حائراً مع عظيم إبداعه، وتنظر إلى اخضرار
النبات في النهار وإلى نمنمة الزهور فيما بينها فتغيب عن
دنياالخضرة وألوان الزهور الناطقة فيما بينها، لتجد نفسك أمام
الخلاق الذي حيّر العقول في عجيب خلقه وجمال إبداعه، وتتأمل في
عجيب أنواع الثمار اليانعة فوق أشجارها، أو النائمة مع الأغصان
المتعرجة على نفسها، وتنظر في عالم الغابات والأدغال المحشوة
بعجائب حيواناتها ودقيق نظامها، وتلتفت إلى عالم البحار
الهادرة والمحشوة بعالمها ذي النظام الهائل المتفرد، فلا تبصر
من خلال هذه اللوحات الكونية إلا المكون، ولا ترى نفسك من ذلك
كله إلا أمام يد الله!.. فالمشاهد الكونية أو الطبيعية، كما
يقولون، تتحول أمام ناظريك إلى ما يشبه ألواحاً زجاجية شفافة
صافية، هل ترى فيها إلا ما ينشط ويتحرك وراءها.. فكذلك هذه
اللوحات الكونية تغيب عنك كثافتها ووجودها المادي، لتظهر لك من
ورائها صفات الخالق المبدع ووحدانية الإله الصانع.كل ذلك يتم
خلال دقائق، بل ربما خلال لحظات، على أعقاب الوجهة التي فتحها
الله من سمائه إليك ليكرمك برائحة من معرفة ذاته.. فيخلعك هذا
الشعور الجديد الغامر من حال، ليزجك في حال أخرى، وليجعلك
تتقلب من أحداث الدنيا كلها في رؤية مشهود واحد هو الله عز
وجل. وتلك هي الحال التي يسميها أصحاب هذا الاجتباء الإلهي
بوحدة الشهود.كانت الأكوان كلها من قبل، حجاباً يغيبك عن الله،
بما فيها من مغريات ورغائب وأهواء، فلما تجلى الله عليك تجلّيه
الآسر الجاذب، أصبح شهوده هو الحجاب الذي يغيبك عن المكونات
وينسيك ما قد كان لك فيها من رغائب ومغريات.هذا كله يتم خلال
دقائق أو لحظات لمن اجتباهم الله تعالى وفتح عليهم وجهة من
تعريفهم بذاته.. وهو يتم أيضاً عن طريق الإكثار من الطاعات
والعبادات، وأخذ النفس بمنهاج طويل من التزكية، والعكوف على
أوراد دائمة من الأذكار.غير أن هذا طريق طويل يحتاج إلى زمن
وجهد، وهو الطريق الذي لا بديل عنه بالنسبة لأكثر الناس.أما
طريق الاجتباء والجذب، فسريع وسهل، ولكن لا حيلة للإنسان في
اختياره. إذ مردّه إلى فضل الله الذي يميز به من شاء من
عباده.إذن فلنردد مع ابن عطاء الله هذه الفقرة الدقيقة
والبليغة من حكمته هذه، إذ يقول: «ألم تعلم أن التعرف هو مورده
عليك، والأعمالَ أنت مهديها إليه. وأين ما تهديه إليه مما هو
مورده عليك» ؟ * * *

محب الحبيب علي
21 Nov 2006, 09:55 AM
الحكمة التاسعة


تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال

ـ الأحوال التي يتعرض لها الإنسان تنقسم إلى أحوال نفسية،
وأحوال اجتماعية وبيان مفصل لكل منهما

الأحوال جمع حال، والحال هو الوضع الذي يمرّ بالإنسان ثم
يتجاوزه دون أن يستقرّ لديه.والأحوال تنقسم إلى قسمين: أحوال
نفسية، وأخرى اجتماعية. ونبدأ بالأول منهما:وإنما نعني
بالأحوال النفسية ما اصطلح عليه علماء السلوك أو المهتمون
بالتربية القلبية الموصلة إلى الله.. وهي عبارة عن مشاعر
داخلية تمرّ ولا تستقر، تأتي نتيجة وقوف وتأمل، عند بعض صفات
الله تعالى وأسمائه الحسنى، إذ تتأثر النفس بتلك الصفات، مما
يدفع صاحبها إلى الأعمال التي تتناسب وذلك التأثير الذي هيمن
على نفسه، كما تأتي نتيجة وضع مرّ به الإنسان شرد فيه عن أوامر
الله وانغمس في بعض المحرمات، ثم انجاب عنه ذلك الوضع فأورثه
مزيداً من الخوف من عقاب الله، وألماً من تذكر ماضيه في جنب
الله عز وجل.ففي الصالحين مثلاً من يغلب عليهم الوقوف عند صفات
الرحمة والكرم والإحسان والمغفرة وسعة العفو، وكلها صفات
منبثقة من بعض أسماء الله الحسنى، فيتصرف تصرفات دينية ذات
طابع جمالي قائمة على أساس راسخ من حسن الظن بالله، وإذا ذكّر
الناس بالله لم يذكّرهم إلا بالكثير من فضله وعطائه وآلائه
ومغفرته وعفوه، وإذا اتجهإلى الطاعات والعبادات فبدافع من هذا
الشعور يتجه، ويغلب على صاحب هذه الحال أن يكون اجتماعي النزعة
وأن ينعكس إليه طيف من هذه الصفات نفسها. فتكون أعماله منبثقة
عنها.وفي الصالحين من يغلب عليهم الوقوف عند صفات القهر
والعقاب والسلطة الإلهية الواسعة النافذة، والعقاب الذي توعد
به المسرفين والظالمين، فيتصرف تصرفات دينية ذات طابع جلالي
قائمة على أساس من تغلب الخوف، والشعور بالتقصير وسوء الحال.
لا سيما إن كان ممن له ماض يتصف بالشرود والابتعاد عن أوامر
الله والانغماس في الآثام والموبقات.فهذه الأوضاع النفسية تسمى
أحوالاً، إذ هي تعرض لصاحبها فتتلبث لديه ثم تمرّ وتمضي، ثم قد
تعاوده مرة أخرى. على أنه لا يوجد ميقات محدد لبقائها، فقد
يطول أمد بقائها وقد يقصر.

محب الحبيب علي
21 Nov 2006, 09:56 AM
تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال

ـ نماذج لأصحاب حالات نفسية متنوعة استلزمت تنوع الأعمال
الصالحة على حسبها

كان في الصالحين مثلاً من تمرّ به الليالي الكثيرة دون أن تغمض
له عين لرقاد كداود الطائي الذي كان يقول: «إلهي، همّك عطّل
عليّ الهموم الدنيوية وحال بيني وبين الرقاد»
الرسالة_القشيرية:_1/99_على_هامش_حاشية_الشيخ_زكريا_الأنصاري.
.وفيهم مثل فضيل بن عياض الذي وقف في عرفة مع الحجيج، دون أن
يدعو كما كانوا يدعون، أو أن يردد الأذكار والأوراد المأثورة
في ذلك الموقف، إذ كانت قد انتابته حالة من تذكره لماضيه يوم
كان مسرفاً على نفسه، جعلته نهباً لمشاعر من الخجل من الله عز
وجل، حجبته عن الانشغال بالدعاء والأوراد والأذكار. روى إسحاق
بنإبراهيم الطبري أنه وقف مع الفضيل بن عياض بعرفات، فلم يسمع
منه دعاء، إلا أنه وضع يده اليمنى على خده، وطأطأ رأسه يبكي
خفياً، فلم يزل كذلك حتى أفاض الإمام، فرفع رأسه إلى السماء
يقول: واسوأتاه والله منك، وإن غفرت لي، قالها ثلاثاً
صفة_الصفوة_لابن_الجوزي:_2/239_ومختصر_تاريخ_ابن_عساكر:_20/316
. .وفيهم من حملته هذه الحال، على الاستغفار مما يعدّ في
الظاهر عبادة وطاعة، مثل سريّ السقطي الذي كان يقول: منذ
ثلاثين سنة، وأنا أستغفر الله من قولي مرة، الحمد لله!.. قيل
له: كيف ذلك؟ قال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني رجل، فقال لي:
لقد نجا حانوتك، فقلت: الحمد لله، فأنا إلى الآن نادم على ما
قلت، إذ أردت لنفسي خيراً مما حصل للمسلمين
الرسالة_القشيرية:_1/86_. .وفيهم من حملته حاله التي ذكرت
صوراً ونماذج منها على أن يفطر وهو صائم، مثل معروف الكرخي
الذي مرّ بسقّاء وهو صائم، فسمعه يقول: رحم الله من يشرب مني،
فتقدم إليه وشرب من يده، فقيل له: ألم تكن صائماً؟ قال: بلى،
ولكني رجوت دعاءه الرسالة_القشيرية:_1/82_. .فهذه التصرفات
وأمثالها، قد تكون محل نقد، ممن ينظر إلى ظاهر الطاعات
والعبادات مفصولة عن الأحوال الداخلية لأصحابها. فيرى ظواهر
الطاعات طاعات في كل الأحوال والظروف وبالنسبة لسائر الناس،
ويرى ظواهر الأعمال والأمور المخالفة انحرافاً عن الشرعوالجادة
الدينية في كل الظروف والأحوال. ولكن هذه النظرة السطحية نظرة
خاطئة، بل خطيرة، يجب التنبه إليها والحذر منها. وهذا ما يبينه
ابن عطاء الله في هذه الحكمة، إذ يقول: «تنوعت أجناس الأعمال
بقدر تنوع واردات الأحوال».إذن فليس عنوان العمل في ظاهره
الاسمي، هو مناط المثوبة والقبول من الله عز وجل، ولكن مناط
ذلك ما تفرزه الحالة التي يمرّ بها المسلم المتجه بكليته إلى
الله.ولقد كان نوع العمل الذي أفرزته حال فضيل بن عياض إذ كان
يقف في عرفة مع جموع الحجيج، هو ذلك الاستغراق في مشاعر الخجل
والحياء من الله، إذ كان يذكر ماضي سلوكه في شروده عن الله!..
فما من ريب أن ثواب ذلك الاستغراق بالنسبة لحاله هو ثواب
الذاكرين والداعين والمرددين للأوراد المأثورة في ذلك
المقام.وكان نوع العمل الذي أفرزته حال سريّ السقطي المتمثلة
في ندمه وحيائه من الله إذ جعل حمده له ترجمة لسروره بما امتاز
به عن إخوته الآخرين في السوق، إذ احترقت حوانيتهم، وبقي
حانوته سالماً لم يمسه سوء، الاستغفارَ من ذلك الحمد الذي رأى
أنه ليس أكثر من غلاف لما رضيه من حال الآخرين ما دام هو
سالماً!..وكان نوع العمل الذي أفرزته حال داود الطائي من الهم
الواصب الذي منعه من الرقاد ليالي متوالية، هو ذلك الهم
ذاته!.. ولاحظ كيف أن ذلك الهم الذي انتابه لم يترك له خياراً
في أن يرقد وينام، أي فلا يجوز أن يقال في حقه: إنه خالف هدي
رسول الله القائل: «أما أنا فأصوم وأفطر وأنام الليل وأتزوج
النساء» . إذ هو لم يختر لنفسه عملاً يخالف هدي رسول الله
هذا، ولكن حاله التي انتابته اضطرته إلى وضعه الذي وصفه عن
ذاته.كذلك كان نوع العمل الذي أفرزته حال معروف الكرخي عندما
سمع السقاء يقول: يرحم الله من يشرب مني، إذ أيقن بصلاح
السقاء، وهزّه الشوق إلى أن يكون واحداً ممن يرحمه الله
بدعائه، هو هذا الذي أقدم عليه من قطع صومه والشرب من يد
السقاء. لا يقال: ولكن في الفقهاء من قالوا إن البدء بالعبادات
النافلة يستوجب المضيّ فيها، لأن أولئك الفقهاء كما اجتهدوا
فرأوا ذلك، كذلك معروف الكرخي دلّه حاله التي هيمنت عليه على
اجتهاده الذي مال إليه.وإذا أدركت هذه الحقيقة التي ينبِّه
إليها ابن عطاء الله، والتي شرحتها وأوضحتها لك بهذه الأمثلة
من أحوال الصالحين، لن يمتد لسانك بنقد أو بقالة سوء في حق
كثير من الصالحين الربانيين الذين ساقتهم أحوالهم مع الله إلى
أعمال وتصرفات، قد تراها - في الظاهر - غير سديدة أو غير
موافقة لظواهر الأحكام.ولتعلم أنه يدخل في تنوع أجناس الأعمال
بسبب الأحوال النفسية، تفاوت الناس في مدى قربهم إلى الله ومدى
شهودهم لصفات الله تعالى واستغراقهم في مشاعر عظمته وجلاله..
قد ترى فيهم من يبتعد عن تناول الطيبات من الطعام ويعرض عن
تتبع ما لذّ من الشراب، وقد ترى فيهم من إذا ساق الله إليه دون
تكلف منه شيئاً من تلك الطيبات، أقبل إليها وتمتع بها وتضلّع
منها.إن الصنف الأول ليس له خيار فيما فعل، إذ إن حاله التي
تهيمن عليه تجعله يغصّ باللذيذ من الطعام والشراب، كالخائف
الذي سيق إلى ساحة الإعدام لينفذ فيه حكمه، أفيطيب له أم أيهنأ
بتناول الطعام اللذيذ إذ يوضع بين يديه؟!.. إن في الربانيين
الذين هيمنت عليهم هذه الحال التي وصفت، من يكونون من الأطعمة
والمشتهيات اللذيذة في مثل شعور هذا الذي سيق إلى الإعدام.أما
الصنف الثاني، فيملك خياره وإرادته، إذ إن الحال التي هو فيها،
هي حال سرور بشهود صفات اللطف والرحمة والعفو والإكرام من الله
تعالى.. ومن ثم فليس في مشاعره الداخلية ما يصدّه عن التعامل
والتفاعل مع قول الله تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ
اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ
الرِّزْقِ } { الأعراف: 7/32 } وهذا يعني أن من الخطأ أن يقول
أحدنا: أفكان رسول الله يحرِّم على نفسه اللذائذ؟ أو أن يقول:
أفكان في أصحاب رسول الله والتابعين، من يفرض على نفسه الحرمان
من اللذائذ المباحة الموجودة؟.. لأن حال الصنف الأول ليس حال
أناس اختاروا أن يخالفوا هدي رسول الله ، أو سيرة أصحابه من
بعده، إذن لاعترضنا عليهم واتهمناهم بالابتداع. ولكنها حال من
غُلِبَ عليهم، ففقدوا اختيارهم من جراء المشاعر التي
انتابتهم... والمشاعر انفعالات قَسرية لا توصف بالحرام
والحلال..على أن في أصحاب رسول الله من انتابتهم هذه الأحوال
القسرية، حتى حيل بينهم وبين التنعم بالطيبات، منهم سيدنا أبو
الدرداء وسيدنا أبو ذر وكثيرون.

محب الحبيب علي
21 Nov 2006, 09:56 AM
تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال

ـ نماذج لأصحاب حالات اجتماعية متنوعة استلزمت تنوع
الأعمال الصالحة على حسبها

أما الأحوال الاجتماعية، فالمراد بها ما يتعرض له الإنسان من
الانتقال من حال العزوبة إلى الزواج، ومن حال الفراغ إلى
التقيد بالوظائف والأعمال، كما يراد بها تنوع المعارف
والاختصاصات العلمية والعملية والمهنية. وتفاوت الوظائف
الإدارية والسياسية.. فهذه كلها أحوال اجتماعية يتعرض كل منا
لتقلبات كثيرة فيها.إذا تبين هذا، فاعلم أن الفرائض التي أمر
الله بها تشكل الجامع المشترك بين أصحاب هذه الأحوال كلها، ذلك
لأنهم جميعاً مكلفون بتلك الأساسيات التي فرضها الله عز وجل
على عباده جميعاً. كأركان الإسلام الخمسة من صلاة وصيام وحج
وزكاة وشهادتَي توحيد الله ونبوة محمد عليه الصلاة
والسلام.ولكن ما وراء ذلك من القربات والعبادات تتنوع حسب تنوع
الأحوال الاجتماعية التي يتقلب المسلم في غمارها. والسر في هذا
الربط بين أنواع القربات وأنواع الوظائف والمسؤوليات
الاجتماعية، أن الخدمات الاجتماعية بحدّ ذاتها تعدّ من أهم
الأعمال التي يُتقرب بها إلى الله، إن صفت النية وأريد بها
الحصول على مرضاة الله.وها أنا أبرز لك هذه الحقيقة من خلال
النماذج والأمثلة التالية:( شاب لم يتزوج بعد، فهو لا يحمل إلا
مسؤولية نفسه، الأعمال المقربة إلى الله بالنسبة له، بعد
الجامع المشترك المتمثل في الفرائض العامة، هو التفرغ لمزيد من
العبادات والإقبال على القرآن تلقياً ثم إكثاراً من تلاوته،
وتتبع مجالس العلم والذكر، هذا بقطع النظر عن شؤونه الدنيوية
التي هو بصدد تكوينه لذاته عن طريقها. كالتوجه إلى الدراسات
وإلى المهارات التي ينبغي أن يأخذ نفسه بها.( فإذا تزوج، فقد
أصبح ذا مسؤولية مزدوجة. إذ غدا مسؤولاً عن نفسه وعن أهله
الذين هم زوجه وأولاده. ومن شأن ذلك أن يدخل تعديلاً كبيراً
على الأعمال والطاعات التي كان يتقرب بها من قبل إلى الله. إن
عليه أن يعلم أن السعي على أهله ليغنيهم ويكفهم عن المسألة جزء
لا يتجزأ من أهم القربات، والجلوس معهم عندما يعود من وظيفته
أو شؤونه للتحبب والإيناس جزء لا يتجزأ من هذه القربات، والعمل
في السوق للكدح الدنيوي يغدو بالنسبة لحاله جزءاً لا يتجزأ من
العبادات والطاعات، والعكوف على تربية الأولاد وتسليكهم في طرق
الهداية والخير الأخروي والدنيوي جزء أساسي من هذه الطاعات.
ولا شك أن هذه الأنواع الجديدة التي طرأت على حياة هذا الشاب
من الأعمال الصالحة، لا بدّ أن تأخذ من حظ العبادات والقربات
الأخرى التي كان يشغل نفسه بها قبل الدخول في حاله الجديدة
هذه.( 873 والعامل الذي يشتغل في معمل لحساب صاحبه، ينبغي أن
يعلم أن الأعمال التي تقربه إلى الله تعالى، بعد الجامع
المشترك من الفرائض والعبادات الأساسية، تتمثل في إتقان العمل
الذي تعهد به والذي ائتمنه عليه صاحب المعمل.ومعنى هذا أن
ساعات العمل التي تعاقد عليها العامل مع صاحب المعمل، يجب أن
ينصرف كلها إلى العمل الذي تم التعاقد عليه فيها، على أن تطرح
من ذلك الدقائق التي لا بدّ منها لأداء الصلاة المكتوبة
ومقدماتها من طهارة ووضوء.. أي فلا يجوز له أن يصرف، من
وراءذلك، شيئاً من ساعات العمل إلى أداء نوافل أو قراءة قرآن
أو دراسة علم ولو شرعي. ذلك لأن الحال الاجتماعية التي يمرّ
بها هذا الإنسان تضعه أمام نوع آخر من الأعمال المقربة إلى
الله، ألا وهو العكوف على أداء ما التزم به على خير وجه. ولا
يمنعه من اكتساب الأجر الوفير على ذلك من الله عز وجل، إلا أن
تكون نيته غير خالصة لوجه الله عز وجل.كثيرون هم العمال الذين
إذا حان وقت الصلاة اتخذوا من انصرافهم إلى الصلاة ذريعة
لتشاغل وتكاسل عن العمل الذي تحملوا مسؤوليته تجاه رب العمل،
إذ يطيلون من وقت الصلاة ومقدماتها بدون موجب، وربما اجتمع
المصلون من العمال يتجاذبون أطراف الأحاديث المسلية فيما
بينهم، أو ربما رأيت البعض منهم يطيب له أن يواصل جلوسه في
مصلاه بعد الصلاة لقراءة قرآن أو دراسة كتاب، موهماً نفسه أنه
يتقرب بذلك إلى الله. مع أن انشغاله بذلك إنما هو في حقه معصية
تستوجب الوزر. ذلك لأن هذه الدقائق التي صرفها إلى هذه النوافل
الدينية، ليست ملكاً له، وإنما هي ملك لرب العمل، فهو بما أقدم
عليه إنما مارس عدواناً على حق الغير. وهذا الحكم الشرعي مثبت
في باب الإجارة من مصادر الشريعة الإسلامية.كذلك كثيرون هم
الذين يؤدون العمل الذي طلب منهم بشكل سطحي غير متقن، إمّا
تهاوناً منهم وضجراً من الصبر على بذل كل ما في الوسع لأداء
العمل على وجهه السليم، وإما لحقد أو لحسد يهيمن على نفوسهم
تجاه صاحب المصنع أو المعمل، وأكثرهم لا يعلمون أنتهاونهم هذا
لا يقل في ميزان الشرع عن حال من يتهاون في صلاته فينقص بعضاً
من أركانها أو واجباتها أو يعجل بها للتخلص منها. إن نوع
الطاعة، بل العبادة، التي يطالب الله بها هذا العامل ليس أكثر
من العمل الذي كلف به (بعد أداء الجامع المشترك من الفرائض
الأساسية) لذا فإن أي خيانة تبدر منه في العمل تجاه رب العمل
إنما هي خيانة تجاه الله عز وجل.( والموظف الذي أقيم وراء
مكتبه لأداء الأعمال الإدارية التي كلف بها، يجب أن يعلم أن
عبادته التي تقربه إلى الله تعالى تتمثل (بعد أداء العبادات
الأساسية) في إتقان الوظيفة التي عهد بها إليه. ويجب أن يعلم
أن الأجر الذي يدّخره الله له عليه، لا يقل عن أجر العبادات
والقربات التي يتقرب بها العباد المتفرغون للنوافل والأذكار
وتلاوة القرآن ونحوها، بشرط أن يقصد بذلك وجه الله عز وجل. وأن
يكون العمل الذي عهد به إليه مشروعاً ومفيداً للأمة في أصله.(
وصاحب المسؤوليات السياسية على اختلاف درجاتها ورتبها، ينبغي
أن يعلم أنه إذا أنجز الجامع المشترك الذي كلف الله به سائر
عباده والمتمثل في الفروض والعبادات الأساسية، فإن القربات
التي تستنزل مرضاة الله، بالنسبة إليه، إنما تتمثل في خدمة
الأمة وحماية حقوقها ورعاية قيمها، ومدّ رواق الأمن والطمأنينة
والرخاء فيما بينها. إنَّ سهر وليّ أمر المسلمين، أو أي من
حاشيته وأعوانه، للنظر في رعاية أي من هذه الواجبات، ليس أقل
أهمية، في ميزان الطاعات المقربة إلى الله، من سهر المتعبدين
والمتبتلين بنوافل الصلاة من تهجدوقيام وذكر واستغفار.. على أن
يتوخى أصحاب هذه المسؤوليات في جهودهم وأعمالهم بلوغ مرضاة
الله، وعلى أن لا تعوقهم جهودهم تلك عن النهوض بالجامع المشترك
المتمثل في الفروض الأساسية المتمثلة في أركان الإسلام.( ولقد
نوع الله قدرات عباده بما يهيئها للنهوض بأنواع الطاعات
والقربات كلها، فكان من مقتضى ذلك أن ينهض صاحب كل قدرة متميزة
بالأعمال المنسجمة مع قدرته.فمن مظاهر هذا التنوع ما قد تراه
من حال إنسان أقدره الله على استيعاب المعارف والعلوم
الإسلامية، فهو عاكف على دراستها ثم تدريسها ونشرها بالوسائل
الممكنة. تلك هي القدرة التي منحه الله إياها، إذن فذلك هو
العمل النوعي المنوط به، من قبل الله عز وجل، وما قد تراه من
حال إنسان آخر أقدره الله على السير بين المتخاصمين من الناس
بإصلاح ما بينهم، ووسع صدره للصبر على ذلك، دون أن تكون له باع
عريضة في العلم ومسائله، إذن تلك هي القدرة التي منحه الله
إياها، وإذن فذلك هو العمل النوعي المنوط به والذي يقرّبه إلى
الله عز وجل.. وما قد تراه من حال إنسان ثالث لا يد له بهذا
ولا بذاك، ولكنه ينشط بالسعي في خدمة الناس، وقضاء حوائجهم
وردّ الأذى عنهم، إذن فذلك هو العمل النوعي المنوط به من قبل
الله عز وجل.وهكذا فقد وضح المعنى المراد بقول ابن عطاء الله:
«تنوعت أجناس الأعمال بقدر تنوع واردات الأحوال» .

محب الحبيب علي
21 Nov 2006, 09:57 AM
تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال

ـ بيان الأثر التربوي الكبير الذي تحدثه معرفة هذه الحكمة
والتعامل معها

أما الأثر التربوي الذي تحدثه معرفة هذه الحكمة بأبعادها التي
فصلت القول فيها، فهو الالتزام بضوابط الأدب مع عباد الله
جميعاً ما داموا مسلمين.. إنك بعد أن عرفت هذا الذي ذكرته لك
من تنوع الأعمال المقربة إلى الله، وعدم انحصارها في المظاهر
العبادية المعروفة والمألوفة، لن تتمكن من إساءة الظن في حق من
قد تراهم مقصرين في أداء الصلوات أو غيرها من الأذكار
والقراءات، كما أنك لن تسيء الظن في أي من المتبتلين
والمتعبدين الذين وردت في ترجماتهم تصرفات ومواقف، قد تراها في
بادئ الأمر مخالفة للشرع، أو ترى فيها مبالغة لا وجه لها في
باب التورع وحدوده. وقد عرضت لك نماذج وأمثلة منها.. ذلك لأنها
نتائج لأحوال نفسية كانت تهيمن عليهم فلا تدع لهم خياراً فيما
كانوا يفعلون.وكم رأينا، ونرى، أناساً يطيلون ألسنتهم بقالة
السوء، في حق هؤلاء الصالحين دون رويّة أو إدراك لهذا الذي
يقوله ابن عطاء الله.وكم رأينا ونرى أناساً ينتشون ويطربون
بقالة السوء في حق أناس أقامتهم ظروفهم في أجواء بعيدة عن
التنسك والانضباط بآداب الكمالات الدينية المعروفة، دون أن
يدركوا أن القربات التي ترضي الله ليست محصورة في هذه الظواهر
المحدودة، ودون أن يعلموا أن الوظائف التي أقامهم الله عليها
هي أجلّ من تلك الظواهر أثراً وفائدة لهم عند الله إن أخلصوا
له في القيام بها على الوجه السليم.بل حتى الذين قد نراهم
مقصرين في الفرائض الأساسية التي عبرنا عنها بـ «الجامع
المشترك» يجب أن نذكرهم بها وندعوهم إليها، ولكنلا يجوز أن
نسيء الظن بهم، إذ إن انصرافهم إلى وظائفهم الأخرى التي أناطها
الله بهم، ستكون على الأغلب جاذباً لهم إلى تدارك ذلك التقصير،
كما رأينا من حال الكثيرين من أمثال هؤلاء.واعلم أن ثمة فرقاً
كبيراً بين واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخطورة سوء
الظن، إن الأول لا يستلزم الثاني بحال من الأحوال. أي فواجبنا
أن نذكر المقصرين بالفرائض والأركان، وأن نجنح إلى حسن الظن
بهم في الوقت ذاته، أي أن نرجح في باب التصورات والافتراضات
المستقبلية أن الله سيلهمهم تدارك هذا التقصير، وأنهم سيؤوبون
إلى الله عما قريب، بفضل وظائفهم الأخرى التي يؤدونها على
النهج السليم الذي يرضي الله عز وجل. * * *

محب الحبيب علي
25 Nov 2006, 04:33 PM
الحكمة العاشرة


الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها

ـ بيان الصلة بين هذه الحكمة والتي قبلها

هذه الحكمة ذيل متمم للحكمة السابقة.فبعد أن عرفنا أن الأعمال
التي يتقرب بها المسلم إلى الله، ليست محصورة في الفرائض
الأساسية التي تمثل أركان الإسلام، بل هي كثيرة ومتنوعة تشمل
كل ما يدخل تحت قوله الله: { عملوا الصالحات } { العصر: 103/3
} ولا بدّ لإدراك معنى هذه الحكمة، والوقوف على الصلة الدقيقة
بينها وبين الحكمة السابقة من بيان ما يلي:

ـ كل القربات التي ينال بها المسلم مرضاة الله مؤلفة من
عمل وقصد

كل القربات التي ينال بها المسلم مرضاة الله تعالى، مؤلفة من
عمل وقصد.فلا قيمة للعمل مهما كان في مظهره مقبولاً ونافعاً إن
لم يكن القصد الدافع إليه مجرد الحصول على مرضاة الله ومثوبته.
ولا قيمة للقصد (في أكثر الأحيان) إن لم يتجلّ في العمل
المقصود.ولاحظ أنني أقرر أن وجود العمل مفصولاً عن القصد
السليم الذي يعبَّر عنه بالإخلاص لوجه الله، لا قيمة له في
ميزان الشرع وحكمه في كل الأحوال، ولا داعي إلى التذكير
بالنصوص الدالة على هذا من الكتاب والسنة، فهي معروفة، ولعلها
محفوظة. إذن فلا استثناء لهذا القرار أو الحكم العام.


ـ بيان ضرورة القصد وأهميته، وأنه من العمل الصالح
كالأساس الخفي من البناء

ولكني عندما قررت العكس، قيدت ذلك بـ (أكثر الأحيان) . ذلك
لأن النية السليمة قد تغني عن العمل في بعض الأحيان، وذلك
عندما يملك المسلم صفاء القصد وخلوص النية لله عز وجل في
الاتجاه إلى عمل ما، ولكنه لا يملك القدرة على تحقيق ذلك
العمل، كتوجه قصده إلى مدّ يد العون المادي إلى فقير محتاج، أو
العون المعنوي إلى ضعيف يحتاج إلى خدمة أو رعاية أو ردّ غائلة
عدوان، ولكنه ينظر، فلا يجد لديه القدرة على ذلك. مما لا ريب
فيه أن النية وحدها في هذه الحالة تكفي، وقد دلت على ذلك
أحاديث كثيرة ثابتة عن رسول الله .غير أن هذا الانفكاك لا
يتأتى في انفراد العمل عن القصد السليم المتمثل في الإخلاص لله
عز وجل، بل كلما كان العمل المنفَّذ مرتبطاً بقصد غير سليم،
فهو عمل لاغ وباطل في ميزان الله وحكمه. وقرار الله في ذلك
نافذ لا مردّ له: { وَقَدِمْنا إِلَى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ
فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً } { الفرقان: 25/23 }


ـ إسقاط هذه الحكمة على أمثلة من أرض الواقع

إذا تبين هذا، فتعال نسقط هذه الحكمة، بل هذه القاعدة على
أمثلة من أرض الواقع:( رجل ركبته ديون مالية حان وقت سدادها،
رأى صاحب أو أصحاب هذه الديون، مقبلين إليه من بعيد، فاتجه
مسرعاً إلى أقرب مسجد وأخذ يصلي سلسلة من النوافل الكثيرة. مما
لا شك فيه أنْ ليس لهذا المصلي أن يتصور أنه يمارس من صلاته
عملاً يتقرب به إلى الله. إذ إن الله لم يقمه من الطاعات
والقربات في هذه الصلاة، ذلك لأن قصده ليس التقرب بها إلى
الله، وإنما التهرب من سداد الدين.( عامل يشتغل في معمل، انتهز
فرصة أذان الظهر، فترك عمله بحجة التوجه إلى صلاة الظهر، وتوضأ
فأطال الوضوء، ثم دخل الصلاة فأطال منها ما شاء أن يطيل، ثم
اتخذ مجلسه في ظل ظليل وأسند ظهره إلى مكان مريح وأخذ يتشاغل
بالأوراد الكثيرة أو بقراءة القرآن. من الواضح أن هذه الصلاة
بهذا الشكل لا تدخل في أنواع الأعمال المقربة إلى الله، لأنه
إنما ابتغى بها الابتعاد عن العمل الذي هو بصدده بحثاً عن
الراحة.( واحد من هؤلاء الذين ينشطون في أعمال حركية خدمةً
للإسلام وللدعوة الإسلامية فيما يزعمون، يعلم في قرارة نفسه
أنه يبتغي من أنشطته التي يقوم بها، فائدة دنيوية من زعامة أو
مال أو مركز سياسي، جاء من يعتب عليه بأنه مقصر في عباداته، لا
يستيقظ لصلاة الفجر إلا مع الشمس أو قبيلها، لا يتعهد نفسه
بشيء من تلاوة القرآن، فأجابه قائلاً: إن الله أقامه في أعمال
الدعوة وخدمة الإسلام،ولم يقمه في العكوف على العبادات وتلاوة
القرآن والأوراد!.. مما لا ريب فيه أن دعواه باطلة، إذ إن عمله
الذي ينصرف إليه غير مقترن بروح الإخلاص لوجه الله عز وجل.(
ثلة من الأصدقاء توجهوا حجاجاً إلى بيت الله الحرام، وقد
تطاوعوا فيما بينهم أداء الخدمات ورعاية مصالحهم الشخصية، رأى
أحدهم أن يهرب من أعمال الخدمة المتمثلة في غسل الأطباق وتهيئة
الطعام وتنظيف المنزل، فاتجه إلى الحرم يطوف آناً ويصلي آناً
ويتلو القرآن آناً آخر، تاركاً لإخوانه تلك المهمة التي فرّ
منها، لا شك أن عمله الذي اختاره لنفسه لا يدخل في قول ابن
عطاء الله: «تنوعت أجناس الأعمال، بقدر تنوع واردات الأحوال»
حتى ولو رأى هذا الرجل نفسه متميزاً عن إخوانه بدراية فقهية
ومركز علمي وديني مرموق. ذلك لأن هذه المزية لا تجعله أهلاً
لما اختاره لنفسه من الطواف والصلاة والقراءات دون غيرها من
خدمات المنزل.( قد تجد صاحب تجارة أو مصنع، يلهث مسرعاً إلى
أعماله التجارية أو الصناعية وينشط لذلك نشاطاً يذهب براحته
وينسيه أكثر وظائفه الدينية باستثناء الأركان والفروض الأساسية
منها، فإذا جاء من يذكره بالله وواجباته والوظائف الدينية
المنسية من حياته، قال: ألستم تقولون: تنوعت أجناس الأعمال
بقدر تنوع واردات الأحوال؟.. وها قد أقامني الله من أجناس
الأعمال في عملي التجاري هذا!..إن كلامه هذا غير مقبول، وعمله
ليس من الأعمال الصالحة الداخلة في أجناس هذه الأعمال، ذلك
لأنه لا يقبل على تجارتهوشؤونها من حيث هي عبادة متميزة أقامه
الله فيها، فهو لا يمارسها إلا ابتغاء رضا الله عنه، وإنما هو
متهافت عليها سعياً وراء حظ نفسه، ولحاقاً بأحلامه التوسعية
التي يضحي في سبيلها بالكثير من أوامر الله وحدوده. * * *


ـ صفوة القول أن الأعمال تابعة للقصد، وليس العكس، ومن
هنا تنوعت الأعمال الصالحة المقربة إلى الله إلى ما لاحصر
له

وصفوة القول، هي أن علينا أن نعلم ولا ننسى أن الأعمال الصالحة
التي يأمر الله بها في محكم تبيانه، ليست محصورة في قائمة
الفرائض والأركان الأساسية للإسلام بل تشمل كل ما يحقق مصلحة
من مصالح الناس من حيث الأفراد ومن حيث التركيبة الاجتماعية.
على أن يراعى في أنواعها الترتيب الذي جاء به كتاب الله عز
وجل، وهو وضع مصلحة الدين في رأس المصالح كلها، تليها مصلحة
الحياة فالعقل فالنسل فالمال.فكل هذه الخدمات داخل دخولاً
أولياً في معنى الأعمال الصالحة التي يأمر بها الله عز وجل
ويثيب عليها، وإذن فهي من العبادات التي يحقق بها المسلم معنى
عبوديته لله عز وجل.إنما المشكلة في انفصال هذه الأعمال عن
الهدف القدسي الذي يجعل منها عبادة، ويجعل من صاحبها عبداً
يمارس بها عبوديته لله بالسلوك الاختياري.المشكلة أن تصبح
الحوافز الدافعة إلى أعمال التجارة والصناعة والزراعة إمتاع
النفس بحظوظها، والركون إلى زهرة الحياة الدنيا بدلاً عن
الإقبال بها إلى الله.المشكلة أن يسمر الزوج مع زوجه وأولاده
في جو مغموس بالمنسيات والملهيات والمحرمات، بدلاً من أن يسمر
معهم ليحقق ما قد أمر الله به من إيناسهم وإدخال البهجة في
نفوسهم، فيزداد بذلك قرباً إلى الله.المشكلة أن ترتفع الأصوات
بالخطب الحماسية الدينية، وأن تدبج المقالات وتكتب البحوث في
تمجيد الإسلام، وأن تصرف الأموال الطائلة على المؤتمرات
الإسلامية، ثم يظهر للعيان أن الإسلام يتخذ مطية ذلولاً لمطامع
ومطامح دنيوية يتم التنافس عليها والتزاحم من أجلها، ويتخذ
سلّماً للوصول إلى الجوائز والامتيازات المالية
والوظيفية.والمشكلة باختصار أن يغدو التحرك بأنواعه على مسرح
العمل الإسلامي في مجتمعاتنا اليوم، حرفة من الحرف الكثيرة
المتنوعة التي يبتغى منها الرزق وما في حكمه.ولو صفت القلوب،
وخلصت النيات من الشوائب، وهيمن الإخلاص لوجه الله على أفئدة
العاملين على اختلاف أنواعهم وفئاتهم، لرأيت أن كلمة المسلمين
اليوم واحدة، ولرأيت أن أمرهم بأيديهم، ولرأيت أن هيبتهم
وقوتهم ملء أفئدة أعدائهم.فإذا آل العمل الإسلامي في مظاهره
المتنوعة إلى أن يصبح حرفة لاستثمار الدنيا ومتمولاتها، فماذا
تتوقع من الحرف الدنيوية؟ وكيف السبيل إلى أن يسمو بها أصحابها
إلى مستوى الأعمال الصالحة التي يبتغى بها وجه الله؟!..ولكن لا
بدّ أن أستدرك فأؤكد أن في المسلمين من لا يزالون على العهد،
صادقين مخلصين، لا يضرهم المخالفون لهم، بوسعك أن ترى منهم في
كل دولة ومدينة وصقع. وصدق رسول الله القائل: «لا تزال طائفة
من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله
وهم ظاهرون» متفق عليه من حديث المغيرة. . * * *

محب الحبيب علي
25 Nov 2006, 04:34 PM
الحكمة الحادية عشرة



ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم
نتاجه

ـ الفرق بين الخمول والكسل

دعونا نوضح المعنى المراد بالخمول أولاً.كثيرون هم الذين
يتصورون أن الكلمة تعني الكسل والدعة.. يقولون: فلان خامل،
يقصدون أنه كسول لا ينهض بعمله ومسؤولياته.غير أن هذه الكلمة
تعني في اللغة الابتعاد عن الأضواء وعن أسباب الشهرة. وأن يكون
الإنسان مجهولاً لدى الآخرين لا يعرفه أكثر الناس.


ـ بيان أن كل شيء لايتكامل وجوده إلاّ بعد أن يبقى مدة في
ظلمات الخفاء

نعود الآن إلى هذا الذي يقوله ابن عطاء الله: «ادفن وجودك في
أرض الخمول» أي عندما تريد أن تنهض بمهامك التي تريد أن تنهض
بها دينية أو دنيوية (ومراد ابن عطاء الله بها هنا المهام
الدينية) عليك قبل أن تشتهر بين الناس وقبل أن يَرَوْكَ على
مسرح الأحداث ويشار إليك بالبنان، أن تدفن وجودك لمدة من الزمن
في أرض الخمول، أي بعيداً عن الشهرة، متوارياً عن أضوائها،
وليكن عملك خلال ذلك هو السعي إلى أن ترعى ذاتك وأن تنضج عقلك
وأن تربي نفسك، وأن تصفي سريرتك من الشوائب. ليكن همك محصوراً
في ذلك.وأنت لا تستطيع أن ترعى نفسك وكيانك هذه الرعاية، إلا
إن كنت مختلياً بنفسك بعيداً عن الضوضاء وعن الأضواء
الاجتماعية وتيارات الأنشطة العامة.


ـ بيان وحدة هذا القانون في الوجود الإنساني والجامدات
والوجود العضوي والاجتماعي للإنسان

ويشبه ابن عطاء الله السكندري هذا القانون التربوي في حياة
الإنسان بالقانون ذاته في عالم النبات!.. فالنواة التي تريد أن
تستنبتها، ستنمحق وتموت إن أنت ألقيتها رأساً على وجه الأرض
وتركتها ظاهرة بين الأتربة والحجارة، تشرق عليها الشمس
المحرقة، ويتخطاها الغادي والرائح.وإنما السبيل إلى استنباتها
أن تدفنها في ظلمات التراب وباطن الأرض، وتترك على هذه الحال
مدة، بحيث تتفاعل مع ذاتها، وينضج ثم ينبعث كل ما قد أودعه
الله في داخلها من الخصائص المتمثلة في أوراق وعروق تتجه صاعدة
إلى وجه الأرض، تمزق الأتربة التي فوقها، بل تشق الحجارة التي
في طريقها، لتصافح الهواء الساري ولتتغذى بضياء الشمس
المشرقة.فظهور النبات يمرّ، إذن، بمرحلتين: مرحلة التأسيس إذ
يكون في باطن الأرض، ومرحلة النمو والعطاء إذ يكون على ظاهرها
تحت ضوء الشمس وأمام الأبصار.القانوني الإلهي واحد سواء فيما
يتعلق بالنواة والبذور التي تُسْتَنْبَتُ، أو بالإنسان الذي
يريد أن يكوّن ذاته.إن بوسع الإنسان أن يعرف هويته عبداً
مملوكاً لله عز وجل خلال دقائق أو أيام..ولكن إذا أراد أن يضع
هويته هذه موضع التنفيذ، فيسير على صراط الله عالماً بشرعه
مدافعاً عن دينه مجاهداً في سبيله آمراً بالمعروف ناهياً عن
المنكر ناهضاً بواجباته الاجتماعية المثلى، فلا بدّ أن يسير
إلى ذلك، سيرة النواة إذ يتكامل نضجها في رحم الأرض، فيتعهد
نفسه بالتربية والتزكية وتخليتها من الشوائب، في مرحلة من
الانطواء على الذات، والابتعاد عن ضجيج الأنشطة الاجتماعية.ولو
أنه قفز فوق هذه المرحلة، واتجه رأساً إلى الأنشطة الاجتماعية
يتعامل معها ويتفاعل مع تياراتها، لكانت سيرته كسيرة النواة
التي ألقيتها على وجه التراب وبين الحجارة، هل تنتظر منها إلا
العفونة والفساد؟!..إن مآل هذا الإنسان الذي بدأ عمله فوق مسرح
الشهرة وتحت الأضواء الساطعة هو الخيبة والفساد!.. إن تكلم فلن
يصدر عن علم ناضج، وإن هو أراد السير على صراط الله فلسوف
تعوقه نفسه الأمارة بالسوء عن الانضباط بهذا السير، لما يعانيه
من غرائز وشهوات وأهواء لم يتح له أن يخلص نفسه منها. وإذا
اتجه إلى الأنشطة الاجتماعية، شدته رغائبه إلى التنافس في حظوظ
المراكز والزعامات، والتسابق إلى حيث المغانم والأموال.ذلك لأن
نفسه لم يتح لها أن تتهذب في محراب العزلة، ولم تنبثق فطرتها
السليمة ناضجة في رحم الخلوة.وما أكثر الفساد الذي ينتشر اليوم
في جنبات المجتمعات الإسلامية بسبب الإعراض عن هذا الذي يوصي
به ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى، بسبب الكثير ممن
يتزبب وهو حصرم.ولكن ما من إنسان يبدأ بتكوين نفسه والتعرف على
ذاته، وتغذية عقله بالعلوم والمعارف وتجارب الحياة، بعيداً عن
الأضواء الاجتماعية وعن أسباب الشهرة وعن أحلام الزعامة
مستعيناً بأجواء من الخلوات الجزئية التي تشبه جرعات الدواء
المتلاحقة، أقول: ما من إنسان يأخذ نفسه بهذا العلاج، إلا
وينضج عقله دراية وعلماً، وتتزكى نفسه تهذيباً وتربية، وتتجه
منه المشاعر والعواطف إلى كل ما هو أعلى وأبقى وقد صفيت من
شوائب الأهواء والرعونات.وتصبح أنشطته وأعماله الاجتماعية
عندئذ مفيدة ومثمرة له ولمجتمعه، تماماً كالنواة التي تركت في
باطن الأرض، حتى تفجرت في ظاهرها نباتاً مخضراً يانعاً ثم
مثمراً.


ـ المستند الذي اعتمد عليه ابن عطاء الله، سيرة رسول
الله صلى الله عليه وسلم

قد يسأل البعض: من أين جاء ابن عطاء الله السكندري بهذه
الحكمة؟والجواب أنه، كغيره، أخذها من سيرة رسول الله التي
رباه ونشّأه الله عليها. فلقد ورد في الصحيح أن الله حبّب إليه
الخلاء، فكان يخلو في غار حراء الليالي المتتابعة. كان ذلك هو
العمل التأسيسي في رحلة القيام بالمهمة التي كلفه الله بها، من
بعد.وعندما نتبين الحكمة من ذلك، نعلم أنه كما احتاج رسول
الله بين يدي القيام بعمله الوظيفي إلى هذه الخلوة فبقية
المسلمين أشد حاجة منه إليها.وإننا لننظر، فنجد أن السلف
الصالح كلهم ساروا على هذا المنوال، فلم يقفز أي من أصحاب رسول
الله رضوان الله عليهم ولا أحد ممنجاء بعدهم فوق هذا القانون
الذي يذكرنا به ابن عطاء الله رحمه الله تعالى.

محب الحبيب علي
02 Dec 2006, 05:42 PM
ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم
نتاجه

ـ لكي ينهض الإنسان بواجباته الاجتماعية بنجاح لابدّ من
أن يتحلى بثلاث خصال: العلم.. تزكية النفس.. تطهير القلب
من التعلق بالأغيار

إنني بحاجة من أجل أن أخرج إلى المجتمع فأنهض بواجباتي
الاجتماعية بين الناس إلى ثلاثة أمور: أولها: العلم. فلا
يجوز لي أن أتكلم بين الناس وأن أقودهم إلى ما أرى أنه الحق
بدون علم. ثانيها: تزكية النفس، فالنفس كما هو معلوم أمّارة
بالسوء. نفسي التي بين جنبي، تطمح بي (في بادئ الأمر) إلى
البحث عن الزعامة.. إلى الوجاهة.. إلى منافسة الأقران.. إلى أن
أكون أنا الأفضل في سائر الأمور والأعمال.. تطمح بي دائماً إلى
المتع واللذائذ.. إلى جمع المال من أي نافذة لاحت، فإن صليت
دعتني نفسي إلى أن أجعل من صلاتي سبيلاً لثناء الناس عليّ..
وإن قمت أعلّم الناس وأدعوهم وأعظهم، دعتني نفسي إلى أن أجعل
من ذلك سُلّماً لشهرة وزعامة، وإن سلكت مسلك الاستزادة من
الأذكار والعبادات والقربات، توجهت بي هذه النفس ذاتها إلى أن
أكون بذلك وجيهاً ومعظماً في قلوب الناس. ولا علاج للتخلص من
هذه الآفات كلها إلاّ أن آخذ نفسي هذه بمنهج التزكية التي
أمرني الله بها. ثالثها: تطهير القلب من محبة الأغيار!.. إنني
أحب المال، أحب الزعامة، أحب زوجتي، أحب أولادي، أحب من سماهم
الله الأنداد.. أي المنافسين لله عز وجل على قلوبعباده. مطلوب
مني أن أطهر قلبي من ذلك كله، وأن أسقط محبة هؤلاء الأغيار
منه.في أي مدرسة أحقق هذه النتائج الثلاث؟ لو أنني اندمجت في
المجتمع، وحاولت وأنا أتقلب في غماره أن أطهر قلبي وأن أغذي
عقلي وأن أزكي نفسي فلن أصل إلاّ إلى نقيض ما أريد!..


ـ لايمكن تحقيق هذه الخصال الثلاث إلا بالتزام خلوات
جزئية منظمة

إن الوصول إلى هذه الأهداف الثلاثة لا يتم إلا بإخضاع الذات
لخلوات جزئية منظمة.. في هذه الخلوات، بقيودها التي سأتحدث
عنها، أتهيأ لمعرفة ذاتي وللوقوف على هويتي عبداً مملوكاً لله
عز وجل. وستسلمني هذه المعرفة إلى منهاج من الأذكار أجعل منها
وردي الدائم، وسيكون الإكثار من تلاوة القرآن بتدبر وتأمل في
مقدمتها. وشيئاً فشيئاً ستنجلي أمامي المكونات على حقيقتها.
إنها أتفه وأقلّ من أن يتعلق بها القلب، تعلقاً يحجبه عن رؤية
المكوِّن جلّ جلاله، ولسوف تتخلّى النفس عن رعوناتها وأهوائها،
وتصطلح مع الروح الهابطة إلى الجسد من الملأ الأعلى، لتبدءا
السير معاً على الطريق الموصل إلى رضوان الله عز وجل.غير أن
هذا لا يكون إلا عندما آخذ نفسي بمرحلة من الخمول وبساعات من
العزلة أخلو بها إلى ذاتي، بعيداً عن المجتمع وضوضائه.وإني
لأشبه الإنسان التائه عن هذا العلاج، السابح في أمواج التيارات
الاجتماعية المتنوعة، برجل اتخذ مكانه في ناد ليلي يفيض
بالضجيج والأحاديث المتداخلة والأصوات المرتفعة، وفجأة أقبل
إليه صديق أو شريك له في التجارة، يحدثه عن أمور حسابية
تتعلقبالشركة والأمور المالية التي بينهما. يصغي إليه صاحبه
قليلاً، ثم يجد أن لا فائدة من الإصغاء، لا المتكلم ينفذ
بالحديث دقيقاً إلى سمعه، ولا هو يستطيع أن يستوعب ما يقوله
له، وسط ذلك الضجيج.. فيقول لصاحبه: قم بنا نبحث عن مكان هادئ
يتاح لنا فيه التعامل مع الروية والفكر.

محب الحبيب علي
02 Dec 2006, 05:43 PM
ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم
نتاجه

ـ أمثلة على ذلك

مثال ذلك أيضاً تاجر يمضي يومه في متجره مع الزبائن الغادين
والرائحين، يندمج معهم ويساهم في ضجيجهم. ولكن ما من ريب أن
سرّ نجاحه وأرباحه التجارية لا يكمن في اندماجه مع ضجيج السوق
ومساوماته مع الزبائن، وإنما يكمن في الساعتين اللتين يقضيهما
مختلياً في مكتبه يراجع فيهما دفاتره، ويتأمل حساب الصادر
والوارد لديه.وكما أن مثال التجارة الدنيوية هذا، لا يعجز عن
فهمه أحد، فكذلك شأن التجارة بأمور الدين.إنني عندما أبدأ عملي
الإسلامي بالاندماج في المجتمع داعياً واعظاً حركياً آمراً
ناهياً، وأجدني فجأة قد أصبحت زعيماً أو مسؤولاً كبيراً، أو
اكتسبت شهرة بين الناس على حين غرة، فما من ريب في أني سأجند
كل أنشطتي الدينية وإمكاناتي الحركية لحماية ما قد نلته من
شهرة أو زعامة أو مال.إذن ماذا عسى أن أستفيد وأفيد في هذه
الحال؟لن أستفيد سوى أوزار من الرياء والعجب أحملها إلى الله
فوق كاهلي، ولن أفيد الناس إلا أقوالاً مرصوفة وحركات خداعة.
أما الدين في جوهره فتائه وضائع بين هذين الطرفين!..ولكني إن
بدأت بالنظر إلى نفسي ومعالجتها، واتخذت من وصية رسول الله
منهجاً للتربية والعلاج: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك
على خطيئتك» رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وابن أبي الدني
من حديث عقبة بن أبي عامر. فسوف يتقلص سلطان الدنيا وأهوائها
شيئاً فشيئاً عن مشاعري ونفسي، ويتجلّى في مكانه سلطان الله عز
وجل مهيمناً على كياني، وشيئاً فشيئاً يقودني دافع الإخلاص لله
وحده، في سائر أعمالي وأنشطتي التي أمارسها. إذ سيتبين لي أنه
لا يوجد أحد من دون الله يستأهل أن يكون عملي من أجله.من ذا
الذي يستطيع أن يفيدني أو يضرني من دونه؟! بل من ذا الذي يملك
أي شيء من بعده؟!..في ضرام هذا الشعور ينقدح الإخلاص لوجه
الله، ويغيب عن الذهن والنفس وجود الأغيار على اختلافها. ويصبح
الاندماج في المجتمع مأموناً ومحفوظاً من سائر الأخطار.عندئذ
لا خوف عليّ من المجتمع وأضوائه.. لا خوف عليّ من الرياء لا
داعي إلى الحذر من العجب.. لا حاجة إلى الخوف ممن قد يحاول أن
يشتريني لمصالحه بالمال، أو بالمتع والملذات.. إذ لن أجد أمامي
أحداً إلا الله الذي هو وحده الفعال، وهو وحده النافع
والضار.كان في الناس الذين يغشون مجلس والدي رحمه الله من
يسأله قائلاً: يا سيدي كيف السبيل إلى التخلص من الرياء؟فكان
يضحك متعجباً ويقول له: وهل يوجد أحد غير الله يستأهل أن ترائي
له؟!.. المفروض في المرائي أن يجد بديلاً عن الله يتقرب إليه
بعمله، فمن هو هذا البديل، وأين يوجد؟ إنّ الذي أيقن عقله معنى
التوحيد الحقيقي يدرك كنه «لا حول ولا قوة إلا بالله» ومن ثم
فلا معنى للرياء في ذهنه ولا وجود له في مشاعره.تأمل في معنى
هذا الكلام الدقيق. ولكن فلتعلم أن والدي دفن نفسه طويلاً في
أرض الخمول، قبل أن يعصمه التوحيد من أخطار الرياء والعجب
والأهواء، ويجعله يعجب من طرح مثل هذا السؤال. * * *


ـ الخمول المطلوب هنا لايعني بالضرورة الخلوة أو العزلة
التامة

على أن الخمول الذي يعنيه ابن عطاء الله هنا، أعمُّ من الخلوة
التي نتحدث عنها، فالخمول يعني الابتعاد عن الشهرة وعن خِضَمِّ
الأنشطة الاجتماعية، والركون إلى الذات لاستكمال معارفها
وتنمية خصائصها ومزاياها، وتسليك النفس في مسالك التربية
والتهذيب.وكما يكون ذلك عن طريق الاستعانة بسلسلة الخلوات
المنسَّقة، يكون عن طريق الاعتماد على دائرة ضيقة من المعلمين
والمرشدين، والأقران الذين يستعان بهم في السير على هذا
الطريق.. المهم أن لا يشغل السالك نفسه في هذه المرحلة بالشؤون
العامة، وأن لا يزج نفسه في غمار الأنشطة الاجتماعية وضوضائها،
إذ إن ذلك من شأنه أن يخنق براعم مزاياه العقلية والفكرية
النفسية التي لم تتفتح بعد، في مناخ التربية والمعرفة، وأن
تستثير في مكانها من نفسه النقائص والعيوب، كما قد أوضحت قبل
قليل.


ـ هذه الحكمة تعبر عن قانون لابدّ منه في كل من القضايا
الدينية والدنيوية

ومن المهم أن تعلم أن اتباع هذه الحكمة أساس لا بدّ منه في كل
من القضايا الدينية والدنيوية معاً.فكم من مصالح ومؤسسات
اقتصادية واجتماعية وعلمية، تسرب إليها الفساد، إذ عهد
برعايتها إلى أشخاص، رأس مالهم من الخبرة والمعرفة والمراس،
زعامة أو شهرة أو مكانة، نالوها طفرة، دون أي مرور بقناة النضج
التربوي أو الخبرة أو الدراية المعرفية!.. ففسدت المؤسسات،
وتعطلت المصالح، وأفلست الشركات، إذ لم تغن الزعامة أو الشهرة
أو المكانة الخلّبية، عن العلم والأخلاق والتربية شيئاً. وقد
علمت أن التكوين التربوي للنفس، والتكوين المعرفي للعقل، لا
يتم أي منهما إلا في رحم الخمول بعيداً عن أضواء الزعامة
والشهرة المنبثقة من الهياجات الاجتماعية أو الحزبية
ونحوها. زارني مجموعة من الشباب، الذين قفزت بهم أنشطتهم
الحزبية والاجتماعية إلى ذرا منابر الدعوة والتوجيه والأمر
والنهي.. دون مرور بهذه المرحلة التكوينية التي يتحدث عنها ابن
عطاء الله في هذه الحكمة. ولما اطمأنت بهم مجالسهم، نظر إليّ
أحدهم ناصحاً -وكان أصغرهم سناً- وقال:- قال الله تعالى: ((ولا
تركنوا إلى الذين ظلَموا فَتَمُسَّكُمُ النار..)) قرأ الكلمة
بهذا الشكل: «فتمُسَّكُم» بضم الميم!..استعدته تلاوة الآية،
ظاناً أن الخطأ في تلاوتها إنما كان سبق لسان. فأعادها كما
بدأها، دون أن يتنبّه إلى أنه أخطأ في شيء ما. قلت له: ولكن
الآية، كما هي في القرآن وفي اللغة: { فتَمَسَّكم } { هود:
11/113 } حاول الشاب كثيراً، دون جدوى، ولم يستطع أن يقيم
لسانه على نطق سليم بكلمة { فتَمَسَّكم } { هود: 11/113 } قلت
له: يا هذا، لقد حملتك غيرتك الفجّة على الإسلام، على أن تجلس
مني مجلس الناصح والواعظ، فهلاّ حملتك غيرتك هذه على أن تتعلم
القرآن أولاً؟!.والحق أني أسفت جداً لهذه المفارقة، ولكني لم
أستغربها ولم أعجب منها، إذ إن حال هذا الشاب لم يكن بدعاً أو
فريداً في أمثاله. بل هو نموذج لحال كثير من الشباب الذين
يتربعون اليوم على أريكة الإرشاد والتوجيه، قفزاً فوق مرحلة
التكوين التي يتحدث عنها ابن عطاء الله، رشحتهم لها المراكز
الحزبية أو الأنشطة الاجتماعية، أو المصالح المتبــادلة. في
غياب تام لمشاعر الغيرة على الحق والإخلاص لدين الله عز وجل.

محب الحبيب علي
06 Dec 2006, 05:47 PM
الحكمة الثانية عشرة



ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة

ـ المعاني التي تطلق عليها كلمة القلب

والآن نبدأ بشرح هذه الحكمة وتحليلها.أولاً: كلمة القلب تأتي
بمعنى العقل، وتأتي بمعنى العضلة المعروفة وراء الأضلاع في
الجانب الأيسر من جسم الإنسان. وقد وردت في القرآن بالمعنيين:
وردت بمعنى العقل في قوله تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَذِكْرَى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ
وَهُوَ شَهِيدٌ } { ق:50/37 } ومراد ابن عطاء الله بكلمة القلب
هنا القلب بمعناه الحقيقي وليس المعنى المجازي المتمثل في
العقل.


ـ المطلوب في هذا المجال التربوي عزلة جزئية لا العزلة
الكلية الدائمة

ثانياً: ينبغي أن نلاحظ أن ابن عطاء الله عبّر بكلمة (عزلة)
منكرة، ولم يعبر بكلمة (العزلة) معرّفة. وبين النكرة
والمعرفة فرق دقيق في المعنى.كلمة (عزلة) منكرة تدل على
التقليل بينما المعرّفة بـ «أل» تدل على التكثير.. فعندما
يقول: «ما نفع القلب مثل عزلة» يعني مثل شيء من العزلة، ولو
قال: ما نفع القلب مثل العزلة، لكان معناه: ما نفع القلب شيء
مثل العزلة الدائمة. وهو إنما يريد التنبيه إلى أن المشروع
والمطلوب إنما هو شيء من العزلة لا أن يتخذ الإنسان منها
منهجاًلحياته كلها، فيبتعد عن المجتمع ويقصي نفسه عن الدنيا في
كهف من الغربة والابتعاد عن الناس وشؤونهم.إن هذا الثاني
يتنافى مع الفطرة الإنسانية، إذ الإنسان اجتماعي بطبعه.فمن أجل
هذا ساق ابن عطاء الله الكلمة نكرة، ولم يأت بها معرّفة بـ
«أل» .إذن العزلة ليست مرادة لذاتها وإنما هي مطلوبة لتكون
مناخاً وظرفاً مناسباً، للتأمل والتفكير. أي فلو أن أحدنا أخذ
الشطر الأول من هذه الحكمة فألزم نفسه بمنهاج من العزلة، يخلو
فيها مع نفسه ساعة أو ساعتين كل يوم، يعانق هذه العزلة لذاتها
بعيداً عن أي عمل.. بعيداً عن القراءة.. بعيداً عن أي وظيفة
فكرية.. فهو سلوك جانح مختل، لا يأتي لصاحبه بأي خير، بل هو
بالأحرى سلوك ضارّ للنفس ومزهق للوقت.

محب الحبيب علي
06 Dec 2006, 05:48 PM
ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة

ـ العزلة مع التفكر: أولهما يشبه الحمية للمريض. ثانيهما
يشبه الدواء له

العزلة التي يندبنا إليها الإسلام وينبهنا إليها ابن عطاء الله
هي تلك التي تكون مناخاً ومجالاً للتأمل والتفكر فيما يفيد
الإنسان وفيما يقربه إلى الله وفيما يعتقه من أسباب الشقوة
التي تتربص بالإنسان.إذن هو هنا يدعونا إلى أمرين أحدهما مقدمة
وسبيل للآخر هما: العزلة، والتفكر.أولهما يشبه الحمية بالنسبة
للمريض، وثانيهما يشبه الدواء بالنسبة له. فالمريض ينصحه
الطبيب بأمرين اثنين، لا يستفيد من الواحد منهمان لم يتبعه
بالثاني.. ينصحه بالحمية أولاً، وهي عمل سلبي يتمثل في
الابتعاد عن الأطعمة الضارة ثم يكلفه بأن يستعمل خلال ذلك
أدوية معينة يصفها له.فلو أنه احتمى ولم يستعمل الأدوية لن
يستفيد شيئاً. ولو أنه استعمل الأدوية ولكنه لم يحتم فإن هذه
الأدوية لن تحقق المأمول من فائدتها.إن هذا المثال صورة للحكمة
التي ينصحنا بها ابن عطاء الله.إنه يدعو المسلم، بل الإنسان
أياً كان إلى عزلة تقوم أهميتها بالنسبة إلى الروح كأهمية
الحمية بالنسبة للبدن. ولكنه يسرع فيقول: «يدخل بها ميدان
فكرة» والفكرة التي يدعو إليها، تقوم ضرورتها للعقل والروح
كضرورة الدواء بالنسبة للجسد المريض. إذن فإذا ألزم الإنسان
نفسه بساعة من الخلوة في كل يوم وليلة مثلاً يعزل نفسه فيها عن
الناس، ينبغي أن يملأ فراغ خلوته هذه بموضوع يسلط عليه فكره
للمناقشة وللنظر وللتأمل. على أن يكون الموضوع الذي يشغل فكره
به، مما يوقظه إلى معرفة الحقيقة الكونية، لا موضوعاً يستهوي
النفس ويخبل العقل. فلو أنه دخل خلوته هذه وأمسك بكتاب مليء
بأصناف الدجل والخرافات أو الموضوعات التي تثير في النفس
غرائزها وتجمح بها إلى أهوائها فإنه يكون قد اتخذ من خلوته
وسيلة للابتعاد عن معرفة الحق ولإسدال مزيد من الحجب بينه وبين
الله سبحانه وتعالى.


ـ بيان المراد بالفكرة التي هي بمثابة الدواء

المراد بالفكرة الاشتغال بالموضوع الذي يُقِّربُه إلى معرفة
ذاته ويوقظه إلى إدراك هويته عبداً مملوكاً لله سبحانه وتعالى
ومن ثَمَّ يُقَرِّبُهُ إلى معــرفــة ربه وصفـــات الربوبية
فيه، ومن ثم يدنيه من محبة الله عز وجل وتعظيمه وتعظيم
حرماته.إذن لا بدّ من أن يشغل الإنسان نفسه في خلوته هذه بمادة
تحقق له هذه الأهداف.. قد تكون هذه المادة قراءة كتاب الله
سبحانه وتعالى وهي خير ما يملأ به الإنسان خلوته، وقد يكون
الاشتغال بسيرة رسول الله . ولا بأس أن يجعل مادة تفكيره
التأمل في ذاته: من أنا؟ وكيف جئت إلى هذه الدنيا؟ كنت بالأمس
طفلاً صغيراً لا أعي، ثم إني دخلت مرحلة الشباب، ثم إني تجاوزت
الشباب إلى الكهولة، وها أنذا أتجه شيئاً فشيئاً إلى النهاية،
وعما قليل سأرحل من هذه الدنيا.. ماذا صنعت في العمر الذي مضى؟
وماذا جنيت من الملاذ التي تمتعت بها؟ ما الذي بقي لي منها؟
وما الذي بقي مني لها؟ أتأمل في المتعة التي ذهبت لذّاتها
وبقيت مغارمها، والطاعات التي ذهبت أتعابها ولكن بقي ثوابها..
أتأمل في هذا كله، وعندئذ أشعر بحالة من الحزن والندم.. لماذا
لم أستكثر من الطاعات خلال عمري الذي مضى؟ ولماذا لم أقلل من
المعاصي التي انزلقت إليها؟ وأنظر، وإذا بالعمر ما تزال منه
بقية، فيحفزني الشعور بضرورة انتهاز الفرصة إلى التدارك قبل
الفوات. وهكذا أعاهد نفسي، بل أعاهد الله أن لا أضيع الثمالة
الباقية من العمر، وأن أسرع فأغرس أيامها الباقية من حياتي
بالقربات والطاعات الممكنة.ذلك هو أثر الخلوة إذ تمتزج مع
موضوع فكري يوقظ العقل إلى الحقيقة الكونية الكبرى، ويحرر
النفس من شوائب العصبية والأهواء.

محب الحبيب علي
06 Dec 2006, 05:49 PM
ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة

ـ مستند ابن عطاء الله في هذه الحكمة

ومستند ابن عطاء الله في هذا، كلام الله عز وجل، وبيان رسوله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهديه العملي.أما الأول، فقول
الله تعالى: { قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ
تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما
بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ
بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ } { سبأ: 34/46 } وأما الثاني،
وهو بيان رسول الله ، فمن ذلك قوله، فيما رواه أبو داود
والترمذي والبيهقي وابن أبي الدنيا من حديث عقبة بن أبي عامر
أنه سأل رسول الله: ما النجاة؟ فقال له: «أمسك عليك لسانك،
وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» .وأما الثالث، وهو النهج
العملي الذي بلغنا من سيرة رسول الله ، فهو سلسلة الخلوات
التي حببت إليه قبيل بعثته، وحديث بدء الوحي في ذلك معروف
ومحفوظ، لا داعي إلى ذكره.قد يخيل إلى بعض منكم أنه ترك هذه
العادة بعد البعثة، فلا حجة فيها.والحقيقة أنه لم يتركها بل
واظب عليها بعد البعثة، ولكنه لم يلزم نفسه بالذهاب إلى غار
حراء، ليجعل منه مثابة لخلواته. بل كان يؤدي هذه الوظيفة في
داره. وكان أهم ساعات خلواته، إذا جنّ الليل ودخل الهزيع
الثاني منه، كان كما تعلمون يقوم من فراشه فيسبغ الوضوء، ثم
يخلو مع ربه مصلياً، تالياً ما شاء له الله من القرآن. وهذا
كما تعلم أفضل موضوع يدور عليه الفكر أثناء مثل هذه
الخلوة. وإني لأتساءل: لماذا يأمر الله رسوله أمر إيجاب بهذه
الخلوة؟ بعبارة أخرى: لماذا يأمره أن يقوم الليل: { يا
أَيُّها الْمُزَّمِّلُ ، قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً،
نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً } { المزمل: 73/1-4 } الفرق
هو التالي، ولتعلم أن رسول الله قدوة في هذا وغيره للمسلمين
جميعاً:لو أدى رسول الله هذه الوظيفة في بياض النهار لما تحققت
له هذه الخلوة التي يحفزنا ويدعونا إليها كتاب الله سبحانه
وتعالى. الضجيج.. احتكاك الناس الذاهبين والآيبين.. السائلين
والمتحدثين.. عوارض الدنيا ومشاغلها.. كل ذلك سيحول دون هدأة
الفكر، وصفاء النفس!. ولكن فما هي الساعة أو الســــاعات التي
هي مضرب المثل في بعث الصفـــاء في النفــس والهــدوء في
الفكر؟.. إنه الهزيع الأخير من الليل،لا سيما ساعة السحر.
فالليل ذاته، لا يشبه أوله آخره كم وكم بينهما من فرق!..ولعلّ
هذا هو السبب فيما قاله العلماء من أن المتهجد لا يسمى متهجداً
إلا إذا نام من الليل ثم استيقظ واتجه إلى الله سبحانه وتعالى
بالصلاة والدعاء والمناجاة!.. يستيقظ وقد هدأت النأمة، وعلق
الكرى بأنفاس الناس جميعاً، وطابت الخلوة مع الله، في تلك
الحالة يتسنى للإنسان أن يشعر بصفاء روحه وهدوء باله، بعيداً
عن المشوشات والمعكرات التي كانت تأخذه وتردّه أثناء
النهار.فهذه من الخلوات التي فرضها الله على حبيبه المصطفى
وجعلها سنة في حق أمته. * * *


ـ أثر العزلة الجزئية عندما يأخذ بها المسلم نفسه على
صعيد الحياة السلوكية

والآن، تعالَ نتبين أثر هذه العزلة الجزئية عندما يأخذ المسلم
بها نفسه، على صعيد التنفيذ والواقع العملي.افرض أنك تسير مع
ثلة من إخوانك التجار في شارع كشارع الحمراء أو سوق كسوق
الحميدية، والحديث دائر عن المال والدخل والاقتصاد، وجاء من
يذكرك أثناء ذلك الضجيج بحديث رسول الله : «لو كان لابن آدم
وادٍ من مال لابتغى إليه ثانياً، ولو كان له واديان لابتغى
إليه ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على
من تاب» متفق عليه من حديث عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك.
ماذا عسى أن يحدث هذا الكلام من التأثير علىنفسك؟.. لن يحدث أي
تأثير، بل ستتبرم بهذا الكلام الذي جاء في غير ميقاته، ولسوف
تتغلب على فكرك ونفسك الحالة التي أنت فيها، والتيار الذي يحيط
بك. وفي أحسن الأحوال الإيمانية لديك، ستحترم هذا الحديث
وصاحبه، ثم تنساه بعد ثلاث دقائق.ولكن فافرض أنك قمت من الليل،
وقد بقي منه الهزيع الأخير، وتأملت السكون الذي يلتف بك، وقد
بعث في نفسك صفاء لا عهد لك به، وأنعش فكرك بطمأنينة طالما
بحثت عنها ولم تعثر عليها، فاندفعت بوحي من تلك الحال، إلى أن
تتوضأ فتقف بين يدي الله تناجيه من خلال ما تيسر من الركعات،
ولما جلست تتأمل الحال التي لبستك من خلال مناجاتك لله، في
هدأة الليل وسكونه، بعيداً عن الناس والأقران وشواغل التجارة
والمال، سمعت من يذكرك بحديث رسول الله : «لو كان لابن آدم
واد من مال لابتغى إليه ثانياً..» الحديث أو يتلو عليك قوله
: «يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت
فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت» رواه مسلم من
حديث عبد الله بن الشخير وأبي هريرة. فما الذي يحدثه سماع هذا
الكلام في فكرك ونفسك، وأنت في خلوتك تلك، مندمجاً في تلك
الحال؟سيسري تأثير كبير من هذا الكلام إلى نفسك، وسيخبو شعاع
الأمتعة والزينة المتناثرة من حولك، وستشعر أن كل ما قد
استزدته فوق الحاجة من أموال الدنيا ومتعها قد تحول إلى عبء
على كاهلك. ولن يعيدك إلى التعامل معها والاستزادة منها، إلاّ
اندماجك ثانية في أعمال السوق وتعاملك مع رواده وأهله.لعلك
تقول: فإذا كان العود إلى السوق وأعماله التجارية أمراً لا
مناص منه، فما الفائدة من ساعة أخلو فيها إلى نفسي، كهذه
الساعة التي وصفت من الليل؟والجواب أن الفائدة ستظهر وتتحقق من
استمرار هذه الساعة واتخاذك ورداً لها، والفائدة لا تتمثل في
إعراضك عن السوق وإدبارك عن الدنيا وإنما تتمثل في انضباطك
أثناء السعي من أجلها، بأوامر الله عز وجل، فلا تقتحم شيئاً من
السبل المحرمة إليها، كما تتمثل في تحولها من محبوب يهيمن على
قلبك، إلى خادم زمامه بيدك. * * *


ـ والآن تعال نتساءل: لماذا يكرم أحدنا عينيه باليقظة في
أول الليل ليلهو بهما عن مولاه، ولايكرمهما باليقظة في
آخر الليل ليكون بهما مع الله

إذا عرفت هذا يا أخي المسلم، فتعال نتساءل:لماذا يكرم أحدنا
عينيه باليقظة والسهر في أول الليل ليلهو عن مولاه الذي هو
الله، ولا يكرمهما باليقظة في آخر الليل ليكون مع الله؟!.. وما
أعظم الفرق بين الحالتين، ما أعظم الفرق بين من يساهر الليل،
ليحجبه الليل عن الله، ومن ينام الليل ثم يستيقظ في آخره ليكون
مع الله!..أخيراً، لا يسرينّ إلى فكرك وهم يخيل إليك أنني
أسوقك إلى التصوف بهذا الكلام. دعك من هذه الحساسية التي كم
أساءت وأفسدت!..إنني أدعوك بهذا إلى التحلي بما يدعو إليه
الإسلام، بما كان عليه نبيك المصطفى عليه الصلاة والسلام.قد
تسأل: في الناس من يقولون، إن الانضباط بهذه الخلوة يحتاج إلى
مرشد، فهل الأمر كذلك؟وأقول في الجواب: متى كان التمسك بسنة
رسول الله يتوقف على مرشد، بحيث إن لم يوجد المرشد تعطلت
السنة وتقطع سبيل الناس إلى العمل بها؟..أجل.. لا نشك أن وجود
المرشد نعمة كبرى، ولكن وجوده ليس شرطاً لإحياء السنة والتمسك
بها، وإنما هو عامل إضافي لتذكير الناس بها، ثم إن ضرورة
المرشد فرع عن ضرورة المربي، والتربية أساس اجتماعي لا بدّ
منه.على أن الذي يتخذ من أعمال الإرشاد حرفة يتكسب من ورائها
ويبني لنفسه مكانة وشهرة بين الناس بها، ليس مرشداً، بل هو
صاحب حرفة وطالب معيشة ورزق، طاب له أن يطرق في ذلك باب الدين
بدلاً من الدنيا.المرشد الذي هو مرشد حقاً، ذاك الذي تبصر
بعلوم الشريعة الإسلامية بحيث أتيح له أن يجعل منها ضابطاً
لسلوكه وتصرفاته، ثم إنه ذاك الذي فرغ قلبه من حب الدنيا
والتعلق بها، فزهد فيها، وترفع فوق متعها وأهوائها، أعرض عن
حظوظ نفسه، ولم يبتغ في شيء من أعماله إلا مرضاة ربّه.تساوى
لديه ثناء الناس عليه، مع انتقاصهم له. إذ كانت معاملته مع
الله لا مع الناس، وكانت قرة عينه متمثلة في رضا الله، لا في
مديح الناس.إذا صادفك هذا المرشد، عليك به وتشبث بأذياله، إذ
ما من شك أنه سييسر لك سبيل القرب إلى الله، وأسباب الابتعاد
عن مزالق الشيطان، سيحبب إليك اتباع السنة ويجنبك الوقوع في
البدع.ولكن لا تجعل سيرك إلى الله متوقفاً على عثورك عليه، إن
صادفته سرت وإن لم تجده أعرضت وتوقفت.. يغنيك عن المرشد
الحقيقي الذي قد لا تعثر عليه الإخوة الصالحون والناصحون، وما
أكثرهم بحمد الله في كل مدينة وصقع.ثم أين أنت من المرشد
الأعظم رسول الله ؟ اقرأ سيرته بتدبر، وداوم على الصلاة عليه،
يقيض الله لك منه مرشداً يدلّك إن ضللت ويقومك إن اعوججت ويحبب
إليك الإيمان، بفضل من الله، ويزينه في قلبك ويكرِّه إليك
الفسوق والعصيان. * * *

محب الحبيب علي
06 Dec 2006, 05:50 PM
الحكمة الثالثة عشرة



كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة
الله، وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته

ـ بيان معنى الشطر الأول من هذه الحكمة: ((كيف يشرق قلب
صور الأكوان منطبعة في مرآته))

وهذه الحكمة أيضاً مرتبطة بالتي قبلها، وقد رأينا أنها هي
الأخرى بدورها متممة للتي قبلها. إذن فهذه السلسلة المترابطة
من الحكم الثلاث، متكاملة، بمقدار ما يتوقف كل منها على
الأخرى.ولنبدأ بدراسة الشطر الأول من هذه الحكمة الجديدة:
«كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته» .كنا قد عرفنا من
قبل أن الإنسان ثنائي التركيب، إذا طرحنا منه قفصه الجسدي الذي
لا شأن ولا قيمة له، فهو مركب من ركنين أساسيين بهما تتكامل
إنسانية الإنسان: العقل والقلب.أما هذا القفص الجسدي فالإنسان
شريك فيه مع سائر الحيوانات الأخرى لا قيمة للشكل أو المظهر
الذي يبدو أنه يفرق بينهما. وإنما تعود الآثار التي يخلفها
الإنسان في المجتمعات، من حضارة وعمران وثقافة وعلوم، إلى
العقل الذي من شأنه أن يعي ويدرك، وإلى القلب الذي هو مجمع
العواطف والوجدان.. إن الإنسان بهاتين الحقيقتين أنشأ ما أنشأ
من حضارات، ووصل إلى ما وصل إليه من علومواكتشافات، بل إنه
بهاتين الحقيقتين أصلح ما أصلح وأفسد ما أفسد فوق هذه
الأرض.إذن فالعقل مهمته في حياة الإنسان الإدراك والوعي. ولسنا
هنا بصدد البحث عن مركز العقل أهو في الدماغ أم في أي مكان آخر
من جسم الإنسان. فلهذا التحقيق مناسبة أخرى.وأما القلب (ولا
نعني به هذا الذي يصطلح عليه الأطباء وعلماء التشريح من العضلة
المادية الجاثمة وراء الرئة اليسرى) فهو ملتقى العواطف
الدافعة والرادعة والممجدة: العواطف الدافعة هي التي تتمثل في
الحب والتعظيم، والرادعة هي التي تتمثل في الخوف والكراهية،
والممجدة هي التي تتمثل في الانبهار والإعجاب والإجلال. هذا
المكان الخفي الذي تلتقي فيه هذه العواطف المتنوعة يسمى
القلب.إذن فأنت يا ابن آدم إنما تحققت إنسانيتك بسرين اثنين:
أولهما هذا العقل المدرك الذي يعي الأشياء ويحاول أن يبلغ
أسرارها. ثانيهما ذلك الوعاء الذي هو مجمع العواطف في حياتك به
تتحقق الكراهية والحب وبه تستشعر الخوف والتعظيم.ولا شأن لنا
الآن بالعقل والحديث عنه. إنما الحديث هنا عن القلب.بوسعنا أن
نتصور الآن أن القلب عبارة عن لوحة تتمتع بحساسية مرهفة إن وقع
بصرك من الدنيا على شيء ينسجم مع رغائبك ومع ما وجه الله آمالك
وأحلامك إليه، انعكس من ذلك شعور على لوحة القلب، أورثك ما
نسميه الحب.. وإن وقع بصرك على ما لا يتفق مع مزاجك وأهوائك،
انعكس من ذلك شعور آخر على لوحة القلبأورثك ما نسميه
الكراهية.. وإن رأيت في المجتمع أناساً قد سابقوك فسبقوك إلى
مجد تبتغيه أو إلى مال تكدّ في سبيله، سرعان ما ينعكس من ذلك
شعور ثالث على لوحة قلبك، هو ما نسميه الحسد أو الحقد أو
الضغينة. وإن رأيت من حولك أناساً لم يقيموا لك الوزن الذي
تريد ولم يأبهوا بك في مجلس من المجالس، أو مجتمع من
المجتمعات، تجلّى على هذه اللوحة من ذلك شعور آخر، هو ما نسميه
الغضب وثورة الأعصاب.تلك هي إذن مهمة القلب، إنه عبارة عما
يشبه لوحة ذات حساسية دقيقة، تسجل وتتجلى عليها المشاعر
المختلفة التي تطلق عليها العواطف الدافعة أو الرادعة أو
الممجدة. إذن فلنطرح السؤال التالي: عندما يمارس أحدنا أعماله
ونشاطاته المتنوعة، أفيستجيب في ذلك لدوافع عقله الذي به يدرك
ويعلم، أم لدوافعه القلبية التي بها يحب ويكره ويعظم ويثور
ويغضب؟!..يقول علماء النفس: إن الدوافع القلبية هذه إلى
الأعمال والأنشطة السلوكية في حياة أكثر الناس، تساوي 70% من
مجموع دوافعهم إلى السلوك. أما الدافع الفكري فيساوي 30%
منها.ولو أن الناس كلهم كانوا يستجيبون في أعمالهم وأنشطتهم
الاجتماعية لقرارات عقولهم وأحكامها، لرأيت الوفاق هو الغالب
على حياتهم ولرأيت ثمار التعاون الدائم بينهم قد مدت فوقهم
رواق السعادة والأمن والأمان، بل لرأيتهم جميعاً يدينون
بالولاء التام لمولاهم الأوحد، وهو الله عز وجل.. ولكن الناس
كانوا ولا يزالون منذ أقدمالعصور يستجيبون لنوازعهم العاطفية
أكثر مما يستجيبون لقناعاتهم العقلية. وإنما يستخدم العقل أداة
بيد مشاعر الحب والغضب والحسد والكراهية والحقد. فهو يتحرك
ويعمل، ولكن كما يحكم سلطان هذه المشاعر.وقد علم الناس قديماً
خطأ، بل خطر، تحكم العواطف بالعقل، فعالجوا ذلك بما يسمونه
التربية، ولعلك تعلم أن التربية تعني اعتماد الوسائل التي
تخُضع العاطفة للعقل، بدلاً مما هو الواقع الغالب من خضوع
العقل للعاطفة. قد تتطور السبل التربوية وقد يتفنن المربون في
وسائلها، ولكن تلك هي الغاية دائماً وعلى كل حال. ولقد كان
الناس ولا يزالون يقولون: فلان يتمتع بتربية عالية، أي إنه
يخضع عواطفه لقرارات العقل وأحكامه.إذا عرفنا هذا فلنعلم إذن
أن القلب هو القائد دائماً لأنه المرجل الذي تغلي فيه العواطف.
والمرجل هو الذي يحرك ويقود.. أما العقل فإنما هو مجرد مصباح
يضيء، ومن ثم فهو ملكة كاشفة، كما قالوا، وليس طاقة مؤثرة.وهنا
يأتي دور كلام ابن عطاء الله الذي يشبه القلب بالمرآة، إذ
تنعكس عليها مشاعر الإنسان وأحاسيسه..أرأيت إلى المرآة إذ
توجهها إلى بئر مظلمة كيف يغدو سطحها أسود مظلماً، وإذ توجهها
إلى الشمس الساطعة، كيف تتلألأ بمثل ضياء الشمس، وإذ توجهها
إلى حديقة تمازجت فيها الخضرة مع أفانين الأزهار والورود، كيف
تتحول إلى لوحة تحمل الصورة ذاتها.. فكذلك القلب، إن هو إلاّ
مرآة تنعكس عليه صور من أحوال صاحبه.فإذا كان الإنسان متجهاً
دائماً برغباته إلى الدنيا التي تتمثل في الدرهم والدينار
والدور والأثاث والمتع والزوجة والأولاد والمجد والشهرة
والزعامة ونحو ذلك بحيث يصبح ويمسي وتلك هي آماله وأحلامه؛ فلا
بدّ أن ينطبع ذلك كله على مرآة قلبه، ولا بدّ أن تتحول عواطفه
كلها إلى جنود مجندة في خدمته. فأنى لوجود الله وسلطانه أن يجد
متسعاً على صفحة هذا القلب؟ وعاء امتلأ وفاض بالآمال الدنيوية
المتنوعة وبالرغائب النفسية والغريزية، ثم تكاثر فوقه الكثير
من مشاعر الحقد على المنافسين، ومشاعر الحسد والبغضاء للسابقين
والمتميزين، كيف يمكن أن يبقى فيه متسع للشعور بمحبة الله أو
للشعور بتعظيمه والمخافة منه؟ هما ظلام وضياء إن احتل أحدهما
القلب غاب عنه الآخر، إذ هما نقيضان لا يجتمعان.وإذا غشّى
القلبَ ظلام هذه الأهواء وما تجره من آثام، تزايدت من ذلك
النكت السوداء عليه، كما قال رسول الله ، إلى أن يعم نسيج هذا
السواد القلب كله، وهو الران الذي قال عنه الله تعالى: {
كَلاّ بَلْ رانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ } {
المطففين: 83/14 } عندئذ يعاني هذا الإنسان ما يسمى بانفصام
الشخصية. إنه مؤمن بعقله، لأن العقل يدرك الحقائق بطريقة آلية،
كما يدرك أن 1+1= 2. فهو عندما يسمع مثل هذا الكلام، أو يحضر
مجلس تذكرة ونصح، يذعن للحق ويعترف به، ويستجمع على ذلك مزيداً
من الأدلة والبراهين. ولكنه ما يكاد يخرج من المجلس حتى يعود
إلى شأنه خاضعاً لأهوائه ورغائبه!..ذلك لأن القيادة بيد
العواطف وليست بيد العقل وإنكم لتشاهدون هذه الحقيقة التي
أقولها في واقع الناس اليوم. إن أكثرهم يعرفون الحق ويميزونه
عن الباطل، ولكن تأمَّل: كم منهم يَخضعون سلوكهم للحق الذي
عرفوه؟ إنهم لا يبلغون الربع!.. لأن الذي يقودهم لهيب العواطف
والأهواء، لا ضياء العقل وأحكامه.وإذا سأل صاحب هذه الشخصية
المزدوجة: ها أنا موقن بالحق الذي أسمعه من كتاب الله عز وجل،
فما الذي يحول بيني وبين الاستجابة لأمره؟ يأتيه الجواب من ابن
عطاء الله: «كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته» قلبك
مظلم بالران الذي تكاثف فوقه. فأنت محكوم لسلطان هذا الران، لم
يبق في قلبك متسع لحب يحدو بك إلى الاستجابة لأمر الله، ولا
لخوف يحجزك عن معاصي الله، ولا لتعظيم يقف بك عند حدود الله!..
والحب، والخوف، والتعظيم، كل ذلك مكانه القلب لا العقل.والقلب
مليء بظلل سوداء، من التعلق بالدنيا.. بالشهوات.. بمنافسة
الآخرين، بمشاعر الحسد والأحقاد عليهم.. منصرف إلى التقلب في
أحلام المتع التي اقتحمْتَ غمارها واستقرت في نفسك
أصداؤها.وإذا أقبل العقل يستأذن قلبك ليغرس فيه شتلاً أو نواة
لمحبة الله عز وجل، يبحث.. ثم يبحث.. فلا يجد فراغاً فيه لهذا
الغرس!..يتجه العقل إلى القلب، ليبلغ صاحبه رسالة الله التي
يقول له فيها: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ
تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ
الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ
قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } {
الحديد: 57/16 } ورسالة العقل التي هي العلم، من الأهمية
بمكان، ولكن الحقائق العلمية لا بدّ لها من مغرس تنمو وتزدهر
فيه، ومغرسها في حياة الإنسان القلب. فإذا سدت منافذ القلب
وأظلم أرجاؤه للسبب الذي يذكره ابن عطاء الله، فإن مصير رسائل
العقل كلها الذبول والضياع.وكم يتجلى هذا الذي أقوله في العبرة
التي يسوقها لنا كتاب الله عز وجل، إذ يحدثنا عن ذاك الذي آتاه
الله آياته فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. وأصح
ما قيل في اسمه - على ما ذكره ابن كثير في تفسيره - أنه
بلعام بن باعوراء، أحد علماء بني إسرائيل. لقد آتاه الله آياته
علماً، كما قال عز وجل، ومستودع العلم هو العقل، ولكنه أخلد
إلى الأرض واتبع هواه. وسبيل ذلك إنما هو القلب، تعلق قلبه
بالدنيا التي كنى الله عنها بكلمة (الأرض)، فقاده قلبه بدلاً
من عقله واتبع هواه. فكانت سيرته كسيرة الكلب، يلهث وراء
الدنيا دون أن يشبع منها، كالكلب الذي يلهث بلسانه في كل
الظروف والأحوال. واسمع في هذا كلام الله عز وجل: { وَاتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ
مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ،
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى
الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } { الأعراف:
7/175 - 176 }

محب الحبيب علي
06 Dec 2006, 05:51 PM
كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة
الله، وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته

ـ بيان معنى الشطر الثاني منها: ((أم كيف يرحل إلى الله
وهو مكبل بشهواته))

إذن لن يشرق قلب انطبعت فيه صور الأكوان، فحجب صاحبه بذلك عن
المكوِّن جلّ جلاله. ولعلّ فينا من يسأل: ففيم كان ذلك؟ وهلاّ
استقرت في القلب بدلاً عن ذلك صفات المكوِّن، لاسيما وأن العقل
موقن بالله ووحدانيته وصفاته؟يأتي الجواب عن هذا السؤال من
خلال الفقرة الثانية من هذه الحكمة، وهي قوله: «أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبّل بشهواته» ؟ أي لو لم يكن القلب مكبلاً
بشهواته، لاتجه إلى الله عز وجل وابتغى من الدنيا كلها رضاه،
ولو تمّ له ذلك لأعرض عن الأكوان واتجه إلى المكوّن، ولما
انطبعت صور الأكوان في مرآته.إذن فهذه الفقرة الثانية من هذه
الحكمة، تتضمن بياناً لعلاج المشكلة التي تضمنتها الفقرة
الأولى، وهي انطباع صور الأكوان على القلب مما جعله في شغل
شاغل عن المكوِّن.وتعال نتبين الآن العلاج الذي ترسمه الفقرة
الثانية، من حيث تعبّر في الوقت ذاته عن مشكلة ثانية، سيحيل
ابن عطاء الله حلها إلى الفقرة الثالثة:لو كانت الصور التي
تستقر على القلوب كالصور والنقوش التي ترسم على الورق أو
الجدران، لكان السبيل إلى محوها أمراً يسيراً، تعمد إلى
الممحاة فتمحو بها ما أثبتّه على الألواح أو الجدران، ولكن
الصور التي ترسم على القلوب لا يمكن أن تمحى بالوسائل المادية
والتقليدية المعروفة.إن سبيل ذلك محصور في هذه الفقرة الثانية
«أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبّل بشهواته؟» .أي إن صور
الأكوان لم تنطبع على فؤادك إلا بسبب الشهوات التي استعبدتك
وكبّلتك، فجعلتك تثّاقل إلى الأرض. فهي التي ألقت من ذلك ظللاً
من السواد على قلبك، وأنستك المكوِّن وسلطانه، لتشغلك
بمخلوقاته ومكوّناته.إذن فالعلاج الذي يمحو صور الأكوان من
فؤادك، ليتهيأ لاستقبال صفات المكوّن وآلائه، إنما هو تحررك من
أسر الشهوات التي كبّلتك. وإنما يكون ذلك بأن توجه حبك إلى من
بيده إسعادك أو إشقاؤك بهذه الشهوات.


ـ بيان معنى الشطر الثالث منها: ((أم كيف يطمع أن يدخل
حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته))

ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟كيف السبيل إلى أن يحرر أحدنا نفسه من
أسر الشهوات التي تكبلنا فعلاً ببريقها ولذائذها؟.السبيل إلى
ذلك يتبين من المشكلة التي تضمنتها الفقرة الثالثة من هذه
الحكمة، وهي قوله: «أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله، وهو لم
يتطهر من جنابة غفلاته؟» .إذن المشكلة هي غفلتك عن الله الذي
بيده الخلق والأمر كله، بيده النعم التي ترنو إليها، والشهوات
التي تحلم دائماً بها، هو الذي يشعرك بلذاتها إن أقبلت إليك،
ويبتليك منها بالآلام والمنغصات إن أدبرت عنك.وإذا كانت
المشكلة هي هذه الغفلة، فالعلاج يكمن في أن تسعى سعيك الجاد
للتخلص منها.. إذا تخلصت من الغفلة اتجَهَ منك القلب إلى الإله
الذي شهواتك بيده، ونعمك من صنعه، وسعادتك من فضله، فتتعلق
آمالك به، ويصفو حبك له؛ وعندئذ تتحرر من أسر الشهوات التي
كبلتك، ومن ثم تغيب عن مرآة قلبك صور المكونات، لترتسم في
مكانها صفات المكوّن جلّ جلاله.

محب الحبيب علي
06 Dec 2006, 05:52 PM
كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة
الله، وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته

ـ بيان معنى الشطر الأخير منها: ((أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته))

ولكن ما العلاج الذي يعينك على التخلص من الغفلة التي هي سبب
وقوعك في أسر الشهوات، ومن ثَمَّ فهو سبب المشكلة التي
قبلها؟العلاج هو الابتعاد عن الآثام والهفوات، وهو ما تضمنته
الفقرة الأخيرة التي يقول فيها: «أم كيف يرجو أن يفهم دقائق
الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟» .إذن فكثرة الهفوات هي السبب
في الوقوع في الغفلات.. والاستغراق في الغفلات هو السبب في
الاستسلام لأسر الشهوات.. والاستسلام لأسر الشهوات هو السبب في
هيمنة صور الأكوان على القلب، وانتشار (الران) عليه.ومن ثم فإن
العلاج يبدأ بضرورة التغلب على المشكلة الأولى، وهي مشكلة
الاستسلام للهفوات والآثام.. يجب أن تتغلب على هفواتك أي على
معاصيك بالابتعاد عنها والتطهر منها. ولا بدّ أنك ستقول: وهل
بوسعي أن أكون معصوماً من ارتكاب الأوزار، وقد علمنا أن كل بني
آدم خطاء؟.. والجواب: ليس المطلوب هو العصمة، وإنمالمطلوب أن
تحرص على الابتعاد عن المعاصي جهد استطاعتك. فإذا ابتليت بشيء
منها، فطهّر نفسك منها بالتوبة، واعزم بصدق على أن لا تعود،
فإن اهتاجت بك النفس مرة أخرى وعدت إلى المعصية، فعد بعدها
سريعاً إلى التوبة.. والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وتلك هي
عصمة الضعفاء من أمثالنا، وعنهم قال الله عز وجل، مجيباً عن
توعد الشيطان بإغوائه عباد الله أجمعين، بدفعهم إلى المعاصي
والفواحش: { إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ } { الحجر: 15/42 }
فإذا تخلص الإنسان بهذه الطريقة من آفة الهفوات والمحرمات،
وسار ثابتاً مستقيماً في طريق الطاعات، فإن غاشية الغفلة ترتدّ
عنه، وسيصحو شعوره وضميره إلى مراقبة الله عز وجل وذكره. وهكذا
فإن انغماس الإنسان في المعاصي يزجه في ظلام الغفلات؛
وتوجُّهُه إلى الطاعات وتنفيذِ أوامر الله، يوقظه من سكرتها
ويرقى به إلى صعيد مراقبة الله والإكثار من ذكره.فإذا تحرر من
الغفلة التي كان مكبلاً بها، فقد آن له أن يدخل حضرة الله
تعالى، على حدّ تعبير ابن عطاء الله. وهذا التعبير منه إحالةلى
قول رسول الله ، وهو يعرّف الإحسان: «أن تعبد الله كأنك
تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» أي تنجذب بمشاعرك من الدنيا
وأحوالها وآثارها، فتغيب عنك غيبة تامة ولا يبقى في إحساسك إلا
الشعور بأنك في حضرة الله وبين يديه تناجيه بما تخاطبه به من
قرآن أو ذكر أو دعاء كأنك تراه.. ولتعلم أن المسلم بمقدار ما
يبتعد عن المعاصي ويتنزه عنها، يقرب من درجة الإحسان هذه،
ويدخل حضرة الله تعالى بمشاعره التي تطهرت من جنابة الغفلات،
بعد أن تطهرت من دنس الموبقات.وتأمل الآن في أثر هذه اليقظة
القلبية إلى شهود الله، في كبح جماح الشهوات عن النفس وإبعاد
سلطانها عن القلب..إن شهود العبد لربه لا يعني أكثر من شهود
صفاته، وآلائه، ومظاهر فضله ورحمته. فهو لا يستقبل نعمة إلا
ويربطها بالمنعم المتفضل وهو الله عز وجل، ولا يتقلب متنقلاً
من حال إلى حال، إلا ويرى أن الله هو المتصرف به والمسيّر له،
ومن شأن هذا الشعور إذا استمر، أن يصرف القلب من محبة الأغيار
إلى محبة الله عز وجل، إذ هو مصدر كل تفضل وعطاء، وأن يغيب عنه
تعظيم المخلوقات ليقف أمام عظمة الخالق عز وجل.ولا شك أن
الإنسان في كل الأحوال مفطور على حبّ المال ومتعه، وعلى حبّ
النعم بأنواعها، ولكنه عندما يعلم أن المتفضل عليه بها هو
الله، وأن الذي يبعث الشعور بلذتها ونعيمها هو الله، فلا بدّ
أن يتوجه قلبه بالحب إليه، لأن القلوب جبلت على حبّ من
أحسنإليها، وقد علم صاحب هذا الشهود أن لا محسن في الكون كله
إلا الله، والوسائط والأسباب التي تراها إن هي إلا جنود وخدم
تحت سلطان الله، ومن ذا الذي يتخذ من هؤلاء الخدم أنداداً
يحبهم كحب الله؟!.. فإذا ثبت لصاحب هذا الشهود أن المنعم
والمتفضل دائماً هو الله، وأن الذي يرجى نفعه ويخشى ضرّه واحد
لا ثاني له، وهو الله، فلا شك أن المحبوب الأول والمعظم الأول
والْمُهاب الأول لديه هو الله تعالى، ثم تأتي محبته للمتع التي
فطر على حبها في الدرجة الثانية بل الثالثة، بل إن في أصحاب
الشهود من تغيب عن أفئدتهم محبة ما عدا الله نهائياً، ولكن
الله تفضلاً منه ورحمة لم يجعل من هذه الحال المقياس أو
الميزان الذي لا بدّ منه لكمال الإيمان، بل جعل ميزان ذلك
تسامي محبة الله على محبة الأغيار، وانظر هذا اللطف الإلهي كم
يتمثل في قوله عز وجل: { وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ
دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } { البقرة: 2/165
} إذن فقد تجتمع محبة الله مع محبة أنداده في قلب المؤمن، ولكن
محبة الله تكون هي الغالبة فيه.كان صاحب هذا الشهود، من قبل،
أي عندما كانت غاشية الغفلة تغطي فؤاده، مكبلاً بشهواته،
أسيراً لها، متطلعاً إليها.غير أنه اليوم وقد انجابت عنه غاشية
الغفلة، وهيمنت عليه لذة شهود الله، لا بدّ أن يتضاءل سلطان
شهواته الدنيوية، وأن يتسامى قلبه فوقها، وليس معنى هذا أن
يتحول صاحبها إلى ملَك لا يشعر بها، ولا يتعامل معها، وإنما
ينفك عن أسرها ويتحرر من سلطانها. إذ إن لهمن لذة شهوده لله،
وحبه وتعظيمه لله تعالى، ما يشغله عن التعلق بشهواته النفسية،
إن ورد إليه شيء منها بطريقه الشرعي، استقبله بقبول حسن، وإن
لاحت له شاردةً عن ضوابط الشرع وحكمه أعرض عنها وترفع فوقها.إن
صاحب هذه الشهود (وسَمِّهِ الواصل إلى رتبة الإحسان إن شئت) لا
يمرّ على كلام الله كأحدنا مرّ الكرام، غير آبهٍ بمعانيه ولا
متأثر بمراميه، بل يتأمل فيه تأمل من يسمعه خطاباً مباشراً من
الله له.. فكيف تكون حاله، وكيف تكون علاقته بشهوات الدنيا،
عندما يسمعه يقول: { إِنَّما هَذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا
مَتاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ } { غافر:40/39
} إن سماعه لهذا الكلام مع الحالة التي هو فيها، مما قد وصفت
لك، يهوّن من أمر الشهوات التي تتراقص أمام بصره، فلا تستطيع
أن تأسره لتسيره لحسابها.واعلم بأن محبة الله إذا هيمنت على
القلب، بددت ما كان يعشش فيه من قبل من محبة الأغيار، ومنها
الشهوات والأهواء.فإذا وصل السالك إلى الله، في معالجة مشكلاته
القلبية هذه إلى هذا الحد، فإن مرآة قلبه تتحول من التوجه إلى
الأكوان وما فيها من متع وأهواء ورغائب، لتتّجه إلى المكوّن
وهو الله عز وجل.أجل.. ستنمحي عنه صور الأكوان، لتترسخ عليه
صفات المكوّن جلّ جلاله. ولكن لا بممحاة مادية مما تمحى به
النقوش والرسوم على الألواح، وإنما بسلسلة العلاجات التي ذكرها
ابن عطاء الله. * * *

محب الحبيب علي
06 Dec 2006, 05:54 PM
كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة
الله، وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته

ـ قد نتساءل: كيف يتأتى للإنسان الذاكر أن ترى عيناه صور
المكوَّنات، دون أن تستقر هذه الصور في الذاكرة وعلى
صفحات القلب؟

لعلك تقول: كيف يتأتى أن ترى العينان صور المكوَّنات، ثم لا
تستقر هذه الصورة في الذاكرة ثم على صفحات القلب؟والجواب أن
صور المكَّونات لا بدّ أن تنتقل من العينين إلى الذاكرة أو
المخيلة كما تقول، فإذا تجاوزتها إلى القلب، وصادفت قلباً
نابضاً بحب الله وبذكره كما قلت لك قبل قليل، فإن القلب لا
يتلقى بدوره هذه الصور، إلا على أنها آيات ناطقة بوجود الله
ووحدانيته، يتلقاها سطوراً صيغت بأبلغ بيان ينطق بصفات الله
وعظيم آلائه، يتلقاها وهو ينشد قائلاً: وفي كل شيء له آية تدل
على أنه واحدصاحب هذا القلب المحب الذاكر، نعم يرى المكونات..
نعم تنعكس صورتها على قلبه، ولكنها لا تنطبع على صفحاته إلا
لتنقل حديث تسبيحها إليه، فيفقهه ذلك القلب من دون الناس
جميعاً. وصدق الله القائل: { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ
يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }
{ الإسراء: 17/44 } صاحب هذا القلب المحب الذاكر، نعم، يرى
زخرف الأرض من خضرة وزهور وورود ورياحين، كما يراها التائهون
والغافلون، ولكنقلبه يذيبها ويحيلها إلى شعاع من الشوق إلى
جمال الله، والحيرة في عظيم وبديع صنع الله.. وهو يرى في الليل
صفحة السماء تتلألأ بنجومها، منورة ببدرها، ولكن قلبه لا يتلقى
هذه الصورة إلا رسالة وافدة إليه من عند الله، فهو مهما قلب
ناظريه في آفاق السماء، لا يتبين فيها إلا مضمون هذه الرسالة..
وهو يتأمل في السماء التي تمطر وفي الأرض التي تنبت، وفي أنواع
الأطعمة والفاكهة المتنوعة في مذاقها ورائحتها وألوانها، ولكن
قلبه المحب الذاكر لا يتلقاها إلا نعماً وافدة من المولى
المتفضل الكريم، ولا تنطبع على مرآته، إلا آية من نور يخاطب
الله بها عباده قائلاً: { كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ
وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُور } { سبأ:
34/15 } وذلك هو شأن يقظة القلب بمحبة الله وتعظيمه والخوف
منه. مهما انعكست عليه صور الآثار الكونية، فإنه لا يرى فيها
إلا المؤثر جلّ جلاله. وتلك هي الحالة التي يسمونها وحدة
الشهود، وهي المرتبة العليا التي يجب على كل منا أن يجاهد نفسه
في بلوغها، في الاصطباغ الشعوري، بعد اليقين العقلي، بوحدانية
الله عز وجل. وهي تختلف عن وحدة الوجود الباطلة اختلافاً
جذرياً.وإذا لم يبلغ أحدنا هذه الرتبة في الاصطباغ بحقيقة
التوحيد، فلسوف تصبح صور المكونات التي يتعامل معها، حجاباً
يشغله عن ذكر الله وعن حقيقة قيوميته الدائمة على هذا الكون.
ولسوف يتيه بالآثار عن المؤثر، وبالصنعة عن الصانع، ولا بدّ أن
يسلمه هذا التيه، من بعد، إلى يمّ من الغفلات، ثم إلى منزلقات
من الهفوات والآثام.إن العبد إذا ازداد تعلقه بعبد مثله أو
بفتاة من الناس، يقع في معاملته له أو لها في هذا الذي يسمونه
بوحدة الشهود، فإذا وقع بصره على شيء من آثاره أو آثارها، تاه
عن ذلك الشيء وزاغت عيناه عن التأمل في حقيقته، وانصرف بخياله
إلى صاحبة هذا الشيء، فلم يعد يرى فيه إلا ما يذكره بها. ألم
تسمع قول مجنون ليلى وهو يتحدث عن ديار ليلى التي رآها بعد طول
غياب: أَمُرُّ على الديارِ ديارِ ليلى

أُقَبِّلُ ذا
الجدارَ وذا الجدارا

وما حُبُّ الديارِ شغفْنَ
قلبي

ولكن حبُّ مَنْ سَكَنَ الديارا

وإذا كان هذا شأن
العبد مع إنسان مثله، يغيب عن آثاره به، فكيف ينبغي أن يكون
شأن العبد مع ربه الذي هو وحده ربّ هذا الكون كله؟ ينبغي أن
يكون أكثر حباً له من سائر الأنداد، كما قال الله عز وجل، وإذا
أصبح كذلك، إذن ينبغي إذا رأى عظيم صنع الله، وجميل إبداعه،
وواوانظر إلى الآيات التي يأمر الله فيها عباده أن يتخذوا من
مظهر المكونات كلها جسراً يوصلهم إلى ذكر الله، ويعتقهم من
رقدة الغفلات، تجد أنها جميعاً تبصرنا بالسبيل إلى بلوغ وحدة
الشهود التي هي أولى ثمرات عقيدة التوحيد. وذلك من مثل قوله:
{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ
اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبابِ... } { آل
عمران: 3/190 } إذن فالمرحلة الأولى من العلاج تبدأ بالعمل على
التخلص من ارتكاب المحرمات بالنهج الذي أوضحته لك. فإذا أخذت
نفسك بذلك، تخلصت من بلاء الغفلات التي تنسيك عبوديتك لله
وعظيم مسؤولياتك تجاهه.. وإذا تخلصت من هذه الغفلات بالإكثار
والمداومة على ذكر الله، فلسوف يورثك ذلك حباً وتعظيماً لله عز
وجل، ولسوف ترقى بذلك إلى رتبة الإحسان التي عرّفها رسول الله
بأن تعبد الله كأنك تراه.. وإذا استقر بك المقام في هذه
الرتبة، غابت عن فؤادك صور الأكوان التي تراها واستقرت في
مكانها صفات المكوِّن عز وجل، وتتحول المكونات كلها على صفحة
فؤادك إلى أسطر نورانية تقرأ فيها باهر مظاهر حكمة الله ورحمته
وإكرامه وفضله وتلك هي حقيقة وحدة الشهود التي هي ذروة ما
ينبغي أن يَشُدَّ المسلمُ نفسَه إليه من حقائق التوحيد. * * *

محب الحبيب علي
11 Dec 2006, 11:05 AM
الحكمة الرابعة عشرة



الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه فمن رأى الكون
ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد أعوزه وجود
الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار

ـ هذه الحكمة حصيلة مكثفة لقول الله تعالى: {الله نور
السموات والأرض}

هذه الحكمة حصيلة مكثفة لقول الله سبحانه وتعالى: { اللَّهُ
نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ... }
{ النور: 24/35 } يقول ابن عطاء الله في الفقرة الأولى من هذه
الحكمة: «الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه» أي هذه
المكونات التي تراها أعيننا وتدركها عقولنا، إنما تتآلف
وتتلاصق أجزاؤها الدقيقة، بواسطة نور داخلي يسري فيما بينها.
ومصدر هذا النور إنما هو الله عز وجل. ذلك لأن هذه المكونات لم
توجد بذاتها وإنما وجدت بإيجاد الله تعالى لها. بل لا يستمر
وجودها إلا باستمرار اتصال القدرة الإلهية بها، ومدّها
باستمرارية الوجود لحظة فلحظة.وإن من أهم آثار هذه الحقيقة أن
كل ما تقع عليه عيناك من هذه المكونات، فإن النور متغلغل في
داخله، ويكسوه حلية في ظاهره. فهي نور في الباطن الداخلي، وهي
منورة في الظاهر الخارجي.


ـ النور الذي هو عماد وجود المكونات نوران: نور تراه
العين، ونور يرصده العقل

إن الأشياء التي تراها عيناك إنما ترى فيها النور الذي اصطبغت
به، ولولاه لما رأت عيناك منه شيئاً. وهي إنما تتماسك بسرّ
النور الساري في أجزائها الدقيقة، ولولاه لتناثرت المادة
الكونية أنكاثاً متبددة.وهذا يعني أن النور الذي هو عماد وجود
المكونات نوران: نور تراه العين، ونور يرصده العقل.فأما الذي
تراه العين، فهو هذا الذي يسطع على ظواهر الأشياء التي تراها
عيناك. وهو مؤلف من نورين اثنين: أحدهما النور الساري إلى
الأشياء من أشعة الشمس ونحوها، ثانيهما النور الساري إليها من
بؤبؤ عينيك. ولولا التكافؤ الذي يتم بين نور عينيك ونور الشمس
الذي تنعكس أشعته إلى الأشياء، لما أتيح لك أن ترى شيئاً من
المكونات. فأنت إذن ترى النور، وبالنور (أي بنور عينيك) ترى
هذا النور.وأما النور الذي يرصده العقل، فهو ذاك الذي يسري
متغلغلاً داخل أصغر جزيئات المادة، بل هو تلك الإليكترونات
المؤلفة من إشعاعات متجمعة، تكون منها ما يسمونه المادة، وهي
في أصلها الذي تكونت منه ليست إلا طاقة. فأصل المادة ومآلها في
الوقت ذاته هو النور المخبوء الذي يرصده العقل وإن لم تره
العين.أرأيت إلى كتلة جمر متقد، إن وجوده ليس إلا من الشعلة
الكامنة فيه والسارية في أجزائه، وعندما تخبو هذه الشعلة
وتغيب، يغيب الجمر معها أيضاً، ويتحول إلى رماد يتناثر بعد ذلك
هباءً. إن قصة المادة الكونية أياً كانت، ليست إلا كقصة هذه
القطعة من الجمر المتقد. وعندما ينفصل النور الخفي عن دخائل
المادّة وجزيئاتها، فذلك لنيكون إلا إيذاناً بتناثر أجزاء
المادة وتحولها إلى حطام، وهكذا تعود المادة إلى ما يشبه
الرماد بالنسبة للجمر الذي خبت شعلته السارية في داخله.

محب الحبيب علي
11 Dec 2006, 11:06 AM
الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه فمن رأى الكون
ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد أعوزه وجود
الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار

ـ والعقل ذاته ليس إلا نوراً يشرق على الدماغ فيتم به
إدراك الحقائق

بقي أن تعلم أن العقل ذاته ليس إلا نوراً يشرق على الدماغ فيتم
به إدراك الحقائق التي لا تخضع للبصر ونوره.فهما إذن في حياة
الإنسان بصر وبصيرة. لكل منهما نور متكافئ ومنسجم مع عمله
ووظيفته. نور الأول منهما يقف عند مظاهر الأشياء وصورها، ويمخر
الثاني منهما تلك المظاهر والصور ليدرك خفايا الحقائق.وإذا كان
الإبصار بنور العين متوقفاً على وجود نور متكافئ يتمثل في ضياء
الشمس ونحوه، فإن الإدراك بنور البصيرة يتوقف في القضايا
الغيبية على نور متكافئ معه يتمثل في الوحي الإلهي الذي يكشف
للعقل عن حقائق تلك الغيبيات وأخبارها.إذن فالكون كله في أصله
القديم ظلمة كثيفة دامسة. ثم إن نوراً سرى فتكاثفت منه أجزاء
صغيرة تراصفت فتلاصقت فتآلفت، فإذا هي المادة الكونية التي
تراها العين.وكانت العين شيئاً هلامياً مظلماً، فسرى في داخله
نور، فإذا هي الأداة التي تبصر الصور والألوان. وكان العقل
وهماً لا وجود له مع ولادة الإنسان، فإذا هو بعد ذلك نور يشرق
على الدماغ يتم به إدراك خفايا الكون ومغيبات الأمور.إذن
فالنور هو سرّ هذا الكون كله، بل هو أداة وجوده، إنه مادة
المادة إن جاز التعبير وجوهر المكونات كلها بما فيها العين
المبصرة والعقل المدرك.


ـ إذن فالنور هو سرّ الكون كله.. ولكن من أين انبعث هذا
النور الذي أضفى سرّ الوجود على المكوَّنات؟

ربما تنطع أحدهم فقال: أين هو النور الذي تزعم أنه كامن في
العقل، مع ما نعلمه من أن العقل إنما هو نتاج لنشاط الدماغ.
والدماغ بحجيراته ووظائفه ليس إلا مادة خاضعة للنظر والفحص
والتحليل؟والجواب أن الدماغ محل لإشراقات نور العقل، كالشاشة
التي هي محل لإشراق الصور المنعكسة إليها من جهاز الإرسال.
والخطأ الذي يقع فيه من يتوهم أن الشاشة هي مصدر الصور
المتألقة والمتحركة عليها، ليس أقل من خطأ من يتوهم أن الدماغ
هو مصدر المعرفة والإدراك.أما البحث عن نور العقل، وإنكار
وجوده لعدم رؤيته، فمبعثه الجهل بأبسط قواعد العلم التي تعد
مدخلاً عاماً لأنواع العلوم المختلفة.على هذا السائل أن يعلم
أولاً أن النور من حيث هو لا يخضع لرؤية الأبصار، والذين
يتوهمون أنهم يرون نور الشمس مثلاً إنما يرونالأجرام التي
انعكست إليها أشعة الشمس، أي فلو انعدمت الأجرام التي يمكن أن
يسري إليها نور الشمس فإنك لن ترى من هذا النور شيئاً. إذن فلا
تطمع أن ترى النور الذي في حدقتي عينيك، ولا تطمع أن ترى النور
الذي يشرق عقلاً على دماغك ولكنك بنور عينيك ترى صور الأشياء
وألوانها، وبنور عقلك تدرك حقائق الأشياء وبواطنها.


ـ النور من حيث هو لايخضع لرؤية الأبصار، والقاعدة
العلمية هي أن كل ما كان وسيلة لرؤية الأشياء أو إدراكها
فهو أبعد ما يكون عن إمكان رؤيته

والقاعدة العلمية في هذا الذي نقول، أن كل ما كان وسيلة لرؤية
الأشياء أو إدراكها، فهو أبعد ما يكون عن إمكان رؤيته. إذ لو
رأيت الوسيلة لرؤية الأشياء، لأصبحت هذه الوسيلة بحكم رؤيتك
لها حاجزاً يحول بينك وبين رؤية ما يفترض أنها وسيلة
لرؤيته.أرأيت إلى النظارة المثبتة على عينيك، إنها وسيلتك إلى
رؤية الأشياء أو تقريبها إليك. ولكن الشرط الذي لا بدّ منه
لذلك أن لا ترى عيناك شيئاً من الزجاجتين المثبتتين أمام
عينيك. إذ إنك لو رأيتهما، فمعنى ذلك أنك ترى غباراً أو أي جسم
غريب انحط عليهما. وعندئذ تتحول النظارة من وسيلة للرؤية إلى
حجاب يصدّ عن الرؤية.كذلك القول عن نور العينين ونور العقل.
إنهما موجودان يقيناً. ولكن وظيفة كل منهما لا تتم إلا بعدم
رؤيتك لهما، كيف ولو رأيتهما لأبصرت في كل منهما كثافة تتناسب
مع شروط الرؤية، وعندئذ تصبح هذه الكثافة حائلاً دون الرؤية،
بدلاً من أن تكون وسيلة إليها.ومع ذلك فأنا لا أنكر أننا
كثيراً ما نقول: رأيت نور الشمس أو نور المصباح، ولكن هذا
التعبير فيه من التجوز ما لا يخفى على بصيرالعربية وأساليبها.
إننا نعني في الحقيقة أننا نرى الأجرام التي انعكست وتوهجت
عليها أشعة الشمس أو أشعة المصباح.

محب الحبيب علي
11 Dec 2006, 11:07 AM
الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه فمن رأى الكون
ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد أعوزه وجود
الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار

ـ ألفت النظر إلى معنى علمي دقيق في قول الله تعالى:
{الله نور السموات والأرض}

إذن فلنعد إلى الحقيقة التي يذكرنا بها ابن عطاء الله إذ
يقول: «الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهور الحق فيه» بل هي
الحقيقة التي ينطق بها بيان الله عز وجل { اللَّهُ نُورُ
السَّماواتِ وَالأَرْضِ } { النور: 24/35 } العقل الذي به تدرك
الأشياء نور، والعين التي بها ترى صور هذه الأشياء وألوانها
نور، والأشياء ذاتها التي تراها أو تدركها إنما هي جزيئات من
نور في منتهى الضآلة والصغر تضامّت فتكاثفت فتحولت إلى مادة
مرئية ذات مزايا وخصائص وأنواع وتسميات شتى.وهل بوسع العلم أن
يقول لك شيئاً عن مصدر هذا النور الذي أضاء به وتكون منه هذا
الكون كله، إلا أنه الله عز وجل؟وهل بوسع العلم أن يقول لك
شيئاً عن مصير هذه المكونات كلها إن انفصل عنها هذا النور، إلا
التبدّد والانمحاق؟ وقبل أن ننتقل من هذه الفقرة إلى التي
تليها، ألفت النظر إلى معنى دقيق في قول الله عز وجل: {
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ } { النور: 24/35 } لا..
ليس هذا هو معنى الآية، بل هي تتضمن الدلالة على عكس ذلك.
وبيان ذلك أن بين كلمتي النور والضياء أو النور والسراج،
فرقاًلغوياً دقيقاً. أما النور فمعناه الشعاع المثبت على جرم
ما والمنعكس إليه من جرم آخر. وأما الضياء والسراج فهو الشعاع
الذي يظهر على جرم ما منبثقاً من داخله. ومن ثم فإنك تقول غرفة
منيرة ولا تقول مضيئة. لأن نور الغرفة إنما ينعكس على جدرانها
من المصباح المضيء في داخلها. وتقول شمس مضيئة ولا تقول منيرة،
لأن شعاع الشمس إنما ينبثق من داخلها.وانظر إلى دقة التعبير عن
هذا في كتاب الله عز وجل، إذ يصف القمر بالإنارة ويصف الشمس
بالضياء. فيقول: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً
وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ.. } { يونس: 10/5 }
ذلك لأن الضوء الذي يشع من الشمس منبثق من داخلها، إذن فيجب
التعبير عنه بالضياء أو السراج، أما الذي يشع من القمر فمنعكس
إليه من الشمس فيجب أن يعبر عنه بالنور، ومن ثم فهو منير لا
مضيء.فهل يخامرك شك مع هذا في أن القرآن ليس إلا كلام الخالق
عز وجل، ذاك الذي خلق الشمس والقمر وعلم مصدر الضياء في كل
منهما؟! عد بعد هذا معي إلى قول الله عز وجل: { اللَّهُ نُورُ
السَّماواتِ وَالأَرْضِ } { النور: 24/35 } مظهر الأشياء من
الضياء وما تكتنزه المادة من ذلك في داخلها وضمن أصغر ذراتها،
ليس منبثقاً منها، وإنما هو متجه إليها ومتغلغل فيها، من لدن
خالق المكونات كلها، وهو الله عز وجل.ولو كان شيء من ذلك
منبثقاً من داخل ما يتجلى فيه، إذن لجاء التعبير عنه بالضياء
لا بالنور، وإذن لما نسبه الله تعالى إليه بل لنسبه إلى
السماوات والأرض والأفلاك ذاتها. ألا فلتعلم إذن، أن سائر
المكونات التي من حولك، وأنت واحد منها، إنما تتألف سداها
ولحمتها من نور رباني هابط إليها متغلغل في أعماقها، وأن كل ما
تراه عيناك منها أو يدركه عقلك من دخائلها، فبهذا النور
الرباني تراه، وبهذا النور الرباني تدركه.والآن ننتقل إلى
الفقرة الثانية، التي كانت الفقرة الأولى التي فرغنا الآن من
شرحها، مقدمة لها. يقول فيها ابن عطاء الله: «فمن رأى الكون
ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده، فقد أعوزه وجود
الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار» .ولنبدأ أولاً
ببيان معاني هذه العبارات، حتى لا يسري إلى وهمك منها معنى غير
صالح ولا مقصود:يقول: فمن رأى الكون ولم يشهد أي بعين بصيرته،
الحق سبحانه وتعالى، مؤثراً فيه. ولم يشهده أيضاً عند نظره إلى
المكونات التي من حوله، بأن تذكره بالله عند رؤيته لها وتأمله
فيها؛ ولم يشهده أيضاً قبل تأمله في هذه المخلوقات، بواسطة
المنطق والأقيسة العقلية التي تنطقبوجود الله عز وجل؛ ولم
يشهده أيضاً بعد تجاوزه مرحلة النظر في المخلوقات وانحسار
غشاوة الأهواء وما تتطلع إليه الغرائز من المتع الآنية
والرعونات، إذن فهو ممن سلب الله عنه نور الهداية وكان ممن قال
عنهم: { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ
مِنْ نُورٍ } { النور: 24/40 } كثيرون هم الذين يطيلون النظر
إلى أنفسهم في المرآة، ويتتبعون ما يقوله علماء التشريح عن
جسومهم ودخائلها ووظائف الأجهزة العجيبة الكامنة فيها، ثم
يتحولون فيتأملون فيما يسمونه الطبيعة المترامية من حولهم
بأنواعها المختلفة وأشكالها العجيبة. دون أن يدركوا في أثناء
ذلك أو بعد ذلك، وجود مبدع يعود إليه خلق هذه الموجودات وإدارة
شؤونها وتوزيع المهام والوظائف فيما بينها.وتتفنن عباراتهم في
تحليل المادة وجزيئاتها وألكتروناتها ونواتها، وتنتهي عباراتهم
إلى ما انتهينا إليه من أن المادة في حقيقتها طاقة تكثفت في
هذا المظهر الذي يسمى مادة، دون أن تسوقهم هذه المعرفة إلى
معرفة المصدر الذي شعّ منه إلى داخل المادة كل هذا التيار
الحيوي المتحرك والمحرك.. يقولون: إن المادة أياً كانت ومهما
كان حجمها ليست أكثر من مجموعة نيترونات وألكترونات تبعث فيها
الحركة والتغير الدائبين.


ـ إذن فالمادة وعاء لنور يسري في داخله، فمن أين جاء هذا
النور فتغلغل فيه؟ جواب مفصل عن هذا السؤال

إذن فالمادة، كما قلنا، وعاء لنور يسري في داخله، ودعك من فنون
العبارات والمصطلحات المختلفة. فمن أين جاء هذا النور حتى
تغلغل فيه أي في هذا الوعاء الذي تسميه مادة؟ وقد علمت أن ما
يسمى نوراً لا ينبثق من داخل الجرم الذي يبدو عليه أو يتغلغل
فيه، بل ينعكس إليه من مصدر آخر، فما هو هذا المصدر الذي سرى
منه إلى المادة هذاالنور الذي أورثها وظائفها الخفية التي يطيل
الحديث عنها علماء هذا الشأن؟حقاً إن الذين يشهدون هذا الكون
بما فيه من الأجهزة الدقيقة الخفية وبما في جزيئات أجزائه
وذرات تلك الجزيئات، من الأنشطة والحركات المنبعثة من قوىً
خيرُ تعبيرٍ عنها أنها النور الخفي أو المعنوي الذي يبعث في كل
شيء من أشياء الكون وظيفته التي كلف بها - أقول: حقاً إن الذين
يشهدون هذا كله في المكونات، ثم لا يشهدون فيه تأثير المكوِّن
وسلطانه، عند دراستهم له وتأملهم فيه، ولا بعد اجتيازهم لتلك
الدراسة وذلك التأمل، ولا قبل النظر في ذلك كله، أناس أعوزتهم
أنوار المعرفة وحجبت عنهم شموس الحقائق بسحب النتائج والآثار
التي سجنوا عقولهم فيها. فقصارى ما انتهوا إليه من المعارف
أنهم وقفوا أمام هذه النتائج والآثار يصفونها ويستخرجون من
وصفهم لها قواعد يزعمون أنها حصيلة الحقائق الكونية. فهم حقاً
كما قال الله عنهم: { يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ
الدُّنْيا.. } { الروم: 30/7 } إن حال هؤلاء الناس الذين
وصفهم الله بهذه المعرفة السطحية التي سجنوا أنفسهم فيها، أشبه
ما يكون بمن نظر إلى حوض يفيض بماء عذب يتلألأ بأشعة انعكست
عليه من مرآة كبيرة، تلقت تلك المرآة بدورها تلك الأشعة من
الشمس التي تطلّ عليها من كبد السماء.وقف هذا الناظر يحدّق في
الحوض الذي تتلألأ صفحته بنور تلك المرآة، دون أن يلتفت يميناً
أو شمالاً أو يرمق ببصره جهة السماء، فأخذ يصف هذا الذي تبصره
عيناه وقد حبس عقله ومداركه بعد بصره في دنيا ذلك الحوض،
موقناً أن هذا الألق منبعث من رقة الماء وصفائه ولميكتف بذلك،
بل أخذ يحلل ويعلل.. ويجعل مما قد حبس بصره وعقله فيه قانوناً
علمياً يُعَلِّمُهُ الناسَ ويُلزِمُهم الإيمانَ الجازم به.ولو
أن الرجل حرّر عينيه وعقله من سجن ذلك الحوض والتفت إلى صفحة
المرآة التي تطلّ على الحوض، ثم تجاوز المرآة إلى السماء حيث
الشمس التي تسطع بضيائها وتبعث بأشعتها إلى الآفاق والدنيا
كلها، إذن لعلم أن الحوض في أصله كتلة من الظلام المائج.. وأن
المرآة هي الأخرى صفحة موحشة من السواد الذي لا بريق فيه. ولكن
الشمس المشرقة هي التي حولت كل ظلام في طريقها إلى نور.تلك هي
قصة هذه الدنيا كلها، كانت كتلة ظلام دامس. ثم إن الله الخالق
المبدع أمدّها بنور من نوره، فتحول الظلام إلى نور مشع يبعث
فيه الحركة والطاقة وينشر في أرجائه القوة والحياة.ولكن ما
الحيلة فيمن استلب الله من عقولهم نور الهداية، فلم تعد تبصرهم
تلك العقول إلاّ بالمساحة التي أدركتها أبصارهم من قبل. صدق
الله القائل: { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً
فَما لَهُ مِنْ نُورٍ } { النور: 24/40 } * * *

محب الحبيب علي
11 Dec 2006, 11:08 AM
الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه فمن رأى الكون
ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد أعوزه وجود
الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار

ـ الذين متعهم الله بنور المعرفة واهتدوا به إلى الله،
ثلاث فئات، بيان وشرح لكل منها

ثم إن الذين متعهم الله بنور المعرفة فاهتدوا به إلى الله عز
وجل، ثلاث فئات: الفئة الأولى: هي التي تعرَّف أفرادها على
الله عز وجل، قبل أن يتعرفوا على الأكوان وقبل أن يتأملوا فيما
تحمله من الدلائل على وجود الله ووحدانيته.. هؤلاء لم يكونوا
بحاجة إلى أكثر من أن يقفواأمام مرآة الذات، فلما تأملوا في
أنفسهم عرفوا عبوديتهم وأدركوا أنهم بغيرهم يعيشون ويتحركون
ويتصرفون، ولما بحثوا عن ذلك الغير لم يجدوا أحداً غير الله
أمامهم. فهؤلاء هم الذين تفاعلوا مع قول الله تعالى: { وَفِي
أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ } { الذاريات: 51/21 } فهذه
الفئة لم يحتج أفرادها إلى التأمل فيما حولهم من المكوَّنات،
بل كانت مرآة نفوسهم هي سبيل الهداية إلى ربهم، ولا شك أن من
عرف نفسه عرف ربه. الفئة الثانية: هي التي توقفت هداية
أفرادها على النظر في الآفاق وفي المكونات بعد النظر في
أنفسهم، فاهتدوا بالأنوار المشرقة عليها والمتغلغلة في بواطنها
إلى مصدر النور ومبعثه وهو الله عز وجل، فكان أن عرفوا المكوّن
من خلال الأكوان. وهؤلاء هم الذين صدق عليهم قول الله عز وجل:
{ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } { فصلت: 41/53 } الفئة
الثالثة: هي تلك التي يرى أفرادها المخلوقات المتنوعة ويرون
آيات الله ودلائل وجوده ووحدانيته فيها، ولكنهم لا يشاهدون
فيها المكوِّن جلّ جلاله، مشاهدة اللازم للملزوم.. حتى إذا
فرغوا من النظرالتأمل في مختلف اللوحات الكونية، عادوا إلى
عقولهم ليدرسوا بها دراسة تفكير ونظر عميقين وليتبينوا بها ما
يمكن أن تدل عليه تلك المكونات بما تنطوي عليه من نظام وما
تحققه من أهداف، فيصلون أخيراً إلى ما يقرره العقل من أن هذه
المكونات كلها حادثة بدليل ما يعتورها من التغير المستمر، وكل
حادث لا بدّ له من محدث. وهذا المحدث هو الله. كما يصلون أيضاً
إلى اليقين بأن هذه المكونات لو كانت قديمة لا أول لها يتوالد
بعضها من بعض إلى ما لا نهاية، إذن لاستلزم ذلك تسلسل العلل
غير الذاتية إلى ما لا نهاية وهو مستحيل.والفرق بين هذه الفئة
من المؤمنين والتي قبلها، أن أفراد هذه الفئة لا يستطيعون أن
يشاهدوا الله عز وجل من خلال مخلوقاته، إلا بعد استحضار دلائل
العلم وقواعده وطول التأمل فيها، ومن ثم فإنهم يستندون إليها
ويعتمدون عليها، فيما يمكن أن توصلهم إليه من حقائق الإيمان،
فهم كالذي لا يستطيع أن يمشي إلا معتمداً على عكاز، أما الفئة
الثانية فما يكادون ينظرون في شيء مما قد أبدعه الله ونسقه،
حتى يتذكروا به الخالق، ويؤمنوا بوجوده ويستيقنوا عظيم حكمته،
دون حاجة إلى استحضار قواعد العلم وموازينه والنظر فيه ثم
استخراج النتائج منه، فهم لا يحتاجون إلى عكاز هذه القواعد
والموازين قط.رجال تلك الفئة الثانية يتمتعون بما يسمونه وحدة
الشهود، إذ لا يرون الدنيا بكل ما فيها إلا كالمرآة الصافية
تتلألأ على صفحتها صفات المكوّن جلّ جلاله، دون حاجة إلى
استحضار البراهين والدلائل للنظر فيها واستخراج النتائج
منها.وعلى الرغم من أن هذه الدرجة أرقى وأكمل، فإن الدرجة التي
تليها، وهي التي يلتقي عليها اليوم أكثر المؤمنين والملتزمين
من أمثالنا، مقبولة وسليمة، إذ الاعتماد على قواعد العلم
وبراهينه وإن كان كاعتماد الأعرج أو الضعيف على العكاز الذي
يعينه، إلا أنه أداة مفيدة وموصلة إلى الغاية في نهاية
المطاف.. ولكن عليه أن يتلمس أسباباً أخرى لتقوية إيمانه
وتحويله من يقين علمي إلى شهود عملي، بحيث يرقى إلى حال أصحاب
وحدة الشهود، يرى الله بعين بصيرته دون حاجة إلى تلمس البراهين
والمقدمات المنطقية: وذلك عن طريق الإكثار من ذكر الله عز وجل،
وعن طريق ربط النعم بالمنعم دائماً.أي إن سلوك سبيل المقدمات
المنطقية والعلمية إلى معرفة الله والإيمان به، سبيل قويم
وصحيح. ولكن على أن لا يقف السالك عند حدود ما دلّت عليه تلك
البراهين والمقدمات. بل عليه أن يتخلص من قيود تلك المحاكمات
ويتجاوز الدهاليز والمنعرجات ويلقي بعكاز المحاكمات المنطقية
وراءه، جاعلاً من شهوده المباشر لصفات الله الظاهرة والباهرة
على صفحة المكونات برهاناً على صحة تلك المقدمات والبراهين..
ويرحم الله تلك المرأة العجوز التي نظرت من خصاص نافذة بيتها
في بغداد إلى الناس وقد ازدحموا في الأزقة والساحات لاستقبال
الإمام فخر الدين الرازي، فالتفتت تسأل من حولها: ما الخبر؟
قالوا إنه الإمام الرازي الذي حشد في مؤلفاته مئات الأدلة
العلمية على وجود الله ووحدانيته، فاستخفت بكلامهم قائلة: لو
لم يكن قد ابتلي بمئات الشكوك لما احتاج إلى ما يطردها من
مئاتالبراهين!.. قالوا: وبلغ الإمام الرازي هذا الذي قالته تلك
العجوز فرفع يديه يدعو الله قائلاً: «اللهم إيماناً كإيمان
العجائز» .ليس معنى هذا الذي دعا به الرازي أن سبيل العلم لا
حاجة إليه، بل هو سبيل لا بدّ منه، وإنما معناه أن على العالم
أن لا يحبس عقله عند مقدمات الحجج والبراهين، بل عليه إذا
استعملها وفرغ منها، أن يتجاوزها بحيث يرقى إلى درجة الشهود
التي أوضحنا معناها. وإلاّ فيوشك أن يعود العالم إلى جهله أو
شكوكه، إن غابت عنه لأمر ما براهينه وحججه. والخطر الأشد
بالنسبة إليه ساعة الموت، إذ تغيب عن بال الإنسان لدى سياق
الموت وسكراته المقدمات والبراهين، وكيفية عرضها وأصول
استعمالها، فإذا كانت عقائده الإيمانية لا تزال مربوطة بها
متوقفة عليها، فلا بدّ أن تغيب هي الأخرى عن باله مع غياب تلك
العُدد من المقدمات والبراهين، وما أيسر على الشيطان عندئذ أن
ينسيه كل ما قد كان يردده ويبرهن عليه أيام عافيته وصحوه.إذا
تبين هذا، فلتعلم أن الفئة الأولى تتبوأ أعلى درجات الإيمان إذ
ترقى إلى شهود الله قبل النظر في المكونات ودون حاجة إلى ذلك،
تليها الفئة الثانية وهي التي تشهد المكوّن عند رؤية الأكوان
والتأمل فيها، تليها الفئة الثالثة وهي التي لا تشهد المكوّن
جلّ جلاله حتى تعتصر من تأملاتها في الكون وسننه دلائل وبراهين
تنسقها ثم تستخرج منها النتائج والثمرات..كن واحداً من أي هذه
الفئات الثلاث، لا حرج. وإن كان عليك أن لا تنسى بأن الاعتماد
على العلم في الاستدلال ينبغي أن يكونسبيلاً تجتازه لا غاية
تحبس نفسك في أقطارها. كما أوضحت لك الآن.ولكن إياك أن تكون من
الفئة الرابعة.. تلك التي غاب عنها شهود الله عز وجل، فلم تره
بعين بصيرتها، لا قبل التأمل في المكونات ولا عند التأمل فيها
ولا بعد التأمل فيها. فتكونَ بذلك ممن قال الله عنهم: {
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُور
} { النور: 24/40 } المهم من هذا كله، والمراد الذي يقصده ابن
عطاء الله من حكمته الرائعة هذه، أن تحرص على أن لا تجعل
الأكوان سجناً لك عن المكوّن، بل احرص على أن تجعل من الأكوان
مرآة ترى من خلالها المكوّن.فإن عزّ عليك السبيل إلى ذلك،
فأكثر من الالتجاء إلى الله وأعلن عن افتقارك الكلي إليه، ييسر
لك السبيل ويكرمك بالنور الذي ترى به هذه الدنيا على حقيقتها،
وترى باهر سلطان الله عز وجل فيها.. إذن فالله هو المستعان في
كل الأحوال. * * *

محب الحبيب علي
11 Dec 2006, 11:10 AM
الحكمة الخامسة عشرة



مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك عنه بما ليس
موجوداً معه

ـ مقدمة بين يدي شرح هذه الحكمة بمثال مادي

دعنا نبدأ بمقدمة بين يدي شرح هذه الحكمة:عندما تكون أثناء
الليل في غرفة مستنيرة بمصباح في داخلها، تَرى النور سارياً
منه إلى كل جهات الغرفة وزواياها، يحيل ظلامها إلى نور
متألق.لكن افرض أنك عمدت إلى جرم كثيف مّا كقطعة قماش أو لوح
أو نحو ذلك ووضعته بينك وبين المصباح فإن الذي يحدث هو أن نور
المصباح ينفصل عنك وأن ظلاماً جزئياً يمتد بينك وبينه.. ذلك
لأن الجرم الأجنبي حال بينك وبين المصباح إذ أصبح الجرم أقرب
إليك منه. ومن ثم يغيب عنك ضياء المصباح وتنقطع أشعته السارية
إليك.ومعنى وصفنا له بأنه جرم أجنبي، أن له طبيعة مخالفة
لطبيعة المصباح، إذ المصباح مضيء والجرم الذي أسدل عليه لا
ضياء فيه، ومن جراء هذا التناقض يغيب عنك الضياء ويعود فيتغلب
الظلام الذي كان هو السائد من قبل. من المعلوم أن هذه حقيقة
بدهية لا تحتاج إلى دليل أو شرح. ولكن علاقة المكونات بالنور
الرباني الذي يتجلّى على ظواهرها أو الذي يتغلغل في دخائلها
يختلف اختلافاً كلياً عن هذا المثال الذي ذكرناه.المكونات كلها
مضمخة بالنور الساري إليها من عند الله سبحانه وتعالى بل إن
نور الله عز وجل سار إلى دخائلها وجزيئاتها كما قلنا ذلك من
قبل.ذلك لأن قوام الأشياء كلها بالله عز وجل أي إن نوراً
ربانياً يسري إلى المكونات فتنهض بمهامها ووظائفها التي وكلت
إليها. وقد فصلنا القول في بيان ذلك في الحكمة السابقة.إذن فكل
شيء من المكونات، صغر أو كبر، عاكف على وظيفته التي كلف بها،
بسرّ من النور الإلهي الهابط إليه والساري في أعماقه. وهذا
معنى قوله عز وجل: { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ
وَتَسْبِيحَهُ } { النور: 24/41 }


ـ إذا كان كل شيء منوراً بنور الله، فما الذي يحجبك إذن
عنه؟..

فإذا عرفنا أن كل شيء في هذا الكون منور بنور الله فما الذي
يحجبك إذن عنه؟لقد استوعبنا مثال المصباح لأننا جئنا بجرم
مناقض لنور المصباح وأسدلناه عليه فعاد المكان مظلماً. لكن ما
هو هذا الجرم الذي لم يستضئ بنور الله، ولم تتغلغل فيه أسرار
من نوره عز وجل، حتى يصلح أن يكون مناقضاً لنوره، فيصبح حائلاً
بينه وبين البصائر والعقول؟!..من أين ستأتي بهذا الجرم لتسدله
بينك وبين الله عز وجل فتصبح محجوباً به عن الله؟لو نظرت
يميناً وشمالاً، ولو بعثت بنظرك إلى الملأ الأعلى.. إلى الملأ
الأدنى.. إلى الأطراف والآفاق كلها، ستجد أنه ما من شيء إلا
وهو منوّر بنور الله في ظاهره وباطنه (وقد شرحنا ذلك).فما هو
هذا الذي يحجبك عنه، مع ما قد علمناه من أن كل ما في الكون من
الموجودات مغموس بالنور الإلهي في ظاهره ومتقوم بهذا النور
سارياً في داخله؟وإذا لم يكن هنالك شيء ذو وجود مستقل يصلح أن
يقوم حاجزاً يقصيك عن شهود الله، لأن كل ما هو موجود مستنير
بنور الله ودال على عظيم صنع الله، فالمفروض إذن أن لا يحجبك
عنه شيء.


ـ قاهرية الله هي التي تحجب كثيراً من الناس عن الله بدون
حجاب

ولكنّ قاهرية الله عز وجل تجعل من اللاشيء شيئاً، وتريك حال
كثيرين من الناس وقد حجبوا عن الله عز وجل بما ليس له وجود
حقيقي أي بما ليست له كثافة ذاتية تغالب النور الإلهي الساري
في كل شيء، فتغلبه وتغيّبه عن البصائر والعقول. وهذا ما يعنيه
ابن عطاء الله بقوله: «مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك
عنه بما ليس موجوداً معه» .كلنا يعلم أن كثيرين هم الذين
حجبوا عن شهود الله ومعرفته، على الرغم من أنه لا يوجد ما يحجب
العقل عن الله، لأن كل ما هو موجود مستنير بنوره ومن ثم فهو
دال عليه.. تأمل في حال الملاحدة والمعاندين والمستكبرين تجد
أنهم محجوبون فعلاً عن شهود الله. ولكن بأي شيء حجبوا عنه؟..
إنما حجبوا عنه بقهره وبطشه. وقاهرية الله لا تحتاج إلى أداة
يستعان بها للستر أو الحجب، كما هو الشأن فيمثال الغرفة
والمصباح. وإنما يتوقف الأمر على القرار الإلهي فقط، الدال
عليه قول الله تعالى: { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ
بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } { الأنفال: 8/24 }

محب الحبيب علي
11 Dec 2006, 11:11 AM
مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك عنه بما ليس
موجوداً معه

ـ ولكن من هم الذين قهرهم الله بحجبهم عنه دون حاجب؟ هم
المستكبرون الذين آثروا التعامل مع الحقائق بمشاعر
استكبارهم بدلاً من موازين عقولهم

ولكن من هم أولئك الذين قهرهم الله بحجبهم عنه دون حاجب؟هم
الذين حاق عليهم غضب الله ومقته. وإنما يحيق مقته وغضبه
بالمعاندين والمستكبرين عليه فقط، دون بقية الناس جميعاً.في
الناس من يستبدّ بهم الكبر والعناد، فيتجاهلون النور الإلهي
الذي تفيض به المكونات كلها، والذي يشعّ مرآه في أبصارهم
وبصائرهم، ثم إنهم يصرون إصرارهم المستكبر على تجاهلهم الكاذب،
فيحيق بهم غضب الله العاجل في الدنيا، ويحجبهم عن شهود ذاته
العلية دونما حجاب!.. ويغيبهم عن رؤية حكمه وسلطانه دونما حاجة
إلى أي حاجز يغيبهم به عنه. وإنما هو نوع من العمى يسدله على
أبصارهم وبصائرهم، فإذا هم محجوبون عن شهود الله عز وجل غائبون
عن دلائله وأنواره التي تفيض بها المكونات كلها، وقد كانوا قبل
ذلك يرونها أو يدركونها متجاهلين مستكبرين.فهؤلاء هم الذين قال
الله عنهم: { وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ
الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا
يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ }
{ الأعراف: 7/179 } إن عدم فقه القلوب، وعدم إبصار الأعين،
وعدم سماع الآذان، لا يتوقف على حاجز موجود يحول دون ذلك. بل
يكفي أن يُفْقِدَ اللهعز وجل منها الإدراك والإبصار والإسماع،
وإذا هي كما شاء الله عز وجل: لا تفقه ولا تبصر ولا تسمع.ألا
تعلم أن في أعين الناس أعيناً لا شِيَةَ فيها ولا عيب، ومع ذلك
فهي تحدق في الأشياء دون أن تراها؟.. ألا تعلم أن فيها ما قد
أصيب بما يسمى عمى الألوان، دون وجود أي عطب أو حائل فهي تبصر
الأشياء دون أن تدرك ألوانها؟!.. إن الذي غضب الله عليه، يُحجب
عن شهود الله والدنو من حضرته بسرّ من الغضب ذاته، ويتحول قلبه
إلى ما يشبه قطعة من الحجر الصلد، بل يؤول به الأمر إلى ما هو
أقسى من الحجارة. ألم تقرأ قول الله تعالى: { ثُمَّ قَسَتْ
قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ
أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ
مِنْهُ الأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ
مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ
اللَّهِ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ } { البقرة:
2/74 }


ـ هل تكون المعاصي وحدها سبباً لهذا الحجاب؟

هل المعاصي وحدها تكون سبباً لهذا الحجاب؟إن المعاصي وحدها
مهما كثرت لا تكون سبباً للمقت أو الغضب الإلهي الذي يتكون منه
الحجاب الذي يتحدث عنه ابن عطاء الله.وبيان ذلك أن الذي لا
يعاني من الاستكبار وما يتبعه من عناد، إنما يرتكب ما يرتكبه
من الأوزار بسبب ضعفه وبسبب تغلب شيطانه وشهواته عليه. والشأن
فيه أن يندم على ما فرط منه بعد انتهائه من المعصية وغياب
لذتها عنه، فيسوقه الألم والندم إلى التوبة واستغفار الله عز
وجل، ومن سنن الله في عباده أنه يقبل توبة التائبين منهم.
والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.وهذا معنى قول الله تعالى وهو
يخاطب إبليس إذ آلى على نفسه أن يغوي عباده أجمعين: { هَذا
صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ، إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ
عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ.. } { الحجر: 15/41ـ42 } يدل على ذلك
الحديث القدسي المتفق عليه من رواية أبي هريرة وغيره عن النبي
فيما يحكيه عن ربه قال: «أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي
ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له
رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر
لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً
يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي
ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً
يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء»
.ومعنى فليفعل ما شاء أنه مهما فعل المعصية فعاد صادقاً إلى
التوبة منها فإني أغفر له معصيته التي تاب منها.إذن فالمعصية
التي تصادف قلباً موقناً بذل العبودية لله، لا تكون سبباً
للقهر الذي يتحدث عنه ابن عطاء الله هنا، ذلك القهر الذي يحجب
العبد عن الرب ويزجه في تيه من الظلام لا نجاة له منه.إنما
يأتي هذا القهر من المعصية التي تكون بسائق الاستكبار على الله
عز وجل. إذ هو الداء القاتل الذي لا منجاة منه. يقول الله عز
وجل: { سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي
الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.. } { الأعراف: 7/146 } لقد رأيت
عصاة كثيرين في حياتي، ولكني لا أذكر أن فيهم أحداً لم يتب
أخيراً عن معاصيه ولم يصطلح مع الله عز وجل. إذ كانت دوافعهم
إلى المعصية جموحاً في النفس وضعفاً في الإرادة، دون عتو ولا
استكبار.ولقد رأيت مستكبرين على الله تعالى يمارسون انحرافاتهم
ويأخذون حظهم من المعاصي والأوزار المختلفة، بسائق من
اللامبالاة والاستكبار على الله والاستهانة بأحكامه وأوامره..
فما رأيت واحداً منهم تابيما بعد عن غيّه وعتوّه!.. تسربت إلى
كثير منهم المصائب والأوجاع، وحاقت بهم المهانة وهيمن عليهم
البؤس والضعف، ولكن مشاعرهم بقيت تمارس استكبارها وعتوها على
الله!. ولم أر في الدنيا أقبح من صورة إنسان تراكمت عليه عوامل
الذل والقهر والضعف وتناوشته الأوجاع والأمراض، وهو لا يزال
يجترّ مشاعر تعاظمه على الله عز وجل ويردد ألفاظ سخريته
واستخفافه بسلطان الله وأمره. ويرحم الله صاحب المثل العربي
السائر «أُستٌ في الماء ورأسٌ في السماء» .تلك هي صورة القهر
الذي يتحدث عنها ابن عطاء الله قائلاً: «مما يدلك على وجود
قهره أن حجبك بما ليس موجوداً معه» .قهرٌ.. جعــل الله منه
العقوبــة العاجلة لمن خلع ربقة عبوديته لله عز وجل متجاهلاً
ملازمتها له من فرقه إلى قدمه، ثم اصطنع لنفسه رداء الكبرياء
التي لا تصلح إلا لله عز وجل. فكان من عاقبة هذا القهر أن صرف
بصيرته عن مشاهدته، وحجب عقله عن رؤية آياته، وأغلق منافذ قلبه
عن التأثر بباهر سلطانه وعظيم جبروته، على الرغم من أنك تنظر
فتجد أن كل جزء من أجزاء كيانه المتهاوي، مصطبغ بصبغة العبودية
الضارعة لله عز وجل.قهر.. قضى به قول الله عز وجل: { وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها
وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلَى
قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ
وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا
إِذاً أَبَداً } { الكهف: 18/57 }

محب الحبيب علي
20 Dec 2006, 10:21 AM
الحكمة السادسة عشرة



أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الذي ظهر لكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل
وجود كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ كيف
يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء؟ يا عجباً كيف
يظهر الوجود في العدم أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف
القدم؟

ـ شرح الفقرة الأولى منها: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو
الذي أظهر كل شيء))

فلنبدأ بشرح الفقرة الأولى منها: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء
وهو الذي أظهر كل شيء؟)) .أي إن أي شيء مما قد يخطر في البال
أن يكون حجاباً عن الله عز وجل، إنما هو من مخلوقات الله،
ومخلوقاته أياً كانت لاتكون إلا دليلاً عليه. فكيف يكون الدليل
على الله حجاباً لك عن رؤية وإدراك وجوده؟كانت لاتكون إلا
دليلاً عليه. فكيف يكون الدليل على الله حجاباً لك عن رؤية
وإدراك وجوده؟قد يقول بعضهم: ماوجه دلالة الموجودات على وجود
خالق لها؟ والجواب: أن الموجودات التي تملأ رحاب هذه الدنيا،
كانت مسبوقة بعدم، فيما يقرره سائر العلماء على اختلاف
مذاهبهم، إلا الماركسيين أصحاب نظرية المادية الجدلية الذين
يصرون على أن هذه الموجودات متوالدة بعضها من بعض بدون بداية
وإلى غير نهاية.فإذا تجاوزنا هذا الوهم الذي ليست له أي قيمة
علمية، كما قد بينته مفصلاً في كتابي (نقض أوهام المادية
الجدلية) وعلمنا أن هذه المكونات كلها كانت معدومة فيما مضى،
في عهد من العهود الغابرة، ثم وجدت، فإن من البداهة بمكان أن
انتقالها من العدم إلى نقيضه وهو الوجود، يتوقف على عامل خارجي
يتسبب عنه هذا الانتقال، إذ الأصل بقاء ماكان على ماكان إلى أن
يظهر هذا العامل الخارجي الذي يحول ماكان إلى نقيض الحال التي
كان عليها. وهذا معنى القاعدة العلمية القائلة: ((يستحيل
رجحان الشيء على غيره بدون مرجح)) .فإذا عرفنا هذه القاعدة
وفرضنا أن الخالق جل جلاله غير موجود، إذن فالمفروض أن تبقى
هذه العوالم الموجودة في طي العدم، وأن لايوجد منها شيء. إذ إن
كفة العدم المطلق كانت هي السابقة والراجحة، ومن ثم فإن الأصل
هو استمرار هذا الذي كان سابقاً وراجحاً، على حاله وأن
لايعتوره أي تحول إلى النقيض، لأن الذي سيدفعه إلى ذلك غير
موجود.لكنا نظرنا فوجدنا أن العدم ألغي وحل محله الوجود، أي أن
العدم تحول إلى وجود. إذن لابدّ أن يكون ذلك بفعل فاعل، وإلا
لبطلتاعدة: (( الأصل بقاء ماكان على ماكان مادام العامل
الخارجي غير موجود)) .ونحن عندما نجابه الملحد بالدليل الأبلج
الواضح على وجود الله نذكر له أولاً هذا الدليل الذي لايستطيع
أن يتجاهله أو يمتري به أي عاقل. أي إننا نتخذ من هذه
الموجودات التي كانت يوماً ما معدومة، دليلاً على أن لها
موجداً، وإلا لما وجدت.فكيف يكون هذا الذي نراه بالعقل وبالعلم
دليلاً على وجود الخالق حجاباً في الوقت ذاته يقصي الإنسان عن
رؤية الخالق؟!..إذن فلابدّ أن نردد مع ابن عطاء الله استفهامه
التعجبي والإنكاري، وأن نقول معه: ((كيف يتصور أن يحجبه (أي
الله تعالى) شيء وهو الذي أظهر كل شيء)) ؟!..والنتيجة هي أنه
لايمكن لأيّ من الموجودات أن يكون حجاباً عن شهود الله
والإيمان به، إذ إن وجوده أثر من آثار وجود الله عز وجل، فكيف
يكون الأثر حجاباً دون شهود المؤثر؟


ـ شرح الفقرة الثانية: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو
الذي ظهر بكل شيء))

ولننتقل بعد ذلك إلى الفقرة التي تليها: ((كيف يتصور أن
يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء)) ؟..


ـ ما الفرق بين المعنيين؟

- ما الفرق بين هذه الفقرة والتي قبلها؟ الفقرة السابقة تعني،
كما عرفنا، أن سائر المكونات التي من حولك إنما وجدت بإيجاد
الله إياها، إذن فدلالتها على الله عز وجل، من حيث إنه الموجد
لها من العدم.أما هذه الفقرة، فتعني أن كل شيء بعد وجوده ينهض
بوظيفة هادفة ذات قصد إلى غاية تتوقف عليها مصالح الحياة
الإنسانية. وذلك يدل على وجود القاصد الذي سخر تلك الأشياء
لقصده واستخدمها لمشيئته، وهو الله عز وجل. فظهوره الثاني هنا،
تم بالأشياء، أي بواسطة ماتجلى فيها من الحركات الهادفة إلى
تحقيق المصالح، وهو مايعبرون عنه بالعلة الغائية.وإليك الآن
شرحاً علمياً مفصلاً لهذا البيان الموجز. إن كل ماتراه عيناك
من الموجودات، يدل على الله عز وجل من حيث أصل وجوده الذي
لابدّ أن يتوقف على موجد.. ويدل على الله عز وجل من خلال
استمرار وجوده، وذلك من خلال الوظيفة التي عهد الله بها إلى
ذلك الشيء، إذ إنها وظيفة هادفة تسير طبق خطة مدبّرة مما يدل
على وجود مدبر أخضعها لتدبيره.إن الأرض التي نعيش فوقها مثلاً،
تدلّ على وجود الخالق، بسبب أن كل مخلوق لابدّ له من خالق. وقد
أوضحنا هذه الدلالة في شرحنا للفقرة الأولى من هذه الحكمة..ثم
إنها تدل على وجود الخالق، بسبب النظام الدقيق الذي أقامها
الله عليه، والذي تعود إليه إمكانية استقرار الإنسان على الأرض
متمتعاً بمقومات عيشه وأمنه وطمأنينته. فهي تتصف من وزنها بثقل
معين لو زادت عليه أو نقصت منه لاختل قرار الإنسان فوقها
ولاضطربت جاذبيتها له، والغلاف الجوي الذي يحيط بها يوفر
للإنسان الأكسجين الكافي، ويردّ عنه أخطار الشهب والنيازك،
وذلكطبق مواصفات وشروط دقيقة. والنباتات التي تخضر على وجه
الأرض تمتصّ مايزفره الإنسان من ثاني أكسيد الكربوني لتحيله من
جديد إلى أكسجين، كي لايطغى الأول على الثاني فيختل شرط من
شروط حياة الإنسان على الأرض، هذا إلى جانب الترّبة وما أودع
فيها من قابلية الاستنبات، إلى جانب المياه الجوفية التي خزنت
في داخل الأرض، إلى جانب المعادن المختلفة التي بُثَّتْ عروقها
في تجاويفها، كل ذلك ضمن حساب دقيق يتفق وحاجة الإنسان في
توفير مقومات الحياة الآمنة والعيش الرغيد.وبوسعك أن تتبين هذا
النظام الهادف في بنية الإنسان: أعضائه الظاهرة من سمع وبصر
وشم ولسان ودماغ، وأجهزته الخفية الباطنة من كل مايتناوله
بالبحث والدراسة علماء التشريح.. فهي جميعاً تؤدي وظائف في
غاية الدقة والانتظام، تتجه إلى غاية واضحة تتمثل في تحقيق
مابه دوام الحياة وانتظامها لشخص الإنسان.قل مثل هذا عن
الأفلاك والكواكب والرياح السارية والسحب والأمطار وعالم
الأغذية والأقوات.. كل ذلك يتحرك طبق نظام.. ويتجه النظام إلى
هدف، ويتمثل الهدف في توفير الشروط التي لابدّ منها لتوفير
مقومات الحياة الآمنة الرغيدة للإنسان.هذه الظاهرة التي تتحرك
المكونات كلها على أساسها، تسمى ظاهرة ((العلة الغائية)) أو
ظاهرة الحكمة في الأشياء. وهي دليل من أقوى الأدلة العلمية
الناطقة بوجود الله.فالله عز وجل ظاهر للعقول، بهذه الوظائف
الهادفة التي يتحرك على أساسها كل شيء من الأشياء، فأنت وإن لم
تر الله بعين رأسك، إذ قضى بأن لاتدركه الأبصار، ولكن هذه
الأنظمة الدقيقة الهادفة التي تعكف عليها الأشياء الموجودة
كلها، تريك الله تعالى يقيناً بعين بصيرتك. وهذا هو معنى قول
ابن عطاء الله في هذه الفقرة: ((كيف يحجبه شيء، وهو الذي ظهر
بكل شيء)) أي وهو الذي ظهر بسبب الوظيفة الهادفة التي تسير
وفقها وبكل دقة أشياء الكون أجمع.وياعجباً لمن يعلم هذه الحجة
ويعتمد عليها في الإيمان بأمم وشعوب مضت ودخلت في عالم الغيب،
ثم لايعلم هذه الحجة ذاتها ولايعتمد عليها في الإيمان بخالق
هذه الأجهزة الكونية وموجهها إلى هذا النظام الهادف الذي
لاتحيد ولاتشرد عنه!!. ينظر أحدهم إلى أطلال باقية من بناء، أو
إلى كتابات أو نقوش مهترئة على بعض الجدران أو الصخور، فيعمل
عقله، ويتبين مما تدل عليه تلك النقوش أو الأطلال، من أهداف
كانت ترمي إليها ومقاصد تستخدم لها، أن تلك البقاع شاهدت يوماً
أمما ذات حضارة وقدرة علمية، وقوة راسخة.. ثم لايعمل عقله
ليدرك من خلال رؤيته لأضعاف هذه الظواهر الهادفة والمنتشرة في
أجزاء هذا الكون كله، أن وراء هذا النظام منظماً وأن وراء
المقصد الذي تهدف إليه قاصداً، هذا بالإضافة إلى دليل الخلق
والإبداع الذي قرره ابن عطاء الله في الفقرة الأولى.ياعجباً
لأولئك الذين لادليل الخلق والإبداع يوصلهم إلى اليقين بوجود
الخالق المبدع، ولادليل النظام الهادف ينبههم إلى اليقين الذي
لابدّ منه بوجود المدبر والمنظم!!.. * * *

محب الحبيب علي
20 Dec 2006, 10:23 AM
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الذي ظهر لكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل
وجود كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ كيف
يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء؟ يا عجباً كيف
يظهر الوجود في العدم أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف
القدم؟

ـ شرح الفقرة الثالثة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي
ظهر في كل شيء)).

وننتقل الآن إلى الفقرة الثالثة، وهي: ((كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟)) .قبل كل شيء إياك أن تفهم معنى
الحلول من هذه الفقرة بأن يخيل إليك أن معناها أنه جل جلاله
موجود بذاته في داخل كل شيء... معاذ الله!!. لو قلنا ذلك لعاد
الكون وعاء حُجبَ الله في داخله!! تعالى الله عن مثل هذا الوهم
علواً كبيراً.


ـ إياك أن تخطئ فتفهم معنى الحلول من هذه الفقرة

إذن ما معنى هذه الفقرة؟ معناها: كيف يحجبه شيء وهو الذي
ظهرت صفاته كلها في كل شيء. وإليك البيان:ما من شيء تراه عيناك
إلا وتجد فيه صفة الإبداع والحكمة والجمال والقوة والإرادة إلى
آخر ماينعت به الله عز وجل من صفات الكمال، أليس كذلك؟اختر من
المخلوقات ماشئت، تأمل فيه واسبر غوره تجد هذا الذي يقوله لنا
ابن عطاء الله. انظر إلى الزهرة تأمل في عبقها.. في ألوانها،
وجمال الأصباغ العجيبة التي تلاقت منسجمة فيها ألا تراها تفيض
بصفات الله عز وجل؟ ألا ترى في داخلها صفة الجمال صفة
الحكمة؟صفة القدرة الباهرة؟ صفة الإبداع؟ صفة العلم؟ عندما
تعبق بالرائحة الزكية التي يشمها أنفك، أمسك بيدك واحدة من
أوراقها واسحقها بضغط بين أصابعك ثم ابحث بأنفك عن تلك الرائحة
الزكية، لن تجد في سحاقتها إلا النقيض الذي يشمئز منه أنفك!!..
ضع يدك على أوراقها الخضراء وابحث فيها عن هذا العبق المنعش،
أو تلمسه في الجذور أو في شيء من العروق لن تجد إلا مايشمئز
منه أنفك وتكرهه نفسك، حتى إذا وقفت على الزهرة مفتحة بالشكل
الذي أبدعها الله، سرت منها إلى أنفك رائحة زكية منعشة لاتقوى
اللغة ولا العبارات على وصفها والتعبير عنها.ألست من هذه
الزهرة، بكل ماتراه عيناك ويشمه أنفك، أمام صفات الله الباهرة
التي تفرّد بها من دون كل شيء؟عندما تترك النواة الصغيرة بين
التراب، ثم تعود إليها بعد أيام، فتجد أنها قد تفجرت عن
شُعَيْرةٍ هبطت إلى الأدنى، وعن شُعَيْرةٍ أخرى اتجهت إلى
الأعلى، وتتأمل في كل من هاتين الشعيرتين، فلاتشك أنه من اللين
والرخاوية بحيث لو لمسته بين إصبعيك لاضمحل وذاب، ولكنك تنظر
فتجد أن الأول منهما قد مخر هابطاً صلابة الأرض وكأنه مسمار من
الصلب، وتجد أن الثاني قد مخر صاعداً كل سدّ في طريقه مهما
كانت قسوته وصلابته.. فهذه الأعجوبة التي تراها عيناك ألا ترى
فيها مجموعة من صفات الله الباهرة؟ ألا ترى فيها قدرته..
حكمته.. إبداعه.. علمه... تدبيره...عندما تبحر، وتتوسط بك
السفينة عرض البحر، وتتأمل فيما يحيط بك، عالم من المياه
المتلاطمة، ينطوي فيه عالم من الحيوانات المتنوعةالعجيبة، ألا
ترى نفسك من ذلك كله أمام سطور تنطق بآيات الله الباهرة، تنطق
بصفات جبروته وسلطانه وقهره، وأحديته وصمديته؟عندما تتوغل في
الأدغال، أو تشرف عليها من كثب، وتتأمل منها في عالم الطيور
العجيبة في أشكالها وأصواتها ونظام حياتها، ثم في عالم
الزواحف، المتنوعة الغريبة، ثم في عالم السباع الضارية، ثم في
النهج الثابت الذي يلتزمه كل منها، والضوابط المعيشية التي
تشكل القانون الصارم في حياتها، ألا ترى أنك أمام صفحة أخرى من
باهر صفات الله المبدع القيوم المدبّر المحيط المتعالي
القدير؟ تأمل في الرياح الهابة من حولك ومن فوقك، وانظر كيف
تؤدي وظيفتها الدائمة في إثارة السحب وسوقها من مكان إلى مكان،
تبددها آناً وتكثفها وتجمعها آناً آخر، وانظر إليها كيف تتمازج
مع الرطوبة النسبية، ثم كيف يصدر الأمر إلى تلك السحب في
اللحظة المعينة بأن تمطر في المكان المعين، بقدر معين!.. ألا
ترى في ذلك كله صفات التدبير واللطف والإنعام والفضل
الإلهي!إذن، فالكون كله مظهر، بل مَعينٌ لصفات الله عز وجل.
فكيف يكون فيه مع ذلك ما يحجبه عن الله؟فهذا هو معنى قول ابن
عطاء الله ((كيف يحجبه شيء وهو الظاهر في كل شيء)) أي وهو
الظاهر بصفاته في كل شيء.إنك لن تجد في الكون مايقطعك عن
الله.. ولكن الكون مع ذلك مليء بأناس مقطوعين عن الله، لماذا؟
ألأن في الأكوان ما حجبهم وقطعهم عن الله؟.. معاذ الله!.. إنما
الذي حجبهم عن الله قهره عز وجل. كما ذكرنا في شرح الحكمة
السابقة.وإنما حجبوا عنه بقهره، لما اهتاجت بهم أهواؤهم
فاستكبروا عليه وتناسوا ذلّ عبوديتهم له. وقد علمت أن المعاصي
على اختلافها ليست هي التي تحجب الإنسان عن الله، إنما الذي
يحجب الإنسان عنه إنما هو العتوّ والاستكبار. * * *

محب الحبيب علي
20 Dec 2006, 10:25 AM
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الذي ظهر لكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل
وجود كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ كيف
يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء؟ يا عجباً كيف
يظهر الوجود في العدم أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف
القدم؟

ـ شرح الفقرة الرابعة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو
الذي ظهر لكل شيء)).

أما الفقرة التالية من هذه الحكمة فهي قوله ((كيف يتصور أن
يحجبه شيء وهو الذي ظهر لكل شيء)) .


ـ ظهور الله للعقلاء من الإنس والجن والملائكة معروف،
ولكن كيف يكون ظهور الله للجامدات والنباتات ونحوها؟ جواب
علمي مفصل عن هذا السؤال.

أما ظهور الله للعقلاء من الإنس والجن والملائكة فلا إشكال فيه
لأن عقولهم من شأنها أن تهديهم إليه وأن تبصّرهم به، فهو يظهر
بصفاته لمداركهم بهذا المعنى.ولكن كيف يكون ظهور الله للأشياء
الأخرى من الجمادات والنباتات ونحوها، وهي كلها
لاتعقل؟ والجواب: أن الخطأ يكمن فيما قد نتوهمه، من أن وسيلة
معرفة الله واليقين بوجوده، إنما هي هذا العقل الذي يتميز به
الإنسان عن سائر الحيوانات والمخلوقات الأخرى... ونظراً إلى أن
ماعدا الإنسان (طبعاً بقطع النظر عن الجن والملائكة) لا
يتمتع بالعقل، إذن فإن ماعداه غير مؤهل لمعرفة الله والإيمان
به والشعور بوجوده.وهذا خطأ.. فإن سبل معرفة الله والدينونة له
ليست محصورة بهذا الذي جهز الله به الإنسان ومتعه به، مما يسمى
العقل:ولتقريب هذه الحقيقة إليك أقول: أرأيت إلى الملائكة،
إنهم لايتمتعون بالوسيلة الإدراكية ذاتها التي نتمتع بها نحن
البشر، ليس لهمفي رؤوسهم الأدمغة التي في رؤوسنا والتي يشرق
عليها ذلك السر الرباني الذي به يتم العلم والإدراك والذي
نسميه العقل. ولكنهم مع ذلك يعلمون ما لانعلمه من أسرار
الملكوت الرباني، ويعرفون الله ويعرفون عبوديتهم له، ويدينون
له بالتبتل والولاء.وهذا يدل دلالة قاطعة على أن لهم إلى ذلك
سبلاً أخرى متعهم الله بها. وهذا الذي يصدق على الملائكة يصدق
على المخلوقات الأخرى أياً كانت.. إن حصر سبيل معرفة الله
والإيمان به وبصفاته في العقل، حصر سليم وصحيح بالنسبة للمجتمع
الإنساني والنظام الذي أقام الله حياته عليه، أما فرض هذا
الحصر على سائر المخلوقات الأخرى فقرار غريب أعزل، يعوزه
البرهان والدليل. أضف إلى هذا بيان الله عز وجل الذي أنبأنا من
خلاله بما يدل على أن سائر المخلوقات الأخرى تتمتع بما يبصرها
بالخالق عز وجل، وبما يدعوها إلى الولاء والدينونة له. ألا ترى
إلى قول الله عز وجل: { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ
بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } {
الإسراء: 17/44 } ونحن إنما نخاطب بهذا الدليل المؤمنين بالله
عز وجل، وبأن هذا الكلام إنما هو كلامه، وأما من لم يؤمن
بوجوده بعد، فالبحث كله غير ذي موضوع بالنسبة إليه، ويوشك أن
يأتي يوم يفيق فيه من خَدِر عقله ويوقن بما لم يكن يوقن به
اليوم، إلا إن كان محجوباً عن الله بعناده واستكباره، فأغلب
الظن أن هذا الفريق سيبقى سادراً في غيه إلى أن يلقى الله عز
وجل.إذن فلتعلم أن الله كما ظهر لك بنور من إدراك عقلك، فقد
ظهر للمخلوقات كلها بنور رباني آخر لاعلم لنا به، فهي تظل في
دينونة دائمة لحكمه، وفي تسبيح دائم لذاته العلية. بل إن في
صنف الإنس والجن من حجبوا عن الله فلم يتجلّ ولم يظهر لهم،
بحجاب من قهره وعاجل بطشه، أما الأصناف الأخرى من المخلوقات
فليس فيها ما لم يتجلّ الله عليه تجلياً يخضعه للولاء الكامل
له ويحمله طوعاً على السجود لذاته العلية، كل بطريقته
ولغته.وتأمل في هذا، قول الله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ
اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي
الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ
وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ
حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ
مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ } { الحج:
22/18 } فقد نسب البيان الإلهي السجود الذي هو أثر من آثار
ظهور الله وتجليه، إلى كل المخلوقات التي في السماوات والأرض
دون استثناء، ولكنه لما نسب السجود ذاته إلى الناس استثنى
منهم، فقال: { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ } { الحج:
22/18 } فيا عجباً للخليقة الإنسانية التي متعها الله بالعقل
والرشد وكرمها وفضلها على كثير ممن خلق، كيف يكون فيها كثير
ممن لم يستفيدوا من عقولهم ورشدهم وعاشوا محجوبين عن الله بغير
حجاب، في حين أن سائر المخلوقات الأخرى نعمت بلذة ظهور الله
لها، ثم نعمت بولائها لسلطانه وسجودها الدائم لذاته
العلية!..ثم أن هذا الذي يخبرنا به بيان الله عز وجل، من تسبيح
كل شيء لله عز وجل، بما فيه الجمادات والنباتات والحيوانات
العجماوات، نتلقاه نبأً عن الله نوقن ونؤمن به، وإن لم تظهر
لنا دلائل مادية منظورة على ذلك.ولكن الخوارق التي قضى الله عز
وجل أن تخترق نواميسه وسننه الكونية، بين الحين والآخر، تضعنا
أمام الدليل المادي المنظور على مايقوله الله عز وجل.من ذلك
مارواه البخاري في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه قال: كان
جذع يقوم إليه النبي ، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل
أصوات العشار العشار جمع عشراء، وهي الناقة التي أتى على حمله
عشرة أشهر. حتى نزل النبي فوضع يده عليه إلى أن سكن.فحنين
الجذع إلى رسول الله نتيجة لشعوره به وحبّه له، وهو بدوره
نتيجة لشعوره بوجود الله وحبه له. وللجذع إلى ذلك سبيله الذي
جهزه الله به. ولايشترط فيه أن يكون كسبيلنا نوراً أو سراً
ينعكس على حجيرات الدماغ فيتكون منه العلم والإدراك.وليس لك أن
تقول: إن هذه واقعة خارقة جرت في ثوان معدودات ثم انتهت وعاد
الجذع إلى شأنه وطبيعته الجامدة، لأن حنينه الذي لاريب فيه،
كان من آثار شعوره السابق بالقرب من رسول الله إذ كان يستند
إليه عندما يقف خطيباً، ثم تبدّل ذلك القرب إلى بعد. فحنينه
إنما هو نتيجة شعور متراكم يعود إلى ماض لايعلم مداه إلا
الله.ولكن الجديد والمفاجئ في الأمر إنما هو بروز هذا الشعور
وظهور أثره بذلك الصوت الذي انبعث منه. وإنما كان ذلك (والله
أعلم) ليستبين الناس أن مايعدونه من الجامدات التي لاتعي، لها
إحساس بالقدر الذي يناسب وضعها الذي هي فيه، ومن ثم فإنها ليست
محجوبة عن الله عز وجل. والله ظاهِرٌ لها بالإحساس الخاص الذي
بثه فيها، كما هو ظاهر للإنسان بالعقل الذي ميزه به. بل كثيراً
مارأينا من يتميز بالعقل والإدراك، محجوباً عن عقله وإدراكه
ورأينا في المقابل أصنافاً من الجمادات والحيوانات العجماوات،
تدرك ما لا يدركه كثير من أصحاب العقول.ويرحم الله الإمام
البوصيري فقد أبدع وأجاد إذ قال في همزيته المشهورة: ربِّ إن
الهدى هداك وآيـــــــــا

تُكَ نورٌ تَهْدِي بها من
تشـــــــاء

كم رأينا ما ليس يَعْقِلُ قــــد أُلْهِـ

ـمَ ما لَيْسَ يُلْهَمُ العقــــــــــــلاء

إذ أبى
الفيلُ ما أتى صاحبُ الـ

ـفيلِ ولـمْ ينْفَع الحِجَا
والذكـاء

والجماداتُ أفْصَحَتْ بالــذي أُخْـ

ـرِسَ
عنه لأحَمدَ الفصـــــــحاءُ

ويح قومٍ جَفَوْا
نبيّــــــــاً بأرضٍ

أَلِفَتْهُ ضِبَابُها
والظِبَــــــــــــــاءُ

وسَلَوْهُ وُحنَّ جِذْعٌ
إليــــــــــــه

وقَلَوْهُ وَوَدّه
الغربـــــــــــــــــاء * * *

محب الحبيب علي
20 Dec 2006, 10:27 AM
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الذي ظهر لكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل
وجود كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ كيف
يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء؟ يا عجباً كيف
يظهر الوجود في العدم أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف
القدم؟

ـ شرح الفقرة الخامسة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو
الظاهر قبل وجود كل شيء))

ثم يقول ابن عطاء الله ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر
قبل وجود كل شيء)) ؟!من أبرز صفات الله تعالى القدم، والقديم
لغة، لاعرفاً: من لا أول له. أما ما يقصده كثير من الناس من
أنه الشيء الذي تطاول أمده، فهو معنى عرفي لا لغوي. تقول: دار
قديمة وثوب قديم، أي ليست أو ليس بجديد.أما المعنى الحقيقي
لصفة القديم، فهو الكينونة التي لا أول لها. وهذا هو معنى
القدم الثابت لله تعالى. دليله قول الله تعالى: { هُوَ
الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ } { الحديد: 57/3
} يدل على ذلك أيضاً قول الله تعالى: { اللَّهُ خالِقُ كُلِّ
شَيْءٍْ } { الرعد: 13/16 } كما يدل عليه أيضاً قول رسول الله
فيما رواه البخاري في كتاب بدء الخلق: ((كان الله تعالى ولم
يكن شيء غيره)) وفي رواية أبي معاوية في الكتاب ذاته: ((كان
الله تبارك وتعالى قبل كل شيء)) وهو بهذا اللفظ من رواية
الإمام أحمد أيضاً من حديث أبي معاوية.وإذا ثبت أن الله كان
موجوداً ولم يكن شيء غيره، فإن ذلك يستلزم أن الله كان موجوداً
ولاشيء قبله من باب أولى. وقد ورد الحديث بهذا اللفظ أيضاً في
البخاري من حديث عمران بن حصين ((كان الله ولاشيء قبله وكان
عرشه على الماء)) .إذن فقد ثبت أن الله كان ولاشيء معه أو
ولاشيء غيره، وأنه عز وجل كان ولاشيء قبله.. وهذا مما يقتضيه
قول الله تعالى: { اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } { الرعد:
13/16 } ونزيد هذه الحقيقة بياناً فنقول: إن المادة بمعناها
النوعي الذي توالدت منها الأشياء، داخلة في عموم قول الله
تعالى: { ...كُلِّ شَيْءٍ } { الرعد: 13/16 }


ـ بيان بطلان القدم النوعي الذي تطوح في القول به كثير من
الفلاسفة، وقلدهم فيه بعض السطحيين من (المفكرين)
المسلمين

إذن فقد سقطت قيمة الكلام الذي تطوح فيه كثير من الفلاسفة
عندما قالوا بالقدم النوعي للأشياء، أي بقدم المادة الخام التي
تشكل جنس الأشياء أو نوعها العالي. إذ إن الجنس المادي للأشياء
المتكاثرة ليس خارجاً عن مدلول كلمة الشيء في قوله تعالى: {
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } { الرعد: 13/16 } وليس الغريب
أن يتطوح الفلاسفة في هذا الوهم المناقض لكلام الله عز وجل،
فإن شأنهم على الأغلب ذلك.. ولكن الغريب جداً أن يتورط ابن
تيمية رحمه الله في هذا اللغو، وأن يجنح إلى ما يراهالفلاسفة
في ذلك، مقرراً أن المسلم لايكفر إن اعتقد بالقدم النوعي
للعالم وبأن في أشياء المادة ما لم يخلقه الله عز وجل انظر
كتاب نقد مراتب الإجماع لابن تيمية ص167 ومابعدها، وانظر
التحقيق الذي كتبته في ذلك في كتابي (السلفية) ص164 ومابعدها.
.فإذا ثبت وصف القدم لله عز وجل وأنه هو الخالق لكل شيء، إذن
فقد ثبت أن كل ماهو موجود إنما وجد بخلق الله له، فهو بعض من
آثار وجوده وصفاته، إذ المخلوق يدل على الخالق والمصنوع يدل
على الصانع. فكيف يصح أن يقال إن في المخلوقات الدالة على
خالقها ما يصح أن يكون حجاباً يمنع التبصر بشهوده والوقوف على
دلائل وجوده. كيف يكون الدليل حجاباً يصدّ عن رؤية
المدلول؟‍..فإن قلت: ولكني أعتقد أن العالم قديم لا أول له،
ومن ثم فهو غير مخلوق حتى نبحث له عن خالق، وحتى نجعل من وجوده
أي العالم دليلاً عليه، أي على الله عز وجل، أقول: إن هذا الذي
تعتقده أوغل في البطلان ممن يقول إن في مخلوقات الله ما يصدّ
عن شهود الله والإيمان به. ذلك لأنا أوضحنا من قبلُ أن هذه
الموجودات هي أضعف من أن توجد نفسها، إذن فوجودها متوقف على
موجد؛ فإن قلت: هي سلسلة مخلوقات دائمة يتوالد بعضها من بعض،
قلنا: هذا مثل قولك إن الصفر ولدت قيمته من الصفر الذي إلى
يساره، والصفر الثالث كذلك، وهكذا إلى ما لانهاية. فإن كان في
العقلاء من يؤمن بأن مجموعة ملايين الأصفار التي لانهاية لها
توالدت قيمة كل منها من الصفر الذي يليه وهكذا، فإنه قد يوجد
في هؤلاء العقلاء من يصدقبأن هذه الموجودات التي لايقدر كل
منها أن يوجد نفسه، إنما سرت فيها القدرة على ذلك، مروراً من
كل موجود منها إلى الموجود الآخر الذي تفرع عنه!...ولا أتصور
أن في العقلاء من يعتقد أو يؤمن بأي من هاتين الخرافتين.إذن
فلنردد مع ابن عطاء الله قوله: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الظاهر قبل وجود كل شيء)) . * * *


ـ شرح الفقرة السادسة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر
من كل شيء)).

ثم يقول رحمه الله: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل
شيء)) .ستقول: إني أرى ضوء الكهرباء أمامي، ولا أرى الله..
أرى خضرة الأشجار والبساتين ولا أرى الله.. أرى الأفلاك
والنجوم والأرض والبحار والناس ولا أرى الله.. فكيف أصدق أن
الله الذي لا أراه أظهر من كل هذه الأشياء التي أراها؟!..وأنا
أسألك بدوري: هذه الأشياء التي تراها، بأي وسيلة رأيتها
وأدركتها؟ ستقول: بوسيلة الإبصار وهي العين، وبوسيلة الإدراك
وهي العقل.ولكن ماهي العين التي تكسبك الرؤية؟ هل هي القرنية
أو الشبكية أو اللزوجات والرطوبات الدهنية التي فيها أو
الأوردة التي تصل مابين العين ومؤخرة المخّ؟.كل ذلك لا قيمة له
ولا يفعل شيئاً إن غاب عن عينيك النور الإلهي الذي ينسكب
فيهما.والعقل!.. ما الذي تعنيه بهذه الكلمة؟ هل هو الدماغ الذي
يصفه بعضهم بأنه مادة عالية التنظيم؟!.. ولكن للحيتان والحمير
وسائر الحيوانات العجماوات أدمغة، وربما كان فيها ما هو أضعاف
الكم الذي يتمتع به الإنسان من ذلك، ومع ذلك فإن أدمغتها لم
تسعفها بالإدراك الذي يتمتع به الإنسان.والسبب أن الإدراك إنما
يتم بنور رباني يقذفه الله إلى الدماغ. لا بجوهر الدماغ
ذاته.إذن فأنت ترى ما تراه من المرئيات وتدرك ما تدركه من
المعنويات بالنور الإلهي الذي قُذف منه في بصرك فرأيتْ، ووُجه
منه إلى دماغك فأدركتَ وعلمتْ. وإني لأسألك: أيهما أجلى وأظهر:
الشيء المدرَك أم وسيلة الإدراك؟ أيهما أجلى وأظهر: المصباح
الذي تبحث بواسطته أم المتاع الذي تبحث به عنه؟ولعلك لم تنس
بعد، الحكمة السابقة التي يقول ابن عطاء الله فيها: ((الكون
كله ظلمة، وإنما أناره وجود الحق فيه)) .غير أن كثيراً من
الناس يقعون تحت سلطان القاعدة القائلة: من شدة الظهور الخفاء.
فيغيب عنهم أظهر ما في الكون لا لشيء إلا لأن ظهوره كامل واسع
لا ترتسم له أبعاد ولاحدود. وأعيدك إلى المثال الذي سبق أن
ذكرته.. عندما تنظر إلى الأشياء المتناثرة من حولك،وتتأمل في
أهم ماورد في العدد الجديد من الجريدة التي وصلتك للتو، من
خلال المنظار المثبت على عينيك، إنك لتعلم أنك بهذا المنظار
تتبين كل ماحولك. ومع ذلك فإنك لا ترى المنظار، ولو رأيته لقام
أمام عينيك من ذلك حاجز يقصيك عن رؤية ماكنت تراه. ولربما جاء
من يسألك عنه، فتبحث عنه في كل زوايا الدار، وتفتش عنه في
أدراج مكتبك، ثم تيأس من العثور عليه، دون أن تتذكر أنه مثبت
على عينيك وأنك به تفتش عنه، وبه تبحث عنه في كل الزوايا
والجهات. ولقد انتابتني أنا شخصياً هذه الحالة في إحدى المرات
لعل موجز لهذ الكلام مرّ في شرح بعض الحكم السابقة. .وعلى كل،
سواء أتذكرت أن على عينيك منظاراً ترى به دقائق الأشياء، أم
نسيت ذلك، فإنك ترى به، ولكنك لاتراه. ولاريب أن الأداة التي
ترى بها أظهر وأجلى من مرئياتك ذاتها.إذن فلنقل مع ابن عطاء
الله: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء)) وسبحان
من حجب عنه عباده المحجوبين مع ذلك بحجاب قهره. * * *

محب الحبيب علي
20 Dec 2006, 10:28 AM
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الذي ظهر لكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل
وجود كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ كيف
يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء؟ يا عجباً كيف
يظهر الوجود في العدم أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف
القدم؟

ـ شرح الفقرة السابعة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الواحد الذي ليس معه شيء))

ثم قال: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه
شيء)) ؟هل هذا تعبير عن وحدة الوجود التي لايقرها عقل
ولاشرع؟تأمل في كلمة ((معه)) تعلم الجواب عن هذا السؤال: ذلك
لأن ابن عطاء الله ينفي أن يكون لأي شيء آخر غير الله وجود
ذاتي ثابتمع وجود الله. وماينبغي أن يغيب عنك الفرق الكبير بين
وجود الأشياء بالله ووجودها مع الله. وإنما ينفي ابن عطاء الله
وجود الأشياء مع الله، لاوجودها بالله.


ـ بيان الفرق بين ((الوجود بالله)) و((الوجود مع الله))

فما الدليل على أنه لايوجد (مع) الله شيء؟الدليل على ذلك أن
الأشياء الموجودة، كما أنها مفتقرة إلى من يوجدها من العدم وهو
الله عز وجل، فإنها مفتقرة إليه أيضاً في استمرارية وجودها
لحظة فلحظة..فليس معنى خلق الله الكائنات أنه أبدعها من العدم
وأقامها على النسق الذي أقامها فيه، ثم إنه تركها وتخلى عنها
لتستقل بالمحافظة على ذاتيتها ومقومات وجودها.. لو كانت لها
هذه القدرة الذاتية، إذن لكان وجودها من ذاتها ولما احتاجت إلى
موجد. ولكن مما لاريب فيه أنها لا تتمتع بهذه القدرة الذاتية،
بدليل أنها كانت معدومة، ثم سرى في العدم الوجود بمشيئة الله
وقدرته.. إذن فكما أنها فقيرة إلى من يحيل عدمها إلى وجود
ابتداءً، فهي فقيرة إلى من يمتعها بهذا الوجود دواماً، بحيث إن
تخلّى عنها الموجد فلا بدّ أن يعود بها الضعف الذاتي إلى وضعها
الذاتي القديم وهو العدم.هذا دليل منطقي وعلمي لايتأتى الريب
فيه.أما الدليل على هذا من كلام الله وبيانه فنصوص كثيرة، نذكر
منها:ـ قول الله تعالى: { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ
الْحَيُّ الْقَيُّومُ } { البقرة: 2/255 } صيغة مبالغة،
ومعناها القائم بأمر المخلوقات على الدوام. ومعنى ذلك إن
وجودها الذاتي وعكوفها على أعمالها الوظيفية، إنما هو بدوام
قيومية الله عليها.ـ وقد فصَّل البيان الإلهي هذا المعنى في
قوله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ
وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا } { فاطر: 35/41 } ـ ومنها قول الله
تعالى: { وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } { يس: 36/41 } ـ ومثله قول الله
تعالى: { وَحَمَلْناهُ عَلَى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ،
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ } { القمر:
54/13ـ14 } فقد أبطل البيان الإلهي وجود أي فاعلية ذاتية
للفلك، ونبَّه إلى أن مايبدو أن الفلك تقوم به من وظيفة الحمل
والطفو على سطح الماء، إنما هو بفاعلية مباشرة من الله عز وجل،
ولذا فإن الحامل الحقيقي لها ولمن هم على ظهرها إنما هو الله.ـ
وهذا هو معنى الكلمة القدسية التي علمنا إياها رسول الله
وهي: ((لاحول ولاقوة إلا بالله)) فقد انتفى إذن أي حول وأيّ
قوة لأي شيء في الكون، ابتداء ودواماً، ألا أن يمدّه الله من
عنده بالحول والقوة، إن للإيجاد ابتداء، أو لبقاء الوجود
استمراراً، أو لقيام الموجودبالوظيفة التي عهدت إليه. إذ كل
ذلك يحتاج إلى حول وقوة، ولاحول ولاقوة إلا بالله، أي فليس
لجنس القوة السارية في أي شيء من الأشياء، أي مصدر إلا مصدر
واحد لاثاني له، هو الله عز وجل انظر تفصيل موسع في بيان هذه
الحقيقة في كتابي: (السلفية) ص176 فم بعدها. .إذن فهل بقي
وجودٌ مع وجود الله عز وجل؟ ليس في العقلاء من يؤمن بالله ثم
يعتقد أن لغير الله وجوداً مستقلاً يتمتع بمعنى المعية إلى
جانب وجود الله. بل المنطق البدهي والنصوص القاطعة، كل ذلك
يعلن على سمع الدنيا وبصرها، أن الوجود الذاتي الحق إنما هو
وجود الله عز وجل، أما ما تراه عيناك من الموجودات الأخرى
فبالله وجدت، وبالله يستمر وجودها، وبالله تؤدي وظائفها
التكوينية التي عهد بها إليها.وأقرب مثال إلى ما أقول، ولله
المثل الأعلى، حال طفل صغير لم يكمل بعدُ السنة من عمره، ينهضه
أبوه واقفاً ويمسكه بعضديه، فترى الطفل واقفاً على قدميه.
أفتقول: إنه يقف مع أبيه أم تقول: إنه يقف بأبيه؟ لاشك أن
الطفل مهما طال وقوفه على قدميه بهذا الشكل، فهو إنما يقف لحظة
فلحظة بعون من أبيه، لابقوة ذاتية منه مع أبيه. فلتعلم أن
الكون كله بالنسبة إلى الله كذلك. فقد صح إذن ما قاله ابن
عطاء الله من أنه جل جلاله الواحد الذي ليس معه شيء.فإذا ثبت
أن الله ليس (معه) شيء فكيف يحجبك عنه ما لا وجود له؟ كيف
يكون المعدوم حجاباً يصدّك عن رؤية الموجود؟ ولا ريبأن
المكوّنات كلها معدومة بذاتها أي ليس لها وجود ذاتي، وإنما هي
موجودة بموجدها الذي أمدّها بالوجود ابتداء، ويمدّها بالوجود
دواماً، وهو الله عز وجل. فهي إذن دالة على موجدها، وليست
حجاباً عن موجدها. * * *


ـ شرح الفقرة الثامنة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب
إليك من كل شيء))

ثم يقول ابن عطاء الله ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب
إليك من كل شيء؟)) .أجل.. هو أقرب إليك من كل شيء، ألم يقل عز
وجل: { وَلَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما
تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ
حَبْلِ الْوَرِيدِ } { ق: 50/16 }


ـ هل جرى السلف على تأويل الآيات التي تثبت قرب الله من
الإنسان وتؤكد معيته له؟

ولاتقولن إنها آيات مؤولة، فالمراد بالقرب فيها المعنى المجازي
وهو العلم، أي إن الله يعلم من الإنسان - أينما كان ومهما خلا
بنفسه - كل خافية.. فنحن مع السلف الذين يفسرون صفات الله
تعالى في آيات الصفات بمعناها الحقيقي دون تكييف ولاتشبيه،
ولسنا ممن ينتقي ما يروق له أن يفسره من ذلك على حقيقته فيقول:
نحن نتبع ماكان عليه السلف، وينتقي ما يروق له أن يؤوله من ذلك
قائلاً: لا يصلح المعنى إلا بالتأويل.ونحن نقول: إننا نجنح إلى
ماكان عليه السلف دون انتقاء. ومادامت الحقيقة ممكنة فالتأويل
تمحّل. وإنما تمتنع الحقيقة بسبب إلحاق الكيفية بها، والكيف في
الصفات الإلهية كلها غير معقول، إذن فلا داعي إلى التأويل.على
أن الذين أوَّلوا القرب في قوله تعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ
إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } { ق: 50/16 } فلقد صرّح
البيان الإلهي في أماكن كثيرة أن الله يعلم حال كل إنسان ويعلم
سرّه وجهره. وذلك في مثل قوله: { وَهُوَ اللَّهُ فِي
السَّماواتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ } { الأنعام: 6/3 } لذا فإننا نجزم
بأن البيان الإلهي يقرر أن الله أقرب إلى الإنسان من حبل
الوريد، وينبغي أن نعلم هذا ونستيقنه دون أن نقيده بأي كيفية
مما هو من شأن المخلوقات كالتحيز والحلول واحتواء المكان..
كذلكنجزم بالمعنى الحقيقي لقوله تعالى: { وَهُوَ مَعَكُمْ
أَيْنَما كُنْتُمْ } { الحديد: 57/4 } ومن المهم أن نعلم أننا
نضطر إلى تأويل آيات الصفات عندما نقرنها في أذهاننا بالكيفية
التي تقفز إلى أذهاننا عندما نتحدث عن صفات المخلوقين. ولكنا
عندما نتذكر أن الله منزه عن الكيفية من حيث هي، نعلم عندئذ أن
لاحاجة إلى التأويل، تنسـب إلى الله عز وجل كل ماقد نسبه إلى
ذاته العلية من صفات الأفعال وصفــات الذات، بمعناها الحقيقي
الذي أراده الله عز وجل دون أي تكييفيزجنا في تناقض مع قوله
تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } { الشورى: 42/11 } فإذا
تبين هذا، وعلمنا أن الله أقرب إلى الإنسان من كل شيء، القرب
الذي لايستلزم تحيزاً في مكان ولا انحصاراً في جهة ولا أي
كيفية مما يلازم المخلوقات، فقل لي: كيف يتصور أن يحجبه عن
الإنسان شيء؟.. إن من شرط هذا الشيء ليحجبك عنه أن يكون الشيء
أقرب إليك منه. وليس في أشياء الكون كلها ما هو أقرب إليك منه،
أي من الله عز وجل.رب قائل يناقش فيقول: ألسنا نستعين بالعقل
لمعرفة الله والإيمان به؟ ونقول له في الجواب: بلى.من حقه أن
يقول إذن: فالعقل أقرب إليّ إذن من الله عز وجل، لأن الدليل
الذي أستعين به لابدّ أن يكون أقرب إليّ من المدلول، وإلا لما
صح أن يكون دليلاً. فما الجواب؟الجواب هو أن العقل الذي تستدل
به على الله تعالى إنما هو نور يقذفه الله في كيانك، ويعكس منه
ماشاء على حجيرات دماغك، وقد أوضحنا هذه الحقيقة من قبل...
وهذا من بعض مايعنيه قول الله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ
اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ } { النور: 24/40 }
إذن فقد عدنا إلى الحقيقة التي لاريب فيها، وهي أنه ليس في
المكونات كلها ماهو أقرب إليك من الله. * * *

محب الحبيب علي
20 Dec 2006, 10:29 AM
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الذي ظهر لكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل
وجود كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ كيف
يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء؟ يا عجباً كيف
يظهر الوجود في العدم أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف
القدم؟

ـ شرح الفقرة التاسعة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء ولولاه
ماكان وجود كل شيء))

ثم يقول ابن عطاء الله في نهاية أسئلته الإنكارية ((كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء)) .سبق أن قلنا
وأوضحنا أن وجود الله هو الوجود الذاتي المطلق، أما الموجودات
الأخرى فإنما انبعثت من العدم بإيجاد الله لها، وقلنا إن من
أوضح الأدلة العلمية على ذلك أن الموجودات الكونية على
اختلافها كلٌ منها فقير بحدّ ذاته إلى الموجد، لذا فمهما تفرع
بعضها عن بعض، فإن مجموعة هذه السلسلة المتوالدة بعضها من بعض،
مفتقرة إلى ذي وجود ذاتي مطلق يبث فيها الوجود، بل يرعى أيضاً
وجودها على الدوام.ومن أنكر هذا الدليل العلمي البدهي، وادعى
أن سلسلة الموجودات التي تفتقر كل حلقة منها إلى التي قبلها،
متوالدة من بعضها بدون بداية وإلى غير نهاية، وبدون حاجة إلى
موجد ذي وجود ذاتي مطلق، لابدّ أن يدعي أيضاً أن سلسلة أصفار
طويلة غير متناهية تساوي قيمة مالية مّا!.. ولاشك أنها دعوى
باطلة بالبداهة، لأن الصفر لا يحمل في داخله أي قيمة رقمية أو
رياضية، وإنما هو يكتسب القيمة من رقم ذاتي يكون عن يساره،
فمهما تراصفت الأصفار الكثيرة التي لانهاية لها، فإن كثرتها
لاتستولد لها أي قيمة إلى أن تضع رقماً ذاتياً كالواحد أو
الأربعة مثلاً، عن يسارها. فعندئذ تسري القوة من هذا الرقم
الذاتي إلى الأصفار الفقيرة، متجاوزة من الواحد إلى الذي يليه
فالذي يليه وهكذا إلى نهاية الأصفار.فمن ذا الذي يجهل أن سلسلة
المكونات التي يتوالد بعضها من بعض، إن هي إلا كهذه الأصفار
تماماً، تظل خيالاً بل وهماً لاوجودله، في يقين العقل وقراره،
إلى أن يبرز على ساحة العقل الكائن الذي يتمتع بوجود ذاتي
ينبثق وجوده من ذاته ولايفد إليه فيضاً من غيره. وعندئذ يؤمن
العقل بأن وجود سلسلة المكونات حقيقة لا وهم أو خيال.. وهذا
الكائن الذي يتمتع بالوجود الذاتي المطلق إنما هو الله عز وجل.
فهو الشرط الذي لابدّ منه ليقين العقل بوجود هذه السلسلة
المتوالدة من المكونات. أي إن من أنكر وجوده، فلا بد أن ينكر
أيضاً وجود هذه المكونات ولا بد أن يجزم بأنها مجرد أخيلة
وأوهام.فإذا تذكرنا هذه الحقيقة التي سبق أن أوضحناها وزدناها
الآن بياناً ووضوحاً، علمنا أن هذه المكونات كلها من آثار وجود
المكوّن عز وجلّ. وهل في العقلاء من يزعم أن الأثر يمكن أن
يكون حجاباً عن رؤية المؤثر؟هل في العقلاء من يزعم أن أشعة
الشمس تشكل حجاباً يقصي العقل عن الإيمان بوجود الشمس، أو هل
فيهم من يزعم أن الشبع حجاب ينسي العقل وجود الطعام، أو أن
الشفاء يحجب صاحبه عن الإيمان بما قد استعمله قبل ذلك من
دواء؟ألم يقل ذلك الأعرابي، اعتماداً على فطرته العقلية وحدها:
البعرة تدل على البعير، وأقدام السير تدل على المسير؛ فسماء
ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا تدل على العليم الخبير؟فإذا
كان الكون كله أثراً لوجود المبدع والصانع، فمن أين يأتي
الحجاب الذي يقصي العقل ويحجبه عن رؤية الله وشهوده؟ * * *


ـ شرح الفقرة الأخيرة: ((ياعجباً كيف يظهر الوجود في
العدم، أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم))

والآن، تأمل في الخاتمة التي ينهي بها ابن عطاء الله حكمته
هذه، يقول: ((ياعجباً كيف يظهر الوجود في العدم، أم كيف يثبت
الحادث مع من له وصف القدم)) .إنه بعد تلك الطوفة الطويلة من
الأسئلة الإنكارية، التي لاتترك لمرتاب في وجود الله ووحدانيته
عذراً، يلتفت في عجب لاينتهي إلى التائهين عن وجود الله،
الغارقين في ظلمات تأليههم لكل من عدا الله، المحجوبين عن رؤية
الله بدون حجاب، فيقول: ياعجباً كيف يظهر الوجود في العدم!..
أي لقد عرفت من كل مامضى ذكره وبيانه، إن هذه المكونات كلها في
حكم المعدوم الذي لا وجود له. إذ إن وجودها ابتداء ودواماً
إنما هو بالله عز وجل، فهي مسبوقة بعدم وآيلة إلى عدم. فالوجود
الذي تتمتع به إنما هو في الحقيقة وجود الله، أي وجود من
أوجدها ثم جعل من رعايته الدائمة لها سنداً لاستمرار وجودها،
فهل هو إلا كوجود الظل التابع لأصله؟ ومن الذي يعقل ثم يزعم أن
الظل له وجود من ذاته؟!فإذا ثبت هذا وتبين لنا أن هذه المكونات
إذن في حكم المعدوم، فالعجب كل العجب ممن يتيه عن وجود الموجود
ذي الوجود الذاتي الحقيقي، ثم يضفي صفة الوجود الحقيقي على هذا
الذي هو في حكم المعدوم!.. يسبح بحمد وجود الظل الذي ليس له أي
وجود ذاتي، وينكر وجود الشاخص الذي انبثق منه الظل وامتد منه
وجود وهمي خيالي!!..ثم يبدي ابن عطاء الله عجبه الآخر، فيقول:
((أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم)) ؟الحادث هو الذي
كان معدوماً ثم وجد، وإنما أوجده القديم الذي لا أول له، وهو
الله عز وجل، وهذا يعني أن الحادث موجود بالله عز وجل، لا مع
الله عز وجل، إذ المعية تستلزم النِدِّيَّة التي تعني التلاقي
والتساوي على صعيد واحد.أليس من العجيب إذن أن يكون في العقلاء
من ينظر إلى الحادث على أنه ذو وجود ذاتي مستقل بنفسه، تماماً
كوجود من قد ثبت له وصف القدم وهو الله عز وجل!!..أقول: ولكن
العجب يزول إن عدنا إلى الحكمة السابقة التي تم شرحها وهي قوله
رحمه الله: ((مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك عنه بما
ليس موجوداً معه)) .فعلى الرغم من أن كل ماقد ذكره هنا ابن
عطاء الله حق لا مِرْيَةَ فيه، مما عبر عنه بقوله: كيف يتصور
أن يحجبه شيء.. إلخ. إلا أن القهر الإلهي يجعل من اللاشيء
شيئاً ومن العدم حجاباً عنه، إذا حاق غضبه بالعبد، وإنما يحيق
غضبه بالعتاة والمستكبرين، تبقى لهم عقولهم، ولكنهم لايستفيدون
منها شيئاً، ويتمتعون بأعينهم التي تتحرك في محاجرها، ولكنهم
لا يرون بها شيئاً. أولئك هم الذين قال الله عنهم: { وَلَقَدْ
ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا
يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها
أُولَئِكَ كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ
الْغافِلُونَ } { الأعراف: 7/179 } فإذا عوفي الإنسان من حجاب
كبره وعناده والركون إلى عصبيته، وأخذ نفسه بزاد دائم من ذكر
الله عز وجل، لم يجد بينه وبين الله أيحجاب يصدّه عن معرفته
وشهوده، بل إنه لايرى المكوَّنات على اختلافها إلا سطوراً
هادية إلى الله، وآيات تنطق بباهر صفات الله.. وكلمـــا ازداد
تقـرباً إلى الله بالأذكار والطاعات، ازداد شهوداً لله عز وجل
بعين بصيرته، إلى أن يرقى إلى ما سماه رسول الله بالإحسان،
وعبر عنه الربانيون بوحدة الشهود.. إذ يرى المكونات ويؤمن
بوجودها، ولكنه لايرى فيها إلا المكوِّن عز وجل.ولايقوى الخيال
ولا البيان على التعبير عن النشوة التي يشعر بها أصحاب هذا
الشهود!.. وحسبك أن تعلم أن شيئاً ما من المشاغل الدنيوية إذا
ألمت أو طافت بهم (وهم معرّضون لذلك ماداموا بشراً من الناس)
خُيِّل إليهم أنهم قد زُجّ بهم من تلك الحالة في سجن، واعترتهم
من ذلك وحشة وأيّ وحشة.وكم كان الواحد منهم يردد، تعبيراً عن
تلك النشوة، وخوفاً من هذه الوحشة قول القائل: فما عذابي إلا
حجابي وما نعيمي إلاّ وصالي اللهم لاتقطعنا عنك بقواطع
الذنوب ولابقبائح العيوب، يامن عليه العسير يسير، واهدنا اللهم
واهدِ بنا إلى سواء صراطك المستقيم، واختم حياتنا بأحب الأعمال
إليك، حتى نلقاك وأنت راض عنا، يارب العالمين. * * *

محب الحبيب علي
20 Dec 2006, 10:31 AM
الحكمة السابعة عشرة



ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث في الوقت غير ما
أظهره الله فيه

ـ خاطب الله عباده بأوامره ووصاياه، ثم تركهم أحراراً
فيما يفضلونه من الوظائف والصناعات والتجارات والعلوم
والمعارف

الوقت هو المجال الزمني الذي قضى الله تعالى أن تظهر فيه أنشطة
الناس وأعمالهم.وقد خاطب الله تعالى الناس جميعاً بأوامره
ووصاياه التي كلفهم بها مع النواهي عن المفاسد التي حذرهم من
الوقوع فيها. فذلك هو الجامع المشترك الذي يجب أن يلتقي عليه
الناس جميعاً في كل زمان وفي كل مكان.ثم إنه تركهم جميعاً
لاختياراتهم فيما يفضلونه من الوظائف والصناعات والتجارات
والعلوم والمعارف الكثيرة المتنوعة، ويسّر لكل منهم الأنشطة
والأعمال التي شاء الله أن يوجهه إليها وأن يلهمه إياها.إذن،
فذلك هو الجامع المشترك الذي أوصاهم به، وهذه هي سبل المعايش
المتنوعة التي حبب إلى كل منهم ماشاءه منها.ولله عز وجل في
توزيع هذه الأنشطة والوظائف على عباده، أو توزيعهم عليها، حكمة
باهرة لاتخفى على عاقل.. فإن الأرض التي أنشأنا الله عليها،
وأقام لنا فيها مفاتيح المعايش وأسباب الحياة الرغيدة، لابدّ
من عمارتها بالمعنى المادي والحضاري، ولا تتم عمارتها إلا
باستعمال مفاتيح المعايش واستخدام أسباب رغد الحياة.. وكللك لا
يتم إلا بانصراف كل الناس إلى كل المفاتيح والأسباب التي تحقق
لهم معايشهم وتبني لهم مجتمعاتهم، وإنما يكون ذلك بأن يتقاسموا
فيما بينهم أنواع الوظائف والأنشطة والأعمال التي بها تتحقق
عمارة الأرض. فكان من لطف الله وعظيم إحسانه، أن قسم بينهم هذه
الأنشطة والوظائف بسائق من الإلهام والرغبة وانشراح الصدر، ولم
يدفع كلاً منهم إلى ماشاء له منها بدافع الجبر والإلزام.


ـ إذن فهو أمر شرعي مقبول أن تجد الناس قد توازعتهم
الوظائف والأعمال الكثيرة المختلفة

إذن، فهو أمر شرعي وديني مقبول، أن تنظر فتجد الناس قد
توازعتهم الأعمال والأنشطة المتنوعة، هؤلاء حببت إليهم الأعمال
التجارية فهم منصرفون إليها، والفئة الأخرى طاب لها الاتجاه
إلى الصناعة وفنونها فهي ماضية منهمكة في هذا السبيل.. وفئة
ثالثة لاتبغي عن الفلاحة والزراعة وأعمال الأرض بديلاً.. وأخرى
تجنح إلى العلوم الكونية والاستزادة منها والتعمق فيها.. إلى
جانب فئة أعرضت عن ذلك كله واتجهت إلى الأعمال الإدارية
والخدمات السياسية. أجل.. إنه أمر ديني مشروع أن تجد الناس في
أي مجتمع من المجتمعات قد توازعتهم هذه الوظائف والأعمال
المختلفة، على أن ينطلقوا إليها بعد الالتقاء والاجتماع على
جامع مشترك فيما بينهم، وهو الاستجابة لتعاليم الله: أوامره،
نواهيه، وصاياه، والتحقق بهوياتهم عبيداً مملوكين لله، والدوام
جهد الاستطاعة على مراقبة الله عز وجل.


ـ فإذا جاء من ينكر على الناس توازعهم بين هذه الأعمال
باسم الدين، فهو من الجهالة بمكان

فإذا جاء، مع ذلك، من ينكر على الناس الانكباب على هذه الوظائف
والأعمال، بحجة أنها مشاغل دنيوية تبعد الإنسان عن اللهوتشغله
بالدنيا عن الدين، فإنه من الجهالة بمكان كما قال ابن عطاء
الله.أمْرٌ أقام الله منه نظاماً لحياة عباده، ثم ملأ بهذا
النظام أوقاتهم، ما الذي يغريك باقتلاع هذا النظام وبالاندفاع
إلى غرس وظائف وأعمال أخرى في أوقاتهم وأعمارهم التي متعهم
الله بها سوى الجهل بحكمة الله وسننه التي أقامها على الأرض في
عباده؟!

محب الحبيب علي
20 Dec 2006, 10:32 AM
ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث في الوقت غير ما
أظهره الله فيه

ـ إنما يستقي ابن عطاء الله هذه الحكمة من هدي رسول الله
ومن سيرة أصحابه

وإنما يستقي ابن عطاء الله هذا من سيرة الصحابة إذ كان رسول
الله بين ظهرانيهم، فقد كان فيهم من يشهد مع رسول الله صلاة
الفجر، حتى إذا كان وقت الضحوة الكبرى ذهب غائباً إلى أرض له
يفلحها ويزرعها وذلك هو شأنه دائماً، وكان فيهم من ينصرف بياض
نهاره إلى صناعة تعلق بها فأتقنها فكان ذلك شأنه، وكان فيهم من
يقبل على التجارة ويجدّ ويكدّ في أعمالها، وكان فيهم من ينقطع
عن الدنيا فيلازم رسول الله في كل شؤونه وتقلباته ليسمع منه
فيحفظ عنه، أو لينقطع للأذكار والعبادات في المسجد كأهل الصفة،
ولم يكن رسول الله ينكر على أيّ منهم شأنه وعمله الذي اختاره
لنفسه.إذ كان كلهم ينطلقون إلى أعمالهم المتنوعة تلك من جامع
مشترك هو أداء حقوق الله، والالتزام بما يأمرهم ويوصيهم به
رسول الله، والتشبع بمعرفة أحكام الله وشرائعه، والإكثار من
ذكر الله ومراقبته، فلاجرم أن أعمالهم المتنوعة التي كانوا
يتفرقون إليها، كانت مصبوغة هي الأخرى بصبغة الإقبال على الله
والتقرب إليه والتطلع إلى مرضاته.ولكن المشكلة تتمثل في حال من
يتجهون إلى هذه الوظائف والأعمال الدنيوية المتنوعة، دون أن
ينطلقوا إليها من هذا الجامعالمشترك الذي لابدّ منه، والذي من
شأنه أن يسبغ على الأنشطة الدنيوية معنى الدين ويسكب فيها روحه
وحقيقته.وليس حديث ابن عطاء الله في هذه الحكمة عن هؤلاء الناس
الذين استبدلوا الدنيا بالدين فحق عليهم قول الله تعالى: {
قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ
وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها
وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها
أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي
سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ } { التوبة: 9/24
} وإنما حديثه عن التنوع الذي لابدّ منه في الوظائف والأعمال
تحت سلطان الدين وحكمه، وبقصدٍ يهدف إلى مرضاة الله وتنفيذ
أمره. فهو كقوله في الحكمة الأخرى التي مرّ ذكرها: ((تنوعت
أجناس الأعمال بقدر تنوع واردات الأحوال)) .


ـ غير أن هذا التنوع الذي لابدّ منه يجب أن يكون تحت
سلطان الدين وحكمه

غير أن هذا التنوع لابدّ أن يكون مردّه إلى تنفيذ الوصية التي
خاطب بها عباده إذ قال لهم: { هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ
الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها } { هود: 11/61 }


ـ المشكلة تكمن في أن جل الذين ينصرفون إلى وظائفهم
وأعمالهم المختلفة، قد انقطعت صلتهم بالجذع الجامع لأشتات
تلك الأعمال، فغدت أنشطتهم مفصولة عن قيادة الدين وحكمه

وأعود فأقول: إن المشكلة تكمن في أن جُلَّ الذين ينصرفون إلى
وظائفهم وأعمالهم الدنيوية المختلفة قد انْبَتَّتْ حياتهم من
الجذع الجامع لكل تلك الفروع والأعمال المتنوعة، وعادت أنشطتهم
مفصولةعن قيادة الدين وحكمه، فحيل بينهم وبين الرجوع إلى أداء
ما عليهم من حقوق لله عز وجل، وأسكرتهم الدنيا التي غرقوا في
حمأتها عن الوقوف أمام مرآة الذات ليتبينوا أنهم عبيد أذلاء
مملوكون لله.. ولم تترك لهم مشاغل الدنيا أي بقية من الوقت
يجلسون فيها إلى مجلس ذكر أو حلقة علم!.. إنني أْدُعى بين
الحين والآخر إلى حفلات عقود وحفلات زفاف ونحوها.. فأستجيب
للداعين إن أتيح لي ذلك.. وأتأمل في أمر هؤلاء الذين أُلْزِمُ
نفسي بالاستجابة لدعوتهم، وجُلُّهُمْ من رجال الأعمال ومن ذوي
الأنشطة الدنيوية المتنوعة التي نتحدث عنها، فلا أكاد أذكر
أنني قد رأيت أياً منهم، في شيء من حلقات الدروس التي أقامني
الله عليها منذ سنوات!..ولكم سألت نفسي، في ألم وحزن، لماذا
يدعوني هؤلاء الناس إلى حفلاتهم وأفراحهم فأستجيب، ويدعوهم
الله إلى حلقات ذكر أو علم يقرّب إلى الله فلا يستجيبون؟!..ثم
إني أعلنت لهم هذا السؤال جهراً في كلمات ألقيتها في بعض تلك
الحفلات، قلت لهم: حفلات أفراحكم تدعونني إليها فأستجيب،
وحفلات الدروس العلمية التي تقام في المساجد، أدعوكم إليها بل
يدعوكم إليها الله عز وجل، فلاتستجيبون!!..لماذا تقتصر حلقات
الذكر والدروس العلمية والإرشادية في المساجد على فئة الشباب
الذين هم الكثرة الكبرى فيها، وعلى الطبقة الوسطى فمن دونها من
الناس، دون أن تجد فيها وجهاً لرجل أعمال.. لقائم على صناعة..
لمدير شركة.. لذي تجارة مرموقة..؟!..هذا مع العلم بأن أصحاب
هذه الوجوه أحوج إلى هذه المجالس التي تذكر بالله، وتنمي في
القلب محبة الله وتعظيمه والخوف منه، وتغذي العقل بمزيد من
المعارف والثقافة الإسلامية، أقول: إن أصحاب هذه الوجوه أحوج
إلى هذه المجالس من سائر الفئات الأخرى التي تغشى بحمد الله
هذه المجالس.ذلك لأن عواصف الأهواء والمتع والشواغل الدنيوية
إنما تتجه بأخطارها إلى هؤلاء الذين يتقلبون في غمار الدنيا
ويَسْبَحون في أغوارها، فتبتليهم أولاً بقسوة القلب، ثم تزجهم
في النسيان.. نسيان الضوابط والأحكام التي شرعها الله، ونسيان
المآل الذي لابدّ أن يصير إليه كل إنسان، ونسيان الوظيفة التي
ابتلى الله الإنسان بها، وكلفه القيام بها.ولذا فإن هذه الفئة
من الناس هي أحوجهم جميعاً إلى أن تنعش نفسها بمجالس الإيمان
وحلقات العلم والتذكرة.. إذ هي التي تجهزها بالكوابح التي
تقيها خطر الاستسلام لتلك التيارات العاصفة.. ثم هي التي
تمتعها بالجامع المشترك الذي لابدّ منه، منطلقاً إلى تلك
الأنشطة والأعمال الدنيوية المختلفة.ليس في دين الله عز وجل ما
يمنع المسلمين من أن ينشطوا في بناء المجتمع الإنساني وترسيخ
الدعائم الحضارية في جنباته، بل هذا هو واجبهم الذي خاطبهم
الله به.وهذا مانهض به الرعيل الأول في صدر الإسلام كما أوضحت
مفصلاً في أوائل كتابي (السلفية) . ولكن على أن ينطلقوا
جميعاً إلىهذه الأنشطة المتنوعة من الجامع المشترك الذي لابدّ
منه، ألا وهو الوقوف على مرآة الذات والتشبع بمعرفة الهوية
الإنسانية، ثم معرفة حق الله عز وجل على العبد والعمل الجاد
على أدائه، مع الانضباط بجميع الأوامر والوصايا التي شرف الله
بها الإنسان إذ خاطبه وكلفه بها.هذه الأنشطة الحضارية الدنيوية
المتنوعة، ومثلها الأعمال والسلوكات الدينية الكثيرة هي التي
يتحدث عنها ابن عطاء الله في حكمته هذه، عندما يقول: ((ماترك
من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث في الوقت غير ماأظهره الله
فيه)) .


- أمثلة لطائفة من المظاهر والسلوكات الدينية التي يطيل
بعض الناس ألسنتهم عليها بالنقد، وبيان خطأ هذا النقد
وخطورته

فإذا كان المنتقد للوظائف الدنيوية التي أقام الله عليها
طائفة من عباده، لم يترك من الجهل شيئاً، فما بالك بحال من
يتجه بالنقد إلى ما لا يروق له من السلوكات والأعمال
الدينية؟كثيرون هم الذين يتخذون من أمزجتهم مقاييس لما هو
مقبول وغير مقبول من المظاهر والسلوكات الدينية.. ولعل هؤلاء
هم في مقدمة من لم يتركوا من الجهل شيئاً إلا تلبسوا به وركنوا
إليه، على حدّ تعبير ابن عطاء الله.( هنالك مجالس تعقد بعد
صلاة الفجر من أيام محددة في كل أسبوع، للصلاة على سيدنا رسول
الله ، في بلدتنا هذه، دمشق.. وظيفة أقام الله عليها طائفة من
عباده الصالحين، وأَعْظِمْ بها من وظيفة.. كثيرون هم الذين
يضيقون ذرعاً بها، ويستخفّون بها عند الحديث عنها، ويجزمون بأن
لقاء فكرياً تتم فيه مناقشة إحدىمشكلات العالم الإسلامي خير
وأجدى من الوقت الذي يتبدد بما يسمّى مجالس الصلاة على رسول
الله!..وأنا واحد ممن يعلم علم اليقين أن كثيراً من المصائب
والمحن تدنو، بل تطوف بهذه البلدة، ثم إن الله يصرفها عنها
بفضل هذه المجالس وما تفيض به من خير، ومايجتمع فيها من
الصالحين.( لاتخلو مجتمعاتنا، ككثير من المجتمعات الأخرى، ممن
يسمون ((الدراويش)) لا يأبه بهم الناظر وليس فيهم ما يلفت
إليهم النظر بأي تقــدير، تبدو عليهم سمة البطالة، أطمارهم
بالية، ودرايتهم بسيطة... ما أكثر الذين يطيلون ألسنتهم في
حقهم نقداً وتجريحاً واستهزاءً!... يقول أحدهم في هياج
وازدراء: ليس في ديننا دروشة، إسلامنا إسلام عمل ونشاط ومظهر
مرتب جذاب يأخذ بالألباب.. ثم يصرّ إصراره على أن هؤلاء يرسمون
صورة شوهاء تخفي السيما الرائعة المشرقة لواقع المسلمين..
وربما استشهد في هياجه هذا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ كان
يعلو بدرّته رؤوس أناس عاطلين، أشدّاء، قد لازموا المسجد لا
يبارحونه، يقودهم إلى السوق قائلاً: قد علمتم أن السماء لا
تمطر ذهباً ولافضة.ووجه الخطأ في هذا الاستنكار أن هؤلاء
ينطلقون إلى استنكارهم من مشاعر ومواقف مزاجية، لا من تحكيم
لشرع الله وحكمه.وموازين الشرع تقول: إذا تبين أن هؤلاء الناس
يتكلفون (الدروشة) ديدناً لهم، ويؤثرون البطالة لكسل ران
عليهم أو لهوى في نفوسهم، فإنها إذن معصية يجب إنكارها والعمل
على زوالها، ومن هذا القبيل ماكان يفعله عمر.أما إن تبين أن
حالاً انتابتهم فزجتهم دون قصد ولا تكلف منهم في تيه عن الدنيا
وشؤونها، وألبستهم مظهر هذه (الدروشة) وتركتهم دون وعي منهم
لثيابهم الرثة وأطمارهم البالية، فلتعلم إذن أن هؤلاء ربما
كانوا ممن قال عنهم رسول الله : ((رُبَّ أشعثَ أغبرْ ذي
طمرين باليين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّ
قسمه)) ورد هذ الحديث بألفاظ متقاربة من رواية مسلم، وأحمد،
والحاكم، والبزار. بل أغلب الظن أنه منهم.


ـ تعليق هام عن الأبدال والأحاديث الواردة بحقهم

فإن غابت عنك الدلائل ولم تتبين من أي الفريقين هو، فحسن الظن
هو المطلوب في ميزان الشرع وحكمه، وهو مقتضى الحيطة في الأمر.
لا سيما إذا تذكرت أن في الناس أناساً هم من خلّص عباد الله،
لو أقسموا على الله لأبرّ قسمهم كما قال رسول الله، قضى الله
لحكمة أن يخفيهم عن عامة الناس بحجاب من هذه الصورة التي
تزدريها أعين المتسرعين والمزاجيين من الناس. أقامهم الله من
حياتهم وفي مجتمعاتهم على وظائف ذات أهمية كبرى، لايعلمها إلا
الله ومن هم على شاكلتهم من الصالحين من أصحاب هذه الوظائف
الأبدال، والأحاديث الواردة في حقهم كثيرة جد وذات طرق متعددة،
وأسانيد أكثره صحيحة أذكر منها:. مارواه الإمام أحمد من حديث
عبادة بن الصامت مرفوعاً: ((الأبدال في هذه الأمة ثلاثون
رجلاً، قلوبهم على قلب إبراهيم خليل الرحمن، كلم مات رجل أبدل
الله مكانه رجل غيره)).. مارواه الطبراني عن عبادة بن الصامت
أيض مرفوع بلفظ: ((الأبدال في أمتي ثلاثون بهم تقوم الأرض،
وبهم تمطرون، وبهم تنصرون)).. مارواه الطبراني من حديث عوف بن
مالك مرفوع بلفظ: ((الأبدال في أهل الشام بهم ينصرون وبهم
يرزقون)).. مارواه الإمام أحمد من حديث علي رضي الله عنه
مرفوعاً: ((الأبدال بالشام وهم أربعون رجل كلم مات رجل أبدل
الله مكانه رجلاً، يسقى بهم الغيث، ويُنتصر بهم على الأعداء
ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب)). .وأقول لمن يكثر من
الاستشهاد بعمل عمر بن الخطاب، لتأييد موقفه المزاجي: كن في
الإشراف على حال المسلمين والاطلاع على أحوالهم ودخائلهم مثل
عمر الذي كان يعلم عوامل الكسل والبطالة من حال أولئك الذين
كان ينتهرهم ويقودهم إلى السوق، ثم لك أن تقلده وتسلك مسلكه في
ذلك.أما أن تتخذ موقفه في حق من لا تعلم شيئاً عن أحوالهم
ودخائل أمورهم، فهو لا يتفق مع ميزان الشرع، ومن ثم فإن عمر
بريء إلى الله منه. * * * وصفوة القول إن عليك أن تعلم أن الله
تعالى أقام عباده على وظائف قسمهم بينها أو قسمها بينهم. فيها
ما هو بيّن معلوم، وفيها ما هو خفي وغير مفهوم.وظيفتك تجاهها
أن ترعى الشرع وأحكامه، فإن لم تجد بعد التبصر ودقة النظر، ما
يخالف متفقاً عليه من مبادئ الشرع وأحكامه، فألجم فمك عن قالة
السوء بحق عباد الله مهما استغربت أحوالهم وعجزت عن فهم
شؤونهم، ووجّه فؤادك إلى حسن الظن بهم، فذاك هو الأمثل والأليق
بواجب الأدب مع عباد الله.واعلم أن في عباد الله الصالحين من
أخضعهم الله لأحوال لاخيار لهم تجاهها ولاسبيل أمامهم للتخلص
منها.. فسلّم إليهم أحوالهم، دون أن تلزم نفسك بما لم يلزمك
الله به من ذلك.قلت مرة لواحد من أصحاب هذه الأحوال، وقد رأيت
الكثير من دلائل صلاحه وصدقه: ادع الله لي أن أكون مثلك، فقال
لي: وماحاجتك إلى ذلك، إن الناس عندئذ لن يستفيدوا ولن يفهموا
منك شيئاً.فتأمل في معنى كلامه هذا، إنه يقول لي: لكل منا
وظيفة أقامه الله عليها، أما أنا فوظيفتي ما ترى من الحال التي
أنا فيها، وأما أنت فوظيفتك أن تخاطب الناس وتحاورهم بما علمك
الله. * * *

محب الحبيب علي
20 Dec 2006, 10:37 AM
الحكمة الثامنة عشرة


إحالتك الأعمال على وجود الفراغ؛ من رعونات النفس

ـ معنى هذه الحكمة واضح ودلائل صدقها بدهية، ومع ذلك فهي
تظل غائبة عن كثير من الأذهان

أولاً: يجب أن نعلم أن ((الأعمال)) التي يعنيها ابن عطاء
الله هنا هي الوظائف والأوامر الدينية.ثانياً: إن المعنى الذي
تتضمنه هذه الحكمة معروف ومألوف، غير أنه يغيب مع ذلك عن كثير
من الأذهان، لدى التوجه إلى الوظائف والأعمال الدينية. ومن ثم
فقد كان هذا المعنى بحاجة إلى دراسة وشرح كما أن الناس بحاجة
إلى التنبيه إلى أهمية هذا المعنى، وإلى خطورة الإعراض عنه
والاستهانة به. ونبدأ ببيان ذلك بشيء من التفصيل:


ـ أمثلة لصور تسويف الأعمال عن مواقيتها من واقع
مجتمعاتنا اليوم

يقول أحدهم، وقد انهمك في مشروعه التجاري، لمن يذكِّره بأوامر
الله، والارتباط بمجلس من مجالس العلم، أو التقيد بمنهاج دراسي
خفيف يتعلم من خلاله عقائد الإسلام وأحكامه، يقول له:إنني قد
وضعت هذا الذي تقول في برنامج أعمالي، وأدرجته في سلّم وظائفي،
لكنني أنتظر الفراغ من مشروعي التجاري هذا الذي ملك عليّ سائر
أوقاتي.. إنني مضطر أن أوليه الآن كل وقتي وجهدي لأنني إن لم
أفعل ذلك، فلسوف تفوتني الفرصة بدون ريب؟..وتقول لأحدهم: إن
الله قد أكرمك بالمال الوفير، ومتعك ببحبوحة من العيش، فهلاّ
عدت بشيء من فضول أموالك إلى هؤلاء المحتاجين الذين من حولك.
فيجيب: ومن قال لك إني ذاهل عنهم أو أنني ناسٍ لواجبي تجاههم؟
إنني قد قررت، إذا نجح مشروعي التجاري هذا الذي أنا منهمك فيه
الآن، بناء مستوصف للفقراء، بناء مشفى، سأعود بعشرين في المئة
من ريع مشروعي هذا إلى الأسر الفقيرة لاسيما الشباب المحتاجين
إلى الزواج.. سأفعل.. وسأتصدق.. أَنْظِرْني فقط إلى ظهور نتائج
المشروع!..وتتجه إلى طائفة الموظفين، وذوي الرتب العسكرية في
القطعات والمعسكرات، فتذكرهم بحقوق الله عز وجل، والوظيفة
العظمى التي خلق الله الإنسان من أجلها، وسخر له ما في
السماوات والأرض خادماً له على طريق أدائها، من الإقبال على
معرفة العقائد الإيمانية أولاً، والالتزام بأوامر الله
السلوكية ثانياً، فيقول لك أحدهم، وهو يشعرك بأنه يتبوأ وظيفة
حساسة، تتجه إليها أنظار الرقباء:بيني وبين الوصول إلى التقاعد
خمس سنوات، ولا أخفيك أنني سأتجه فور تقاعدي حاجاً إلى بيت
الله الحرام، ولسوف تجدني بعد ذلك في أول صف في المسجد عند كل
صلاة. ولا أخفيك أنني شديد الرغبة في دراسة القرآن والعكوف على
فهمه وتفسيره.. سأضع منهاجاً لدراسة الإسلام وأحكامه.فإن قلت
له: فما الذي يمنعك من أن تباشر ذلك من الآن؟ حدّق في عينيك
مشيراً، ثم مصرحاً إن لم تفهم، بأنه يمارس وظيفة حساسة ويتبوأ
مركزاً يلفت الأنظار. * * *


ـ علاج هذه المشكلة أن يتذكر الإنسان الوظيفة التي خلقه
الله لأدائها

ما الذي يقال لهؤلاء المستعجلين في أمور معاشهم التي ضمنها
الله لهم، والمسوّفين لواجباتهم الربانية التي كلفهم الله
بها؟نقول ما قاله ابن عطاء الله: إنها رعونة من رعونات
النفس. نبدأ فنسأله قبل أن نواجهه بهذه الحقيقة: ما المهمة
التي خلقك الله من أجلها؟ لعله لا يعلم الجواب، ولعله لم يصغِ
في يوم من الأيام إلى حديث الله عن مهمة الإنسان ووظيفته التي
خلق من أجلها، إذن نضعه أمام قول الله تعالى: { وَما خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ، ما أُرِيدُ
مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } {
الذاريات: 51/56-57 } إذن فالمطلوب من الإنسان الذي قضى الله
أن يكون له نصيب من الحياة فوق هذه الأرض، أن يعرف ربه من خلال
معرفته لنفسه عبداً مملوكاً له، ثم أن يصغي إلى الوصايا
والأوامر والنواهي التي خاطبه الله بها، فينهض بها وينفذها على
الوجه المطلوب.ثم إن الله ضمن للإنسان في مقابل ذلك حاجاته
وأسباب طمأنينته ورغد عيشه وسخر لمصلحته سائر المكونات التي
حوله، كما قد قال له ممثَّلاً في شخص آدم عليه السلام إذ خاطبه
وهو في الجنة بما حكاه لنا في محكم كتابه: { إِنَّ لَكَ أَلاّ
تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرَى ، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها
وَلا تَضْحَى } { طه: 20/118-119 }

محب الحبيب علي
20 Dec 2006, 10:38 AM
إحالتك الأعمال على وجود الفراغ؛ من رعونات النفس

ـ مثال يقرب إليك فهم هذه الحقيقة

وإليك هذا المثال الذي يقرب إليك هذه الحقيقة، وما أكثر الناس
التائهين عنها:موظف أرسله رئيس الدولة إلى بلدة في دولة نائية،
ليقوم بمهمة محدودة كلَّفه بها. من الطبيعي أن يكلَّف سفير هذه
الدولة باستقباله لدى وصوله إلى تلك البلدة، وأن تهيّأ له فيها
إقامة كريمة، وأن توفّر له أسباب الراحة على اختلافها، إلى
جانب العلاوات المالية التي تقدم إليه.ليس في الناس من يجهل أن
الرجل إنما أوفد إلى تلك البلدة النائية ليستجيب لما قد كلفه
به رئيس الدولة من القيام بالمهمة التي أوضحها له، على خير
وجه، فتلك هي وظيفته التي يجب أن ينفق في سبيلها وقته طوال
غيابه في ذلك المكان، وإنما توفر له ماتوفر من المال وأسباب
الراحة والنعيم هناك، ليكون كله مسخراً وخادماً على طريق
إنجازه للمهمة التي أوفد من أجلها.فماذا تقول فيمن ركن إلى ذلك
النعيم وأسبابه، وعانق تلك المتع واستنفد وقته كله في اعتصارها
والتلذذ بها، ناسياً أو متناسياً الوظيفة التي أوفد إلى تلك
الديار من أجلها، أو مسوفاً لواجباته تجاهها ريثما يروي ظمأه
أو يشبع نهمه من أسباب النعيم التي أحيطت به؟!..أقل مايقال عنه
في ذلك إنه قد خان سيده ورئيسه فيما قد كلف به، وأنه استسلم
لرعونات نفسه.ألا فلتعلم أنها هي ذاتها قصة الإنسان الذي أوفد
إلى هذه الحياة الدنيا لمهمة قدسية أنبأه الله بها وشرحها له
في خطابه الذي شرفهوكلمه به، ولكنه أعرض عنها ونسيها أو
تناساها، واتجه بدلاً عنها إلى الدنيا التي سخرها الله له على
طريق السير إلى أداء مهمته، فركن إليها، واستمتع بها، ورقص على
إيقاعاتها، ونسي سيّده وأوامره، وفضله وإكرامه. التقط المغانم
فعانقها، وأعرض عن المغارم والواجبات فنسيها أو استخف
بها!!..وفي أحسن الأحوال، يَعِدُ من يذكِّره بالوظائف التي
يلاحقه الله بها في هذه الحياة، بأنه سيلتفت إليها ويهتم بها
عندما يذوي شبابه وتتراجع غرائزه وتنطفئ جذوة نشاطه وتنكسر
حدّة نهمه وإقباله، فيعاف بقايا لذائذه ونعيمه، ويمضي ثمالة
عمره مقوس الظهر، معتمداً على عكاز، عندئذ سيقبل على الله،
ويعطيه من نفسه ومن إمكاناته ماقد طلبه منه!!..فهل بوسعك أن
تتصور للحظة واحدة أن هذا هو شأن العبد المملوك مع ربه المالك؟
أم هل تتصور أن هذا هو شأن الإنسان الوفيّ مع سيده المنعم
المتكرم المتفضل؟!..


ـ تحليل أسباب هذه الرعونة وبيان علاجها

أما الآن، فإليك تحليل هذه الرعونة التي يقع فيها هذا الشخص
وأمثاله، من خلال بيان أبعادها التالية: أولاً: من أين لهذا
الإنسان أنه سيعيش إلى أن يفرغ من مشاريعه التجارية، أو من
أحلامه التوسعية، أو إلى أن يتقاعد من وظيفته؟ ومن الذي أخبره،
فصدّقه، أنه سيعيش إلى الأمد الذي يحلم به، وأن الموت لن
يتخطفه بعد أيام أو بعد أسابيع؟وأنت تعلم أن الله قضى بالموت
على كل حيّ وأكد للإنسان أنه لن يتخلص من عادية الموت مهما
أمكنته الحيل ومهما تمكن من ناصية العلم واستكثر من نتائج
قدراته، ولحكمة باهرة عظيمة أخفى عنه ميقات قضائه هذا، فليس في
الناس كلهم من يعلم أين يقف من الطابور الممتد أمام باب الموت،
أهو يقف في أوله أم في آخره، أم فيما بين طرفيه!..وكم من إنسان
مدّ جسوراً من الآمال بينه وبين ظلمات الغيب الذي هو مقبل
عليه، فلم يتح له أن يقطف من آماله تلك إلا الحسرة والأسى، فقد
كان الموت المخبوء وراء أذنه أسرع إليه من آماله التي كان
ينسجها. وحاق به قول الله عز وجل: { يا أَيُّها الإِنْسانُ
إِنَّكَ كادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ } {
الانشقاق: 84/6 } ثانياً: لماذا يجعل هذا الإنسان التسويف من
نصيب واجباته الأساسية التي خلقه الله من أجلها، ولايجعله من
نصيب أنشطته الدنيوية ورغباته المعيشية التي ضمنها الله تعالى
له؟..لماذا يلهث وراء مجموعة أعمال ويتجه إلى عدة مشاريع في آن
واحد يمزق وقته بينها ويقضي على راحته في سبيلها كلها، فإذا
جاء من ينصحه بأن يريح نفسه وأن لا يجمع على كيانه ركاماً من
المشاريع والوظائف والمهام في وقت واحد، أجاب قائلاً: الواجبات
المعيشية أو التجارية كثيرة، وكل منها مرهون بوقته، فإن هو أخر
واحداً منها ريثما ينجز الذي قبله فاتته الفرصة وخسر
الصفقة!..فإن قلت له: ففيم الحرص على الاستئثار بكل هذه
المشاريع أو الصفقات، وهلا اكتفيت بما قد يغنيك منها؟ أجابك
بدرس طويليعلمك من خلاله الطموح الذي لا يقف عند حدّ، ولا يعرف
ما يسمى بمقياس الحاجة أو مقومات العيش الكريم.قل له: ما الذي
ذكّرك بهذا الطموح الذي تعتزّ به وتعلمنا إياه، عندما تكون
بصدد ما قد ضمنه الله لك من أمور معاشك ودنياك، وما الذي أنساك
هذا الطموح ذاته، وزجك في نقيضه من الكسل والإهمال، عندما تجد
من يذكرك بالوظيفة التي طلبها الله منك وخلقك من أجلها؟ثم
ذكّره بحكمة أخرى لابن عطاء الله، يقول فيها: ((اجتهادك فيما
ضُمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك، دليل على انطماس البصيرة
منك)) . ثالثاً: إن الوظائف الدينية التي كلف الله الإنسان
بها، ذات هدف معروف ومكرر في كتاب الله تعالى، ألا وهو التربية
وتزكية النفس، ودور هذا الهدف يتمثل في تقيد الأنشطة والأعمال
الدنيوية من تجارة وصناعة وزراعة، ووظائف أياً كانت، بقيود
الأخلاق لكي تبعدها عن سبل الغش والخداع والختل والمكر
بالآخرين.

محب الحبيب علي
20 Dec 2006, 10:39 AM
إحالتك الأعمال على وجود الفراغ؛ من رعونات النفس

ـ لابدّ من مزج الوظائف الدينية مع الأنشطة والأعمال
الدنيوية حتى يحقق كل منهما الغاية المطلوبة

وهذا يتوقف على أن يتمازج النشاط الدنيوي بأشكاله وأنواعه
المختلفة بالوظائف الدينية التي تربي الفرد وتزكي النفس... إذ
يغدو الالتزام بالوظائف والأوامر الدينية رقيباً على استقامة
السلوك بصدد الأنشطة والالتزامات الدنيوية على اختلافها،
فيتسامى كل من التاجر والصانع والزارع والعامل والموظف
والعسكري، عن الخيانة والخداع والدجل في المعاملة، ويتفانى
العامل والموظف والعسكري ورجل الأمن صدقاً وإخلاصاً في أداء
المهمة.أجل.. إن هذا الاشتباك المتمازج بين الدين والدنيا، هو
الذي ييسر للدين أن يحقق مهمته في حياة الفرد والمجتمع، وهو
الذي يبرز للدنيا وجهها الحضاري والإنساني المسعد الصحيح.


ـ غير أن المشكلة تكمن في إصرار الكثيرين على فك هذا
الاشتباك

أمّا ما يعمد إليه هؤلاء الذين يصرّون على أن يفكوا الاشتباك
بين الأعمال والأنشطة الدنيوية من جانب، والوظائف والواجبات
الدينية من جانب آخر، بحيث تسير أعمالهم ووظائفهم الدنيوية
بعيدة ومتحررة عن سلطان الدين وقيوده، وبحيث يتم إرجاء
الواجبات الدينية، إلى مابعد الفراغ، بل إلى مابعد الشبع من
المتع والرغائب الدنيوية، فهذا تعطيل خطير لوظيفة الدين في
حياة الإنسان، وإقصاء له عن مناخه الاجتماعي الذي يجب أن يوجد
وأن تظهر فاعليته فيه، وإنه لغباء ثقيل وممجوج في جهل مهمة
الدين وحكمته في حياة الإنسان، أو هو عبث مقصود يراد منه إطلاق
أيدي الماكرين والخادعين المدجلين بحقوق الناس، وبالمصالح
الشخصية والاجتماعية، دونما ضابط أو رقيب.وإلاّ فمن الذي يعلم
أن الطعام لابدّ في إعداده من ملح أو سمن يصلحه، ثم يعدّ
الطعام ويطبخه مع ذلك دون ملح ولا سمن، فيقدم الطعام للآكلين
في طبق، ويقدم كلاً من الملح والسمن في طبق آخر، ويدعوهم إلى
أن يبدؤوا فيأكلوا الطعام كما قد حضّره أولاً، ثم يتحولوا إلى
تناول الملح والسمن ثانياً.إن الذي يرجئ عمل الدين ووظيفته إلى
مابعد فراغ الناس من أنشطتهم وأعمالهم الدنيوية المتنوعة
ووظائفهم الاجتماعية والسياسيةالمتفاوتة، حيث التقاعد بعد
الجهد والعمل، وتوديعُ الحياة من خلال التعامل مع أيامها
القليلة الباقية، إنما يقصي الدين بذلك عن وظيفته التي أقامه
الله عليها، كما يقصي ذلك الأحمق ملح الطعام عن وظيفته التي
أعدّ لها. * * * وأخيراً، وبالإضافة إلى هذا كله، يجب أن يعلم
كل منا أن جهده كله، بكل ما يتنوع ويتفرع إليه، مِلْكٌ لله عز
وجل، كما أن ذاته وكيانه ملك له. فليس في أنشطته وأعماله ما هو
عائد إلى الله، وما هو عائد إليه هو كما قد يتوهم بعض
الناس...إن هذا الوهم يتناقض تناقضاً حادّاً مع الخطاب الذي
علّمنا وأمرنا الله أن نتوجه به إليه في فاتحة كل صلاة: ((إن
صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)) .إذن فجهودي
التجارية والصناعية والزراعية والوظيفية والسياسية، يجب أن
أمارس من خلالها عبوديتي لله عز وجل. أي يجب عليّ أن أنهض بها
أو بما أقامني الله منها، استجابة لأمره الذي وجهه إليّ عندما
كلفني وبني جنسي بعمارة الأرض التي أقامنا الله عليها، على
الوجه وبالطريقة التي رسمها لنا وقيدنا بها. وكم يجدر بنا أن
نتبين هذه الوظيفة من خلال قوله عن ذاته العلية في حقنا: {
هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها } {
هود: 11/61 } فاعجب لمن يحاول أن يقسم مملكة الله بينه وبين
نفسه، يقتطع منها لنفسه حصة يزعم أن لا حقّ لله فيها، ويحيل
الأخرى إلى الله يزعم أنها هي وحده ملكه وحقه، فإذا ناقشه في
ذلك باحث، حاول أن يسكته مستشهداً بالمقولة الذائعة: ((أعط ما
لقيصر لقيصر، وما لله لله)) وكأنه لا يعلم أن قيصر من حيث هو،
بقضّه وقضيضه، ليس إلا ملكاً لله!..لقد بحثت عن كلمة
((المِلْكِ)) هل نسبها الله إلى الإنسان في آية مّا من قرآنه
بالنسبة لأيٍّ مما قد يضع يده عليه، فلم أجد.. وإنما وجدته
يقول: { وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ
} { الحديد: 57/7 } فمن أدرك اليوم هذه الحقيقة البدهية، فذاك،
وقد أحرز بذلك الخير لنفسه، ومن لم يدركها، فلسوف تتبيّن له
بكل جلاء ووضوح عندما يقع في سياق الموت ويجد نفسه راحلاً إلى
الله مجرداً عن كل ماكان يتوهم أنه شريك مع الله في امتلاكه
وفي حق استعماله كما يريد. * * *

محب الحبيب علي
16 Jan 2007, 09:04 AM
الحكمة التاسعة عشرة



لاتطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو
أرادك لاستعملك من دون إخراج

ـ عرض أمثلة حية لبيان معنى هذه الحكمة

( نظرتَ، فوجدتَ أن كلاً من ظروفك ووضعك ومستواك الدراسي وجّهك
إلى كلية الطب، وتأملت فوجدت أن طريقك في هذه الكلية إلى دراسة
الطب، صاف عن شوائب الحرمة، بعيد عن مطارح السوء، ولكنك عدت
إلى نفسك فشعرت أنك ميال إلى أن تتحول إلى دراسة الهندسة
متأملاً أن يكون لك حظ من خلال هذا الاختصاص في بناء المساجد
والمعاهد ونحوها، أو إلى دراسة الشريعة في كلية الشريعة، لتكون
بذلك أقرب إلى معرفة الإسلام وأحكامه وإلى خدمة دين الله
والدعوة إليه... يقول لك ابن عطاء الله، لاتتكلف التحول مما
اختاره الله لك من العمل المباح بدون تكلف، متأملاً أن يستعملك
الله فيما هو أرضى له، من خلال التحول إلى العمل الثاني الذي
تتوق نفسك إليه، ذلك لأن الله قادر على أن يستعملك فيما يزيدك
قرباً إليه، ويزيده رضاً عنك، دون أن تتحول عن العمل الذي
أقامك فيه. إذا أحبك الله عز وجل فما أيسر أن يستعملك في أجلّ
القربات التي يحبها من خلال اختصاصك الذي ساقتك ظروفك إليه..
يعلمك دينه وشريعته وأنت جالس على مقاعد كلية الطب، يستخدمك في
عمارة مساجده ورعاية معاهده، وأنت تستقبل المرضى في عيادتك.
هذا فضلاً عن القربات الجليلة التي ستحظى بها من خلال اهتمامك
بعافية الناس وسهرك على تطبيبهم.( أقامك الله عز وجل، ضمن ظروف
وأسباب أحاطت بك، على صناعة أسستها ومضيت في بناء مقوماتها،
وتأملت فوجدت أنها لا تزجك في معصية ولا تحملك على أي سوء،
ولكنك تتبعت حال جنود يقومون على الثغور ويحرسون الأمة وحقوقها
من العدو المتربص بها والطامع فيها، وعدت إلى ما قد وعد الله
به المجاهدين والقائمين على الثغور من المثوبة العظمى والأجر
الكبير الذي أكده الله لهم في كثير من نصوص كتابه، فاستهواك
هذا الجهاد المبرور، واتجهت إلى الله تطلب منه أن ينقلك عما
أقامك فيه، ليستعملك في ذلك العمل الثاني، الذي وعد من الأجر
الكبير عليه ما وعد.... يقول لك ابن عطاء الله: لا، إياك أن
تطلب منه ذلك، فليس عسيراً عليه أن يستعملك فيما يكسبك الأجر
ذاته، دون أن يخرجك من عملك الذي أقامك فيه.( نظرَتِ الزوجةُ
الماضيةُ في نسج أسباب السعادة لزوجها، وفي العمل على تربية
أولادها وتنشئتهم نشأة صالحة، إلى أتراب وصديقات لها ينشطن في
أعمال الدعوة الإسلامية والاستزادة من الثقافة والمعارف
الإسلامية، فتمنت على الله أن ييسر لها سبيل انتقال مما هي
فيه، إلى هذا الجهاد الدعوي والنشاط العلمي، لتنال الأجر الذي
وعد به أرباب الدعوة إلى دين الله.. يقول لها ابن عطاء الله:
لاتتمنَيْ على الله خلاف ما أقامك فيه. إن كنت تبحثين في هذا
عن حظ يروق لنفسك فلن ينالك على ذلك أي أجر، وإن كنت تتلهفين
للمثوبة، فإن الله قادر على أن يكرمك بها وأنت تعكفين على هذا
الذي أقامك الله فيه.

محب الحبيب علي
16 Jan 2007, 09:06 AM
لاتطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو
أرادك لاستعملك من دون إخراج

ـ مصدر الخطأ فيمن يخالفون هذه الحكمة عدة أمور

ومصدر الخطأ في هذه الرغبة وأمثالها، عدة أمور:


ـ الأمر الأول ما يتخيله البعض من أن المثوبة منوطة آلياً
بسبب مادي. مع أن الأمر ليس كذلك

الأمر الأول: أن صاحب هذه الرغبة يخيل إليه أن المثوبة منوطة
آليّاً بسبب مادي، فما لم يتحقق هذا المناط لا تأتي المثوبة أو
الأجر.. يخيل إليه أن التعامل بالشريعة الإسلامية دراسة
وتدريساً ودعوة إليها مصدر لأجر كبير، وأن الارتباط بينهما
مادي وطبيعي، ومن ثم فإن هذا الأجر لا يتأتى إلا بالتوجه إلى
هذا العمل حصراً.غير أن الحقيقة ليست كذلك. فالمؤجر والمثيب في
كل الأحوال وعلى كل الأمور هو الله عز وجل، فهو الذي أناط
إكرامه ومثوبته بما قد أناطهما به من أنشطة وأعمال، هذا إلى
جانب ما يجب أن تعلمه من أن الله لا يحتاج إلى من يسخره لأداء
عمل ذي فائدة دينية أو اجتماعية أو اقتصادية مثلاً. فالموفق
والمعين في كل ذلك هو الله عز وجل، ولكنه عز وجل قضى لطفاً منه
ورحمة أن يثيب عباده بعضهم ببعض، يسخر هذا لمصلحة ذاك أو
لمصلحة المجموعة فيؤجره على هذا الذي سخره له، فهو المعين وهو
المؤجر على ما قد أعان عليه، فالله عز وجل مثلاً هو الشافي كما
قد حكى الله عز وجل عن خليله إبراهيم: { وَإِذا مَرِضْتُ
فَهُوَ يَشْفِينِ } { الشعراء: 26/80 } ولكنه مع ذلك يؤجر
الطبيب الذي يسعى متلهفاً للعمل على شفاء مريضه، وكم قلنا في
المناسبات: الله هو الشافي، والأطباء هم الذين يأخذون الأجر من
الناس والثواب من الله.


ـ الأمر الثاني ما يغيب عن بال الكثيرين من أن المصالح
التي تدور عليها أحكام الشريعة كثيرة ومتنوعة جداً

الأمر الثاني: أن المصالح التي تدور أحكام الشريعة الإسلامية
عليها كثيرة ومتنوعة جداً، وأكاد أقول: ليس فيها ما هو أجلَّ
وأبعث على المثوبة والأجر من الآخر، إن صفا القصد وخلصت النية
لله عز وجل.وأساس ذلك أن المصالح التي بها تقوم حياة الأفراد
والمجتمعات كثيرة ومتنوعة كما قلنا، والدين الحق إنما يتمثل
(بعد توفر الاعتقاد الصحيح) في العكوف على خدمة الأمة من خلال
رعاية هذه المصالح.ونظراً إلى أن الشخص الواحد لا يتأتّى له أن
ينهض برعاية سائر تلك المصالح، فقد كان من حكمة الله ولطفه أن
يسّر كلاً من عباده الصالحين لخدمة مصلحة من مصالح الأمة، وإنك
لتنظر فتجد أنه عز وجل قد وزع مسؤوليات الأمة فيما بين عباده
طبقاً للقدرات والرغبات المتنوعة التي قسمها بينهم.وإنما الشرط
الوحيد عندئذ ليتساوى الجميع في نيل المثوبة الربانية والحصول
على رضا الله عز وجـل، أن تكون نياتهم خالصة لوجهه عز وجل، وأن
لا تكون لأهوائهم ومصالحهم الدنيوية ورعوناتهم النفسية أي مدخل
إلى أعمالهم وخدماتهم تلك.فإذا تبينت هذه الحقيقة، لم يبق معنى
ديني موجب لتطلع إنسان أقامه الله على خدمة المجتمع من خلال
واحدة من مصالحه الكثيرة، إلى التحول من عمله الذي أقامه الله
فيه إلى عمل آخر، وإذا كان حافزه إلى ذلك، التطلع إلى مزيد من
المثوبة يتخيله في الانتقال إلى العمل الآخر، فإن الله قادر
على أن يكرمه بذلك المزيد دون أن يتحول عن عمله ذاك، بل ذلك هو
المأمول من كرم الله وإحسانه.


ـ الأمر الثالث ما يغيب عن أفكار الكثيرين من الانتقال من
مجال اختصاص إلى غيره ليس شرطاً لابدّ منه للجمع بين
وظيفتين أو مصلحتين في خدمة الأمة

الأمر الثالث: إن الانتقال المادي من مجال اختصاص إلى مجال
اختصاص آخر، ليس شرطاً لابــدّ منه للجمع بين وظيفتين أو
مصلحتين في خدمة الأمة والمجتمع.إن المخلص في عمله لله لا
يحتاج لتحقيق هذا الهدف إلى أن يعرض عن المجال الذي هو فيه إلى
المجال الآخر، بل بوسعه أن يجمع بين خدمات شتى وهو في موقعه
ذاك لم يتحول عنه.أرأيت إلى من شاء الله أن ييسر له دراسة الطب
والالتحاق بكليته، إن بوسعه، إن هو رغب في خدمة دين الله عن
طريق دراسة شريعته والتبصر الواسع بأحكامها، أن يفعل ذلك دون
أن يتحول من موقعه الذي هو فيه إلى كلية الشريعة ويلازم
مقاعدها بشكل رسمي.إن سبيله إلى هذه الخدمة الأخرى ميسر
ومفتوح، أينما كان وفي أي موقع وجد، وذو الحرقة على دراسة دين
الله والتوسع في معارفه، يتنقل كما تتنقل النحلة التواقة إلى
الرحيق، من حلقة إلى أخرى ومن درس إلى غيره، في المعاهد
الرسمية وفي الحلقات المسجدية والدروس الخاصة، دون أن يتحول من
اختصاصه الذي يسّره الله له وأقامه فيه. بل إن هذا هو شأن
المخلص لوجه الله، لا يهمه المعهد الذي ينتمي الناس إليه، ولا
الشهادة التي يعودون بها، وإنما يهمه أن ينهل من العلوم
والمعارف الدينية التي فيه. وهذا معنى قول ابن عطاء الله: فلو
شاء لاستعملك من دون إخراج.وقد ضربت لك في بيان هذا الأمر،
مثال الطالب في كلية الطب عندما يتوق إلى خدمة الدين من خلال
دراسة الشريعة، فقس أنت عليه سائر الاختصاصات والخدمات
الإسلامية الأخرى. الأمر الرابع والأخير: النية!!.. لا تنس أن
نيّة المرء هي مصدر المثوبة إن صلحت وَصَفَتْ عن الشوائب
وتوجهت بصاحبها إلى مقصد واحدهو مرضاة الله. وهي السبب في ضياع
الجهد وغياب المثوبة والأجر، عندما تتجه بصاحبها إلى غاية من
الغايات الدنيوية الأخرى، وما أكثرها، وما أخطرها على عمل
المسلم وجهوده التي يضني نفسه في بذلها.فإذا عرفت ذلك، فإنك لن
تتعلق بمظاهر الأعمال وصورها، ولن تربط المثوبة بأنواع
الأعمال، وما قد يبدو لك من تفاوتها في الأهمية وفي ما قد
تحققه من خير. بل ستتجه بالاهتمام والتمحيص إلى النية التي
تدفعك إلى هذه الأعمال أياً كانت.

محب الحبيب علي
16 Jan 2007, 09:07 AM
لاتطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو
أرادك لاستعملك من دون إخراج

ـ مثال على ذلك: الفرية التي نسبت إلى عبد الله بن
المبارك، إذ أنكر على الفضيل بن عياض العمل الذي أقامه
الله فيه

والآن، أفيساورك شك في أن يكون واحد كالعالم الرباني عبد الله
ابن المبارك، جاهلاً بهذه الحكمة التي تبينت لك وتجلى لك
موقعها في حقيقة هذا الدين ومنهجه التربوي والاجتماعي القويم،
فيحمله جهله بها على أن يرسل إلى الفضيل بن عياض -فيما زعموا-
أبياتاً يقرّعه فيها على موقعه الذي أقامه الله فيه، متعبداً
متبتلاً في مكة، ويسخر من ركعاته وعباداته هناك، ويدعوه إلى
الخروج مما هو فيه والالتحاق به في موقعه الجهادي، ليراه كيف
يبارز علوج الشرك والطغيان، وليبصره وقد تخضّب نحره بدمه،
فتهونَ في عينيه مدامع خشوعه التي يتخضب بها وجهه!!..أجل.. فقد
نسبوا إلى عبد الله بن المبارك زوراً وبهتاناً هذا التقريع
الساخر من الفضيل وهذا الطلب الملحّ بأن يقتلع نفسه من الحال
التي أقامه الله فيها ويتحول إلى موقعه هو الذي يتباهى عليه
به، وذلك في أبيات ركيكة ألصقت به دون أي سند، يبرأ شعر ابن
المبارك إلى الله منها، أولها: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك بالعبادة تلعب وهل تعلم من هو فضيل بن عياض؟ هو
ذاك الذي كان قلب ابن المبارك فياضاً بحبه وتعظيمه وتبجيله،
كان يقول عنه: ((إذا نظرتُ إلى فضيل بن عياض جدّد فيَّ الحزن،
ومقتُّ نفسي)) ويقول عنه: ((مابقي على ظهر الأرض أفضل من
فضيل ابن عياض)) ولقد كان من أشد الناس خوفاً من الله. وهل
تعلم من هو عبد الله بن المبارك؟ هو ذاك الذي سئل عن رجلين،
أحدهما قتل في سبيل الله، والآخر أشدّ خوفاً من الله، فقال:
أحبّهما إليّ أخوفهما.. وهو الذي سأله بعض إخوانه -وكانوا على
ثغر من ثغور القتال يتذاكرون مسائل العلم- أترى يا أبا عبد
الرحمن أن في أعمال البرّ ما هو أرضى لله مما نحن فيه؟ قال:
نعم... رجل يسعى على عياله، قام من جوف الليل يتفقد حال صبيته
ويطمئن إلى راحتهم وأغطيتهم.أفيمكن أن تستبقي معشار عقلك ثم
تصدق أن عبد الله بن المبارك هذا والذي قال عن الفضيل ما قد
سمعت، يوجّه إليه أبيات تقريعٍ وسخرية من عباداته، ويتباهى
عليه بما هو فيه، ويدعوه إلى أن يأتي فيرى نحره المخضب بدمائه،
مع العلم بأن نحره لم يخضب يوماً ما بدمه؟!..ولعلك تعود إلى
كتابي (شخصيات استوقفتني) ص67 فيما بعد، لتقف على الأدلة
الناطقة ببراءة عبد الله بن المبارك من هذا الهراء وفي مقدمتها
عدم وجود أيّ سند لنسبة هذه الأبيات إليه.أخيراً، لا تنسَ أن
ابن عطاء الله إنما يتحدث عن الأعمال المباحة، بل الأعمال
الصالحة، التي أقام الله عباده فيها، فهي التي ينطبق عليها
المبدأ الذي يوصي به ابن عطاء الله.أما العمل الذي لا مبرر له
في ميزان الشرع، مما قد يجد المسلم أنه متورط فيه، فإن الخروج
من هذا العمل واجب، بل الدخول فيه والركون إليه محرّم.ولسنا
الآن بصدد تحديد الأعمال المحرمة وبيان أصنافها، فالبحث في ذلك
يحتاج إلى بيان طويل الذيل.إنما المهم أن تعلم بأن على المسلم
أن يتعرف على الوظائف والأعمال التي تساق إليه، أو يدفع إليها،
وأن يتبين حكم الله تعالى في الإقدام عليها، فإن علم أنها
داخلة في صنف المحرمات فليتجنبها، ولا يقولن إن الله قد أقامني
في هذا العمل وليتذكر قول الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا
يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا
تَعْلَمُونَ } { الأعراف: 7/28 } والله الموفق والهادي إلى
سواء صراطه المستقيم. * * *

محب الحبيب علي
16 Jan 2007, 04:29 PM
الحكمة العشرون




ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ بيان معنى الشطر الأول من هذه الحكمة

هذه الحكمة، ذات أهمية كبرى، وكأن ابن عطاء الله نبَّه إليها
ليجعل منها كابحاً يلجم به أفواه مدّعي القرب والوصول، ومصطنعي
الولاية من أولئك الذين يتعاملون مع مريديهم بالخوارق، بل
بدعوى الخوارق.وهي -فيما ستجد فيما قد تضمنته من المعاني
الجليلة- تعيد السالك إلى حمى كتاب الله وهديه، وإلى ساحة
السنة النبوية وضوابطها، وتجعل السبيل الموصل إلى التزكية
ودرجة الإحسان، خاضعاً لما تنزل من وحي كتاب الله وهدى رسوله،
فإن شرد السبيل عنهما فذلك هو التيه الذي لا بدّ أن يزجّ
الشاردين إليه في الضلال الوبيل.


ـ مكائد الشيطان للمسلمين الملتزمين تختلف عن مكائده
للتائهين والشاردين

زيدٌ من الناس، كان بالأمس القريب شارداً عن صراط الله معرضاً
عن كلامه وخطابه، منغمساً في بحار شهواته وأهوائه.. ثم إن
هداية أدركته، فشرح الله صدره للإسلام، وتعرف على أوامره
وأحكامه، ثم أخذ يلزم نفسه بأساسيات الدين، يصلي فرائضه، يصوم
شهره، ويبتعد جهد استطاعته عن المحرمات. ويؤدي ما أمكنه من
الطاعات.زيد هذا، كان الشيطان يغريه من قبلُ بالموبقات ويحبِّب
إليه الفواحش والمحرمات، فلما اتجه إلى الله يصغي إلى عظيم
خطابه ويسعى سعيه للالتزام بأهم أوامره والابتعاد عن معاصيه؛
لم يعد سبيل الإغراء له بالموبقات مجدياً، فيسلك الشيطان إليه
سبيلاً آخر يتفق والحال التي آل زيدٌ إليها.يوسوس إليه قائلاً:
ألا ترى كيف أصبحت من خيرة عباد الله الصالحين.. تصلي الفرائض
دون انقطاع، تصوم رمضان صابراً محتسباً، ترى الناس يتهافتون
على الفواحش والموبقات، وأنت مصرّ على تجنبها.. ألا تلاحظ أنك
قد أصبحت من أولياء الله المقربين؟..فإن هو ركن إلى هذا
الوسواس ولغوه، وتشرب هذا الإيحاء إلى مكمن اليقين من نفسه،
عاد إلى شرٍّ مما كان عليه سابقاً قبل توبته لأن العُجْبَ الذي
يتسرب إلى مشاعر بعض المتعبدين، من أخطر أسباب هلاك صاحبه، وهو
من أشد الأمراض التي تستقر في القلب فتهلك صاحبه، وهو من أخطر
ما سماه الله: باطن الإثم.

محب الحبيب علي
16 Jan 2007, 04:30 PM
ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ يوسوس الشيطان للتائب الذي فرح بتوبته: ألا ترى كيف
أصبحت الآن مقرباً من الله، في طاعاتك وجهودك؟

والشيطان يضع في طريق كل فئة أو نوع من الناس، الفخ، أو الكمين
الذي يناسبه، فالملتزمون منهم يؤخذون بداء العجب والاعتداد
بالذات وتخيل أنهم أصبحوا من عباد الله الصالحين وأوليائه
المقربين. وإذا استسلموا لهذا التصور، خسروا قرباتهم وذهبت
طاعاتهم كلها أدراج الرياح؟فما السبيل العاصم لزيد هذا من هذا
الوسواس الشيطاني؟السبيل هو أن يأخذ نفسه بهذا الذي يقوله ابن
عطاء الله.. يجيب وسواس الشيطان قائلاً: أين أنا من الوصول إلى
سدّة القرب؟ إنني لا أزال أخطو الخطوات الأولى في مدارج
السلوك.. ها أنا لا أزال غريقاً في بحار التقصير.. بضاعتي كلها
ركعات صلاة مفروضة وصيام أيام معدودة، أين أنا من النوافل
والقيام في الأسحار؟ أين أنا من الخشوع في الصلاة ومن نسيان
الدنيا إذا أقبلتُ أناجي الله؟ أين أنا من القلب النابض بذكر
الله؟ ومن الابتعاد عن كل ما حرّم الله؟ بل ماقيمة هذا التافه
من طاعاتي أمام ما أنا غارق فيه من نعم الله وفضله وآلائه.
إنني لا أزال أخبّ في أول الطريق، ومطمح قلبي من رضا الله ما
يزال بعيداً بعيداً أمامي.فهو هذا معنى قول ابن عطاء الله:
((ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلا ونادته هواتف
الحقيقة: الذي تطلبه أمامك)) .

محب الحبيب علي
16 Jan 2007, 04:30 PM
ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ العلاج أن يأخذ هذا التائب نفسه بنصيحة ابن عطاء الله
هذه، فيقارن بين أعماله الطفيفة وقربات الصالحين الذين هم
مضرب المثل في العبادات والتقوى

فإذا التجأ زيد من وسواس الشيطان إلى سلوك هذا السبيل (وهو
سبيل العبودية المثلى) فلسوف تحصنه عبوديته هذه ضدّ لغو
الشيطان ووساوسه، بل ستتجه به همته إلى أخذ نفسه بالمزيد
والمزيد من الطاعات والقربات، وإلى تجنب المزيد والمزيد من
المحرمات والمكروهات، كان لايصلي أكثر من فرائضه، ولا يصوم
أكثر من شهره، دون أن يأخذ نفسه بمجلس ذكر أو أن يلزمها بحضور
حلقة علم. فلما أعرض عن وساوس الشيطان وأخذ يصغي إلى هواتف
الحقيقة (على حدّ تعبير ابن عطاء الله) التي تناديه قائلة:
إن الذي تطلبه من رضا الله لا يزال بعيداً أمامك، قفزت به همته
إلى أن يضيف إلى فرائضه السننَ، وأن يلزم نفسه بورد من الأذكار
وقراءة القرآن، ثمازمه الشعور بالتقصير، فقفزت به همته إلى
القيام في الأسحار، وإلى أن يصلي صلاة مودع للدنيا كلما وقف
بين يدي الله.والشأن في هذا السالك أنه كلما خطا خطوةَ قُرْبٍ
إلى الله عن طريق مزيد من الالتزام، ازداد شعوراً بعظمة الله
وسلطانه وعظيم حقه عليه، ومن ثم ازداد شعوراً بتقصيره في جنب
الله عز وجل. وسيظل على هذه الحال، كلما ازداد قرباً منه بمزيد
من الالتزام، ازداد شعوراً بعظيم حق الله عليه، ومن ثم تبينت
له جوانب جديدة من تقصيره، فلا تنفك عنه هذه الحال إلى
الممات.هل هنالك نهاية لرحلة السعي في أداء كامل حقوق الله،
يصل إليها السالك قبل الموت؟..لا... لا نهاية لهذه الرحلة
بالنسبة لأي من عباد الله قط.لو أمكن لنبي أو وليّ أن يصل
إليها، إذن لأمكن له أن يؤدي حقوق الله عليه كاملة ولأصبحت
ذمته بريئة من أفضال الله عليه، فمن؟ ومتى؟ وكيف؟ يستطيع أن
يعتق نفسه من آلاء الله عليه؟إن سلوكه إلى الله إنما هو بفضل
الله وتوفيقه، وإن اللسان الذي يحركه بشكر الله إنما هو من
أعطياته ومننه، كذلكم العين التي يبصر بها والأذن التي يسمع
بها والرجل التي يمشي بها، كل ذلك من مواهب الله وإحسانه،
والقوة التي بها يركع ويسجد بين يديه، والمال الذي يتصدق به،
والعقل الذي يدرك به، كل ذلك منح من الله عز وجل!.. إذن فكلما
ازداد العبد قرباً إلى الله تعالى باستعماله لهذه الوسائل التي
أكرمه الله بها، تزداد منة الله عليه، ويتراكم المزيد منحقوق
الله في عنقه، فقل لي: كيف وأنَّى يتاح لهذا العبد أن يحرر
نفسه من حقوق الله وأفضاله عليه، وأن يرقى إلى حالة يؤدي فيها
كامل الذمم التي عليه لله تعالى، دون تقصير؟غير أن الشخص الذي
يكون حديث عهد بمعرفة الله والإقبال عليه والانضباط بأوامره،
لا يدرك هذا الذي قلته لك، بل يظن أنه أدى كل مالله عليه إن
رأى نفسه يصلي الفرائض في مواقيتها، ومن ثم فإن سبيل الشيطان
إليه يسير.

محب الحبيب علي
16 Jan 2007, 04:31 PM
ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ كلما ازداد الإنسان شعوراً بعظمة الله وعظيم حقه عليه،
ازداد شعوراً بتقصيره في جنبه، وهذا علاج آخر

والعلاج الذي يجب أن يأخذ هذا الشخص به نفسه، هو الاهتمام بذكر
الله والتأمل في صفاته والإحسان الذي يفد إلى العبد من الله عز
وجل.وبعبارة أخرى: إن علاجه يتمثل في الإقبال إلى معرفة الله،
من خلال دراسة بحوث العقيدة، بالطريقة القرآنية التي يسلكها
العلماء الربانيون، لا بالطريقة الفلسفية التي يلتقي عليها
المجادلون وعشاق المباريات الكلامية.فهذا العلاج من شأنه أن
يملأ القلب تعظيماً لله، وأن يجعل الشعور أسيراً لآلاء الله
وجليل نعمه التي لا تحصى. ومن ثم فلا بدّ أن يلازمه الشعور
بالتقصير في جنب الله، مهما ارتقى في درجات السلوك ومهما أكثر
من الطاعات والقربات.وانظر إلى ماكان عليه حال رسول الله، الذي
كان مضرب المثل في الالتزام بأوامر الله، وشكره، وأداء حقوقه؛
لقد كان على الرغم من كل ذلك، يعود إلى نفسه فيرى نفسه مقصراً
في شكر الله متهاوناً في‌‌‌‌‌‌‌‌ ‌‌‌‌‌‌‌داء حقوقه، متلبساً
بالذنب، موغلاً في الغفلة عن الله، فيُهرَعُ إلى الاستغفار كما
لو كان واحداً من العصاة المعرضين عن الله فعلاً!..إليك،
فاسمع، استغفاره هذا الذي كان يناجي به ربه عز وجل: ((اللهم
أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك
ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء
بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت))
رواه_البخاري_من_حديث_شداد_بن_أوس. .وقد صح عنه أنه قال:
((إنه ليغان على قلبي حتى إني لأستغفر الله في كل يوم مئة
مرة)) أخرجه_مسلم_وأحمد_وأبو_داود،_من_حديث_الأغرّ_المزني.
.فشعوره المتزايد، ، بعظيم حق الله عليه، يشعره بتقصيره الذي
يدفعه إلى الاستغفار وطلب الصفح منه عز وجل.وإذا تأملنا في حال
الصالحين الذين جاؤوا بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
وسلم، ممن التزموا هديه وساروا على سنته، وشهد لهم السلف
الصالح بالاستقامة والتقوى، نجد أنهم كلما ازدادوا معرفة لله
وقرباً منه، ازدادت نفوسهم لديهم ضآلة، وظهر لهم المزيد من سوء
حالهم، فتضاعفت الخشية منه في نفوسهم، والتعظيم له في قلوبهم.
ورد في ترجمة عبد الله بن المبارك أنه أقبل إلى زمزم وكان
حاجّاً، فاستقى دلواً واستقبل البيت فقال: اللهم إن عبد الله
بن المؤمل حدثني عن ابن الزبير عن جابر عن رسولك قال: ((ماء
زمزم لما شرب له)) ‌‌‌للهم إني أشربه لعطش يوم القيامة. فشرب
منه ما شاء الله أن يشرب
مختصر_تاريخ_ابن_عساكر_14/19،_وتاريخ_بغداد_10/166. .ولو أن
أحدنا وقف في المقام ذاته ليشرب من ماء زمزم، وتذكر الحديث
ذاته، لعرض بين يدي شربه آماله ورغباته الدنيوية، واتجه إلى
الله بطلبها، من تجارة أو زواج أو حل معضلة أو نحو ذلك من أمور
الدنيا. فما الفرق بيننا وبين أمثال عبد الله بن المبارك في
هذا الأمر؟الفرق أن واحداً مثلي يرى أنه قد أدى كل ما قد طلبه
الله منه على خير وجه، بل زاد وأجاد، فها هو يشتغل بالدعوة،
يعلم الناس دينهم يؤلف الكتب في الدفاع عن الإسلام والتصدي
للعابثين به والمتربصين به، ففيمَ يخاف من ظمأ يوم القيامة،
وهو مطمئن إلى أنه سينال آنذاك المثوبة التي ينتظرها وسيكرمه
الله بالجزاء الأوفى، إذن فليطلب في هذه المناسبة حاجاته
الدنيوية ورغباته العاجلة.أما ابن المبارك وأمثاله، فقد كانوا
كلما ازدادوا معرفة بالله ازدادوا شعوراً بتقصيرهم وعجزهم عن
أداء حقوق الربوبية في أعناقهم، فزادهم ذلك الشعور خشية من
الله وتعظيماً له، وزادهم تبتلاً له وانكساراً وتذللاً بين
يديه. فإذا وقف أحدهم في موقف يستجاب فيه الدعاء، نسي رغباته
الدنيوية وحاجاته العاجلة، واستغرق في همِّ ما هو مقبل عليه من
أحداث يوم القيامة.. ورأى نفسه مجرداً عن الأمل بأيّ عمل
يستأهل به مثوبة الله وإحسانه. إن هو إلا التعلق برحمة الله
والدعـاء الواجف في هذا الموقف، بأن يعامله الله يوم القيامة بما هو
جل جلاله أهل له من الصفح والغفران، لا بما هو
-في نظره- أهل له من الهلاك والبوار، فيخاطب الله قائلاً:
اللهم إني أشرب ماء زمزم لتقيني من ظمأ ذلك اليوم.وإني لأذكر
في هذا الصدد أن مسؤولاً كبيراً ذا مكانة مرموقة في الدولة زار
والدي رحمه الله لأول مرة دون سابق معرفة. واستقبله والدي في
غرفته الصغيرة المتواضعة كما يستقبل عامة من يزوره من الناس...
وجلس الرجل كمن يحبّ أن يتعرف على شيء غريب يتبدّى في حال
إنسان مجهول. ثم نظر إلى والدي وخاطبه بالكلمة التقليدية التي
يخاطب بها عادةً أمثالُه أمثالَ والدي، قال له: ادع الله لنا
ياشيخي فنحن مقصرون!..نظر إليه والدي قائلاً: أفجادٌ أنت بقولك
هذا؟.. أفموقن أنت بأنك مقصر حقاً؟.. إن كنت كذلك فاطمئن بالاً
إلى رحمة الله وسعة مغفرته.ثم قال له: أتشكو تقصيرك إليّ؟ مَنْ
منا ليس مقصراً في جنب الله؟لعلك سمعت الناس يقولون عني: شيخ
ملا.. شيخ ملا... ورأيت سجادتي أمامي والسبحة في يدي ومظهري
بهذه العمامة واللحية، فغرك ذلك مني فظننتني أحسن حالاً منك،
وجئت تشكو إليّ تقصيرك.. من منا غير مقصر في حق إلهنا ووليّ
أمرنا؟ثم أخذ رحمه الله يكلمه عن عظيم حق الربوبية لله على
عباده، وعن ضعف الإنسان تجاه أداء أي جزء من أجزاء هذه الحقوق.
وأكد له أن خير مايقرب العبد إلى الرب التذلل الصادق على
أعتابه، والعزمعلى أن يظل يتابع الخطى على طريق الالتزام
بأوامره جهد استطاعته، موقناً بأنه لو عاش عمر الدهر كله، فإنه
لن يستطيع أداء أصغر جزء من حقوق الله عليه.أذن أعود فأقول لك:
إذا أراد الشيطان أن يفتَّ في عضدك ويوسوس إليك بأنك قد أديت
كامل ما افترضه الله عليك وطلبه منك، فأعرض عن وساوسه وأَصْغِ
إلى صوت الحقيقة التي شرحتها لك من خلال الصفحات القليلة
الماضية، تجد أنها تقول لك:ألا إن الكمال لايزال أمامك،
ولايزال ظهرك مثقلاً بعظيم حق الله عليك، فتجاوز هذه المراحل
لا تقف عندها، ولا تلتفت إلى حديث الشيطان ومكره، وليكن رأس
مالك الذي تتعامل به مع الله عز وجل أن تعلن له عن عجزك وضعفك،
وأن توقن بأنك كلما ازددت توفيقاً في أداء أوامره، ازدادت منته
عليك، وتضاعف افتقارك إلى رحمته بك ومغفرته لك. * * *

محب الحبيب علي
24 Jan 2007, 05:36 PM
ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ بيان معنى الشطر الثاني من هذه الحكمة:

ثم ينقلنا ابن عطاء الله إلى الشطر الثاني من حكمته هذه،
فيقول: ((ولا تبرجت له ظواهر المكوَّنات إلا ونادته حقائقها:
إنما نحن فتنة فلا تكفر)) .


ـ تتبرج المكوَّنات للسالكين والمرشدين بمعنيين اثنين:

تتبرج المكوَّنات للسالكين بمعنيين اثنين: أحدهما: انفتاح
الدنيا على السالك، وتكاثر النعم وأسباب المتع من
حوله.. ثانيهما: انقشاع بعض أسرارها له، من خلال خوارق تبدو
له بين الحين والآخر.‌‌‌‌وللشيطان صولة وجولة، أمام كل من هذين
المعنيين، إذ يسعى سعيه اللاهث إلى توظيفه لإبعاد السالك عن
مواصلة السير إلى الله، ولشغله عن مجاهدة النفس وأهوائها وعن
مراقبة الذات أن لا تتيه وتنحرف، بما قد يلذّ له من بوارق
النعم والمتع التي تتكاثر بين يديه، أو من بوارق الخوارق التي
تلوح له فيحسبها شهادة ولاية أو علوّ في درجته عند الله عز
وجل.وكم من صلحاء وسالكين تخطَّفهم الشيطان ثم قذف بهم في
أودية الضلال والشقاء، عندما نصب لهم من هذين الخطرين
شِرْكَيْنِ تصيَّدهم بهما أو بواحد منهما.تفتح الدنيا على
المرشد وتساق إليه النعم وترخص بين يديه المتع، بقطع النظر عن
الأسباب التي تيسر له ذلك، فإن كان ممن تشبع بنصيحة ابن عطاء
الله هذه، مرّ غير عابئ بها ولا واقف عندها، موقناً أنها تقول
له بلسان الحال، فعلاً: إنما نحن فتنة فلا تكفر.


ـ المعنى الأول انفتاح الدنيا عليهم وتكاثر النعم وأسباب
المتع من حولهم، فيوظفهم الشيطان للركون إليها والتقلب
فيها

ومعنى كونه لا يعبأ بها ولا يقف عندها، أنه لا يجعل لها مغرس
حب في قلبه، ولا يجعل منها هدفاً يسعى إليه، أو زينة يتباهى
بها، أو متعة يركن إليها فتصدّه عما هو بصدده من التوجه قلباً
وقالباً إلى ما به بلوغ مرضاة الله.وإن كان ممن يتخذ الإرشاد
مصدر تجارة، ويجعل من حسن سيرته وربّاني سلوكه بين الناس، شارة
مميزة يتجمل بها، ومركزاً يتبوَّؤه في قلوب الناس، فإنها لا
بدّ أن تستهويه فتجذبه إليها فتحبسه في أقطارها، ولا بدّ أن
يقطعه الشيطان عن مواصلة السير في الطريقالمقرب إلى الله، ثم
يسقيه من تلك المتع والنعم التي تتراقص بين يديه وفي أحضانه
كؤوساً إثر كؤوس، حتى يثمل بها، ويحجب عن المصير الذي كان
يؤرقه، والإله الذي كان يسعى لاهثاً إلى استرضائه، فيصبح مثله
كالذي قال الله تعالى عنه: { وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ
يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ } { الأعراف: 7/176 } فهذا
هو أحد المعنيين المرادين لتبرج المكوَّنات أمام السالكين.

محب الحبيب علي
24 Jan 2007, 05:37 PM
ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ المعنى الثاني: تزايد الناس المستفيدين من حول أحدهم
وتأثرهم به، فيشعر من ذلك بأن له قدم صدق عند ربه، وأنه
قد غدا من أوليائه المقربين

وإليك الآن بيان المعنى الثاني: يسير العالم المرشد (ولايكون
المرشد إلا عالماً ولا العالم الرباني إلا مرشداً) في طريقه
متعلماً ومعلماً ومرشداً للناس، فتقبل إليه جماهيرهم من كل حدب
وصوب، ويشعر من تأثرهم به وهداية الكثير منهم على يده أن له
قدم صدق عند الله، وأنه ذو نفحات قدسية وكرامات ربانية، فإن
كان من المتشبعين بأخطار النفس والهوى، والمتبصرين بمداخل
الشيطان ومزالقه، لم يقف عند هذه المشاعر والأوهام، ومرّ بها
مستغفراً الله تعالى، موقناً بأنه عبد سوء، وأنه شديد الحاجة
إلى حماية الله وستره.أما إن لم يكن قد أخذ حظه كافياً من
تزكية النفس ودوام مراقبة الله، وكان ممن يتعامل بكلمات الدين
وشعاراته، بعيداً عن جوهره ولبابه، فإن الحال التي وصفت من
إقبال الناس إليه وتأثرهم به، وازدهار كلماته في نفوس الناس،
لا بدّ أن تأسره فتسكره، فتوقظ بين جوانحه الاستكبار والإعجاب،
وهي آفة راقدة بالفطرة في كيان كلإنسان، إلاّ أن هذه الآفة
تصطبغ في كيانه بصبغة الوظيفة التي هو فيها، فيكون استكباره
بوظائف الدين، وليس استكباراً على الدين ووظائفه كما هو شأن
المارقين والملحدين.


ـ من شأن هذا الذي ركبه هذا الوهم أن يظل يحدّث مريديه عن
مناماته وكراماته، وأن يلفت أنظارهم إلى خوارقه

ومن شأن النفس الأمارة بالسوء أن تزيده اندفاعاً في هذا
السبيل، أما الشيطان فيجمِّل له هذا المسعى ويوهمه أنه ليس إلا
واحداً من كبار المرشدين الربانيين ومن أوليائه الصالحين، وأن
عليه أن يلفت نظر مريديه إلى هذه الحقيقة، حتى يكونوا أكثر
انتفاعاً به واقتداء بسلوكه وانقياداً لتوجيهاته.ومع اندفاعه
في هذا السلوك وتصديقه لهذا الوهم الشيطاني المنبعث في كيانه،
يدبج مجالسه ودروسه وعظاته، بالحديث عن مناماته التي يرى فيها
رسول الله ، بل ربما حدّثهم عن رؤيته له يقظة لا مناماً،
ويشيع عن نفسه الخوارق والكرامات التي يميزه الله بها فتشهد
على عظيم حاله وشديد قربه من الله.وأنا لا أستبعد أن يكون بعض
ما ينسبه إلى نفسه من الخوارق صحيحاً، بل الأصل هو الصدق فيمن
لم يعلم عنه الكذب. ولكن الراجح أن في شياطين الجن من يجندون
أنفسهم لخدمة هؤلاء التائهين والمستكبرين بوظائفهم الدينية،
ليدفعوا بهم إلى مزيد من اعتقاد الولاية في حق أنفسهم، وإلى
مزيد من الاستدراج على طريق الإعجاب بأنفسهم. فيقحموهم من وراء
ذلك بأودية الهلاك ويدفعوهم إلى أحابيل الإهلاك.والميزان
الشرعي في هذا أن الكرامة الحقيقية التي تكون دليلاً على صلاح
صاحبها وعلى تقواه وولايته، هي الاستقامة على شريعة الله
والانضباط بأوامر الله المتجهة إلى إصلاح كلٍّ من الظاهر
والباطن. فمن تمتع بهذه الاستقامة واصطبغ ظاهره وباطنه بجوهر
العبودية لله وثبت على ذلك فهو الوليّ الذي عرفه الله تعالى في
القرآن بقوله: { الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ } {
يونس: 10/63 } وقد اجتمعت كلمة العلماء الصالحين الذين شهد لهم
السلف الصالح بعلوّ المنزلة عند الله تعالى على أنه لا قيمة
لحال من يُرى ماشياً على البحر، أو طائراً في الجو، أو مظهراً
لما هو أغرب من ذلك من الخوارق، إن لم يتمتع بهذه الاستقامة
على أوامر الله وشرعه ظاهراً وباطناً.ذلك لأن الشياطين ييسّرون
لأوليائهم من الخوارق مايفوق في الغرابة المشي على البحار
والطيران في الهواء، فلا يكون ذلك دليلاً إلاّ على إغواء
الشياطين لهم، والتحكم بهم.فإن التبس عليك الأمر، ولم تعلم
شيئاً عن حال صاحب هذه الخوارق أمستقيم هو أم لا، فانظر إلى
موقفه من الخوارق التي تنسب إليه أو التي تظهر على يديه، فإن
رأيته حريصاً على أن لا ينوّه ولا يأبه بها، يوصي من حوله بأن
لا يتحدثوا بها ولا يرددوها عنه، مؤكداً في المناسبات بأن
الخوارق التي تجري على أيدي بعض الناس لا أهمية ولا قيمة لها،
إنما الأهمية تكمن في الاستقامة التي أمر الله بها رسوله،فبعث
ذلك الأمر في قلبه من مشاعر الخشية وثقل المسؤولية، ماشيّبه
كما قال ذلك عن نفسه. فاعلم أن هذا الموقف منه دليل على
استقامته، وعلى أنه إنما يستنزل من عند الله لنفسه الكرامة
الحقيقية التي عبرّ عنها البيان الإلهي بقوله عز وجل: {
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ
الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ } { إبراهيم: 14/27
} أما إن رأيته يصطنع المناسبات ليذكر بها أو يستعمل أقصى
درجات اللباقة ليستنطق بالحديث عنها والتذكير بها المريدين
الذين من حوله، ويجعل من الحديث عن الخوارق وأنواعها وأهميتها،
نسيج دروسه ومواعظه، ويصرّ على أن يغرس الثقة به في قلوب الناس
عن طريق الخوارق التي يزعم أن الله يخصّه ويؤيده بها، فاعلم
أنه مفتون بنفسه وأنه من هواة التبجيل والتمجيد وعلو المكانة
بين الناس، وأنه إنما يتخذ مما يسميه الكرامات والمنامات وما
قاله له رسول الله في المنام أو اليقظة، هالة دعاية أو دعوة
لنفسه.وإن رأيت أيّ خارقة ظهرت على يد واحد من أصحاب هذا الشأن
فاعلم أنها استدراجٌ فتنه الله تعالى به. ألم تقرأ قول الله
تعالى: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ،
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } { القلم: 68/44ـ45 }
ولاتتوهمن أن الاستدراج إنما يبتلى به الكافرون فقط، بل إن
الله قد يبتلي به كل من يسخر دينه عز وجل لأهوائه ومطامحه
الدنيوية.كثيرون هم الذين يحدثونني عن شيوخهم والكرامات التي
يؤيَّدون بها، وعن رؤيتهم لرسول الله في المنام والأقوال التي
قالها لهم عليهالصلاة والسلام، مما يعدّ شهادة منه على عظيم
جاههم عند الله عز وجل.

محب الحبيب علي
24 Jan 2007, 05:38 PM
ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ ربما ادعى أحدهم أنه يرى رسول الله يقظة وأنه يحدثه
وأنه يسأله فيجيبه!!

ثم إنهم اليوم يخبرونني برؤية شيوخهم لرسول الله يقظة لا
مناماً. ويطلعونني على الحوارات التي تجري بينهم وبين رسول
الله، وعلى مواقفه من كثير من الحوادث والمشكلات
المعاصرة.فماذا يقول الشرع في حق هؤلاء الناس؟ يقول الشرع في
حق من يزعم أنه يرى رسول الله يقظة: إنه يجب أن يعزر.ذلك لأن
أياً من أصحاب رسول الله بعد وفاته أو التابعين أو تابعي
التابعين أو تابعيهم، لم يزعم أنه رأى رسول الله يقظة، فيما
وعاه التاريخ الإسلامي العام أو تاريخ التراجم.ولو كان في
الصالحين من هو أهل لأن يرى رسول الله يقظة، لكان رجال السلف
الذين شهد لهم رسول الله بالخيرية والأفضلية، هم أولى الصالحين
بذلك.ونحن لا نستدل بهذا الذي عرفناه من تاريخ السلف الصالح،
على أن رؤية رسول الله يقظة مستحيلة. معاذ الله، فرسول الله
حيّ يتمتع بحياة برزخية متميزة عن حياة غيره من الأولياء
الصالحين، وإمكانية رؤية أهل البرزخ عقلاً قائمة.ولكن
الإمكانية العقلية لها شيء، وادعاء وقوعها شيء آخر.إن التاريخ
لايعلم أن في العصور المفضلة الثلاثة، بل الأربعة، من ادعى هذه
الرؤية.. فهي إما أنها لم تقع، أو إنها ربما وقعت لبعض منهم،
ولكنه لم يزعمها لنفسه ولم يتحدث بها، لا في مجالسه الخاصة،
ولا على الملأ وأمام عامة الناس، كما يفعل بعضهم اليوم.إذن
فالذي يدعي أنه رأى، أو يرى، رسول الله يقظة، في زماننا هذا
ينبغي أن يعزر لأنه كاذب. إذ لو رآه فعلاً بناء على الإمكان
العقلي، لكان إذن من أصلح الصالحين ولحملته حاله المتميزة من
الصلاح والفضل والتقوى والقرب من الله، على أن يصمت ولايجلجل
بهذا الأمر بين الناس، بل لا بدّ أن تحمله حاله تلك على أن لا
يفتح فمه بهذا الخبر لأحد، وأن يزداد وجلاً وتواضعاً وخوفاً من
الله عز وجل.ولماذا يحدث الشيخ مريديه بمثل هذه المزاعم أو
الأخبار؟!.أمَا إنها لا تقنع مرتاباً بالحق، ولا تعرّف جاهلاً
بالدين، ولا ترقق قلباً جللته القسوة، ولا تقرب فاسقاً إلى
حظيرة التوبة والالتزام.أغلب الظن أنه لا يملك حصيلة من العلم
واسعة بدين الله عز وجل يردّ بها غائلة الجاحدين ويروي بها
غلّة الجاهلين، ويحبّب بها الإيمان بالله إلى القلوب، فهو يغطي
جهالته هذه بما يتسنى له من دعوى الخوارق والكرامات وأعاجيب
التحويلات.فلئن صح أن تكون هذه الدعاوى، أو حتى هذه العروض، من
نوع العمل الإرشادي وجهود الدعوة إلى الله والتبصير بدين الله،
فما أيسر أن تكون عروض السحرة وقرناء الجان، ومن تبعهم من
الممخرقين وذوي المهارات اليدوية، مادة متميزة رائعة في عمل
الدعوة الإسلامية والإرشاد الديني. * * * فإذا تبيّن لنا هذا،
فإن النتيجة التي يريد ابن عطاء الله أن ينتهي بنا إليها هي أن
على السالك أياً كانت مرتبته أن لا يفرح بالخوارق التي قد
يجريها الله على يديه، وأن لا يلتفت إليها التفاتة فرح
واهتمام.فإنه إن فعل ذلك، كان كالطفل، وضع في حجره حبات ذات
ألوان زاهية من السكاكر والحلوى، فهو يلهو ويفرح بها!.. وما
أدراه أن الله يمتحنه بهذه الخوارق أفيلهو بها ويطمئن إليها
وتعود به إلى طفولة إقباله على الله، وحداثة عهده بالسلوك على
صراطه سبحانه، أم إن تعلقه بالله وشديد تعظيمه له وصادق شوقه
إليه، كل ذلك يحجبه عن الاهتمام بتلك الخارقة والالتفات إليها،
فيواصل طريقه سعياً إلى استنزال المزيد من رضا الله ومغفرته
وعفوه. متناسياً بل ناسياً ذلك العارض الذي وقع له والذي لا
يقدم ولا يؤخر أمام عظيم طموحاته وآماله.فتلك هي حصيلة المعنى
الذي تضمنه قول ابن عطاء الله: ((..ولا تبرجت له ظواهر
المكونات إلا ونادته حقائقها إنما نحن فتنة فلا تكفر)) أي
إنما نحن مادة امتحانية سخرنا الله لامتحانك (وابن عطاء الله
يستنطق الخوارق بهذا الكلام بأسلوبه البليغ كما ترى) فإياك أن
تفتن بظواهرنا وأن تنسب لنفسك ما لا تملكه من تصرفات الله بنا.
فإنما أنت في كل الأحوال عبد عاجز ضعيف؛ فالزم واقع عجزك
وضعفك، وعد إلى مزيد من التبتل والانكسار على أعتاب مولاك
وخالقك. * * *


ـ ما يظنه بعض العوامّ من الناس، من أن الوليّ هو الذي
تجري على يديه الخوارق والكرامات.. وبيان المعنى الديني
السليم للولي

بقي أن نختم شرح هذه الحكمة بالتحذير مما عليه حال كثير من
العوام من النظر إلى قيمة العالم أو المرشد الديني، من خلال
ماقد يتراءى له أو ينسب إليه من الخوارق والكرامات، فإن كان
ممن يتحدث الناس عن كراماته الخارقة، تفتحت له نفسه وشدّ
الرحال إليه ووثق به، وصدّقه في كل ما يقول، وسلّم له كل
أفعاله وتصرّفاته، دون أن يعود في شيء من ذلك إلى ميزان القرآن
والسنة.وإن لم يكن له نصيب من أقاويل الناس وحكاياتهم عن
كراماته، ربما سألوا عن ذلك واستوضحوا.. حيطة منهم قبل أن
يعرضوا عنه ويسيئوا الظن به، فإن تأكدوا أن الرجل ليس في كل من
حوله من يروي عنه خارقة وقعت له، لم يشكّوا بأنه فارغ من
الأسرار، بعيد عن الأنوار العلوية، وبأنه حديث عهد بالمعارف
الدينية والعلوم الربانية، ومن ثم فلا بدّ أن يعرضوا عنه ولا
يلقوا بالاً له!..مقياس ولاية الأولياء عندهم ما قد عرفوا به
ونسب إليهم من هذه الخوارق والأعاجيب.ولعل هذا هو السبب في أن
كثيراً من الأولياء الصالحين الذين شهد لهم السلف الصالح
بالاستقامة والتقوى، نسجت من حولهم قصص وحكايات عن خوارق نسبت
إليهم باسم الكرامات التي جاءت شاهداً على علو مكانتهم عند
الله عز وجل.وقد ثبت لدى التحقيق أن معظم تلك الحكايات مختلقة
لا أصل لها، وإنما تخيلها ثم رواها عنهم مريدون محبون، دفعهم
الحب إلى أن ينسبوا إليهم هذا الذي يعدّ في نظرهم الشرط الذي
لا بدّ منه لحيازة العالم المرشد على وصف الولاية ومن ثم على
لقب: الولي!..وقد عرفت أن الحقيقة ليست كذلك!.. عندما ألفت
كتابي (هذا والدي) في ترجمة حياة والدي الشيخ ملا رمضان رحمه
الله، لم أعرّج فيه على ذكر شيء من الكرامات، ولم أنسب إلى
والدي شيئاً منها... ولما ظهر الكتاب وانتشر، اطّلع عليه بعض
الفضلاء الذين كانوا يترددون على والدي بين الحين والآخر، ممن
يهمهم أمر الكرامات ولا يستطيعون أن يتخيلوا أي انفكاك بينها
وبين صلاح الصالحين وتقواهم. فأقبل إليّ مستنكراً يقول:كتابك
هذا ناقص.. فأنت لم تتحدث فيه عن أهم ما كان يجب أن تحكيه عن
الوالد!.. قلت: ماهو؟.. قال: كراماته العجيبة!..قلت له: إنني
تريثت كثيراً في تأليف هذا الكتاب مخافة أن لا يرضيه حديثي
عنه. ثم إني استخرت الله واستشرت بعض الصالحين، فأشاروا إليّ
بالمضي فيه، شريطة أن أسلك في حديثي عنه المنهج الذي
يرضيه...وأنا أعلم أنه كان شديد الكراهية للوقوف في تراجم
الصالحين عند كراماتهم، وكان أشدّ ما يكون كراهية، عندما يجلس
إليه من ينقب له عن خارقة أو كرامة.ففيم تطلب مني أن أخلط عملي
في إخراج هذا الكتاب بما يبغض والدي ولا يسرّه، وهو في حياته
البرزخية التي آل إليها؟قال لي: ولكني سأتمم نقص كتابك، وألحق
به الفصل الذي أسقطته أنت منه.وغاب عني.. ثم أقبل إليّ بعد حين
يحمل إليّ نسخاً من كتيّب سماه (الفصل الساقط من كتاب هذا
والدي) ضمنه حكايات عن خوارق نسبها إلى والدي رحمه الله، ولا
علم لي بها، ومن ثم لا أستطيع أن أثبتها ولا أن أنكرها.لقد كان
اهتمام هذا الأخ الفاضل بالحكايات التي رواها عن والدي، والتي
لا تحمل في طيها أي إرشاد أو توجيه ديني أو علمي، وإنما تحمل
روحاً من التسلية من خلال الغرائب التي فيها، أكبر بكثير من
اهتمامه بالعبر والعظات التي تؤخذ من سيرة والدي، منذ هجرته
إلى دمشق إلى الساعات التي ودع فيها الدنيا متجهاً إلى لقاء
ربه عز وجل.وإنها لآفةُ تعامُلِ كثير من العامة اليوم مع
العلماء المعروفين بصلاحهم واستقامتهم وشدّة تعلقهم بالله عز
وجل.وإني لأقول لهؤلاء الأخوة: ماذا يفيدني في ديني وإصلاح
حالي أن أصغي إلى قصة تقول: أن الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس
الله روحه، قدمت إليه مرّةً دجاجة مشوية، فلما أكلها جمع
عظامها المتناثرة على المائدة، ثم قال لها: قومي بإذن الله،
فقامت للتوّ دجاجةً حية، وانطلقت تخفق بجناحيها؟ولكن كم وكم
يفيدني في إصلاح حالي، وإيقاظي من غفلات الأهواء، إلى مصيري
الذي أنا مقبل إليه، وفي ترقيق قلبي بعد القسوة التي غلف بها،
أن أصغي إلى عظاته ونصائحه الفواحة بعبير الإخلاص وحرقة القلب
الملتاع بمحبة الله عز وجل، في مجلس من مجالسه الإيمانية
الرائعة، في كتابه ((الفتح الرباني والفيض الرحماني))
!...فلماذا أضيع الوقت في تسلية من خلال سماع حكاية، لا أدري
أصحيحة هي أم مختلقة، وأحرم نفسي من نصائح عقلانية ونورانية
تمخر الكيان مني إلى مقرّ القناعة في العقل وإلى منتهى التأثر
في سويداء القلب؟!.. * * *

عاشق المصطفى
14 Apr 2007, 11:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة على سيدنا رسول الله وبعد :


السلام عليكم ورحمة الله


الله يجزيك عنا الف خير وهذه مصطلحات الحكم العطائية مشروحة


بارك الله فيكم



قائمة بالمصطلحات الصوفية


الواردة في كتاب الحكم


العبد: يطلق على المخلوق للعبادة، كما يطلق على مملوك الرقبة بطريق شرعي.
العابد (ج. عباد): من غلب عليه العملكان عابدا. فالعابد مشغول بخدمة الله تعالى.
الأدب: رياضة النفس ومحاسن الأخلاق، وهو أربعة أنواع: أدب الشريعة, و أدب الخدمة، و أدب الحق، و أدب الحقيقة وهو جماع كل خير.
العدم: انعدام الوجود.
الغير (ج. الأغيار): جمع غيرة بكسرة الغين، وهي الخصطة المغيرة للحال، وتقلب الزمان بأهله.
الأحدية: المبالغة في الوحدة والإيحاد مصدر أوحد الشيء إذا صار واحدا.
الأقدار (م. القدر): خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحد بعد واحد مطابقا للقضاء.
الآخرة: مقابل الدنيا.
الأكوان (م. كون): اسم لما حدث دفعة كانقلاب الماء هواء. وقيل حصول الصورة في المادة بعد أن لم تكن حاصلة فيها. وعند أهل التحقيق الكون عبارة عن وجود العالم من حيث هو عالم لا من حيث هو حق.
العالم (ج. العوالم): كل ما سوى الله من الموجودات. فهناك عالم الأجسام وعالم الأرواح
عالم االغيب: عالم الملكوت وهو يقابل عالم الشهادة.
عالم االجبروت: هو عالم الأسماء والصفات الإلهية، وهو عالم العرش. وهو أيضا البحر المحيط الذي تدفق منه الحس والمعنى.
عالم الملكوت: هو عالمالأرواح والروحانيات، وهو باطن الملكالظاهر. هو ما بطن فيها من أسرار المعاني.
عالم المُلك: عالم الأجسام والجسمانيات وهو ما يوجد بعد الأمر بمادة واحدة. وهو ما ظهر من حسن الكائنات.
عالم االشهادة: وهو عالم الملك.
العمل (ج. الأعمال): الإخلاص في النية وبلوغ الوسع في المحاولة بحسب علم العامل وأحكامه. والأعمال هي الاضطراب في العمل، و هو أبلغ من العمل.
الآماد (م. الأمد): الغايات. والأمد والأبد متقاربان لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان التي لا حد لها ولا تتقيد. والأمد مدة لها حد مجهول إذا أطلق.
الأمر (ج. أمور–أوامر): هو قول القائل لمن دونه إفعل.
النفس (ج. النفوس): ترويح القلب بلطائف الغيوب وهو للمحب الأنس بالمحبوب.
النور (ج. الأنوار): اسم من الأسماء الله تعالى وهو تجليه باسمه الظاهر، أعني الوجود الظاهر في صور الأكوان كلها. والأنورعبارة عما ظهر من كثائف التجليات.
العقل (ج. العقول): هو نور يميز به بين النافع والضار ويحجز صاحبه عن ارتكاب الأوزار، أو نور روحاني تدرك به النفوس العلوم الضرورية والنظرية.
العارف (ج. العارفون): هم الذين شغلهم الله تعالى بمحبته.
السبب (ج. الأسباب): اسم لما يتوصل به إلى المقصود، وفي الشريعة عبارة عما يكون طريقا للوصول إلى الحكم غير مؤثر فيه.
السر (ج. الأسرار): هو ما يخص كل شيء من الحق عند التوجه الإيجادي إليه. وهو عبارة عن محل تجليات الأسرار الجبروتية.
الأثر (ج. الآثار): له ثلاث معادن: الأول بمعنى النتيجة، وهو الحاصل من الشيء، والثاني بمعنى علامة، والثالث بمعنى الجزء. والآثار هي اللوازم المعللة بالشيء.
الأوصاف: جمع وصف وهو ذكر الشيء بحليته ونعته حقا وجمعها أوصاف ومنها الأوصاف البشرية للناس والأوصاف الإلهية لله وأوصاف الربوبية للرب وأوصاف العبودية للعباد.
عين القلب: البصيرة.
عين اليقين: لأرباب الوجدان من أهل الاستشراف على العيان. وهو ما أعطته المشاهدة.
البقاء: هو الرجوع إلى شهود الأثر بعد الغيبة عنه أو شهود الحس بعد الغيبة عنه بشهود المعنى لكنه يراه قائما بالله ونورا من أنوار تجلياته.
البركة (ج. البركات): ثبوت الخير الإلهي في الشيء.
البصر (ج. الأبصار): هي القوة المودعة في العصبتين المحوفتين يرى بها حقائق الأشياء وتدرك بها الأضواء والألوان والأشكال.
البشرية: من البشر وهو يعبر عن الإنسان والناس. وهي مقابل الألوهية.
البشرى (ج. البشائر): إظهار غيب المسرة بالقول. والبشارة كل خير صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير وهو الأغلب.
البسط: في مقام القلب بمثابة الرجاء في مقام النفس (ويقابله القبض).
الباطل: ما سوى الحق، وهو العدم إذ لا وجود في الحقيقة إلا للحق.
الباطن (ج. البواطن): مقابل الظاهر.
البر: بالفتح خلاف البحر، وتصور منه التوسع فاشتق منه البر بالكسر أي التوسع في فعل الخير.
البعد: أوله البعد عن التوفيق ثم البعد عن سلوك الطريق ثم البعد عن التحقيق.
البرهان (ج. براهين): هو القياس المؤلف من اليقينيات سواء كانت ابتداء وهي الضروريات أو بواسطة وهي النظريات وهو بيان الحجة.
الدليل (ج. أدلة): هو الذي يلزم من العلم به العلم بشيء آخر.
الضمير (ج. الضمائر): ما ينطوي عليه القلب ويدق الوقوف عليه، وقد تسمى القوة التي يحفظ بها ذلك الضمير.
الذات: الحق جل جلاله ذات وصفات في الأزل وفي الأبد.
الذوق (ج. أذواق): هو أول درجات شهود الحق بالحق.
الذكر (ج. أذكار): وهو ينصرف لذكر اللسان وهو ركن قوي في طريق الوصول وهو منشور الولاية، فمن ألهم الذكر فقد أعطى المنشور ومن سلب الذكر فقد عزل.
الذلة: والذل بالضم، ماكان عن قهر، وبالكسر ما كان عن تصعب بغير قهر.
الذهول: شغل يورث حزنا أو نسيانا.
الدنيا: مقابل الآخرة.
الفضاء: المكان الواسع، ومنه أفضى بيده.
الفناء: وهو ينصرف للفناء في الذات وحقيقته محو الرسوم والأشكال بشهود الكبير المتعال، فهو محو واضمحلال وذهاب عنك وزوال. وهو كذلك سقوط الأوصاف المذمومة. وهو فناءان: أحدهما بكثرة الرياضة، والثاني عدم الإحساس بعالم الملك والملكوت والاستغراق في عظمة الباري ومشاهدة الحق.
الفقير (ج. الفقراء): المعتصم بالفقر وهو على ثلاثة أشياء صيانة فقره، وحفظ سره، وإقامة دينه.
الفقر: هو نفض اليد من الدنيا وصيانة القلب من إظهار الشكوى. وهو عبارة عن فقد ما يحتاج إليه. وقال الصوفية هو الأنس بالمعدوم والوحشة بالمعلوم.
الفرق: الأول هو الاحتجاب بالخلق عن الحق وبقاء رسوم الخليقة بحالها. والثاني هو شهود قيام الخلق بالحق.
الفتح (ج. الفتوح): كل ما يفتح على العبد من الله تعالى بعد ما كان مغلقا عليه من النعم الظاهرة والباطنة كالأرزاق والعبادة والعلوم والمعارف والمكاشفات وغير ذلك.
الفكرة: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم طلبا للوصول إلى حقيقته.
الغفلة: متابعة النفس على ما تشتهيه. وقال سهل التستري هي إبطال الوقت بالبطالة. وقيل الغفلة عن الشيء هي أن لا تخطر ذلك بباله.
الغَنيِّ: الملك التام فالغنى بالذات ليس إلا الحق تعالى إذا له ذات كل شيء. والغنى من العباد استغنى بالحق عن كل ما سواه.
الغيب: وهو مكنون ومصون: وهو السر الذاتي وكنهه الذي لايعرفه إلا هو، ولهذا كان مصونا عن الأغيار ومكنونا عن العقول والأبصار.
الغيبة: غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق بل من أحوال نفسه بما يرد عليه من الحق إذا عظم الوارد واستوى عليه سلطان الحقيقة.
الغنى: حصول ما ينافي الضر وصفة النقص، ونقيضه الحاجة.
الحادث: ما يكون مسبوقا بالعدم ويسمى حدوثا زمانيا، وقد يعبر عن الحدوث بالخاصة إلى الغير ويسمى حدوثا ذاتيا.
الحضرة (ج. حضرات): حضرة الغيب المطلق.
حضرة قدسية: حضور الرب بالبصيرة وهو حضور مقدس.
الحال (ج. أحوال): ما يرد على القلب بمحض الموهبة من غير تعمل واجتلاب، فإذا دام وصار ملكا يسمى مقاما.
الحقيقة (ج. حقائق): شهود الحق في تجليات المظاهر وهي لتزين السرائر.
الحق: اسم من أسمائه تعالى.
حق اليقين: هوشهود الحق حقيقة في مقام عين الجمع الأحدية.
الحجاب (ج. حجب): انطباع الصور الكونية في القلب المانعة لقبول تجلي الحق.
الهمة: توجه القلب وقصده بجمع قواه الروحانية إلى جانب الحق لحصول الكمال له أو لغيره.
الحضور: وهو حضور القلب عند الحق بعد الغيبة.
العبادة: هو فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه.
العبارة (ج. عبارات): هو النظم المعنوي المسوق له الكلام.
الإذن: في الشرع هو فك الحجز وإطلاق التصرف لما كان ممنوع شرعا.
الإفتقار: من الفقر، وهو الاحتياج إلى الله والاعتماد عليه.
الإحسان: هو التحقق بالعبودية على مشاهد حضرة ربوبيته بنور البصيرة، أي وؤية الحق موصوفا بصفاته بعين صفته.
الإيجاد: أي إيجاد الشيء وهو خلقه وإبداعه.
الاختيار: طلب ما فعله خير.
العلة (ج. علل): عبارة عن بقاء حفظ العبد في عمل أو حال أو مقام أوبقاء رسم له وصفة.
علم اليقين: ما أعطاه الدليل بتصور الأمور على ما هو عليه.
الإيمان: في الشرعهو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان.
الإمداد: وهوحصول المدد من رب العالمين.
الإرادة: جمرة من نار المحبة في القلب، مقتضية لإجابة دواعي الحقيقة.
الإشارة (ج. إشارات): التلويح بشيء يفهم منه النطق، فهي ترادف النطق في فهم المعنى.
الإسلام: هو الخضوع والإنقياد لما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم.
الاسم (ج. أسماء): ليس هو اللفظ بل هو ذات المسمى باعتبار صفة وجودية كالعليم والقدير، أو عدمية كالقدوس والسلام.
الاسم المفرد: وهو اسم الله.
الاستبصار: من حضور البصيرة وهي قوة للقلب المنور بنور القدس يرى بها حقائق الأشياء وبواطنها.
العيان: مثل الاستبصار والشهود.
العزة: الغلبة الآتية على كلية الظاهر والباطن.
الجذب: والجذية هي تقريب العبد بمقتضى العناية الإلهية المهيئة له كل ما يحتاج إليه في طي المنازل إلى الحق بلا كلفة وسعي منه.
الجلال: هو احتجاب الحق تعالى عنا بعزته أن نعرفه بحقيقته وهويته كما يعرف هو ذاته فإن ذاته سبحانه لا يراها أحد على ما هي عليه إلا هو.
الجمع: شهود الحق بلا خلق.
الجمال: هو تجليه تعالى بوجهه لذاته. فلجماله المطلق جلال هو قهاريته للكل عند تجليه بوجهه، وهو ظهور في الكل.
القدر (ج. أقدار): تعلق الإرادة الذاتية بالشيء في وقته الخاص، فتعلق كل من أحوال الأعيان بزمان معين عبارة عن القدر.
الكمال: ما يكمل به النوع في ذاته أو في صفاته.
الكرامة (ج. كرامات): هي ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوة النبوة فما لا يكون مقرونا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجا، وما يكون مقرونا بدعوى النبوة يكون معجزة.
الكشف: هو الإطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجودا وشهودا.
الكثيف: مقابل اللطيف.
الكثيفة (ج. كثائف): مقابل لطيفة ولطائف.
الكون (ج. الأكوان): اسم لما حدث دفعه. وقيل حصول الصورة في المادة بعد أن لم تكن فيها. وعن أهل التحقيق فالكون عبارة عن وجود العالم من حيث هو عالم لا من حيث أنه حق، وإن كان مرادفا للوجود المطلق العام عند أهل النظر وهو بمعنى الكون.
الخلق: تقدير أمشاج ما يراد إظهاره بعد الامتزاج والتركيب صورة، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا اقتداء. وهو مقابل الحق.
الخلوة (ج. خلوات): محادثة السر مع الحق بحيث لا يرى غيره وهذه حقيقة الخلوة ومعناها، وأما صورتها فهي ما يتوسل به إلى هذا المعنى من التبتل إلى الله تعالى والانقطاع عن الغير.
الخدمة: القيام على خدمة القوم والسهر على راحتهم.
اللطيفة (ج. لطائف): كل إشارة دقيقة المعنى، يلوح منها في الفهم معنى لا تسعه العبارة. وقد تطلق بإزاء النفس الناطقة.
المدد (ج. أمداد): الوجودي هو وصول كل ما يحتاج الممكن في وجوده على االولاء حتى يبقى، فإن الحق يمده من النفس الرحماني بالوجود حتى يترجح وجوده على عدمه.
المجذوب: من اصطنعه الحق لنفسه، واصطفاه لحضرة أنسه، وطهره بما قدسه، في زمن المنح والمواهب ما فاز به بجميع المقامات والمراتب بلا كلفة المكاسب والمتاعب.
المعنى (ج. معاني): وهو ما يعرف بالقلب. وهي أسرار الذات اللطيفة القائمة بالأشياء.
المقام (ج. مقامات): هو استيفاء حقوق المراسم، فإن لم يستوف حقوق ما فيه من المنازل لم يصح له الترقي إلى ما فوقه. وإنه يسمى مقاما لإقامة السالك فيه.
المعرفة (ج. معارف): وهي التمكن من المشاهدة واتصالها، فهي شهود دائم بقلب هائم، فلا يشهد إلا مولاه ولايعرج على أحد سواه مع إقامة العدل وحفظ مراسم الشريعة.
المعصية (ج. معاصي): ضد الطاعة.
الموهبة (ج. مواهب): وهي العطية الخالية من الأغراض والأعراض وهي الهبة من الله عز وجل لعباده الصالحين.
الميدان (ج. ميادين): مقام الوجود ومستوى الحقيقة وساحة الروح.
المظهر (ج. مظاهر): مكان الظهور، وهو ظهور الإله.
المعاملة (ج. معاملات): التعامل مع رب العزة.
الموجد: هو رب العزة.
المكون (ج. مكونات): المخلوق والمخلوقات.
المُكوِّن: هو رب العزة.
المناجاة (ج. مناجات): الدعاء بتضرع وخشوع وهي بين الله والعبد سرا كان أو ظاهرا.
المقرب (ج. المقربون): من الله عز وجل.
المراقبة: إدامة علم العبد بإطلاع الرب أو القيام بحقوق الله سرا وجهرا خالصا من الأوهام، صادقا في الآحترام، وهي أصل كل خير.
المشاهدة: رؤية الذات اللطيفة في مظاهر تجلياتها الكثيفة. وتطلق على رؤية الأشياء بدلائل التوحيد، و بإزاء رؤية الحق في الأشياء, وبإزاء حقيقة اليقين من غير شك.
المتجرد: من اشتغل بالتجريد، وهو مقابل المتسبب.
المتسبب: هو من اشتغل بالأسباب وهو مقابل المتجرد.
النفس (ج. أنفاس): ترويح القلب بلطائف الغيوب وهو للمحب الأنس بالمحبوب.
النفس (ج. النفوس): هي الجوهر البخاري اللطيف الحامل لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية وهي عند القوم عبارة عما يذم من أفعال العبد وأخلاقه.
النية: القصد والإعتقاد والعزم.
نور الأنوار: هوالحق تعالى سبحانه.
القبض: والبسط هما حالتان بعد ترقي العبد عن الخوف والرجاء. وهما بأمر حاضر في الوقت يغلب على قلب العارف من وارد غيبـي.
القلب (ج. القلوب): جوهر نوراني مجرد يتوسط بين الروح والنفس الناطقة.
القدم: هي السابقة التي حكم الحق بها للعبد أزلا. وهو ما ثبت للعبد على علم الحق.
القرب: عبارة عن الوفاء بما سبق في الأزل من العهد الذي بين الحق والعبد. وقد يخص بمقام قام قوسين. وهو كناية عن قرب العبد من ربه بطاعته وتوفيقه.
الربّ: اسم للحق باعتبار نسبة الذات إلى الموجودات الغيبية أرواحا كانت أو أجسادا.
الرزق: اسم لما يسوقه الله إلى الحيوان فيأكله فيكون متناولا للحلال والحرام.
الربوبية: طبيعة الرب وهي مقابل العبودية.
الروح (ج. أرواح): هي اللطيفة الإنسانية المجرد. وهي عند القوم عبارة عن محل التجليات الإلهية وكشف الأنوار الملكوتية.
الروحانية: من الروح.
الرؤية: إدراك المرئي وهو على أضرب بحسب قوى النفس: الأول بالحاسة ونحوها، والثاني الوهم والتخيل، والثالث بالفكر والرابع بالعقل.
السبب (ج. أسباب): ما يضاف إليه الحكم، لتعلق الحكم به من حيث إنه معرف للحكم أوغيره معرف له.
الصحو: الرجوع إلى شهود الأثر وقيامها بالله وأنها نور من أنوار الله. وهو على قدر السكر، فمن كان سكره حق كان صحوه حق.
السالك: هو السائر إلى الله. التوسط بين المريد والمنتهى ما دام في السير.
السريرة (ج. السرائر): انمحاق السالك في الحق عند الوصول التام.
السير: هو السفر وهو توجه القلب إلى الحق.
الشبح (ج. أشباح): مثال الشيء مع خفاء.
الشاهد: ما يحضر القلب من أثر المشاهدة وهو الذي يشهد له بصحة كونه مختصا من مشاهدة مشهوده إما بعلم لدني لم يكن له فكان، أو وجد أو حال أو تجل أو شهود.
الشوق (ج. أشواق): إنزاع القلب إلى لقاء الحبيب وهو يزول برؤية الحبيب ولقائه.
الشهود: رؤية الحق بالحق.
الصفة (ج. صفات): هي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها.
السر (ج أسرار): هو ما يخص كل شيء من الحق عند التوجه الإيجادي إليه. وهو عبارة عن محل تجليات الإسرار الجبروتية.
السكر: هو اتصال الذوق ودوامه ومراجعه إلى فناء الرسوم في شهود الحي القيوم. والسكر على قدر الصحو.
السلوك: النفاذ في الطريق.
الطاعة (ج. طاعات): هي موافقة الأمر طوعا. وعرفت أيضا بأنها كل ما فيه رضى وتقرب إلى الله وضدها المعصية.
التعرف: معرفة الإنسان للرب عز وجل بفضله ومنه.
التعبير: مختص بتفسير الرؤيا، وهو العبور من ظواهرها إلى بواطنها، وهو أخص من التأويل.
التدبير: التوجه الذاتي والرغبة الذاتية وهو إيجابي إن كان مطابقا لرغبة الله عز وجل.
التحقق: شهود الحق في صور أسمائه التي هي الأكوان.
التجلي: ما يظهر للقلوب من أنوار الغيوب. وهو عبارة عن كشف العبد بعظمة ربه.
التجريد: إماطة السوى والكون على السر والقلب إذا لا حجاب سوى الصور الكونية والأغيار المنطبعة في ذات القلب والسر فيهما.
التلوين: هو الاحتجاب عن أحكام حال أو مقام.
التمكين: هو الوصول إلى صريح العرفان والتمكن من الشهود.
التنـزل: وهو ما ينزل من الحقائق الإلهية على المجذوب.
الترقي: التنقل في الأحوال والمقامات والمعارف.
التوجه: السير نحو الله.
التوحيد: وهو على قسمين: توحيد البرهان وهو إفراد الحق بالأفعال والصفات والذات من طريق البرهان. وتوحيد العيان وهو إفراد الحق بالوجود في الأزل والأبد.
العباد: (انظر عابد).
العبودة: من شاهد نفسه في مقام العبودية لربه.
العبودية: وهي القيام بآداب الربوبية مع شهود ضعف البشرية، وهي القيام بحق الطاعات بشرط التوقير.
العزلة: هي الخروج عن مخالطة الخلق بالانزواء والانقطاع.
الوجدانية: هي إفراد الحق بالوجود ولا يكون إلا بعد انطباق بحر الأحدية على الكل بحيث لم يبق وجود لغيره قط.
الوهم: هو إدراك المعنى الجزئي التعلق بالمعنى المحسوس.
الوقت (ج. أوقات): ما حضرك في الحال، فإن كان من تصريف الحق فعليك الرضا والاستسلام. ولذا قيل: الصوفي ابن الوقت.
الوارد (ج. الواردات): كل ما يرد على القلب من المعاني من غير تعمد العبد.
الوصف (ج. أوصاف): ذاتي للحق وهو أحدية الجمع والوجوب الذاتي والغنى عن العالمين، وذاتي للخلق وهو الإمكان الذاتي والفقر الذاتي.
الوارد (ج. الواردات): كل ما يرد على القلب من الخواطر المحمودة والمعاني الغيبية من غير تعمد من العبد. ويطلق بإزاء كل ما يرد من اسم على القلب.
الوجود: وجدان الحق ذاته بذاته، ولهذا تسمى حضرة الجمع حضرة الوجود.
الوصول: الاتحاد مع الله.
اليقين: وهو سكون القلب إلى الله بعلم لا يتغير ولا يتحول ولا يتقلب ولا يزول.
الزهد: خلو القلب من التعلق بغير الرب أو برودة الدنيا من القلب وعزوف النفس عنها.
الزاهد (ج. زهاد): من تحلى بالزهد.
الظاهر (ج. ظواهر): عكس الباطن. وهو عبارة عن أعيان الممكنات. وظاهر الوجود هو تجليات الأسماء. وظاهر الممكنات هو تجلي الحق بصور أعيانها وصفاتها وهو المسمى بالوجود الإلهي، وقد يطلق عليه ظاهر الوجود.



( انتهى )

منقول من موقع الطريقة القادرية

محب الحبيب علي
29 Apr 2007, 05:06 PM
الحكمة الحادية والعشرون



طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ شرح الفقرة الأولى منها: ((طلبك منه اتهام له))

هذه الحكمة تتألف من أربع فقرات، لكل منها معنى مستقل. فلنبدأ
بشرح الفقرة الأولى منها: ((طلبك منه اتهام له)) :قضت
محكمة نمرود على سيدنا إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة
والسلام، بالحرق لأنه كسّر أصنامهم.. وجيء بالحطب الكثير
فأضرمت فيه النيران، حتى ارتفعت ألسنة اللهب واشتدّ أواره،
وجيء بسيدنا إبراهيم مقيداً ووضع في المنجنيق (القاذف) ليلقى
به منه إلى تلك النيران الموقدة.فهل في الساعات التي يحتاج
فيها العبد إلى ربه عز وجل كهذه الساعة التي مرّ بها سيدنا
إبراهيم احتياجاً إلى لطف الله وحمايته؟!..


ـ مثال توضيحي قصة النمرود مع سيدنا إبراهيم إذ قرر حرقة
بالنار

ومع ذلك فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام لم يتجه إلى ربه عز
وجل بأي طلب. بل قال وهو يرمى به في النار: حسبي الله ونعم
الوكيل روى_ذلك_البخاري_في_صحيحه_من_حديث_ابن_عباس. .وهذه
الكلمة استسلام لأمر الله وحكمه، وليس فيها رائحة طلب لشيء.فما
الذي صرف خليل الرحمن عن المسألة وطلب النجاة من عتو نمرود
وبطشه؟..إنه حالٌ هيمنت عليه في تلك الساعة، ألجمته عن
السؤال..كان يعلم أنه إنما حكم عليه بهذا العقاب الفريد من
نوعه لأنه انتصر لوحدانية الله بكل ما أوتي من وسيلة وقدرة.
وهو يعلم بأن الله عز وجل لا بدّ أن يبادل حبه لذاته العليّة
بحبه الذي هو أجلّ وأقدس، بل هو الأسبق في قضاء الله وعلمه،
وهل يتخلى المحب عن محبوبه، بل هل يتخلى المحبوب جل جلاله عن
عبده الذي يحبه؟ هيهات، بل معاذ الله!...لقد كان سيدنا إبراهيم
إذن واثقاً الثقة التامة بأن مولاه الواحد المحب المحبوب لن
يتخلى عنه.وهذا هو معنى قوله: حسبي الله ونعم الوكيل.إنها كلمة
الواثق برحمة الله المطمئن إلى حمايته له ودفاعه عنه وانتصاره
له، فكيف يتجه إليه بالمسألة والطلب مع ذلك؟!..إن حاله التي
كان فيها من عظيم الثقة بلطف الله وبانتصاره له وتداركه له
بالحماية، يتناقض بشكل حاد مع الطلب الذي يفترض أن يتوجه به
إلى الله عز وجل.. فطلبه في هذه الحال التي هو فيها إنما يفسر
باتهامه الله عز وجل بأنه لن يتداركه بالحماية من بطش نمرود إن
هو لم يطلب منه ذلك. وصاحب هذه الثقة يتبوء مركزاً سامياً عند
الله عز وجل.يشير إليه الحديث القدسي الذي يرويه رسول الله عن
ربه عز وجل: ((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما
أعطيالسائلين))
أخرجه_البخاري_في_التاريخ،_والبيهقي_في_شعب_الإيمان، _والبزار_ف
ي_مسنده_من_حديث_عمر_بن_الخطاب. إذ المراد بالذكر هنا شدّة ثقة
العبد بالرب، واستغراق القلب في هذه الحال.قلت لك: هذه حال
تنتاب العبد المؤمن بربه عز وجل من جراء وضع مرّ به أو عمل قام
به، فضاعف ذلك من ثقته برحمة الله وحمايته ونصره وتأييده. وتلك
هي الحال التي هيمنت على سيدنا إبراهيم فألجمت فاه عن التوجه
إلى الله بالمسألة والطلب.. والأمر أو العمل الذي أورثه تلك
الحال انتصاره لدين الله ووحدانيته، عندما أقبل فكسر كل تلك
الأصنام وجعلها جذاذاً متناثرة. إنه -وقد انتصر لمولاه وخالقه-
أيقن أنه عز وجل ناصره وأنه لن يتخلى عنه، فكيف يسأله مع ذلك
سؤال الخائف المرتاب.ولكن هذه الحال قد تغيب لتظهر في مكانها
حال أخرى تتجلى من خلالها مشاعر العبودية لله عز وجل خوفاً من
مقت الله وغضبه وتحسباً لعقاب يرى العبد أنه متعرض له، وذلك
لتقصير وقع فيه أو لسوء بدر منه، فتدفعه هذه الحال إلى أن يلوذ
بكرم الله وصفحه، وإلى أن يرجوه الصفح عن زلاته والعفو عن
تقصيره، ومغفرة ذنوبه وما وقع فيه من سوء.وقد تجلت في حياة
سيدنا إبراهيم هذه الحالة الثانية، كما تجلت فيها الحالة
الأولى التي وصفتها لك.تأمل في كلامه هذا الذي يرويه عنه ربّه
عز وجل بعد أن جادل قومه وأباه في مسألة الأصنام التي
يعبدونها: { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ
الْعالَمِينَ ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي
هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ، وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ
يَشْفِينِ ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ، وَالَّذِي
أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } {
الشعراء: 26/77-82 } إذن فالحال التي انتابت سيدنا إبراهيم هنا
هي الخوف من تقصيره في جنب الله والخوف من عواقب ما يسميه
خطيئة ارتكبها فاستحق بها العقاب.. إن من الطبيعي أن تدفعه هذه
الحال الثانية إلى أن يبسط كفيه بالدعاء تذللاً وانكساراً بين
يدي الله عز وجل، وهذا ماحكاه عنه بيان الله عز وجل بعد أن
تحدث عن خطيئته وطمعه بمغفرة الله له، إنه يقول: { رَبِّ هَبْ
لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ، وَاجْعَلْ لِي
لِسانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ
جَنَّةِ النَّعِيمِ ، وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ
الضّالِّينَ ، وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ، يَوْمَ لا
يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ، إِلاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } { الشعراء: 26/83-89 } وعن هذه الحالة
الثانية يتحدث ابن عطاء الله في حكمته الأخرى الآتية قائلاً:
((لا يكن طلبك تسبباً إلى العطاء منه، فيقلَّ فهمك عنه، وليكن
طلبك لإظهار العبودية، وقياماً بحق الربوبية)) .إذن هما
حالتان تعتريان المؤمن: إحداهما تبعث فيه الخجل من الطلب
والدعاء، وذلك عندما يوحي الطلب بضعف ثقة الطالب أو السائل
برّبه عز وجل، وما قد ألزم به ذاته العليّة تجاهه. الأخرى
تبعث فيه الخوف مما يرى نفسه مستحقاً له من الزجر الإلهي
والتأديب الرباني، فيدعوه ذلك الخوف إلى الانكسار والتذللعلى
أعتاب الله عز وجل، وإلى أن يسأله التفضل بالصفح عن إساءاته
وزلاّته وأي الحالتين تعرّض لها المؤمن، فإنها على كل حال لا
تكون إلاّ من ثمرة صدق العبودية لله تعالى. والمؤمن الصادق
المتفاعل مع إيمانه، لا بدّ أن يتقلب، من علاقته بالله عز وجل،
في إحدى الحالتين. * * *

محب الحبيب علي
29 Apr 2007, 05:07 PM
طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ شرح الفقرة الثانية: ((وطلبك له غيبة منك عنه))

ثم ينتقل بنا ابن عطاء الله إلى الفقرة الثانية فيقول:
((وطلبك له غيبة منك عنه)) .طلبك له.. أي بحثك عنه. تقول:
طلبت فلاناً، أو طلبت آية في كتاب الله، أي فتشت وبحثت عنها أو
عنه.وإنما يكون طلب الشيء عند غيابه، وإلا فلا معنى لطلبه؟فمتى
كان الله غائباً حتى يطلب أي حتى يبحث عنه؟!..لقد سبق أن أكد
ابن عطاء الله في الحكمة السادسة عشرة أن الله عز وجل ليس
محجوباً بشيء عن بصيرة الإنسان وعقله.إذ ما من شيء يفترض أن
يكون حجاباً عن الله تعالى إلا وهو دليل عليه، فكيف يكون
الدليل على الشيء حجاباً دون رؤيته أو العلم به؟!..وتأمل في
دقة التعبير في قوله: ((...غيبة منك عنه)) إنه يقول لك:
عندما تجد نفسك في حالة تحتاج فيها إلى البحث عن الله، فاعلم
بأنه ليس غائباً عنك وراء حجاب قد حجبه عنك، ولكنك أنت الغائب
عنه داخل سجن من الجهالة أو التيه أقصاك عنه... إذ إن الذي
عَشِيَتْعيناه عن رؤية ما هو موجود أمامه، لا يقال إن الموجود
غائب عنه، ولكن يقال إنه هو الغائب عن الموجود، إذ الحجاب
يتمثل في ضعف لاصق به، وليس متمثلاً في غشاء مسدل على
الموجود.وتلك هي حال من عَشِيَ عقله، بسبب استكبار هيمن عليه
أو عصبية استعبدته، فلم يعد يؤمن بوجود الخالق عز وجل، وراح
يسأل: أين هو؟ دلّني عليه.قل له: إنه أمامك، بل إنه ملء بصيرتك
وإدراكك، ولكن فلتمزق العصابة التي عصبت بها بصيرتك، بتحررك من
الاستكبار الذي ران عليك، تعلم عندئذ أنك أنت الذي كنت غائباً
عنه داخل سجن مظلم من كبريائك.وما أعتقد أننا بحاجة إلى مزيد
شرح لهذه الفقرة، بعد الذي ذكرناه مفصلاً ومطولاً في شرح
الحكمة السادسة عشرة. * * *

محب الحبيب علي
29 Apr 2007, 05:08 PM
طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ شرح الفقرة الثالثة: ((وطلبك لغيره لقلة حيائك منه))

أما الفقرة الثالثة ، فيقول فيها ابن عطاء الله: (( وطلبك
لغيره لقلة حيائك منه )) . ((الغير)) هنا تشمل الأشخاص أو
الكائنات التي يتوهم أن لها فاعلية مع الله أو من دون الله،
كما تشمل الأعراض والمتع التي يبتغيها ويتعلق بها الإنسان من
دون الله عز وجل.فمن تأمل في هذه المكونات وعظيم إبداعها ورائع
نظامها، ودقائق أهدافها، ثم ابتغى لها خالقاً ومنظماً من دون
الله عز وجل، فقد بالغ في جرأته على الله وعدم الاستحياء
منه.ولا يشترط لابتغاء غير الله أن يذهب هذا المبتغي في البحث
عن غيره مذهب الملاحدة والمنكرين لوجود الله عز وجل، بل يدخل
في ذلك، على حد تعبير ابن عطاء الله هنا، من صدّق بسببية
حقيقية بين الخالق ومخلوقاته، فأضاف الغذاء إلى فاعلية القوت
والنبات، وأضاف فاعليتها إلى فاعلية السحب والأمطار، وأضاف
فاعليتهما إلى أبخرة البخار، موقناً بأن لتلك السلسلة من
الأسباب الجعلية الظاهرة، فاعلية حقيقية طبيعية أو فاعلية
أودعها الله في الأشياء ثم تركها تفعل فعلها.إن على الموقن
بوحدانية الله عز وجل أن يعلم أن الله واحد في ذاته العلية،
وواحد أيضاً في صفاته السنية كلها، فلا يشركه في تلك الصفات
شيء.وهذا التوحيد يستلزم أن تعلم أن ما نظنه أسباباً، في نظام
هذه المكونات إنما هو اقترانات شاءها الله تعالى بين سابق
ولاحق، استمرت وتكررت، فتبدّى لنا من ذلك التكرار المستمر أن
السابق منهما سبب والمتأخر منهما مسبَّب.ولو شاء الله عز وجل
لفك عرى هذا الاقتران بينهما، فظهرت الحقيقة التي لايجوز أن
تغيب عن البصائر، وهي أن الخالق للسابق واللاحق والعلاقة
السارية بينهما (إن كانت ثمة علاقة) هو الله عز وجل.إذن
فتجاهل هذه الحقيقة، وابتغاء الباحث لمسبب غير الله، معه أو من
دونه، إنما هو من جرأته على الله تعالى وقلة حيائه منه.ثم إن
كلمة (غير) تشمل كما قلنا الأعراض والمتع الدنيوية بل
الأخروية أيضاً عندما يتوجه إليها الإنسان ويطلبها من دون الله
تعالى.

محب الحبيب علي
29 Apr 2007, 05:09 PM
طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ بعض الأمثلة الواقعية على ذلك

( بلغني مما روي عن رسول الله أن من داوم على قراءة سورة
الواقعة، وقاه الله من الفقر، فاندفعت إلى قراءة السورة
والمداومة عليها، (وقد كنت من قبل معرضاً عنها غير آبه بها،
كشأني بالنسبة للسور الأخرى في القرآن) لا تقرباً إلى الله
تعالى بقراءة كلامه والإصغاء إلى خطابه ورائع مناجاته، ولكن
وسيلةً أستدرُّ بها الرزق والمال.لا ريب أن هذا يدلّ على قلة
حيائي من الله عز وجل.( قرأتَ في القرآن كلام الله عن الجنة
ونعيمها، وأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفيها ما لا
عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. فاستهواك ذلك
النعيم وتعلقت آمالك به، ثم علمت أن لا سبيل لك إليه إلا إن
أديت ما قد افترضه الله عليك من واجبات وأعرضت عما حذرك الله
منه من محرمات، فتوجهت إلى الالتزام بذلك كله، لا لشيء إلاّ
رغبة في الحصول على ذلك النعيم الخالد الذي أخبرك الله عنه
فآمنت به. بحيث علمت من نفسك أنك إن أيقنت أن طاعاتك ستذهب
هدراً ولن تنال من ورائها هذا الذي تحلم به، فلن تلقي بالاً
لها، ولن تستجيب لأوامر الله التي يخاطبك بها، أو بحيث علمت
أنك إن أيقنت أنّ بوسعك أن تحتال للوصول إلى ذلك النعيم دون أن
ترهق نفسك بشيء من هذه الطاعات والالتزامات، فلسوف تستعمل تلك
الحيلة قفزاً فوق الالتزام بأوامره عز وجل..فاعلم إذن أن هذا
دليل على قلة حيائك من الله عز وجل، بل هو دليل على جرأتك
عليه!..ولكن إياك أن تسيء فهم هذا الكلام الواضح الذي لا يمتري
فيه عاقل آمن بعبوديته لله وبربوبية الله له، على غرار بعض
الأغبياء أو المتغابين، فتظن أن المطلوب من العبد المؤمن أن لا
يطلب الجنة وأن لا يستجير من النيران، فهذا الشرق الذي قد
تتوهمه، لا علاقة له بالغرب الذي نتحدث فيه.لقد أطمعنا الله
بجنته، إذن يجب علينا أن نطمع، فيها وأن نسأله باستمرار أن
يَمْتَنَّ علينا بها، وهذا من كمال عبودية الإنسان لله..ولقد
حذّرنا وخوّفنا من ناره، إذن يجب علينا أن نستشعر الخوف
الحقيقي منها وأن نستعيذ بالله منها، وهذا أيضاً من كمال
عبودية الإنسان له عز وجل.ولكن عليك في كلا الحالتين أن تجعل
عبادتك لذاته العلية، لأنه ربك ولأنك عبده، وهذا معنى قوله عز
وجل: { وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ } { البينة: 98/5 } ربما ساقك الضعف والشعور
بالحاجة إلى أن تطلب منه اللطف بك والصفح عنك، وصرف السوء عنك،
والفضل عليك بالمن والمغفرة والعطاء، لا حرج.. بل هذا هو شأن
العبد تجاه ربه..ولكن ليس لك قطّ أن تجعل التزامك لأوامره
مشروطاً بما تطلبه من عطاياه.فالعبد لا يملك أن يشرط على ربه
شيئاً.أليس هذا الذي يقوله ابن عطاء الله، والذي شرحته لك بهذه
الأسطر من بدهيات الحقائق التي ما ينبغي أن تغيب عن بال عاقل
آمن بأنه عبد لله؟

محب الحبيب علي
03 May 2007, 06:31 PM
طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ العبد الحقيقي هو من يعبد الله لذاته لالغيره من جنة أو
نحوها. ورابعة العدوية مضرب المثل لهذه العبودية الصادقة

إذن فما الذي زادته رابعة العدوية على هذه الحقيقة أو نقصته
منها عندما كانت تناجي ربها قائلة: اللهم إني ماعبدتك خوفاً من
نارك ولاطمعاً في جنتك ولكني علمت أنك رب تستحق العبادة
فعبدتك.وأنت تعلم، إن كنت ممن تتبعت أدعية رابعة في عباداتها
وخلواتها، أنها كانت كثيرة الاستجارة من عذاب الله والبكاء عند
الآيات التي يصف الله فيها عقابه الذي توعد به الجاحدين
والمستكبرين، وكانت كثيرة الأمل برحمة الله والطلب لمغفرته وأن
يكرمها بجنته.ولكن فلتعلم أن هذا الطلب والاستجداء شيء، وأن
ربط العبادات والطاعات بشرط الجنة شيء آخر، فلايذهبن بك الغباء
مذهباً تخلط فيه بين هذا وذاك.ولايُدْخلنَّ عليك شيئاً من
الوهم تجاه هذه الحقيقة الواضحة، مايفهمه بعض الناس خطأ من
قوله تعالى: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 } فربط الجنة، جزاءً، بالعمل
الصالح، إنما هو بالتفضّل من طرف واحد، إن صح التعبير، وهو
الله عز وجل، وليس باتفاقية تَمَّتْ منطرفي العبد والرب جل
جلاله!.. إنه من قبيل قول الله عز وجل: { مَنْ ذا الَّذِي
يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً
كَثِيرَةً } { البقرة: 2/245 } فهل بوسعك أن تفهم من هذه الآية
أن عقداً حقيقياً من الاستقراض والإقراض يجري ما بين الله
تعالى وعبده، يُلْزَم الله بموجبه أن يعيد ما اقترضه من عبده
ومعه أضعاف مضاعفه؟!.. وهل يملك العبد شيئاً حتى يقرضه
لربه؟!..المسألة ليست إلا تعبيراً حلواً عن لطف الله وتفضله إذ
جعل جنته حقاً لمن يؤدي ما افترضه الله عليه. وإلاّ فقل لي كيف
تستطيع أن تجمع وتنسق بين تفضل الله عليك بهذا العطاء، وبين
تسمية هذا الذي يتفضل ويمتنّ به عليك حقاً تستوجبه؟وإليك هذا
المثل المقرب، ولله المثل الأعلى، رجل غني كريم مرّ في طريقه
بفقير منعته العفة عن المسألة، فوضع أمامه بين أيدي المارة
هناتٍ رخيصة تافهة كعلب كبريت، دفاتر صغيرة، أقلام رصاص..
تحركت الرحمة في قلب الغني الكريم له، ولم يشأ أن يحرج مشاعر
عفته، فاشترى منه واحدة من تلك العلب ونقده قيمةً لها، ورقة من
فئة الألف ليرة.هل في الناس من يجهل أن هذا العقد إنما جرى من
طرف واحد، هو الغني الكريم الذي أصرّ على أن يغطي إكرامه
بصورةٍ لعقد شراء؟فيا عجباً لهذا الفقير إن بلغ به الغباء إلى
أن تغيب عنه هذه الحقيقة، وأن يتصور أن عقد بيع حقيقي جرى بينه
وبين هذا الذي جاء ملهوفاًليشتري منه ما هو بأمس الحاجة إليه
من علبة الكبريت التي لو لم يتفضل عليه الفقير فيبيعها له بألف
ليرة سورية، لوقع المشتري من ذلك في ضيم لا مفرّ له منه!..أليس
الذي يتصور أن عقداً حقيقياً جرى بينه وبين الله عز وجل ينصّ
على أنه إن نفذ المطالب والأوامر التي خاطبه الله بها، استحق
في مقابل ذلك الجنة التي وعده الله بها طبقاً للمواصفات التي
التزم له بها، نسخة طبق الأصل لذلك الفقير المغرور الذي توهم
أنه إنما استحق الألف ليرة ثمناً لعلبة الكبريت التي
باعها؟!..ومع ذلك فإن على من ظل الوهم راكباً رأسه أن يدرك قول
رسول الله في الحديث الصحيح: ((لن يُدخل أحدَكم الجنة عمله،
قالوا ولا أنت يارسول الله؟ قال: ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله
برحمته)) متفق_عليه_من_حديث_أبي_هريرة_بألفاظ_متقاربة.

محب الحبيب علي
03 May 2007, 06:32 PM
طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ شرح الفقرة الأخيرة: ((وطلبك من غيره لوجود بعدك عنه))

ويختم ابن عطاء الله حكمته هذه بقوله: وطلبك من غيره لوجود
بعدك عنه. قد تكون لك حاجات أو رغبات تطلبها، والمفروض في هذه
الحالة أن تطلبها من الواحد الذي لا يملك أن يحققها لك غيره،
فإن تحولت عنه، وطلبتها من غيره، فإنما ذلك بسبب بعدك عن الله
عز وجل. وليس المراد بالبعد هنا، البعد المكاني الذي تحدّه
المسافات، وإنما المراد الجهل به أو النسيان له.إذ لو لم تكن
جاهلاً به أو ناسياً له، لعلمت أنه لا نافع ولا ضارّ في الكون
غيره، ولأيقنت أن كل ما يتم في الكون من حركات وسكناتوتقلبات
وأحوال فبتدبيره وبأمره يتم. والكل جنود له لا يخرجون عن
مشيئته وحكمه قيد شعرة.

محب الحبيب علي
03 May 2007, 06:32 PM
طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ ليس معنى الطلب من غيره تعاملك مع الأسباب، بل التعامل
مع الأسباب مع الطلب من المسبب هو المطلوب وهو شأن المسلم

وليس المراد أيضاً بالطلب الذي يحذر منه ابن عطاء الله هنا،
تعاملك مع نظام الأسباب والمسببات، كما قد أقامه الله في هذه
الحياة الدنيا، وإنما الذي يعنيه توجه القلب والعقل إلى ما سوى
الله باعتقاد أنه ذو أثر أو فاعلية من دون الله عز وجل.ولشرح
هذه الفقرة ينبغي أن نعلم أن الإنسان مكلف بصدد هذه المسألة
بموقفين: موقف اعتقادي، وموقف سلوكي.أما الموقف الاعتقادي
فيتلخص فيما قلته لك: أن يعلم جازماً أن لا نافع ولا ضارّ ولا
محرّك ولا مسكّن في الكون كله إلاّ الإله الواحد الذي فطره،
وكيف يكون شريكاً مع الله في شيء من ذلك من لم يكن موجوداً ولم
يكن شريكاً معه في الخلق والإبداع.ولست بحاجة إلى عرض الأدلة
العقلية والنقلية بعد الذي بينته لك من ذلك من قبل.فإن غاب عنك
شيء منها، فعد إلى ماذكرته لك في تفسير قول الله تعالى عن ذاته
العليّة ((القيوم)) وفي تفسير قوله تعالى: { وَمِنْ آياتِهِ
أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ } { الروم:
30/25 } ثم كيف يصدّق العقل، أو يتصور، أن ينهض المخلوق، فيصبح
شريكاً مع خالقه، أو أن يقوم بالتنظيم والتدبير مقام
خالقه؟!..كيف يتصور أن يكون الموجود الضعيف الذي ظهر وجوده بين
ضعفي عدم سابق وعدم لاحق، ذا قدرة في التدبير أو التحريك؟!..من
أجل هذا وجه سيدنا رسول الله نصيحته الغالية هذه إلى سيدنا
عبد الله بن عباس قائلاً: ((ياغلام، إني أعلمك كلمات: احفظ
الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا
استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك
بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن
يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام
وجفت الصحف))
رواه_الترمذي_من_حديث_عبد_الله_بن_عباس،_وقال_عنه:_ح سن_صحيح.
.وأما الموقف السلوكي ، فيتلخص في ضرورة الانسجام والمواءمة
مع النظام الذي سيّر الله كونه هذا عليه، أعني نظام السببية
الذي أقيمت علاقة الأشياء بعضها مع بعض على أساسه.فأنت ترى
فيما يبدو لك أنه ما من ظاهرة تبدو على مسرح هذه الدنيا إلا
وهي متأثرة بظاهرة قبلها ومؤثرة في أخرى تأتي من بعدها. لا
يشذّ عن ذلك شيء اللهم إلا الخوارق النادرة التي يقضي بها الله
في كونه لحكم وأسباب، كالتي تقع للرسل والأنبياء.إن الواجب
الذي يكلف الله به عباده، هو التعامل الإيجابي مع هذا النظام
والانسجام معه..لقد قضى الله تعالى أن يخلق الشبع في الإنسان
عندما يتناول قدراً معيناً من الطعام، إذن فعلى المسلم أن يتخذ
طريقه إلى الشبع بهذهالوسيلة، ولقد قضى الله أن يخلق في كيانه
الريّ بعد الظمأ، عندما يتناول فيشرب كأساً من الماء، إذن يجب
عليه أن يتخلص من الظمأ المهلك بهذه الوسيلة، وقضى أن يخلق فيه
الشفاء من المرض عندما يتناول الدواء الذي قرر الأطباء أهميته
وجدواه، إذن ينبغي أن يتداوى كما أمر بذلك رسول الله.. ولقد
قضى الله أن يخلق الاحتراق عند ملامسة النار، وأن يخلق الموت
عند تجرع السم، إذن يحرم على الإنسان أن يعرض نفسه للوقوع في
النار أو لتناول السم.ومن زعم أنه لا يريد التعامل مع هذه
الأسباب الظاهرية أو (الجعلية) كما يسميها علماء التوحيد،
لأنه يتعامل مع عقيدته التي لا يرتاب فيها، وهي أن النافع
والضار هو الله عز وجل، فهو مثلاً لا يريد أن يأكل إن جاع ولا
يريد أن يشرب إن ظمئ، ولا يريد أن يتقي النار المحرقة ولا السم
المهلك، فهو قليل الأدب مع الله، إذ يتدلل عليه بما لا حَقَّ
له فيه ولم يخوّله أي سبيل إليه.قضى الله أن يربط الأشياء
بعضها ببعض ربطاً صورياً، لحكمة باهرة بوسعك أن تطّلع عليها في
كتب العقيدة، وإنما يريد هذا المتدلل على الله بما لم يأذن له
فيه، أن يقول له: أنا أعلم أنك أنت الذي تحرق، لا النار، وأنت
الذي تهلك لا السم، وأنت الذي تروي الظمآن لا الماء. وقد قررت
أن أتعامل مع الكون بناء على ما أعتقد، لا بناء على ماتظهر
وتنظم. فأرني الحق الذي أعتقده، ولا تعاملني حسب النظام الذي
تقود به المخلوقات!!..فمن أنت حتى تتجرأ عليه وتطلب منه أن
يتخلّى عن قراره الذي اتخذه للسير بالمكونات على أساس من رابطة
العلل الشكلية أو الجعلية،أن يشبعك بدون طعام ويرويك بدون ماء،
ويشفيك بدون دواء، وأن يحميك من السم إن تجرعته، ومن النار إن
اقتحمت فيها... إلخ؟؟..هذا الدلال الممجوج الثقيل، لم يدْن
إليه بأي التفاتة لا الرسل والأنبياء ولا الربانيون الصادقون
من علماء هذه الأمة..وإن وجدت من صبغ نفسه بصبغة التصوف: أو
سمعت بترجمته في غابر الأزمان، وكان من عادته أن لا يلتفت (في
سلوكه) إلى عالم الأسباب، لأنه مصرٌّ على أن يقنعك بأنه
دائماً مع المسبب، فاعلم أنه معطّل للشرع، وأنه جاهل بمبادئ
التوحيد وقواعده، وأنه يتسامى على الرسل والأنبياء بمتطلباته
التي يتدلل بها على الله عز وجل.نعم... يجب على المسلم أن
يتعامل مع الأسباب تحت سلطان الشرع وضمن قيوده وضوابطه. أي
يتعامل معها ويبحث عن السبيل إليها، مادام الشرع يأمر بذلك، أو
لا ينهى عن ذلك على أقل تقدير.فأما عندما يتعارض حكم شرعي ثابت
مع الأخذ بسبب ما من الأسباب فإن القيمة التي كان الشرع قد
أولاها لذلك السبب تؤول إلى السقوط. كأن يهرع إلى الدواء الذي
وصفه الطبيب له، فعلم أنه مسكر، فإنَّ أَخْذَهُ بذلك السبب
يغدو محرماً بالاتفاق
هذا_ما_لم_يثبت_أنه_لاعلاج_لذلك_الداء_غيره،_كما_قرر _ابن_عابدي
ن_في_حاشيته_والعز_ابن_عبد_السلام_في_كتابه_(قواعد_ا لأحكام_في_
مصالح_الأنام)،_انظر_كتابي_مع_الناس_ص6 ـ7. .وكأن يهرع إلى
السوق ليمارس أعماله التجارية، دون أن يبالي بدخول وقت الظهر
من يوم الجمعة، محتجاً بأن على المسلم أن يتفاعلينسجم مع ما قد
قضى الله به من نظام الأسباب والمسببات، ومثل ذلك أن يأخذ من
حساب واجباته الدينية، لأعماله ووظائفه الدنيوية، وكأن تصرّ
المرأة على الخروج إلى العمل والكسب، في جوّ موبوء لا تملك فيه
المحافظة على الواجبات الشخصية التي كلفها الله بها.ففي هذه
الصور وأمثالها، تسقط شرعية الاهتمام بالأسباب، وتبرز في
مكانها فاعلية العقيدة التي يجب أن لا تغيب عن بال المسلم في
كل الأحوال، وهي أن الله هو وحده مسبب الأسباب، وإن هي إلا
روابط شكلية أقامها الله عز وجل، نوليها الأهمية عندما يأمرنا
بذلك الشرع الإلهي، ونعرض عنها تعاملاً مع الحقيقة عندما
ينهانا عن ذلك الشرع.فإن أقامك الله في عالم الأسباب، وأحاط بك
نظامها، فَسِرْ مع مقتضاه، وابحث عن المسببات من خلال سعيك
وراء الأسباب.وإن أقامك الله في عالم التجريد، وتخلّت عنك
الأسباب وبعدت عنك ظروفها، فعد إلى الأصل واركن إلى المسبب،
وانتظر العطاء والفرج من المسبب عز وجل.وفي كلا الحالين، لا
تعلق فؤادك إلاّ بمولاك الذي بيده كل شيء والذي إليه مردّ كل
شيء، وردد مع المنشد قوله: لاتعلق بسواه أملاً إنما يسقيك من
قد زرعك * * *

محب الحبيب علي
09 May 2007, 10:06 AM
الحكمة الثانية والعشرون



ما من نفَس تبديه إلاّ وله قدر فيك يمضيه

ـ الشرح الإجمالي لهذه الحكمة وبيان مستندها من كلام رسول
الله

النَفَس هو هذا الهواء الصاعد والنازل من وراء صدرك. وهو يتألف
من شهيق وزفير.. وحياة الإنسان إن هي إلا مجموعة أنفاسه. وإنما
تتحقق أعمال أحدنا وأقواله وتصرفاته وأنشطته، في ساحة هذه
الأنفاس التي يتمتع بها.إذن، فابن عطاء الله يخاطب كلاً منا من
خلال حكمته هذه قائلاً: يا ابن آدم، إن كل تقلباتك وكل أحوالك
الصغيرة والكبيرة الخفية والمعلنة، داخل في قضاء الله وقدره،
بحيث ماتكاد تطلق شهقة ثم زفرة إلا وهو داخل في سجلّ علم الله
عنك.وأساس هذا قول رسول الله : ((كل شيء بقدر حتى العجز
والكيس)) رواه_مسلم_وأحمد،_من_حديث_عبد_الله_بن_عمر. ومن ثم
فإن معرفة هذه الحقيقة واليقين بها من أوليات العقيدة
الإسلامية.أما ثمرة تشبع المسلم بهذه الحقيقة، فهي أنه يستريح
بذلك ويريح. على أن لا ينسى ما قلناه من ضرورة التعامل مع
الأسباب لا اعتماداً عليها ولكن تأدباً مع الله عز وجل في
الخضوع للنظام الذي سيَّر هذه المكونات على أساسه.ينهض المسلم
بما كلفه الله به، ويبحث عن المسبَّبات عن طريق التعامل مع
أسبابها، فإن هو وصل إلى مبتغاه حمد الله عز وجل موقناًأن الله
هو المتفضل عليه، وإن لم يصل إليه استسلم لحكم الله موقناً أن
الله لم يقدّر له في سابق غيبه وعلمه هذا الأمر، واستراح من
القلق والاضطراب متذكراً قول الله تعالى: { وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ
تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } { البقرة: 2/216 } ومن ثمرات تشبع
المسلم بهذه الحقيقة أنه لا يبالي أن يغامر في سبيل ما شرعه
الله له أو أمره به، بجسده وراحته، بل بماله وحياته إن تطلب
الأمر ذلك، إذ هو يعلم أن ما قد سجل في علم الله وغيبه القديم
لا بدّ أن يجري ويتم، سواء أعرض عما ينبغي أن يفعله وتكاسل، أو
أقبل وغامر.. إذن فالكسل غير وارد، لأن الله قد أمره بالسعي
والعمل وبذل كل ما يملك من جهد، مادامت الغاية مشروعة أو
مطلوبة، والإقدام لا حاجة إلى الخوف من نتائجه وأخطاره، مادام
المقدّر لا بدّ أن يجري وأن يتحقق في ميقاته.والنتيجة أن يلتزم
المسلم الذي أيقن بهذا، بميزان الشرع في إقدامه وإحجامه، ثم لا
يبالي بشيء من المخاوف التي قد تصيبه أو تطوف به.. وتتجلّى هذه
النتيجة أكثر ما تتجلى، في أنشطة المسلمين، في العصور الغابرة
على طريق الجهاد والدعوة إلى الله عز وجل والعمل على نشر
المبادئ والقيم الإسلامية، الاعتقادية منها والحضارية. فقد
ضربوا الأمثلة المدهشة في المغامرة بالمال والحياة ومفارقة
الأوطان والتعرض لشتى الأخطار، وها هم أولاء قد تناثرت قبورهم
في أنحاء العالم الإسلامي الذي لم يكن إسلامياً آنذاك.ولو
ساءلت نفسك عن السرّ الذي حملهم على كل ذلك، لعلمت بدون كثير
تأمل أو جهد أنه الالتزام بأوامر الله أولاً، والاستهانة
بالأخطار على تفاوتها وتنوعها ثانياً، ولكن، فمن أين جاءت تلك
الاستهانة؟.. لا ريب أنها إنما جاءت من اليقين بأن كل ما
سيواجه الإنسان في حياته ليس إلا مصداقاً لقضاء الله وقدره. *
* * بوسعك أن تعلم إذ أن كل مايجري في حياة الإنسان، من أعماله
وتصرفاته الاختيارية، وشؤونه وأحداثه الاضطرارية، مرآة دقيقة
للقدر المغيّب عنا في علم الله عز وجل. وليس في شؤون الإنسان
وتصرفاته ما هو داخل في هذه المرآة وما هو خارج منها، بل الكل
مرآة دقيقة لقدر الله عز وجل.ولكن كثيراً من المسلمين يظلون
ويا للأسف في جهالة عمياء تجاه هذه الحقيقة التي هي من أوليات
الدين.تسألني فتيات هذا السؤال الدائم: هل الزواج قسمة
ونصيب؟أقول: ما معنى قسمة ونصيب، تقول السائلة: يعني أهو قضاء
وقدر؟ويسألني السؤال نفسه كثير من الشباب!!..تقع حادثة ما،
وينتهي التحقيق في التعرف على حقيقة الحادثة وأسبابها، إلى
أنها قضاء وقدر!.. أي ليس لها خلفيات مسببِّة. ومعنى ذلك أن
الحادثة لو كانت مستندة إلى خلفيات مسببة، إذن لما كان لها
علاقة بالقضاء والقدر!..وقد انتشر هذا التصور الأخرق، حتى غدا
ذلك مصطلحاً يعتمده كثير من القانونيين والمحامين، في تقسيم
الحوادث إلى ما له سبب جرمي وإلى ما ليس له سبب جرمي.كل هذا...
ورسول الله يقول في الحديث الصحيح والمعروف: ((كل شيء بقدر
حتى العجز والكيس)) . * * *

محب الحبيب علي
09 May 2007, 10:07 AM
ما من نفَس تبديه إلاّ وله قدر فيك يمضيه

ـ ولكن ما القضاء والقدر؟

ولكن ما القضاء والقدر؟ هذا أيضاً مايتيه أكثر المسلمين عن
معرفته اليوم. وأظن أن تيههم هذا هو سبب جهلهم بأن كل شيء في
الدنيا بقضاء وقدر.القضاء هو علم الله بكل ماسيجري في الكون،
أي مستقبلاً، من الحوادث الطبيعية، والتصرفات البشرية القسرية
منها والاختيارية.والقدر وقوع هذا الذي تعلق به علم الله
تعالى، مطابقاً لعلمه، إذن فالقضاء هو علم الله بكل ماسيجري
مستقبلاً.والقدر هو المرحلة التنفيذية لذلك المعلوم الذي كان
مخبوءاً في غيبه عز وجل.وهل يساورك شك في أن الله يعلم ماسيجري
في ملكوته، وهل يجري شيء ما في ملكوته إلا بخلقه وقدرته، فكيف
لا يحيط علمه بما قرر أو (خطط) خلقه أو إعدامه أو تكييفه؟ وليس
قضاء الله عز وجل أكثر من علمه بما قد قرر فعله.فإذا علمت أن
قضاء الله هو علمه بما سيكون، علمت أن القضاء لا علاقة له
بالجبر أو الاختيار كما يتوهم كثير من الناس. إذ القضاء هو
العلم، والعلم صفة كاشفة لا تستلزم بحدّ ذاتها جبراً ولا
اختياراً.ولكن بوسعك أن تتبين ما قد تعلق به علم الله عز وجل،
وأن تتأمل فيه لتدرك أنه ينقسم:إلى ما علم الله أنه سيخلقه
بأمر تكويني لاعلاقة للاختيار الإنساني به، كالحوادث التي تعرض
لما يسمونه الطبيعة من فياضانات وزلازل وتقلبات مناخية وتطورات
نباتية وكالحوادث التي تنزل قسراً بالإنسان، من ولادة وموت
وأمراض وعاهات ورقاد، ويقظة، وسقوط...إلخ.وإلى ما علم الله أنه
سيخلقه تبعاً لما قد تتجه إليه رغبة الإنسان واختياره، مثل
كافة التصرفات والأعمال التي يمارسها أحدنا برغبته واختياره.
دور الإنسان فيها التوجه واتخاذ القرار، بمقتضى ما أودع الله
فيه من ملكة تجعله صاحب اختيار، ودور الباري عز وجل (إن صح
التعبير) أن يخلق هذا الذي وقع اختيار الإنسان عليه وعزم على
فعله.فهذان النوعان من الأشياء التي تخضع للخلق التكويني،
والأشياء التي يخضع فيها الخلق لإرادة الإنسان واختياره،
كلاهما داخل في معلومات الله عز وجل قبل أن يوجدها.. إذن فكل
ذلك داخل في قضاء الله عز وجل، وذلك لما علمنا من أن قضاء الله
علمه بكل ما سيجري في الكون.أعود فأقول: إن مشكلة عالمنا
الإسلامي أن أكثر المسلمين فيه يمارسون إسلاماً تقليدياً،
فارغاً عن مضمون المعرفة له، وبعيداً عن مضمون الالتزام الدقيق
به!..


ـ الأسئلة التقليدية التي يطرحها المسلمون التقليديون حول
القضاء والقدر

يقول أحدهم: فإذا كان الله يعلم سلفاً أنني سأعصيه، إذن فهو
الذي أجبرني على المعصية!.. وكم من مثقفين، بل متفلسفين،
واجهوني بهذا الإشكال!... دون أن يعلم أحدهم أن صفة العلم صفة
كاشفة للمعلوم كما هو، وليست صفة مؤثرة، أي فهو (العلم)
كالضوء المنبثق من مقدمة سيارتك، يريك ويكشف لك الطريق كما هو،
دون أي تأثير فيه.أرأيت لو كان لك ولد يحضّر للحصول على
الثانوية العامة، وكنت تنصحه وتلحّ عليه دوماً أن يُقْبِل على
الدراسة، ولا يتوانى عنها... فلما أدى الامتحان لم يكتب له
النجاح، أرأيت لو قلت له: لقد كنت أعلم أن النجاح لن يكون
حليفك، أفيسوغ له، فيما يقضي به العلم، أن يقول لك: فأنت الذي
حرمتني النجاح إذن؟لا عِلْمُ الوالد باستحقاق ابنه للنجاح سبب
لنجاحه، ولا عِلْمُهُ باستحقاق ابنه للرسوب سبب لرسوبه، السبب
في كل الأحوال يعود إلى العامل المؤثر، وهو القابلية أوعدم
القابلية.كذلكم العبد بالنسبة لربه الذي أعطاه العقل ومتعه
بالاختيار لا علمه باستقامته على طريق الفوز والعلاج سبب
للفوز، ولا عِلْمُهُ بعدم استقامته سبب لعدم الفوز وللشقاء.
إنما السبب في كل الأحوال مايختاره العبد لنفسه ثم مايبذل من
جهد على طريق ذلك الاختيار.وصدق الله القائل: { وَكُلَّ
إِنْسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ
يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً } { الإسراء:
17/13 } إن الجهل الذريع بحقائق الإسلام، لاسيما الاعتقادية
منها، لاسيما مبحث التسيير والتخيير في حياة الإنسان، هو الذي
حملني منذ سنوات على إخراج كتابي المعروف (الإنسان مسيّر أم
مخير). وأعتقد أن الإحالة إلى هذا الكتاب تغنيني عن المزيد في
شرح هذه الحكمة.غير أن المهم أن تعلم أن كل مايصدر عن الإنسان
من شؤونه القسرية وأعماله الاختيارية على اختلافها، داخل في
علم الله سلفاً، أي إنه جل جلاله يعلم كل ماسيصدر عنه من ذلك،
كلٌّ في ميقاته الزماني وحيزه المكاني، وعِلْمُ الله بما سيجري
في الكون هو الذي يسمى قضاء، فإذا وقع المعلوم، ولن يقع إلا
طبق علم الله به، سمّي ذلك الوقوع المطابق لعلم الله
قدراً.وهذا معنى قول رسول الله: ((كل شيء بقدر حتى العجز
والكيس)) . * * *

محب الحبيب علي
09 May 2007, 10:08 AM
الحكمة الثالثة والعشرون




لاتترقب فراغ الأغيار، فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة
له، فيما هو مقيمك فيه

ـ شواغل الدنيا لامطمع للتخلص منها، في أي من مراحل العمر

ومهما حاول الإنسان أن ينتقي لنفسه حياة صافية نظيفة من هذه
الشواغل، فلن يعثر عليها، مادام يتقلب في فجاج هذه الحياة
الدنيا.إذ إن هذه الشواغل هي المادة الامتحانية التي شاء الله
تعالى أن يبتلي بها عباده، فإذا ترفعوا فوقها وتغلبوا على
آفاتها، استجابة لأمر الله عز وجل، وفّى لهم وعده، وأجزل لهم
المثوبة والأجر، وأكرمهم بنعيم مقيم وسعادة خالدة، وإن ركنوا
إليها وتركوها تتغلب على الوظيفة التي أقامهم الله عليها،
فنسوا في سبيلها الله ووصاياه وأحكامه، نفذ فيهم وعيده، وقضى
عليهم بشقاء لا نهاية له.إذن فلا مطمع في أن يتخلص الإنسان،
مادام في هذه الحياة الدنيا، من هذه الشواغل التي عبر عنها ابن
عطاء الله بالأغيار، بل المطلوبنه أن يعيش في غمارها، وأن
يصارعها حتى يتغلب عليها، فيسخرها لأوامر الله ومرضاته، ولا
يتركها تسخره للانزلاق في حمأة الشهوات والأهواء. وهذا معنى
قول العلماء الربانيين ((الخلوة في الجلوة)) أي ليست الخلوة
التي يطلبها الله منك أن تفرّ من نظام الحياة الدنيا ومجتمعها
الإنساني، إلى كهف قصي لا يراك فيه أحد ولا تراه، وإنما الخلوة
التي يحبها ويشرعها الله لك، أن تكون داخلاً في معترك هذه
الحياة ومترفعاً في الوقت ذاته فوق أوضارها، تجابه تيارات
متعها ومغرياتها متحكماً بها، لا متحكمة بك.

محب الحبيب علي
09 May 2007, 10:09 AM
لاتترقب فراغ الأغيار، فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة
له، فيما هو مقيمك فيه

ـ ولكن شأن كثير من الناس الاستسلام لشواغلها، على أمل أن
يفرغ منها بعد حين، لأوامر الله عز وجل

غير أن في الناس من يجهل هذا القانون الرباني والحكمة منه،
فيستسلم لشواغل الحياة وآفاتها، محدثاً نفسه أنه إنما يستقبل
منها شواغل عابرة، وأنها تمرَّ به وتتجاوزه عما قريب، ولسوف
يفرغ عندئذ لشأنه الذي أمره الله به.فإن كان يمرّ بمرحلة
الشباب، حدث نفسه أن الاستسلام لنزوات الشباب شرّ لا بدّ منه،
ولا محيص عنه، ولكن الشباب سينقضي عما قريب فتفرغ عندئذ حياته
من عقابيله ونزواته، ومن شأن هذا التصور أن يدفعه إلى مزيد من
الاستسلام لها، ومن ثم إلى الغفلة عن مراقبة الله عز وجل.وإن
كان مقيماً في أحد أصقاع أوربا أو أمريكا، لدراسة أو تجارة أو
لشأن ما من شؤونه، حدثته نفسه أن لا مناص من الاستسلام لذلك
الجو الخانق والموبوء الذي هو فيه. وأن ليس أمامه إلا خيار
واحد، هو أن ينتظر مرور هذه الحال وانقضاءها، حيث تزول الشواغل
ويتحررعندئذ من سلطانها.. ومن شأن هذا التصور أن يزداد
استسلاماً لذلك الجو الموبوء، دون أن يشعر بأي حاجة إلى مراقبة
الله عز وجل والاستعانة به.وكذلك شأن كثير من الناس تجاه
الشواغل الأخرى التي قضى الله أن تفور بها هذه الحياة الدنيا.

محب الحبيب علي
09 May 2007, 10:09 AM
لاتترقب فراغ الأغيار، فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة
له، فيما هو مقيمك فيه

ـ العلاج اتباع هذه الحكمة التي يذكرنا بها ابن عطاء
الله، مع البيان والتوضيح

فما العلاج؟ العلاج مايقوله ابن عطاء الله!.. يجب أن يعلم
كل منا أن انتظار التخلص من الشواغل الدنيوية جهل بحقيقة
الدنيا وانتظار في غير طائل. إذ الشواغل التي من شأنها أن تقطع
الإنسان عن الله موجودة، وستظل موجودة إلاّ أنها متنوعة حسب
مقتضيات تبدل الأزمنة والأمكنة.. للشباب شواغله وآفاته..
وللكهولة أيضاً شواغلها وآفاتها.. وللشيخوخة أيضاً آفاتها
ونزواتها. وشواغل الإقامة في ديار الغرب، لن تنتهي إلى غير
بديل، بل ستسلمك تلك الشواغل لدى عودتك إلى دار إقامتك، إلى
شواغل أخرى من نوع آخر.وشواغل السوق ليست شراً من شواغل الأهل
والزوجة والدار..إن الدنيا كلها، كيفما تقلبت في جنباتها، وأنى
شرّقت أو غربت منها، مليئة بالشواغل والأغيار الملهية
والمنسية، إذن فكيف الخلاص منها؟إن الخلاص لايكون بالفرار
منها، على أن الفرار منها، مع البقاء في هذه الحياة غير ممكن.
لأن الشواغل التي عبر عنها ابن عطاء اللهبالأغيار، ليست
محصورةً بما تراه عيناك من زينة الحياة الدنيا وزخارفها
ومغرياتها، وفتنة الناس بعضهم ببعض، حتى تقول لنفسك: سأنجو
منها بالابتعاد عنها واللجوء إلى العزلة والخلوات.إن نفسك التي
بين جنبيك مليئة بالشواغل والأغيار، بل إنها لشواغل أسوأ وأخطر
من تلك التي تطوف بك أو تجابهك في الأسواق والملتقيات
والمجتمعات!..إن حديث نفسك لك عن المزايا التي تتمتع بها،
والقربات التي لم يرتفع إلى شأوها غيرك، وأنت قابع في خلوتك من
أخطر الشواغل المهلكة لك، وإن انشغال قلبك بأولئك الذين
ينتقدون حالك، وينتقصون شأنك، وشعورك بالألم منهم أو الحقد
عليهم، من أسوء الأغيار التي تحجبك عن الله عز وجل وتنسيك شأنك
الذي يجب أن تعنى به وتنصرف إليه.وإن انصراف فكرك إلى الدار
الجميلة التي تتمنى لو أبدلها الله بدارك البسيطة الضيقة التي
تقيم فيها، أو إلى الشهوات التي حرمت كيانك منها ظاهراً وشغلت
بها سرّك باطناً، كل ذلك من الشواغل المخيفة التي قد تحجبك عن
الله عز وجل، وعن مهامّك التي أقامك الله فيها وألزمك بها.فقل
لي إذن: هب أنك فررت من شواغل الأسواق والمجتمعات والملتقيات،
فإلى أين تفرّ من هذه الشواغل التي تفيض بها نفسك التي بين
جنبيك؟إن الفرار من الأغيار أياً كانت وأينما وجدت، إنما يكون
بالالتجاء إلى الله عز وجل. وهذا من معاني قول الله تعالى: {
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
} { الذاريات: 51/50 } ومعنى الفرار إليه كثرة الالتجاء إليه
بالدعاء والشكوى من حال النفس وضعف الكيان، مع مراقبته الدائمة
بواسطة كثرة ذكره ودوام تذكره.وما من ريب أن الإنسان إن أخذ
نفسه بهذا الدواء الذي يعبر عنه البيان الإلهي بالفرار إلى
الله وداوم عليه، فإن الله يجعل له من ذلك مايشبه قارب النجاة
لمن تلاطمت من حوله الأمواج.قد تكون الظروف ألجأته إلى الإقامة
في ديار غربة وكفر، أو تكون أعماله التجارية أو الصناعية
اضطرته إلى الاندماج في مجتمعات أو مجموعات من الناس، يبثون من
سلوكهم وأنفسهم وباء مهلكاً في كل ماحولهم، أو تكون ضروراته
الدراسية زجته بين أقران تائهين عن الله منغمسين في الموبقات..
ومع ذلك فإنّ بوسعه أن يرى قوارب النجاة أمامه مهيّأة في
انتظاره، فإن هو فرّ ملتجئاً إلى واحد منها، فلسوف يرى فيها
سلامته وأمنه من كل تلك المهالك والأخطار. وقد علمت أن هذه
القوارب، إنما تتمثل في صدق الالتجاء إلى الله والدوام عليه،
مع كثرة ذكر الله ومراقبته.ولم يكن فرار أصحاب رسول الله ومن
جاء بعدهم من السلف الصالح، إلا إلى هذا الملاذ.إنك لتعلم أن
رسالة الدعوة إلى الله زجتهم في مخاضة الدنيا، بكل مافيها من
ألوان المغريات والعواصف المهلكة، ووباء الفسوق، وفتنة المال
والحضارات.. فما الذي عصمهم من موبقاتها وآفاتها؟.إنهم لم
يتراجعوا، لينكمشوا عنها إلى سابق عزلتهم وخلواتهم داخل أقطار
الجزيرة العربية، بل خاضوا غمار الدنيا التي انفتحت عليهم،
متوكلين على الله توكلاً حقيقياً، لا لفظياً كشأننا اليوم،
مقبلين على زاد دائم من مراقبة الله وذكره وكثرة الالتجاء إليه
والانكسار بين يديه، داعين متضرعين أن يحميهم الله عز وجل من
تلك التيارات المهلكة التي لا قبل لهم بها وأن لا يكلهم إلى
نفوسهم الأمارة وكياناتهم الضعيفة.. فأسعفهم الله عز وجل
واستجاب لهم، وأكرمهم بوقاية كوقايته عز وجل للوليد في
المهد.وليس خبر عبد الرحمن الداخل وأصحابه القلة عنك
ببعيد!..ألم يغامروا في سبيل نشر رسالة الله، ويتجهوا بها إلى
عالم جديد لا علم لهم به، ولاخبر لديهم عنه، لقد كان ذلك
العالم الجديد الذي وفدوا إليه مليئاً بالأخطار المتجهة إلى
معاشهم وحياتهم الدنيوية، وبالأخطار والشواغل المتجهة إلى
دينهم وعلاقتهم بالله عز وجل.فكيف وقاهم الله شر تلك الأخطار
كلها؟ وكيف أخضع الله لهم تلك المجتمعات، وأنار أمامهم ومن
حولهم تلك الليالي الحالكات؟لو أنهم استسلموا للواقع،
وانتظروا، أو ترقبوا، فراغهم من تلك الأغيار، على حد تعبير ابن
عطاء الله، متصورين أنها ستمرّ بهم وتجتازهم، إذن لاختنقوا في
حمأتها، وأصبحوا أثراً بعد عين، وبقيت تلك المجتمعات تخب في
ظلامها.لقد كان سبيلهم إلى تلك الوقاية الإلهية العجيبة،
فرارهم إلى الله.وكان معنى فرارهم إليه شدّة التجائهم إليه..
كانوا إذا دعوه، دعوه دعاء المضطر الواجف، وكانوا يراقبونه في
كل حركاتهم وسكناتهم وأطوارهم، كانت جسومهم وظواهرهم تتقلب في
غمار تلك العواصف والتيارات والمغريات والأخطار، غير أن قلوبهم
وأفكارهم كانت منصرفة بالذكر والرجاء إلى مدبر الكائنات جل
جلاله.ولو اعتبر المسلمون اليوم بهذه الحكمة التي اعتصرها ابن
عطاء الله من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح،
واتخذوها لأنفسهم منهجاً، إذن لكتب الله لهم من التأييد ماكتبه
لعبد الرحمن الداخل وصحبه.وصدق الله القائل: { وَقالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ
أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحَى
إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ،
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ
خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ } { إبراهيم: 14/13ـ14 } * * *

محب الحبيب علي
31 May 2007, 10:17 AM
الحكمة الرابعة والعشرون



لاتستغرب وقوع الأكدار، مادامت في هذه الدار، فإنها ما
أبرزت إلا ماهو مستحَقُّ وصفها وواجب نعتها

ـ لماذا قضى الله أن تكون حياتنا الدنيوية مشوبة
بالأكدار؟

ولكن لماذا قضى الله أن تكون دارنا الدنيوية هذه مشوبة
بالأكدار، وأن يكون نعيمها ممزوجاً بالغصص، وأن تكون ليالي
السرور فيها مهددة بالمصائب التي قد تكمن وراءها؟


ـ الجواب أن لذلك حكمة تتجلى في حقيقتين اثنتين:

والجواب: أن لله تعالى حكمة باهرة في ذلك، تتجلى في تذكرنا
لحقيقتين اثنتين:

محب الحبيب علي
31 May 2007, 10:18 AM
لاتستغرب وقوع الأكدار، مادامت في هذه الدار، فإنها ما
أبرزت إلا ماهو مستحَقُّ وصفها وواجب نعتها

ـ الحقيقة الأولى

الحقيقة الأولى: أن الله عز وجل جعل من هذه الدنيا دار
تكليف، بل جعل منها قاعة امتحان إن جاز التعبير. وقد علمنا في
أكثر من مناسبة مرّت أن المهمة التي كلّف بها الإنسان في حياته
الدنيوية هذه، هي: أن يمارس عبوديته لله بالسلوك الاختياري،
كما قد خلق عبداً له بالواقع الاضطراري، وإنما يمارس الإنسان
عبوديته لله بالسلوك الاختياري، من خلال تنفيذ أوامره،
والانقياد لأحكامه والخضوع الطوعي لسلطانه. وبذلك غدا الإنسان
مكلفاً .فإذا فرضنا أن الحياة التي أقام الله الإنسان فيها،
ليس فيها إلا النعيم الصافي من الأكدار، فيها السرور الذي
لاتشوبه منغّصات، أنى التفت الإنسان لا يجد إلا ما لذّ وطاب،
وكيفما تقلب وجد نفسه فوق مهاد من الرفاهية الصافية من كل شوب،
إذن فمن خلال أي سلوك أو من خلال أي استجابة لأوامر الله تتجلى
عبودية الإنسان هذه، أي عبوديته لله بسلوكه الاختياري؟ممارسة
العبودية ثمرة للتكليف، والتكليف لا يسمى تكليفاً إلا إن كان
ملاحقةً للمكلَّف بما فيه كلفة أي مشقة. وإذا كانت الدنيا كما
قد وصفت نعيماً مقيماً صافياً عن المنغصات، فأنى للمشقة أن
تظهر، وفي أي أحوال هذا النعيم يتجلّى ويبرز؟عندما يرى الإنسان
نفسه معافى في بدنه لا يتهدده مرض، مستقراً في عهد شبابه لا
يعاني من نذير كهولة ولا مشيب، قد حماه الله من أفواه الشامتين
والساخرين، ومن أيدي الظالمين وفجور الطاغين، غارقاً في بحر من
النعيم وأسبابه فلا يتهدده فقر ولا تدنو إليه فاقة ولا عوز،
آماله محققة وأحلامه مزدهرة. ثم إن التكاليف الإلهية لم تنتقص
له شيئاً من رغده ونعيمه هذا، بل جاءت متساوقة مسايرة لتيارات
رغائبه وأحلامه، فكيف يسمى ذلك تكليفاً والكلفة لم توجد، بل
كيف يسمى ذلك ممارسة للعبودية وسط مناخ لا موجب فيه لتذلل ولا
انكسار، لا افتقار فيه لحاجة أو التجاء؟ولقد علمت مما مرّ ذكره
سابقاً أن الدعاء هو العبادة، وقد علمت أيضاً أن الدعاء ثمرة
الحاجة والفاقة والخوف من الآلام والمصائب، فمنلم يكن خائفاً
على نفسه منها، وكان واثقاً من أنه يعيش في كلاءة حياة ليس
فيها إلا مقومات الرغد والنعمة والسرور، فهو أبعد ما يكون عن
أن يمدّ يد فاقة أو ضراعة إلى الله. ولماذا يمدّها وهو لايعاني
من فاقة ولا يخشى على نفسه من ضيم، وليس من حوله ما يهدد نعيمه
بأي مكروه.إذن، فحياة هي الرغد الصافي عن الشوائب، مع الابتلاء
بالتكاليف التي خاطب الله بها عباده، بينهما من التشاكس
والتناقض ما لا يخفى على ذي بصيرة قط.ومن المعلوم أن سَدَى
ولحمة التكاليف الإلهية هما الصبر والشكر. فمن خلالهما تستبين
العبودية الطوعية لله تعالى.وإنما يكون الصبر أمام الشدائد
والمصائب والآلام. في حين أن الشكر يكون باستخدام النعم التي
أسداها الله تعالى للإنسان للمهام والوظائف التي خلق من أجلها.
فمادّة الصبر هي المصائب والشدائد، ومادة الشكر هي النعم
والرغائب، إذن فحياة التكليف هذه ينبغي أن تكون مزيجاً من هذه
وتلك.وقد نبه البيان الإلهي الإنسان إلى ما لابدّ أن يواجهه في
حياته الدنيوية هذه، من هذا المزيج، ولفت نظره إلىالحكمة من
ذلك. كي لايفاجأ منها بما لم يتوقع.من ذلك قوله جل جلاله: {
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ
قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذَىً كَثِيراً
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ
الأُمُورِ } { آل عمران: 3/186 } ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى:
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ
وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ
وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ ، الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ
مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلَّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ،
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } { البقرة: 2/155ـ157 } ومن
ذلك قوله تعالى: { وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً
أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً } { الفرقان: 25/20 }
وفتنة الناس بعضهم ببعض، تتمثل في الخصومات والأذى ينال بعضهم
من بعض، كما تتمثل في ابتلاء الغني منهم بالفقير والفقير
بالغني.والبيان الجامع لأشتات هذه الابتلاءات كلها قول الله
تعالى: { تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْغَفُورُ } { الملك: 67/1ـ2 } وإذا تبين لك أن الحياة الدنيا
هي دار التكليف أو الابتلاء والامتحان، بان وظهر لك أن الحياة
الآخرة هي دار المثوبة والجزاء. انظر إلى هذا الربط بينهما من
خلال قوله عز وجل: { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ
فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ } { الأنبياء: 21/35 }

محب الحبيب علي
31 May 2007, 10:18 AM
لاتستغرب وقوع الأكدار، مادامت في هذه الدار، فإنها ما
أبرزت إلا ماهو مستحَقُّ وصفها وواجب نعتها

ـ الحقيقة الثانية

الحقيقة الثانية: أن الشأن في هذه الحياة الدنيا إذن، أن
تكون محدودة بميقات معين، هو ميقات الامتحان الذي قضى به الله
عز وجل لعباده فيها، وبعبارة أخرى: الشأن فيها إذن أن تكون
ممراً امتحانياً إلى مقرّعاقبة وجزاء. وقد قضى الله تعالى أن
تكون البوابة التي يعبر منها الناس، من حياتهم الدنيا هذه، إلى
حياتهم البرزخية التي هي مقدمة لحياتهم الآخرة، بوابة
الموت!..إذن فالموت هو عاقبة كل حيّ في هذه الحياة الدنيا، وقد
علمت أن الموت ليس عدماً كما قد يتوهم بعضهم، وإنما هو انتقال
من حياة إلى حياة أخرى.أفترى إذن أنّ من الحكمة أن يجعل الله
من هذه الحياة الدنيا التي هي ميقات الامتحان، ومن ثم فهي أشبه
ماتكون باستراحة في طريق مسافر، مثابةَ نِعَمٍ صافيةً عن
الشوائب والكدورات، ولذائذَ ومتعاً تتسامى فوق كل الغصص
والمعكرات، وأن لايبتلى منها الإنسان بآفة، ولايتهدد شبابه
كهولة ولاشيخوخة، ولايتهدد عافيته ألم ولامرض؟...تخيل أنك
تتقلب متنعماً في حياة من هذا القبيل، إذن فلسوف تزداد تعلقاً
بها كلما امتدّ عمرك فيها، فكيف تكون حالك إن جاءك الموت
ودُعيت إلى الرحيل من هذه الحياة؟..سيكون فراقك لها وانتقالك
منها، أشبه مايكون بكتلة من الحرير تعلقت من سائر أنحائها
بنبات كثيف ذي رؤوس يابسة شائكة، جاء من اجتذبها بيده جذبة
واحدة بشدة، فتقطع منها في يده ما تقطع، وتناثر منها ماتناثر
بين الشوك.كل شيء في كيانك سيكون متعلقاً بالحياة التي عشقتها
وبالدنيا التي استهوتك الإقامة الدائمة فيها. ولن يكون لديك أي
استعداد لفراقها... وفيم تفارقها، وكل ما رأيته وسمعته وذقته
منها جعلك تركن إليها ركون الماء في العود والروح في الجسد،
والعاشق إلى المعشوق؟!..فكان من عظيم لطف الله بعباده، أن جعل
نعيم الناس في دنياهم بمقدار احتياجهم إليه على طريق تحقيق
المهام التي كلفوا بها، وجعل عافيتهم أداة يسخرونها في هذا
المضمار، وآتاهم من القدرات والإمكانات والأموال مايسخرونه
لإنجاز الوظيفة التي أقامها الله عليها.ثم إنه عز وجل جعل
إقبالهم إلى الدنيا واستشرافهم لنعيمها أشدّ ما يكون في زمن
شبابهم إذ يكونون حديثي عهد بالإقبال إلى الحياة والتعرف
عليها، فإذا دخلوا في مرحلة الكهولة تناقص إقبالهم إلى متع
الدنيا وأهوائها، تحت وطأة القوة المتراجعة والغرائز التي تميل
إلى الملل أو البرود.. فإذا دخلوا في مدارج الشيخوخة، ازداد
ذلك الإقبال تراجعاً، وعادت علاقتهم بأكثر متع الدنيا كمن طال
عهده بالجلوس إلى مائدة عليها ألوان من الطعام، تذوق من كل لون
منها ثم عاد يتذوق ويطعم منه، إلى أن تبرّم به وملّه، واتجهت
منه الرغبة إلى جديد ومستحدث غير منظور.هذا بالإضافة إلى غصص
الآلام والأسقام والمصائب التي تنال منه بين الحين والآخر.كل
ذلك يُهَيِّئُهُ نفسياً لساعة الرحيل التي يوشك أن يحين
ميقاتها، فإذا طرق الموت بابه فعلاً، بعد هذه المقدمات، لم
يأسف على الدنيا التي يرحل منها، ولم يفارقها مفارقة العاشق
معشوقه، بل يفارقها مفارقة ذاك الذي طال عهده بالمائدة التي ظل
جالساً إليها، لاشك أنه قد ملّ منها، قبل أن تملّ هي منه.ولا
تنس أنني أتحدث عمن بدأ حياته فتعرف على هذه الدنيا وعلاقته
بها من خلال معرفته، بل يقينه بالحقيقة الأولى التي شرحتها لك
قبل قليل.إنه يتخذها استراحة في طريق، ومنزلاً موقوتاً يريح
فيه جسمه، ويجدد نشاطه ويتناول ما قد يحتاج إليه من طعام
وشراب، ليواصل سيره بعد ذلك إلى غايته، غير آبه بما قد رآه في
تلك الاستراحة من ملهيات، وغير متأثر بما قد ناله فيها من
موحشات.ذلك لأنه قد تشبع ببيان الله لهوية هذه الحياة الدنيا،
ووقف طويلاً يتدبر أمام قوله تعالى: { إِنَّما هَذِهِ
الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دارُ
الْقَرارِ } { غافر: 40/39 } المهم أن كلاً من المنطق والذوق
يقتضي أن يكون المنزل الذي يقيم فيه النازل لمدة موقوتة،
مطبوعاً بطابع التوقيت، وأن تكون وسائل الراحة فيه بالقدر
المتفق مع طبيعة الإقامة المؤقتة، كي يتاح للراحل عنه أن يتركه
دون أي تعلق به ودون أي أسف على فراقه.على أن هذا النظام الذي
أقامه الله في علاقة الإنسان بالحياة الدنيا فيه قدر كبير من
الرحمة واللطف، حتى لمن عاش حياته ثم رحل عنها دون أن يتعرف
على حقيقتها وعلى واجباته فيها، وعلى علاقته بمولاه وخالقه
الذي استودعه فيها إلى حين، ثم نقله عنها إلى المصير الذي لا
بدّ أن ينتهي إليه هو وأمثاله من أفراد هذه الخليقة.إذ الكهولة
والشيخوخة بعد الشباب.. والآفات والأوجاع التي تتسرب إلى
الجسم.. ومصائب الدنيا وابتلاءاتها، كل ذلك جامعشترك يواجه
المؤمن والملحد والفاسق، ومن ثم فإن من شأن هذه الآفات إذا
تسربت ثم تزايدت، أن تعكر صفو العلاقة بين الإنسان ودنياه التي
كان بالأمس شديد التعلق بها، فإذا حان رحيله عنها لم يكن له
بها من تعلق، أو يكون له بها تعلق من يرى فيها ذكريات أيامه
الجميلة الخوالي. * * *

محب الحبيب علي
31 May 2007, 10:19 AM
لاتستغرب وقوع الأكدار، مادامت في هذه الدار، فإنها ما
أبرزت إلا ماهو مستحَقُّ وصفها وواجب نعتها

ـ وانظر إلى فرق مابين المؤمن والكافر في هذا الأمر

فابن عطاء الله يلفت النظر في حكمته هذه إلى ضرورة معرفة
الإنسان لهذا كله، كي يكون على بيّنة من الدار التي أنزله الله
فيها وعلاقتها بالوظيفة التي خلق الإنسان من أجلها، ولكي
لايفاجأ منها بما لم يكن يتوقع. فإنّ ذلك أحرى بأن ينسجم معها،
وبأن لايركن إليها ركون الهائم بها المعتمد بكليته عليها.وانظر
في هذا إلى الفرق مابين المؤمن والكافر. أما المؤمن الذي
فتح عينيه على الدنيا التي أقامه الله فيها، من خلال تعريف
القرآن بها: دار ابتلاء، يتمازج الخير فيها بالشر، يُفتتن فيها
الإنسان بأخيه الإنسان، يُبتلى فيها بالنعمة ليشكرها فلا يطغى
ولا يبطر بها، ويبتلى فيها بالمصيبة ليصبر عليها، ويحتسبها
بأجر من الله، فلا يضجر منها. ثم إن الله سيوفي كل إنسان حقه
لقاء شكره عند النعمة، ولقاء صبره عند المصيبة، يوم الجزاء،
عندما يقوم الناس كلهم لرب العالمين، تماماً كما يؤكد بيان
الله عز وجل القائل: { كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ } { آل
عمران: 3/185 } إذا أقبلت إليه النعمة استقبلها عالماً بواجبه
تجاهها، بل تجاه من أسداها إليه، فاستعملها ونعم بها على الوجه
الذي شرعه الله، دون بغي ولا طغيان.وإذا واجهته المصيبة أياً
كان نوعها، استقبلها متجملاً راضياً صابراً محتسباً أجره على
ذلك عند الله، ملتجئاً إليه عز وجل أن يعينه على الثبات
والصبر، وأن يكرمه بالعفو والعافية.وهو في كلا الحالتين يمارس
عبوديته لله تعالى بصدق. فلا هو يُخدع بالنعم والمتع ومباهج
الدنيا ولذائذها، إذ يعلم أنها ظلال زائلة، ولا هو يجزع من
المصائب ويشقى بسببها، لأنه يعلم أنها ابتلاءات من الله عز وجل
يمتحن العبد بها، ثم إنه يؤجر الأجر الأوفى عليها إن هو نجح في
امتحانه بها فصبر وتجمل وسأل الله العون والتوفيق.ثم إنه ينظر
إلى الدنيا، طال أو قصر أجله فيها، من خلال المنظار الذي يتجلى
له في محكم بيان الله عز وجل، وإذا هي أيام قليلة تافهة،
بالنسبة لما هو مقبل إليه من بعد، فلا خيرها إن غاض أو غاب
مأسوف عليه، ولا شرها إن أقبل أو استفحل مشكلة ذات بال.. ذلك
لأنه قد تشبع بمثل قول الله تعالى:ـ { قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا
قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ
فَتِيلاً } { النساء: 4/77 } ـ { لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ
الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ، مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ
مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادِ } { آل عمران:
3/196-197 } ثم إنه يدرك إلى جانب ذلك أن الله الذي أقامه؟ في
دنيا هذا الابتلاء، أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، فلا يضيع
للإنسان جهداً بذله في سبيل خير، ولا يهمل له حقاً اغتصبه منه
ظالم، ولايترك له أي ظلم اقترفه أو جريرة اكتسبها، بل يقضي بين
عباده في ذلك كله يوم الجزاء الموعود طبق قانونه عز وجل الساري
على عباده جميعاً: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً
يَرَهُ } { الزلزلة: 99/7-8 } فهذا المؤمن الذي استقبل حياته
الدنيا هذه، واستقبل معها بوعي ويقين هذا التقرير الإلهي عنها،
سيعيش حياة هنيئة على كل حال، سواء تنقل في ظلال النعمة
والرخاء، أو تقلب بين أمواج الشدائد والبأساء، إنه سيكون فعلاً
كما قال رسول الله عنه: ((عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له
خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن. إن أصابته سرّاء شكر فكان
خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له))
رواهمسلم_بهذا_اللفظ_من_حديث_صهيب،_ورواه_النسائي_في _عمل_اليوم
_والليلة،_بألفاظ_قريبة. . أما الكافر ، ونقول بعبارة أشمل:
أما غير المؤمن، فهو إنسان وفد إلى هذه الدنيا، وتعرّف على
واقعها وهويتها، من خلال غرائزه ومشتهياته، فهو يريدها كما
يهوى ويتمنى، ويصرّ إصراره على أن يكافح ويناضل في فجاجها،
ليخضعها لما يشتهي ويريد... وهو إذ يصرّ إصراره هذا يرى ويوقن
في قرارة نفسه أن حياته هذه التي يعيشها هي اليوم الذي لا غد
من ورائه، فهي حظه الأوحد من الحياة التي تفتحت عيناه عليها،
ومن ثم فإن عليه أن يغامر جهد استطاعته ليجعل حظه منها سعادة
ورغداً وهناء، وليبعد ظلال المصائب والمآسي عنه بكل ما يملك
إلى ذلك من سبيل.ولكنه، إذ يسعى سعيه هذا، يفاجأ بأن هذه
الدنيا ما كانت ولن تكون كما يريد، بل لابدّ أن يكون هو ـ شاء
أم أبى ـ كما تريد!...غير أنه وقد تجاهل أو جهل التقرير الإلهي
الوارد عن حقيقة هذه الدنيا وشأنها، وعن المهمة التي خلق
الإنسان من أجلها، وعن المستقر الذي ينتظره بعد أن يمرّ في هذا
المستودع القصير، غير مستعدّ لأن يخضع بطواعية منه لنظام
الدنيا ومايفاجأ به من أحداثها معه ومواقفها منه... وإنما
ينساق إلى نظامها هذا قسراً وعلى مضض شديد منه وكره.والسبب،
أنه غير مستعد لأن يقيد نفسه بواجب الشكر عند مجيء النعم، ولا
لأن يلزم نفسه بواجب الصبر عن ورود المصائب والآلام، إذ هو لا
يؤمن بالثمرات التي ينالها على الشكر في الحالة الأولى، ولا
يؤمن بالثمرات التي ينالها على الصبر في الحالة الثانية، لأن
الدنيا فيوهمه هي يومه الوحيد الذي لا يملك أيّ غد من ورائه،
ومن ثم فهي حظه الذي لا بديل له عنه ولا ثاني له من ورائه.
فلمن يشكر؟ وفيم يصبر؟فكيف تكون مشاعر هذا الإنسان الذي جاء
يحمّل الدنيا أوقاراً من أحلامه وآماله الوردية الرائعة،
وعندما يفاجأ منها بالغصص المنكرة، وبالمآسي والمصائب الموحشة؟
ما يكاد يفرح بساعات من لهوه الذي يطوف به ومشتهياته التي ترقص
بين يديه، حتى تغيب عنه إشراقة هذه الساعات، وتتحول الدنيا من
حوله إلى نقيض هذا الذي كان يفرح ويمرح فيه: سلسلة من المصائب
والآلام المتنوعة تأخذه ولاتردّه..ثم كيف تكون مشاعره عندما
يجد أن ليل الشباب قد فارقه بكل ماكان يفيض به من قوة وغرائز
ورغبات وأحلام مقبلة... وقد أقبل إليه من ورائه المشيب
فالشيخوخة بكل ما فيها من ضعف وذبول، وبكل ما تحمله إليه من
بشائر الموت ومقدماته؟..كيف تكون مشاعره آنذاك، وهو لايزال
موقناً بأنه سيرحل من دنياه هذه إلى عدم مطبق، وأنه إنما يمرّ
بالأسطر الأخيرة من قصة وجوده في الحياة؟وما هو معنى الصبر
بالنسبة إليه؟ وماقيمته؟ وماجدواه؟ إن الصبر في حقيقته ليس
أكثر من تعلق الأمل بخير متوقع. فإن لم يكن ثمة أمل يتعلق
بيقين لا ريب فيه بالحياة الآخرة، فلا معنى للصبر في هذه
الحال. وإنما هو الخضوع القسري لعذاب لا ثمرة من ورائه ولا
مناص منه. وجدير بمن كانت هذه حاله أن يختنق أو ينفجر. وإني
لأشبّه حال كلٍّ من المؤمن والكافر في فرق ما بينهما في هذا
الأمر، برجلين قضي عليهما أن يدخلا فيسيرا في نفق مظلم ذي
اتجاه واحد، أحدهما يوقن أن النفق طريق لا بـدّ منه ينتهي إلى
واحة غناء فيها كل ما لذّ وطاب، والآخر يوقن أنه ينتهي إلى سدّ
لا يمكن اختراقه. من الواضح أن الأول منهما كلما أوغل سائراً
في ظلمات ذلك النفق انتعشت نفسه وازدهرت آماله وأحلامه إذ يعلم
أنه غدا على مقربة من الواحة التي تكمن في نهايته.. وأن الثاني
منهما كلما أوغل سائراً فيه أطبق الهم على خناقه وازدادت ظلمات
النفق ضيقاً عليه، وتصور أن عاقبة ذلك النفق أن يتحول إلى قبر
يختنق فيموت فيه.ولعلّ بوسعك الآن أن تعلم السبب فيما يلجأ
إليه جيل الضياع والتطوح في الغرب، من الركون إلى أنواع
المخدرات، والاستسلام لغول المسكرات، والسبب في الأمراض
النفسية المستشرية هناك، وفي الشذوذات المرهقة التي تنقلهم من
شقاء إلى شقاء، ثم في النسبة المرعبة المتزايدة للمقدمين على
الانتحار.لديّ إحصاء يعود إلى ما لا يقل عن عشر سنوات، يقول إن
عدد المنتحرين كل عام من طلاب وطالبات جامعات الولايات المتحدة
الأمريكية وحدها، مابين (12 ـ13)ألف شخص، ولا أدري إلى أي حدّ
ارتفع العدد في هذه الأيام. * * *

محب الحبيب علي
31 May 2007, 10:19 AM
لاتستغرب وقوع الأكدار، مادامت في هذه الدار، فإنها ما
أبرزت إلا ماهو مستحَقُّ وصفها وواجب نعتها

ـ بقي أن تعلم أنه لا المتع التي تتسابق إلى الإنسان مصدر
سعادته، ولا المصائب والأسقام مصدر شقائه

بقي أن تعلم أنه لا النعم والمتع التي تتسابق إلى الإنسان
وتغمره بلذائذها هي مصدر السعادة التي تهيمن على النفس وتنعش
القلب،ولا المصائب والأسقام التي قد تتكاثر لديه هي مصدر
الشقاء الذي تصطبغ به النفس ويسيطر على الشعور.رب إنسان لا
تعلم المصائب سبيلاً إليه، تفيض داره بالمتع والنعم، ويفيض
جسده بالصحة والعافية، ولكن قلبه لا يعلم مع ذلك طعم السعادة
والسرور!.. يضيق بالدنيا كلها ذرعاً دون أن يشكو أي ألم،
ويعاني من وحشة متلاحقة وهو في أبهى ساعات مرحه وتراقص الدنيا
من حوله.ورب إنسان غابت عنه متع الدنيا ونسيته مباهجها
وأهواؤها، ابتلي بالفقر في جيبه وبالأسقام في جسده، وتنظر إليه
فإذا البسمة الصادقة لا تفارق وجهه، والسرور الحقيقي يغمر
قلبه.ألا فلتعلم أن الأمر ليس فيه أي مفارقة، وليس فيه ما يدعو
إلى العجب. مصدر الشعور بالسعادة والشقاء هو القلب..والقلب هو
مكان تجليات الله عز وجل الذي أضحك وأبكى، والذي إن شاء شرح من
خلال ذلك صدرك، وإذا الدنيا كلها ترقص على إيقاع سرورك، وإن
شاء بعث من خلال ذلك أيضاً فيه الوحشة والضيق، وإذا بمتع
الدنيا كلها تتحول إلى ظلل داكنة سوداء تنفث في كيانك شعور
التشاؤم، وتملأ قلبك بثقل الهموم.إذن فاستخدم ماتطوله يداك من
الدنيا وأسبابها لأَوَدِ حياتك وإقامة عيشك. ثم اطرق بيد
الإيمان الحقيقي باب الله تعالى لإسعاد قلبك ولشرح صدرك. وابذل
كل ما تملك من جهد في سبيل أن تكون ممنال عنهم رسول الله في
الحديث الذي مرّ ذكره، وأعود فأختم به شرح هذه الحكمة: ((عجباً
لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن.
إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان
خيراً له)) مرّ_الحديث_وتخريجه_في_ص_343. . * * *

محب الحبيب علي
07 Jun 2007, 06:30 PM
الحكمة الخامسة والعشرون



ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولاتيسر مطلب أنت طالبه
بنفسك

ـ عرض إجمالي لمعنى هذه الحكمة

ولنبدأ بالعرض الإجمالي لمعنى هذه الحكمة:


ـ المستند الذي اعتمد عليه ابن عطاء الله في هذه الحكمة

ولكن فلنتساءل بعد هذا: من أين جاء ابن عطاء الله بهذا الكلام؟
وما هو مستنده في هذا القرار؟مصدر هذا الذي يقول ابن عطاء الله
كتاب الله عز وجل وهدي نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم،
وقراره هذا من أهم مبادئ التوحيد الذي هو لب العقيدة
الإسلامية.


ـ أجمع كلمة دالّة على هذه الحقيقة (( لاحول ولا وقوة إلا
بالله))

أجمع آية دالة على هذه الحقيقة الاعتقادية، قول الله عز وجل:
{ يا أَيُّها النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ
وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } { فاطر: 35/15 }
والفقر الذي يثبته الله تعالى للناس ليس فقراً في المال دون
غيره أو في المدارك والمعارف دون غيرها، وإنما هو الفقر بكل
أشكاله وأنواعه، فالإنسان إذن فقير في طاقته وجهده، وفقير في
علومه ومداركه، وفقير في كل مايحتاج إليه من مال ونحوه... إن
تحرك فبقدرة الله يتحرك، وإن سعى في مناكب الأرض صانعاً زارعاً
بانياً، فبتوفيق وبحول من الله تعالى يفعل ذلك كله.. وإن أدرك
وتعلم واكتشف خفايا المكونات فبمنحة من علم الله ينال ذلك
كله.. ألا ترى إلى قوله عز وجل: { وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ
مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ } { البقرة: 2/255 } وأجمع
كلمة دالة على هذه الحقيقة مما علمنا إياه رسول الله ، قوله:
((لاحول ولاقوة إلاّ بالله)) .إن ((لا)) نافية للجنس، كما
هو مثبت في قواعد اللغة العربية، فهي إذن تنفي جنس الحول
والقوة عن الإنسان، أي فهو لايتمتع من ذلك كله بشيء، إلا أن
يمنحه الله من ذلك مايشاء. فإن تحرك أو سعى الإنسان فبقدرة
الله يسعى ويتحرك.ولأمر ما أوصانا رسول الله أن نكثر من ذكر
هذه الكلمة القدسية الجامعة. روى محمد بن إسحاق أن مالكاً
الأشجعى جاء إلى رسول الله فقال له: أُسِرَ ابني عوف، وشكى
إليه جزع أمّه عليه، فقال له رسول الله : أرسل إليه أن رسول
الله يأمرك أن تكثر من قول ((لاحول ولاقوة إلا بالله)) فأنقذه
الله من الأسى وعاد إلى أبويه بخير وغنائم..وانظر في بيان هذه
الحقيقة إلى الكلمة البليغة الجامعة في الحديث النبوي الشريف:
((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل
خير، احرص على ماينفعك، واستعن بالله ولاتعجز، وإن أصابك شيء
فلاتقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وماشاء
فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان))
رواه_مسلم_من_حديث_أبي_هريرة. .تأمل في قوله: ((استعن بالله،
ولاتعجز)) .. قدم الأمر بالاستعانة بالله، على النهي عن
العجز، لكي يعلم الإنسان أن سبيل تخلصه من العجز إنما هو
الاستعانة بالله عز وجل، إذن فالخطوة الأولى بين يدي كل جهد
ونشاط هي الاستعانة بالله عز وجل، ثم تأتي الخطوة التي تليها
متمثلة بالنهوض إلى العمل وطرد أسباب العجز. فالنشاط السلوكي
ثمرة للاستعانة بالله عز وجل. وهذا هو السبب في تقديمه الأمر
بالاستعانة بالله على التحذير من التكاسل والعجز، إذ السبب في
الترتيب هو الأول، والمسبَّب هو الثاني... ولو قال رسول الله
: لاتعجز، واستعن بالله، لجاءت الجملة مخالفة للترتيب الواقعي
والمنطقي.وقبل أن أنتقل بك إلى التطبيقات والأمثلة العملية
والواقعية لهذه الحكمة، أذكرك بما هو مقرر في مبادئ العقيدة
الإسلامية، وهو أن الله عز وجل يرفد الإنسان بالقدرة عندما
يهبّ لاستعمالها في حركة أو قيام أو قعود أو مشي أو أي عمل
يتجه للنهوض به، أي إنه لاتوجد فيكيان الإنسان قدرة أودعها
الله لديه، ثم تركها وتركه لها، فهو يستعملها في شؤونه عندما
يشاء..ينبغي أن تعلم أن هذا التوهم خطأ منطقي وعلمي، بعد
اليقين بألوهية الله تعالى وقيوميته على كل شيء. بل إن القدرة
تفد إليك عند الحاجة الآنِيَّةِ إلى استعمالها، ثم تظل تسري في
كيانك لحظة فلحظة مع استمرار الحاجة إليها. أي إن رعاية الله
للإنسان موصولة به استمراراً، كاستمرار اتصال الأسلاك
الكهربائية بالمولد، ولله المثل الأعلى.واعلم أنك ـ في حالات
نادرة تمرّ على كل منا ـ عندما تفاجأ بأن قوتك قد خانتك، إذ
حاولت القيام فلم تستطع، أو حاولت أن تبسط يدك فتشنجت ولم
تتمكن، اعلم أن الله قد قطع عنك في تلك اللحظة عونه ومدده.
وليس تفسير ذلك أن في كيانك قوة مستقرة غابت في تلك اللحظات
عنك، ومهما علل الأطباء هذه الظاهرة بأسباب وعوارض عضوية،
فالحقيقة هي هذا الذي أقوله لك. إنهم لايرون المدد الإلهي
الممتدّ إلى كيان الإنسان، لافي إقباله ولا في إدباره، ولكنهم
يرون أثر ذلك في جسمه وأعضائه، فيحسبون الأثر مؤثراً والنتيجة
سبباً.وذلك هو شأن علماء الطبيعة في كل مايرصدونه من ظواهرَ إن
بأعينهم أو بواسطة أجهزتهم، إنهم يدركون ويرصدون النتائج
الخاضعة لتدبير الله، ولكنهم لايرصدون، لابأعينهم ولا
بأجهزتهم، تدبير الله وفاعليته، فيتوهمون النتائج والآثار
أسباباً ومؤثرات ذاتية،وينسبون إليها من الفاعلية والتدبير ما
ينبغي ـ لو اخترقوا الظواهر ـ أن ينسبوه لمصدره وهو الله عز
وجل.إذن فالإنسان أياً كان، وفي أي الظروف والأحوال وجد، إنما
يتحرك وينشط بعون الله وبقدرته. تلك هي الحقيقة العلمية
الثابتة، ومن ثم فهو المعتقد الذي يجب أن يدين به كل من آمن
بالله إلهاً واحداً حقيقياً لاشريك له.وأظن أنني فصلت القول في
بيان هذه الحقيقة، في مناسبة مرّت خلال شرحنا للحكم الفائتة.

محب الحبيب علي
07 Jun 2007, 06:31 PM
ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولاتيسر مطلب أنت طالبه
بنفسك

ـ الثمرة التي نعود بها إلى أنفسنا من معرفة هذه الحقيقة

ولنتساءل الآن عن الثمرة التي نعود بها إلى أنفسنا من معرفة
هذه الحقيقة.إنني إذا عرفت هذه الحقيقة واستيقنها عقلي، فلسوف
أكون دائماً مع الله عز وجل، في سائر حركاتي وسكناتي وأنشطتي
وأعمالي المختلفة التي أقوم بها... أي لن يغيب عن بالي أنني
فقير في كل تحركاتي هذه إلى معونة الله وإمداده. وسيحملني هذا
اليقين على الاستعانة به عز وجل، كلما أقدمت على عمل ما:
وظيفةٍ، تجارةٍ، صناعةٍ، زراعةٍ، عملٍ عسكري، نشاط سياسي..
إلخ. وهذا سيحملني بدوره على دوام ذكر الله ومراقبته، وكيف
لاأذكره، بل كيف لا أداوم على ذكره وقد أيقنت أنني لا أتحرك
إلا بقوته، ولا أنهض إلا بتوفيقه وأنه إن تخلى عني وقعت أسير
عجز مطبق وضعف خانق. مثلهذا الإنسان لابدّ أن يردد دائماً، إن
بلسان قوله أو بلسان شعوره وحاله: يارب!.. يناديه مستعيناً،
مستغيثاً مفتقراً، ولابدّ أن يمزج سائر تحركاته بهذا النداء
المستمر مع استمرار تحركاته وأنشطته وأعماله، ولعمري هذا هو
الفرار الذي أمرنا الله به إذ قال: { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ } { الذاريات: 51/50 }


ـ ماقد يستشكله بعض الناس

وهنا، أفترض أن في القراء من يستشكل قائلاً: هاأنا ذا قمت
بعملي الدراسي في الجامعة معتمداً على نفسي، غير متذكر لشيء من
هذا الذي تقول، ومع ذلك فقد حالفني التوفيق وتيسر مطلبي على
الرغم من أنني طلبته بنفسي، ولم يتعسّر كما يؤكد ابن عطاء
الله. ثمة جوابان عن هذا الإشكال:

محب الحبيب علي
07 Jun 2007, 06:31 PM
ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولاتيسر مطلب أنت طالبه
بنفسك

ـ الجواب الأول..

الجواب الأول: أن كلمة ((التوقف)) في كلام ابن عطاء هذا
إنما تعني غياب التوفيق، وليست بمعنى انقطاع تيار القدرة عن
صاحب الدراسة أو العمل، فهو يقول: ما من عمل تستعين فيه بالله
عز وجل إلا ويكون توفيق الله حليفك. وما من عمل تستقل فيه
بنفسك معتمداً فيه على ذاتك ناسياً أو منكراً يد الله التي
تحركك إلا ويغيب التوفيق فيه عنك.فما هو التوفيق؟ إنه لايتمثل
في نجاحك الشكلي في دراستك ولا في حصولك على الشهادة الجامعية
التي سعيت إليها.. وإنما يتمثل التوفيق في وصولك إلى الغاية
التي توجهت إلى دراستك من أجلها.. وسعادتك بالهدف الذي
ابتغيته.فمن اعتمد على الله في جهوده، أياً كانت دراسةً أو
غيرها، حقق له الله النتائج التي يسعى إليها، وأسعده بها.ومن
تجاهل عون الله له، واعتقد أنه إنما يصل إلى مايبتغيه بجهوده
الذاتية وقدراته الشخصية، عاكسه التوفيق، وإن هو تحرك في نطاق
الأسباب تحرك القادر الذي يخيل إليه أنه مستقل بأمر نفسه متمكن
من تحقيق رغائبه.


ـ الجواب الثاني..

الجواب الثاني: أن هذه القاعدة التي يذكرها ابن عطاء الله
إنما يخاطبُ بها من سبق أن آمن بالله عز وجل، وبايعه على
الإسلام والالتزام بأوامره وأحكامه. فأما الجاحدون الذين لم
يؤمنوا به فضلاً عن عدم التزامهم بأوامره والاستسلام لشرعته
فينطبق عليهم قول الله تعالى { كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ
وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ
مَحْظُوراً } { الإسراء: 17/20 } إن الكافر أو الملحد لا يقال
له: إنك لن توفق في أعمالك وشؤونك إن لم تستعن بالله عز وجل،
إن هذا القول لو خوطب به يتنافى مع قول الله تعالى: {
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } { الحجر: 15/3 } إن الكافر، لم يسمّ
كافراً إلا لأنه جاحد بألوهية الله عز وجل، ومن ثم فهو غير
ملتزم بأي بيعة لله عز وجل في اتباع أي من شرائعه وأحكامه..
وهذا هو السبب في أنه لايخاطب بشيء من فروع الدينالشريعة
كالصلاة والصيام والفرائض الأخرى، ولا يتوجه إليه النهي عن شيء
من المحرمات التي نهى الله عنها.إن هذا الذي يذكرنا به ابن
عطاء الله أدب من آداب الإسلام، ينبثق من قول رسول الله لعبد
الله بن عباس: ((إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن
بالله)) . وهذه الآداب الإسلامية إنما يلزم بها ويخاطب بها
المسلمون. إذ هي متفرعة عن كليات العقيدة الإسلامية، فمن لم
يؤمن إيماناً حقيقياً بها، لامعنى لإلزامه بشيء من الفروع
المنبثقة عنها.

محب الحبيب علي
07 Jun 2007, 06:32 PM
ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولاتيسر مطلب أنت طالبه
بنفسك

ـ هذه القاعدة التي يذكرنا بها ابن عطاء الله تصدق على
الفرد والمجتمع أمثلة من الواقع

إذا تبين هذا، فاعلم أن هذه القاعدة التي يذكرنا بها ابن عطاء
الله، تصدق على كل من الفرد والمجتمع، فما من إنسان مؤمن بالله
عز وجل، يوقن إذ ينشط في القيام بوظائفه وأعماله أن مصدر
توفيقه وسند عونه إنما هو الله عز وجل، إلا كان التوفيق حليفه،
إما بما يناله من ثمرات عمله مباشرة، أو بما قد يعوضه الله عن
ذلك.. إذ إن من شأن هذا الإنسان الموقن بهذه الحقيقة أن لايخطو
خطوة فيما هو مقبل عليه، إلاّ ذاكراً الله، ملتجئاً إليه،
متضرعاً إليه أن يوفقه وأن لايتخلى عنه، وقد ألزم الله ذاته
العلية بأن لايتخلى عمن يلوذ به ويلجأ إليه، ويعود في كل شؤونه
وأعماله إليه.وقد ذكرت طائفة من الأمثلة الواقعية على هذا، في
مناسبات مرت خلال شرحنا للحكم الماضية.كذلكم المجتمع.. إن
المجتمع إذ يتحرك من خلال قادته وموجهيه، شأنه في هذه القاعدة
كشأن الفرد، فما من فئة أو مجموعة أو مجتمع من الناس يتحرك تحت
سلطان اليقين بأن القوة إنما هي قوة الله، وأن التوفيق والسداد
من عنده، إلا توّج الله أعمال هذا المجتمع أو الفئة بالتوفيق
والنصر... والعكس أيضاً صحيح. وإليك طائفة من الأمثلة
العملية.يوم بدر كان طلب المسلمين للنصر بالله عز وجل، فقد
كانوا على يقين بأن قوتهم من حيث الكم والكيف أقل من أن تحقق
لهم نصراً. ولكنهم كانوا يطلبون النصر بالله، ويثقون بوعده،
ويضيفون إلى ذلك كثرة التجائهم إليه، وشدّة تضرعهم على أعتاب
كرمه وجوده، وإنك لتعلم كم استمر رسول الله ليلة الجمعة، يجأر
إلى الله بالشكوى والدعاء ويسأله التوفيق والنصر.. فكان أن
استجاب الله دعاءهم وحقق لهم النصر الذي سألوه، من حيث
لايحتسبون. وصدقت فيهم القاعدة: ((ماتوقف مطلب أنت طالبه
بربك)) وصدق الله القائل: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ
الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ } { الأنفال: 8/9 }

أما في
غزوة حنين، فقد صدق في أوائلها الشطر الثاني من هذه القاعدة،
هو ((ولاتيسر مطلب أنت طالبه بنفسك)) . إذ وُجِدَ آنذاك في
أصحاب رسول الله من أُعْجِبوا بكثرتهم، التي لم يروا مثلها
فيصفوفهم قبل ذلك، فاستبشروا بالنصر اعتماداً عليها... ولكن
البشارة لم تتحقق، والكثرة لم تفدهم شيئاً، فقد كان الغلط الذي
تورطوا فيه أنهم طلبوا النصر بها واستبشروا اعتماداً عليها..
فصدق فيهم قول الله عز وجل: { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ
أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً }
{ التوبة: 9/25 } وإذا تتبعت حال المجتمعات الإسلامية بعد عصر
رسول الله إلى يومنا هذا، لم تعثر على واقع شذ عن هذه
القاعدة.الفتوحات التي تمت في عصر الخلفاء الراشدين، كانت
خاضعة لهذه القاعدة..الانتصارات التي تمت في العصور التي تلت
عصر الخلافة الراشدة إنما كانت من تطبيقات هذه القاعدة..
والانتكاسات التي حدثت، كانت هي الأخرى من تطبيقاتها.الغزوات
الصليبية التي جاءت فهيمنت واحتلت أرضنا المباركة كانت من
نتائج هذه القاعدة.. ولما ارتدت على أعقابها فيما بعد، عندما
هبّ نور الدين زنكي ثم صلاح الدين الأيوبي، كان ذلك أيضاً من
ثمرات هذه القاعدة.والفتح التاريخي العجيب الذي تم على يد
السلطان محمد الفاتح للقسطنطينية، إنما كان مصداقاً دقيقاً
لهذه القاعدة، ومن وقف على الصورة المؤثرة حقاً لكثرة تضرعه
والتجاءاته إلى الله، في خيمته التي كان يدير منها أعماله
القتالية، داخل القلعة التي بناها في أقل من خمسة أشهر، وقف
على ماتقشعر له القلوب، من أعاجيب تَذَلُّلِهِ وبكائهساجداً
يناجي الله عز وجل (انظر ترجمة محمد الفاتح في كتاب العاهل
العثماني أبو الفتح السلطان محمد الثاني، تأليف علي همّت،
ترجمة محمد إحسان). وصدق رسول الله القائل: ((لتفتحن
القسطنطينية. فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش))
رواه_أحمد_والحاكم_في_المستدرك_من_حديث_بشر_الغنوي. .والخذلان
الذي ران على العالم العربي وكثير من بقاع العالم الإسلامي،
منذ أن تهاوت الخلافة الإسلامية، من آثار هذه القاعدة، وصدق
رسول الله القائل: ((يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى
الأكلة إلى قصعتها، قال قائل: أمن قلّة يارسول الله نحن يومئذ؟
قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل،
وسيَنْزَعَنَّ الله الرهبة منكم من صدور أعدائكم، وسيقذِفَنَّ
في قلوبكم الوهن. قالو: ما الوهن يارسول الله؟ قال حب الدنيا
وكراهية الموت)) رواه_أبو_داود_والإمام_أحمد،_من_حديث_ثوبان.
.ولايتسع المجال في هذا المقام لعرض الأدلة التفصيلية على هذا
كله، إذ لسنا الآن بصدد استعراض الحوادث التاريخية وتحليلها
ودراسة أسبابها، ولكن بوسعك أن تستبين أدلة الطرد والعكس لهذه
القاعدة واضحة بينة من تفاصيل الأحداث التاريخية كلها، الجديد
منها والقديم.

محب الحبيب علي
07 Jun 2007, 06:32 PM
ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولاتيسر مطلب أنت طالبه
بنفسك

ـ ليس معنى هذه القاعدة إهمال الوسائل والأسباب

بقي أن ألفت النظر إلى أن هذه القاعدة التي ينبهنا إليها ابن
عطاء الله، لاتعني أن على المؤمن الواثق بأن التوفيق والعون
كله من عندالله، أن يهمل الحركة والأسباب وأن لايقيم وزناً
للوسائل والمسخَّرات المادية في الطريق إلى الأهداف
والغايات.بل على المسلم الصادق في إسلامه أن يعلم أن يقين
العقل بأن المستعان به في كل جهد وعمل هو الله عز وجل، شيء
مجاله اليقين والاعتقاد، وأن يعلم أن تسخيره للأسباب التي
أقامها الله في طريقه استجابةً لأمر الله وانسجاماً مع نظامه
الكوني، شيء آخر.. وأن لاتعارض بين هذا وذاك، بل بينهما كمال
الانسجام.لقد قال الله تعالى: { وَما النَّصْرُ إِلاّ مِنْ
عِنْدِ اللَّهِ } { آل عمران: 3/126 } فإذا اتخذ العبد المؤمن
بالله الأسباب كلها وسخرها لأعماله ووظائفه كما شرع الله وأمر،
فإن عليه أن يعلم أنه إنما يتحرك بقوة الله ويسير إلى أهدافه
بعونه وتوفيقه. وقد علَّمنا سيدنا رسول الله هذا الجمع
المنسّق بين القاعدة الاعتقادية التي يذكرنا بها ابن عطاء
الله، واستخدام الأسباب كلها في السلوك والأنشطة العملية،
أثناء هجرته إلى المدينة المنورة.وأختم شرح هذه الحكمة، للعبرة
والدرس، بذكر هذه الحادثة:زميل جامعي أودى إلى رحمة الله عز
وجل، نشر ذات يوم مقالاً بعنوان: (عندما تعرف الأمة العربية
أنها سيّد قدرها، تتخلص منالتخلف) ، ضمنه كلاماً يناقض هذه
الحكمة أو القاعدة التي يقررها ابن عطاء الله بشكل حاد.كان هذا
المقال هو السبب الأول في إخراج كتابي: ((من هو سيّد القدر في
حياة الإنسان)) غير أن ردّي النظري عليه لم يكن ذا بال أمام
الرّد العملي الذي أتاه من عند الله عز وجل. وأعتقد أن الله لو
لم يرد به خيراً لما أسرع إليه بذلك الرد:كان يمارس وظيفته ذات
يوم بُعَيد نشره لذلك المقال، مزدهر العافية متضرج الوجه
ممتلىء الصحة، وفجأة غاب عنه ذلك كله ووقع أرضاً!.. حمل إلى
المشفى وعولج فيه أياماً دون أن يستبين سبباً لهذا الذي فوجىء
به.رأيته بعد ذلك بأشهر عرضاً ذاوي الوجه، مُنهَك القوى، سلمت
عليه بتحية حارة، وسألته عن صحته وحاله، فقال لي: ((فضّلها
الله عز وجل، ولطف بي، ولقد أكرمني فوفقني للقيام بعمرة، ولكم
شكرته ودعوته هناك)) .ماذا بقي للإنسان إذن؟بقي أن يستيقظ إلى
هذه الحقيقة التي أفضنا في بيانها وشرحها، قبل أن يصيبه مثل
هذا الخبل الذي تعرض له من كان يحلم بأن يكون سيّد قدره، ثم أن
يلوذ في كل شؤونه وتصرفاته وأعماله بالله عز وجل، موقناً بأنه
وحده السند، وبأن العبد، أياً كان، لايملك من دونه قوة
ولاعلماً ولاتدبيراً، ثم ينهض بكل ما قد أمره الله به من
واجبات، قائلاً بكل مشاعره وأحاسيسه الإدراكية ((لاحول ولاقوة
إلا بالله)) .

محب الحبيب علي
25 Jul 2007, 10:31 AM
الحكمة السادسة والعشرون



من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات

ـ في الناس من يتصور أن العبرة من سلوك الإنسان هي ختام
حياته وحدها

نحن نعلم أن من أهم الأدعية التي ندعو الله بها ونكررها،
الدعاء بحسن الخاتمة.. كما أننا نعلم أن الإنسان إذا آل إلى
الله بخاتمة حسنة، آل إليه مغفوراً مكرماً، والعكس أيضاً صحيح،
وكثيراً ما نستشهد على هذا بآيات من كتاب الله عز وجل من مثل
قوله تعالى: { وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ
بَعِيدٍ ، هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ، مَنْ
خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ } {
ق: 50/31ـ33 } ولاريب أن هذا الدعاء مطلوب ومفيد، وأن اعتقادنا
بأهمية حسن الخاتمة اعتقاد صحيح وسليم.ولكن في الناس من
يتصوَّرون أن هذا يعني، أن لاعبرة من سلوك الإنسان وحاله، إلا
بما يكون منه في آوخر حياته. أي فلاحرج في أن يستجيب الشاب
لأهوائه ونزواته، وأن يشرد عن أوامر الله وصراطه، وحسبه أن
يرعوي إلى الله وأحكامه عندما تنزل به الشيخوخة أو يشعر أن
مرضاً خطيراً قد أحدق به.كثيرون هم الذين يتصورون هذا،
يستسلمون لنزواتهم ورغباتهم في مقتبل العمر، وفي مرحلة القوة
والنشاط، معتقدين أن العبرة بما تكونليه حال الإنسان في الأيام
الأخيرة بل ربما الساعات الأخيرة من حياته.


ـ هذا التصور خطأ قتال وخدعة شيطانية ماكرة، إذ إن خاتمة
حياة الإنسان صدى وثمرة لأولها

ولكن فلتعلم أن هذا التصور خطأ قتَّال، وخدعة شيطانية
ماكرة!...إن خاتمة حياة الإنسان لاتكون إلا ثمرة ونتيجة لما
قبلها من البدايات والأحوال السابقة، إنها ليست إلا الصدى لما
كان عليه حال الإنسان من قبل، معتَقَداً وسلوكاً.أرأيت كيف
ينشأ الأصل، ثُمَّ تنبثق عنه فروعه؟.. أرأيت إلى النبات كيف
يخضرّ ثم ينمو، ثم تظهر الثمرة في أعلاه؟ كذلكم خاتمة حياة
الإنسان، إنها فرع وثمرة لما كان عليه حاله من قبل.ألا فلتعلم
أنه بمقدار ماتكون بداءات حياتك سليمة مستقيمة لاعوج فيها،
تضمن لنفسك خاتمة حسنة، إذا حان الرحيل وجاء الموت، وبمقدار ما
تستسلم في البداءات السابقة من حياتك لعواصف الأهواء والشهوات
ومحبة الأغيار، تغيب عنك هذه الخاتمة الحسنة.تلك هي الحقيقة
التي ينبهنا إليها ابن عطاء الله في حكمته هذه: ((من علامات
النجح في النهايات، الرجوع إلى الله في البدايات)) .

محب الحبيب علي
25 Jul 2007, 10:32 AM
من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات

ـ يقول بعضهم: ولكن حديث رسول الله ((فوالذي نفسي بيده إن
أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة..)) يخالف ذلك

قد تقول ولكن الحديث الصحيح الذي يقول رسول الله في أوله:
((إنه ليجمع خلق أحدكم في بطن أمه..)) يؤكد خلاف هذا الذي
تقول في نهايته، إذ يختمه رسول الله قائلاً: ((فوالذي نفسي
بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى مايكون بينه وبينها
إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها،
وإن أحدكمليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا
ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها))
حديث_إن_أحدكم_يجمع_خلقه_في_بطن_أمه_أربعين_يوماً.._ رواه_البخا
ري_ومسلم_وأبو_داود_والترمذي_وابن_ماجه_كلهم_من_حديث _عبد_الله_
بن_مسعود. .أقول: إنك إن فهمت الحديث على الوجه الذي توهمته،
فذلك يعني أن الله عز وجل من شأنه أن يضيّع قربات الطائعين وأن
يبدّدها لهم، ويسقط ما قد يكون فيها من قيمة من حيث هي طاعة
أريد بها وجه الله.وهذا الوهم باطل منفي عن ذات الله عز وجل،
مناقض لصريح بيانه في محكم تبيانه، ألم يقل: { إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ
أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } { الكهف: 18/30 } إذن لابدّ أن
يفهم كلام رسول الله في هذا الحديث الذي يستشكله بعض الناس،
بما يتفق وكلام الله عز وجل.

محب الحبيب علي
25 Jul 2007, 10:32 AM
من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات

ـ الجواب عن هذا على ضوء القرآن والسنة

وسبيل التوفيق هو أن نعود إلى كلام رسول الله ذاته في هذا
الحديث. فقد روى مسلم في صحيحه هذه الفقرة الأخيرة من الحديث
بألفاظ قريبة أخرى من حديث سهل بن سعد الساعدي، جاءت هكذا:
((إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل
النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من
أهل الجنة)) .إن كلمة ((فيما يبدو للناس)) الواردة في
الحالتين في رواية سهل بن سعد هذه، تبرز وجه الانسجام التام
بين الحكمة التي نحن الآن بصدد شرحها وكلام رسول الله في نهاية
الحديث المذكور.وفي ضوء هذه الرواية التي قيدت عمل الإنسان
بكلمة ((فيما يبدو للناس)) ينبغي فهم الرواية الأخرى المطلقة
والتي هي من رواية عبد الله بن مسعود، لأن القاعدة الأصولية
المعروفة تقضي بتفسير اللفظ العام في ضوء الخاص والمطلق في ضوء
المقيد، لا العكس
انظر_مزيداً_من_التفصيل_في_شرح_هذا_الحديث_في_كتابي_ (الإنسان_م
سير_أم_مخير)_ص120_ومابعدها. .إذن فالانفصال الذي قد تراه بين
ختام حياة الإنسان وبداياتها إنما هو فيما يبدو، كما يقول رسول
الله، أما في الحقيقة التي قد لاتبدو لك، فبينهما من الاتصال
والتفاعل مابين السبب والمسبب، والمقدمة والنتيجة، والأصل
والفرع.وبيان ذلك أنك قد ترى الرجل يلازم المساجد، لاتفوته
صلاة الجماعة، لايغيب عن مجالس العلم والذكر، تبدو عليه سيما
الصالحين، ولكنه يرائي الناس في سره.. يجعل من سلوكه والتزامه
هذا سبيلاً لثقة الناس به ومحبتهم له، كي تروج تجارته وتتحقق
مصالحه، فهو يعمل عمل أهل الجنة في الظاهر، أي فيما يبدو
للناس، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك، إذ إن الله طيب لايقبل إلا
طيباً، وقد قال رسول الله : ((إن الله لاينظر إلى أجسادكم
ولا إلى صوركم، ولكن ينظرإلى قلوبكم)) وأشار بإصبعه إلى صدره
رواه_مسلم_وابن_ماجه_وأحمد_من_حديث_أبي_هريرة،_وحديث :_
_((إن_الله_طيب_لايقبل_إلا_طيباً))_
_._رواه_مسلم_والترمذي_والدارمي_وأحمد. . فختام حياته يأتي
منسجماً مع واقع حاله السابق الذي يعلمه الله، وإن لم يكن
منسجماً معه في الظاهر المخادع الذي يبدو لك.وقد ترى الرجل
عاكفاً على الموبقات مبتلى بالمحرمات، فهو فيما يبدو يعمل بعمل
أهل النار ويسير نحو النهاية التي سينتهون إليها، ولكنك لاتطلع
على ماوراء هذا الظاهر من خفايا شأنه، لعله يعود في نهاية كل
يوم أو ليلة إلى داره، كسير القلب أسيف البال، يشكو إلى الله
سوء حاله ويتضرع إليه أن ينتشله من وهدة انحرافه (والدعاء كما
قد علمت لب العبادة، بل هو العبادة) ولعل آلامه الخفية هذه
تدعوه إلى أن يتقرب إلى الله بما يتأمل أن يكون سبباً لتوبته
أو شفيعاً له عند الله عز وجل، فيمعن في البحث عن الفقراء
والضعفاء والمنكسرة قلوبهم لظلم حاق بهم أو لعجز انتابهم،
يرعاهم ويكشف عنهم أسباب بؤسهم ويرفع يد الظلم عنهم، لايبتغي
من وراء ذلك شيئاً إلا أن يكرمه الله، بالهداية وأن يتجلّى
عليه بالمغفرة والصفح.ولعلك لاترى من أعماله الخفية هذه شيئاً،
إذ الغالب أنها إذ تصدر من هؤلاء التائهين تكون خفية، وتكون
الدوافع إليها قلبية لايطلع عليها إلا الله عز وجل.فإذا فوجئت
بتوبة هذا الإنسان إلى الله قبيل وفاته، وبإقباله إليه
بالأعمال الصالحة، يخيل إليك بسبب الظاهر من حاله السابقة التي
لمتكن تعلم غيرها، أن الله قد أكرمه بخاتمة جاءت على غير أساس
وبدون أي مقدمات، وقد تتوهم من جراء جهلك ببواطن الأمور أن هذه
الحكمة غير دقيقة أو غير صحيحة.

محب الحبيب علي
25 Jul 2007, 10:33 AM
من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات

ـ مما ييسر معرفة هذا الجواب أن تعلم أن الرجوع إلى الله
في البدايات ليس محصوراً في الأعمال الظاهرة

ومما ييسر لك فهم هذا الذي نقول، أن تعلم أن الرجوع إلى الله
في البدايات، ليس محصوراً في ظواهر الطاعات والعبادات، بل
لاينطبق دائماً على هذه الظواهر، إن من الرجوع إلى الله عز وجل
كثرة الالتجاء إليه والتضرع بالدعاء بين يديه، ولاشك أن من أحب
الأعمال إلى الله أخفاها وأكثرها خصوصية بين العبد وربه. وهذا
هو شأن الالتجاء إلى الله والانكسار على أعتابه بالدعاء
الواجف.ولعمري لاقيمة لظواهر الطاعات، إن لم يكن لها اتصال
بجذور هذه الأحوال الخفية التي مكانها القلب والتي لايطلع
عليها إلا الله عز وجل. إن ظواهر الطاعات تغدو عندئذ أشباحاً
بدون أرواح، وصوراً مزيفة عن الحقائق، إنها أشبه ماتكون بهذه
الزهور الاصطناعية لها صورة الزهور وليس فيها شيء من عبقها
وأريجها!..وإذا وقفت على مثل قول الله عز وجل: { وَقَدِمْنا
إِلَى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
} { الفرقان: 25/23 } وكيف يهدر الله أعمالهم ويحيلها إلى هباء
منثور، عندما تكون نقية خالصة من الشوائب، وهو الذي يقول في
محكم كتابه { فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ
عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } { آل
عمران: 3/195 } ثم إن إدراك هذه الحقيقة، يكشف لك اللغز الذي
لايستبين تفسيره لكثير من الناس، والذي يتمثل في حال أناس كنت
تراهم في الظاهر ـ أيام نشاطهم وإقبالهم إلى الحياة ـ من ذوي
الطاعات والقربات والمنافسين لغيرهم في الخيرات والمبرات، فلما
كانت خاتمة حياتهم اتجهوا إلى الموبقات وتحللوا من الالتزامات،
ثم ماتوا عاكفين على هذه الحال. إن هذه الظاهرة تعني أنهم لم
يكونوا من خلال طاعاتهم والتزاماتهم السابقة يتعاملون مع الله،
وإنما كانوا يتعاملون مع مصالحهم ورغائبهم الدنيوية التي كانت
تقتضيهم الظهور بمظهر الالتزامات الدينية، والأعمال الصالحة
المبرورة، ولاتنس أن التعامل بالدين أيضاً سلعة تجارية رابحة
لمن ابتغى ذلك، شأنها كشأن السلع التجارية الأخرى، كالأقمشة
والأغذية وأعمال البناء ونحوها.كما قد يتمثل في حال أناس
آخرين، كنت تراهم في حال إقبالهم إلى الحياة، وفي مرحلة نشاطهم
فيها، عاكفين على الغيّ شاردين عن أوامر الله، حتى إذا كانت
الأيام أو الأشهر الأخيرة من حياتهم، تحولوا من حالهم تلك إلى
حال أخرى من التوبة والإنابة إلى الله، وتحرروا من سائر
الموبقات التي كانوا أسيرين لسلطانها، وضبطوا أنفسهم بأوامر
الله وأحكامه، ثم جاءهم الموت وهم على هذه الحال... إن هذه
الظاهرة تعني أنهم في حالهم الأولى، كانت لهم صلة خفية بالله
عز وجل، تتمثل في قربات خفية يبتغون بها وجه الله عزوجل، أو في
كـثير من الدعوات والالتجاءات إليه عز وجل أن يهديهم ويتداركهم
بالعون على التوبة والإنابة إليه، ونحن لانطلع على هذه الأمور
الخفية التي قضى الله تعالى أن تبقى سراً بين الله عز وجل
وعباده هؤلاء.فأما من استوى الظاهر والباطن في حياته من حيث
الاستقامة على دين الله وأوامره، أو من حيث الشرود عنهما
والتفلت عن ضوابطهما، فلابدّ أن تأتي الخاتمة متساوقة ومنسجمة
مع البداية إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وستجد عندئذ مدى دقة
هذه القاعدة القائلة: ((من علامة النجح في النهايات الرجوع
إلى الله في البدايات)) .

محب الحبيب علي
25 Jul 2007, 10:34 AM
من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات

ـ من ثمرات إدراكك لهذه القاعدة أن تكون كثير الأدب مع
عباد الله جميعاً

واعلم أن من ثمرات إدراكك لهذه الحكمة، وتبينك لمستنداتها من
القرآن والسنة، كما أوضحنا، أن تكون كثير الأدب مع عباد الله
جميعاً. شديد الحيطة في أحكامك عليهم كثير التحفظ في قراراتك
بحقهم..إن رأيت من يبدو على ظاهره الإعراض عن أوامر الله،
والاستغراق في الموبقات والمنسيات والملهيات، فتوجه إليه بما
تستطيع من النصح والتذكرة، وأْمُرْهُ ما وسعك الأمر بالمعروف،
وانْهَهُ عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن إياك أن
تحكم عليه في سرّك أو بلسانك بأنه من أهل الشقوة والعذاب، فإنك
لاتعلم شيئاً من خفايا أمره وحاله مع الله عز وجل، ولاتعلم
أَلَهُ خيوط من أعمال صالحية خفية يبتغي بها وجه الله عز وجل.
بل كن على حذر من مثل هذا الحكم الغيابي عليه، بل ضع في
اعتبارك أنه ربما أصبح في عاقبة أمره خيراً منك.وإن رأيت من
تبدو على ظاهره الاستقامة على أوامر الله وتتجلى في تصرفاته
وأحواله سيما الصلاح والتقوى، فحسّن الظن به عملاً بقاعدة
((نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)) ولكن لاتجزم بعاقبة
أمره، ولاتتأل على الله في حكمك له بالخاتمة الحسنة، فإنك
لاتتطلع على خفايا قصده، ولاعلى سرائر أعماله وسلوكه. غير أن
الحيطة في الأمر تقتضي أن تحسن الظن بهذا وذاك.تحسن الظن بهذا،
عملاً بقاعدة ضرورة الحكم بمقتضى الظاهر، وتحسن الظن بذلك
أملاً في أن يكون له من الصلة الخفية بالله مايكون شفيعاً له
بين يدي الله، وما يكون سببا في إكرام الله له بالخاتمة
الحسنة، في دنياه.

محب الحبيب علي
25 Jul 2007, 10:34 AM
من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات

ـ إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب مطلوب، ولكن
الترفع على العاصين والتسامي عليهم أمر خطير ومذموم

إنّ أمر العصاة بالمعروف ونهيهم عن المنكر، أياً كانوا، أمر
حسن ومطلوب، بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن الترفع والاستكبار
عليهم أمر سيّئ ومذموم، وليعلم من لايبالي بذلك أنه من هذا
الشأن على خطر. ويبدو أنه ابتلاء يعاني منه كثير من الناس
الذين يفرحون بأنهم مستقيمون ملتزمون بأوامر الله عز وجل..
يحملهم فرحهم بذلك على الانتقاص من شأن العصاة والتائهين وعلى
ازدرائهم والشعور بالسمو فوقهم والتعالي عليهم.أذكر يوم كنت
ألقي دروس الحكم العطائية هذه في مسجد السنجقدار أن شاباً
مخموراً اقتحم المسجد، أثناء الدرس، وهو يتطوح سكراً. واتخذ
لنفسه مكاناً بين الجالسين، فهب إليه جمع من المصلين الجالسين
وأقبلوا ينتهرونه ويعملون على طرده من المسجد.قلت لهم: فيم
تنتهرونه وتطردونه؟!.. عاص جاء يلوذ من عصيانه ببيت من بيوت
الله عز وجل. أتحولون بينه وبين إلهه الذي جاء يلوذ به؟ وما
أدراكم؟ لعل الله سيتقبل منه إقباله والتجاءه، فيطهره من
عصيانه ويتوب عليه، ويغدو بعد أيام أو شهور خيراً مني
ومنكم؟ووضع أحدهم أمامي، خلال تلك الدروس ذاتها، ورقة حذرني
فيها من أن في المسجد مخبرين جاؤوا للمراقبة وتتبع ما سأقوله
في الدرس، ونعت صاحب الورقة هؤلاء المخبرين بصفات سيئة غير
لائقة.وأذكر أنني علقت على ماجاء في هذه الورقة، مطولاً، ووجهت
السؤال التالي إلى كاتب الورقة: من أين لك أن تجزم وتستيقن أنك
أحسن حالاً عند الله، من هؤلاء الإخوة الذين تحذرني منهم؟ وما
الضمانة التي تجعلك على يقين بأن الشيطان لن يغويك، ولن يتخطفك
عن صراط الله عز وجل، ليزجك في شرٍ من الحال التي عليها هؤلاء
الناس؟ وما القرار الذي اطلعت عليه بأن الله لن يهديهم إلى خير
مما أنت عليه الآن؟ثم لماذا تحتكر قابلية الاستفادة من سماع
الحق، لنفسك؟ ألسنا جميعاً، نحن بني آدم، مفطورين على هذا الحق
الذي نذكره ونتواصى به؟ أولم يجهزنا الله جميعاً بالعقل المدرك
وقابلية الانقياد للحق؟ وهب أن هؤلاء الناس أقبلو فجلسوا في
هذا الملتقى المبارك في بيت الله عز وجل لغاية، ألم يقل رسول
الله في الحديث الصحيح عن مثل هؤلاء الناس الذين تنتقصهم،
نقلاً عن ربه عز وجل: ((..هم القوم، لايشقى بهم جليسهم))
.وصفوة القول أن على المسلم الذي أكرمه الله بالهداية
والالتزام أن يكون متأدباً مع عباد الله، وأن عليه أن يدرك أن
أشدّ الناس غواية وضلالاً، ربما أصبح أكثر منه هداية وأشد منه
التزاماً... على أن لايصدّه ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، كلما اقتضى الأمر ذلك.فإذا آل هذا العبد إلى الله، دون
أن تدري بيقين حاله التي فارق الدنيا عليها، فافترض بل رجح أنه
لم يفارقها إلا تائباً صالحاً مصطلحاً مع الله عز وجل، فإن
خيراً من ظنك السوء به، وظنك المقت من الله له، أن تظن التوبة
والإنابة منه إلى الله، والصفح والغفران من الله عز وجل
له.ولهذا صح عن رسول الله أنه قال: ((اذكروا محاسن موتاكم،
وكفوا عن مساوئهم)) ، وقد ورد هذا الحديث بأكثر من طريق
بألفاظ متقاربة رواه_أبو_داود_والترمذي_والطبراني والحاكم من
حديث
ابن_عمر_مرفوعاً،_قال_الحاكم:_صحيح_الإسناد_ولم_يخرج اه._وروى_ا
لبخاري_عن_عائشة_مرفوعاً:_
_((لاتسبوا_الأموات_فإنهم_قد_أفضوا_إلى_ما_قدّموا))_
_._وروى_أبو_داود_أيضاً_عن_عائشة_مرفوعاً:_
_((إذا_مات_صاحبكم_فدعوه،_لاتقعوا_فيه))_
_._وروى_الطبراني_عن_سهل_بن_سعد_بلفظ:_
_((ارفعوا_ألسنتكم_عن_المسلمين،_وإذا_مات_أحدهم_فقول وا_فيه_خير
اً))_
_.._فاعجب_أيها_القارئ_لمن_يخوض_في_مخاضة_مظلمة_لم_ي ـأذن_بها_ا
لله،_ويناقض_باستخفاف_وترفع،_هدي_رسول_الله،_وهو_يزع م_أنه_إنما
_يغار_بذلك_على_الإسلام!! .وياعجباً لبعض الناس اليوم!.. كيف
يحسنون الظن بالله في حق أنفسهم ويبالغون في الوقوف عند مظاهر
ودلائل إكرامه ورحمته ومغفرته، ويستذكرون الآيات والأحاديث
التي تؤكد سعة عفوه، فإذاذُكّروا بعصاة ومسرفين على أنفسهم
آلوا إلى الله عز وجل، لم يشكّوا في أنهم على موعد مع عذاب
الله ومقته، اعتماداً على ظاهر ما كان يبدو لهم منهم، وتأملاً
في أن يأتي حكم الله في حقهم تبعاً لما تهواه وتتمناه
نفوسهم.ولو سئل أصحاب هذه الأماني: أفكنتم على علم بسرائر
هؤلاء الناس، وعلى اطلاع بأحوالهم الخاصة في بيوتهم، وفيما
بينهم وبين ربهم، فعلمتم أنهم لم يرحلوا من الدنيا إلا مثقلين
بالأوزار والعقائد الباطلة، وأيقنتم من ثَمَّ بأن الله عز وجل
لم يدّخر لهم عنده إلاّ الخزي والعذاب؟ أقول: لو سئل أصحاب هذه
الأماني عن ذلك لتلجلجوا ولخانتهم الإجابة التي
يبتغون!...فياعجباً لأناس يتألون على الله في حق أنفسهم أنهم
المغفورون والمرحومون والمأجورون.. ويتألون على الله في حق
أمثال هؤلاء الآخرين أنهم الممقوتون والمحرومون من صفح الله
ورحمته، مع العلم بأن آدابنا الإسلامية التي نسجها لنا كتاب
الله وسنة رسوله، تأمرنا بعكس ذلك: أن نَوْجَل من مقت الله
وعقابه في حق أنفسنا، وأن نفترض العاقبة الحسنة في حق إخواننا
الذين لانعلم شيئاً من سرائرهم ، ولانعلم كيف آلوا إلى الله عز
وجل، وكيف كانت عاقبة حياتهم. * * * ثم اعلم أن هذه القاعدة
ليست خاصة أو محصورة ببداية الحياة ونهايتها، بل هي تشمل بداية
أي شيء ونهايته في حياة الإنسان، فمن بدأ عمله الدراسي معتمداً
على الله فيما يبذل من جهد، راجعاً إلىالله في معرفة حكم
دراسته ومدى موافقتها لشريعته وأحكامه، حالفه التوفيق في
النهاية وأثمرت جهوده الغاية التي يسعى إليها.ومن بدأ مشروعاً
تجارياً أو صناعياً مستشهداً فيه بميزان الشريعة مستبيناً مدى
مطابقة مشروعه لأحكام الإسلام، ثم سار فيه معتمداً على توفيق
الله عز وجلّ، لابدّ أن يحالفه النجح الذي يتحدث عنه ابن عطاء
الله في النهايات.ومن دخل في معترك سياسي، مدافعاً عن حق لأمته
أو لوطنه أو محافظاً على القيم والمبادئ، راجعاً في ذلك إلى
هدي الدين وميزانه، طالباً العون والتوفيق من الله عز وجل،
لابدّ أن تكون عاقبة أمره النصر والتوفيق.. إلى آخر الأمثلة
المشابهة.كما يدخل في هذه القاعدة، الأعمال والمشاريع الغامضة
التي يقدم أحدنا عليها وهو لايدري أخير هي أم شر، ولايعلم
شيئاً عن النتائج والعواقب التي ستواجهه من ورائها.والرجوع في
مثل هذه الأمور إلى الله عز وجل، يعني أن يستخير الله عز وجل
في شأنها، كما كان يفعل رسول الله ، يصلي ركعتين بنية
الاستخارة، ثم يدعو الله بالدعاء المعروف والمأثور عن رسول
الله في باب صلاة الاستخارة، ثم يباشر الأسباب المشروعة للعمل
الذي هو بصدده، متكلاً على الله ومستعيناً بقوته وتوفيقه. فإنه
إن كان خيراً في علم الله عز وجل وسابق غيبه، يسّره الله له
ونال من ورائه الخير الذي يبتغيه، وإن كان شراً في سابق علمه
عز وجل، صرفه الله عنه من حيث يحتسب أو لايحتسب.ومن المهم أن
تعلم أن نتائج الاستخارة التي علمنا إياها رسول الله لاتتوقف
على منام يراه المستخير صاحب المشروع، كما يظن كثير من الناس،
وصلاة الاستخارة ودعاؤها، لايتضمنان طلباً أو دعاء من الله عز
وجل أن يَرى المستخيرُ في رؤياه مايشير له إلى مشروعه الذي هو
بصدده أينطوي على خير أم شر. وإنما يتضمن كل منهما الدعاء من
الله عز وجل، بتيسير هذا الأمر إن كان خيراً وصرفه عنه إن كان
شراً.نعم، الرؤيا الصادقة ـ بقطع النظر عن الاستخارة ـ جزء من
ثلاث وأربعين جزءاً من النبوة كما قال رسول الله أي إن بوسع
الذي يرى رؤيا أن يستبين تأويلها بواسطة من أوتوا علماً بذلك،
على أن يعلم أن في الرؤى والأحلام ما لاتأويل له، وإنما هي
انعكاسات وآثار لمشاعر نفسية.ولعلك قد عرفت الجواب عن سؤال قد
يطرحه بعض الناس عرضت له وأجبت عنه في شرح الحكمة السابقة التي
جاءت هذه الحكمة تتمة لها. وسؤالهم هو أن المسلم ربما باشر
عملاً التزم فيه بأوامر الله وتعليماته، واستعان فيه بالله عز
وجل، ومع ذلك لم يحالفه النجح في النهاية.لعلك تذكر الجواب
الذي ينبغي أن أعيده الآن، وهو أن النجاح في العمل الذي يقدم
عليه أحدنا، ليس محصوراً في المضيّ في حرفية العملذاته، بل
النجــاح فيه يعني أن يكرم الله صــاحب العمل بالهدف الذي يسعى
إليه من ورائه، بقطع النظر عن الوسـيلة التي يسخرها الله له
إليه.كم من متجه إلى مشروع تجاري يقتضيه بعض الأسفار البعيدة
أملاً في ربح مالي يحصل عليه ابتغاء تحقيق أهداف محددة له،
فحوله الله من ذلك المشروع، إذ أغلق سبيله عليه، ووجهه إلى
سبيل آخر كان أقرب إلى الهدف الذي ابتغاه.وكم من مصرّ على
دراسة لعلوم ومعارف معينة أملاً في الحصول على أهداف اجتماعية
أو ثقافية أو اقتصادية محددة، فلم يحالفه التوفيق في دراسته
على الرغم من تكرار التجربة والحرص عليها، ثم اتضح له أن
الدراسة التي ظنها سبيلاً إلى هدفه المرسوم لم تكن لو نجح فيها
إلا عائقاً عن ذلك الهدف.إنها حقيقة معروفة، يعامل الله بها
عباده، لدى التجائهم إليه، وتوكلهم الدائم عليه.ومن صدق مع
الله في الاستقامة على أمره والاستعانة الصادقة به، والتوكل
الدائم عليه، يعلم هذه المعاملة الكريمة من الله له... وأنا
واحد من الذين تفضل الله عليهم، وعاملهم على هذا المنوال، حقق
لي رغائبي على أحسن ما قد كنت أتخيلها، بأيسر وأفضل من الوسائل
التي كنت قد حصرت نفسي فيها.وانظر إلى كلمة ((في النهاية))
التي عبر بها ابن عطاء الله في هذه الحكمة، وتأمل فيها، تجد
أنها تشير إلى الجواب الذي ذكرته لك.. إن العبرة بعواقب الأمور
ونهاياتها ولن تأتي هذه العواقب إلا بما يتفق والقاعدة التي
تعبر عنها هذه الحكمة. وتصدق هذه القاعدة، كالتي قبلها في حق
كل من الفرد والمجتمع سلباً وإيجاباً.فاتهم نفسك بالعجز عن
إدراك مايسعدك، ولاتتهم مولاك وخالقك بالإعراض عن حمايتك
وتوفيقك، أو بعدم الاستجابة لدعائك في تحقيق رجائك. * * *

محب الحبيب علي
25 Jul 2007, 10:38 AM
الحكمة السابعة والعشرون



من أشرقت بدايته أشرقت نهايته

ـ هذه الحكمة تتمة وتأكيد للتي قبلها

أعتقد أننا لسنا بحاجة إلى الإطالة في شرح هذه الحكمة، إذ هي
تتمة، بل تأكيد للتي قبلها.والمهم أن نعلم أن حسن الخواتيم في
كل الأعمال والأعمار، رهن بحسن البدايات، كما سبق أن أوضحنا.
والبداية المشرقة هنا، تعني التربية التي ينبغي أن يتلقاها
السالك، في صدر حياته، عقيدة يغذي بها عقله، وتزكية يصلح بها
نفسه. وإنها لمرحلة تأسيسية ذات أهمية كبرى.فإن هو أقام هذا
الأساس في صدر حياته، ونجح في ترسيخه، غدا سلوكه إلى الله
عملاً آلياً، لايرهقه بأي جهد، وأصبح تعامله مع الناس دائراً
على محور دائم من مراقبة الله عز وجل، وتلك هي ضمانة الأخلاق
الرشيدة، وهل الحياة المشرقة أكثر من هذا، سير على صراط الله
في اتباع أحكامه، ومراقبة لله في التعامل مع عباده؟‍!..وإذا
أشرقت حياة الإنسان بهذين الضياءين، ضمن لنفسه بذلك سعادة
العاجلة والعقبى. ومن سلك هذا السبيل عرف صدق ما أقول.


ـ هذه القاعدة تنطبق على المجتمع كما تنطبق على الفرد

ومرة أخرى أقول: إن هذه القاعدة كما تنطبق على الفرد تصدق
بالقدر ذاته على المجتمع. إن المجتمع الذي يسمى إسلامياً،
لاتشرق في حياته السعادة بكل ما هو معروف من أركانها ومقوماتها
إن لم تأسس بدايته على تربية عقلية ونفسية تسري في حياة أفراده
طبق منهج رباني يضبطه كتاب الله وهدي رسوله


ـ يقول بعضهم: فهاهي ذي المجتمعات الغربية تتمتع بألوان
من النعم لاحصر لها، دون أن تزدهر بدايتها بأي إشراق

ولعلك تقول مرة أخرى: فهاهي ذي المجتمتعات الغريبة تتمتع
بألوان من النعيم لاحصر لها، ويزدهر فيها التقدم العلمي
والحضاري، دون أن تزدهر بدايتها بأيّ إشراق!وبالإضافة إلى ما
قد ذكرته من قبل جواباً عن هذا السؤال أقول: وهل وصلت هذه
المجتمعات من سيرها إلى نهاية مشرقة، حتى يرد الإشكال؟إنها
اليوم تغامر وتسير... والمصائب التي تتحملها أكثر وأخطر من
المتع التي تتنعم بها. والمستقبل الذي يحمل صورة النهاية،
لايبشر فيما يقرره علماء الاجتماع بأي خير.أنا لاأنكر أن عشرات
الآلاف الذين ينتحرون كل عام في أمريكا وأوربا، إنما ينتحرون
داخل بيوت فارهة، وضمن نظام تقنيات عالية، وتحت أشعة أنوار
ساطعة. ولكني لاأستطيع أن أتذكر رفاهية المنازل وألق النعيم
وفنون الترف، وأن أنسى الانتحار. * * *



خاتمة الجزء الأول


خاتمة الجزء الأول أحمد الله في نهاية الجزء الأول كما قد
حمدته في أوله، إذ منه الفضل كله، ومن ثم فله الحمد كله.ولقد
شاء الله عز وجل أن أكتب خواتيم هذا الجزء الأول من شرح هذه
الحكم الجليلة، وأنا في مدينة فرانكفورت بألمانيا، أدركتني
فيها الحكمتان: السادسة والعشرون والسابعة والعشرون، كتبت
شرحهما خلال لقاءات مباركة فيما أحسب مع أخوة تبادلت معهم الحب
في الله، والتناصح لله، والتواصي على أن لانتخذ من دون الله
وليّاً ولانصيراً، وعلى أن يراقب كل منا قلبه فلايدع أي حظ
للأغيار يسري إلى نفسه أو يهيمن على تصرفاته وسلوكه، حتى تغدو
أفئدتنا أوعية لحب الله والانقياد لأوامر الله، والإخلاص لدين
الله وحده، دون الركون إلى أي شريك من العصبية للذات أو
الانتصار للنفس، أو إلى أيّ من أعراض الدنيا على اختلافها.أما
أنت يا أخي القارئ فادع الله لي أن يوفقني لإتمام سلسلة أجزاء
هذا الشرح على نحو يرضيه قصداً وعملاً.وإلى اللقاء على صفحات
الجزء القادم، إن امتدت بي الحياة وحالفني التوفيق. * * *

محب الحبيب علي
28 Dec 2007, 01:38 PM
نبدأ معكم مجددا في الجزء الثاني


الحكمة الثامنة والعشرون



ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- المصدر الذي تعتمد عليه هذه الحكمة من السنة

هذه الحكمة مبنية على قول رسول الله  في الحديث الصحيح ((ألا
وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد
الجسد كله ألا وهي القلب)).(1) والمراد بالقلب هنا ما يستبطنه
الإنسان من المشاعر والمقاصد والتوجهات والوجدانات.

ومعنى
الحديث، أن الذي يقود الإنسان في سلوكه، ويدفعه إلى ما يتخيره
من الأعمال إنما هو تلك المشاعر والوجدانات التي يستبطنها.
ونظراً إلى أن هذه المشاعر والوجدانات، إنما تنعكس على القلب،
كما ينعكس الفكر والإدراك على الدماغ، فقد كان الشأن، على
الأغلب، أن ينسب ذلك كله إلى القلب.

محب الحبيب علي
29 Dec 2007, 04:16 PM
ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- خلاصة معنى هذه الحكمة

إذن، فالظاهر الذي يتجلى من الإنسان في لسانه وأعضائه وحركاته
وسكناته، ليس إلا جنداً يأتمر بأوامر القلب، ويستجيب لتطلعاته
وأحكامه، وليس العكس.

فإذا كان باطن الإنسان سليماً نقياً من
الشوائب عامراً بتقوى الله تعالى، فلابد أن يتجلى ذلك على
ظاهره، من حيث الالتزام بأوامر الله، والتخلق بالأخلاق
الحميدة.

وإذا كان الباطن منه منطوياً على الزغل بعيداً عن
السلامة والنقاء، فالشأن أن تسري ظلال ذلك إلى الظاهر، وأن
تصطبغ أنشطته وأعماله وعلاقاته بالآخرين، بالصفات ذاتها.

غير
أن في هذا الفريق الثاني من الناس، من يحاول أن يستر ظاهره
بغطاء النفاق، محاولاً أن يحجب بذلك سريرته السيئة عن أنظار
الناس ومداركهم.. غير أن هذه المحاولة قلما يكتب لها النجاح.
ذلك لأن الفضائل الظاهرة إن لم تكن موصولة بجذور من العوامل
الباطنة، تفقد رواءها وتغيب عنها جاذبيتها، ويتلقاها الناس
ثقيلة عليهم سمجة في مرآهم. إذ لابدّ أن تمتدّ عليها غاشية مما
يفرزه الباطن من رعونات وآفات. وصدق الشاعر إذ قال:

ومهما تكن
عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تُعلم

محب الحبيب علي
29 Dec 2007, 04:17 PM
ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- تفصيل لمعناها يتناول بعض النماذج الواقعية:

ولننتقل من هذا البيان أو الشرح النظري الموجز لهذه الحكمة،
إلى تفصيل يتمثل في عرض نماذج من وقائعها التطبيقية:


- الحب وأثره الذي لابدّ أن يظهر في السلوك، ومشكلة تصادم
الحب مع الضعف البشري، والحكمة من هذا التصادم

إن الحب شعور خفي يهيمن على قلب الإنسان وسريرته. ولكنه لابدّ
أن يطفح بآثاره ومقتضياته على ظاهر سلوكه وتصرفاته. فإن رأيت
من يدعي أنه يحب الله ورسوله، فتتبّع دليل ذلك في سلوكه
وأعماله، فإن رأيته ملتزماً، جهد استطاعته، جادة الشرع منضبطاً
بقواعده وأحكامه، مبتعداً جهد استطاعته عن المحرمات، فذلك هو
الدليل على صدقه. وإن رأيته شارداً عن صراط الله تعالى،
متقلباً في تيه المعاصي والآثام، فاعلم أنه كاذب في دعوى
محبته.

ولاحظ أنني أقول: ((جهد استطاعته)) لتعلم أن محبة الله
عز وجل لاتستلزم العصمة ولا الكمال. فلربما اندفع المحب إلى
الانضباط بكل الأوامر والآداب الإلهية الإسلامية، ثم تعثر عن
بلوغ مداه، بسبب ما قد ركب فيه من ضعف، وما قد قضى الله عليه
به من تسلّط آفات الغريزة والأهواء، وبسبب قصور إمكاناته عن
بلوغ سائر آماله وأحلامه.

ولله حكمة باهرة في أن جعل قلب
الإنسان مهيأ لاستيعاب أقدس حب لأعظم محبوب، ألا وهو الله عز
وجل، ثم جعل طاقاته الجسمية والغريزية متقاصرة عن القدرة على
الوفاء بحقوق هذا الحب.

والحكمة هي أن يسير العبد في طريق
الوفاء بحقوق حبه لله عز وجل، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، حتى
إذا اصطدم بجدار ضعفه وعجزه وبسلطان غريزته، لزم جادة
العبودية، فشكى إلى الله عجزه، وقدم بين يدي ماقد كبل به من
الغرائز والنقائص البشرية مشاعر حيائه وخجله من الله عز وجل،
إذ يناجيه منتشياً بلواعج حبه، ثم يستسلم مغلوباً للواعج
غرائزه وضعفه.

فبهذا الذي شاءه الله عز وجل، تمتزج نشوة الحب
مع ذل العبودية لله عز وجل. ولا يصلح حال العبد مع الرب إلا
هذا المزيج.

لو أتيح للإنسان الذي فاض قلبه حباً لله عز وجل،
أن يؤدي حقوق حبه له كاملة بدون نقصان: إذن لتحول شأنه مع الله
عز وجل إلى ما يشبه حال بطل أوتي قدرات خارقة، فهو يتحدى بها
الصعاب. وهذا يتعارض مع حقيقة العبودية التي أقام الله الإنسان
عليها، والتي تتجلى في شدة ضعفه وافتقاره إلى الله.

فتلك هي
الحكمة من أن الله أقدر الإنسان على أن يجعل قلبه وعاء لأقدس
حب لأعظم محبوب، ثم لم يقدره على الوفاء بحقوق هذا الحب…
الحكمة هي أن تنقدح من تلاقي نشوة الحب مع واقع العجز والضعف
البشري، مشاعر العبودية لله عز وجل.

والثمرة السلوكية لهذا
التلاقي أن المحب في هذه الحالة، يظل في جهاد وصراع مع نفسه
وغرائزه، مع الاستعانة الدائمة بالله عز وجل. يبذل كل ما يملك
للانضباط بالأوامر والآداب، والابتعاد عن المنهيات والمكروهات،
فإذا أدركه العجز التجأ إلى الله واستمدّ منه العون.. فإن غُلب
على أمره وتمردت عليه أهواؤه وغرائزه طرق باب التوبة نادماً
متحسراً عازماً على الإقلاع وإصلاح الحال.

فهذا الظاهر
المتمثل في مزيج من السعي إلى الانضباط بأوامر الله، عند
القدرة، والتجلبب بذل العبودية لله توبة وندامة وحياء من الله
والتجاءاً إليه عند العجز، أقول: هذا المزيج من هذا وذاك هو
الحال التي يجب أن يكون الإنسان عليها مع الله، وهو الظاهر
المنسجم مع باطن الحب لله عز وجل والدينونة له بذل العبودية
المطلقة.


* * *

محب الحبيب علي
29 Dec 2007, 04:17 PM
ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- الخشوع وأثره الذي لابدّ أن يظهر أثره على الكيان

الخشوع حالة قلبية تعني الخضوع والسكون، يقال خشعت الأرض إذا
سكنت واطمأنت. ويقال خشع في صلاته إذا أقبل بقلبه عليها بعيداً
عن الشواغل الأخرى.

فإذا خشع القلب، لابدّ أن تظهر آثار ذلك
على الظاهر من الكيان، إذ الأحوال الباطنة هي القائد - كما
علمنا - للأحوال الظاهرة. ومن ثم لابدّ أن يسري الخضوع والسكون
القلبي إلى ظاهر الإنسان الخاشع.

فإن رأيت إنساناً يصلّي، وهو
يعبث بيديه وثيابه، ويلتفت ذات اليمين واليسار، فاعلم أن
لانصيب لقلبه من الخشوع، واعلم أن المشاغل التي تتجاذب ظاهر
أعضائه، هي ذاتها المشاغل التي تتجاذب قلبه وتشغل باله. وإنها
لحالة عجيبة يتلبس بها كثير من المصلين في بعض بلادنا العربية.
يكون أحدهم هادئاً ساكناً لايذكره خاطره بأي التفاتة أو حركة
أو بحث، حتى إذا قام إلى الصلاة، وكبّر للدخول فيها تكبيرة
الإحرام، هجمت عليه دواعي الحركات المتنوعة، ورغبة البحث عن
الساعة التي في يده والدراهم التي في جيبه، والطمأنينة إلى
رتابة الثياب التي عليه.

فهل تتصور أن ذلك كله يكون بمعزل عن
القلب الذي هو الدافع إلى ذلك كله، والذي هو الباعث لحركة
الأعضاء عند العبث، والبحث في الساعة عن الزمن، وفي الجيب عن
المحفظة والمال؟

لو كان القلب بمعزل عن ذلك الظاهر كله، إذن
لما صح قول رسول الله – وهو الصادق المصدوق- ((ألا إن في الجسد
مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي
القلب)).

وليت أن هؤلاء الذين يحاربون كل ما لايروق لأمزجتهم
بدعوى البدعة يحكمون بها عليه، يتذكرون هذه البدعة الخطيرة من
نسيان، ويتنبهون إلى أنهم يركنون منها إلى نقيض ما قد دعا إليه
الله عز وجل إذ قال: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ،
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ } { المؤمنون: 23/1-2
} .


* * *

محب الحبيب علي
30 Dec 2007, 10:24 AM
ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- الذين يستهينون بضوابط الشرع، ويدعون بأن العبرة بالقلب
وسلامة القصد..

في الناس اليوم من يستهين بضوابط الشرع وأحكامه، محتجاً بأن
العبرة بالقلب وسلامته من الأدران، وبأن استقامة الأخلاق وحسن
المعاملة مع الآخرين هما الأساس.

إن هذا الكلام يتناقض بشكل
حاد مع ماهو ثابت من أن صلاح السرائر لابدّ أن يترك أثره في
صلاح الظواهر. وهي الحقيقة التي استقاها ابن عطاء الله من كلام
رسول الله في الحديث الذي سبق ذكره.

إن القلب الطاهر النقي من
الرعونات والأدران، لابدّ أن يكون وعاء لمحبة الله تعالى،
ومرآة لتجلياته. إذ هو إما أن يتجه بوجداناته إلى الأدنى
والأحط، فتنعكس عليه محبة المال والشهوات والأهواء وتحتله
مشاعر العصبية والرعونات، وإما أن يتجه بوجداناته إلى الأعلى
فيتوهج بمحبة الله وتعظيمه. وقد سبق بيان هذا مفصلاً في شرح
بعض الحكم السابقة.

وفي هذه الحالة الثانية لابدّ أن يندفع
صاحب هذا القلب إلى أداء حقوق الله والتقيد بأوامره، والابتعاد
عن نواهيه… كيف لا والمفروض أن يحبه ويبجله ويعظمه؟!.

فإن
أهمل حقوقه واستهان بأوامره، وعكف على المحرمات التي نهاه
عنها، فذلك دليل قاطع على أن مرآة قلبه منكسة إلى الأدنى، ومن
ثم فهي فارغة من محبة الله وتعظيمه ومهابته، مشغولة بمحبة
المال والشهوات والأهواء والعصبية للذات.

والإنسان الذي فاض
قلبه بهذه الشواغل لابدّ أن يصبح أسير أهوائه ورعوناته، ومن ثم
فإنه لايخون الله وحده في رعاية حقوقه، بل لابدّ أن يخون
إخوانه وأقرانه في ذلك من باب أولى.

كيف يستقيم أن يكون
الإنسان خائناً في تعامله مع الله، مهدراً لحقوقه مستخفاً
بأوامره، ثم يكون أميناً مع عباد الله يرعى حقوقهم ويحفظ
عهودهم؟!.. وهل في الناس من يملك قلبين اثنين يخون الله
بأحدهما لأنه منصرف إلى حب الشهوات والأهواء وحظوظ النفس،
ورعوناتها، ويفي مع الناس بثانيهما لأنه طاهر من الرعونات نقي
عن الشوائب؟ صدق الله القائل: { ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ
مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه } { الأحزاب: 33/4 } .


* * *

محب الحبيب علي
30 Dec 2007, 10:24 AM
ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- الذين يخبطون في تفسير القرآن وأحكام الله خبط عشواء،
بدعوى الغيرة على الإسلام والسعي إلى تجديده، مع السلوك
الشائن الذي يكذب دعواهم ويفضح نفاقهم

تتكاثر اليوم، في ظل الصحوة الإسلامية، فئة أخرى، يظهر أفرادها
من الغيرة على الإسلام وشرائعه ما يجعلك تتخيل أن الله ابتعثهم
في هذا العصر لتصحيح أخطاء الرسل والأنبياء، وللتحذير من
ضلالات السلف الصالح وسقيم تفسيراتهم وآرائهم.

يخوضون في
تفسير كتاب الله خوضاً لم يسبقهم إليه رسول ولا صحابي ولا
تابعي ولا ذو بصيرة بكتاب الله معظم لحرمات الله!. ويخبطون في
أحكام الله عز وجل خبطاً لم يجرؤ عليه من قبلُ خادع ولا متقول.


يقدمون على ذلك كله باسم الغيرة على دين الله، والسهر على
حماية شرعه والعمل على إغنائه وتجديده!..

فما الذي يبصرك
بهوية هؤلاء الغيارى، والمصلحين المتحمسين؟

إن الذي يبصرك
بهوياتهم وحقيقة أمرهم، أن تراقب سلوكهم وأن تتبين مدى موافقته
أو مخالفته لما هو متفق عليه من مبادئ الدين وأحكامه. ولسوف
تجد أن شرائع الله وأحكامه في واد، وسلوكهم في واد آخر.

حرم
الله الخمرة، يشربونها!.. أمرهم بالصلاة، يعرضون عنها!.. نهاهم
عن الفواحش، يمارسونها، فإذا استنكرت وذكرت، قالوا لك: العبرة
بالباطن. وربما استهشد أحدهم بحديث رسول الله: ((إن الله
لاينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))(1)
فقرأه محرفاً دَأبَ كثير من الناس، إذ يحفظونه هكذا ((إن الله
لاينظر إلى صوركم وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم)).

إن هذه
الحكمة التي نحن بصدد شرحها، والتي استقاها ابن عطاء الله من
حديث رسول الله الذي سبق ذكره، تضع الحيارى من الناس العوام
أمام الميزان الذي يكشف عن زغل هؤلاء المفتئتين على كتاب الله
والعابثين بأحكامه.

تتبع حال هؤلاء الناس وتأمل في سلوكهم،
فإن علمت أنهم خاضعون لتعاليم الله منفذون لشرائعه وأحكامه،
وفي مقدمتها الصلاة، وأنهم رقباء على أنفسهم أن لايرتكبوا
محرماً ولا يركنوا إلى فسوق، فاحمل ما قد ترى من أفكارهم
وآرائهم على محمل الخير وسلامة القصد، حتى وإن خالفت آراؤهم
الثابت من أحكام الله وشرعه، فربّ صاحب قصد حسن تخونه المعرفة
ويتنكب عن معرفة الحق.

وإن رأيت عكوفهم على المعاصي والآثام،
وتهاونهم في الواجبات والعبادات، فكن منهم على حذر، واعلم أنهم
يعبثون بشرع الله ويدجّلون على عباد الله، تحت أقنعة من مظهر
الغيرة على الإسلام والعمل على تجلية أحكامه ومبادئه.

إذ
لوصفت بواطن هؤلاء الناس، لتجلت آثار هذا الصفاء على سلوكاتهم،
ولدفعهم ذلك الصفاء إلى الالتزام بأوامر الله والابتعاد عن
نواهيه.. قل لي كيف تنسجم الغيرة على دين الله مع العكوف على
الخمرة التي هي أم الخبائث ومع الإعراض عن الصلاة التي هي أول
ما يحاسَبُ به العبد يوم القيامة(1) ؟!.

رحم الله مالكاً إمام
دار الهجرة فقد كان يظل يقول: ((إن هذا العلم دين فانظروا عمن
تأخذون دينكم)).

والمقياس الذي يجب أن يتم النظر على أساسه،
هو هذا الذي قلناه، فهو الذي يعرّي الدجال من أردية ختله
ونفاقه، ويكشف عن صدق المستقيم على صراط الله وأوامره.


* * *

محب الحبيب علي
30 Dec 2007, 10:25 AM
ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- لعلك تستشكل فتقول: في الناس من تنحرف سرائرهم ويتقلبون
في المعاصي الخفية دون أن يبدو أثر ذلك على ظواهرهم...
والجواب

لعلك تستشكل فتقول: ولكن في الناس من تنحرف سرائرهم وينحرفون
في منـزلقات المعاصي الخفية، فلايبدو شيء من ذلك على ظواهرهم،
بل يظلون في كنف من ستر الله عز وجل، أليس في هذا ما يناقض
كلام ابن عطاء الله؟

والجواب أن المراد بالسرائر أحوال القلوب
وما استكنّ فيها من القصود والمشاعر والرغائب. فذلك هو الذي
لابدّ أن يطفو على ظواهر أصحابها.

أما المعاصي التي يجترحها
الإنسان في الخفاء، ويتوارى بها عن الناس، فليست هي المعنية
بالسرائر هنا، بل هي من الظواهر التي سترها الله على صاحبها.
ومن أجلّ مظاهر ألطاف الله بعباده، أنه ينشر الجميل من أفعالهم
ويبعث لها عبقاً بين الناس مهما قلّ ذلك الجميل أو خفي عن
أنظارهم، ويستر القبيح منها مهما كثر أو تكرر.

وما دامت
المعاصي التي يقترفها الإنسان في الخفاء، ليست لها جذور متصلة
بالقلب متمثلة بالقصد والإصرار، والتبرير أو العناد
والاستكبار، فهي تعدّ من الظواهر التي ابتلي بها بعامل الضعف
وتغلب الغريزة عليه، ومن عادة الله عز وجل أن يبقيها سراً بين
العبد وربه، وأغلب الظن أنه جل جلاله سيغفرها له يوم القيامة،
ولسوف تدركه التوبة منها قبل الموت.

فأما إن كانت تلك المعاصي
أثراً لقصود سيئة جاثمة في النفس أو ثمرة استكبار وعناد،
فلابدّ أن تفوح رائحتها الخبيثة بين الناس، إذ هي دخان لنيران
تلك السريرة، ولابدّ أن يتصاعد الدخان عند شبوب
النيران.

والكلام، على الوزان ذاته يجري في الطاعات والقربات.
فمن أقبل على الطاعات والقربات، دون أن تكون لها جذور من
الإخلاص لله وسلامة القلب عن التوجه إلى ما سوى الله، فهي في
الحقيقة وواقع الأمر ليست من الطاعات في شيء، ومن ثم فلن يكون
فيها شيء من نور الطاعات وعبقها، إذ هي مُنْبَتَّةٌ عن معين
القلب مفصولة عن جذور القصد المتجه إلى الاستجابة لأمر الله
والتطلع إلى مرضاته، فلايسري فيها شيء من روح الطاعات
ومعناها.

والشأن في صور الطاعات هذه أن تكون مكشوفة الحقيقة
واضحة الهوية للناظرين، وقلّ أن تجد من يغتر بها ويؤخذ منها
بمجرد الصورة والمظهر، إلا إن كان من الغفلة بحيث لايفرّق بين
حقيقة الإنسان وتمثاله.

وهكذا فكما أنّ المعصية التي ليست لها
جذور من القصد والعتوّ والاستكبار، تذوب على الأرجح في وهج من
عفو الله وغفرانه، كذلك الطاعة التي ليست لها جذور من الإخلاص
لوجه الله والبحث عن مرضاته والتقرب إليه، تذوب في ضرام من
رقابة الله وإطلاعه على كل خفي في سرائر عباده.

إذن، فالقاعدة
التي يقررها ابن عطاء الله في هذه الحكمة ثابتة ومطردة، ولا
يوجد فيها إشكال أو شذوذ.

محب الحبيب علي
31 Dec 2007, 10:13 AM
الحكمة التاسعة والعشرون



شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- في علاقة المخلوقات ببعضها، قد يدلّ الأصل على الفرع،
وقد يدل الفرع على الأصل

أيهما يدلّ على الآخر: الأصل على الفرع، أم الفرع على الأصل؟
النبع على الجدول والساقية، أم الساقية والجدول على النبع؟..
الشجرة على الثمرة أم الثمرة على الشجرة؟

في الناس من يبدأ
فيتعرف على الأصل، ثم إن الأصل يهديه إلى الفروع والنتائج،
وفيهم من يبدأ من النتائج والفروع، ثم إنه يستهدي بها إلى
الأصل الذي انبثقت منه. والذي يتحكم بالأمر في هذا التقسيم، هو
الخفاء والظهور، فالظاهر هو الذي يدلّ دائماً على الغائب أو
الخفي.

ربما كانت الشجرة غائبة عنك، ولم يظهر أمامك إلا
ثمارها. إذن فالثمرة التي هي الفرع تدلّ على الشجرة التي هي
الأصل.. وربما كانت الثمرة غائبة عنك، وكانت الشجرة هي الماثلة
أمامك، إذن فالشجرة التي هي الأصل تدل على الثمرة التي هي
الفرع.

والاحتمالان في المخلوقات والمصنوعات وارد. ولكن هل
يرد الاحتمالان في المخلوق مع الخالق، في موجد الكون مع
الكائنات؟

ولاحظ أننا عندما نقول: الخالق أو الموجد، نعنى
موجد كل شيء والخالق لكل شيء، ومن جملة الأشياء العقل الذي به
تدرك والنور الذي به تبصر. ألا وإن هذا الخالق هو الله عز وجل.

محب الحبيب علي
31 Dec 2007, 10:14 AM
شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- أما في الدليل على وجود الله، فالأصل هو الذي يدلّ
دائماً على الفرع

إذن فهل يرد الاحتمالان هنا أيضاً على السواء، كما وردا في
دلالة الأصل على الفرع والفرع على الأصل ضمن حدود
المخلوقات؟

إذا تأملت، ستعلم أن الاحتمالين هنا غير
متساويين.

ذلك لأنك عندما تبعث ببصرك في المكونات والمخلوقات
لتتعرف عليها، إنما تدركها وتتعرف عليها بنور من الهداية
الربانية، فبه تدركها وبه تراها وبه تسبر غورها.

محب الحبيب علي
31 Dec 2007, 10:15 AM
شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- لأن دليلك على المخلوقات ونظامها وقوانينها إنما هو
نور من الهداية الربانية

إذن فدليلك الهادي إلى وجود المخلوقات وحقيقتها هو الله. فكيف
ينقلب الدليل، وهو الله، ليصبح مدلولاً عليه، وينقلب المدلول
عليه وهو هذه المصنوعات، ليصبح دالاً؟!

دعني أضعك من هذه
الحقيقة أمام مثال.


- مثال على ذلك: دلالة المصباح في ظلام الليل على أمتعة
الدار

رجل أقبل في ظلام ليل دامس إلى مصباح، فحمله ودخل به داراً
مظلمة، فرأى على ضوء المصباح أمتعة شتى، وأثاثاً، وأطعمة
ونقوداً.. ترى أيهما كان الهادي الدالّ، وأيهما كان المهديَّ
إليه والمدلول عليه؟ هل في العقلاء من يجهل أن المصباح المضيء
هو الدليل الهادي، وأن كل ما كشفته أشعة المصباح هو المهدي
إليه وهو المدلول عليه؟

إنك بالله ترى الدنيا التي من حولك،
وبالله تعقلها وتدرك ما تدرك من أسرارها، وهذا بعض من معنى قول
الله عز وجل: { اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ } {
النور: 24/35 } إذن فالله هو دليلك على كل ما سواه.

وقد
مرّ بك شرح الحكمة التي يقول فيها ابن عطاء الله: ((الكون كله
ظلمة، وإنما أناره وجود الحقّ فيه)).

فأما المقربون أصحاب
الشهود، فقد رأوا المصباح أولاً.. رأوا الله نور السماوات
والأرض أولاً، ثم إن رؤيتهم له بصّرتهم بالآثار، بصّرتهم
بمخلوقاته ومصنوعاته، بصّرتهم بآثاره، وقد أيقنوا أنه لولا
المؤثر لما وجدت الآثار.. لولا الصانع لما وجدت المصنوعات،
لولا النور الهادي لما انكشف لك شيء من ظلمات
المكوّنات.

ولاداعي لتكرار ما قد أوضحته لك من قبل، من أن
الله لايحجبه شيء، وإن غاب عنك بعض ما أطلت في بيانه آنذاك،
فعد إليه بقراءة متدبرة ثانية، تنجلى لك كل خافية في هذا
الموضوع.

محب الحبيب علي
31 Dec 2007, 04:13 PM
شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- أما الغارقون بين غيوم الآثار، فهم يبحثون عن المصباح
بالأشياء التي كشفها لهم ضياء المصباح

أما الذين غرقوا بين سحب الآثار، وحجبوا أنفسهم بالصور عن
المصور، فقد راحوا يبحثون عن المصباح بالأشياء التي كشفها لهم
ضياء المصباح، وإنه كما ترى لشيءٌ مضحك.. ولكن تلك هي حال
أولئك الذين نسوا الله الذي هو صاحب الوجود المطلق، وأقول:
نسوا الله، ولا أقول: حُجِبَ الله عنهم، إذ ليس في الكون كله
ما يحجب الله عن الإنسان، وكم هو دقيق التعبير القرآني القائل
{ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ } { الحشر: 59/19
} .

على أن البحث عن المصباح سعي مبرور على كل حال، إذ هو
خير من الإعراض عنه ونسيانه، ومن ثم إنكار وجوده.

وهذا شأن
عامة التائهين عن الله ببوارق الملهيات والمنسيات ورغائب
الأهواء والشهوات. ويبدو أننا من هذا الفريق الثاني. فشأننا
عندما نذكّر بوجود الله ونعرض الأدلة الناطقة بوجوده، أن نجعل
مما عرفناه بنور الله وهدايته دليلاً على وجوده.. نقول: إن
المكونات مغموسة بظاهرة العلة الغائية التي تدلّ على التدبير
والقصد، والتدبير لابدّ فيه من مدّبر، ومدبر الكون هو الله.
وننسى في غمار هذا الاستدلال أننا إنما أدركنا معنى العلة
الغائية ودلالتها بنور من الهداية الربانية، أي فنحن بالله
عرفنا ما نعتبره دليلاً عليه.

وما أكثر ما يتيه أحدنا عن وجود
الله، في غمرة البحث عن أدلة وجوده، والاهتمام بترتبيها،
وطريقة عرضها، وسبك الصياغة الدالة عليها، إذ تغيب الغاية
وتحلّ الواسطة، وهي البحث والنظر، محلّها. وتكثر هذه الحال في
غمار المجادلات الكلامية والبحث عن أقوى الدلائل وأوضحها على
وجود الله عز وجل، إذ توظف النفس البشرية هذه المجادلات
والأدلة التي تعرض، لرغائبها وحظوظها.

وتنظر إلى من أشرق وجود
الله عز وجل على بصيرته، ممن تحرروا من شواغل الأهواء
والشهوات، وأعرضوا عن المنسيات والملهيات، فتراه دائم الحضور
مع الله، والتذكر له، دون حاجة إلى رصف أيّ من تلك الأدلة
والبراهين، فهو مشغول عنها بحضوره مع الله، ذاهل عنها بل عن
وجودها بشهوده القلبي لله.

محب الحبيب علي
31 Dec 2007, 04:13 PM
شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- إن في الصالحين من عباد الله من لم يحتاجوا لمعرفة الله
إلى أي من دليل المخلوقات

إن في الصالحين وأولياء الله تعالى من السلف الصالح، من لم
يجتازوا إلى معرفة الله وشهوده أياً من طرق الاستدلال عليه
بالمكونات وظواهر الموجودات والآثار، بل عرفوا الله واستغرقوا
في شهوده وتجلياته دونما حاجة إلى شيء من ذلك.. نظروا إلى
المخلوقات المحيطة بهم، فلم يجدوا فيها إلا مظهر وحدانية الله
عز وجل وعظيم صفاته، فلم ينتقلوا خلال التأمل فيها من دليل إلى
مدلول، بل غاب عنهم الدليل وتجلّى لهم المدلول. غابت عنهم
الوساطة والطريق ورأوا أنفسهم مباشرة أمام الغاية والمطلوب، إذ
لم يكن ما نراه نحن واسطة وسبيلاً أقرب إليهم من الغاية
والمطلوب ألا وهو الله عز وجل.

محب الحبيب علي
02 Jan 2008, 08:39 AM
شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- قد يبدو عسيراً علينا فهم هذا الكلام.. وبيان سبب ذلك

وقد يبدو عسيراً علينا فهم هذا الكلام، نظراً إلى أننا تعودنا
الانتقال من رؤية الوجود الظلّي أو التبعي إلى وجود الله،
واليقين به. بل نظراً إلى أننا نعيش بأبصارنا وأفكارنا سجناء
في أقطار هذا الوجود الظلي الذي ليس له وجود حقيقي وذاتي
قط.

ولكن الذين تحرروا من هذا السجن، لم يقيموا لهذه الظلال
الكونية أي وزن، ومتى كان الظل أكثر من امتداد لأصله؟.. ومن ثم
فإنهم رأوا الوجود الحق، أي الوجود الذاتي أولاً، ثم استدلوا
به على الموجودات الظلية المتفرعة عنه. فهم، كما قال ابن عطاء
الله: ((…عرفوا الحق لأهله، وأثبتوا الأمر من وجود
أصله)).

أما نحن العوام، بالنسبة إلى أولئك الربانيين، فقد
بدأنا فنظرنا إلى المكونات أولاً، ثم إننا توهمنا لها وجوداً
حقيقياً وذاتياً ثانياً، ثم استشكل الأمر علينا عندما تساءلت
عقولنا بمقتضى قوانين المنطق: فمن الذي أوجد هذه الموجودات،
ومن الذي أقامها متناسقة على هذا النظام الهادف؟.. ثم انتهينا،
بعد طول نظر ومحاكمات عقلية ومنطقية، إلى أنها، كأي بناء ذي
نسق مقام للاستمتاع والسكنى، لابدّ أن له صانعاً ومنسقاً،
واكتشفنا بعد طول هذه الرحلة الفكرية العقلية والمنطقية إلى
أنه الله عز وجل، بديع السماوات والأرض.. ثم إنه أتيح لنا، في
نهاية المطاف، أن نستبين الخطأ الذي توهمناه من قبل، إذ كنا قد
ظننا أن هذه المكونات ذات وجود حقيقي ذاتي، وأن نشطب عليها
أخيراً بيد التمحيص والتصحيح، ونعلم أنها إنما تتمتع بوجود
ظليّ تبعي للوجود الذاتي الحق ألا وهو وجود الله وحده.

ومعنى
قولنا: الوجود الذاتي، الوجود الصادر من ذاته، والذي لم يأت
بفيض أو بتأثير من غيره. وصاحب هذا الوجود واحد، لاثاني له، هو
الله عز وجل، فهو وحده الذي أضغى صفة الوجود على كل ما قد قضى
بإيجاده، فدخل بهذا القضاء تحت اسم المكوّنات أي
المخلوقات.

وهذه الطبقة الثانية، هي الأخرى على خير ورشد،
مادامت قد انتهت من رحلتها الفكرية والتأملية هذه إلى اليقين
الذي أكرم الله به الطبقة الأولى منذ البداية، ودون حاجة إلى
هذه المخاضة ولا إلى تصحيح أخطاء، مع فارق الرتبة كما قال ابن
عطاء الله.

محب الحبيب علي
02 Jan 2008, 08:39 AM
شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- إن المصيبة تحيق بأولئك الذين لم يستدلوا بالله على
صنعه، ولابصنعه على ذاته فتقلبوا في سجن خانق من الضلال

ولكن المصيبة تحيق بأولئك الذين لم يعرفوا الله من أول الطريق،
ولم يهتدوا إليه في نهاية النظر والبحث!..

يمرّ بهم دهر طويل
دون أن يسائلوا أنفسهم: من خلق هذه المكونات وأقامها على هذا
النظام الهادف، حتى إذا واجههم من يحدثهم عن الله ودلائل
وجوده، تذكروا هذا السؤال الذي ظل غائباً عن فكرهم إلى ذلك
الحين، وقالوا لهم: فمن خلق الله؟

هذه المكونات العجيبة في
وظائفها، الدقيقة في تكوينها، والتي لاتملك من أمر نفسها
شيئاً، ليس من المشكل منطقياً وعلمياً أن لايكون لها خالق..
أما الإله الذي ثبتت له صفة الألوهية، والذي بيده الخلق
والأمر، فمشكلة كبرى عندهم أن لايكون له خالق!!.. أفيبلغ
الاستهتار بالعقل إلى أذلّ وأحطّ من هذا الدون؟!..

والأعجب من
هذا، أنّ أحدهم يصوغ سؤاله بهذا التعبير: ((من خلق الله)) فهو
ينعته بالألوهية ويسأل في الوقت ذاته عمن خلقه، دون أن يدرك أن
الكلمة الأولى من سؤاله، وهي ((خلق)) تناقض الكلمة الثانية فيه
وهي ((الله))!.. المخلوقية شأن الكائن الضعيف الذي لايملك من
أمر نفسه شيئاً، و((الله)) اسم للإله الذي بيده كل شيء وإليه
كل شيء، وجوده من ذاته وليس فيضاً من غيره، وإلا لم يكن إلها،
ومن ثم لم يكن أهلاً ليقال عنه: الله.

ولو أن أحدنا جارى هذا
الملحد المغفل، في سؤاله، فقال: إن الذي خلق الله هو فلان،
فالشأن في جهالته الحمقاء، أن يسكت وتحلّ المشكلة التي في
رأسه.. ولكنه إذا صحا إلى شيء من المحاكمة العقلية في ذهنه،
فمن المفروض أن يقول: وفلان هذا من خلقه؟ ولابدّ أن يمتدّ
السؤال عن خالق الخالق الثالث فالرابع وهكذا.. إلى ما لانهاية.
وعندئذ لامناص للعاقل من الأخذ بإحدى نتيجتين: إما أن ينكر
وجود هذا العالم كله ويجزم بأن عينيه لاتريه إلا الأوهام بل هو
أيضاً غير موجود، لأنه جزء من العالم الوهمي الذي لاوجود له،
وإما أن يجزم بأن وراء سلسلة الموجودات التي يحتاج كل منها إلى
من يوجدها من العدم، كائناً يتمتع بوجود ذاتي ومن ثم فهو
لايحتاج إلى أي موجد له. ولابدّ أن يتمتع هذا الكائن عندئذ بكل
صفات الكمال من القوة والحكمة والتدبير والعلم والإحاطة…
إلخ.

ونظراً إلى أنه ليس في العقلاء من ينكر عقله لينكر وجود
ذاته ووجود العالم الذي من حوله، إذ هو موجود فعلاً بدليل
الحسّ والمشاهدة، فليس ثمة مناص - في قرار العقل وحكمه - من
اليقين بوجود مَعِينٍ لهذا الوجود الكوني. والـمَعِينُ (إن جاز
التعبير) هو الله عز وجل.

والذين يفرّون من هذا القرار
العقلي الذي لامناص منه، يلزمون أنفسهم بدعوى أن الموجودات
العاجزة التي لاتملك من أمر نفسها شيئاً لاتحتاج إلى موجد، في
حين أن الإله الخالق المدبر هو الذي يحتاج إلى من يوجده ويدبر
أمره!!.. فهل بوسعك أن تحترم ذرة من عقلك ثم تجنح إلى هذا
التخبط والخلط؟.. هل بوسعك أن تحترم عقلك وتعتدّ بوجوده ثم
تسأل قائلاً: هذا الغنيّ المترف من أين يأكل ويشرب؟!..


* * *

محب الحبيب علي
02 Jan 2008, 08:40 AM
شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- إذا لم يتسن لك الرقي إلى مستوى معرفة الله بدون شواهد
من المكونات، فلاحرج في أن تكون من الاستدلاليين الذين
استدلوا على الله ببديع صنعه.. ولكن لاتكن من الفئة
الثالثة

نعود فنؤكد ما قلناه من أن الله لايكلف نفساً إلا وسعها.
فالذين لم يتسّن لهم الرقيّ إلى مستوى الخلّص من عباد الله،
أولئك الذين عرفوا الله بل شاهدوه ببصيرتهم دونما حاجة إلى
برهان، لاحرج عليهم في أن يسلكوا مسالك الاستدلال على وجود
الصانع عز وجل وعلى أنه المدبر لشؤون هذا الكون كله، ليس على
الأعرج حرج في أن يستعين بالعصا.. والمأمول أن يشفيه الله
ويستقيم في السير على قدميه. وعندئذ يتخلّى عنها، إذ تنتهي
حاجته إليها.

ولكن المصيبة التي لايستبين لها علاج، تتمثل في
حال أولئك الذين لم يعرفوا الله من أول الطريق، ولايريدون أن
يصلوا إلى معرفته والإيمان به في نهاية الطريق، ولايريدون أن
يستعينوا بعصيّ الدلائل والبراهين. لمعرفة الحق ثم التعامل معه
خلال رحلتهم المعيشية في هذه الحياة كلها.

والآن، نعود إلى نص
هذه الحكمة لنستبين معناها المباشر أو القريب، ثم لنعلم مدى
انطباق هذا الذي قلناه عليها.

يقول ابن عطاء الله: شتان بين
من يستدل به، أي بالله عز وجل على ما دونه من المكوّنات،
ويستدلّ عليه، أي يستدّل على الله تعالى بما دونه من المكونات.
ثم يوضح الفرق بينهما فيقول: المستدل به عرف الحق لأهله، وأثبت
الأمر من وجود أصله، أي فهو يتبع في ذلك مقتضى المنطق والعلم
إذ ينطلق من الأصل إلى الفرع، ويستدلّ بالنبع على الجداول
والسواقي المتفرعة منه. ثم يقول: والاستدلال عليه، من عدم
الوصول إليه. أي إنما يحتاج إلى الأدلة على وجود الله من كان
غائباً عنه، غير واصل بالمعرفة والهداية إليه، فهو يحتاج إلى
ما يوصله إليه ويعرّفه به من البراهين والأدلة الكونية
المتفرعة عن وجوده. ثم يتابع فيقول: وإلاّ فمتى غاب حتى
يُستدَلَّ عليه، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه.
أجل، فالبحث إنما يكون عن الغائب، وتلمّس الدلائل والآثار إنما
يكون لمعرفة المجهول وتقريب البعيد. وجلّ الله عز وجل عن أن
يكون غائباً أو بعيداً. الفطرة الإنسانية شاهدة على قرية،
وحنين الروح إليه شاهدة على وجوده. وليس لأي منهما: الفطرة
والروح، من حاجة إلى وساطة دليل أو قبس برهان.

ولكن لا حيلة
لمن غمست حياته في الملهيات والمنسيات واستغرق في حمأة الشهوات
والأهواء، من أمثالنا، إلاّ أن يستعين، للتخلص من حجاب بعده،
بالبراهين والأدلة الكونية المتناثرة أمامه على الطريق. وإنه
لجهاد مبرور ومأجور. وصدق الله القائل { وَالَّذِينَ
جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا } { العنكبوت:
29/69 } .

وإذا اجتمع الصديقون السابقون، مع هؤلاء
المجاهدين اللاحقين، فأنعم بها من نهاية يفوز فيها الجميع
برضوان الله وبما أعدّ لهم من منازل النعيم والقرب، على
اختلافها وتفاوت درجاتها.

وهذا ما يشير إليه ابن عطاء الله إذ
ينقلنا إلى الحكمة التالية.




* * *

محب الحبيب علي
03 Jan 2008, 09:15 AM
الحكمة الثلاثون



{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 65/7]
الواصلون إليه، {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 65/7]
السائرون إليه

- بيان العلاقة بين هذه الحكمة والتي قبلها

عندما فرق ابن عطاء الله بين من يستدل بالله على ما سواه، وبين
من يستدل بما سوى الله من المكونات عليه، وبيّن مدى سموّ
الدرجة الأولى على الثانية، على نحو ما قد تم بيانه، أراد في
هذه الحكمة أن يستدرك وأن يبيّن أن في كل منهما خيراً. فقال ما
معناه:

الواصلون الذين عرفوا الله، دون احتياج منهم إلى دليل
من مخلوقاته يبصرهم به ويعرّفهم عليه، ينطبق عليهم قول الله
تعالى: { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ } { الطلاق:
65/7 } شكراً لله تعالى وعرفاناً منهم بمدى تفضله عليهم،
والإنفاق المأمور به هنا يتمثل في الشكر الذي يترجمه القيام
الدائم بكامل حقوق الله، ومن أبرز هذه الحقوق وأهمها الدعوة
إلى الله والعمل الدائب على غرس محبة الله في القلوب. وصدق
الله القائل:

{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا
إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ } { فصلت: 41/33 } .

وأما السائرون إليه،
وهم الذين يسعون إلى إزالة ما تكاثف عليهم من غبار الأهواء
ومشاغل الدنيا وحظوظ النفس، ذلك الغبار الذي أبعدهم عن الله
وأحوجهم إلى قطع مسافات واجتياز عقبات للسير إليه، وأنهضهم إلى
تجميع الأدلة الكونية عليه، فينطبق عليهم قول الله عز وجل: {
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ
اللَّهُ } { الطلاق: 65/7 } .

وهذا الإنفاق يترجمه أيضاً
شكر الله عز وجل على التوفيق الذي متعهم به لمجاهدة أنفسهم
ونفض غبار الدنيا ومشاغلها عن كواهلهم، والسعي جهد الاستطاعة
إلى حرق المسافات الوهمية بينهم وبين الله تعالى، بالوقوف على
الآيات الكونية التي تنطق بوجوده وتشهد على وجدانيته، وتتحدث
عن باهر صفاته وآلائه.

محب الحبيب علي
03 Jan 2008, 09:15 AM
{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 65/7]
الواصلون إليه، {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 65/7]
السائرون إليه

- عود إلى بيان أن لاحرج في أن يستعين الإنسان لمعرفة
الله بآثاره ومخلوقاته،

ومهما اختلف هذان الفريقان في أول الطريق، فإنهما يلتقيان عند
نعيم معرفة الله، وإن كان أحدهما متأخراً في الوصول عن الآخر،
كما يلتقيان في الخطاب المتجه إليهما معاً من الله تعالى
والآمر لهما بالإنفاق أي الآمر لهما بالشكر على النعمة الغالية
التي أسداها الله عز وجل إليهما، نعمة تعريفهما على ذاته
وتبصيرهما بربوبيته وعظيم سلطانه.

وهل في نعم الدنيا كلها
نعمة أجلّ وأبقى، من أن يكرمك الله بمعرفة ذاته، ومن أن يذيقك
لذة القرب منه والتحبب إليه؟

وسواء أعرّفك الله على ذاته
العلية، بادئ ذي بدء، مخترقاً بك محطات الدلائل والبراهين
وموازين المنطق والحجاج، أم سار بك إلى النهاية القدسية ذاتها
من خلال شواهد الآيات وموازين الحجج‌ والبينات الكونية
والعلمية المتنوعة، ففضله عليك ثابت ومننه في عنقك راسخة،
والشكر الحقيقي على ذلك واجب.

تذكرني هذه الحكمة بكلمة تنقل
عن العالم الغربي ((باسكال)) يقول: السعداء من الناس فريقان
اثنان، فريق عرف الله فهو يبحث جهد استطاعته عن سبيل مرضاته،
وفريق جادّ في البحث عن الله، أما الأشقياء فهم أولئك الذين لم
يعرفوا الله، ولم يجدّوا في البحث عنه.

وإنه ليخيل إليّ أن
هذا كلام إنسان مسلم ربما يخفي إيمانه وإسلامه.


* * *

محب الحبيب علي
03 Jan 2008, 09:16 AM
{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 65/7]
الواصلون إليه، {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 65/7]
السائرون إليه

- ولكن علينا إذا وصلنا إلى معرفة الله بدلائل الآثار، أن
نتجاوز الآثار ونقلع عن التقيد بها لتصفو لنا مشاهدة
المطلوب

بقي أن علينا أن ننبه أنفسنا، نحن الذين نعتمد في إيماننا
بالله ومعرفتنا له، على الأدلة والبراهين الكونية وعلى منطق
الحجاج والأقيسة العلمية، إلى أن علينا إذا وصلنا إلى المطلوب
من وراء البحث والاستدلال فآمنا بالله واهتدينا إلى وجوده
ووحدانيته، أن نتجاوز الأدلة والبراهين ونقلع عن الاشتغال بها
والوقوف عندها، وأن نفرغ عقولنا وأفكارنا للمدلول والمبرهن
عليه، ألا وهو الله عز وجل.

لقد صحبك الحادي أو دليل الركب
طوال الطريق، ليدلك على النهج ويبعدك عن المتاهات والمنعرجات..
والآن وقد وصلت إلى مبتغاك بسلام، عليك أن تشكر الدليل ثم
تتركه وتتجاوزه لتتجه بكليتك إلى مبتغاك الذي طال ارتقابك له
واشتياقك إليه.

طالما وقفت تحدّق في الجدران تتأمل النور
المنعكس إليها، لتستبين منها الدليل على الضياء الهابط إليها
من الشمس.. والآن وقد هداك نور الجدران إلى الشمس وضيائها، فقد
آن أن تتناسى الجدران وتدير ظهرك إليها، لتتعرف على الشمس
الساطعة في كبد السماء ولتدرك أنها مصدر كل ضياء، ولتتعامل
معها لا مع الأشباح التي تستنير بضيائها وتلتمع تحت شعاعها.

محب الحبيب علي
03 Jan 2008, 09:20 AM
{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 65/7]
الواصلون إليه، {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 65/7]
السائرون إليه

- لقد ساعدتك عصيّ البراهين وأنت تعاني من عرج الجهالة.
أما الآن وقد تحررت من العرج فقد آن لك أن تستغني عن
العصيّ والمتكآت

لقد ساعدتك الأدلة العلمية التي تعاملت معها، إلى أن أوصلتك
إلى ساحة اليقين، فعش الآن مع هذه الساحة ولا تعكر صفاء يقينك
فيها بعودٍ إلى الأدلة والأقيسة المنطقية تجترها دونما حاجة
إليها. فإنك لاتدري متى يفجؤك الموت.. وإذا داهمك الموت وأنت
تشتغل بالأدلة وتبحث عن مزيد منها، فلسوف يكون ذلك شاغلاً لك
عن الهدف الذي أنفقت حياتك كلها ابتغاء الوصول إليه، وابتغاء
معانقته في هذه اللحظات التي تنفض فيها يديك عن الدنيا مقبلاً
على الله عز وجل.

ألا، قدّس الله روح العالم الرباني الشيخ
عبد القادر الجيلاني، فقد قيل في ترجمته أنه صاح في إحدى
خلواته صيحة أفزعت من كان حوله، خاطب فيها الشيطان قائلاً:
أغرب عني أيها الملعون فأنا أعرف الله بدون دليل.

إنني لأقول،
مستعيناً بالله أن لا أقولها إلا بصدق:

اللهم إني أعرفك اليوم
دون أي وساطة من دليل، فثبتنـي اللهم على هذه المعرفة الصافية
عن شواغل الأقيسة والبراهين، ساعة ارتحالي من دنياي هذه إلى
رحابك، وأكرم بمثلك ذلك كل من يلتجئ إليك بمثل هذا الدعاء.


* * *

محب الحبيب علي
03 Jan 2008, 09:21 AM
الحكمة الحادية والثلاثون



اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه والواصلون لهم أنوار
المواجهة. فالأولون للأنوار. وهؤلاء الأنوار لهم لأنهم
لله لا لشيء دونه، {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي
خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 6/91]

بيان صلة هذه الحكمة باللتين قبلها، ثم تفسيرها، وإحالة
تفصيل القول فيها إلى ما تم بيانه في الحكمتين السابقتين

هذه الحكمة، واللتان قبلها، تدور على محور واحد، والمراد
بالراحلين إليه السالكين الذين هم في طور النظر والبحث، فهم من
الذين يبحثون عن الدليل على الله.. والمراد بالواصلين الذين
تجاوزوا مرحلة البحث والنظر، فهم من الذين يستدلّون بالله على
ما سواه.

والمراد بأنوار التوجه، وسائل البحث وموازين العلم
والمنطق، وهي الأدوات التي لابدّ منها للسالكين
والباحثين.

أما المراد بأنوار المواجهة، فالتجليات الوافدة
إليهم من الله عز وجل. والمؤمن في هذه المرحلة من شأنه أن يغيب
عما سوى الله عز وجل بالشعور والاهتمام، وأن كان يتعامل معه في
حدود الاستجابة لما قد أمر الله به من التعامل مع
الأسباب.

وأعتقد أن فيما قلناه، عند شرح الحكمتين السابقتين،
ما يغني عن الإطالة والتكرير، في نطاق الموضوع ذاته.

محب الحبيب علي
05 Jan 2008, 08:53 AM
الحكمة الثانية والثلاثون



تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- اختلاف مداخل الشيطان إلى نفوس الناس

للشيطان إلى قلوب الناس وسلوكاتهم وسائل متنوعة شتى. فله إلى
التائهين الضالين البعيدين عن محجة الهداية، السبيل الذي يناسب
حالهم، ويغلب أن يكون سبيله إليهم دفعهم إلى مزيد من المحرمات
والموبقات، وإبعادهم عن جواذب الهداية وعن فرص اليقظة
والانتباه.

وله إلى الملتزمين جهد استطاعتهم بأوامر الله، من
عامة الناس، سبيل آخر يناسب وضعهم الذي هم فيه، فهو لايطمع
منهم بالذي يطمعه من أولئك الضالين والتائهين. وإنما يضع
أمامهم منزلقات أخرى لاتستبين لهم خطورتها، قد توصلهم في
النهاية إلى حال الضالين من الفئة الأولى.

وله إلى من كان
مثلي (ممن يرون أنفسهم، يتبوؤن سدّة التوجيه والإرشاد، وقد
أقامهم الله على ثغور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أسلحته
ووسائله الأخرى التي تختلف عن وسائله في الحالين
السابقين.

ويغلب أن تكون وسيلته إلى هذه الفئة الثالثة، لفتَ
النظر إلى ماله من مكانة وأهمية بين الناس، وينسج الشيطان لذلك
أسباباً كثيرة متنوعة يضعها أمامه ويوحي بها إلى نفسه. من
أهمها وأخطرها إبراز كل ما يمكن أن يكون دليلاً على مكانته
وقربه من الله عز وجل، أمام المريدين وعامة الناظرين. كدعوى
الكرامات والخوارق والأمور العجيبة التي يمكن أن تجري على
يديه.

وربما استقر في ذهن واحد من هؤلاء أن ذلك هو السبيل
الأمثل إلى جذب التائهين وهداية الضالين، إذ يخيل إليه الشيطان
مستعيناً بنوازع النفس والهوى أن ظهور العجائب والخوارق على يد
المرشد هو الذي يغرس الثقة به في نفس المريد والتلميذ، ومن ثم
يزداد تعلقاً به وانقياداً له.

محب الحبيب علي
05 Jan 2008, 08:54 AM
تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- مدخل الشيطان إلى نفوس من يشتغلون بالتوجيه والإرشاد
دفعهم إلى أن يبرزوا للناس مظاهر صلاحهم وقربهم من الله

وسرعان ما يحمله هذا التصور على أن يجعل معظم مجالسه التي
يجلسها للتعليم والإرشاد، مدبجة بالحديث عن كراماته والعجائب
التي يجريها الله على يديه. وربما ساقه ذلك إلى الحديث عن
مناماته التي يرى فيها رسول الله، وربما بالغ فأكد أنه يراه
بين الفينة والأخرى يقظة.


- من آثار ذلك ما استقر في أذهان كثير من المريدين أن
علامة الولاية والقرب من الله ظهور الخوارق والكرامات

ومن آثار هذا المنهج الذي يسلكه بعض الذين يمارسون وظيفة
التوجيه والإرشاد، على تلامذتهم ومريديهم، أنهم إذ يتشبعون
بهذا التصور الذي يتلقونه، يحسبون أن مقياس قرب أحدهم من الله،
وارتفاعه إلى درجة العارفين والربانيين، إنما يتمثل في خوارق
تجري على أيديهم وكرامات يمتعهم الله بها بين الحين والآخر.
ومهما وفق للانضباط بأوامر الله والابتعاد عن نواهيه، فلايرى
لشيء من ذلك قيمة ما لم يشعر أنه قد أوتي كشفاً لايتمتع به
الآخرون، أو قدرات خارقة ميزه الله بها عن غيره.

والشأن في
حال كثير من هؤلاء أنهم يلازمون أورادهم ووظائفهم اليومية من
العبادات والأذكار، ولكن لا ابتغاء أداء ما افترضه الله عليهم
وأداء حقوق العبودية في أعناقهم، وإنما ابتغاء أن يصلوا من
وراء ذلك إلى مرحلة ((الكشف)) وظهور الخوراق، فإن داوموا على
وظائفهم تلك دون أن يصلوا إلى هذا الذي ابتغوه، أيقنوا في
أنفسهم أنهم لم يصلوا إلى مرحلة العرفان بعد.

ألا فلنعلم
جميعاً أن هذا التصور المخالف لموازين الإسلام وهديه، من أخطر
رقى الشيطان ووساوسه. إن أوامر الله لنا بالطاعات والأذكار
والترفع على المحرمات لم تكن الغاية منها في يوم ما رؤية
الأنوار، أو كشف الغيوب أو تحول الحصى في قبضة اليد إلى قطع من
السكر، وإنما الغاية منها أن تتطهر القلوب من غوائلها وأمراضها
التي تقصي العبد عن الرب، كالكبر والعصبية للذات والمذهب
والحسد والتكالب على الدنيا وحب الرئاسة والشهرة.. إلخ.

محب الحبيب علي
05 Jan 2008, 08:54 AM
تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- إن العلماء الربانيين كالجنيد البغدادي والمحاسبي كانوا
يحذرون من الافتتان بعوارض الخوارق والوقوف عندها

إن أئمة التصوف المنضبطين بكتاب الله وسنة رسوله من أمثال
الجنيد البغدادي والإمام المحاسبي، ثم الإمام القشيري صاحب
الرسالة المشهورة، عندما يذكروننا بضرورة الإكثار من تلاوة
القرآن وأوراد الصباح والمساء، والإكثار من نوافل الطاعات بعد
فرائضها، يحذروننا في الوقت نفسه من الافتتان بعوارض الخوارق
والوقوف عندها بأي غبطة أو اهتمام، مؤكدين أن الاستقامة على
أوامر الله وطاعته هي الكرامة الحقيقية.

وهكذا، فإن علينا
عندما نلزم أنفسنا بما يوفقنا الله له من الطاعات والأوراد
والمبرات أن نتذكر الداء ونعلم الدواء.. إن الداء هو هذا الذي
يتراكم مع الزمان على نفوسنا من الأمراض التي ذكرت طائفة منها،
والدواء هذه الطاعات والأذكار والالتجاءات إلى الله عز وجل.

محب الحبيب علي
05 Jan 2008, 08:55 AM
تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- المطلوب من المسلم أياً كان ملاحقة ما خفي من باطنه
بالتزكية والإصلاح، لاتزويق ظاهره بدعوى الخوارق وكشف
الغيوب

والمطلوب مني ومنك يا أخي القارئ إذا التجأنا إلى الدواء أن
نتشوف إلى أن يشفينا الله به، من هذه العيوب الخفية المتراكمة
على قاع نفوسنا، لا أن نتشوف من خلال استعماله إلى كشف ما قد
أخفاه الله عنا من أسرار الغيوب.

وهذا ما ينصحنا به ابن عطاء
الله إذ يقول: ((تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك
إلى ما حجب عنك من الغيوب)).

إن الله عز وجل يهيب بنا في كثير
من آي كتابه أن نزكيّ أنفسنا، يقول: { وَمَنْ أَحْسَنُ
قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ
إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } { فصلت: 41/33 } ، ويقول:
{ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ
اللَّهُ } { الطلاق: 65/7 } ، ويقول: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } { الأعلى:
78/14-15 } .

فهل التزكية أن أتمتع بالكرامات وأن تجرى على
يدي الخوارق، فأبتلع الزجاج وأمسح الحجر فيتحول إلى
سكّر؟

ليست هذه هي التزكية، ولم تشرع الطاعات والقربات من أجل
شيء من هذا، وإنما شرعت ليداوي بها العبد أمراضه القلبية
الخفية التي سماها الله ((باطن الإثم)) فإن رأى أنه قد عوفي
منها، أو استطاع أن يتغلب عليها، فليستبشر بأنه قد وصل إلى
مرتبة الصديقين، حتى ولو لم تجر على يديه أي خارقة، ولو لم
تسطع أمامه الأنوار، ولو لم ير رسول الله في يقظة ولا
منام.

أما إن رأيت أنك ما تزال معجباً بنفسك متسامياً على
الآخرين تحسد ذوي النعمة، وتنقم على من سبقك في الرئاسة أو
الشهرة، تتكالب على المال وتتصيّده من أي سبيل تأتىّ لك، فاعلم
أنك بعيد عن الله محجوب عن ألطافه ورحمته، حتى ولو كانت
الخوارق كلها طوع يدك، إنها استدراج وليست كرامة، إذا نظرت إلى
المريدين وهم يتكاثرون من حولي (أنا ليس لي مريدون، ولكني أضرب
المثل) وأجدهم يبالغون في تقديري ويتسابقون إلى يدي ليقبلوها،
فشعرت بالنشوة تطوف بنفسي والاعتزاز يسري في كياني، فلأعلم
أنني قد غدوت بذلك شراً من الفسقة والتائهين عن صراط الله عز
وجل، ذلك لأنهم ينقلبون فيما سماه الله ((ظاهر الإثم)) أما أنا
فأتمرغ من هذه المشاعر المهيمنة على كياني فيما سماه الله
((باطن الإثم)) وفرق كبير بين ذلك الظاهر الذي يمحوه لسان
التوبة وهذا الباطن الذي لايقوى اللسان ولا العزم على امتلاخه،
وإنما يمتلخه ويزيله منهاج مستمر وطويل من الأخذ بعلاج
التزكية، وإنه لعلاج يحتاج إلى ممارسة طويلة وجهاد دائب.

محب الحبيب علي
06 Jan 2008, 09:14 AM
تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- لابدّ من لفت النظر إلى خطأ كبير يتورط فيه بعض
المرشدات

لابدّ أن ألفت النظر هنا إلى خطأ كبير يتورط فيه بعض المرشدات
إذ يقعن في نقيض ما يوصي به ابن عطاء الله، خلال وظائفهن
الإرشادية أو التوجيهية التي يؤدينها، سعياً إلى تربية
مريداتهن.

كثيراً ما يحلو للواحدة منهن أن تفاجئ طالباتها أو
مريداتها، خلال الدقائق الأولى من جلوسها إليهن، بأنها تشم
رائحة معصية تسود المجلس، ونظراً إلى أنها لاتستطيع الركون إلى
ظلمات هذا الجو الذي قد يسري بالظلام إلى قلبها، فإنّ عليها أن
تغادر المجلس، ريثما تتوب صاحبة المعصية من معصيتها.

دعك من
الأثر النفسي الذي يهيمن، من جراء هذا التصرف، على التلميذات
أو المريدات، إذ تقع كل واحدة منهن تحت ضغط شديد من القلق
النفسي والتخيلات الجامحة، بحثاً عن المعصية التي ارتكبتها
وأطلع الله هذه الوليّة الصدّيقة عليها.. لعلها النظرة التي
بدرت منها إلى شاب صادفته في طريقها، أم لعلها المسلسل الماجن
الذي تابعت جزءاً منه في سهرتها مع الأسرة بالأمس، أم يبدو أن
الأمر يتمثل في نومها الذي امتدّ على خلاف العادة، فحرمها من
قيام الليل!.. وكم من فتيات هيمن عليهن هذا الاضطراب المرهق ثم
تحول إلى وسواس نفسي، ثم تحول الوسواس إلى مرض نفسي
عضال!..

أقول: دعك من هذا الأثر النفسي ونتائجه، ولكن انظر
إلى المعنى الذي يوحي به هذا التصرف، إنه يوحي إلى المريدات
بأن المرشدة بصيرة بسرائرهن، خبيرة بالخفي من أوضاعهن، إذ إنها
تتمتع بصفاء روحي ونوراني، يمتعها بالكشف ويرفع عنها الحجب،
ويعرّي أمامها الحقائق.

فمتى كان المرشدون الربانيون، بدءاً
من الرسل والأنبياء، يوحون إلى أتباعهم هذه الدعوى، ويزجونهم
في هذا القلق المهلك.

محب الحبيب علي
06 Jan 2008, 09:14 AM
تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- إن المرشد كلما ازداد معرفة لله وقرباً منه، ازداد
تهاماً لنفسه وشعوراً بتقصيره

إن المرشد كلما ازداد معرفة لله وتقرباً منه، ازداد اتهاماً
لنفسه وشعوراً بتقصيره وخوفاً من عواقب هذا التقصير ومن ثم
فإنه يوقن بأن الفتح الذي يكرمه الله به إذ يجلس إلى مريديه
إنما هو ببركتهم، وأن الضيق أو الانغلاق الذي ينتابه، إنما
مردّه إلى سوء حاله، وهو لايرى في عمله الإرشادي إلا وظيفة
أقامه الله عليها.

إنني أقول لكم بحق: كثيراً ما آتي إلى هذا
المجلس فأشعر أنني أجرّ الكلام جراً، وأن المعاني الحاضرة تغيب
عن ذهني فلاأشك في أن السبب في ذلك سوء حالي، والإنسان كما قال
الله عز وجل بصير بحاله { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها،
وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها } { الشمس: 91/9-10 } . وقد آتي
فأجلس إليكم للحديث، دون تحضير للمعاني التي ينبغي أن أقولها،
فما هي إلا لحظات وإذا بمعان تلقى على جناني ويخف في التعبير
بها لساني، فما أشك في أن هذا الفتح المفاجئ إنما ورد إليّ
ببركة بعض الصالحين الذين يفيض بهم هذا المسجد.

ومصدر الخطأ
الذي يقع فيه بعضنا أننا نظن بأن مهمة الإرشاد والتوجيه إذ
ينهض بها أحدنا، دليل على أنه يتبوأ مكانة متميزة عن الآخرين
عند الله عز وجل.

وإنه لظن باطل، بل إنه لخطأ قتال.

النهوض
بمهام الدعوة والإرشاد، ليس أكثر من وظيفة يسخر الله للقيام
بها من يشاء، وللحكمة التي يشاؤها.. ربما كانت ابتلاء، وربما
كانت تربية وتهذيباً للمرشد الداعي أكثر من أن تكون نصيحة
للناس الذين يرشدهم، وكم من مرشد ضلّ من خلال فتنة الإرشاد،
واهتدى مريدوه بمعرفة الحق الذي تفتحت قلوبهم لإدراكه.. ولاأشك
أن في المرشدين من سيدخلهم الله يوم القيامة في شفاعة بعض
مريديهم.

وقد حدثني والدي رحمه الله عن واحد ممن كان يعرفه من
العلماء المرشدين الصالحين، أنه كان يخدم مريديه، ويغسل، دون
أن يعلموا، ثيابهم، وكان إذا اتخذ مجلسه معهم للتوجه، حسب أصول
الطريقة النقشبندية، حذرهم من المبالغة في احترامه، ومن
الانخداع بظاهر حاله، وأقسم بالله أنه لايرى نفسه خيراً من أي
واحد منهم، ثم يقول متأثراً: ولكنها وظيفة أقامني الله عليها،
ولايسعني إلا أن أنهض بها.

هذا هو المرشد، يؤدي وظيفته التي
أقامه الله فيها، ثم يعود إلى نفسه فيندب حاله ويبكى على
خطيئته.

محب الحبيب علي
06 Jan 2008, 09:15 AM
تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- هنا تبرز حكمة الله في أنه لم يجعل لغير الرسل
والأنبياء حظاً من العصمة من الآثام

واعلم أن من أعاجيب حكمة الله تعالى أنه لم يجعل لغير الرسل
والأنبياء حظّاً في العصمة من المعاصي والآثام، ليكون ذلك
بمثابة عصا التأديب، تلوح أمام كل من أعجبته نفسه، ثم تهوي على
ظهره إن هو استمرأ مشاعر هذا الإعجاب، ورأى نفسه، وهو في موقع
التوجيه والإرشاد خيراً من بقية عباد الله.

اللهم لاتجعل من
احترام الناس لي وحسن ظنهم بي سَكَراً ينسيني سوء حالي وعظيم
تقصيري في القيام بحقوقك.. اللهم لاتجعل نعمة سترك لي سبباً
لغرور ينتابني، أو سبباً لنسيان سوئي الذي أثبتّه في علمك
وأخفيته عن عبادك..

أما إنه لطريق وعر مخيف، أن يُزج بأحدنا
في مهمة التوجيه والدعوة والإرشاد، فيحدق به الناس حباً
وتقديراً وإعجاباً، ويتسابقون إلى يده يقبلونها، وإلى ثيابه
يتمسحون بها، ثم يكون مع ذلك بصيراً بشأنه عالماً بتقصيره وسوء
حاله، دائم الالتجاء إلى الله أن يغفر له ذنبه ويصلح له حاله،
وأن لايجعل من حسن ظن الناس به فتنة له في دينه.. ولكنه يغدو
يسيراً وقصيراً في حق من عالج نفسه بدوام الالتجاء إلى الله
والتذلل على أعتابه، يسأله أن يقيه شر نفسه وأن لايبعده عن جنى
رحمته وأن يذيقه برد إحسانه ولطفه. فلسوف يجد نفسه بين يدي رب
كريم يجيب السائلين ويكشف السوء عنهم ويقيهم عن غوائل نفوسهم
مع سترهم في الدنيا والمغفرة لهم يوم القيامة.


* * *

محب الحبيب علي
06 Jan 2008, 09:15 AM
تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- بقي أن فينا من يقول: أليس الربانيون من عباد الله من
عالجوا أمراض أنفسهم حتى شفاهم الله منها؟ فلماذا تضيقون
سبيلاً فتحه الله؟ الجواب عن ذلك

بقي أن فينا من قد يقول: أليس الربانيون من عباد الله عز وجل،
أولئك الذين عالجوا أمراض نفوسهم حتى شفاهم الله منها،
واجتازوا مراحل السعي إلى الله حتى تقبلهم الله في عداد
الواصلين، فلماذا تستبعدون أن نكون منهم؟ ولماذا تضيقون سبيلاً
أو تغلقون باباً فتحه الله؟

والجواب أن الربانيين هم أكثر
الناس خوفاً على أنفسهم من الغوائل، وهم أشد الناس اتهاماً
لها. ألم تسمع حديث الله عنهم إذ يقول: { فَقُلْ هَلْ لَكَ
إِلَى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى }
{ النازعات: 79/18-19 } .

وسبب ما يلازمهم من التخوف واتهام
النفس، أمران اثنان:

أولهما: أن الصالحين من الناس، مهما
ساروا ثم تجاوزوا مدارج السالكين، فإن نفوسهم تظل نفوساً
بشرية، وتظل الشهوات محببة إليها مزينة عندها، كما أخبر الله
عز وجل، ولكن ذخر الطاعات والعبادات وملازمة المراقبة والأذكار
يلجمها بضوابط الحب والحياء والخوف، فهم في كل أحوالهم وجلون،
إذ يعلمون أنهم من أنفسهم على خطر، إذ لايبعد أن تجمح بهم إلى
أي من الأهواء المحرمة إذا ما غابت عنهم حماية الله ورعايته.
وذلك أمر ممكن لايستطيعون أن يكونوا في مأمن منه، وكيف يأمنونه
على أنفسهم وهم يرددون قول الله عز وجل: { بَلِ الإِنْسانُ
عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } { القيامة: 75/14 } .

ثانيهما:
أن الإنسان كلما ازداد قرباً من الله ومعرفة له ازداد تبصراً
بعظيم حق الله عليه، ومن ثم ازداد شعوراً بتقصيره في جنب الله
عز وجل، وتنبهاً إلى ما يراه من سوء حاله. ومن ثم فقد كان
الربانيون من عباده سبحانه وتعالى هم أشد الناس خوفاً منه
وتعظيماً له واتهاماً لأنفسهم. فمتى وأنى يستبشرون ويطمئنون
بأنهم قد تطهروا من غوائل النفس واستقروا في شاطئ الأمان؟ ألا
ترى إلى عمر، وهو من المبشرين بالجنة، كيف كان شديد الخوف على
نفسه عظيم الاضطراب من مآله، يخيل إليه إذ يمشي بين الناس أنه
يحمل على ظهره أوقاراً من الذنوب؟ ألا ترى إلى عليّ وهو ابن عم
رسول الله وواحد من أخصّ أصفيائه، كيف كان يتأوه في جنح الله
تأوه الملدوغ، ويخاطب الدنيا قائلاً: ((إليك عني غرّي غيري،
طلقتك ثلاثاً بنتك ثلاثاً.. )) ثم يتحسر قائلاً: ((آه من قلّة
الزاد وبعد الشقّة ووحشة الطريق)). وقد كان هذا شأن جلّ أصحاب
رسول الله ، وأنت تعلم أنهم الصفوة من عباد الله بعد الرسل
والأنبياء.

محب الحبيب علي
06 Jan 2008, 09:16 AM
تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- إن المحجوب عن الله هو الذي أمن مكر الله وعدّ نفسه من
الواصلين إليه

إلا فلنعلم جميعاً أن المحجوب عن الله، هو الذي يأمن مكر الله،
ويطمئن إلى أنه من الواصلين الذين زكيت نفوسهم وسلمت قلوبهم،
فغدا همه الواصب وشغله الشاغل، أن ينال حظوته من الخوارق
والكرامات، وأن يحدث الناس بها، يرفع لنفسه بها شأنا ويتخذ
منها أداة نصحه ومادة توجيهاته وموعظته.

إذن فلنجعل همنا في
كل التقلبات والأحوال، التشوف إلى ما بطن فينا من العيوب،
لنسعى سعينا للتخلص منها، بدلاً من أن نتشوف إلى ما حجب عنا من
الغيوب، لنتباهى بمعرفتها ومزية الإطلاع عليها. والله هو
الموفق.



*
* *

محب الحبيب علي
07 Jan 2008, 09:12 AM
الحكمة الثالثة والثلاثون



أصل كل معصية وغفلة وشهوة، الرضا عن النفس. وأصل كل طاعة
ويقظة وعفة، عدم الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلاً لا
يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه. فأي
علم لعالم يرضى عن نفسه، وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه

- بيان الفرق بين قولك: الشمس محجوبة عني وقولك: أنا
محجوب عن الشمس

ثمة فرق كبير بين قولك: الشمس محجوبة عني، وقولك أنا محجوب عن
الشمس. فالقول الأول يصدق بما لو كان على صفحة الشمس سحاب يحول
دون رؤيتك لها، والقول الثاني يصدق بما لو كانت على عينيك
غشاوة حالت هي الأخرى دون رؤيتك لها.

في الحالة الأولى الشمس
محجوبة عنك، إذ لادخل لك في الحجاب الذي أخفاها عنك، وفي
الحالة الثانية أنت محجوب عنها، إذ الحجاب عائد إليك ولعله جزء
منك.

فهل في الكون حالة أو زمان أو مكان يصدق أن يقال فيه:
الله محجوب عن الإنسان أو عن كائن ما من المخلوقات؟

إذا تأملت
في الفرق الذي بدأت به شرح هذه الحكمة، علمت أنه لايتأتى في أي
حال أو زمان أو مكان أن يكون الحق جل جلاله محجوباً بشيء ما
عنك أو عن غيرك.

ذلك لأنه لو حُجب عنك بشيء ما لكان الحاجب له
متسلطاً عليه بحكم الحجب والستر، إذ هو الفاعل المحذوف للفعل
المبني للمجهول، ويصبح المفعول الذي يسمى في الإعراب نائباً عن
الفاعل، هو الله عز وجل، تنزه الله وتعالى عن ذلك علواً
كبيراً.

وهذا هو المعنى ذاته الذي عبر عنه ابن عطاء بقوله:
((إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده
حاصراً)).

أي إن الساتر لشيء ما، يرسم حدود وجود ذلك الشيء
ويحصره داخل دائرته أو نطاقه، وإلا لما غاب وجوده عن أنظار
الذين هم خارج ذلك النطاق. ولاشك أن الساتر لايكون له هذا
الشأن في الحصر والتحديد، إلا وهو قاهر للمستور.

ثم إن الشأن
فيما يحصره الساتر أو يحيط به أن يكون وجوده في جهة دون غيرها،
وعندئذ يكون الساتر فاصلاً بين الجهة التي يوجد فيها المستور
والجهات الأخرى التي لايوجد فيها. وكل ذلك مستحيل في حق الله
عز وجل.


* * *

محب الحبيب علي
07 Jan 2008, 09:13 AM
أصل كل معصية وغفلة وشهوة، الرضا عن النفس. وأصل كل طاعة
ويقظة وعفة، عدم الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلاً لا
يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه. فأي
علم لعالم يرضى عن نفسه، وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه

- يرمي ابن عطاء الله من هذه الحكمة إلى بيان حقيقتين:

إذا تبيّن هذا، فإن ابن عطاء الله يرمي من وراء هذه الحكمة إلى
حقيقتين اثنتين، إحداهما تدخل في نطاق العقيدة، والأخرى تدخل
في مجال التربية والسلوك.


- الحقيقة الأولى داخلة في نطاق الاعتقاد، وهي: أنه
لايجوز أن تقول إن الله محجوب عني أو عن عباده، إذ إن ذلك
يعني أن الله محصور في جهة بعينها، وهو محال على الله

أما ما يدخل منهما في نطاق العقيدة فهو ما ينبغي أن تعلمه من
أنه لايجوز ألبتة أن تقول: إن الله محجوب عني أو عن عباده، ذلك
لأنك تجعل الذات الإلهية بهذا التعبير اسم مفعول، وهذا يعني أن
ثمة فاعلاً تحكم به وهيمن عليه.

والله عز وجل منزه عن ذلك
بالبداهة التي لاتخضع لأي نقاش. ولأنك تقرر بهذا التعبير أن
وجود الله محصور في جهة بعينها وليس له وجود فيما وراء تلك
الجهة، وهو أيضاً محال في حق الله عز وجل بحكم البداهة. إذ إن
مما هو ثابت بالضرورة أن الله كان وليس معه شيء كما قال رسول
الله  في الحديث الصحيح الذي سبق ذكره وتخريجه في حكمة سبقت.
فالجهات كلها كانت معدومة ثم أوجدها الله عز وجل، فهي المحتاجة
إليه وليس هو المحتاج إليها، ويا للعجب، كيف يكون الخالق
محتاجاً إلى المخلوق ومحاصراً في أقطاره!!..

محب الحبيب علي
07 Jan 2008, 09:13 AM
أصل كل معصية وغفلة وشهوة، الرضا عن النفس. وأصل كل طاعة
ويقظة وعفة، عدم الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلاً لا
يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه. فأي
علم لعالم يرضى عن نفسه، وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه

- الحقيقة الثانية داخلة في نطاق التربية والسلوك، وتتلخص
في أن الإنسان مفطور على معرفة الله والقرب منه، ولكن
مخاضة الشهوات والأهواء نسجت من السحب ما حجبه عن الله

وأما ما يدخل منهما في مجال التربية والسلوك فهو ما ينبغي أن
تعلمه من أن الإنسان في فطرته التي أنشأه الله عليها متصل بربه
عز وجل عالم به نزاع إليه بالحنين والحب ليس في كينونته ما
يحجبه عنه. فلما خاض في متاهات الدنيا وانغمس في ملهياتها
ومنسياتها وركن منها إلى الشهوات والأهواء، نسج له من ذلك كله
حجاب أسدل على قلبه وأحاسيسه، زجّه في النسيان بعد الذكرى وفي
الجهل بعد العلم، وابتلاه بالبعد بعد القرب. فأصبح هو المحجوب
عن الله بداء سرى بعد العافية في كيانه.

وأنا أعلم أن في
الناس من قد يقول: أين هي هذه الفطرة؟ إنني لم أرها ولم أشعر
بها في أي مرحلة من حياتي.

محب الحبيب علي
07 Jan 2008, 09:14 AM
أصل كل معصية وغفلة وشهوة، الرضا عن النفس. وأصل كل طاعة
ويقظة وعفة، عدم الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلاً لا
يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه. فأي
علم لعالم يرضى عن نفسه، وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه

- مناقشة بعض التائهين للفطرة وما دلّ عليها من قول الله
تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية، والجواب عنها بتفصيل

فإن استوقفته على كلام الله عز وجل، إذ يقول لعباده منبهاً
ومذكراً { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ
وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ راجِعُونَ } { المؤمنون:
23/60 } قال لك: ها أنا ذا أسأل كياني وأحاسيسي كلها عن ذلك
المشهد ويومه، فلا أذني تذكر أنها سمعت، ولا عيناي تذكران
أنهما رأتا، ولا خاطري يحفظ شيئاً من هذا الحوار.

والجواب
الذي ينبغي أن يقال لهذا الغافل السادر، هو أن نسيج هذا الحجاب
الذي تكاثف مع الأيام وغشّى على فؤادك فأنساك الله عز وجل
وزجّك في وادي الجهالة به والبعد عنه، هو ذاته الحجاب الذي
أنساك ذاتك إذ كنت في نشأتك الأولى قريباً منه موقناً به تركن
إليه بالتعظيم والحنين.

إن إنكارك له وجهلك به اليوم، ليس شيء
منهما صادراً عن ذاتك الإنسانية ودخيلتك العقلية، ولكنه صادر
عن ركام التصورات الجانحة التي تلقيتها والتيارات الفكرية
والاجتماعية التي استهوتك، والعقد والعصبيات والأهواء التي
ترسخت في قاع نفسك. ويوشك إن جاءتك مصيبة قاصمة أخذت منك
بالخناق، أن ينتفض من وقع ذلك كيانك فيتساقط منه هذا الذي
تراكم عليه، فتعود فطرتك الإيمانية إلى الظهور بعد طول احتجاب
أو غياب، وتسمع نداء قلبك - حتى ولو لم يلهج به لسانك - بجأر
إلى الله بالاسترحام والشكوى والتوبة والاستغفار.. وانظر إلى
واقع الدنيا من حولك تجدها مليئة بالأمثلة الدالة على ما
أقول.

أما إنكارك للعهد القديم، عهد ((ألست بربكم)) بحجة أنك
تسأل أذنيك عن ذلك الخطاب فلا تذكران أنهما سمعتا شيئاً، وتسأل
عن ذلك عينيك، فلا تذكران أيضاً أنهما أبصرتا ما يدلّ على شيء
من ذلك، فإن هذا الاحتجاج من الغباء بمكان:

أفكانت لك أذن أو
طبلة صماخية في ذلك العهد القديم الذي لم تكن الأشباح البشرية
قد خلقت فيه بعد، حتى تسألها عن مشهد لم تكن مخلوقة فيه؟ أم هل
كانت لك عين أو حدقة آنذاك حتى تستشهدها هي الأخرى في أمر لا
وجود لها فيه؟

إن الحديث آنذاك كان مع الأرواح، تلك الأرواح
التي انسكبت أخيراً في أجسادها يوم خلقها الله عز وجل. ولقد
استوعبت الأرواح آنذاك ذاك الحديث مباشرة، دون احتياج إلى
وساطة أذن تسمع أو عين ترى، أو دماغ يدرك. وإذا أردت اليوم أن
تستنهض شيئاً من كيانك لتذكر ذلك العهد، فاستنهض لذلك روحك
السارية في كل ذرة من كيانك، ولا تسأل الدار الجسدية التي
استُودعت وأسكنت فيها بالأمس، وستفارقها عما قريب.

وما من
إنسان اخترق حواجز الحجب التي رانت مع الأيام على نفسه، وساءل
روحه عن ذلك العهد القديم، إلا وبعثت فيه شجواً من آثار تلك
الذكرى، وحدثته عن وقع ذلك الحوار المطرب الأخاذ، وأكدت له
نسبتها بالعبودية والمملوكية إلى ذلك الإله الخالق المبدع
الودود، واشتياقها اللاهب إلى يوم الرجوع إليه والوقوف بين
يديه.

وربما تلقى أحدنا من الروح هذه المشاعر كلها فأحسّ بها
دون أن يستوعبها ويدرك مصدرها ومعناها. إذ تكون الرعونات
النفسية والشهوات الغريزية جاثمة لها في الطريق. فما تكاد
تتناهى إلى مراكز الإحساس من صاحب هذه الروح، حتى تصادرها تلك
الرعونات والأهواء الغريزية لحسابها، وتترجمها لغةً ناجزةً
للتعبير عن مبتغياتها. فلايتلقاها أحدنا إلا على أنها زفرات
شهوانية تعبر عن رغائب النفس وطموحاتها وأهوائها الهابطة
المتمثلة في متع الجسد والأرض.

إنها فطرة ربانية تلك التي
تجعل الروح تتعشق الجمال سواء في أشكاله المرئية أو أصواته
المسموعة، وإنما هو فيض من جمال الله عز وجل أدركته يوم كانت
تسبح في عالمها العلوي القديم، وطربت له يوم اتجه إليها بخطابه
الحلو الأخاذ: ((ألست بربكم)).

ولكن الروح إذ تهمس إليك
بتأثراتها لذلك الجمال العلوي وطربها لذلك الحديث الرباني،
يستقر لديك الشعور بذلك دون أن تدرك مصدره وجذوره، فما تكاد
تبصر صورة من صور الجمال الأرضي والبشري، حتى يذهب بك الخيال
إلى أن الجمال الذي تتعشقه روحك هو هذه الصور، وما تكاد تسمع
لحناً رائعاً ينبعث من صوت شجي أو أوتار عود أو نفثات ناي، حتى
يؤكد لك الوهم أن هذا هو الصوت الذي تستعذ به وتسكن إليه
روحك.

ولو تأملت، وتحررت من سلطان غرائزك وشهواتك الأرضية
ساعة، لعلمت أن الصور التي استهوتك إنما هي مرآة تجلّى عليها
أثر من آثار الجمال الرباني الذي تعشقته الروح، ولأدركت أن
الأصوات التي أطربتك إنما هي صدى لحديث الرب إلى الروح، يوم
تفضل عليها فأسمعها كلامه وأطربها بخطابه وجميل نجواه. وإنما
مصدر طرب الروح، اليوم، ذلك الخطاب المطرب القديم، لا هذا
الصدى الذي يذكّر به ويحمل بصمات منه(1).


* * *

محب الحبيب علي
07 Jan 2008, 09:14 AM
أصل كل معصية وغفلة وشهوة، الرضا عن النفس. وأصل كل طاعة
ويقظة وعفة، عدم الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلاً لا
يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه. فأي
علم لعالم يرضى عن نفسه، وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه

- والآن... إن أهم ما يجب أن يشغل المسلم به ذاته، العمل
الدائب على إزاحة الحجب التي تراكمت على نفسه فأقصته عن
مشاعر فطرته وعن معرفة الله

والآن، وقد أدركت هذه الحقيقة، ينبغي أن تعلم أن أهم ما يجب أن
يشغل الإنسان به حياته في هذه الدنيا، العمل الدائب على أن
يزيح مما بينه وبين روحه هذه الحجب الكثيفة التي تراكمت على
نفسه فأقصته عن مشاعر فطرته الإيمانية، وشغلته عن الإصغاء إلى
حديث الروح وحنينها إلى عالمها العلوي الذي أهبطت منه لتستقر
حبيسة إلى حين في هذا الجسد، وأعمته عن رؤية النور الرباني
الذي ملأ فجاج الكون، والذي به تحقق كل شيء واستقام كل شيء،
على نحو ما قد تم بيانه في شرح الحكمة التي يقول فيها ابن عطاء
الله رحمه الله ((الكون كله ظلمة وإنما أناره وجود الحق
فيه..)).

وليس السبيل إلى إزاحة هذه الحجب، محاربة الغرائز
النفسية والانقطاع عن الحاجات الجسدية، كما هو الشأن عند
متصوفة الهند وبعض المتفلسفين عن ثنائية الروح والجسد.

وإنما
السبيل إلى ذلك عقد مصالحة حقيقية بين الروح وأشواقها، والجسد
وحاجاته، على أن يكون الجسد بكل ما يحتاج إليه في خدمة الروح
دون العكس. ذلك لأن الروح هي الحقيقة الباقية، والجسد آيل إلى
الاضمحلال فالزوال.

وفي يوم البعث والنشور يخلق الله للروح
وعاء من جسد جديد، يتفق في إمكاناته وطاقاته وحاجاته مع نظام
ذلك العالم الجديد.

ومنهج هذا الصلح مثبت ومرسوم في كتاب الله
عز وجل.

والأداة إليه تتمثل في منهاج طويل من أخذ النفس
بالكثير من ذكر الله ومراقبته وقراءة القرآن بدراية وتدبر،
وتغذية القلب بالمزيد من عوامل محبة الله تعالى وتعظيمه
والمخافة منه. والغذاء الأول والأقوى لذلك كله، هو ربط النعم
دائماً بالمنعم، وتذكر الإله المتفضل عند كل أعطية وفضل.

ومن
المعلوم أن تعظيم الجليل، وهو الله، أقصر طريق إلى تحقير
القليل وهو الدنيا.. فإذا عظم الجليل في قلبك، هانت الدنيا
وصغرت في نفسك، وعندئذ ترتفع الحجب وتزول الغشاوة، وترى الله
بعين قلبك ليس دونه أي حجاب يستره عنك. إذ كان الحجاب سحباً
أفرزتها رعونات نفسك، فلما غاب سلطان الدنيا عنها، وحلت في
مكانه محبة الله وتعظيمه والثقة التامة به، تبدّدت تلك السحب
في وهج ذلك الحب والتعظيم.

فإن تعسر عليك أن تأخذ نفسك بهذا
المنهاج، وتغلبت أهواء نفسك عليك، وصدّك الشيطان عن سبل مجاهدة
النفس، فالعلاج الأيسر والطريق الأقصر، هو كثرة الالتجاء إلى
الله والتبتل على أعتابه والإقبال إليه بالتضرع والدعاء أن
يأخذك من نفسك وأن يقيك من سوء حالك وأن يرفع الحجب المسدلة
على عين قلبك. فإنك إن ثابرت واستقمت على هذه الحال أكرمك الله
بالاستجابة وأذاقك برد إحسانه ولطفه وأنقذك من رعونات نفسك
مهما كانت عاتية، ومزّق عنك حجب أهوائك مهما كانت متراكمة
وكثيفة.. والذي أختاره لي ولك أن نجمع بين هذين العلاجين فنسلك
السبيل إلى مجاهدة النفس، ونقرع في الوقت ذاته، بيد من الذل
والانكسار، باب الرحمة الإلهية، داعين متضرعين أن يقبلنا ويصلح
حالنا، وأن يرفع عن قلوبنا حجب الغفلة والنسيان، حتى نذكره
بالحب والتعظيم ولا ننساه، وأن يسدل علينا ستر رحمته ولطفه، كي
لايطلع على تقصيرنا في جنبه وعلى سوء حالنا معه أحدٌ
سواه.



* * *

محب الحبيب علي
08 Jan 2008, 08:41 AM
الحكمة الرابعة والثلاثون



اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف يناقض عبوديتك، لتكون
لنداء الحق مجيباً، ومن حضرته قريباً

- كلمة عن بيان أوصاف البشرية وأنواعها

أوصاف البشرية هذا الجسم الترابي الذي كون الله الإنسان منه،
بالإضافة إلى جملة الطبائع والغرائز التي ركبت في كيانه. وهي
طبائع وغرائز كثيرة متنوعة، منها ما هو محمود ومنها ما هو
مذموم.

فمن هذه الصفات أو الطبائع فطرة الشعور بمعنى العبودية
لله، وحاجة الإنسان إلى الطعام والشراب والمأوى، وغريزة حب
التملك، واستئناسه بأخيه الإنسان والتطلع إلى التعاون معه،
وركون الجنس إلى الجنس.. ومن الصفات المذمومة التي من شأنها أن
تتسرب إليه، استعداده للعجب بنفسه والاستكبار على الآخرين،
والتكالب على المال، والحسد والضغينة والشحناء والبغضاء،
والعصبية للذات أو القوم أو الجماعة..

تلك حقيقة معروفة
وملموسة، يعرفها كل منا في نفسه، ولقد وصف الله الإنسان بجملة
هذه الصفات، بعبارة جامعة، وذلك في قوله عز وجل: {
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ
إِلاّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ } { الأعراف: 7/99 } .

وجاء
التعبير عن هذا المعنى ذاته، ولكن بشيء من التفصيل أو المستند
العلمي، في قوله عز وجل: { إِنّا خَلَقْنا الإِنْسانَ مِنْ
نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً
} { الإنسان: 76/2 } أي إن النطفة التي قضى الله أن يخلق
الإنسان منها، تحتوي على أخلاط من الطبائع والصفات المختلفة،
هي في داخل النطفة مجرد بذور ذات رموز وإشارات، فإذا تكامل
الخلق، وتحولت النطقة إلى بشر سويّ، تفتحت البذور الخفية،
وتكونت منها الطبائع الظاهرة الجلية، ويتبع الله عز وجل هذا
البيان العلمي بالكشف عن حكمته عز وجل من تحميله الإنسان كل
هذه الطبائع والصفات التي كثيراً ما تكون متعارضة بل متقادمة،
وهي أن يزجّه الله عز وجل من ذلك كله في حالة من الامتحان
والابتلاء.

وأنت تعلم أن كل ما يقوله العلماء اليوم عن الشريط
الوراثي ((الكروموزومات)) لايعدو أن يكون شرحاً لهذا الذي
يقرره بيان الله عز وجل.

إذا تبين هذا، فلنعد إلى هذه الحكمة
الجديدة التي يخاطبنا بها ابن عطاء الله. إنه يقول: انظر إلى
ما ركب فيك من أوصاف البشرية، وتبيّن كل ما لايتفق مع عبوديتك
لله منها، فابتعد عنه وأخرج نفسك منه أي أبعد ذاتك
عنه.

ويتبين لك بهذا أن ((من)) في قوله ((من أوصاف بشريتك))
للبيان وليست بمعنى التجاوز، لأن المعنى الذي يرمي إليه هو:
انظر إلى ما تراه من أوصاف بشريتك، فأخرج نفسك عن كل ما يتناقض
مع عبوديتك لله منها. أو تكون من بمعنى التجاوز، على أن يكون
قوله: ((عن كل وصف مناقض لعبوديتك)) بدل بعض عن كل، أي يكون
بدلاً عن قوله: ((من أوصاف بشريتك)). وهذا كما لو قلت: تحرر من
صفاتك، من كل صفة سيئة منها.

إذن، فلسنا بصدد الحديث عن
الصفات والطباع التي لاتتناقض مع عبودية الإنسان لله، مما
يتوقف عليه أصل الحياة أو كمالها، بل المطلوب من الإنسان أن
يرعى تلك الصفات ويحافظ عليها. إذ المحافظة على الحياة، برعاية
ضرورياتها وحاجياتها وتحسينياتها مقصد من المقاصد الكبرى
للشريعة الإسلامية، والمحافظة على ما به تستقر وتكمل الحياة،
يدخل حكمها في المحافظة على الحياة ذاتها.

غير أن المهمة
الخطيرة التي يجب أن ينهض بها المسلم، تتمثل في ضرورة التخلص
من الطباع والصفات التي لاتتفق ومسالك عبودية الإنسان لله عز
وجل كالكبر والعجب، والحسد والحقد والشح والتكالب على المال أي
المبالغة في حبه بحيث يندفع إلى الحصول عليه أينما لاح ومن أي
السبل أمكن.

ولعلك تسأل: أفتعد هذه الصفات، صفات جبلية فطر
الله الناس عليها، أم هي صفات مكتسبة تتسرب إلى الإنسان لأسباب
عارضة؟

والجواب أن الإنسان مفطور على قابليات واستعداد لها،
يدل على ذلك قوله عز وجل: { إِنّا خَلَقْنا الإِنْسانَ مِنْ
نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً
} { الإنسان: 76/2 } وقد مرّ بيان معناه، وقوله تعالى: {
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ
ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلَى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ
الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ } { الأعراف:
7/172 } وقوله عز وجلّ { وَنَفْسٍ وَما سَوّاها،
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها } { الشمس: 91/7-8 }
.

ومعنى قولنا: إن الإنسان مفطور على الاستعداد لها، أن
التربية والظروف الاجتماعية من شأنها أن تلعب دوراً كبيراً في
ترسيخها أو القضاء عليها.

محب الحبيب علي
08 Jan 2008, 08:41 AM
اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف يناقض عبوديتك، لتكون
لنداء الحق مجيباً، ومن حضرته قريباً

- لماذا فطر الله الإنسان على الصفات المرذولة ثم أمره
بالتخلص منها؟ والجواب عن ذلك من خلال شطرين اثنين

وربما سأل بعضهم فقال: فلماذا فطر الله الإنسان على هذه الصفات
المرذولة، ثم أمره بالتخلص منها؟

ولايتكامل الجواب عن هذا
السؤال إلا بشطرين اثنين:

الشطر الأول أن جوهر هذه الصفات،
بقطع النظر عن الغلو فيها أو سوء استعمالها، ذو أثر إيجابي
مفيد في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية. فلولا سريان شعور
الأنانية في كيان الإنسان لما اهتم بذاته ورعاية حاله، ولما
توجه إلى امتلاك مال ولا إلى الدفاع عن حق.. ولولا شيء من الشح
يتغلب عليه لأنفق كل ما قد تعب في تحصيله وجمعه.. ولولا حبه
للمال لما بحث عنه ولما حصل على شيء منه، وما تعمر عندئذ أرض
ولاتستقر الحياة. ولولا غضب يدافع به المظلوم عن حقه لاستشرى
الظلم وضاعت الحقوق. ومن المعلوم أن الكبر والعجب والحسد
والحقد، كل ذلك من فروعِ وآثارِ أساسِها الأمّ، ألا وهي
الأنانية.

إذن فمادّة هذه الصفات لها فائدة ودور إيجابي في
حياة الإنسان وعلاقاته الاجتماعية. ولله حكمة باهرة في تجهيز
الإنسان بها.

غير أن فقد التربية وغياب عوامل ضبطها وتهذيبها،
مع تسليط الرعونات النفسية عليها، يجعلها تتجاوز حدودها
الصالحة وتتحول من جرعات دوائية مفيدة، إلى سموم قاتلة، وإنما
تعدّ هذه الصفات مذمومة في ميزان الإسلام عندما تتحول من حدود
الماء المحيي إلى الطوفان المهلك، وعندما ينسى الإنسان أنها
جرعات محدودة من دواء للعلاج، فيقبل إليها على أنها غذاء
للشبع.

الشطر الثاني من الجواب أن هذا السؤال ينبغي أن يصدر
ممن لايعلم أن الله سيحشر عباده غداً لنيل الجزاء، إن خيراً
فخير وإن شراً فشر.. أما الذي يعلم أن الإله الذي فطر الإنسان
على هذه الصفات المذمومة، ثم أمره بالتخلص منها، قد أعدّ له
الجزاء الأوفى يوم القيامة، نعيماً وسعادة للمحسنين وعذاباً
وشقاء للمسيئين، فسؤاله من العبث بل الخلطِ الذي يتنزه عن
الخوض فيه العقلاء.

إذا كان المطلوب أن لايكلَّف الإنسان بجهد
يتحمله للتحرر من هذه الصفات الذميمة، ففيم يكون على موعد مع
الأجر والجزاء؟

إذا كانت مقدمات التكليف في هذه الدنيا لا
معنى ولا موجب لها، ومن ثم تستشكلها، فلماذا لا تستشكل نتائج
الأجر والجزاء التي هي الأخرى لا معنى ولا موجب لها؟ لماذا
تعلم كيف تمدّ يدك إلى الأجر الذي تناله، ولا تعلم كيف تؤدي
الجهد الذي يستوجبه؟

متى عرفت أن هذه الدنيا دار تكليف، وأنها
قاعة امتحان زُجَّ فيها الإنسان، وتأملت في البيان الإلهي
القائل: { إِنّا خَلَقْنا الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ
نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً } { الإنسان: 76/2
} ، أدركت لماذا يكلَّف هذا ((المكلف)) بجهد التخلص من صفاته
الذميمة، وعلمت أن حياة الإنسان فوق الأرض بدون هذا التكليف
الذي يستتبع نتائجه وآثاره، عبث لا معنى له.

هذا بالإضافة إلى
أن التخلص المطلوب من هذه الصفات لايكون بامتلاخها من جذورها
والقضاء عليها، فإن هذا لايتأتى ما دام الإنسان إنساناً، وما
دامت إنسانيته تعني أن يكون مفطوراً على هذه الصفات التي علمنا
في الشطر الأول من الجواب عن هذا السؤال، أنها في جوهرها
الذاتي ومادتها الأساسية، ليست صفات سيئة، ولكنها تحتاج إلى
إخضاعها لمنهاج من التربية والتهذيب كي لاتتجاوز حدّها، ولكي
لاتتحول في حياة صاحبها من دواء يسعفه إلى سمّ يهلكه.

إن
تهذيب هذه الصفات، وضبطها بالكوابح التي تقطع شرَّتها وتقضي
على ضراوتها، هو المعنيّ بالتزكية التي يطالبنا بها البيان
الإلهي بأساليب شتى وفي مواقف متكررة. وهو المعني بكلمة
((الجهاد)) في السور المكية حيثما وردت.

والمنهج إلى ذلك وإن
كان داخلاً في معنى التكليف، ومتوقفاً على شيء من الجهد، إلا
أنه ليس خارجاً عن وسع الإنسان وليس داخلاً في حدود العسر
المحرج. وآثاره الحميدة في حياة الفرد والمجتمع تفوق أتعابه
المتطلبة. وذلك هو شأن التربية أياً كانت وأياً كان نوعها، في
حياة الإنسان.


* * *

محب الحبيب علي
08 Jan 2008, 08:42 AM
اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف يناقض عبوديتك، لتكون
لنداء الحق مجيباً، ومن حضرته قريباً

- يغيب عن بال أصحاب هذا السؤال أن العقيدة الإسلامية إذا
غذيت بغذاء العبودية، هي الكفيلة بتذويب الطباع المرذولة
والقضاء عليها، وبيان ذلك مفصلاً

ثم إن الذين يطرحون هذا السؤال، ويستشكلون السبيل إلى التخلص
من هذه الصفات الذميمة، يغيب عن بالهم أن العقيدة الإسلامية
إذا ترسخت في العقل وغذِّيت بغذاء العبادة والطاعات والأذكار،
تكفلت هي وحدها بتهذيب هذه الصفات وقطع شرّتها، وإعادتها إلى
حدود المصلحة والاعتدال.. وعندما يغيب عن بالهم هذا العلاج
الذي لابدّ أن يأخذ كل عاقل نفسه به، بقطع النظر عن وجود هذه
الصفات وخطورتها، يخيل إليهم أن معالجة هذه الصفات أو الطباع
لتهذيبها وإعادتها إلى حدّ الفائدة والاعتدال، جهد ضائع وسعي
غير مفيد، وربما استشهدوا في هذا بما يزعمه بعض المتفلسفين من
أن الأخلاق غير قابلة للتبدل.

ولعلّ أحدهم يقول لك، مؤكداً
ضياع أي جهد يُبذل في سبيل التخلص من هذه الطباع أو الأخلاق
البشرية، إن سائر علماء الفلسفة والأخلاق بدءاً بأقدمهم من
أمثال أبيقور وزينون، إلى فلاسفة العصر الحديث من أمثال هوبز
وكانت وستوارت ميل، بذلوا جهوداً كبيرة للتصعيد بالأخلاق
الإنسانية وتهذيبها وتقويم المعوج منها، فلم يصلوا من جهودهم
إلى أي نتيجة.

ونحن نقول لهم: حقاً إن جهودهم ضاعت سدى ولم
تأت بأي نتيجة، ولكن لأنها لم تتجه إلى حيث العلاج الذي رسمه
الله تعالى لهذا الأمر، لا لأنه يستعصي على المعالجة
والإصلاح.

والعلاج الذي حدثنا الله عنه وأمرنا به، هو ما
تضمنته الرسالات الإلهية التي جاءت تتوالى إلى الناس منذ فجر
الحياة الإنسانية فوق هذه الأرض، من التنبيه إلى فطرة العبودية
لله والكامنة في نفوس الناس جميعاً، والأمر الصادر إليهم بوضع
هذه العبودية لله، من حياتهم الاعتقادية والسلوكية موضع
التنفيذ، مع التنبيه إلى ضرورة تغذية معاني هذه العبودية بغذاء
الطاعات والعبادات المتنوعة التي شرعها الله عز وجل، فبذلك
ينتقلون من معرفة أنفسهم إلى معرفة الله عز وجل وإلى اليقين
بأنه المالك لهم وأنه المتصرف بهم، وأنه وحده النافع والضار،
والمعطي والمانع، والمحيي والمميت، وأن مردّهم إليه للحساب ثم
الجزاء.

فما الذي تتصوره من آثار هذا اليقين إذ يهيمن على
العقل، ثم يزداد رسوخاً بغذاء العبادات والأذكار والطاعات
المستمرة؟.. في كل صلاة يلهج اللسان بالتوحيد، ويعلن عن
وحدانية المعبود بالحق، ويعترف بضعف العابد وعجزه وحاجته إلى
المعونة الدائمة، قائلاً: { إِنّا خَلَقْنا الإِنْسانَ مِنْ
نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً
} { الإنسان: 76/2 } .

إن الأثر الذي لابدّ أن يحققه هذا
اليقين في نفس صاحبه، مع استمرار هذا الغذاء، هو أن تتنامى
فيها مشاعر عبوديته ومملوكيته لله فتتحرر بذلك من أحقادها
وأضغانها، وتتساقط منها حوافز الكبر والأنانية، وتصفو من
كدورات الأهواء الجانحة، ذلك لأن يقين الإنسان بكونه عبداً
مملوكاً لله عز وجل، خلقه الله ليمارس هذه العبودية له عملاً
وسلوكاً مع بني جنسه، يتناقض بشكل حادّ مع هذه الأخلاق الذميمة
التي من شأنها أن تتسرب إلى النفس الإنسانية في غفلة عن التنبه
لهويتها وعن معرفة ذاتها.. ومن ثم فإن الإنسان ما يكاد يصحو
إلى عبوديته لله عز وجل، ثم يعمد فيغذي هذا الصحو، بل هذه
المعرفة، بوظائف العبادات، حتى ترتد هذه الصفات والكدورات عن
نفسه شيئاً فشيئاً، لتعود إلى خط الاعتدال ولتقف عند حدود
الفطرة الصالحة للإنسان. وتلك هي التزكية التي يتحدث عنها
الفاطر الحكيم، ويأمر بها، في كثير من المناسبات، من مثل قوله
تعالى: { وَنَفْسٍ وَما سَوّاها، فَأَلْهَمَها فُجُورَها
وَتَقْواها } { الشمس: 91/7-8 } ، وقوله تعالى: {
وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ } { النساء: 4/128 } .


* * *

محب الحبيب علي
08 Jan 2008, 08:42 AM
اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف يناقض عبوديتك، لتكون
لنداء الحق مجيباً، ومن حضرته قريباً

- إن المسلم مهما أكثر من الطاعات، لاتقربه طاعاته من
الله، إن بقي مثقلاً بطباعه المرذولة

وفي قول ابن عطاء الله ((لتكون لنداء الحق مجيباً، ومن حضرته
قريباً)) إلماح إلى أن المسلم مهما أكثر من الطاعات وداوم على
العبادات، لا تدنيه طاعاته وعباداته من حضرة الحق جل جلاله،
إن بقي مثقلاً بتلك الصفات التي تتعارض مع عبوديته لله عز
وجل.

وإنما يتمتع صاحب هذه الصفات المرذولة، من تلك الطاعات
والعبادات بصورها ومظاهرها فقط، إذ لو امتدت لها جذور من
الإخلاص لله عز وجل إلى القلب، لتحقق لها من تلك الجذور حرارة
بل حرقة تقاوم تلك الصفات الذميمة حتى تذيبها وتقضي
عليها.

فالصلاة التي يعبّر بها المصلّي عن عبوديته لله عز
وجل، ثم يواظب عليها مندفعاً إليها ينسب عبوديته له عز وجل،
لابدّ أن تنمّي مشاعر عبوديته هذه من خلال صلواته وركوعه
وسجوده، وإذا اصطبغ الكيان بحقائق العبودية لله عز وجل، لم يبق
للشعور بالاستكبار في القلب مكان.

كذلكم سائر الطاعات
والعبادات على اختلافها وتنوعها، إن مارسها الإنسان بنية خالصة
وقصد متجرد، لابدّ إذن أن تقضي على هذه الصفات السيئة أو تقضي
على شرّتها وتعيدها إلى حدود الفائدة والصلاح. وبذلك يكون
العبد لربه مجيباً ومن حضرته قريباً.

وإن لم يمارسها الإنسان،
أو أداها على غير وجهها، أو أداها مجتـثّة من جذور الإخلاص لله
عز وجل، فلسوف تكون عوناً على رسوخ تلك الصفات عنده، بدلاً من
أن تكون أداة للتخلص منها، ومهما داوم على صور هذه الطاعات فلن
يكون لنداء الله مجيباً ولن يكون من حضرته قريباً.

ثم إن هذه
الحقيقة تؤكد ما هو ثابت ومقرر، من أن الإسلام بأصوله
الاعتقادية، وفروعه السلوكية من عبادات وتشريعات، إنما شرّف
الله به الإنسان، ليستعين به في التخلص من هذه الطباع
والانعتاق من أسرها.. وبذلك يرقى الإنسان إلى سدّة التكريم
التي ارتضاها الله له.

فإن هو بقي مستسلماً لتلك الطباع، يركن
إليها ويخضع لسلطانها، لم تنفعه مظاهر طاعاته وقرباته الشكلية،
ولابدّ أن تهبط به تلك الطباع إلى شر من الدرك الذي تعيش فيه
الوحوش والسباع، وهذا الفريق هو الذي عناه البيان الإلهي بقوله
عز وجل: { يا أَيُّها الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلَى
رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ } { الإنشقاق: 84/6 } .

إذا
تبين لك هذا، فاعجب معي ممن يمعن في تجميل ظاهره با(لديكورات)
الإسلامية، بياناً وفصاحة في اللسان، وعبادات يروض لها
الأعضاء، ومعارف يرددها عن تاريخ الإسلام وعظمة الإسلام، وغيرة
يهتاج بها، على حدوده أن تضيع، وسلطانه أن يتقلص، فإذا اخترقت
هذا الظاهر منه، رأيت إعجابه بنفسه، واستكباره على الآخرين،
وتلهفه على المال وسعيه إلى جمعه بشتى السبل، وتنظر فإذا هو
يجتر مشاعر الحسد والشحناء تجاه الآخرين، ولايتردد في التعبير
عنها كلما انعقد مجلس لغيبة وسنحت بذلك الفرص.

والقلب السليم
الذي دعا به خليل الرحمن لنفسه، يتناقض مع هذا كله مناقضة
حادّة. ألم يدع الله عز وجل، فيما حكى الله عنه، قائلاً: {
إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ } { الفاتحة: 1/5 }
.

اللهم طهر قلوبنا من كل وصف يبعدنا عن مشاهدتك ومحبتك، وأدم
علينا عين عنايتك، واسترنا بسترك الجميل في الدنيا
والآخرة.

* * *

محب الحبيب علي
09 Jan 2008, 09:17 AM
الحكمة الخامسة والثلاثون



الحق ليس بمحجوب، وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه إذ لو
حجبه شيء لستره ما حجبه. ولو كان له ساتر لكان لوجوده
حاصراً. وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، {وَهُوَ الْقاهِرُ
فَوْقَ عِبادِهِ} [الأنعام: 6/18]


- النفس، ومعانيها، والمعنى المراد بها هنا

خلاصة ما ترمي إليه هذه الحكمة، أن السبيل إلى مرضاة الله
يتمثل في اتهام السالك نفسه وعدم رضاه عنها، وأن السبيل إلى
سخط الله يتمثل في إعجاب السالك بنفسه ورضاه عنها.

ولكن ما هي
النفس؟ وما المراد بها في هذا المقام؟

تطلق النفس على أكثر من
معنى في اللغة، تأتي بمعنى الروح، وذلك في مثل قولهم: فاضت
نفسه، أي خرجت روحه، وتأتي بمعنى الدم، ومن ذلك قول الفقهاء:
يعفى عن كل مالا نفْس له سائلة، أي ليس له دم يجري عند خروجه.
وتأتي بمعنى ذات الشيء، من ذلك قول أحدهم: رأيت المِلك
نفسه.

إلا أن مراد ابن عطاء الله بالنفس هنا، الغريزة
الحيوانية المركبة في كيان الإنسان، والتي تجمح به إلى
الانقياد لما فيها من الأهواء والشهوات.

ويبدو أنه مصطلح ديني
مأخوذ من مثل قول الله تعالى: { إِنَّ النَّفْسَ لأَمّارَةٌ
بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي } { يوسف: 12/53 } إذ لم
أجد من أثبت لها هذا المعنى، من علماء اللغة.

وعلى كل فإن
المراد بالنفس، في هذه الحكمة، هذا المعنى حصراً، أي المعنى
الجامع للشهوات وللأهواء الغريزية التي يشترك الإنسان فيها مع
كثير من الحيوانات الأخرى(1) وهي مصدر الطبائع الذميمة التي
مرّ الحديث عنها في الحكمة السابقة.

محب الحبيب علي
09 Jan 2008, 09:18 AM
الحق ليس بمحجوب، وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه إذ لو
حجبه شيء لستره ما حجبه. ولو كان له ساتر لكان لوجوده
حاصراً. وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، {وَهُوَ الْقاهِرُ
فَوْقَ عِبادِهِ} [الأنعام: 6/18]

1ً- من أين لابن عطاء الله أن أصل كل معصية وغفلة الرضا
عن النفس؟ والجواب عن ذلك

ونبدأ الآن فنسأل:

أولاً: من أين لابن عطاء الله أن أصل كل
معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس؟ ومن أين له
نقيضها؟

ثانياً: ما السبب في أن يكون هذا هو أصل كل معصية..
إلخ.

ثالثاً: كيف السبيل إلى أن يكون المسلم غير راض عن نفسه،
حتى لايتورط في هذه المنزلقات؟

ونقول في الجواب عن السؤال
الأول: إن مصدر هذا الذي يقوله ابن عطاء الله، قول الله تعالى:
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ
اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } {
النساء: 4/49 } والاستفهام هنا استنكاريّ، أي ألا ترى إلى
قباحة شأنهم، إذ يمدحون أنفسهم ويعبرون عن إعجابهم بها ورضاهم
عنها!!..

وأصرح من هذا، في التعبير عن المعنى ذاته قول الله
عز وجل: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ
رَبِّهِ فَصَلَّى } { الأعلى: 87/14-15 } ، أي لاتحكموا لها
بالصلاح والسمو عن الزغل والشوائب، ولا تمدحوها وتثنوا عليها
بما قد تتوهمون.. فإن الله أعلم بما في نفوسكم منكم.

وتعبيراً
عن هذا المعنى ذاته يقول رسول الله : ((ثلاث مهلكات، شح مطاع،
وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه))(1) وهو المعنى الذي أكده رسول
الله في حديث آخر إذ قال: ((إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى
متبعاً، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة
نفسك..))(2)، وليس بين الرضا عن النفس والإعجاب بها أي فرق.


* * *

محب الحبيب علي
09 Jan 2008, 09:18 AM
الحق ليس بمحجوب، وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه إذ لو
حجبه شيء لستره ما حجبه. ولو كان له ساتر لكان لوجوده
حاصراً. وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، {وَهُوَ الْقاهِرُ
فَوْقَ عِبادِهِ} [الأنعام: 6/18]

2ً- ما السبب في كون الرضا عن النفس أصل كل معصية؟
والجواب عن ذلك

ثانياً: ما السبب في كون الرضا عن النفس أصل كل معصية؟


زيادةً في تحديد المعنى المراد بكلمة النفس هنا، وتوطئة بين
يدي بيان السبب، نذكّر بالفرق الذي ينبغي أن نتبينه بين
السلوك، أي العمل الذي يصدر من الإنسان، والنفس الكامنة بين
جوانح الإنسان.

فالسلوك هو النتيجة العملية لصراع الإنسان مع
مشاعره ودوافعه النفسية: وقف بين اختيارين لا ثالث لهما،
أحدهما يرضي الله عز وجل، ويخالف النفس والهوى، وثانيهما يرضي
الرغبة النفسية ومشتهياتها ويخالف أمر الله ورضاه، وبعد تردد
وصراع بين دواعي استجابته لله وحوافز رغباته ومشتهياته
النفسية، آثر الانقياد لحكم الله عز وجل، فقام ينفذ أمره، أو
ربما آثر العكس فقام ينفذ ما دعته إليه غرائزه الشهوانية. فهذا
الانقياد العملي هو السلوك. وهو كما ترى نتيجة تطبيقية، للصراع
الذي يظل دائراً بين الفطرة الإيمانية والغريزة الحيوانية في
كيان الإنسان.

محب الحبيب علي
09 Jan 2008, 09:19 AM
الحق ليس بمحجوب، وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه إذ لو
حجبه شيء لستره ما حجبه. ولو كان له ساتر لكان لوجوده
حاصراً. وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، {وَهُوَ الْقاهِرُ
فَوْقَ عِبادِهِ} [الأنعام: 6/18]

- الفرق بين الرضا عن النفس في القيام بعمل صالح إعجاباً
وتباهياً، والرضا بذلك شكراً لله على توفيقه والأول مذموم
والثاني محمود ومطلوب

أما النفس فهي - كما قد عرفت - مجموعة الرغائب الشهوانية
الغريزية التي تجمح بالإنسان وتدفعه إلى الاستجابة العملية
لها. فهي إذن وضع كامن في طوايا الكيان، وليس السلوك العملي
إلا أثراً من آثار هيمنتها وجموحها.

إذا تبين لك الفرق،
فلتعلم أنه لاحرج ولا مانع من أن ينال السلوك من صاحبه شعور
الرضا أو شعور نقيضه، بل المطلوب من الإنسان أن يرضى عن العمل
الصالح الذي وفقه الله له، وأن يكره العمل السيء الذي تورط
فيه، وقادته النفس إليه.

وعندما يرضى المسلم عن عمل صالح
يسّره الله له وهداه إليه، فهو لن يترجم لدى التحقيق إلا بشكر
الله عز وجل على ذلك، ومن ثم فإنه أبعد ما يكون عن الإعجاب
الذي نهى الله تعالى عنه، وأبعد ما يكون عن الرضا عن النفس.
وإذا لم تتوافر لدى المسلم حوافز الرضا عن العمل الصالح الذي
وُفِّقّ إليه، فلن تتوافر لديه إذن حوافز الكراهية للعمل
القبيح الذي قد يتورط فيه.. إذ يسقط بذلك، في تقديره، الفرق
بينهما.

غير أن على من رأى أن الله يوفقه للأعمال الصالحة
ويحببها إليه، أن لاينسب الفضل في ذلك إلى نفسه، فيزعم أنها
تسامت فوق شهواتها وأهوائها، وأصبحت مبرّأة من النقائض
والغرائز الحيوانية. بل عليه أن يعلم أن النفس ما تزال أمارة
بالسوء، وأنه على خطر من وساوسها وحوافزها، وإنما تداركه الله
فأقدره على مخالفتها والتحرر من سلطانها. وبذلك يستغرق في
مشاعر قدسية وعلوية من شكر الله عز وجل.

ألم تقرأ قول الله عز
وجل: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ
دَسّاها } { الشمس: 91/9-10 } ألا ترى كيف أن الحكم جاء
بهذه الصفة القبيحة على عموم الأنفس دون استثناء ولا تخصيص؟
وعندما أثنى على من تساموا بسلوكهم عن هذه الصفة، لم ينسب ذلك
إلى نفوسهم، بل نسبه إلى وقاية الله لهم، مع بقاء نفوسهم على
ماهي عليه، فقال: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ } {
التين: 95/5 } .

أو لم تقف على قول الله عز وجل، في وصف بعض
الصالحين من عباده، وثنائه على أعمالهم، إذ قال: { وَلا
تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا
بَنُونَ، إِلاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } {
الشعراء: 26/87-88 } ألا ترى إلى قوله (( على حبِّهِ)) كيف
أوضحت أن نفوسهم ما تزال على حالها من الشراهية وحب المال
والتكالب عليه، ولكنهم بتوفيق من الله عز وجل جاهدوا أنفسهم
وتساموا على أهوائهم ورغائبها سعياً إلى مرضاة الله عز
وجل.

أو لم تقف أيضاً على قول الله عز وجل: { إِنَّ
النَّفْسَ لأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي } {
يوسف: 12/53 } .

فأين هو مكان هذه الزينة والحب لهذا كلّه
في كياناتهم؟.. إن مكانه النفس التي كانت ولاتزال أمارة
بالسوء.. ومؤدى هذا التقرير الرباني أن الناس.. كل الناس فطرت
نفوسهم على حب هذه الشهوات التي شاء الله عز وجل أن يزينها
لهم، للحكمة التي تم بيانها خلال شرح الحكمة السابقة. فمهما
صعد المسلم أو هبط في التزاماته السلوكية، فلسوف تظل نفسه التي
بين جنبيه نزاعة إلى هذه المشتهيات وغيرها مما ذكره الله في
أماكن أخرى من كتابه المبين، كالكبر والعجب، والانطواء على
الضغائن والأحقاد.

لايصحّ أن يقول أحدهم: ولكني بقيت دهراً
طويلاً أجاهد نفسي وأمعن في تربيتها وترويضها، حتى استطعت أن
أسمو بها عما كانت عليه من التعلق بهذه المشتهيات والطبائع
الذميمة، فهي اليوم لاترغب إلا فيما يرضي الله، ولاتنفر إلا
عما لايرضي الله.

يجب أن يقال لصاحب هذه الدعوى: إن صح ما
تقول فإن بشرّيتك قد غاضت بل غابت عنك، وتحولْتَ إلى ملك من
الملائكة الذين يجوبون في ملكوت الله عز وجل. وهذا ما يخالف
الوصف الذي وصف الله به الإنسان، الإنسان أياً كان، كما أنه
يخالف الآيات التي مرّ ذكرها الآن، وكلها تأكيد للرغائب
الشهوانية الغريزية التي أثقل الله بها نفس الإنسان.

ويقال
له: إن صح ما تقول، فأنت لم تعد مكلفاً من قبل الله بشيء، لأنك
لن تشعر بأي كلفة فيما يأمرك به، إذ أصبحت نفسك سباقة بكامل
رغبتها وسرورها إلى هذا الذي يأمرك الله به. ولابدّ أن يصبح
أمره عندئذ عبثاً وثوابك عليه باطلاً.. ولكنّ أمر الله عز وجل
نافذ وسيظل نافذاً في حق عباده أجمعين، وثوابه جار ومهيأ لجميع
المحسنين. ولايكون ذلك إلا لأنهم جميعاً مكلفون، ولايكونون
مكلفين إلا عندما تكون التكاليف الإلهية مخالفة لرغبات نفوسهم
متشاكسة مع تطلعاتها وأهوائها.

وإن جميع الربانيين من عباد
الله الصالحين، وأوليائه المقربين، ظلّوا في جهاد دائب مع
أنفسهم حتى أتاهم اليقين الذي نقلهم إلى رحاب مولاهم الجليل.
وإنما كان مصدر الأجر الذي وعدهم الله به وادّخره لهم مخالفتهم
الدائبة لأهواء نفوسهم وتطلعاتهم الشهوانية.

حتى الرسل
والأنبياء الذين يجب أن نثبت لهم العصمة من سائر المعاصي
والزلات، إنما تمثلت عصمتهم في سلوكهم (وقد أوضحت لك الفرق
بينه وبين ما قد يستكن في طوايا النفس) وإنما تحققت مكانتهم
الرفيعة بسبب تحرر سلوكاتهم من سلطان نفوسهم البشرية. وإنما
تحقق لهم هذا التحرر، بعناية من الله عز وجل أولاً، وبتغلب
مشاعر حبهم وتعظيمهم لله على نوازع نفوسهم ثانياً. وربما غابت
هذه النوازع في ضرام حبهم وتعظيمهم له، ولكنها موجودة وإن خفيت
على كل حال.

إذن فالنفس البشرية تظل نزاعة إلى شهواتها
وأهوائها، ما دامت الحياة باقية، مع تفاوت في ذلك من حيث الكمّ
والنوع، مابين الطفولة والشباب والكهولة والهرم.

فإذا كان
الإنسان راضياً عن نفسه، فليس يعني رضاه عنها إلا انقياده لما
تحبه وتدعوه إليه، ولابدّ أن تورده عندئذ المهالك. وأول هذه
المهالك إعجابه بنفسه الأمارة بالسوء، وادعاؤه أنها مزكّاة عن
النقائص، متسامية على الرذائل والقبائح من الطباع، وهو نقيض ما
قد أمر الله به أو نهى عنه إذ قال: { أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ
يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } { النساء: 4/49 } .


فقد صدق إذن أن ((أصل كل معصية وغفلة وشهوة، الرضا عن
النفس)) وهذا يستلزم العكس وهو أن ((أصل كل طاعة ويقظة وعفة
عدم الرضا منك عنها)).

وقد عرّف الشيخ أحمد رزوق رحمه الله،
في شرحه لهذه الحكم، المعصية بأنها مخالفة أمر الله الواجب،
والشهوة بأنها الاسترسال مع النفس في طلب الملذات، والغفلة
بأنها إهمال الحقوق المندوبة والواجبة بالاسترسال مع دواعي
الهوى.

وعرّف الطاعة بأنها موافقة أمر الله واجباً كان أو
مندوباً، وعرّف العفة بأنها ترك الدناءة من كل شيء، واليقظة
بالانتباه لأوامر الله عز وجل(1).

محب الحبيب علي
09 Jan 2008, 09:19 AM
الحق ليس بمحجوب، وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه إذ لو
حجبه شيء لستره ما حجبه. ولو كان له ساتر لكان لوجوده
حاصراً. وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، {وَهُوَ الْقاهِرُ
فَوْقَ عِبادِهِ} [الأنعام: 6/18]

3ً- كيف السبيل إلى أن يكون المسلم غير راض عن نفسه حتى
لايتورط في الانقياد لها؟ والجواب عن ذلك

ثالثاً: كيف السبيل إلى أن يكون المسلم غير راض عن نفسه حتى
لايتورط في الانقياد لها؟

وأقول لك في الجواب: إن الله عز وجل
قد وضع - وهو اللطيف الحكيم الرحيم - بين يديك الدواء، وليس
عليك إلا أن تقبل عليه فتستعمله. وضعه بين يديك عندما قضى بأن
تكون هابطاً عن مستوى العصمة، متورطاً بين الحين والآخر في
الخطأ. وهو ما قد أخبر به رسول الله  في الحديث الذي يقول
فيه: ((كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون))(1).

وإنما
يكون الإنسان خطاء، لأن الله ابتلاه بالضعف أمام جموحات نفسه،
فهو كثير التأثر بها سريع الاستجابة لها. وصدق الله القائل:
{ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى }
{ النجم: 53/32 } ومهما جاهد ذاته في التغلب عليها والتحرر
من أسرها، فلابدّ أن يبقى لها سلطان سارٍ عليه، يتجلى أثره بين
الحين والآخر في انزلاقات يتورط فيها وأخطاء تبدر منه.

فإذا
تأملت في هذه الحال التي أقامك الله عليها، وتنبهت إلى الأخطاء
التي تزينها لك نفسك، وتدفعك إليها من حيث تعلم أو لاتعلم،
فلسوف تكون شديد البغض لها والحذر منها. اللهم إلا إن كنت ممن
يتبرم بشرائع الله وأحكامه، يعافها ولايرى فيها إلا أعباء
ثقيلة لا جدوى منها ولا خير فيها، فعندئذ لابدّ أن يترجَم
تبرُّمك وسخطُك هذا، بالرضا عن نفسك التي تدعوك إلى ما يروق لك
من الآثام والانحرافات!.. وأسأل الله أن لاتهوي إلى هذا الدرك
الذي يدفنك في ظلام الكفر والهلاك.

وإذا تأملت، تبينت عظيم
حكمة الله وواسع رحمته ولطفه، في هذا الذي قضى به، إذ جعل
الإنسان ضعيفاً بين يدي جموحات نفسه. إنه لون دقيق وعجيب من
التربية الربانية للعبد، تجعله دائم الحذر على ذاته من نفسه،
وتبعده عن الإعجاب بها أو الركون إليها، وتسوقه - خائفاً قلقاً
- إلى موقف الضراعة والتذلل بين يدي الله، يدعوه أن يقيه شر
نفسه وأن يحصّنه ضد عواصف شهواته وأهوائه.. فمنذا الذي يتلقى
هذه التربية من مولاه الحكيم الرحيم، ثم يرضى عن نفسه ويعجب
بها أو يركن إليها.


* * *

محب الحبيب علي
09 Jan 2008, 09:20 AM
الحق ليس بمحجوب، وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه إذ لو
حجبه شيء لستره ما حجبه. ولو كان له ساتر لكان لوجوده
حاصراً. وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، {وَهُوَ الْقاهِرُ
فَوْقَ عِبادِهِ} [الأنعام: 6/18]

- ثم إن ابن عطاء الله يبني على هذه القاعدة نتيجة هامة
تتعلق بالعلم ودوره، والكثير من آفاته وغوائله

ثم إن ابن عطاء رحمه الله، يبني على هذه القاعدة التي أحسب أنه
قد اتضح شرحها وتجلت لك حقيقتها، نتيجة هامة تتعلق بالعلم،
وإنها لمن الأهمية بمكان:

ليس في العقلاء من يجهل قيمة العلم،
وليس فينا من لم يقرأ في كتاب الله تعالى الآيات التي ينوه
فيها بشرف العلم ويرفع فيها من شأنه، ويدعو دائماً إلى
الاحتكام إليه.

ولكن فلتعلم أن العلم يظل وسيلة، ولايرقى إلى
أن يكون غاية في أي من الأحوال. فإذا صادف العلم إنساناً صافي
الفطرة سليم الطوية سامي القصد، كان العلم مصباحه المنير
والهادي له إلى الحق المطلق والدافع له إلى الانضباط به،
والسير على سننه، ولابدّ أن يصل من وراء ذلك إلى سعادتي دنياه
وعقباه معاً.

أما إن صادف العلم شخصاً ملتوي الفطرة، فاسد
الطوية، هابط القصد، فلسوف يكون العلم تحت سلطانه لسان دعوة
وتبرير لطويته الفاسدة ومقاصده السيئة، وكلما ازداد علماً
ازداد بذلك قدرة على الدجل والمكر والخداع وإيذاء الآخرين،
وصدق من قال: ((زيادة العلم في رجل السوء كزيادة الماء في أصول
الحنظل، كلما ازداد رباً ازداد مرارة)).

ومنبع الاستقامة
والرشد في الإنسان أن يكون دائم الخوف على ذاته من نفسه، وأن
يكون غير راض عنها. وعندئذ تكون علومه ومعارفه مصابيح هداية
ورشد له، ولكل من يصحبه، وحتى لو كان جاهلاً، فإنّ تخوفه من
نفسه وحذره الدائم منها، يكون دليل خير ولسان موعظة وعبرة
للآخرين.

ومنبع الانحراف والضلال بأنواعه في الإنسان، أن
يكون راضياً عن نفسه معجباً بها مبرراً لجموحاتها. وعندئذ
لابدّ أن تتحول معارفه وعلومه كلها مهما كثرت وتنوعت، إلى جنود
خاضعة لسلطان نفسه، ولابدّ أن تصبح ألسنة تبرير لأهوائها
وانحرافاتها.

فهذا هو معنى قول ابن عطاء الله: ((ولأن تصحب
جاهلاً لايرضى عن نفسه، خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن
نفسه. فأي علم لعالم يرضى عن نفسه، وأي جهل لجاهل لايرضى عن
نفسه)).

وانظر إلى هذه الآيات التالية من كلام الله عز وجل،
في سورة الأعراف كيف تعبر عن هذا المعنى الذي يذكره ابن عطاء
الله، بأبلغ بيان، مجسَّداً بمثال إنسان لم ينفعه علمه الغزير
الذي منحه الله إياه، عندما انساق وراء نفسه، واستسلم لمشاعر
غروره، بل تحول علمه إلى وبال عليه، انظر وتأمل في هذه
الآيات:

{ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ } { النساء:
4/128 } .

وسواء أكان الذي يعنيه بيان الله تعالى في هذا
المثل الذي يضربه ((بلعام بن باعوراء)) على ما ذهب إليه جمهور
المفسرين ومنهم الحافظ ابن كثير، أو غيره، فإن المعنى ينطبق
على كل من أوتي علماً فصادف منه إنساناً أخلد إلى هواه واستسلم
لغرائزه الشهوانية، لابدّ أن يتحول العلم في رأسه إلى سَكَرٍ
يحيل إنسانيته إلى وحش ضار لايتقن إلاّ فن الفتك
بالآخرين.

وما أشدّ ما ينطبق ذلك على قادة المجتمعات الغربية
اليوم، ألا ترى كيف أصبحت العلوم التي في رؤوسهم، أسلحة فتك
ودمار مشرعة أو مشهرة في أيديهم، ألا ترى كيف يلهثون بطمع
لايعرف الاكتفاء ولا الشبع، وراء كل مكاسب الدنيا أينما لاحت
وحيثما وجدت، ليدخلوها في ممتلكاتهم ويخضعوها تحت سلطانهم،
وعلى الذين يقفون في طريق (مصالحهم) إليها أن يبتعدوا عن
طريقهم إلى مكان قصيّ أياً كان المصير أو الهلاك الذي ينتظرهم
فيه.

ألا فليعلم الناس جميعاً أن النفس الإنسانية إن لم تتهذب
فلسوف يكون أصحابها أحطّ من الوحوش في بغيهم، ومضرب المثل في
عسفهم وجورهم، ولن يهذب النفس الإنسانية شيء إلا رقابة الله عز
وجل، ولاتأتي هذه الرقابة إلا من سيطرة الإيمان الحقيقي بالله
على القلب بعد العقل.

فإذا استيقظت مشاعر الرقابة الإلهية في
القلب، عاش صاحبها حياته كلها، عدواً لنفسه، خائفاً منها،
متهماً إياها، إلى أن يرحل من دنياه مكلوءاً بالخاتمة الحسنة
التي هي مطمح أبصار السالكين بل العارفين والمقربين. وعندئذ
فقط يتحقق معنى النفس المطمئنة، وينطبق عليها قول الله عز وجل:
{ يا أَيَّتُها النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى
رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبادِي،
وَادْخُلِي جَنَّتِي } { الفجر: 9/27-30 } .

محب الحبيب علي
12 Jan 2008, 10:20 AM
الحكمة السادسة والثلاثون



شعاع البصيرة يشهدك قربك منه، وعين البصيرة يشهدك عدمك
لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجوده، لاعدمك ولا وجودك

- رتب ثلاث يتدرج فيها السالك للوصول إلى درجة الإحسان

هذه الحكمة تتضمن بيان ثلاث رتب، يتدرج في طريقها المؤمن إذ
يسعى للوصول إلى درجة الإحسان التي نوّه بأهميتها، وأهمية
الجهاد للوصول إليها، رسول الله .

عبّر ابن عطاء الله عن أول
هذه الرتب وأدناها، بكلمة ((شعاع البصيرة)) وعبّر عن الرتبة
الثانية التي تليها، بكلمة ((عين البصيرة)) وعبّر عن الرتبة
الثالثة والأخيرة بكلمة ((حق البصيرة)).

وقد نوّه بيان الله
عز وجل في كتابه المبين، بهذه الرتب الثلاث، ومزية كل منها،
وتفاوتها من حيث درجة القرب من الله عز وجل، كما سيتبين لك
فيما بعد.

ولنشرح كل رتبة من هذه الرتب الثلاث على حدة، مع
بيان أثر كل منها في حياة صاحبها، مستدلين على ذلك بكتاب الله
عز وجل وسنة رسوله ، وسيرة سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.


- الرتبة الأولى تلك التي يعتمد فيها السالك على ((شعاع
البصيرة))

الرتبة الأولى، هي تلك التي يعتمد فيها الإنسان على ((شعاع
البصيرة)) فما البصيرة؟ وما شعاعها؟..

المراد بالبصيرة العقل
والإدراك، يقال: فلان يتمتع ببصيرة ثاقبة أي بإدراك أو ذكاء
حاد.

محب الحبيب علي
12 Jan 2008, 10:20 AM
شعاع البصيرة يشهدك قربك منه، وعين البصيرة يشهدك عدمك
لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجوده، لاعدمك ولا وجودك

- بيان المراد بشعاع البصيرة، وهو نور العقل، وهذه الرتبة
تشكل الجامع المشترك لكل المؤمنين بالله

وشعاع البصيرة، أي العقلِ، نوره. ومن المعلوم أن نور العقل
يتزايد ويقوى بواسطة العلم وقواعده. بل إن بينهما تفاعلاً
دائماً، فالعقل يقوى بواسطة العلم، والعلم أيضاً يتنامى ويزداد
بواسطة العقل، وكل منهما سند دائم للآخر.

فالمرتبة الأولى
التي يتبوؤها السائرون في هذه الحياة إلى معرفة الحقيقة
الكونية وكشف أسرارها، هي مرتبة اليقين بوجود الله ومعرفة
صفاته، تحت أشعة العقل الهادي إلى العلم والعلم الدال على
العقل.

هذه المرتبة تشكل الجامع المشترك لكل المؤمنين بالله
عز وجل على اختلاف فئاتهم وتفاوت درجاتهم، إذ لابدّ للناس
جميعاً أياً كانوا إذا أرادوا التعرف على الله والقرب منه، أن
يسلكوا الطريق إليه من خلال باب واحد لاثاني له هو تحكيم العقل
الهادي إلى العلم. وهذا هو السبب في أن الله عز وجل يحاكم
الناس جميعاً (إذ يدعوهم إلى معرفته وإلى الإيمان به) إلى
العقل والعلم، ويأمرهم أن يتخذوا منهما الأساس أو المنطلق إلى
كل شيء. فهو يقول مثلاً منوهاً بأهميتهما معاً:

{ وَتِلْكَ
الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاّ
الْعالِمُونَ } { العنكبوت: 29/43 } .

ويقول محذراً من
اتباع ما لادليل عليه من العلم الذي هو شعاع العقل، { وَمَنْ
يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } {
الحشر: 59/9 } .

ويقول، مستنهضاً الناس إلى إعمال العقل في
كل ما يُدعون إليه، وفي كل ما يلوح أمامهم من المشاهد الكونية
المتنوعة:

{ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلَى حُبِّهِ
مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً } { الإنسان: 76/8 }
.

ويقول مهدداً أولئك الذين يطوون عقولهم عن النظر والتفكير
والوصول بها إلى النتائج السليمة:

{ زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ
الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ
الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ
الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ
الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } {
آل عمران: 3/14 } .

ما هي المرتبة التي ينالها، أولئك الذين
يعتمدون في سيرهم إلى الله على ((شعاع البصيرة)) على حدّ تعبير
ابن عطاء الله، أي على الدلائل العلمية المنبثقة من بصيرة
العقل؟

تتلخص هذه المرتبة، في اليقين بوجود الله إلهاً مبدعاً
خالقاً لهذا الكون، قائماً بأمره، مهيمناً على شؤونه. يلي هذا
اليقين التعرف على‌ صفاته، وأولها وأهمها صفة الوحدانية. فإذا
استقر لديه هذا اليقين، واصطبغ فكره وشعوره بصفاته عز وجل،
أدرك عندئذ قربه الدائم من الله عز وجل، أينما حلّ وحيثما
ارتحل، إذ قد علم من خلال ما عرفه ووعاه من صفات الله عز وجل
أنه لايحده مكان ولايحصره زمان، إذ هو ربّ الزمان والمكان،
ومنشئ كل منهما، وعاش مع قوله سبحانه { فَلا تُزَكُّوا
أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } { النجم: 53/32 }
وأدرك معنى قوله عز وجل: { وَخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً
} { النساء: 4/28 } (1) .

محب الحبيب علي
12 Jan 2008, 10:21 AM
شعاع البصيرة يشهدك قربك منه، وعين البصيرة يشهدك عدمك
لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجوده، لاعدمك ولا وجودك

- من أولى وأهم ثمرات هذه الرتبة، وبيان ذلك تفصيلاً

ومن أولى وأهم ثمرات هذه الرتبة الأولى، تنامي مراقبة العبد
للرب جلّ جلاله. أي إن يقينه بقربه الدائم من الله عز وجل،
يجعله يصطحب شعوراً يساوره على الدوام بأن الله يراه.. يراه في
سائر تقلباته وأطواره، بل يراه في خواطره وأفكاره التي تطوف
برأسه، ولابدّ أن يحمله شعوره بهذه الرقابة الإلهية على
الابتعاد عما نهى الله عنه وتنفيذ كل ما قد أمر به جهد
استطاعته، فإذا جمحت به الغريزة وتغلبت عليه فانحرف إلى محرم
أو قصر في واجب، طاف به من ذلك طائف من الخجل والخوف والندم،
يدفعه إلى أن يترامى، بذل وانكسار، على أعتاب رحمته وكرمه،
يلحف بالدعاء والرجاء أن يغفر ذنبه وأن يستر عيبه، وأن يرحم
ضعفه الذي جرّه إلى ما قد تورّط فيه.

وما أكثر ما أراحت هذه
الرقابة الإلهية، إذ تعمل عملها في كيان الإنسان نتيجةً
لإيمانه هذا، الحكام في قصورهم، والقضاة في محاكمهم، والشرطة
في دوائرهم. وعصر أصحاب رسول الله ، ثم عصور السلف الصالح من
بعده، خير شاهد على هذه الحقيقة. ولعلنا جميعاً لانزال نذكر ما
حفظناه من دروس التربية الدينية والأخلاقية التي كنا نتلقاها
بجد واهتمام، في المرحلة الابتدائية، من أن الهرمزان لما قدم
المدينة يسأل عن القصر الذي يقيم فيه أمير المؤمنين عمر، دلوه
على أرضٍ عراء كان يتمدد فيها، متوسداً نعله، بعد جهد طويل
بذله إذ كان يهنأ! إبل الصدقة ((يطليها بالقطران)) فوقف ذاهلاً
متعجباً، ثم أفاق من ذهوله قائلاً: ((عدلت فأمنت فنمت
ياعمر))(1).

ولم يكن عدل عمر متمثلاً في فنّ اخترعه أو فلسفة
اجتماعية ابتدعها، ولكنّ عدله كان ظلاً لما يثمره الإسلام في
نفس صاحبه المسلم، إذ يوقظه إلى مراقبة الله عز وجل، فترتكز من
ذلك محكمة ربانية تستقر جاثمة في طوايا قلبه.

والإسلام الذي
أقام هذه المحكمة في نفوس المسلمين بالأمس، لايزال يقيم هذه
المحكمة ذاتها في نفوس المسلمين الصادقين اليوم.. دعك من
المسلمين التقليديين الذين يمتطون صهوة الإسلام بحثاً عن مصالح
ومغانم شخصية لهم، ولكن قف معي أمام المسلمين الذين صدقوا مع
الله في إسلامهم، ثم غذوا إيمانهم العقلي بهذا الذي سماه ابن
عطاء الله ((شعاع البصيرة)) تجد عجيب تفاعلهم مع رقابة الله
لهم في خلواتهم وجلواتهم وخطراتهم؛ كم وكم تلوح أمامهم فرص
نادرة‌ لكسب غير مشروع، فيشيحون بوجوههم عنها، ويترفعون فوقها،
تحسباً لرقابة الله لهم. وكم فيهم من عادت به رقابة الله إلى
أيام شروده عن حماه وابتعاده عن صراطه ، فأخذ ينقب عما تسرب
إلى جيبه آنذاك من المال الحرام، يلتقطه ويعود به إلى أصحابه،
أو يضعه في مصالح المسلمين إن لم يعرفهم أو لم يتمكن من إعادته
إليهم.

والعجيب أنك قد ترى الرجل يلحد في ذات الله وآياته،
ولايقيم وزناً للدين ولا لأهله، فإذا احتاج إلى من يرعى له
مصلحة مالية، أو يمسك له دفاتر حسابية، أو يأتمنه على صفقة
تجارية، بحث للنهوض بهذه المهمة عن أكثر الناس تديناً
والتزاماً بأوامر الشرع وأحكامه، ووضع ثقته فيه من دون الناس
كلهم. فما سرّ هذه المفارقة؟.. وكيف يستقيم أن يستخف العاقل
بالدين وأهله، ثم لايثق إلا بالمتدين الصادق ولايطمئن إلا
إليه؟..

فهذه هي الرتبة الأولى، على صعيد معرفة الله والإيمان
به والالتزام بأمره. إنها رتبة الاعتماد على العقل مشفوعاً بما
يشع به من نور الحقائق العلمية.


* * *

محب الحبيب علي
12 Jan 2008, 10:22 AM
شعاع البصيرة يشهدك قربك منه، وعين البصيرة يشهدك عدمك
لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجوده، لاعدمك ولا وجودك

- الرتبة الثانية تلك التي يعتمد فيها السالك على ((عين
البصيرة))

أما الرتبة الثانية، فهي التي عبر عنها ابن عطاء الله بقوله:
((وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده)). وإليك خلاصة ما يعنيه
بهذا الكلام:

الاستدلال على وجود الله ووحدانيته وصفاته،
بالأدلة العلمية، مرحلة لابدّ منها، كما قد سبق بيانه في شرح
بعض الحكم السابقة. فإذا أخذ صاحب هذه الاستدلالات نفسه، بعد
ذلك، بورد دائم من الأذكار المأثورة، وألزم نفسه بزاد دائم من
العبادات والنوافل يثابر عليها ويستزيد منها، وفطم فمه عن
تناول المال الحرام، وبذل ما يملك من جهد للابتعاد عن المعاصي
على اختلافها، تشربت نفسه حقائق الإسلام وعقائده، وغدا الإيمان
بالله وصفاته جزءاً لايتجزأ من كيانه، ويقيناً مهيمناً على
قلبه ووجدانه.

وإذا استقرّ به الأمر عند هذه الحال، لم يعد
بحاجة إلى مقدمات منطقية يصوغها، ولا إلى أدلّة يعتمد عليها،
إذ كان دور الأدلة والمقدّمات المنطقية متمثلاً في ردّ غائلة
الشكوك وإبعاد الشبهات. ولكنه اليوم، وقد ثابر على التزود بما
قد ذكرت، تحرر من كل تلك الشكوك والشبهات، إذ غدا إيمانه بالله
وصفاته روحاً ثانية تسري داخل روحه، ففيم يبحث عن عصّي الدلائل
والبراهين ليعتمد عليها، وقد عوفي من العرج وعادت قدماه
تحملانه بكامل ما قد أودع فيها من قوة؟!(1)..


- بيان المراد بعين البصيرة، وبيان الفرق بين هذه الرتبة
والتي قبلها

إذن، فالفرق بين هذه الرتبة والتي قبلها، أن الأولى تتمثل في
اليقين العلمي، أما هذه فتتمثل في الشهود العملي.

محب الحبيب علي
12 Jan 2008, 10:22 AM
شعاع البصيرة يشهدك قربك منه، وعين البصيرة يشهدك عدمك
لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجوده، لاعدمك ولا وجودك

- بيان الثمرة التي ينالها صاحب هذه الرتبة، وهي تلاشي
المكونات أمام ناظريه وغياب ثنائية الدليل مع المدلول
أمام بصيرته

أما المزية التي ينالها صاحب هذه الرتبة، فهي أن الوجود الذاتي
للمكونات، يتلاشى أمام ناظريه، إذ إنه تجاوز المرحلة التي كان
الوجود الذاتي للمكونات، مع الله عز وجل، مظهراً لثنائية
الدليل مع المدلول، أمام بصيرته.. إنه اليوم لم يعد يرى في
المكونات شيئاً ذا وجود مستقل حتى يرى فيه الدليل المستقل عن
المدلول، ومن ثم يرى فيه البرهان الدال عليه. إنه الآن، وفي ظل
هذه الرتبة، أصبح كلما نظر إليها، لم يجد فيها إلا صفات الخالق
عز وجل.. إن نظر في النجوم والأفلاك المتلالئة في السماء، أو
تأمل في البحار والأمواج التي تهدر بها المحيطات، أو نظر في
الرياحين والزهور والنباتات والثمار، أو أتبع بصره حياة الوحوش
والحيوانات العجماوات في الأدغال، لم يجد في شيء من كل ما يراه
إلا صفات الله عز وجل. فهو يرى بعينيه المخلوق، ولا تريه
بصيرته من ذلك إلا الخالق.. وهذه هي الرتبة التي يتبوؤها أصحاب
وحدة الشهود، وقد سبق التعريف بها مفصلاً في شرح الحكمة
الرابعة عشرة.

والمهم أن تعلم أن المؤمن يتجاوز في هذه
المرحلة الحاجة إلى وساطة الأدلة، إذ لايجد بعين بصيرته أمامه
إلاّ المدلول وهو الله عز وجل أما المكوَّنات التي كان يرى
فيها مظهر البرهان والدليل، فهي الآن في حكم بصيرته
معدومة.

وليس المراد هنا بالعدم، العدم الذاتي، وإنما المراد
به عدم الفاعلية والجدوى، ذلك لأن المخلوقات لاتكون مخلوقات
إلا وهي موجودة، ولكنها مجرد أشباح لاحراك بها ولا فاعلية لها
ولا قوة فيها.

وهذه عقيدة كل مؤمن سار في معتقده على هدي
القرآن والسنة. ولكن المؤمن إذ يكون في الرتبة الأولى التي مرّ
بيانها، يخزن هذا الاعتقاد في عقله، وينساه عند الخوض في معترك
الدنيا والتعامل مع المكوّنات. أما في هذه المرحلة الثانية،
فإن عقيدته هذه تظل مهيمنة على وجدانه ومشاعره في أحواله
وتقلباته كلها. ومن ثم يظل في كل أحواله وأوضاعه وتقلباته
الدنيوية والمعيشية، أمام مشهود واحد هو الله عز وجل. وبعبارة
أخرى: إنه مهما تقلب في أموره الدنيوية والمعاشية لايتعامل إلا
مع الله ولا يرى أمامه إلا فاعلية الله وسلطانه. وربما هيمنت
عليه هذه الحال فزجته فيما يسمونه ((الفناء)) أي الفناء حتى عن
ذاته، أي زجته في حالة من عدم الشعور بها وبالآخرين.. وهذه
الحال إذ تهيمن على صاحبها، إنما تكون مظهراً من مظاهر الضعف
التي ينبغي أن يتجاوزها السالك إلى الله عز وجل.. وعندئذ يرقى
إلى المرتبة الثالثة التي سنتحدث عنها بعد قليل، والتي يسمونها
((البقاء)).

محب الحبيب علي
12 Jan 2008, 10:22 AM
شعاع البصيرة يشهدك قربك منه، وعين البصيرة يشهدك عدمك
لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجوده، لاعدمك ولا وجودك

- بيان مصدر هذه الرتبة في السنة النبوية

ومصدر هذه الرتبة بشطريها في السنة النبوية حديث رسول الله
الذي رواه مسلم بسنده من حديث عمر بن الخطاب إذ تحدث عن
الإحسان، وعرفه بقوله: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن
تراه فإنه يراك)).

ذلك لأن هذا الإحسان أثر من آثار وحدة
الشهود التي نحن بصدد بيانها وشرحها. فإن الحجاب الذي يحول دون
بلوغ المسلم رتبة: ((أن تعبد الله كأنك تراه)) رؤيته للمكونات
موجوداتٍ ذات أهمية وفاعلية. إنه، والحالة هذه، مهما وقف
متبتلاً في المظهر بين يدي الله، ومهما خاطبه بقوله: {
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا
فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ
الْغاوِينَ، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلَكِنَّهُ
أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ
كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ
تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ
كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ } { الأعراف: 7/175-176 } لابدّ أن يشرد به
الفكر والخيال إلى هذا الذي يقوم أمام ناظريه من الحجب الكونية
الكثيفة، المتمثلة في الدار والأهل والتجارة والمال.. ونحو
ذلك. ومن ثم فلن يستطيع أن يعبد الله مشدوداً ببصيرته وفكره
ومشاعره إليه، كأنه يراه.

ولكن إذا أخذ العبد نفسه بما قد
ذكرته من الوظائف التربوية والسلوكية، واستقام على ذلك مدة من
الزمن، استيقظت بصيرته لصاحب الوجود الحق الذي لاثاني له،
وغابت فاعلية الموجودات الوهمية أو الظلّية كما يقول علماء هذا
الشأن، عن بصيرته، واضمحلت كثافتها، وارتفع معنى الحجاب عنها،
إذ تغدو عندئذ أمام ناظريه مجرد مظهر لصفات الله عز وجل. فإذا
وقف يناجي الله في عباداته، خاطبه متجهاً إليه بكل مشاعره
وكيانه، كأنه يراه. وربما أوقعه الضعف تحت سلطان هذه الحالة في
الفناء عن الذات، كما قلت، إلاّ أنه أمر عارض، يمرّ ويزول،
ولسوف يستقر به الحال عند الوضع الذي كان عليه رسول الله،
غياباً عن الأغيار مع الشعور بالوجود الظلي لها.

محب الحبيب علي
12 Jan 2008, 10:23 AM
شعاع البصيرة يشهدك قربك منه، وعين البصيرة يشهدك عدمك
لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجوده، لاعدمك ولا وجودك

- فإن قلت: فهل كانت حياة رسول الله العملية في أصحابه
خاضعة لوحدة الشهود هذه؟ وبيان الجواب مفصلاً

فإن قلت: فهل كانت حياة رسول الله العملية في أصحابه، خاضعة أو
متأثرة بوحدة الشهود هذه بقطع النظر عن حالتي الفناء والبقاء؟
ألم يكن يتعامل مع الدنيا ويتقلب في غمارها، كأي واحد من عامة
الناس؟ أقول لك في الجواب:

إن المهمة التشريعية التي كلف الله
رسوله بالقيام بها، والتي شاء الله أن يجعل من رسوله نموذجاً
لأصول التعامل الإسلامي السليم والدقيق، مع الكون والحياة،
اقتضت أن يكون في علاقاته بالدنيا وأسبابها، وسيلة إيضاح للنهج
الإسلامي السليم الذي ينبغي أن يسلكه المسلمون في حياتهم
المعيشية.. وهذا لايتم إلا بإقباله إلى أمور المعايش وأسبابها
طبقاً للنهج الذي ترسمه شريعة الله عز وجل، وحسب ما هو داخل في
طوق عامة المسلمين؛ وبوسعك أن تعلم أن رسول الله ، كان يتقلب
في غمار الدنيا وشؤونها في ظاهر أمره، تنفيذاً لهذه الوظيفة.
أما سريرته الداخلية، فكانت مع الله عز وجل في كل التقلبات
والأحوال.

وآية ذلك مواقفه وأوضاعه الشخصية إذ كان ينفرد بها
مع ذاته عن الناس، خارج نطاق تعليمهم وإرشادهم، فلو تأملت في
مواقفه تلك، لرأيته سابحاً في بحر لا ساحل له من شهود الله عز
وجل، لايعكر عليه شهوده ذاك أي من المظاهر والصور الدنيوية
التي تحيط به، مع إيمانه بوجود شكليّ لها.

تأمل فيما يرويه
البخاري من حديث عبد الله بن المغفل، من وصف حال رسول الله ،
إذ كان على مشارف مكة متجهاً إليها يوم الفتح، كان مستغرقاً في
حالة من شهود الله عز وجل، يقرأ سورة الفتح يرجع في تلاوتها،
دون أن تجد نشوة النصر والظفر العظيمين إلى نفسه أو مشاعره من
سبيل. ويزيد في تصوير هذه الحقيقة ما رواه ابن إسحاق من حديث
أنس من أنه  لما وصل إلى ذي طوى، كان قد طأطأ رأسه تواضعاً
لله واستغراقاً في شكره وشهود إنعامه وفضله، حتى إنّ عثنونه
ليكاد يمسّ واسطة رحله.. لقد كان مندمجاً بكل مشاعره في حالة
من العبودية لله عز وجل، ذاهلاً بل غائباً عن كل مايبدو حوله
من مظاهر النصر النادر الفريد، وصَغار الشرك وصناديد المشركين
من حوله وبين يديه… كان مستغرقاً في حالة فاض الزمان كله فيها
بمعنى العبودية التامة لله وحده.

فهل تتألق وحدة الشهود التي
تترجم معنى الإحسان في كيان المسلم، بأبهى وأجلّ من هذا
المشهد؟!.

ثم تأمل في سيرة رسول الله إذ كان يختلي مع نفسه،
بعيداً عن المعالجات والعلاقات الاجتماعية، في ليل أو نهار،
تجده مستغرقاً في هذه الحالة ذاتها من الشهود والانصراف بكليته
إلى الله عز وجل.

أما الصحابة، فيجمعهم جامع مشترك يتمثل فيما
اتفق عليه أهل السنة والجماعة، من اتصافهم بالعدالة، ونزاهتهم
عن الفسق وموجباته.. ولكنهم يتفاوتون بعد ذلك في هذه الرتب
التي يتحدث عنها ابن عطاء الله. لن تجد فيهم من تدانت درجته
الإيمانية عن الرتبة الأولى التي تم بيانها وشرحها، ثم فيهم
الكثير ممن ارتقى إلى رتبة الإحسان هذه، رأوا الله بعين
البصيرة، دون احتياج إلى أي سند من أشعتها أي من البراهين
والمقدمات العلمية، التي نحاور ونناقش الملاحدة اليوم بها..
ولعل هذا هو الشأن بالنسبة لأكثرهم.. وفيهم من تبوؤا الرتبة
الثالثة التالية التي سنتحدث عنها الآن.


* * *

محب الحبيب علي
12 Jan 2008, 10:23 AM
شعاع البصيرة يشهدك قربك منه، وعين البصيرة يشهدك عدمك
لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجوده، لاعدمك ولا وجودك

- الرتبة الثالثة تلك التي يصل فيها السالك إلى ((حق
البصيرة))

الرتبة الثالثة هي التي يعبر عنها ابن عطاء الله بقوله: ((وحق
البصيرة يشهدك وجوده، لاعدمك ولا وجودك)).


- بيان الفرق بين هذه الرتبة والتي قبلها. وهي الرتبة
التي استقر فيها الرسل والأنبياء

ينبغي أن تعلم أن هذه هي الرتبة الثانية ذاتها، مع ملاحظة أن
يعود صاحبها من الفناء إلى البقاء.. أي أن يعود من حالة
الغيبوبة عن ذاته، وعن المكونات التي من حوله، إلى ملاحظة
الوضع الواقعي، الذي يتركز مجمله على وجود الله سبحانه وتعالى،
قيوماً على كل شيء، إليه وحده الخلق والأمر، تقوم السماوات
والأرض بأمره، يمسكهما وما بينهما بحكيم تدبيره أن تزولا، ولئن
زالتا إن أمسكهما أحد من بعده. مولياً هذه الحقيقة الكونية
إدراكه وفكره كله، غير ملتفت إلى شيء من الظلال والآثار لابحكم
وجود عليها ولا بحكم عدم… فإن التفت إليها أو تعامل معها فبأمر
من الله يلتفت إليها وتنفيذاً لشرعه يتعامل معها.

وهي الرتبة
التي إذا تبوأها الإنسان أصبح رباني المشاعر والنزعة والسلوك.
يتعامل مع الدنيا خادماً لديّانها، ويعبّد منها طريقاً يمشي
فوقه إلى مرضاة مولاه وخالقه، فكل شيء فيما يراه بعينه وفيما
يدركه بعقله من الله مبدؤه وإليه منتهاه، وفي سبيله التعامل
معه والإقبال عليه.

وهي الرتبة التي كان الرسل والأنبياء أول
المتبوئين لها والمصطبغين بها، يليهم الصديقون والربانيون،
الذي كان يفيض بهم عصر السلف الصالح، ثم امتدت منهم قلة باقية
إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. أولئك هم الذين قال الله
عنهم: { يا أَيَّتُها النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي
إِلَى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبادِي،
وَادْخُلِي جَنَّتِي } { الفجر: 9/27-30 } .

فهؤلاء،
لايتجهون في تعاملهم، إلا إلى الوجود الحق الذي هو وجود الله
عز وجل، إذ كل ما عداه فهو بالله، ويستحيل أن يكون له وجود مع
الله. وهؤلاء معافون من حالة ((الفناء)) التي قد تضطرهم إلى
قول ((ما في الجبة إلا الله)) أو ما يشبهها. لأن استغراقهم في
شهود الذات الإلهية لم يغيبهم عن المكونات، ولم يبق في نفوسهم
أي قيمة أو فاعلية لها. فهم موقنون بوجودها، ولكنهم غائبون
عنها.

ومن وعى معنى قول الله عز وجل: { وَتِلْكَ الأَمْثالُ
نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاّ الْعالِمُونَ } {
العنكبوت: 29/43 } . أدرك أن كل ما قلته عن هذه الرتبة
الثالثة مندرج في هذه الجملة القرآنية الجامعة: له الخلق.
والمخلوق موجود.. وله الأمر، والمأمور مغيَّب في حكم الآمر
وتدبيره.

اللهم بصّرنا بحقائق كتابك، وأرنا مظاهر خدمتها
لشرعك، وحققنا اللهم بذلك يقيناً وسلوكاً، ولاتجعل قصارى
نصيبنا من ذلك نصاعة القول وبراعة البيان.




* * *

محب الحبيب علي
13 Jan 2008, 04:55 PM
الحكمة السابعة والثلاثون



كان الله ولا شيء معه. وهو الآن على ما عليه كان

- شرح الفقرة الأولى من هذه الحكمة، وبيان مستندها من
كلام رسول الله

أما الفقرة الأولى من هذه الحكمة، فحديث ذكره رسول الله، وهو
موجود في الصحاح. وقد أورد البخاري في ذلك ثلاث روايات: إحداها
جاءت بلفظ ((كان الله ولم يكن شيء غيره)) والثانية بلفظ ((كان
الله تبارك وتعالى قبل كل شيء)) والثالثة بلفظ ((كان الله ولم
يكن شيء قبله)) ومن الواضح أن المعنى الذي تدلّ عليه الرواية
الثالثة هذه من مستلزمات المعنى الذي تقرره الروايتان الأولى
والثانية. فإنا إذا علمنا أن الله كان ولم يكن شيء غيره، علمنا
من باب أولى أنه لم يكن قبله شيء. إذ الشيء الذي لاوجود له مع
الله، ليس له وجود قبله من باب أولى. إذن فهذه الروايات الثلاث
متآلفة متوافقة، ولعله  أكد هذه الحقيقة الاعتقادية الكبرى،
بهذه الصياغات الثلاث ذكرها في مناسبات عدّة.

ثم إن هذه
الحقيقة نصت عليها بعبارة كلية جامعة الجملة القرآنية من كلام
الله عز وجل: { اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } { الرعد:
13/16 } .

محب الحبيب علي
13 Jan 2008, 04:56 PM
كان الله ولا شيء معه. وهو الآن على ما عليه كان

- الرد على ما توهمه الفلاسفة من القدم النوعي وبيان سخف
ذلك المعتقد

وقد أفاض علماء العقيدة في بيان الأدلة العلمية، العقلية
والنقلية، على أن كل ما عدا الله عز وجل مخلوق وحادث. وأن
القدم صفة ذاتية خاصة بالله عز وجل. وقد أطالوا في بيان أسخف
ما توهمه الفلاسفة القدامى، من أن جزئيات الموجودات هي التي
تتصف بالمخلوقية والحدوث. أما كلياتها، أي الأنواع التي تفرعت
تلك الجزئيات منها، فهي قديمة قدم الله عز وجل، أي إنها كانت
ولاتزال موجودة معه منذ الأزل الذي لا أوّل له.

وحسبي أن ألفت
نظرك إلى البرهان الذي ما ينبغي أن يغيب عن إدراك عاقل، من أن
العجز الذي تعاني منه جزئيات الموجودات، والذي يحوجها إلى موجد
ينقلها من ظلمات العدم إلى ساحة الوجود، هو ذاته العجز الذي
تعاني منه كليات تلك الأجزاء، بل إن العجز لم يسر إلى الجزئيات
إلا من كلياتها.. ثم إن الشادين من طلاب الفلسفة والمنطق،
يعلمون أن الكلي لايتقوم إلا بجزئياته. أي فحيثما وجد الكلي
لابدّ أن تكون جزئياته ماثلة في قوامه. فإذا صحت دعوى القدم
النوعي، أي الكلي، للأشياء، إذن لابدّ أن تتبعها بالضرورة دعوى
قدم الجزئيات بل الأجزاء أيضاً، التي لايستقيم وجود ما هو كلّي
إلاّ بها(1).

إذن، فالفقرة الأولى من هذه الحكمة، ترسيخ
وتأكيد لحقيقة من أهم حقائق العقائد الإسلامية، ولسنا الآن
بصدد ذكر أدلتها العلمية التي تتمثل في بطلان تسلسل العلل غير
الذاتية إلى ما لانهاية، وفي ‌بطلان الدور، وفي بطلان القول
بترجيح الشيء على غيره بدونمرجح. وإن كنت حريصاً على الرجوع
إلى تفاصيل هذه البراهين، فارجع إلى بحث ((سرمدية العالم
ووحدته)) من كتابي (نقض أوهام المادية الجدلية)، أو إلى
الصفحات من 78 إلى 96 من كتابي (كبرى اليقينيات الكونية).


* * *

محب الحبيب علي
13 Jan 2008, 04:56 PM
كان الله ولا شيء معه. وهو الآن على ما عليه كان

- شرح الفقرة الثانية منها، وهي قوله: ((وهو الآن على ما
كان عليه))

أما الفقرة الثانية التي جاءت الأولى تمهيداً وتأسيساً لها،
فهي قوله رحمه الله ((وهو الآن على ما عليه كان)).

أي كما أن
الله عز وجل لم يكن معه شيء في ظلمات الماضي القديم، قبل أن
توجد المكونات، فهو الآن أيضاً ليس معه شيء. لم يختلف الزمن
الحاضر عن الأزل والماضي السحيق في هذه الحقيقة قط، بل لن
يختلف الماضي والحاضر في ذلك عن المستقبل الآتي أيضاً.

محب الحبيب علي
13 Jan 2008, 04:57 PM
كان الله ولا شيء معه. وهو الآن على ما عليه كان

- الرد على من يقول: فها هي ذي السموات والأرض والأفلاك
موجودة أيضاً مع الله، وتفصيل القول في ذلك

وأصحاب الاستعراضات السطحية العاجلة لما يقرؤون أو يسمعون،
لابدّ أن يستنكروا هذا الكلام، وأن يعدّوه تحدياً باطلاً
للمشاهدات المحسوسة. فهاهي ذي السماوات والأرض والأفلاك
والحيوانات موجودة أيضاً مع وجود الله عز وجل.

ولكي تتجلّى
الحقيقة الكامنة وراء هذه النظرة السطحية العجلى، يجب أن
نتساءل: أتشترك المخلوقات التي نراها مع الله عز وجل في صفة
الوجود؟ لاتستطيع أن تقول في الجواب: نعم، إنها تشترك معه في
صفة الوجود، إلا إن استطعت أن تقول عن الطفل الصغير الذي يوقفه
والده على قدميه بيديه إذ يمسكه بهما: إنه يشترك مع والده في
صفة الوقوف على القدمين.

إن من الأمور البدهية أن الطفل في
هذه الحال إنما يقف على قدميه بإيقاف والده له، فهو ما دام
يمسكه بيده، يشدّه إلى الأعلى، يظهر بمظهر الواقف كأبيه، فإذا
تركه خرّ واقعاً على الأرض، إذن فوقوفه متحقق بأبيه، لا مع
أبيه. وكم بين العبارتين من الفرق الشاسع الكبير.

فكذلكم
المخلوق بالنسبة للخالق، إن الله هو الذي أمدّه بصفة الوجود
ابتداء، وهو الذي يمتعه بهذه الصفة دواماً، أي إن استمرار وجود
المخلوق أياً كان، باستمرار إمداد الله له بالوجود لحظة فلحظة،
فلو تخلّى الله عنه فلسوف يتحول في اللحظة ذاتها إلى هلاك
وعدم.. فكيف يكون المخلوق شريكاً مع خالقه في صفة لايملك أن
يستبقيها عنده لحظة واحدة؟

ومن هنا قال رسول الله : أصدق ما
قاله لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل
………………………



أي كل شيء ما خلا الله في حكم المعدوم، وليس
بينه وبين أن يتبين لك هلاكه وبطلانه، سوى أن يتخلّى الله عنه،
أي سوى أن ينتهي الإمساك الذي عبرّ عنه بيان الله بقوله: {
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا }
{ فاطر: 35/41 } .

ولكن فما المعنى السلوكي أو التربوي الذي
يذكّر به ويدفع إليه ابن عطاء الله، من وراء بيان هذه
الحقيقة؟

المعنى التربوي الذي ترسخه هذه الحقيقة في نفس
المؤمن، هو حصر الربوبية، ومن ثم الألوهية، في ذات الله وحده،
فلا يرجو الخير إلاّ منه، ولايخاف الضرّ إلا منه، وإذن فلايتكل
إلاّ عليه، ولا يتخذ لنفسه ولياً من دونه. له وحده كل حبّه،
ومنه فقط كل رجائه.

ومن شأن هذا المعنى التربوي، أن لايشغله
شيء من المكونات التي يراها حوله عن الله عز وجل، ولايحجبه
عنه، بل الشأن فيها أن تذكره بالله عز وجل إن نسيه، وأن يعيش
منها مع صفاته ومظاهر آلائه كلما رآها أو تعامل
معها.

ولايتحقق العبد بتوحيد الله عز وجل، إلاّ إن أدرك
الحقيقة التي يقولها ابن عطاء الله بيقينه العقلي، وهي أنه ليس
مع الله أي موجود لا اليوم ولا من قبلُ ولا من بعدْ، ثم اصطبغ
وجدانه بهذا المعنى التربوي.

وملاك هذا الأمر أن تكون على
بينة من الفرق بين الوجود مع الله وهو باطل ومستحيل، وبين
الوجود بالله وهو ثابت وحق.

محب الحبيب علي
14 Jan 2008, 12:01 PM
الحكمة الثامنة والثلاثون



لا تتعدّ نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال

- هذه الحكمة تأتي كالنتيجة للحكمة التي قبلها

هذه الحكمة تأتي بعد الحكمة السابقة، كالنتيجة بعد
المقدمة.

إذ قد عرفنا لدى تأملنا في الحكمة السابقة ودراستنا
لها، أن صاحب الوجود الحق، أي واجب الوجود، واحد لاثاني له هو
الله عز وجل. فهو الذي وجوده من ذاته وليس فيضاً من غيره،
ومن ثم فهو صاحب الوجود الأزلي الذي لا أول له. ثم عرفنا
أنه كان ولايزال المتفرد بالوجود الحق أي الوجود الذاتي
الواجب، فمهما رأيت اليوم مكوَّنات من حولك ومن فوقك، فليس لها
أي وجود ذاتي مع الله، وإنما هي موجودة لحظة فلحظة بالله أي
بمدد سارٍ إليها من الله.

وإذ قد عرفنا ذلك، فلابد إذن أن
نعرف بأن سائر المخلوقات التي حولنا، لاتملك بحدّ ذاتها حولاً
ولا قوة، ولا نفعاً ولا ضراً. وكيف تملك ذلك أو شيئاً منه، وهي
لاتملك وجودها الذي هو مصدر كل المزايا والقدرات. فالناس أياً
كانوا بقدرة الله يتحركون، وبسلطانه ينشؤون ويعمرون
ويحكمون..

فإذا اصطبغ عقلك بهذا اليقين، واستقر علماً وحقيقة
في فؤادك، فذلك هو التوحيد الذي ألزمنا الله به، وهو المعنى
المنطوي في الكلمة التي وصفها بيان الله تعالى بالكلمة الطيبة:
{ وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ
وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ
مَسْؤُولاً } { الإسراء: 17/36 } .

فكيف يكون سلوك من ترسخت
في عقله حقيقة هذا التوحيد؟

عند الإجابة عن هذا السؤال، يأتي
دور النتيجة أو الثمرة التي لابدّ أن تزدهر بها الحكمة
السابقة، وهي قول ابن عطاء الله: ((لاتتعدَّ نية همتك إلى غيره
فالكريم لاتتخطاه الآمال)).

محب الحبيب علي
14 Jan 2008, 12:02 PM
لا تتعدّ نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال

- إذا علمنا أن ليس مع الله أحد، إذن يجب أن لاتتعلق
آمالنا إلا بصاحب الوجود الحق وحده، وبيان ذلك

إذا علمنا أن ليس مع وجود الله، وليس مع قدرته أي قدرة، وليس
مع كرمه أي كرم أو كريم، وليس مع مالكيته أي مالك، وليس مع
غناه أي غني.. إن بدا لك وجود شيء من ذلك، فهو من الله وبالله
وإليه، أقول: إذا علمنا ذلك، فبمن يجب أن تتعلق آمالنا؟

يجب
أن تتعلق بمن يملك وحده كل المعاني والصفات التي ذكرتها.

وقد
عرفت أن الذي يملك الوجود وثمرات الوجود واحد لا ثاني له هو
الله عز وجل… إذن يجب أن لاتتخطّى الآمال، أياً كان نوعها،
وأياً كانت تطلعاتها، يجب أن لاتتخطى الآمال الواحد الأحد، وهو
الله عز وجل.

وإذا تعلقت منك الآمال بالرزق، فاتجه بها إلى من
بيده وحده خزائن السموات والأرض وهو الله.. وإذا تعلقت منك
الآمال بالصحة والعافية فتوجه بها إلى الله الذي قال عنه خليله
إبراهيم { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي
تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ
اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الأَرْضَ
بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَتَصْرِيفِ
الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ
وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } { البقرة: 2/164 }
.. وإذا تعلقت منك الآمال بالطمأنينة والسعادة والأمن، فاتجه
بها إلى الله القائل: { وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ
كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا
يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها
وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كَالأَنْعامِ
بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ } { الأعراف:
7/179 } .. وإذا تعلقت منك الآمال بمنعة تتحصن بها ضدّ ظالم
أو عدو، فاتجه بها إلى الله الذي خاطب موسى وأخاه هارون
قائلاً: { وَلَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما
تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ
حَبْلِ الْوَرِيدِ } { ق: 50/16 } .

ولعمري إن الذي تتجه
منه الآمال، ابتغاء أي من هذه الحاجات، إلى غير الله وحده،
مشرك وليس موحداً. ومهما ردّد الكلمة الطيبة { وَهُوَ
مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ } { الحديد: 57/4 } فإن ترداد
لسانه لها، مع تعلق آماله بغير الله عز وجل، لايجعله من
الموحدين.

فإن قلت: فما بال موسى وهارون أعلنا الخوف من فرعون
قائِلَيْن: { إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ } {
الفاتحة: 1/5 } أقول لك: إنهما اتجها بآمالهما في التخلص من
طغيان فرعون إلى الله، لا إلى فرعون. إذ كان سؤالهما له
ورجاؤهما منه، وكان الأمل الذي توجّها به إلى الله عز وجل، أن
لايسلط الله فرعون عليهما بأي إساءة أو طغيان. فكان هذا التوجه
منهما بهذا الرجاء منتهى التوحيد لذاته العلية وصفاته السنية،
ولذلك طمأنهما الله عز وجل في الجواب الذي خاطبهما به إذ قال:
{ ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ } {
الواقعة: 56/13-14 } .

وإذن، فتوحيد الاعتقاد والقول
اللساني، لابدّ أن ينبني عليهما توحيد التطلعات السلوكية
والعلاقات الاجتماعية. وهو، أي هذا التوحيد الثاني، هو ما أمر
وأوصى به رسول الله  سيدنا عبد الله ابن عباس، إذ قال له -
وكان قد أردفه رسول الله خلفه -: ((ياغلام، إني أعلمك كلمات،
احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله،
وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن
ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك. وإن اجتمعوا
على أن يضروك بشيء لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت
الأقلام وجفت الصحف))(1).

وهما (أي توحيد الاعتقاد والقول
اللساني) ليسا توحيدين كافيين في الحقيقة، وإنما هي العقيدة
التي يجب أن لاتنفصل عن ثمراتها التطبيقية.


* * *

محب الحبيب علي
14 Jan 2008, 12:02 PM
لا تتعدّ نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال

- هل في هذا التوحيد الذي يدعونا إليه ابن عطاء الله ما
يتعارض مع الدعوة إلى الانبعاث في مناكب الأرض للتعامل مع
الأسباب؟ بيان الجواب بتفصيل

والآن.. هل في هذا التوحيد الذي يذكرنا به ابن عطاء الله بل
الذي يأمرنا به الله عز وجل، ويوصينا به رسول الله في مثل هذا
الحديث، ما يتعارض مع الانبعاث في مناكب الأرض للتعامل مع
الأسباب الكثيرة المتنوعة؟

بوسعك أن تعرف الجواب من استعمال
ابن عطاء الله في حكمته هذه لكلمة ((الآمال)).. إن المطلوب منك
أن لاتتجاوز آمالك المشفوعة بالهمة والنية، الكريم الذي هو
الله عز وجل.

فإذا تحقق التوجه بالقصد والأمل إلى الواحد الذي
لاثاني له، فالتعامل بعد ذلك مع الأسباب.. أسباب الرزق
والعافية والقوة والأمن والطمأنينة والعلم والمعرفة، تنفيذ
لأمر الله وجزء لايتجزأ من توحيد الله.

وإذا كان هذا واضحاً،
فينبغي أن تعلم أنه لافرق بين الأسباب المادية المتمثلة في
الكدح للرزق والطعام للشبع والدراسة للعلم.. إلخ وبين أسباب
الرحمة الإلهية ووسائلها، كمكانة الرسل والأنبياء، لاسيما
خاتمهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومكانة الصالحين
المقربين إلى الله من بعدهم.

فإن الله كما أقام من المطر
سبباً للنبات، وأقام من الطعام سبباً للشبع وأقام من الدواء
سبباً للشفاء، أقام من مكانة رسول الله عند ربه ومن حبه له
سبباً لرحمة العباد وشفاعتهم، ألم يقل الله عز وجل: { أَلا
لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ } { الأعراف: 7/54 } ألم يقل:
{ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُوكَ
فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّاباً رَحِيماً } { النساء: 4/64 }
.

إذن، فكما يجوز للمسلم أن يتوسل بالدواء إلى الشفاء،
وبالطعام للشبع، وبالماء للري، وبالكدح للرزق، يجوز أيضاً أن
يتوسل برسول الله لاستنزال رحمة الله، والحصول على آماله من
الله عز وجل.. على أن لايغيب عن باله أن الوجود الحق الذي لا
ثاني له هو وجود الله عز وجل، وأن الخلق له والأمرَ إليه، وأن
لاحول ولا قوة لشيء إلا بالله عز وجل. وأن يعلم أنه إنما
يتعامل مع هذه الأسباب ويقف عندها، لأن الله أمره بذلك فهو في
مشيه في مناكب الأرض باحثاً عن الرزق، وفي إقباله على الطعام
عند الجوع، وإلى الشراب عند الظمأ، وإلى الدواء عند المرض،
إنما ينفذ أمر الله وشرعته، كذلكم الحال عندما يتوسل برسول
الله أن يرحمه الله ويلطف به ويصلح حاله، إنما يتوسل به لأن
الله أقام منه وسيلة لذلك كله تكريماً له، أي فالرحمة واللطف
وصلاح الحال إنما يأتي ذلك كله من عند الله تعالى. وهل في
الخلائق كلها من يملك أن يرحمك أو يصلح حالك أو يرفع عنك الضر،
إلا الواحد الأحد جل جلاله!.. ولكنا تلقينا من الله الأمر بأن
نتعامل مع النظام الذي أقام كونه هذا على أساسه، وأن ننقاد له
طاعة له وتنفيذاً لأمره عز وجل. ولاشك أن هذا الانقياد بهذا
القصد جزء لايتجزأ من توحيد الله تعالى.

والعجيب أن تجد في
الناس من إذا سمع أحدهم مريضاً يقول لطبيبه، وقد أمضّه الألم،
أرجوك أيها الطبيب أن تخلصني من هذه الأوجاع، لايبالي بهذا
الكلام ولايستنكره، ولايرى في هذا الطلب من الطبيب ما يخدش
التوحيد. فإذا اتجه هذا الإنسان ذاته إلى الله قائلاً: اللهم
إني أتوسل إليك بنبيك محمد، ، أن تشفيني من هذه الآلام، قام
في وجه مكفراً ومشرّكاً، وربما أمره أن يجدد إسلامه!...

فما
الفرق بين السببية الجعلية التي قضى الله بها في الدواء
للشفاء، والسببية الجعلية التي قضى الله بها في مكانة رسول
الله والتوسل به للشفاء ذاته؟..

مع العلم، الذي لايجوز أن
يغيب عن بال أحد أنها سببية جعلية هنا وهناك، فالله هو الشافي
والمعافي، ولكنه شاء لحكمة باهرة، أن يشفي المريض عند تناوله
الدواء، أو عند توسله إلى الله للأمر ذاته بحبيبه محمد عليه
الصلاة والسلام، أو عند توسله إلى ذلك بشربه من ماء
زمزم.

وأعجب من هذا وأغرب، أولئك الذين يفرقون بين حياته صلى
الله عليه وسلم ومماته، فيرون التوسل برسول الله مشروعاً في
حياته، وغير مشروع بعد وفاته!!..

ولاريب أن هؤلاء الناس
يفهمون أن التوسل إنما هو بقوة رسول الله الجسدية وسطوته
المادية، ونظراً إلى أن ذلك يزول بوفاته، فإن التوسل به بعد
وفاته يغدو شيئاً لامعنى له ولا فائدة منه.

ولاشك أن الذي
يتصور أن محمداً عليه الصلاة والسلام يملك قوة ذاتية بها يحقق
للناس رغائبهم فهو متورط من ذلك بشرك خطير. إن القوة الذاتية
إنما هي قوة الله وحده وصدق الله القائل: { لَيْسَ لَكَ مِنَ
الأَمْرِ شَيْءٌ } { آل عمران: 3/128 } .

من المعروف
والثابت بداهة أن التوسل المشروع الذي نتحدث عنه إنما هو
بالمكانة التي أولاها الله تعالى لرسوله والمزية التي متعه
بها، إذ جعل منه باباً للدخول على الله في طلب مغفرة أو شفاعة،
أو شفاء من مرض، أو التخلص من غم وهم، أو نحو ذلك من الحاجات
الإنسانية التي ينبغي أن يطرق بها أحدنا باب الله عز
وجل.

والمكانة التي يتمتع بها رسول الله، لاتنطوي ولاتنسخ بعد
وفاته، معاذ الله، من قال هذا؟ إن مقام رسول الله عند ربه باق
مستمر، وهو في علوّ دائم، وما الدعاء الذي ندبنا إليه رسول
الله بعد الأذان إلا دليل ناطق بذلك.


* * *

محب الحبيب علي
14 Jan 2008, 12:03 PM
لا تتعدّ نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال

- إياك أن تتوهم أن مانسميه أسباباً، فيه قوة مودعة، بها
تؤثر، بيان بطلان هذا الوهم علمياً وبيان خطره على
التوحيد

ثم إياك أن تتوهم أن ما نسميه أسباباً فيه قوة مودعة بها تؤثر.
فإن هذا الوهم يستلزم أن تكون القوة المودعة المزعومة ذات وجود
ذاتي مستقل في الكون، وتقتضي أن الله عمد إليها فأودعها في بعض
المكونات لتعطيها القدرة والفاعلية!.. فهل هذا إلا الشرك
الصريح الواضح بذاته؟.. ما الفرق بين أن تتخذ الأوثان أو
الأشخاص آلهة مع الله، وبين أن تتخذ ما تسميه بالقوة المودعة
إلهاً معه؟ ألست تزعم بهذا أن الله عز وجل عثر من هذه القوة
النادرة الرائعة، على ما يستعين به لإيجاد الأسباب الكونية
وتمكينها من الفاعلة وتحقيق النتائج المطلوبة فأخذها وبثّها في
كل هذه الأشياء التي شاء أن يجعل منها أسباباً بفضل هذه القوة
الفريدة؟

إما أن هذه القوة هي قوة الله عز وجل، إذن فهي تظل
منسوبة إليه ولاتنفصل عنه لتتحول إلى وديعة فيما يسمى بفضلها
أسباباً. فنقول إننا شبعنا بقدرة الله وحكمه لدى تناول الطعام،
وشفينا بقدرة الله ولطفه لدى أخذ الدواء.. إلخ.

وإما إن هذه
القوة ليست قوة الله عز وجل، فعندئذ يتسنى لك أن تتوهم بأنها
شيء مستقل عن ذات الله عز وجل، مودَع وموضوع فيما نسميه
أسباباً. ولاشك أنك نتخذ عندئذ من هذه القوة الذاتية المأخوذة
من هنا والموضوعة هناك، شريكاً مع الله عز وجل. بل إنك لتجعل
منها عندئذ الشريك الأقوى الذي لاتتأتى ألوهية الله إلاّ
بالاستعانة به، تعالى الله عن هذا الوهم المتهافت الباطل علواً
كبيراً، وصدق الله القائل: { اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ }
{ الرعد: 13/16 } والقائل: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ
السَّماواتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا } { فاطر: 35/41 }
والقائل: { لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ } { محمد: 47/19 }
والقائل: { وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } { الشعراء:
26/80 } .

قل لي.. أين بقي مكان القوة المودعة في هذه
القرارات التي تقرؤها في هذه الآيات؟!..

ألا إن الكون كله
بسائر ما فيه من تحركات وتموجات وأطوار، كبرت أو صغرت، ظهرت أو
خفيت، ينشد بين يدي إلَهـه الحي القيوم تسبيحاً لا يفتر عنه،
وتوحيداً لايسكت عنه، إنه نشيد: لا حول ولاقوة إلا
بالله.

فاللهم أحينا وأمتنا واحشرنا على هذا النشيد يهيمن
يقيناً على عقولنا، ووجداناً في قلوبنا، وذكراً على ألسنتنا،
واجعل من ذلك شفيعاً لنا بين يدي كل إساءة وتقصير.




* * *

ناصح محب
14 Jan 2008, 11:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

ما شاء الله

محب الحبيب علي
15 Jan 2008, 09:12 AM
الحكمة التاسعة والثلاثون



لا ترفعنّ إلى غيره حاجة هو موردها عليك. فكيف يرفع غيره
ما كان هو له واضعاً؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه
فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً؟

- لاتزال سلسلة هذه الحكم المتلاحقة تتلاقى على تأكيد
وحدانية الله

لاتزال سلسلة هذه الحكم المتلاحقة تتلاقى من جوانب متعددة،
وبأساليب شتى، على بيان وحدانية الله عز وجل في ذاته وصفاته
وأفعاله، وأن الذي يتصرف في الكون كله واحد لاثاني له. ثم ينبه
ابن عطاء الله من خلال ذلك إلى أن على العبد أن لاينصرف بآماله
وآلامه ورغباته إلاّ إلى هذا الإله الواحد، وأن لايشرد عنه إلى
الآخرين الذين هم مثله في العجز والضعف والمملوكية لله عز
وجل.

وهو رحمه الله، لايخرج عن هذا التنبيه وهذه النصيحة، في
حكمته الجديدة هذه. ولكنه ينطلق هنا إليها من حجة منطقية،
وعلمية مجردة، دون أن يلزمك بقرار غيبي أو نصّ ديني.

إنه
يقول: إذا نزلت بك حاجة أو طافت بك مشكلة ما فابدأ قبل كل شيء
بالبحث عن مصدر تلك الحاجة أو المشكلة، من الذي أنزلها بك أو
ابتلاك بها، فإذا علمت الفاعل أو المتسبب فاتجه إليه، واطلب
منه أن يرفع عنك البلاء الذي أنزله بك أو الحاجة التي حمّلك
إياها.

محب الحبيب علي
15 Jan 2008, 09:12 AM
لا ترفعنّ إلى غيره حاجة هو موردها عليك. فكيف يرفع غيره
ما كان هو له واضعاً؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه
فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً؟

- ينطلق ابن عطاء الله من حجة منطقية على أن المسؤول عن
رفع البلاء ينبغي أن يكون من ابتلاك به، وأن المسؤول عن
تحقيق احتياجاتك هو من أنزلها بك

ويبين رحمه الله الحجة المنطقية في هذه النصيحة، قائلاً: كيف
يتسنى لكائن من كان أن يرفع عنك من الحاجة أو البلاء، ما قد
وضعه فيك أو جرّك إليه غيره؟ يقول المنطق: إن الذي ساق إليك
واقعة ما، أياً كانت، خيراً أم شراً، هو لاغيره الذي يتمكن من
جذبها عنك. إذ إن من بيده قوة الإرسال والدفع، هو الذي يكون
بيده قوة الجذب والرفع.

إن الالتزام بهذه النصيحة المنطقية
العلمية البعيدة عن غيبيات الدين ودوافع التقيد بالنصوص، يقتضي
أن تبدأ فتساءل عقلك.. عقلك المتحرر عن أي أسبقية أو تحيز: ما
هو، أو من هو الذي يسري إليك منه الخير بكل أنواعه، والشر بكل
صنوفه وألوانه؟

ولقد علمت مما تم شرحه وبيانه من خلال دراسة
الحكم السابقة، أن كل ما يتراءى لك من حركة أو فاعلية أو قدرة،
في الكون، فإنما هو سارٍ إليه من عند الله عز وجل. وقد علمت أن
الله لو قطع حوله وقوته عن هذه المكونات لتحولت إلى حطام
وأنكاث. وقد تم بيان ذلك بأدلة منطقية وعلمية، قبل أن نستند
فيها إلى معتقدات غيبية أو نصوص دينية.

كما عرفنا أن ظاهرة
الأسباب المنتثرة والمنتشرة في الكون، ما ينبغي أن تحجبنا عن
إدراك هذه الحقيقة، أو أن تمدّ أي غاشية من الإشكال أو اللبس
عليها. إذ قد علمنا أنها أسباب جعلية أي إن الله جعل منها
أسباباً عندما قضى باقترافها لما يخلقه الله عز وجل مما قد شاء
خلقه بمحض قدرته وتقديره. بل لقد عرفت أنه ليس فيما نسميه
أسباباً أي قوة مودعة فيها لتمارس بها وظيفة السببية، وإنما
يخلق الله ما نسميه مسبباً بمحض قدرته، عند اقترانه بما
اصطلحنا على تسميته سبباً. والمراجع التوحيدية فياضة بعرض
الأدلة التفصيلية العلمية على ذلك.

فإذا استقرت في أذهاننا
هذه الحقيقة، علمنا بيقين أن الحاجات التي تنزل بنا، أو
المشكلات التي تعترضنا، أو النعم التي نتمتع بها، إنما يفد ذلك
كله إلينا من الله عز وجل، بقطع النظر عن البريد الذي قضى الله
أن يسخره لحمل هذه الحاجات أو المشكلات أو النعم إلينا.

إذن،
فأي باب نطرق، عندما نبحث عمن يقضي لنا الحوائج، أو يزيح عنا
المشكلات، أو عندما نبحث عمن نشكره على العطايا والمنح؟

ماذا
يقول المنطق في الإجابة عن هذا السؤال؟

يقول المنطق: يجب أن
تعود بالحاجة التي تلاحقك، إلى من قد أنزلها فيك وأخضعك لها؟
وأن تعود لحلّ المشكلة التي نعاني منها إلى من قد ابتلاك بها،
وأن تعود لشكر النعمة والعطايا إلى الذي متعك بهما. وقد علمت
أنه الله وحده، لايشركه في ذلك أحد، وليس من قبله، ولا من
بعده، ولا معه من ينوب عنه أو يعينه في شيء من ذلك.

ولكي تقوى
على تنفيذ هذا الذي يقضي به المنطق، يجب أن تنسى الوسائط وسعاة
البريد، وأن تخترق بعقلك وإدراكك الصور المتحركة إلى ما
وراءها.

محب الحبيب علي
15 Jan 2008, 09:13 AM
لا ترفعنّ إلى غيره حاجة هو موردها عليك. فكيف يرفع غيره
ما كان هو له واضعاً؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه
فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً؟

- يا عجباً لمن يتجاوز الوسائط والأسباب في معاملاته
الدنيوية مع الأشخاص، ثم يقف عندها ويدين لها في معاملاته
مع الله!.. بيان وشرح

والعجيب الذي يبعث على التساؤل، أن هذا النسيان للوسائط
والأسباب سهل جداً لدى التعامل مع الوسائط والوسائل الدنيوية
التي تتحرك مابين الفئات والأشخاص. فليس في الناس من إذا أخذ
جائزة مالية من موظف أو ساعي بريد، ينسى الثريّ الذي أرسلها
إليه، أو المؤسسة التي اختصته بها، ويتجه بالشكر والحب وعبارات
الفرح والامتنان إلى المسكين الفقير ساعي البريد.. وقس على هذا
المثال الأمثلة الكثيرة الأخرى.

غير أن هذا النسيان ذاته
للوسائط والأسباب يكون في غاية الصعوبة والعسر، عندما تكون هذه
الوسائط قائمة بين العبد وربه عز وجل.. تفد إليّ النعمة من
الله عز وجل عافيةً، غنىً، ثقافة وعلماً، طمأنينة وأمناً..
إلخ. فيغيب عن فكري المنعم المتفضل، ولا أذكر إلا الوسائط التي
أقام الله منها خادماً لمننه وعطائه. فأذكر تجارتي التي ازدهرت
بالنجاح، والطبابة الجسيمة والرياضة البدنية التي أكسبتني
العافية والنضارة، والانكباب على الدراسة وأسبابها مع نباهتي
التي أعتز بها، والتي أكسبتني عمق المعرفة واتساع العلم. وكلها
لايعدو في الفاعلية والقيمة عن كونها سُعَاةَ بريد، وخدماً
واقفين على تنفيذ أوامر الله.. ولكن يا للعجب!.. إنني مع هذا
أنسى المتفضل الفعال، وأذكر في مكانها هؤلاء الخدم الذين
لايتأتى منهم إلا تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم من المنعم
المتفضل الوهاب.

وهذا الذي أقوله عن النعم والأعطيات الوافدة
إلينا من الله، ينطبق أيضاً على الابتلاءات والمصائب الوافدة
إلينا منه.

تنتقص حقوقنا، وتستلب أوطاننا، فنتذكر الأيدي
المستخدمة، والوسائل المرسَلة، ونحدّق النظر فيها، دون أن
نتذكر الحقيقة الساطعة التي ما ينبغي أن تغيب عن بال عاقل آمن
بالله عز وجل، وهي أن هذه الأيدي المستخدمة والقوى المتحكمة،
ليست إلا جنداً يتحركون تحت قهر الله وسلطانه، إيقاظاً
وتأديباً لنا، بمقتضى سنة ربانية ماضية أخبرنا عنها وألزم ذاته
بها.

تحتبس الأمطار، ويمضي الشتاء أو يكاد، والأرض ما تزال
جافة قاحلة، فنتيه عن الإله المتصرف في الكون الفعال لما يريد،
ولا نتذكر إلا الوسائط التي لاشأن لها ولا قيمة: هي دورة
ثلاثينية تأتي بها الطبيعة في ميقاتها المتكرر على رأس كل
ثلاثين عاماً.. أو هي أثر من آثار الخروق التي أصابت طبقة
الأوزون.. أو هي من نتائج الوهج الحراري الذي ألحق اضطراباً
بالتوازن الطبيعي وعلاقة ما بين الأقاليم.

فهل في العقلاء من
يجهل أن هذه الافتراضات كلها، على تقدير صحتها، ليست أكثر من
خدّام صغار على مسرح الطبيعة، ينفذون الأوامر الصادرة إليهم من
الله؟.. كيف لايغيب عن ذهن العاقل أن محرك السيارة ليس هو الذي
يسيرها، وأن المقود الذي فيها ليس هو الذي يوجهها، وإنما الذي
يسيرها ثم يوجهها، هو السائق الذي يتحكم بها، وليست الأجهزة
التي بين يديه والتي تحت قدميه، إلاّ أدوات تشتغل لحسابه
وتتحرك تحت سلطانه؟ حتى إذا وقف أمام المحركات والأجهزة
الشكلية التي تبدو وكأنها هي التي تسيّر هذا الكون حبس بصره
وبصيرته عندها وغاب عنه مسيّرها الحقيقي الأوحد، وهو الله عز
وجل!..

يا للعجب!.. أليس الكون كله، مهما عظم، كهذه السيارة
مهما صغرت؟ أليست حركة هذا الكون ووظائفه وتسياره عائدة إلى
الإله الذي خلقه ثم نظمه ثم ساسه ودبره، كما أن حركة السيارة
ووظائفها عائدة إلى ذلك الجاثم فيها المتحكم بأجهزتها ومقودها،
ولله تبارك وتعالى المثل الأعلى؟!..

على أن المراد بضرورة
نسيان الوسائط والأسباب الشكلية، ليس الإهمال السلوكي أو
الإعراض عن الالتزامات الأخلاقية والأدبية تجاهها، وإنما
المراد، أو المطلوب، أن يستقر في يقينك الاعتقادي أنها مجرد
وسائط شكلية، لا أثر لها ولا فاعلية فيها.

أما التعامل معها
فمطلوب، لأنها مظهر للنظام الذي أقامه الله وارتضاه، والخضوع
لهذا الذي أقامه الله وارتضاه، جزء لا يتجزأ من الخضوع لسلطان
الله وأمره، وقد سبق بيان ذلك في شرح بعض الحكم
السابقة.

ونعود في بيان المزيد من هذا الأمر إلى مثل ساعي
البريد، فإنك على الرغم من معرفتك لهويته، ومعرفتك بالجهة التي
أرسلت إليك الجائزة المالية، تتجه إلى ساعي البريد بلسان شاكر،
وربما أكرمته بشيء من المال.. إنه بعض ما يقتضيه أدب التعامل
وذوق التواصل الأخلاقي. والإسلام كان ولايزال سبّاقاً إلى
رعاية هذه القيم ألم يقل رسول الله : ((من لم يشكر الناس لم
يشكر الله))(1).

فإذا تبين لك الآن أنه ما من حاجة تنزل بك أو
مشكلة أو مصيبة تحوم (والعياذ بالله) حولك، إلاّ وهي وافدة
إليك من الله عز وجل، فإلى من تعود للعمل على قضاء هذه الحاجة،
أو حلّ المشكلة أو صرف المصيبة؟

يقول لك العقل، أياً كان صاحب
الرأس الذي هو فيه، يجب أن تعود، في ذلك، إلى الله. إذ منه
وفدت إليك الحاجة أو المشكلة، ومن ثم فهو الذي يملك أن يرفعها
عنك.

ومعنى العود في ذلك إلى الله، أن لاتعلق آمالك إلا به،
وأن تعلم مستيقناً أن الوسائط مهما تكاثرت أو تسلسلت، فليس
فيها أي فاعلية أو تأثير مع الله عز وجل، وذلك طبقاً لما تم
بيانه وتأكيده.

محب الحبيب علي
15 Jan 2008, 09:15 AM
لا ترفعنّ إلى غيره حاجة هو موردها عليك. فكيف يرفع غيره
ما كان هو له واضعاً؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه
فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً؟

- أقبل إلى عالم الوسائط والأسباب، وتعامل معها، على أن
لاتنسى خالقها ومسببها

فإذا علمت ذلك، وذابت من أمام ناظريك حجب الأسباب والوسائط،
وظهرت أمامك جلية واضحة فاعلية الله عز وجل، وتجلى حكمه
وسلطانه لك في كل سكنة وحركة، فأقبل عندئذ إلى عالم الأسباب
وعاملها طبق ما أقامها الله فيه من مظهر السببية الجعلية،
والوساطة الشكلية.. وأشعر نفسك أنك إنما تلبي في ذلك وظيفة
كلفك الله بها، وأدباً أقامك الله فيه، على أن لاتنسى للحظة
واحدة أن قيام الكون كله إنما هو على قراري خلق الله وأمره
فبقرار من خلق الله وجد، وبقرار من الأمر الرباني الصادر إليه
ينشط ويتحرك، وصدق الله القائل: { مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً
طَيِّبَةً } { النحل: 16/97 } .

محب الحبيب علي
15 Jan 2008, 09:16 AM
لا ترفعنّ إلى غيره حاجة هو موردها عليك. فكيف يرفع غيره
ما كان هو له واضعاً؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه
فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً؟

- اِجعل من هدي رسول الله في قصة هجرته قدوة ودليلاً لك..
مثال من تجاربي الشخصية في حياتي الخاصة، وهو أمر عجيب
وعبرة لكل معتبر

واجعل من هدي رسول الله  في قصة هجرته قدوة لك، في كلا طرفي
السلوك والاعتقاد. تأمل في الوسائط والأسباب الشكلية المادية
التي استحضرها وسخرها لنجاح هجرته، في باب اللياقة والأدب مع
الله، ثم تأمل في نسيانه لهذه الأسباب ووقوفه بيقينه الجازم
أمام حكم الله وتدبيره، عندما قال لأبي بكر وهما مختفيان في
غار ثور وقد أحدق المشركون بفم الغار: ((يا أبا بكر، ما ظنك
باثنين الله ثالثهما..)) ثم اجعل من هدي رسول الله هذا قدوة لك
في سائر أحوالك وتقلباتك.

واعلم أنك إن تمتعت بهذا اليقين
الذي هو واحد من أهم دعائم توحيد الله عز وجل، فمضيت تطرق باب
الأسباب بيدك، وتطرق باب المسبب القهار الذي لاثاني له بإدراكك
ويقينك، أراك الله عز وجل بين الحين والآخر من مظاهر لطفه بك
وحمايته لك، ما يزيدك توحيداً له وتعلقاً به ونسياناً لحواجز
الوسائط والأسباب.. من هذه المظاهر أنه كثيراً ما يخرق لك
العوائد، ويطوي عنك مقتضيات الأسباب، ويسخر لك ما لاتتوقعه من
البديل عنها. تنفيذاً لحاجتك التي طرقت بها باب مولاك وخالقك،
لا تتأملها إلاّ منه، ولا تمضي بها إلى إليه.

دعني أضعك أمام
مثال يعود إلى خصوصيات حياتي وتعاملي مع الله عز وجل، ليزيدك
يقيناً بهذا الذي أقول، إن كنت من أهل هذا اليقين، وليزيل عن
بصيرتك غبش الأوهام والشكوك، إن كنت ممن لايزالون يتطوحون في
عالم الأوهام ويقبعون في سجون الصور والأشكال.

عدت إلى كلية
الشريعة من جامعة دمشق حاملاً شهادة الدكتوراه التي أوفدت
للحصول عليها، على نفقة الجامعة، عام 1965م، وعينت في ذلك
العام مدرّساً فيها.

كنت أحمل ثانوية شرعية قبل أن تصبح
معادلة، دون أن تتبين الجامعة ذلك، ودون أن يخطر في بالي أي
مشكلة قد تنشأ عنها. وبعد خمس سنوات من تعييني علمت إدارة
الجامعة بطريقة ما أن الثانوية التي بنيت شهادتي الجامعية
عليها، ومن ثم بني إيفادي عليها للحصول على الدكتوراه غير
معادلة.. كان المصير الذي لامحيد عنه هو إلغاء تعييني مع
تحميلي سائر التكاليف التي أنفقتها الجامعة على إيفادي.. وكانت
الفرصة الزمنية التي أعطيت لي لتدبير أمري المدة الباقية إلى
نهاية ذلك العام الدراسي.

عدت إلى نفسي وتأملت في العامل
الذي نقلني من عملي أستاذاً في وزارة التربية إلى معيد فمدرس
في جامعة دمشق، فتذكرت أنني لم أتكلف لذلك شيئاً، ولم أوسّط
لذلك أحداً، ولم يكن الأمر حلماً يراودني أو يؤرقني، وإنما هو
الله عز وجل ألهم القائمين على كلية الشريعة آنذاك أن
يستقدموني إليها معيداً طبق النظم المرعية.

قلت في نفسي: فإذا
كان في قضاء الله الذي شاء أن أعمل في كلية الشريعة هذه
السنوات التي خلت، أن أعود إلى ما كنت عليه من عملي في
الثانويات العامة، فمرحباً بقضاء الله وحكمه، ولاشك أن له في
ذلك حكمة باهرة وإن خفيت عن العقول.

وفي تلك الأيام أخبرني
والدي رحمه الله ذات صباح أنه رآني في الرؤيا، أقبلت إليه
قائلاً: لقد سُرِّحت من الجامعة.. ثم غبت عنه، قال رحمه الله:
فما هو إلا أن رأيت أمامي الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله
روحه، في بزة عسكرية يمتطي صهوة جواد، يلوح على وجهه الغضب
قائلاً: لن أتركه!..

تلقيت هذا النبأ الغريب من والدي، من
خلال رؤياه، دون أن أحرك ساكناً أو أن أنهض إلى أي وسيلة أو
سبب، إذ كانت الأبواب كلها موصدة والأسباب غائبة، ولكني تركت
الأمر موضوعاً بين يدي الله عز وجل مسبب الأسباب.

وبعد أيام…
جاء من يخبرني أن إعلاناً قد علّق عند مدخل وزارة التربية،
يتضمن قراراً وزارياً بعقد امتحان خاص للحصول على ما يعادل
شهادة الثانوية العامة، بوسع كل من يحمل ثانوية غير معادلة أن
يتقدم للاشتراك في هذا الامتحان.

قرار فريد من نوعه، يولد
لأول مرة في تاريخ وزارة التربية، على حدّ علمي!.. أقبلت
فقدّمت هذا الامتحان الخاص في ميقاته، ورأيت من حولي ثلة قليلة
قد اشتركوا معي فيه.. دون أن أرى أمامي إلا المدبّر الأوحد
الذي يسخر كل ما يشاء لما يريد.. كنت أذهب وأجيء.. أقدم
الأوراق.. أتابع المعاملة.. أجلس في قاعة الامتحان.. أكتب
الإجابات، وأنا غائب بذهني وفكري عن هذه الأحوال والتقلبات
كلها، وكيف لا أغيب عنها وقد أبصرت يد الله عز وجل كيف تسخر
خلقه لتنفيذ حكمه وقضاء أمره.

وكان في قضاء الله أن أنجح في
الحصول على شهادة الثانوية العامة المعادلة، وأنا دكتور في
الجامعة مهدد بالطرد منها!.. ثم كان في قضاء الله أن تكون
المعلومة التي وصلت إلى إدارة الجامعة سبباً في ترسيخ تعييني
وإزالة الإشكال القائم في مستنده وأساسه.

فما الذي تبصره
عيناك من هذا الحدث الذي سمعت، الصورة الشكلية التي سخرها
الله، أم القرار الغيبي الذي قضاه الله؟..

أما إنه لايتيه عن
الجواب إلا من كان منكراً لوجود الله وقيوميته على هذا الكون،
أو ممن يداخله الريب في ذلك. والله هو المسؤول والمستعان أن
يكشف عن بصائرنا جميعاً غشاوة الجهالة والريب، وأن يرينا من
باهر خلقه وتدبيره، ما يحررنا من سجون الصور والأسباب.




* * *

محب الحبيب علي
16 Jan 2008, 08:44 AM
الحكمة الأربعون



إن لم تحسن ظنك به لأجل جميل وصفه، حسّن ظنّك به لوجود
معاملته معك. فهل عوّدك إلاّ حَسَنا وهل أسدى إليك إلاّ
مننا؟

- المؤمنون بالله في تعاملهم معه فريقان.. فريق يحسن الظن
بالله غيباً، وفريق توقف ذلك منه على التعامل معه

المؤمنون بالله عز وجل، في تعاملهم معه فريقان، فريق عرف الله
إذ آمن بوجوده، ثم أيقن تبعاً لذلك بجميل صفاته، فعلم أن
ألوهية الله عز وجل تستلزم اتصافه بسائر صفات الكمال، وسمّوه
عن سائر صفات النقصان. ثم وافق النقلُ الذي وضَعَه أمام أسماء
الله الحسنى وصفاته الأسنى، العقلَ الذي بصّره بكل ما ينبغي أن
يتصف به من صفات الكمال، فعلم أن الله رحمن رحيم، وأنه لطيف
ودود، وأنه حكيم عليم، سميع مجيب، كريم رزاق محسن غفور، وهاب
شكور.. إلى آخر ما تعلم من صفات الكمال في ذاته العلية عز وجل،
وازداد يقيناً بذلك كله.

وفريق آخر لم تستقر في يقينه هذه
الصفات حتى رأى آثارها ومصداقها في حياته، فرأى دلائل لطف الله
به ورحمته له، ورأى واسع كرمه وعظيم صفحه، رأى كل ذلك في
معاملة الله له.

أما الفريق الأول، ويمثل أفراده الصفوة
الممتازة من عباد الله الصالحين، فالشأن فيهم أن يحسنوا الظن
بالله عز وجل، غيباً، دون حاجة إلى بينة من المعاملة، أو إلى
برهان من الوقائع والأحداث. ثم إن المعاملة الربانية لهم
تزيدهم يقيناً، وتزيدهم طمأنينة وتأثراً وشكراً.

وأما الفريق
الثاني، فالشأن في أفراده أنهم يحفظون أسماء الله الحسنى
ويكررونها ربما، ويدركون ما تدلّ عليه هذه الأسماء من جميل
الصفات ومعاني الكمال. ولكنها لاتستطيع أن تستقل وحدها (أي
بمجرد الإيمان الغيبي بها والإدراك العقلي لها) بالتأثير على
نفوسهم، بأن تتجه نفوسهم إلى الله بالحب له، وحسن الظن به،
وصدق التوكل عليه والتفويض إليه، اعتماداً على مجرد ذلك إلا
الإدراك الغيبي. بل لابدّ لتحقق ذلك من أن يتجلّى مصداق تلك
الصفات في معاملة الله لهم وفي الوقائع والأحداث التي تتوالى
وتترى من حولهم.

فابن عطاء الله يخاطب المؤمن بالله، أياً
كان، قائلاً: إن عجزت أن تكون من الفريق الأول، فلم تر ما
يحملك على حسن الظن بالله، لما تعلم من جميل صفاته، فيما حفظته
ووعيته من أسمائه الحسنى، فإن بوسعك أن تجد ما يحملك على حسن
الظن به من واقع معاملته لك، فهل عوّدك إلا على الإحسان، وهل
وصلتك منه إلا جلائل النعم، وهل عاملك إلا بمنتهى الرحمة
والحنان؟…

تلك هي خلاصة ما تنطق به هذه الحكمة.

ولكن
فلنتجاوز هذا الملخّص إلى شيء من التفصيل الذي يجيب على ما قد
يخطر في البال من بعض التساؤلات، أو يحّل ما قد يعرض للذهن من
بعض المشكلات:

إننا لانطمع أن نكون من تلك الصفوة التي استغنت
بما عرفته من صفات الله تعالى، طمأنينةً ويقيناً غيبيّاً، عن
الحاجة إلى برهان المعاملة والتطبيق. ولقد عامل الله عباده في
كتابه المبين الذي خاطبهم به، بوصفهم من الفريق الثاني، ضعفاء،
يحتاجون لدعم يقينهم الغيبي بالله عز وجل، إلى ما يؤيده من
الواقع المشاهد والمعاملة الجارية. فهو لايذكرهم فقط بأسماءه
الحسنى وصفاته الأسنى، بل يضعهم أمام براهين إنعامه ومننه
ومظاهر لطفه بهم ورحمته لهم.. ألا ترى إلى ما تقرؤه في سورة
النحل مثلاً من الحديث عن سلسلة النعم التي يغمر الله بها
عباده، إلى جانب الحديث عن بالغ حكمته في الخلق والإبداع، وما
سخر لهم من مكنونات الأرض الخفية، ومستولداتها ومعطياتها
الظاهرة، وما استخدمه لمعاشهم من أنظمة النجوم والأفلاك، وما
أداره لأرزاقهم من الرياح والسحب والأمطار والنبات؟!

محب الحبيب علي
16 Jan 2008, 08:44 AM
إن لم تحسن ظنك به لأجل جميل وصفه، حسّن ظنّك به لوجود
معاملته معك. فهل عوّدك إلاّ حَسَنا وهل أسدى إليك إلاّ
مننا؟

- إن بيان الله كأنه في التذكير بنعمه يقول: أنا لا
أكلفكم بأن تستيقنوا ألطافي بكم غيباً، وإنما أطلب منكم
أن تستيقنوا ذلك من خلال واقع معاملتي معكم وألطافي
بكم... عرض نماذج من منن الله وألطافه

فكأن الله عز وجل يقول لعباده: أنا لا أكلفكم بأن تستيقنوا من
معاملتي لكم ما تدلّ عليه صفاتي التي تجدونها وتقرؤونها، دون
مصداق من الواقع، ولكني أريد منكم أن تعلموا ذلك كله، وأن
تستيقنوه من خلال واقع ما أعاملكم به، ومن خلال ما يصل مني
إليكم من مظاهر الحماية والرعاية والرحمة والألطاف، في دنياكم
هذه التي تتقلبون فيها.

وأنت عندما تستجيب لهذا الذي يلفت
البيان الإلهي نظرك إليه من لطف المعاملة ودقة الرعاية ودوام
الحماية واستخدامه كل ما حولك من المكونات لما فيه صلاح عيشك،
فتنظر إلى هذا الذي أحاطك الله به، من ذلك كله، تجد شيئاً
عجباً لايكاد ينتهي الحديث عنه.

ينشّئك الله منذ يوم ولادتك،
داخل حماية عجيبة مما يسميه الأطباء ((المناعة)) ضد كل الأخطار
والجراثيم والأوبئة المحدقة، يملأ قلب أمك رحمة بك وحنّواً
عليك، فترعاك وتسهر عليك بهذه الرحمة، وتفديك بنفسها، إن اقتضى
الأمر، بهذه الرحمة، وإنما هي رحمة الله لك أو دعها في صدر
أمك.

يستحضر الله لك (إن جاز التعبير) الغذاء الذي يناسب جسمك
ويلبي حاجتك، ويلذّ في فمك، من سماء يأمرها أن تمطر، وأرض
يأمرها أن تنبت، وأنعام يسخر لك لحومها وألبانها، ويخضع القويّ
منها لتنقلاتك وحاجاتك.

ولكي لاتغرق في بحر متلاطم من الزمن
الذي لاشطآن له، سخر لك من حركة الكواكب والأفلاك ما قسم لك
هذا الزمن المتشابه المتلاطم إلى سنوات، ثم قسم السنة إلى
أشهر، ثم الأشهر إلى ليال وأيام، { قالَ لا تَخافا إِنَّنِي
مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرَى } { طه: 20/46 } يا أيها الإنسان
المدلل على الله..

ثم أطال لك ليل الشتاء على حساب نهاره،
وأطال لك نهار الصيف على حساب ليله، ليكون كل من الشتاء والصيف
أصدق خادم لك ولمصالحك بأمر من إلهك الفاطر الحكيم جل جلاله.


متّعك من الأرض بقرار يجذبك إليها بحنين وودّ، دون التصاق
يعوق حركتك عليها، ولا ارتداد يحرمك من ساعات سكونك فيها، ثم
ثبتها تحت قدميك، بانياً، زارعاً، حافراً، منقباً، بأوتاد من
الجبال الراسية والمَرْسِية، ثم فجرّ لك ينابيعها وأجرى لك
أنهارها، لتحيلها كما تحب إلى جنان وارفة الظلال. وصدق الله
القائل: { لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ } { محمد: 47/19 } (1)؟.
أجل.. إنه يخاطبك أنت يا أيها الإنسان المدلل على الله. بذلك
كله، مذكراً متحبباً.

هل أتابع الحديث عن نعم الله من حولك
وفي داخل بدنك؟..

هل أخوض بك غمار حديث لا نهاية له عن
المسخَّرات الكونية التي أدارها الله منذ فجر وجودك على
خدمتك؟

إنها كلمات الفضل والمنن الإلهية التي غمر الله بها
عباده.. غمر بها هذا الإنسان المكرَّم والمصنوع على عينه..
وهيهات للدفاتر والكتب أن تحصي مضمون هذه الكلمات وصدق الله
القائل: { رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا
أَوْ أَنْ يَطْغَى } { طه: 20/45 } .


* * *

محب الحبيب علي
16 Jan 2008, 08:45 AM
إن لم تحسن ظنك به لأجل جميل وصفه، حسّن ظنّك به لوجود
معاملته معك. فهل عوّدك إلاّ حَسَنا وهل أسدى إليك إلاّ
مننا؟

- ما النتيجة التي ينتهي إليها الإنسان من إدراك هذه
الحقيقة؟.. إنها دوام حسن الظن بالله

والآن.. ما هي النتيجة التي ينتهي إليها الإنسان، إذ يتأمل في
هذا كله، ويرى سابغ نعم الله عليه، وعظيم رعايته له، وكيفية
دوران المكونات والأفلاك التي حوله، كلها، على خدمته وتحقيق
مصالحه؟

النتيجة التي لامناص منها، أن يدرك جازماً أن الله
لايعامله إذن إلا بما هو خير له، ولايوصيه آمراً أو ناهياً إلا
بما فيه مصلحته وسعادته.

ومن ثم لابدّ أن يحسن الظن به في كل
تقلباته وأحواله معه عز وجل. سواء علم وجه المصلحة والخير في
ذلك أو لم يعلم. لأن الله عز وجل لم يعوّده إلا الإحسان ولم
يصل منه إليه إلا المنائح والمنن، فمن أين ولماذا يصدر سوء
الظن به بعد ذلك؟

وإليك هذا المثال المقرب، والمخجل: إن الطفل
إذ يرى كيف يتلقى من أبويه الرعاية والمحبة والحنان، ويتلقى
دائماً منهما ما يسرّه ويبهجه ويحميه من أنواع الأذية
والأضرار، يستقر في روعه وفي عقله الغض أنهما لايريدان به إلا
خيراً، فمهما نصحاه أو حذراه، يعلم بمقتضى هذا اليقين الذي
استقر في روعه، أنهما لا يأمرانه إلا بما فيه خير له
ولايحذرانه إلا عما فيه شرٌّ له، عرف وجه الخير والشر في ذلك
أم لم يعرف، وحتى عندما يتبرم بأوامرهما ويحجم عن طاعتهما أو
طاعة أحدهما، يعلم أنهما لايلاحقانه بهذا الأمر إلا حباً وغيرة
عليه.

أليس هذا المثل صورة مصغرة عن نصائح ووصايا الرب عز وجل
لعباده؟ أي أفليس مما يقتضيه المنطق البيّن أن يتمتع الإنسان
الرشيد الكبير تجاه مولاه وخالقه بمثل الثقة التي يتمتع بها
الطفل الصغير تجاه أبويه؟..

إذن أليس مخجلاً حقاً، أن نكون مع
فرق ما بيننا وبين الأطفال الصغار في قصور الدراية والعقل
عندهم، وكمال كل منهما عندنا، أن نكون غير مدركين من عظيم لطف
الله ورحمته بنا، ما يدركه أولئك الأطفال من ذلك في آبائهم
وأمهاتهم؟..

دعني أشرح لك هذا المعنى الذي يوقفنا عنده ابن
عطاء الله بمزيد من التفصيل، فلعل ذلك يزيد الأمر وضوحاً، ومن
ثم يزيدنا خجلاً من الله عز وجل.

محب الحبيب علي
16 Jan 2008, 08:45 AM
إن لم تحسن ظنك به لأجل جميل وصفه، حسّن ظنّك به لوجود
معاملته معك. فهل عوّدك إلاّ حَسَنا وهل أسدى إليك إلاّ
مننا؟

- إن الله يسوس عباده بلونين من الأوامر: الأوامر
التكوينية، والأوامر التشريعية

بلونين من التوجيهات والأوامر. أحدهما ما يسمى بالأوامر
التكوينية، والثاني ما يسمى بالأوامر التشريعية. وهما المرادان
بقوله عز وجل: { أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ
اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ } { الأعراف: 7/54 } .

فأماّ
الأوامر التكوينية، فتتمثل فيما وجهه الله من الأمر المتمثل
بقوله عز وجل ((كن)) إلى المكوّنات كلها بأن توجد من عدم، ثم
بأن يوزع عليها وظائفها ومهامّها، ويُجبِرَها بأمره التكويني
هذا على النهوض بها على أحسن وجه. وقد عبّر عن ذلك البيان
الإلهي بقوله: { إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ } {
القمر: 54/49 } وبقوله عز وجل على لسان موسى يخاطب فرعون:
{ قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرَى } { طه:
20/46 } ، وبقوله سبحانه، وهو يتحدث عن الأشياء كلها {
وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ } { الأنبياء:
21/107 } فبهذا الأمر التكويني الصادر من الله عز وجل
لمخلوقاته، يتحرك كل شيء منها، صغر أو كبر، طبق المهمة التي
كلف بها.. ينطبق هذا الذي أقوله لك على أصغر الجزيئات التي
لاتُرى إلا بالمجهر، وعلى أكبر الأجرام المتمثلة في المجرات
والأفلاك ونحوها، كما ينطبق على الوظائف العضوية الداخلية
والخارجية التي يفيض بها جسم الإنسان، وعلى الغرائز المثبته في
طبائع الأحياء على اختلافها.

وأما الأوامر التشريعية فهي
مجموعة الوصايا التي خاطب الله بها عقل الإنسان آمراً...
ناهياً.. معلّما.. ثم وكلها إلى جهده وقدرته التنفيذية لها،
بعد أن جهزه، إلى جانب الإدراك، بالاختيار والقدرة على اتخاذ
القرار. وأكد له في بيانه الذي خاطبه به أنها ليست إلا الضمانة
التي لابدّ منها لخيره وسعادته في عاجل أمره وآجله، فقال له:
{ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُوكَ
فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّاباً رَحِيماً } { النساء: 4/64 }
وقال له مؤكداً هذا المعنى: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ
شَيْءٌ } { آل عمران: 3/128 } .

وقد كان من اليسير أن
يجعلها الله عز وجل هي الأخرى جزءاً من أوامره التكوينية فيغرس
أحكامه ووصاياه التشريعية هذه طبعاً في نفوس عباده، فتصبح
غريزة ينقادون لها بالطبع والجبلّة دون اختيار، فيكونون في ذلك
كسائر الحيوانات الأخرى. ولكنه عز وجل سما بالإنسان عن هذا
المستوى الذي قضى به للحيوانات العجماوات، وارتقى به صعداً إلى
المرتبة التي أهّله فيها لمخاطبته ونجواه، فخاطب بهذه الشرائع
والتكاليف عقله، وحاوره في بيان فائدتها وأهميتها، وبيّن له
نتائج تنفيذها، ومغبّة الإعراض عنها. بل زاد فبيّن له مدى
علاقة أوامره التشريعية هذه بنظامه التكويني، موضحاً أن
استفادة الإنسان من النظام الكوني الذي سخره الله للإنسان
متوقف على اتباعه للنظام التشريعي الذي عرّفه به ودلّه
عليه.

وإن البيان الإلهي إذ يلفت أنظارنا إلى أن وصاياه
التشريعية ليست إلا تنبيهاً إلى السبيل الذي لابدّ منه لصيانة
النظام الكوني والمحافظة على جدواه وخدمته الدائبة للإنسان على
الوجه الأمثل، يضعنا من ذلك أمام المثال المكرر المعروف لكلٍ
منا.. إنه مثال الجهاز الذي تتلقاه من المعمل الذي أنتجه من
خلال إبداع تكويني لاعلاقة لك بإيجاده ولا بمقومات إبداعه،
ولكن إدارة المعمل تقرن به إليك كتيباً يتضمن أهمية هذا الجهاز
وطرق استعماله، ثم توصيك بمجموعة تعليمات ينبغي التزامها
لحماية الجهاز من العطب، ولصيانته، ولضمانة قيامه بالمهمة التي
صنع من أجلها على أحسن حال.

إن الجهاز في موضوعنا الذي نتحدث
فيه، هو هذا الكون الذي أبدعه الله بأمره التكويني خادماً لنا
محققا لمصالحنا.

وإن الكتيب الذي يتضمن التعليمات المتعلقة به
(ولله المثل الأعلى) هو هذا التشريع الرباني المنزل في محكم
تبيانه. فمنذا الذي يقبل على الجهاز الذي تلقاه هدية ثمينة من
صانعه دون أن يقبل على كتاب التعليمات المقرون به، ليرعى من
خلال اتباعها جهازه هذا ويحميه من العطب والفساد؟‍

محب الحبيب علي
16 Jan 2008, 08:46 AM
إن لم تحسن ظنك به لأجل جميل وصفه، حسّن ظنّك به لوجود
معاملته معك. فهل عوّدك إلاّ حَسَنا وهل أسدى إليك إلاّ
مننا؟

- يا عجباً ممن يتقلب في نظام الله التكويني مخدوماً
مدللاً، ثم يسيء الظن بنظامه التشريعي ويتأفف منه

ياللعجب… بل يا للخجل، ممن يتقلب في أرجاء هذا النظام الكوني
مخدوماً مدللاً من قبل كل ما فيه.. بدءاً من وظائفه البدنية
إلى قوانين الأرض التي يمشي عليها والهواء الذي يحيا ويتنفس
به، والأفلاك التي تدور على خدمته، والأنواء التي كلفت بتقديم
رزقه.. ويرى بأم عينيه وبثاقب بصيرته مظهر لطف الله به ومحبته
وتكريمه له في ذلك كله، ثم إنه يسيء الظن بعد ذلك بالنصائح
التي يقدمها له والوصايا التي يأمره بها‍!... فيتأفف، ويجادل،
ويستثقل، ويرى أن الله إنما حمّله من ذلك إصراً لا لزوم له،
وابتلاه من تلك الوصايا بأعباء يسعد العالم الغربي التائه
بالابتعاد عنها والتحرر منها.

يا ابن آدم: كيف تجعل من ألطاف
الله التي أنت غريق في بحارها، شجرة تثمر في يقينك سوء الظن
به؟.. كيف تجهل، وأنت العاقل الرشيد، ما لايفوت الطفل الصغير
علمه؟ حقاً إن الإنسان لظلوم جهول!…

أرأيت إلى الأمانة التي
يتحدث البيان الإلهي عن تشريف الله الإنسان بها، والارتقاء به
إلى مكانتها، دون سائر الأحياء والمخلوقات الأخرى؟.. إنها هذه
الأوامر التشريعية التي حاوره بها، بعد أوامره التكوينية التي
متعه بها.. ولكنه - إلا من رحم ربك - ظلم نفسه وجهل قيمة
المرتبة السامية التي اختصه الله بها، فأساء الظن بربه من حيث
رضي الله له ما به سعادته وخيره!

وصدق الله القائل: {
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ
} { الروم: 30/25 } .

فلا تكونن، أيها الإنسان، جهولاً
بربك، ظلوماً لنفسك، توردها موارد الهلاك من خلال شرودك عن
وصاياه، وإعراضك عن أحكامه وأوامره. تتأفف من ثقلها آناً،
وترتاب في جدواها آناً آخر، وتملّ من استمرارها وتقادمها آناً
ثالثاً.

محب الحبيب علي
16 Jan 2008, 08:46 AM
إن لم تحسن ظنك به لأجل جميل وصفه، حسّن ظنّك به لوجود
معاملته معك. فهل عوّدك إلاّ حَسَنا وهل أسدى إليك إلاّ
مننا؟

- كيف تتصور أن يكون الله حفياً بك في أوامره التكوينية،
ثم ظالماً لك في أحكامه التشريعية؟!

كيف تتصور أن يكون الله عز وجل حفياً بك في أوامره التكوينية
التي تسعى مجتمعة في خدمتك، ثم ظالماً لك في أوامره التشريعية
التي لم يشرعها إلا إتماماً لسعادتك؟!..

وإذا طافت بك هذه
الريبة لسبب ما، أفلا يمحوها ويذيبها هذا التحبب الذي تراه
واضحاً جلياً، في قوله عز وجل لك: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ
السَّماواتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ
أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ } { فاطر: 35/41 }
.

{ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } { يس: 36/41 } !! انظر، كم في هذا
الخطاب الذي يتنزل من علياء الربوبية إليك، من معنى التحبب
والرعاية والإكرام!..

يقول لك مولاك: ياعبدي، لقد أحببت لك
هذه الشرعة، فالزمها.. ثم تسيئ الظن به وتشيح بوجهك عنه،
وتناقشه في الفائدة والجدوى، وتتبرم بقديمه الذي شرفك به،
لتشقي نفسك بجديدك الذي تتقممه من هنا وهناك!!..

آه من لؤم
الإنسان، تجاه مولاه الخالق له، المتفضل عليه، المتحبب إليه،
المتودد إليه بقوله: { وَحَمَلْناهُ عَلَى ذاتِ أَلْواحٍ
وَدُسُرٍ } { القمر: 54/13 } إذ يقابل ذلك كله بالجحود أو
الريب، أو التبرم وسوء الظن.

أما أنت أيها القارئ، فتعال ندخل
معاً إلى رحاب مولانا الواحد الجليل، تائبين آيبين، مستعينين
به أن يملأ قلوبنا حباً له وثقة بشرعته وحكمه، واستقامة على
نظامه وهديه. إنه نعم المولى ونعم النصير.




* * *

محب الحبيب علي
17 Jan 2008, 09:04 AM
الحكمة الحادية والأربعون



العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما
لا بقاء له معه {فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ
وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحج: 22/46]

- ما الشيء الذي لا انفكاك لك عنه؟ إنه الله عز وجل. بيان
ذلك

ما الشيء الذي لا انفكاك للإنسان عنه، منذ فجر وجوده، إلى
قراره الأخير إن في جنان الخلد، أو في العذاب المقيم؟

إنه
الله سبحانه وتعالى، لا انفكاك للإنسان عنه، أياً كان، ملحداً
أو مؤمناً أو فاسقاً، وأينما كان في أرض الله الواسعة، مشرقاً
أو مغرّبا. وفي أي الأحوال والظروف تقلب وتنقل.. سواء في ذلك
حياته التي يعيشها فوق الأرض، وموته الذي ينقله إلى باطنها ،
وحياته الثانية إذ يحشر ليوم الحساب.

لا انفكاك لك عن الله في
حياتك التي تعيشها اليوم، إذ هو معك أينما كنت، أياً كانت
القارّة التي تعيش فيها، وأياً كانت الساعة التي تمرّ بك، وصدق
الله القائل: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ } {
الحديد: 57/4 } .

ومعنى هذه المعيّة أن الله معك بعلمه، معك
برعايته، ومعك بتدبيره، ومعك بالمعنى المطلق للمعية، دون أن
تفهم منها قيود التحيز في مكان، أو الانتقال من جهة إلى أخرى..
إنها معية بكل ما تحمله هذه الكلمة من المعاني، ولكن دون أي
تكييف يستلزم التشبيه ويتنافى مع قول الله تعالى: { لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } { الشورى: 42/11 } .

محب الحبيب علي
17 Jan 2008, 09:04 AM
العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما
لا بقاء له معه {فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ
وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحج: 22/46]

- أما الشيء الذي لابقاء له مع الإنسان، فهو كل ما عدا
الله، بيان ذلك مفصلاً

أما الشيء الذي لا بقاء له مع الإنسان، فهو كل ما عدا الله عز
وجل. كل ما يركن إليه الإنسان مما عدا الله عز وجل، فمآله إلى
الانفكاك عنه. إما أن يهلك الإنسان فيتركه، أو أن يهلك الشيء
الذي كان يركن إليه، ويبقى الإنسان بعيداً، بل غائباً
عنه.

يركن الإنسان إلى الدار التي بناها، وإلى الأثاث الذي
زيّنها به، يركن إلى الزوجة والأولاد، يتعلق بالمال الذي جمعه
وادخره، بالمركز الذي تبوأه، والشهرة التي نسجت له.

يتعلق
بعالم الأسباب وظواهرها، منصرفاً عن المسبب الذي يحركها. يرى
المطر الهاطل من السماء، فيناجي السماء ويشكرها، ويمضي يحدث
الناس عن رحمة السماء؛ يبعث بصره في الأرض المخضرة والينابيع
الثرة فيناجي في ذلك الطبيعة ويشكرها، ويمضي يحدث أصحابه عن
فنون الطبيعة وإبداعاتها..

يستطيل بقاءه في الدنيا بغير طائل،
يجمع إلى الثروة الطائلة مثلها، ويرهق ذهنه ويتعب نفسه بحثاً
عن المزيد.. يبني مع الآخرين صداقات وعلاقات يضحي معها وفي
سبيلها بالمبادئ وربما الأخلاق والأوامر الإلهية، يستطيل أمدها
ويغيب عن نهاياتها، ركوناً منه إلى شهوات لايريد أن يفارقها،
ومتع لايتخيل نهايتها.

ولكن هل تتجاوب أشياء الطبيعة (على حدّ
تعبيرهم) مع هذه الأمانيّ في استبقائها له، وفي أن يبقى هو
لها؟

لقد أنطق الله (الطبيعة)، وبالتعبير الأدق: أشياء الكون
كلها، بالجواب العلمي الواقعي عن هذا السؤال، عندما أقامها على
سنة كونية لاتتبدل. إذ قضي بأن تكون مدارج الوجود لكل شيء
مؤلفة من بداءة ضعف، ثم من تنقّلٍ في درجات القوة، إلى أن تصل
منها إلى الأوج، ثم من تدرج في العود إلى الضعف فالذبول
فالانمحاق.

كل شيء في الكون مطبوع بهذا القانون، بدءاً من
الإنسان إلى النباتات والزهور والورود والرياحين، إلى الكواكب
والأفلاك، إلى الأرض التي نعيش فوقها.. لقد وضعك الله من هذا
القانون الكوني العام أمام مثاله المصغر الذي يتجلى في الشجرة
وقصة وجودها، تبدأ نواة فشتلاً أو نبتاً صغيراً، ثم يتدرج
الشتل في مراحل النمو والقوة. ثم يقف هذا التدرج عند حدّ، ثم
ما هو إلا أن تعود متدرجة إلى الضعف فالذبول فالموت، وتعيد لك
الحكمة الإلهية هذه القصة بل الحقيقة في الزهرة أو الوردة التي
تراها وفي الفصول الزمنية السنوية التي تولد ثم تتنامى ثم تذوي
وتغيب، وفي الشمس التي تشرق ضعيفة في مظهرها وفي أشعتها، ثم
تتجه إلى القوة والحرارة وإلى مزيد من الضياء والتألق، ثم إنها
تعود فتتراجع إلى الضعف، وإلى مثل اصفرارها وذبولها ساعة
الشروق.. وتريك الحكمة الربانية القانون ذاته في صورة القمر إذ
يولد قوساً دقيقاً لايكاد يُرى، ثم تمتد فيه القوة ويتجه إلى
النمو والتكامل، حتى يصل إلى أوج ذلك بدراً يتألق في جوّ
السماء، ثم إن السنة الإلهية تعود به شيئاً فشيئاً إلى مثل
الحالة التي بدأ منها، وصدق الله القائل: { وَالْقَمَرَ
قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ }
{ يس: 36/39 } أي كأصل العذق من النخل، إذ ينقطع العذق منه
فيتقوس ويدّق.

فماذا يقول هذا الواقع المتشابه الذي تنطق به
أشياء الكون كلها؟ أنه يقصّ عليك قصة النهاية التي سيختفى في
مغربها كل هذه المكونات التي تتألق في عينيك ويأخذ الكثير منها
بمجامع نفسك، كي لاتغتر بها فتتعلق بها وتركن إليها، تنشد
سعادتك وراء اللحاق بها.

وانظر كم يجسد لك البيان الإلهي هذه
الحقيقة، ويحذرك من خديعة العين، وغياب البصيرة، عندما يشبه
حياتك الدنيوية كلها بالنبات الذي يتفجر غضاً، ثم يخضر زاهياً،
ثم يعود ذاوياً، ثم يصبح هشيماً.. تأمل في قوله لك:

{
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ
أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْضِ
فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً } { الكهف: 18/45 } .

وانظر في
هذا البلاغ الذي يتجه به الله إليك قائلاً: { اعْلَمُوا
أَنَّما الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ
وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوالِ وَالأَوْلادِ
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ
فَتَراهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الآخِرَةِ
عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَما
الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ } { الحديد:
57/20 } .

فهذا الذي يجمل مرآه - من أشياء الكون - في العين
ابتداء، ثم يذوي ويتراجع نحو الضعف فالأفول، ينطبق على سائر
متع الدنيا ومبتغياتها، وينطبق على مايراه الإنسان أسباباً
لرغائب، ووسائط لغايات، ومفاتيح لمبتغيات.

محب الحبيب علي
17 Jan 2008, 09:05 AM
العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما
لا بقاء له معه {فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ
وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحج: 22/46]

- ما الذي يتطلبه منك المنطق أمام هذه الحقيقة التي تم
بيانها؟.. يقول لك المنطق: شدّ صلتك بمن لا انفكاك لك
عنه... إلخ

فما الذي يتطلبه المنطق، وما الذي يقرره ميزان العقل، فيما يجب
على الإنسان أن يفعله، أمام هذه الحقيقة التي تم بيانها، ولم
يبق مجال لأي لبس فيها؟

يقول كل من العقل والمنطق الذي هو
ميزانه: شدّ صلتك ومتّن آصرتك بذاك الذي يملك وجوده الذاتي،
دون حاجة إلى موجد. ودون تسلِّط من معدم، ذاك الذي صدر منه،
بالإرادة والخلق، وجود كل الموجودات، وبإمداده المتجدد استمر
بقاؤها، وبقدره المحتوم خمدت جذوتها، وانتهى أو ينتهي وجودها.
وتعامَلْ مع ما قد تحتاج إليه من هذه الموجودات، على أنها
عواري مردودة، ومنح ربانية مستهلكة.

تكن عندئذ مقبلاً إلى هذه
الموجودات في الظاهر، ومتعلقاً بموجدها في الحقيقة والباطن..
فإذا وافاها ميقات الانقضاء والزوال، فلن تكون كمن كان مستنداً
إلى ركام من ثلج، فلما أشرقت عليه الشمس وذاب من حيث لايشعر،
تهاوى إلى الأرض، بل ستجد نفسك عندئذ مع الموجد الذي لا انقضاء
لوجوده.. يعوضك عن المتعة التي مرّت بك وتلبثت عندك قليلاً ثم
غابت عنك، ويمتعك بما يغنيك عنها... ويخلق لك في مكان السبب
الذي سخره لك ردحاً من الزمن، سبباً آخر يؤدي لك النتيجة
ذاتها.. كيف لا وهو خالق الأسباب والمسببات، وهو الذي خلق
المتع والرغائب، ثم وجه هواك إليها.. لن يضيرك غياب الجنود
وابتعادهم عنك، مادمت قد وثقت الصلة ومتنت العلاقة بقائدهم
الأعلى.

كذلك الحال تماماً، إذا وافاك أنت ميقات الانفصال
فالابتعاد، عن الموجودات التي كنت تتعامل معها وتستفيد منها،
وذلك عندما يدعوك داعي الموت إلى الرحيل من الدنيا، والتوجه
إلى الحياة البرزخية التي تفصل، بتنظيم أقامه الله عز وجل، ما
بين الحياة الدنيا واليوم الآخر.. فإنك لن تأسى ولن تحزن على
فراق شيء منها. إذا كان إقبالك إليها أيام حياتك تعاملا مع
الله، وتمتعك بها استلاماً - مع الثناء والشكر - من يد الله.
فما الذي فاتك، وما الذي غاب عنك في هذه الحال إلاّ الواسطة أو
البريد الذي كان بينك وبين الله. ولاريب أنك ستغدو عندئذ أسعد
حالاً من ذي قبل، إذ ترتفع الوسائط ويغيب حاجز البريد لترى يد
المنعم المتفضل تغدق عليك ألوان المتع والنعيم ذاتها دون سُتُر
من الوسائط والأسباب.

إن الحيّ الذي ظلّ مشدوداً إلى الله في
آماله وآلامه، ويقينه بأنه هو الفعال لا العلل والأسباب، لن
يختلف الأمر عليه قط، عندما يوافيه الأجل، وينقله الموت إلى
عالم البرزخ، إذ كان وهو يتقلب ويتحرك على ظاهر الأرض، مع
الله، وهو إذ يتمدد الآن في قبره من باطن الأرض أيضاً - بل من
باب أولى - مع الله(1).

فإذا انقضى ميقات الحياة البرزخية،
وحان ميقات قيام الساعة وعودة الأرواح إلى أجسادها، وقام الناس
كلهم لرب العالمين، سيظل الأنس بالله مصاحباً له، بل لابدّ أن
يزداد شعوراً وسعادة به. فقد كان هذا الإنسان متعلقاً بالله
مستأنساً به، يوم كانت صور الملهيات والمنسيات العارضة تتراقص
من حوله، ثم أصبح أكثر أنساً به وتوجهاً إليه يوم فارقته
وابتعدت عنه تلك السحب كلها متجهاً إلى حياته البرزخية بعد
الموت. وهاهو اليوم، وقد حشر مع الناس كلهم إلى الله في ميقات
اليوم المعلوم، قد أصبح أقرب إلى الله وأكثر أنساً به وأشد
توجهاً إليه وتعلقاً به.

إذن، من الذي صاحب هذا الإنسان في
رحلته كلها ذات المراحل أو الفصول الثلاثة المترابطة؟ لم
يصاحبه خلال ذلك كله إلا الله عز وجل، وكل ما عداه من متع
ورغائب وأموال ومساكن وأقارب وأحباب تخلوا وغابوا عنه، كلٌ في
حينه وميقاته الذي قضاه الله عز وجل.

محب الحبيب علي
17 Jan 2008, 09:05 AM
العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما
لا بقاء له معه {فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ
وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحج: 22/46]

- إذا تبين هذا فلابد أن نعجب مع ابن عطاء الله ممن يهرب
من إلهه الذي انفكاك له عنه، ويتعلق بما لابقاء له معه

إذا تبين لك أن هذا ما يقوله العقل، ويقرره المنطق الذي هو
ميزانه، فلامناص من أن نعجب مع ابن عطاء الله من ذاك الذي يهرب
من إلهه الذي لا انفكاك له عنه، متعلقاً بما لابقاء له
معه.

وإنما يكون الهروب من الله بإنكاره وجحوده، أو بنسيانه
والإعراض عنه، والتعامل مع مسخَّراته وجنوده فقط، أو بالتعلق
بالنعم والسكر بها والذهول عن المنعم. ومصدر العجب في هذا، أنه
يرى بمقتضى بصيرته وعقله أن كل هذه المظاهر التي يتعامل معها
ويتعلق بها ويعلق مصيره بها، صور زائلة لا استقرار لها، ويرى
بملء قدراته الفكرية أنها مطبوعة بطابع الزوال، كما أوضحنا
وفصلنا. ومع ذلك فهو يغيب بفكره وإدراكه عن موجدها والإله
المتصرف بها والمسخر لها، ويواصل رحلته في فجاج هذا الدنيا
متشبثاً بها، ويسلم مصيره إليها شأن من يأمل منها الاستقرار
والخلود.

ثم إن الذي يزيد الأمر عجباً، أنه يرى كل يوم ظاهرة
انقطاع هذه المتع وغيابها عن الناس المتعلقين بها واللاهثين
وراءها، أو ظاهرة انقطاع الناس وابتعادهم عنها، إذ يتخطفهم
الموت، ويمضي بهم مجردين عرايا عن كل شيء.. قد تخلى عنهم، بل
تخلوا هم عن كل شيء، اللهم إلا مولاهم الذي لاانفكاك لهم عنه،
مهما تقلبت بهم الرحلة ومهما طالت بهم الحياة، ويعلمون أن
المصير ذاته ينتظرهم، وأنهم يقفون من ميعادهم مع الموت في
((الطابور)) ومع ذلك فهم يظلون متشبثين بما لابدّ من مفارقتهم
له، ويفرون من مولاهم الذي لاانفكاك لهم عنه!..

ويزداد الأمر
عجباً، إذ يسمع التحذير تلو التحذير، ويأتيه النذير بعد
النذير، فيظل معرضاً عن هذا وذاك، ويبقى مستمراً في الاستناد
إلى ركام الثلج وهو ماض في الانحلال والذوبان، غير مبال بأنه
سيهوي عما قريب في عمق أعماق الوادي الذي لايفصله عنه إلا ذلك
الركام!.. يسمع قول الله عز وجل: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا
أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً
حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ
عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ } {
النور: 24/39 } .

ويسمع قوله عز وجل: { الْمالُ
وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ
الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً }
{ الكهف: 18/46 } .

ويسمع قول الله تعالى: { وَما
أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا
وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا
تَعْقِلُونَ } { القصص: 28/60 } .

يسمع هذا كله، فلا يوقظه
من سكره، ويظل يعانق الوهم، ويتقلب مع الوهم، ويجعل منه مستند
استقراره الذي لامحيد عنه. فإذا وافته المنية رأى عندئذ بأمّ
عينيه ما ولّى وأدبر عنه، مما كان يظنه مستند نعيمه وبقائه،
ورأى ما بقي ماثلاً أمامه مما ظل غائباً بل محجوباً عنه بوهمه
القتال!..


* * *

محب الحبيب علي
17 Jan 2008, 09:06 AM
العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما
لا بقاء له معه {فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ
وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحج: 22/46]

- ثم اعلم أن التعلق بالله من دون سائر الأغراض الزائلة،
لايستدعي الإعراض عن التعامل معها والصوم عن التمتع بها..
وإنما المطلوب أن يعلم أنه هو وحده مصدر كل فضل وعطاء

ثم اعلم أن التعلق بالله عز وجل، من دون سائر الأعراض الزائلة،
لايستدعي الإعراض عن التعامل معها والصوم عن التمتع بها، فإن
الكريم الذي بسط للناس مائدة عطائه وإكرامه، لايرضيه منهم
إعراضهم عنها، ولامعنى لاستغنائهم به عنها. إذن لما كان للكرم
معنى يميزه عن الإمساك والشح. ألا تتأمل في قوله عز وجل: {
كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ
طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } { سبأ: 34/15 } وفي قوله
سبحانه وتعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي
أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ
الْقِيامَةِ } { الأعراف: 7/32 } .

ولكن المطلوب من العبد
المملوك تجاه ربه الذي لاشريك له في ربوبيته ومالكيتّه له، أن
يعلم مستيقناً أنه هو لاغيره مصدر كل فضل وعطاء، فلايبتغي رزقه
إلا منه، وأنه هو لاغيره مسبب الأسباب كلها، فلا يشرد به الوهم
إلى العلل والأسباب الوهمية يتعلق بها ويجعل منها شريكاً مع
الله أو مؤثراً من دون الله، وأن يعلم أن كل شيء مما يحلو
لعينيه مرآه، أو مما تتمتع به نفسه، أو مما يشعر بالأنس به
والحب له والركون إليه، سيتخلّى عنه عما قريب، بل سيؤول إلى
الزوال. ولن يبقى من صاحب ولا أنيس ولا سمير ولا أهل ولا حبيب
معه إلا الله عز وجل.

والشأن فيمن يعلم كل ذلك أن لايركن إلى
ماقد علم أن مآله إلى الهلاك والزوال، بل أن يتعلق بإلَهه الذي
لايتخلّى عنه، فيتخذه مصدر أنسه وموئل آماله، ومعين سعادته
ونعيمه، وملاذه الوحيد من كل المخاوف والأخطار.

وذلك هو حال
المؤمن حقاً بربه والموقن بوحدانيته: يجلس على مائدة الرحمن،
ويتناول منها ما لذّ وطاب، وكلما تمتع منها بمزيد ازداد بالله
تعلقاً، وازداد له حباً وشكراً. ذلك لأنه يتعامل مع النعم
ويتمتع بها، ولكنه لايرى إلاّ المنعم، إذ هو - كما قلنا -
المتفضل والمعطي والمسبب والمسخّر.. وإذا ما طاف به كرب أو
داهمه سوء أو ألمت به مصيبة، لم يطرق بها إلا باب الله عز وجل.
أي إنه إن استخدم الوسائل والأسباب فإنما يطرق بها، في يقينه
ومعتقده، باب الله عز وجل.

هذا الإنسان، لن يكون هوى قلبه إلا
لله، ولن يكون مذكوره، كلما طمع في مغنم أو توجس خيفة من مغرم
أو تطلع إلى كسب، إلا الذات العلية جلّ جلاله. ولسوف يكون هذا
الوضع الملازم له أول مصدر لراحة باله وسكينة نفسه وغياب همه
وحزنه، ولعله ينشد مع ذاك الذي كان يتمتع بهذه الحال ذاتها،
قوله:

كانت لنفسي أهواء مغرقة فاستجمعت مذ رأتك
العين أهوائي

فصار يحسدني من كنت أحسده وصرت مولى الورى مذ
صرت مولائي

تركت للناس دنياهم وشأنهم شغلاً بذكرك
يا ديني ودنيائي



والعجب كل العجب، أن يدرك أحدنا هذه
الحقيقة بعقله وأن يتمثلها بيقينه، ثم ينسى - على الرغم من ذلك
- إلَهه الباقي الخالق الرازق المعطي المانع المتصرف بملكوته
كما يشاء، ولايتذكر إلا حجارة الشطرنج التي لاتتحرك إلا بتحريك
الله، ثم إن مآلها إلى الزوال والاندثار.

أنبأني والدي رحمه
الله، أن رجلاً من الصالحين، هاجر من بلده لأمر ديني اقتضاه
ذلك، وانتهى به المقام إلى إحدى القرى. فتعرف عليه إمام المسجد
الذي كان الرجل الصالح يختلف إليه ويصلي فيه. وسأله فيما سأله
عن مورد رزقه، فأجابه مطمئناً: إن الله لاينساه!.. وبعد أيام
عاد الشيخ إمام المسجد يسأله عن حاله، ويستوضح منه مصدر رزقه،
فأكد له أن الله يكرمه وأنه لايعاني من أي مشكلة في رزقه..
ولكن الإمام لم يطمئن بالاً وعاد يسأله في لقاء ثالث: ولكن من
أين تأتيك أسباب معيشتك؟ فقال له: إن في هذه القرية يهودياً
عرفني واطلع على وضعي، فأجرى لي جراية من المال تكفيني وتسدّ
حاجاتي. فقال له الشيخ: حسناً، لقد زال القلق الذي كان يساورني
عليك!.. قال له الرجل الصالح: ياهذا، لأقضينّ الصلوات التي
صليتها وراءك!.. لقد أكدت لك مراراً أن الله قد تكفل برزقي ولن
ينساني، فلم يقع ذلك منك موقع الطمأنينة والقول، ولما أخبرتك
بأن الذي تكفل برزقي يهودي من الناس، وثقت بكفالته
وإكرامه!!..

تلك هي حال كثير من المسلمين اليوم.. تعظم
الأسباب الشكلية والوهمية أمام أبصارهم، ثم لاتزال تعظم، حتى
تنسيهم خالقها ومسببها، فيعيشون مع الوهم ويذهلون عن الحقيقة.
يتعلقون بالسراب الذي لاوجود له، ويعرضون عن المعين الذي هو
ملء الكون كله! يعرضون عن خالق السماء وقيومها، ثم يتحدثون عن
رحمة السماء!.. يعرضون عن اليد التي تضع ملعقة الطعام بمنتهى
العطف في أفواههم، ويتغزلون بالملعقة التي تكرمهم وتفرغ الطعام
في أشداقهم!..

إن لم يكن هذا هو الكفران في أحط مظاهره، فقل
لي: كيف يكون؟

* * *

وينهي ابن عطاء الله هذه الحكمة
مستشهداً بقول الله تعالى: { فَإِنَّها لا تَعْمَى
الأَبْصارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور
} { الحج: 22/46 } . ومؤكداً بأن كل من كان يعاني من هذا
التيه العجيب، فإنما هو واحد ممن أصيب بعمى القلب. وهو العمى
الذي إذا وقع لايمكن أن يستعاض عن ظلامه بأي نور. إذ القلب هو
مصدر النور أينما كان تجليه وظهوره، فإذا طمس الله عليه وأفقده
نوره، فهيهات لبقية الأعضاء أو الكيان، أن يسري أو يتجلّى فيه
قبس أو بصيص منه.. ومهما بقيت العينان مبصريتن، فإنهما تبصران
بدون نور، أي بدون إدراك للحقائق مهما كانت جلية ساطعة. وهذا
هو مرمى قول الله عز وجل: { وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ
كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا
يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها } {
الأعراف: 7/179 } أي إن لها رؤية غبيّة غير ذات جدوى.

إذن
فالعمى الحقيقي الخطير هو ذاك الذي يبتلى به القلب. ولا جدوى
معه لرؤية العين. والإبصار الحقيقي، ذلك الذي يتمتع به القلب،
ولاضير معه من عدم الرؤية بالعين.

أجل.. وصدق الله القائل:
{ فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ وَلَكِنْ تَعْمَى
الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } { الحج: 22/46 } .




* * *

محب الحبيب علي
19 Jan 2008, 09:02 AM
الحكمة الثانية والأربعون



لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والمكان
الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه. ولكن ارحل من الأكوان
إلى المكون {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم:
53/42] وانظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فمن
كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهج

- ما الأكوان؟ وما المكوِّن؟ وما المعنى الإجمالي لهذه
الحكمة؟

الكون كل ماعدا الله، والمكوِّن هو الله. والكون، أو الأكوان
وسائط وأسباب، والمكوِّن الذي هو الله غاية الغايات، ومنتهى
الآمال.

هل يرتاب في هذه الحقيقة أحد، ممن عرف الله وآمن
به؟!..

إذن فالمطلوب من كل من عرف الله وآمن، حقاً، به، أن
يجعل من كل مظاهر الحياة الدنيا وأسبابها ومقوماتها، وسائط
يسخرها لبلوغ مرضاة الله، وأداء حقوق الربوبية عليه، وأن
لايبتغي بالأنشطة والأعمال التي أقامه الله عليها، إلاّ أداء
الوظيفة التي كلفه الله بها، تقرباً وتحبباً إليه.

فإن هو فعل
ذلك، وابتغى في كل تحركاته وشؤونه هذا القصد، فقد نسق بين
الوسائط، والغاية الكبرى التي هي غاية الغابات، وأعطى كلاً
منهما حقه في العمل والاهتمام.

وإن هو تعامل مع الأكوان
للأكوان، واستخدم الوسائط للوسائط، وسخر الأسباب لمزيد من
الأسباب، دون أن يخرج من هذه الدائرة إلى ما وراءها، حيث الهدف
الكلي الذي خلق من أجله، ثم أمضى حياته كلها على هذه الحال،
فالشأن فيه كشأن حمار الرحى (أي الطاحون) يمشي دائباً في حركة
دائرية ضمن مساحة مغلقة؛ يسير، والمكان الذي ارتحل منه سرعان
ما يعود إليه، يكرر ذلك المرة تلو المرة، دون انقطاع.

أجل..
التشبيه دقيق، والمثال ينطبق على الواقع الممثل له دون
اختلاف.

بيد أن شأن الدواب من البشر، إذ يجنحون إلى دائرتهم
المغلقة هذه، أشنع وأسوأ حالاً، من شأن الدابة التي تؤدي من
خلال دورانها هذا عملاً كلّفها به صاحبها لصالح الرحى التي
تطوف من حولها.. فهذا الإنسان الذي ينشط في الدوران المغلق ضمن
عالم المكونات وأسباب العيش والطعام والشراب، ثم لا يتجاوزه،
لايتجه نشاطه المغلق ذاك إلى أي هدف كالذي يتجه إليه نشاط تلك
الدابة، بتوجيه من صاحبها وآمرها... وإنما هو السير إلى المتعة
والعيش، ثم عود إلى المتعة والعيش، وهكذا دواليك إلى أن ينتهي
قسطه منهما، ويأتي ميقات انتقاله من ساحة هذه الحياة.

محب الحبيب علي
19 Jan 2008, 09:02 AM
لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والمكان
الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه. ولكن ارحل من الأكوان
إلى المكون {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم:
53/42] وانظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فمن
كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهج

- لايصح في المنطق أن يقال: إن غاية وجود الإنسان في
الدنيا أن يتقلب فيما طاب له من الملذات. وبيان البرهان
المنطقي على ذلك

ولايصح في العقل والمنطق، أن يقال: إن غاية وجود الإنسان في
الدنيا، أن يتقلب في ألوان النعيم، وأن يتناول الطيبات من
الطعام، ويسكن في القصور الباذخة، ثم ينفض يديه من ذلك كله،
ويتخلّى عنه إلى حيث لايدري، وهو يجترّ من فراقه لكل تلك المتع
غصصاً وآلاماً لايقوى على وصفها البيان. ولاتنس أننا إنما
نخاطب من كان مؤمناً إيماناً حقيقياً بالله عز وجل. فأما من
لايزال يعاني من جحوده بالخالق، ويتوهم أن الإنسان إنما يعيش
ليأكل ثم يعيش ليأكل.. بأمر من الطبيعة التي لاتناقَشُ
ولاتجادَل ولاتُسأل، ثم تنهي الطبيعة قصة الحياة كلها على هذا
المنوال، فليس لنا من سبيل إلى هذا الحديث معهم قط، إنما هو
سبيل واحد نسلكه إليهم، هو الدعاء من الله عز وجل لهم أن
يوقظهم إلى حقيقة هذا الكون وأن يريهم الحق حقاً ويرزقهم
اتباعه والباطل باطلاً وأن يرزقهم اجتنابه.

إذن أعود فأقول:
إن كلاً من العقل والمنطق يأبى أن يقال إن الله إنما أودع في
هذه الحياة الدنيا مقومات العيش الإنساني وأسباب الرغد فيها،
ليجد الناس أسباب سعادتهم ولذائذ عيشهم في جنباتها، دون أي
غاية أخرى وراءها.

ذلك لأن حاجة الناس إلى تلك الأسباب إنما
تتجلى بعد وجودهم وخلق الله لهم؛ وإذا افترضنا أن ليس لإيجاد
الله الإنسان من حكمة وموجب سوى أن يتمتع بما يحفظ حياته وعقله
وبنعيم المتع العضوية المختلفة. فمقتضى ذلك أن تنتهي مقاصد
الخلق بطيّ هذه الحياة الدنيا وانقضائها، ومن المعلوم أن حاجة
الإنسان إلى متع العيش وأطايبه، إنما تتحقق بعد وجوده؟ ولكن
لماذا وُجِد حتى اقتضى وجوده أن توفر له تلك المتطلبات؟ ليس من
جواب على هذا السؤال الذي لابدّ أن ينبثق عن هذا التوهم
الباطل، إلا أن يقال: إنه قد وجد عبثاً. وهذا ما نفاه الله عن
ذاته العلية، إذ قال: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ
عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ، فَتَعالَى
اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ
الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } { المؤمنون: 23/115 } .

ولاريب أن
ألوهية الله عز وجل ذاتها، هي الدليل الذي لايقبل الريب، على
أن الإله الحق أجلّ من أن يعبث.

إذن فالمنطق يقرر أن مقومات
العيش التي جهز الله بها مكان الإنسان في حياته الدنيا هذه،
إنما هي أسباب لتدبير عيشه وتنظيم حياته.. وليست هي السبب أو
الحكمة لأصل حياته ووجوده.

أصل حياته وإيجاده يعتمد على حكمة
أخرى، تتلخص في أن الله عز وجل قضت مشيئته أن يقيم خليفة له في
الأرض يعمرها على النهج الذي يرتضيه وطبق الشرعة التي أوحى بها
إليه، بموجب عقد واختيار، لا بسائق قهر واضطرار. فيكون ذلك
العمران القائم على النهج الذي أمره به والمنضبط بالشرعة التي
علّمها له، مظهراً آخر من مظاهر ربوبية الله وحكمته وعدله
وعظيم تدبيره، ثم ليجزيه بعد ذلك الجزاء الأوفى، إن هو أحسن
الخلافة ووفىّ العهد ونفذ الأمر، وإنما الجزاء الأوفى أن يكرمه
الله بالخلود الدائم بعد أن يقوم الناس لرب العالمين، في مقعد
صدق عند مليك مقتدر مكرّما بكل أصناف السعادة
والتكريم.

فالحكمة من إيجاد الله الإنسان، هي هذه، ألم تقرأ
قوله تعالى: { وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي
جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً } { البقرة: 2/30 }
الآيات.

أما الأقوات والأرزاق ومتع الحياة الدنيا ومصالحها،
فإنما هي خدّام للإنسان وحاجاته على الطريق، إذ يباشر واجباته
وينهض بأداء حقوق هذه الخلافة التي كلفه وشرفه الله عز وجل
بها.

إذن فتوجه الإنسان بالحياة إلى رضا الله، بأداء رسالته
وتنفيذ شرعته هو الهدف الكلي الأقدس، أما تعامله مع مقومات
العيش وأسباب الرزق والمتع التي تزخر بها المكونات، فخدم وحشم
أقامهم الله في الطريق إلى تحقيق رسالته وتنفيذ أوامره والنهوض
بأعباء الخلافة عنه.


* * *

محب الحبيب علي
19 Jan 2008, 09:03 AM
لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والمكان
الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه. ولكن ارحل من الأكوان
إلى المكون {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم:
53/42] وانظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فمن
كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهج

- بيان المعنى الأقدس الذي يرمي إليه ابن عطاء الله من
هذه الحكمة

والآن، بعد هذا الذي تبين لك، تدرك مدى أهمية نصيحة ابن عطاء
الله في هذه الحكمة، وتدرك مدى خطورة الشرود عنها. إنه يقول
لك: ألا فلتعلم أن المكونات المسخرة لك، إنما هي سبل ووسائط
سخرها الله لك، لتستعين بها في التوجه إلى الله، فإياك ثم إياك
أن تركن إليها وتحبس نفسك في أقطارها، وتنسى في غمار ذلك رحلتك
التي أنت بصددها إلى الله.

والحق أن الداء الوبيل الذي يعاني
منه أكثر المسلمين اليوم، متمثلين في أفراد أو هيئات أو
مجتمعات أو قيادات ورئاسات، أنهم عن هذه الوصية الكبرى غافلون،
وعن الهدف الأقدس الذي خلقهم الله لأجله معرضون. وداخل أقطار
الوسائط والأسباب والمتع الكونية قابعون. فهم كما قال ابن عطاء
الله يتحركون (بحثاً عن أهوائهم ومتعهم) من كون إلى كون إلى
كون، يراوحون في أماكنهم، وينسجون من ذلك خيوطاً عنكبوتية تلتف
عليهم من حيث لايشعرون، وعاقبة ذلك، الاختناق الذي لامحيص
عنه.

ودعني أضعك أمام نماذج من الحياة التي يتقلب فيها اليوم
كثير من المسلمين، والتي تشكل مصداقاً دقيقاً لهذا الذي يحذر
منه ابن عطاء الله، بل الذي يحذر الله منه مراراً وبأساليب شتى
في قرآنه المبين:

محب الحبيب علي
19 Jan 2008, 09:04 AM
لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والمكان
الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه. ولكن ارحل من الأكوان
إلى المكون {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم:
53/42] وانظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فمن
كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهج

- نماذج من الحياة الواقعية التي تشكل مصداق هذا الذي
يحذر منه ابن عطاء الله:

هذه النماذج تنقسم إلى قسمين: اعتقادية، وسلوكية.



أولاً: نماذج اعتقادية تتمثل في سجن الأسباب الطبيعية إذ
يحبس أنفسهم فيها أولئك الذين يؤلهونها من دون الله

إليك أولاً هذه النماذج الاعتقادية: ينظر أحدهم إلى الكون
فيراه مليئاً بعالم الأسباب والمسببات التي أقامها الله تعالى
وقرن بينهما بمحض سلطانه وتدبيره وخلقه، فتزيغ عيناه وتتيه
بصيرته داخل هذا العالم ثم لايتعداه ولايتجاوزه إلى المسبب
الخالق قط..

يرى السماء وقد تكاثفت فيها الغيوم، فيحلل ذلك
ويعلله، ويعيده إلى فاعلية الأكوان وما يسميه الطبيعة، من
الأبخرة التي تصاعدت من البحار فتجمعت وتكاثفت.. ثم يعيد هذه
الظاهرة الكونية إلى مثلها من عوامل الكون وأسبابه.. فإذا رأى
أن الشتاء قد أقبل وحطّ برحاله، وكاد أن ينقضي دون أن يرى
الناس أمطاراً هطلت ولا غيوماً تكاثفت، بحث لذلك عن عوامل
كونية أخرى كالاحتباس الحراري، أو كخلل في طبقات الأوزون...
فإن سئل عن سبب هذه العوامل ذاتها، تلمس لها سبباً كونياً آخر،
كفساد البيئة، واختلال التوازن في غازات الغلاف الجوي، وهكذا
دواليك، لايبحث عن علّة لظاهرة كونية إلا في ظاهرة كونية
مثلها، ويظل يتيه بين هذه الأغصان الفرعية الكونية، دون أن
يرحل منها أخيراً إلى المكون جل جلاله.

يرى أمراضاً تتسرب إلى
أجسام، ثم تتفاقم الأمراض، فيعقبها الموت وأحياناً الشفاء،
فيبحث لذلك كله عن أسباب كونية طبيعية، ثم يتلمس لتلك الأسباب
أسباباً وعوامل كونية مثلها، ثم ينشد مصدر ذلك كله، فلا يعود
به التيه إلا إلى العوامل الكونية ذاتها، دون أن يتنبه، خلال
بحثه هذا إلى أن هذه السلسلة تبدأ من لدن الفاطر الحكيم جل
جلاله، الذي خلق كل شيء ثم ربط هذا بذاك فجعل من الأول سبباً
ومن الثاني مسبباً، وأخضع الكل لسلطانه وتدبيره.

محب الحبيب علي
19 Jan 2008, 09:04 AM
لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والمكان
الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه. ولكن ارحل من الأكوان
إلى المكون {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم:
53/42] وانظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فمن
كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهج

ثانياً: نماذج من الحياة السلوكية تتمثل في تعامل بعض
الناس مع سلسلة من المتع والنعم يغلقونها بشكل دائري على
أنفسهم، دون أن يخرجوا من أقطارها لرؤية المنعم والتعرف
عليه

وإليك هذه الصور من النماذج السلوكية:

يفتح أحدهم عينيه على
الحياة التي أمدّه الله بها والنعم التي متعه بها، فيرى
العاقبة التي تسري في كيانه، والمال الذي أغدقه الله عليه،
والدار التي أسكنه وآواه فيها.. فيبحث لعافيته عن المتع
والمشتهيات التي يحكم بها، ويبحث للمال المتراكم عنده عن
الحفلات والسهرات التي ينتشي في أجوائها، ويملأ الدار التي
آواه الله فيها بأنواع التحف والرياش التي يفاخر ويباهي بها..
فإذا اهتزت أو اضطربت منه العافية لمبالغته في العكوف على
المشتهيات هرع إلى الأطباء والعلاجات والمصحات والتحاليل،
ليستعيد عافيته وليطمئن إلى أنه سوي الجسم والدخائل العضوية،
فيعود إلى التمتع بمشتهياته.. وإذا قلّ المال وتراجع الكمّ
الحسابي لديه من جراء الليالي الساهرة والحفلات العامرة، أسرع
يغامر ابتغاء مزيد من المشاريع التجارية، ومدّ يده لاهثاً إلى
ما يمكن أن تصل إليه من أموال الآخرين وحقوقهم بشتى الطرق
الملتوية الممكنة.. وينظر ليجد أن أثاث منزله قد تقادم عليه
العهد، وأن النمط الذي كان قد أعجبه منه قد نسخ، فيضطره الحال
إلى أن يعود فيجدد أو يضاعف من نشاطه المالي.

وهكذا، فإن كل
جانب من جوانب مبتغياته المعيشية أو الكونية، يسلمه إلى جانب
آخر، وما يلبث هذا الجانب الثاني أن يسلمه إلى جانب ثالث، وقد
تحولت حاجاته المعيشية كلها إلى هدف كلي، بعد أن جعلها الله له
وسائل إلى الوظيفة القدسية التي خلق من أجلها.

فانظر كيف يرحل
هذا الإنسان وأمثاله من كون إلى كون إلى كون، ليعود إلى النقطة
التي بدأ منها.. ثم يواصل الدوران مرة أخرى، فثالثة فرابعة،
حتى توافيه المنية وهو على هذه الحال.

وتأمل في حال هذا
الإنسان، كيف حول نفسه من عبد لله موظف لديه، مكلف بإنجاز
المهمة التي خلق من أجلها، إلى عبد للإمكانات التي سخرها الله
له، يعيش في غمارها، ويحبس نفسه في أقطارها، وقد أصمّ أذنيه
وأعمى قلبه عن نداء الله القائل له: { وَابْتَغِ فِي ما
آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ } { القصص: 28/77 } وعن
قوله عز وجل: { يا أَيُّها الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلَى
رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ } { الانشقاق: 84/6 } وعن
قوله: { إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى } { العلق: 96/8 }
.

وفي قول ابن عطاء الله ((ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون))
ما يدلك على أن الإنسان ليس مكلفاً بالإعراض عن المكونات التي
سخرت له، بل ينبغي أن يلتفت إليها ويهتم بها ويستخدمها، ولكن
على أنها مطية ذلول، تنقله إلى رحاب المكوِّن جل جلاله من خلال
استخدامه لها واستفادته منها وارتحاله إلى الله منها. العافية
مطلوبة، والمال لابدّ منه، والمسكن الفاره نعمة وأي نعمة،
وبناء الأسرة عن طريق الزواج ومتعته خير وأي خير.. والصناعات
والتجارات والعلوم والمعارف مفاتيح لابدّ من استعمالها. ولكنها
جميعاً يجب أن توضع في خدمة المهمة التي خلق الإنسان من أجلها،
وفي عون الأمانة التي حمّله الله إياها.. إنها سلّم ذو درجات
من المكونات، يجب أن تستعمل مرقاة لبلوغ مرضاة المكون وتنفيذ
أوامره، لا أن تتخذ أداة لصدّ صاحبها عن السير إلى الله وتلمس
السبيل إلى مرضاته.


* * *

محب الحبيب علي
19 Jan 2008, 09:04 AM
لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والمكان
الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه. ولكن ارحل من الأكوان
إلى المكون {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم:
53/42] وانظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فمن
كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهج

- إن الذي هو أسوأ من أن يرحل الإنسان بشكل دائري من كون
إلى كون، أن يرحل من المكوِّن إلى الأكوان!.. أي أن يسخر
دينه لدنياه. وعرض نماذج مؤسفة لهذا الواقع

غير أن الذي هو أسوأ وأخطر من هذا، أن يرحل الإنسان من
المكوِّن إلى الأكوان!.. وإنما يكون ذلك بأن يؤدي الوظائف
والواجبات الدينية المختلفة من عبادات وقربات مختلفة، ولكنه
يتخذ منها مطايا وأدوات لنيل مبتغياته الدنيوية، من جاه أو
مال، أو حظوة، أو شهرة، أو غير ذلك من حظوظ النفس.

والنماذج
الحية الواقعية لهذا النهج كثيرة:

إن هذه الفصول التي أكتبها
في الدعوة إلى الله، والتعريف بآداب السلوك إليه، واحد من هذه
النماذج إن أنا ابتغيت منها مالاً أناله، أو شهرة أتمتع بها،
أو ثناء أطرب له. والله هو المستعان أن يجعلني في حصنه الواقي
من شرّ نفسي وشرّ ما جبلت عليه.

وإن الفتاوى التي تحبك حبكاً
مصلحياً، ثم تصدّر أملاً في مغانم أو فراراً من مغارم أو
مصانعة لفئات أو جماعات، واحدة من هذه النماذج، يغيب عنها
سلطان الإله المكوّن، ليهيمن عليها سلطان المكوَّنات ذات
الألوان والجاذبيات المتنوعة.

وإن الانتصار للرأي الاجتهادي
في الدين، واحد من هذه النماذج، عندما تكون العصبية للذات هي
العامل الكامن وراء هذا الانتصار، وما أكثر ما تستعمل
الاجتهادات الدينية غذاء خفياً للأنانية الفردية أو الجماعية،
وأداة سباق في حلبة الصراع بين الفئات أو الأقران.

وإن التجمل
بألقاب الدين ومظاهره في الكيان والملبس، وشغل اللسان بأحاديثه
وبما يدّل على مشاعر الاهتمام به والغيرة عليه، هو الآخر من
هذه النماذج، عندما يبتغى منه ترويج تجارة، أو جذب مزيد من
الزبائن، أو إخفاء ما تتم ممارسته من غش المعاملة.

إن الصورة
في هذه النماذج كلها، صورة تعامل مع الله، وإقبال على الخالق
المكون، ولكن الحقيقة الخفية الكامنة، أنها رحلة من الله إلى
الدنيا، وخوض في غمار المكوّنات.

وهذا ما نبه إليه ابن عطاء
الله وحذر منه عندما وضعنا من هذا الخطر أمام قول رسول الله :
((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن
كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما
هاجر إليه)) إذ الهجرة في شكلها تعامل مع المكون وتقرب إلى
الله بعمل هو من أجلّ القربات والمبرات.. ولكن عندما يغيب
القصد الرباني وتختفي الغاية القدسية المتمثلة في بلوغ مرضاة
الله تعالى، يهبط هذا العمل بصاحبه إلى ساحة التعامل مع
المكونات والسير وراءها والتقوقع داخل أقطارها.

بقي أن كلاّ
منا، لابدّ أن يتساءل - بعد هذا الذي تم بيانه - عن العلاج..
العلاج الذي إذا أخذ به المؤمن نفسه تحرر من أسر الأكوان
وانتقل منها إلى المكون: يدين له، ويتعامل معه، ويستخدم الدنيا
كلها لبلوغ مرضاته؟.. أجل، ما العلاج؟

محب الحبيب علي
19 Jan 2008, 09:05 AM
لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والمكان
الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه. ولكن ارحل من الأكوان
إلى المكون {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم:
53/42] وانظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فمن
كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهج

- بيان العلاج الذي إذا أخذ به المؤمن نفسه تحرر من سجن
الدوران داخل الأكوان، وانتقل منها إلى المكون

العلاج، أن نعود إلى الحكمة التي قبل هذه مباشرة والتي يقول
فيها ابن عطاء الله ((العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك
له عنه، ويطلب ما لابقاء له معه))، فنتذكر أن الإنسان مهما عاش
وطال به الأمد فوق هذه الأرض، لابدّ أن يوافيه الأجل الذي
سيواجهه في ميقاته المحدد، دون تقدم ولا تأخر، والذي سيحمله
على أن ينفض يديه من المكوّنات كلها، وعلى أن يتخلّى عنها،
متجهاً في أعقاب ذلك إلى المكوِّن جل جلاله.

فإذا استقر في
ذهني وذهنك أننا من الدنيا كلها في مستودع، وأننا مشدودون خلال
كل لحظة من وجودنا فيها إلى المقرّ، حيث وقفة الحساب بين يدي
الناقد البصير جل جلاله، وحيث يطرح على كل منا السؤال القائل:
لقد متعتك بعُمُرٍ بماذا ملأته؟ ومتعتك بعافية، فيم صرفتها؟
ومتعتك بمال فيم أنفقته؟ ومتعتك بعلم ماذا صنعت به؟.. فلسوف
نحرص اليوم كل الحرص، على أن لايكون جوابنا آنذاك: لقد اتخذت
من ذلك كله سجناً قبعت في أرجائه، ومعبوداً اتخذته من دونك،
وغاية أنستني لقاءك في هذا اليوم الموعود..

ولسوف نعلم أن
سبيلنا إلى ذلك، أن نبدأ فنشدّ صلتنا بالله عز وجل عن طريق
الذكر والفكر، نذكر دائماً معيته لنا ومراقبته إيانا، ونصائحه
ووصاياه التي يلاحقنا بها.. ثم نذكر الميقات المحدد الخفي
لمفارقة هذه الحياة الدنيا بكل ما فيها، وضجعة الموت التي
ستسلمنا إلى الحياة البرزخية، فالحياة الآخرة التي هي دار
الخلود والقرار.. ثم نذكر أن الذي يصحبنا خلال هذه المراحل
والتقلبات كلها هو الله.. هو أنيسنا، وهو نجيّنا، وإليه وحده
مفتاح سعادتنا أو شقائنا.

فأي عاقل، يبقى بعد معرفته لهذا
كله، قابعاً متطوحاً في سجن المكوّنات، يراوح في مكانه، ينتظر
قضاء الله أن يقذف به إلى الغاية التي تناساها ولم تنسه، وفرّ
منها إلى هذا السجن فتابعته ولحقته؟!..

اللهم أيقظنا قبل فوات
الأوان، وألهمنا الخروج من سجن المكونات إليك آمنين مطمئنين،
قبل أن يخرجنا منه أذلاء نادمين، قضاؤك المبرم في يومك
الموعود، إنك الحكيم اللطيف الودود، والسميع المجيب.




* * *

محب الحبيب علي
20 Jan 2008, 09:25 AM
الحكمة الثالثة والأربعون



لاتصحب من لاينهضك حاله، ولايدلّك على الله مقاله

- هذه الحكمة جواب عمن يسأل قائلاً: لقد أكرمني الله
بالهداية بعد الضلال، فكيف أحافظ عليها وأتقي الرجوع إلى
الضلالة التي عوفيت منها

كثيراً ما يطرح أحدهم السؤال التالي متلهفاً:

لقد أكرمني الله
بالهداية بعد الضلال، والتزمت أوامره بعد طول إعراض وشرود،
ولقد عزمت على الابتعاد عن نواهيه، ولكن الغريزة البشرية ما
تزال تهتاج بي، وتسوّل إلّي المحرمات، وتدفعني للرجوع إليها،
وأجد نفسي ضعيفاً أمام هذا الصراع. فما الملاذ وكيف
الخلاص؟

أعتقد أن الجواب عن هذا السؤال، في أكثر الأحيان،
واحد، هو هذا الذي يقوله ابن عطاء الله!..

إن المناخ الذي
يحيط بالإنسان الذي هداه الله (لاسيما إن كان شاباً) يلعب
دوراً كبيراً في تثبيت هدايته أو في بعث عوامل الاضطراب والضعف
فيها.

فإن كان الناس الذين من حوله، والذين يشكلون المناخ
الذي يتحرك وينشط فيه، من الصالحين المستقيمين على أوامر الله،
ومن الذين فاضت قلوبهم بمشاعر العبودية لله، فلسوف يزداد هداية
وحباً للاستقامة، وتقرباً إلى الله عز وجل، وكراهية للحال التي
كان عليها من قبل.

وإن كانوا من أصحابه التائهين الذين كان
يلقاهم ويسامرهم على موائد اللهو والعصيان، وكانوا لايزالون
يتيهون في انحرافاتهم وغيهم، فلسوف يلقى من صحبتهم عنتاً
كبيراً، ولسوف يثور بين جوانحه الحنين إلى ماضي فسوقه معهم،
ولابدّ أن تمتد من ذلك ظلل من الضيق إلى قلبه وأن تهتاج عاصفة
من الرغبات داخل غرائزه، فيقوم من ذلك بين جوانحه صراع، الله
أعلم بنتائجه.

محب الحبيب علي
20 Jan 2008, 09:25 AM
لاتصحب من لاينهضك حاله، ولايدلّك على الله مقاله

- المشكل أن في الناس أن من وراء المادة المرئية أسراراً
وتجليات إلهية، تفعل أفعالها الهامة في كيان الإنسان، شرح
وبيان لهذه الأسرار

والمشكل أن في الناس من لا يعلمون، أن من وراء المادة المرئية
أسراراً تدق عن الرؤية والرصد، تفعل أفعالها الهامة والخطيرة
في الكيان، وأن لكل من الفسوق الذي يتراكم ويهيمن على النفس،
وللتقوى ومشاعر العبودية الواجفة لله إذ تهيمن هي الأخرى على
النفس، جاذباً خفياً عجيباً، أشبه ما يكون بالجاذب الذي أودعه
الله في هذا المعدن الذي نسميه ((المغناطيس)).

إن لله تجليات
على عباده.. له تجليات رحمة يقبل بها على المتحققين بمعاني
العبودية له عز وجل، التزاماً وذكراً وتعظيماً ومهابة وحباً،
واستغفاراً وتوبة عند كل إساءة وتقصير.. وله تجليات مقت يقبل
بها على السادرين في غيهم، العاكفين على فسقهم، المستخفين
بشرائع ربهم…

أفتظن أن الرحمة التي يتجلى الله بها على الصنف
الأول من عباده، تبقى خفية داخل سرائرهم وفي عمق كياناتهم؟..
إن الأمر ليس كذلك، لابدّ أن تطفح آثار هذا التجلي، أو التوجه،
على ظواهرهم وأشكالهم، ولابدّ أن تسري منه أشعة تمتد من نفوسهم
إلى أبصارهم، فتخترقها لتسري إلى طوايا نفوس الأقربين منهم
والجالسين إليهم، دون أن تدركها الأبصار، إذ هي ليست من نوع
الأشعة المحسوسة التي تعكس أنوارها على الجدران والأرض
والبقاع، وإنما هي أشبه بتلك الألوان التي تسمى فوق
البنفسجية.. وسرعان ما يظهر أثر ذلك على أولئك الذين يجالسونهم
ويقبلون إليهم، رقةً في القلب، وانشراحاً في الصدر، وحنيناً
إلى الحق جل جلاله.

كذلكم الحال عندما يكون الأمر على النقيض
من ذلك: فإذا تجلى الله تجلّي مقت على الفريق الثاني من عباده،
فلابدّ أن تطفح آثار ذلك المقت والغضب الإلهي على ظواهرهم،
تمتدّ من ذلك قترة على وجوههم وقسماتهم، وتخترق من ذلك المقت
أشعةٌ غير مرئية، نفوسهم فأبْصارهم، لتسري إلى نفوس الأقربين
منهم والجالسين إليهم، قسّوةً في القلب، وضيقاً في الصدر،
وضعفاً واستخذاء أمام الغرائز والأهواء.

إن لتجليات الله قصة
وأي قصة، يضيق عن ذكرها البيان، تبرز الصورة الباهرة الأخاذة
منها، في تجلّي الله عز وجل لجبل الطور إذ كان يناجي كليمه
موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فانعكس من آثار ذلك
التجلي على موسى الذي لم يكن يرى إلا الجبل، ما جعله يقع أرضاً
ويخر‍ّ صعقاً.

وتبرز الصور الملطفة والمصغرة عنها في تجليات
الله على قلوب عباده، فما كان منها تجلي تحبب وجذب وألطاف،
تنسي صاحب ذلك القلب ذاته والدنيا التي من حوله، وتقذف به في
يم من النشوة والنعيم لا ساحل له، وتملأ كيانه رضا، أياً كانت
الحال التي هو فيها… وما كان منها تجلي مقت وغضب، يغلّف قلب
صاحبه بغلاف من القسوة التي تتجاوز قسوة الحجارة، كما قال الله
عز وجل، ويستثير في كيانه أسوأ الغرائز والطباع، ويحجبه عن
بوارق الحقيقة اللامعة، وعن آيات الله الباهرة.

والمهم أن
تعلم أن لكل من هذين التجليين آثاراً تمتد إلى الآخرين من
المجالسين والأقربين، فتجليات الحب والرحمة تسري أنوارها
وأشعتها غير المرئية إلى نفوسهم بسائق الرشاش والعدوى، وتجليات
المقت والقهر، يمتدّ دخانها وفيح ظلماتها إليهم أيضاً بالسبب
ذاته.

وصدق رسول الله القائل: ((مثل الجليس الصالح والجليس
السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك
وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير
إما أن يحرق ثيابك أو أن تجد ريحاً خبيثة))(1).

إنك لتلاحظ أن
رسول الله ، ينقل آثار التجليات الإلهية بنوعيها، وهي معنوية
شعورية، إلى ساحة التجليات المادية والحسية، ليؤكد لك أن آثار
الأولى بالنسبة للجليس، ليست أقل أهمية وفاعلية من الثانية..
ولتعلم أن الحقائق العلمية اليوم لم تعد كما كانت في وهم
الناس، أيام ديكارت وغاليله، محصورة في المادة التي تراها
العين أو تخضع للحواس.. إنها اليوم تجاوزت دائرة المادة إلى
ماوراءها من دنيا الروح وسلطان العلاقات الشعورية والمعنوية..
إن الأشعة الخفية المنبثقة من النفس من شأنها أن تخترق عيني
صاحبها متجهة إلى نفسية الجليس المقابل، دون رؤية منه لها. أما
سلطان هذه الأشعة فعائد إلى الله عز وجل، إذ هي في أصلها آتية
من عنده منبثقة، كما أوضحنا، من تجلياته..


* * *

محب الحبيب علي
20 Jan 2008, 09:26 AM
لاتصحب من لاينهضك حاله، ولايدلّك على الله مقاله

- هما حال، ومقال، ينبغي أن يتحققا فيمن تصاحبه. بيان
مفصل لكل من الحال والمقال

فإذا استيقنت هذا الذي قلته لك، وعلمت أنها حقيقة علمية ثابتة،
قبل أن تكون خبراً دينياً مجرداً، تجلت لك عندئذ أهمية النصيحة
التي يتوجه إليك بها ابن عطاء الله. إذ يقول لك: ((لاتصحب من
لاينهضك حاله، ولايدلك على الله مقاله)).

هما حال ومقال،
ينبغي أن يجتمعا ويتحققا فيمن تصاحبه وتجالسه.

أما الحال،
فوضع يتلبس كيان الإنسان من جراء ما انتهى إليه باطنه من تزكية
النفس، وطهارة القلب، وتحوّله إلى وعاء يفيض بمراقبة الله
وتعظيمه والخوف منه والحبّ له. وبالجملة فالحال المعنيّ بها
هنا هي تخلُّص الإنسان مما سماه الله باطن الإثم.

صاحب هذه
الحال، ينبعث تأثير من كيانه، من نظراته، من قسمات وجهه، من
سرّ ينبعث من عموم وضعه، إلى جليسه القريب منه والمقابل له،
دون حاجة إلى أن يتكلم وينصح ويناقش.. إذ إن هذا السرّ الذي
سبق أن حدثتك عنه، والذي تنبعث آثاره من باطن الكيان إلى
ظاهره، يترك في نفس الجليس من النتائج ما لاتستطيع المواعظ
الكلامية أن تحققه. وما أكثر الأعراب الذين انتقلوا خلال دقائق
معدودة، من أقصى أودية التيه إلى أعلى درجات الهداية، عندما
ضمهم مجلس فيه رسول الله ، وصافحت أعينهم قسمات وجهه، فسرى من
حاله القلبية مع الله عز وجل، إلى نفوسهم، ما أيقظ فيها كوامن
الفطرة، وألهب فيها مشاعر الحنين إلى الحق واسقط منها ركام
الأهواء والعصبيات.

وكم في أصحاب رسول الله، ثم في التابعين
الذين جاؤوا من بعدهم، فالذين جاؤوا من بعدهم، من هدى الله في
مجالسهم ضالين وزائغين عن محجة الإسلام، دون أن يتجهوا إليهم
بأي موعظة أو يحدثوهم بكلمة. إنما هو الحال التي شعت من داخل
نفوسهم إلى أعينهم ووجوههم، فسرى منها تأثير رباني إلى أفئدة
أولئك التائهين والزائغين، فكان ذلك منطلق اصطلاحهم مع الله،
وانقيادهم لسلطانه وأمره.

تلك هي الحال، ذكرتها لك باختصار،
وأما المقال فيتمثل في أن يكون هذا الذي تصحبه وتجالسه، ممن
لايألو جهداً في نصيحتك، يأمرك بالمعروف إن نسيته أو أعرضت
عنه، وينهاك عن المنكر أن تلبست به، يشدّ همتك إلى مزيد من
الإقبال على الله بكل ما يملك من أساليب الإرشاد والتوجيه،
يتجه إليك بذلك كله بدافع من الإخلاص لوجه الله عز وجل،
متقيداً بالحكمة الحسنة، وبالآداب المعروفة التي يجب أن يتقيد
بها المرشد والناصح.

والشأن في هذا الناصح، إن كان متقيداً
بهذه الضوابط والآداب، أن يذكّرك بالله ولا يجاملك إن رآك على
حالة لاترضي الله عز وجل، ولكن تحت مظلة من الستر، كما قد أمر
الله عز وجل، وبطريقة محببة حكيمة، كما هو شأن الرسل والأنبياء
والربانيين.

ولايكفي في الصاحب الذي تركن إليه أن يكون ذا حال
صامتة، لايذكرك بأخطائك ولاينهاك عن عثراتك. إن مثل هذا
الإنسان إن كان صاحب حال حقاً، فلابدّ أن يكون من أهل الجذب
الذين شغلهم حالهم عن النظر في أمر الآخرين والاهتمام
بشؤونهم.. وعندئذ فإن اقتصارك على صحبة من كانوا على هذه
الشاكلة خطأ لامبرر له.

كما لايكفي أن يكون هذا الصاحب، ذا
منطق متوهج بالنصح والموعظة والإرشاد، إن لم يكن قبل ذلك أو مع
ذلك ذا حال مما قد وصفت لك. إن مثل هذا الناصح سيتخذ من نصحه
إذن سلّم علوّ في الأرض.. فإن كان دونك في الرتبة بنى لنفسه من
نصحه لك أمجاداً أمام الناس، وإن كان فوقك في الرتبة أغلظ لك
في النصح وتسامى عليك بما ينصحك به ويدلّك عليه، ودرّبك على
كيفية توقيره وتعظيمه ومعرفة كبير حقه عليك. وبالجملة: الناصح
الذي لايتمتع بالحال القلبية التي وصفتها لك، سيجعل من أنشطة
نصحه ومواعظه وإرشاداته حرفة دنيوية يبتغي من ورائها حظوظ
النفس وأهواءها.. وهيهات لمثل هذا الناصح أن تسري نصائحه من
الآذان إلى القلوب.

فمن هنا يطلب منك ابن عطاء الله، أن
تستعين للاستقامة على الرشد بمجالسة الصالحين دون غيرهم، ثم
يصف الصالحين بأنهم أولئك الذين اجتمعت فيهم صفتان اثنتان:
الحال القلبية مع الله، والنصيحة اللسانية مع عباد الله.
فبحاله الصامتة يستنهضك إلى تقويم الاعوجاج والمبادرة إلى
التوبة، وبنصحه اللساني، يعرّفك على الطريق ويبصّرك بالأحكام
ويبعدك عن الشبهات ومطارح اللبس. ولاتغني واحدة من هاتين
الصفتين عن الأخرى.

ولاأشك في أن الذين يتاح لهم الالتزام
بهذا النصح، سيجدون منه الحصن الذي يقيهم من وساوس نفوسهم، ومن
كيد شياطين الإنس والجن. والصعوبة لاتكمن في صعوبة العثور على
الإخوة الصالحين والناصحين، فلايزال في مجتمعاتنا من هذه
النخبة كثير بحمد الله عز وجل. وإنما تكمن الصعوبة في أن يظلّ
أحدنا - مهما تقلب وقام بأنشطته الدنيوية التي لامناص منها -
داخل المناخ الإسلامي الصالح والناصح!.. لابدّ أن تدفعه مصالحه
الدنيوية وتحركاته المعيشية إلى الاحتكاك بالآخرين، وأعني
بالآخرين، الذين لاينهضك حالهم ولايدلّك على الله
مقالهم.

فكيف السبيل للتغلب على هذه الصعوبة؟

السبيل أن تفرق
بين الصحبة التي يتحدث عنها ابن عطاء الله، التي ما ينبغي أن
يفوز بها منك إلا أولئك الصالحون في أحوالهم الصامتة ونصائحهم
الناطقة، واللقاءات العابرة التي تأتي وتمضي بها المصالح
العارضة. اجعل صحبتك المقصودة لذاتها مع الذين وصفهم لك ابن
عطاء الله، واجعل علاقتك بالآخرين بالقدر الذي تضطرك إليها
ضرورات معايشك وواجبات وظائفك.

محب الحبيب علي
20 Jan 2008, 09:26 AM
لاتصحب من لاينهضك حاله، ولايدلّك على الله مقاله

- بقي أن في الناس من يسأل: فكيف السبيل إلى تنفيذ هذه
النصيحة، بالنسبة لمن زجت بهم ظروفهم للعيش في المجتمعات
الغربية

بقي أن في الناس من يسأل: فكيف السبيل إلى هذه النصيحة الهامة،
لمن زجت بهم ظروفهم إلى العيش دواماً أو مؤقتاً، في المجتمعات
الغربية، الأوربية أو الأمريكية؟


- بيان الجواب مفصلاً: مع التنويه بمشكلة الفتاوى الشرعية
الجاهزة، استجابة لما يسمى اليوم بفقه الأقليات

وأقول: إن مناط الحلّ والحرمة في عمل هؤلاء الناس، يتمثل في
المناخ الذي يعيشون ويتقلبون فيه. فإن أتيح لهم أن ينسجوا
لأنفسهم مجتمعاً صغيراً يحيط بهم، يتألف من أفراد صالحين
ناصحين، لهم حال إسلامية تهيمن على بواطنهم، والتزام إسلامي
يضبط أعمالهم وسلوكاتهم، بحيث تتوفر لهم ولأولادهم في ذلك
المناخ أو المجتمع الصغير، النشأة الإسلامية والتربية
الإيمانية، بعيداً عن المؤثرات التي تعكر عليهم صفو حياتهم
الإسلامية، فلاحرج عليهم في أن يقيموا حيثما نحقق لهم فيه هذا
المناخ أو المجتمع الصغير.

أما إن لم يتمكنوا من أن ينسجوا
لأنفسهم هذا المناخ الذي وصفت، وكان شأنهم هذا الذي نراه
غالباً، من أنهم كلما أرادوا إيجاد هذا المناخ لأنفسهم تغلبت
عليهم واهتاجت من حولهم التيارات الضالة الفاسدة، فبددت لهم
المناخ وفتتّت نسيجه، واقتحمت عليهم دُورَهم ومؤسساتهم،
وملتقياتهم الأسرية والعائلية، لتلون حياتهم وأفكارهم شيئاً
فشيئاً بلون المجتمع الذي يقيمون فيه، ريباً في العقائد
الإيمانية، أو إعراضاً عن الالتزامات السلوكية، أو استئناساً
وتقبلاً لما يرونه حولهم من مظاهر الفسوق والعصيان، فليعلموا
أنهم إذن يخسرون، شيئاً فشيئاً، أثمن وأجلّ ما قد خلقهم الله
من أجله.. وليعلموا أن كل ما تسوله لهم نفوسهم من مبررات
بقائهم على هذه الحال، كالضرورات واقتضاء المصالح، ومستلزمات
الدعوة، أوهام باطلة لاتقرها موازين الشرع وأحكامه.

أما
الفتاوى التي تتوالى بتبرير ذلك كله وإعطائه السمة الشرعية
المقبولة عند الله عز وجل، فلاأشك في أنها فتاوى حِرَفية يبتغى
من ورائها مغنم دنيوي أو تجاوب مع سياسة مرسومة رعاية لمصلحة
فئة أو جماعة.. إن سائر تلك الفتاوى تحبك ثم تدار على محور أو
أساس ما يسمونه ((الضرورة)) وأشهد أن الضرورة الشرعية بمعزل عن
ضرورتهم التي يفترضونها أو يتخيلونها. الضرورة الشرعية
المعروفة هي تلك التي إن لم يراعها صاحبها، تعرّض هو أو أي من
زوجه وأولاده (يقيناً أو ظناً) لهلاك، من جراء جوع أو عري أو
شرود في العراء..

ولقد زرناهم في بلدانهم ومناطقهم التي
يقيمون فيها، وتعرفنا على أحوالهم وأوضاعهم، فلم نجد أي ضرورة
تطبق على أحد منهم أو تتابعه وتتهدده، إنما هي الرغبة في مزيد
من المتعة والتوسع. ويأتي ذلك كله - مع الأسف - على حساب
الأوامر الإلهية والأحكام الشرعية، نظراً لمقتضيات انسجامهم مع
الأنظمة السائدة والتيارات المهيمنة. وهي كلها مناقضة لدين
الله وهديه في المنطلق الأساسي وفي السلوكيات الجزئية
العملية.

وصفوة القول: أن المناخ أو المجتمع الصغير الذي يحيط
بالمسلم، والذي لاينهضه حاله إلى الانقياد لأوامر الله، بل
الشأن فيه أن يتخبطه كما يتخبطه الشيطان من المسّ وأن يهوّن
عليه سبيل الشرود عن أوامر الله ويبعث في نفسه مشاعر الاستخفاف
بمبادئه وأحكامه، ثم لايجد فيه مقالاً يدله على شرائع الله
وأوامره ويحذره من نواهيه، فهو مجتمع سيء آس يجب الإسراع، جهد
الاستطاعة، في الابتعاد عنه والتخلص منه سواء كان مجتمعه ذاك
جزءاً من دار كفر أو دار إسلام، كي لايقع يوم القيامة تحت
طائلة قول الله له { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً
فَتُهاجِرُوا فِيها } { النساء: 4/97 } .

أما إن كان المناخ
أو المجتمع الذي ينشط ويتحرك فيه، له حال ينهضه إلى الانقياد
لسلطان الله وأداء حق العبودية له، وفيه من التذكرة القولية ما
يبصره بأحكام الله وحدوده، وأمامه ومن حوله متسع يمكنه من
تنفيذ شرائعه وأحكامه وآدابه، فهو مجتمع إنساني مفيد، ولاحرج
في الركون إليه والإقامة فيه، سواء كان هو الآخر جزءاً من دار
كفر أو دار إسلام. وصدق الله القائل: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا
مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } { الملك: 67/15 }
.

فالأصل إذن، كما يقول الله عز وجل، الإباحة.. إباحة التنقل
والإقامة في بلاد الله الواسعة. ولكن حكم الإباحة يبقى أو
يتبدل، حسب الأسباب الطارئة والعوارض المتبدّلة، والمقياس، أو
الميزان ليس إلا هذا الذي ذكرته لك.

وإنما يقدر هذا المقياس
حق قدره ويعلم مدى أهميته، من عرف نفسه عبداً مملوكاً لله،
ودان لما بعد الموت، واتخذ دنياه التي يسعى إليها مطية لدينه
الذي خلق من أجله، وبوسعي أن أقول لمثل هذا الإنسان، مطمئناً:
استفت نفسك، وإن أفتاك المفتون.


* * *

محب الحبيب علي
26 Jan 2008, 11:33 AM
الحكمة الرابعة والأربعون



ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسانَ منك صحبتُك إلى من هو
أسوأ حالاً منك

- بيان معنى الحكمة بمثال

هذه الحكمة مرتبطة بالتي قبلها ومتممة لها.

زيد من الناس مؤمن
بالله، يمارس إسلامه إجمالاً: يؤدي فرائضه الخمس، وينهض
بالواجبات الأساسية من الدين، ولكنه مقصر في جنب الله عز وجل،
منصرف إلى دنياه، منغمس في متعه وأهوائه، يصرف جلّ وقته
لمصالحه الدنيوية العاجلة... وهو في الوقت ذاته يركن إلى صحبة
أناس هم أسوأ حالاً منه، فاسقون، مارقون، لا يؤدون حتى الفروض
الأساسية التي يؤديها هذا الإنسان.

إن من شأن هذه الصحبة أن
تخيل إلى زيد هذا أنه نموذج للمسلم المستقيم على أوامر ربه،
وأنه من النخبة الممتازة في المسلمين، وأنه يؤدي حقوق الله
عليه، كاملة غير منقوصة!.. ولاريب أن هذا الخيال، إذ يستحوذ
على صاحبه يجرّه إلى أخطر النتائج وإلى أسوأ الأحوال، إذ ينسيه
مظاهر عيوبه وتقصيره في جنب الله.

إن المطلوب من الإنسان
المسلم أياً كان في واقعه ومستواه، أن يتيقظ إلى نقائصه
وعيوبه، وأن يتلمس في الناس الذين يريد أن يصطفيهم لصحبته، من
يكون عوناً له في الكشف عن عيوبه ومظاهر انحرافه وتقصيره.
وإنما يتيسر له العثور على هذه النخبة، عندما يحرص على أن
لايصاحب إلاّ من هو أسبق منه في الاصطلاح مع الله، وأكثر
التزاماً بأوامر الله. فإن هو تورط فوقع في نقيض ذلك، أعجبته
نفسه بحكم النسبية التي تفرض ذاتها عليه، من خلال صحبته
لأقرانه الذين هم أسوأ حالاً منه، فلم يجد ما يحفزه إلى النهوض
بنفسه نحو أي إصلاح، بل الشأن فيه أن يتراجع شيئاً فشيئاً إلى
التغلب وأن تجنح به النفس إلى حال من اللامبالاة!..

إن ثمة
عوامل كثيرة من شأنها أن تدفع مسلماً ما، على غرار زيد هذا
الذي وصفته لك، إلى مصاحبة من هم أسوأ حالاً منه. ولكن من أهم
وأخطر هذه العوامل، ما يحدّث به هذا المسلم نفسه، من أنه
سيتسرب إلى صفوف هؤلاء التائهين، فيصاحبهم، ويخلط نفسه بهم،
ويلقاهم على موائد عصيانهم، وفي تقلبات لهوهم، ريثما يستأنسون
به ويركنون إليه، وعندئذ يوظف استئناسهم به وركونهم إليه، في
توجيههم إلى الله، وإبعادهم عن الآثام والموبقات.

محب الحبيب علي
26 Jan 2008, 11:34 AM
ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسانَ منك صحبتُك إلى من هو
أسوأ حالاً منك

- يندفع زيد من الناس إلى مصاحبة من هو أسوأ حالاً منه،
ليهديهم. ولكن الذي يحدث أنه يبتلى بأمراضهم وينجذب إلى
نقائصهم

ولكن الذي يحدث أنه يبتلى بأمراضهم، ويصيبه من رشاش
انحرافاتهم، وأول هذه الابتلاءات أنه يزداد زهواً بنفسه
وإعجاباً بها، كلما اختلط بهم ووقع على المزيد من انحرافاتهم
وسوء أحوالهم، إذ يرى نفسه يصلّي ولايصلون، ويصوم ولايصومون،
ويترفع عن الموبقات ولايترفعون.

وعندئذ بدلاً من أن يستأنسوا
به، يستأنس هو بسوء أحوالهم، وبدلاً من أن يركنوا إليه يركن هو
إلى فسوقهم، وإنما يتم ذلك كله في غمار صحبته لهم، وفي ظل
إعجابه بنفسه إذ يرى نفسه المتفوق عليهم والمتميز عنهم.

فهذا
ما يقوله ابن عطاء الله من خلال حكمته هذه، إنه يقول: ربما
خيلت صحبتك لمن هم أسوأ حالاً منك، أنك محسن في الالتزام
بأوامر الله، مستقيم في السير على صراط الله، وحجبتك عن شهود
نقائصك وعيوبك، وعن تقصيرك في جنب الله عز وجل.. وكلمة
((ربما)) هنا للتكثير، وليست للتقليل، فهي في الدلالة كقول
الله تعالى: { رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ
كانُوا مُسْلِمِينَ } { الحجر: 15/2 } .

محب الحبيب علي
26 Jan 2008, 11:35 AM
ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسانَ منك صحبتُك إلى من هو
أسوأ حالاً منك

- قد تقول: فإن صح هذا، فلامجال إذن لتوجه المسلم إلى
دعوة التائهين والمنحرفين، وبيان الجواب عن ذلك مفصلاً

ولعلك تقول: فإن صح هذا الذي يقوله ابن عطاء الله، فلامجال إذن
لتوجه المسلم إلى دعوة التائهين والمنحرفين إلى الله ونصحهم
بالاستقامة على أوامر الله.

والجواب أن دعوة الضالين
والتائهين إلى الله، لاتستدعي أن يركن إليهم بالصحبة التي يحذر
منها ابن عطاء الله، إنها تستدعي الوقوف معهم، والحديث إليهم،
ومحاورتهم في أمور الدعوة ومستلزماتها.. وكل هذا يمكن أن يتم
دون حاجة إلى أن يمدّ الداعي إلى الله معهم علاقات صحبة.

إذن
من شأن هذه العلاقات إغماض العين عن المنكرات، والسكوت على
الموبقات، وفاء بحق الصحبة، وحماية لخيوطها أن تتقطع أو تهتز..
أما التوجه إلى التائهين بالدعوة والنصح، فإنما تستدعي نقيض
ذلك، من مفارقة المنكر بعد التنبيه إليه والتحذير منه، وفاء
بحق الغيرة على حرمات الله، والشفقة على عباد الله.

محب الحبيب علي
26 Jan 2008, 11:35 AM
ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسانَ منك صحبتُك إلى من هو
أسوأ حالاً منك

- بيان الفرق بين اللقاء المحمود للنصح والدعوة، والصحبة
المذمومة التي يحذر منها ابن عطاء الله

وانظر إلى فرق ما بين الحالتين:

إن الشفقة على عباد الله
تقتضي ملاحقتهم بالتنبيه والتحذير والنصح، حتى إلى أوكار
معاصيهم، وملتقى لياليهم ومجونهم.. أما الغيرة على حرمات الله
فتستدعي عدم الاجتماع معهم على منكر، والافتراق عنهم لدى ظهور
المحرم.. وانسجاماً مع هذين المطلبين: مطلب الشفقة على عباد
الله، ومطلب الغيرة على حرمات الله، لايرى الربانيون والدعاة
المخلصون لله في دعوتهم، أي مانع من أن يقتحموا نادياً ليلياً
من نوادي المجون واللهو، للتوجه إلى من فيه بالتذكرة والنصح
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على أن يتوجهوا أولاً إلى
مدير إدارته أو المشرف على سير برامجه، فيطلبوا منه إعطاءهم
فرصة لدقائق محدودة، يتوجهون فيها إلى إخوانهم بشيء من التذكرة
والنصح، فيستجيب لهم، وعندئذ يدخلون إلى ذلك الوكر المظلم، غير
مبالين بظلامه، ولامبالين بمراكزهم التي تعلو عن الوجود في مثل
ذلك المكان، شفقة على إخوانهم من عباد الله.. ولكنهم لايجلسون
مع منكر ولايجتمعون معه دون إنكار له وتحذير منه، غيرة على
حرمات الله... فذلك هو شأن الدعوة إلى الله، وتقديم النصح
لعباد الله.

أما الصحبة التي يحذر منها ابن عطاء الله، فهي
فارغة عن كلا القصدين، لاهي منطوية على دافع من الشفقة على
الإخوة التائهين، ولا هي مصحوبة بالغيرة الصادقة على حرمات
الله عز وجل.

وإنما هي حال من أحوال الصداقة، يُبتغى منها حظ
النفس، وإزجاء الوقت، والاستئناس بالغير. وهي أبعد ما تكون عن
أداء رسالة أو تنفيذ مهمة، فضلاً عن أن تكون رسالة تقربٍ إلى
الله، وتنفيذاً لمهمة التعريف بدينه والاستجابة لأمره.


* * *

محب الحبيب علي
26 Jan 2008, 11:36 AM
ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسانَ منك صحبتُك إلى من هو
أسوأ حالاً منك

- بيان سبيل التوفيق بين واجب صلة الأرحام، وهذه الصحبة
التي يحذر منها ابن عطاء الله

وربما استشكل بعضهم سبيل التوفيق بين هذا الذي ينبه إليه ويحذر
منه ابن عطاء الله، مما أوضحت معناه ملخصاً، وما قد افترضه
الله على عباده من مواصلة الأرحام والأقارب، حتى عندما يكونون
أو يكون فيهم التائهون أو الفاسقون الذين هم أسوأ حالاً من
قريبهم الذي أمره الله بمواصلتهم.

وسبيل التوفيق مقرر ومعروف.
على المسلم أن يصل أرحامه، كما قد أمر الله عز وجل، مهما كان
من علوّ المرتبة تمسكاً بأوامر الله واستقامة على نهجه
وشريعته، ومهما كانوا من سقوط المرتبة، شروداً عن أوامر الله
وعكوفاً على المحرمات.

غير أن صلته الواجبة بهم يجب أن لاترقى
إلى درجة الصحبة التي حدثتك عن معناها، وذكرت لك أنها حال من
أحوال الصداقة، بل يجب أن تقف عند حدود ما يسمى في مصطلح الشرع
((صلة الرحم)). وهي أن يلقاهم في المناسبات التي تستدعي
التزاور واللقاء، كالأعياد والأفراح والأتراح وأن يقدم لهم
العون الممكن عند طروء الحاجات وعوارض الضيق.

فإن وافاهم في
أي من هذه المناسبات، وهم عاكفون على معصية متلبسون بإثم، أدى
بلقائه إياهم واجب التواصل، ونصحهم بالإقلاع عن المعصية
والرجوع إلى جادة الشرع، فإن هم استجابوا فذاك، وإلاّ كرر
النصيحة والتذكرة لهم ثم فارقهم، معتذراً بأن الشرع لايخوّ له
البقاء معهم على تلك الحال... فإذا جدّت مناسبة أخرى، عاد إلى
مواصلتهم وزيارتهم تنفيذاً لأمر الله عز وجل.. فإن رأى في
مجلسهم منكراً كالمرة الأولى، عاد إلى نصحهم وتذكيرهم وتحذيرهم
من التعرض لسخط الله، فإن لم يجد آذاناً صاغية وبقي المنكر
موجوداً، فارقهم معتذراً كالمرة الأولى.

وهكذا دواليك، يكرر
المواصلة استجابة لأمر الله في صلة الرحم، ويكرر المفارقة، إن
رأى منكراً ولم يتمكن من إزالته، استجابة لأمر الله أيضاً، في
مفارقة المنكر وأهله.. وهو في كل ذلك مأجور ومثاب.

وليس هذا
من الصحبة التي يحذّر منها ابن عطاء الله في شيء... الصحبة
التي يحذر منها أن يتلاقى الأقارب في سهرات عائلية يتجاذبون
فيها أسباب المتعة، ويركنون فيها إلى اللهو والأنس المتبادل..
وتلك هي التي يجب أن تنضبط بالآداب التي ينبه إليها ابن عطاءا
لله في هذه الحكمة والتي قبلها.


* * *

محب الحبيب علي
28 Jan 2008, 05:58 PM
الحكمة الخامسة والأربعون



ما قلّ عملٌ برز من قلب زاهد، ولا كثر عملٌ برز من قلب
راغب

- أجمع كلمة في تعريف الزهد..

لعل أجمع كلمة في بيان معنى الزهد أن يقال: إنه الإعراض عن كل
ما عدا الله عز وجل.. والمراد بالإعراض عزوف النفس، فمن عزفت
نفسه عن كل شيء سوى الله، من مال وجاه وأهل وولد، وشهرة، ومتع
بأنواعها، فهو الزاهد حقيقة. وتلك هي الحال التي وصفها الحارث
رضي الله عنه في نفسه لرسول الله ، عندما قال له: ((عزفت نفسي
عن الدنيا)) والدنيا كل ما سوى الله مما شغل عن الله.

وعزوف
النفس عن الشيء، لايستلزم الابتعاد عنه ونفض اليد منه،
فالمنديل الذي تتخلص به من الأقذار، تعافه نفسك وتعزف عنه،
بدون ريب، ولكنك تلجأ إليه في الوقت ذاته، كلما رأيت حاجتك
إليه.

كذلكم الدنيا، إذ تعزف نفس المؤمن عنها.. تبتعد عن مكان
الحب والاهتمام من نفسه، ولكنه يظل يستخدمها فيما قضى الله أن
تستخدم فيه. يبني الدار، ويضع فيها الأثاث، ويمشي في مناكب
الأرض بحثاً عن الرزق، له ولأهله وأولاده. يتعب فيأوي إلى
أسباب الراحة، وينعس فيوفر لنفسه ما ييسر له طيب الرقاد..
ولكنه لايكون مشدوداً برغائبه وعواطفه واهتماماته وثقته، خلال
ذلك كله، إلا إلى الله، فلاتكون دنياه التي يتعامل معها عندئذ
إلا كالحذاء إذ ينتعله الإنسان، يتقي به وحل الطريق وأشواكه
وأقذاره.

فهذا هو الزاهد، وكذلك يكون الإنسان الزاهد. وعلى
هذا المعنى ربى رسول الله  أصحابه: أن تكون أفئدتهم مطهرة من
حب الدنيا بكل مظاهرها المتنوعة، ولا عليهم بعد ذلك أن
يمارسوها ويستخدموها لكل من مصالح الدنيا والآخرة.

انظر إلى
قوله ومسلكه التربوي هذا، وقد دخل السوق مرة، والناس مكتنفون
به يميناً وشمالاً، فمرّ بجدي ميت، فتناوله بأذنه ثم قال: أيكم
يحبّ أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع
به؟ فقال: والله للدنيا أهون على الله عز وجل من هذا
عليكم(1).

وانظر إلى قوله، وهو يركز على توجه القلب إلى
الدنيا بالحرص والحب: ((ما ذئبان ضاريان جائعان باتا في زريبة
غنم أغفلها أهلها، يفترسان ويأكلان بأسرع فيها فساداً من حب
المال والشرف، في دين المرء المسلم))(2) .

ولقد فعلت هذه
التربية فعلها الكبير في نفوس الصحابة والرعيل الأول من
المسلمين فطهرت أفئدتهم من التعلق بما سوى الله عز وجل. ولما
اندلقت عليهم الدنيا بعد ذلك من شتى الجهات وعلى أعقاب
الفتوحات، سخروها لإقامة المجتمع الإسلامي كما يسخَّر الخادم
المهين، متحررين من سلطانها، مترفعين فوق ألقها وإغراءاتها.


* * *

محب الحبيب علي
28 Jan 2008, 05:59 PM
ما قلّ عملٌ برز من قلب زاهد، ولا كثر عملٌ برز من قلب
راغب

- إذا أقبل الزاهد إلى الله بعبادة ما، فإنها مهما كانت
صغيرة، لاترتفع إلى الله إلاّ وهي كبيرة، تفصيل القول في
ذلك

فإذا أقبل هذا الزاهد إلى الله بعبادة أو طاعة ما، فإنها مهما
كانت قليلة وصغيرة، لاترتفع إلى الله إلا وهي كثيرة وكبيرة..
إن ركعتين يركعهما هذا الذي صفا قلبه من الانشغال بما سوى
الله، تنقلانه من دنيا الناس إلى شهود الله عز وجل. فهو إذ
يقرأ فاتحة الكتاب، يكون منصرفاً بكل مشاعره وفكره ووجدانه،
إلى ما يخاطب به رب العزة من آيات هذه السورة، وهو إذ يتلو
بعدها ما قد تيسّر له، يستغرق من ذلك في جوّ من النشوة
المنبعثة من شعور قربه إلى الله إذ يناجيه ببليغ بيانه وقديم
كلامه.. فإذا ركع ثم سجد، تاه عن الشعور بحركة أعضائه وانحناء
جذعه، وتمثل نفسه كتلة عبودية متذللة تترامى على أعتاب مولاها
العليّ الأعلى الجليل. وكم يلذّ لهذا العبد، وهو يتمرغ في
جنبات هذا الحال، أن يرسل حديث ذله وانكساره وضراعته، من تراب
الأرض التي نكّس رأسه ساجداً عليها، إلى علياء ربوبيته وسدّة
وحدانيته، مثنياً، شاكراً، معظماً، سائلاً ومستجدياً.

ذلك
كله، لأن القلب الذي هو مكمن المشاعر والأهواء والرغبات
والمخاوف، سائر معه، بل هو القائد له في الحضور الذي يعمر
كيانه، والخشية التي تنتابه، والتفاعل الذي يسري في مشاعره مع
مناجاته لله تعالى إذ يخاطبه في قراءته ودعائه وثنائه.

ولماذا
لايكون معه، بل القائدَ له في كل ذلك، وهو فارغ عن كل الشواغل
الدنيوية المختلفة، زاهد في كل ما سوى الله عز وجل (وقد عرفت
معنى الزهد) وإنما القلب مرآة لابدّ أن تنعكس عليها صُوَرٌ
مّا.

وإنما يتجلى على القلب الإنساني، بادئ ذي بدء، حنينه
الفطري إلى الله، واستئناسه بمشاعر عبوديته الصافية عن الشوائب
لله.. فإذا نشأ محصّناً ضد التوجه إلى مطامع الدنيا بكل ما
فيها من زخارف ورغائب، ازدادت مرآته صفاء، وازدادت التجليات
الفطرية عليها وضوحاً وتألقا ولم يعد فيه متّسع إلا لمشاعر حبه
لله وتعظيمه له ومخافته منه، وحنينه إليه.

وتغدو العبادات
والقربات التي يوفق إليها - عندئذ - صاحب هذا القلب، لامجرد
غذاء له يقوى ويترعرع عليه، بل مصدر سكره ومبعث نشوته، إذ
يزداد بذلك إقبالاً على الله عز وجل.

وقيمة هذه الطاعة،
لاتكمن - والحالة هذه - في كميّتها العددية، بل في كيفيتها هذه
التي وصفت. فقد تبدو هذه الطاعة؛ إذ يوفق إليها صاحبها، صغيرة
من حيث الكم الذي ترصده العين، ولكن الله لاينظر إليها بهذا
الاعتبار الذي هو مقياس الموازين البشرية، وإنما ينظر إليها من
خلال مدى يقظة القلب لها وتفاعله معها، وتأثره بها. ومن ثم فإن
هذه الطاعة التي تبرز صغيرة في أعين الناس واعتباراتهم لاتصل
إلى الله عز وجل إلاّ وهي كبيرة كبر القلب الذي قاد إليها،
واندمج بمشاعره العلوية معها. فركعتاه التي وفق هذا العبد
إليهما على النحو الذي وصفت، تعدل كنوز الدنيا كلها، وتعدل
قيام ليال كثيرة متوالية، عندما تكون الصلاة فيها حظاً من حظوظ
الجسد والأعضاء ويكون القلب بمعزل عنها، مثقلاً برغائبه
وأحلامه وأمانيه الدنيوية المسيطرة. فكيف إذا أصبح هذا القليل،
بتوفيق الله كثيراً، قبل أن يصعد إلى سدّة القبول الرباني؟!.


* * *

محب الحبيب علي
28 Jan 2008, 05:59 PM
ما قلّ عملٌ برز من قلب زاهد، ولا كثر عملٌ برز من قلب
راغب

- أما صاحب القلب الراغب أو الطامع في الدنيا، فمها كانت
عباداته كثيرة وكبيرة، لاترتفع إلى الله إلا وهي قليلة
وصغيرة.. بيان ذلك

أما القلب الراغب، على حدّ تعبير ابن عطاء الله، فهو ذاك الذي
استهوته الدنيا، فاثّاقل من ذلك إلى الأرض، وتحول حبه الفطري
السابق لله إلى حب الشهوات والأهواء، وتعلق بالمال وجمعه، أو
بالرناسة والمجد، أو بالزخارف والمبتغيات الأرضية التي يتنافس
عليها المولعون بكل ماعدا الله، من المتع العاجلة التي تهفو
إليها النفس..

وصاحب هذا القلب، لابدّ أن يخضع لسلطانه،
ويتحرك تحت قيادته فيكدّ ويتعب، ويذهب ويجيئ، وينشط ليلاً
ونهاراً، في سبيل تحصيل ما يهفو إليه الفؤاد، وفي سبيل تحقيق
الأحلام التي يظل ينسجها لنفسه... فإن تحققت، انصرف إليها
القلب مبتهجاً ومنتشياً بها، بل متقلباً في سكره بها، وإن لم
تتحقق، أو تحقق منها البعض دون الآخر، اضطرب القلب ووقع من
جراء ذلك في همّ واصب.. فهو في كلا الحالين منصرف إلى دنياه
متطوح منها في مشاعر من سكر التنعم بها، أو ألم اللحاق ورائها
والأسف عليها. إنه حقاً كما قال الله عنه: { فَمَثَلُهُ
كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ
تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ } { الأعراف: 7/176 } .

فما قيمة
الطاعات التي يقبل بها صاحب هذا القلب، إلى الله عز وجل؟

إنها
ليست، والحالة هذه، إلا شأناً من شؤون الجسم والأعضاء، تتم
بمعزل عن القلب الذي يفترض أن يكون هو الدافع والقائد.

وسواء
تمثلت هذه الطاعة في صلاة أو نسك حج، أو ذكر، أو قراءة قرآن،
أو ابتهال ودعاء، أو غير ذلك، فإن الذي يستقبل هذه الأعمال على
اختلافها إنما هو الكيان البدني، من جسم يتحرك، أو لسان ينطق،
أو أعضاء تؤدي وظيفة حركية اعتادت عليها، وكثيراً ما يصرفها
بعض رجال هذا الفريق، أصحاب هذه القلوب المثقلة بهذه الأعباء،
إلى فوائد ونتائج رياضية تقوم الجذع وتفيد الجسم!!.

أما القلب
فمعزول عن ذلك كله، ومشغول عنه بما قد حشي فيه وتعلق به من
الآمال والأحلام والآلام الدنيوية المتنوعة التي علمت نماذج
منها. والشأن في صاحب هذا القلب، أن يعيش، في أحسن أحواله،
مزدوج الشخصية والكيان، يؤدي حركات الصلاة بجسده وأعضاءه،
وقلبُه متطوّح في هم مشكلاته الدنيوية، أو منصرف إلى تخطيط
السبل الموصلة لآماله التوسعية. كذلكم العبادات والقربات
الأخرى. لايمكن أن ينعكس شيء من ذلك على مرآة قلبه حضوراً أو
خشية أو تفاعلاً ما بين البدن والشعور، وكيف ينعكس ذلك على
مرآته، وقد سبقته إليها كل الرغائب الدنيوية بسائر فروعها
الكثيرة المتنوعة، فاحتلت مساحة المرآة القلبية أجمع، ولم تبق
منها بقيةٌ لوافد جديد؟!..

فهذه الطاعة، مهما كبرت في حجمها،
أو زادت وكثرت في كمّها، لاتصل إلى الله إلا متضائلة صغيرة،
ولعلها لاتصل إليه، بل تذوب وتنتهي في مرقاة الصعود إليه، إذ
يذيبها أو يمزقها قانون: ((إن الله طيب لايقبل إلا طيباً))(1).

محب الحبيب علي
28 Jan 2008, 06:00 PM
ما قلّ عملٌ برز من قلب زاهد، ولا كثر عملٌ برز من قلب
راغب

- أخي القارئ: فلنتواثق أن نطهر قلوبنا من شوائب التعلق
بما سوى الله

أخي القارئ: فلنتواثق أن نطهر قلوبنا جهد الاستطاعة من شوائب
التعلق بما سوى الله، مستعينين على ذلك باستلهام المزيد من
معاني وحدانية الله عز وجل، وغرس المزيد من حقائقها
ومستلزماتها في عقولنا.. إذن سنعلم أن الله وحده هو مصدر كل
سعادة وخير، دنيا الناس خاضعة لأمره، لاتتحرك مقبلة أو مدبرة
إلا بتدبيره وسلطانه، والنعيم كلّه، العاجل منه والآجل، إليه
مردّه وبيده صنعه وبحكم منه وحده ظهوره واختفاؤه.

وفي هذا
اليقين - إذا استقر في العقل وسرى إلى القلب - ما يجعل آمال
الفؤاد وآلامه ورغباته متجهة إلى الله وحده، إذ إن مفاتيح
الخير كلها بيده، ومغاليق الشر كلها إليه.

هذا، فضلاً عن أن
قلب الإنسان، كان ولايزال وعاء مهيأ لحب الله وحده، بهذا نطقت
الفطرة، وبذلك شهدت قصة بدء الخلق، فلنكن رقباء على أوعية
قلوبنا هذه أن لاتدنسها محبة الأغيار، أياً كانت، ولنضع كل شيء
من المكونات التي حولنا في مكانها المناسب. إن فيها مبتغيات
لاتصلح حياتنا الدنيوية بدونها، فلنضعها من حياتنا في المكان
أو المركز الذي هيئ لها، دون أن تتجاوزه وتتعداه، ولقد يسّر
الله إلى ذلك سبيلاً سهلة، عندما سخرها لنا، وأخضعها
لاحتياجاتنا.. ففيم نرقى بها إلى مستوى القيادة والحكم، ثم
نبلغ بها من حياتنا إلى سدة التعلق والحب؟..

إننا إن فعلنا
ذلك (ولن يتأتى إلا بجهاد ولون من الصبر والمصابرة عليه) عظمت
طاعاتنا عند مولانا عز وجل، وإن بدت في أعيننا أو في ميزان
قدراتنا حقيرة صغيرة، أياً كانت هذه الطاعات، وإلى أي الأعمال
الصالحة كان انتماؤها.

ولكنا إن أعرضنا عن هذا الواجب الجهادي
الكبير، واستسلمنا للأهواء التي تتسرب إلى مكمن الحب من
قلوبنا، واكتفينا من حقائق التوحيد، بشهادتها التي يكررها
اللسان، ويغيب عن معناها الجنان، فلنعلم أن حب العاجلة
الدنيوية، بكل أنواعها وأشكالها، لابد أن يحتلّ قلوبنا، التي
كان ينبغي أن تكون وقفاً على محبة الله وتعظيم الله والخوف من
الله وحده.

وعندئذ مهما برزت الطاعات والقربات لله تعالى
عظيمة جليلة في أبصارنا، فلن تصل إلى الله عز وجل إلاّ حطاماً
زائفاً.

وصدق رسول الله  إذ قال: ((إن الله لاينظر إلى صوركم
وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))(1).


* * *

محب الحبيب علي
02 Feb 2008, 06:19 PM
الحكمة السادسة والأربعون



حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. وحسن الأحوال من نتائج
التحقق في مقامات الإِنزال

- بيان معنى هذه الحكمة إجمالاً

هذه الحكمة تأتي كالتتمة أو التوضيح لما تم بيانه في الحكمة
التي قبلها.

والمقصود بالأعمال القربات والطاعات الظاهرة التي
يؤديها المسلم ببدنه، كالصلاة والصوم والحج، والصدقات وأعمال
الدعوة إلى الله.

والمراد بالأحوال التوجهات القلبية إلى الله
عز وجل، من حب وتعظيم وخوف ومهابة..

والمراد بمقامات الإنزال،
الرتب التي يتدرج فيها العبد، إذ يعزم على السير إلى الله،
والتخلص من آفاته النفسية التي تصدّه عن ذلك.

معنى هذه الحكمة
إذن أن القربات والطاعات الظاهرة التي يؤديها المسلم إنما
تتحقق فيها صفة الحسن والصلاح، بحيث تكون مقبولة عند الله عز
وجل، بتوفر الإخلاص له في أدائها، وصفائها من شوائب العجب
والرياء والغفلة عن الله تعالى.

غير أن هذه الصفة لاتتوفر في
الأعمال إلا بنقاء الأحوال، أي بأن يكون القلب خالياً عن
التعلق بالأغيار، على نحو ما تم بيانه في الحكمة السابقة..
ولكن كيف السبيل إلى أن يتطهر القلب من التعلق بالأغيار، حتى
يتكوّن له من ذلك حسن الحال، الذي به تحسن وتصلح
الأعمال؟

سبيل ذلك أن يأخذ المسلم نفسه متدرجاً بالمقامات أو
الرتب التي تنزله أخيراً منزلة الأبرار الذين حسنت أحوالهم،
فصفت وصلحت أعمالهم.

وسأضعك من هذه المقامات أو الرتب، أمام
الظواهر السطحية التي تتناسب مع حالي وحالك. إذ لسنا من هذه
المقامات إلا أمام شاطئ رقراق طويل، لابدّ من اجتيازه بسلامة
وفهم، قبل بلوغ عمقه المتلاطم.

محب الحبيب علي
02 Feb 2008, 06:23 PM
حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. وحسن الأحوال من نتائج
التحقق في مقامات الإِنزال

- بيان المعنى المراد بمقامات الإنزال، والبدء ببيان
المقام الأول، وهو مقام التوبة

المقام الأول الذي لابدّ منه لاكتساب الحال القلبية السليمة مع
الله عز وجل، هو التوبة. ولايقولن قائل: إنني لم أرتكب ما
يقتضي التوبة من الموبقات أو الآثام، فليس في الناس من لم يقصر
في جنب الله عز وجل واستطاع أن يوفيه كامل حق الربوبية عليه.
حتى الرسل والأنبياء - وقد ثبتت لهم صفة العصمة - لم يتسنّ لأي
منهم أن يؤديه هذا الحق الذي يتمثل في منن ونعم كثيرة لاحصر
لها، ولاتستطيع القوى الإنسانية أن توفيه حقها. هذا بالإضافة
إلى أن الناس كلهم - حاشا الرسل والأنبياء - كانوا ولايزالون
خطائين، وخير الخطائين التوابون. ولله عز وجل حكمة باهرة في
الضعف الذي ابتلى الله عباده به، والذي تسبب عنه تعرّضهم بين
الحين والآخر لآفات المعاصي والانحرافات، ولكن لامجال هنا لبسط
الحديث عنها. فلذلك يقول الله تعالى خطاباً لعباده المؤمنين
جميعاً { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } { النور: 24/31 }
.

محب الحبيب علي
07 Feb 2008, 09:39 AM
حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. وحسن الأحوال من نتائج
التحقق في مقامات الإِنزال

- المقام الثاني مقام الصبر

المقام الثاني من مقامات الإنزال التي يتحدث عنها ابن عطاء
الله، مقام الصبر، وهو من مستلزمات التوبة، ولا وجود ولا معنى
له إلا على أعقابها. إذ الإنسان قبل التوبة يتبع نفسه هواها
بشكل كلي أو جزئي، ومن ثم فلاحاجة له إلى الصبر. ولكن إذا تاب
توبة صادقة وعزم على الابتعاد عن الآثام والموبقات، فقد بدأت
رحلته إلى الله على طريق الصبر. وهو لون عزيز وغالٍ من الجهاد،
يمتاز بالشدة في مجال التحمل، وبالثمرات العالية في نهاية
التسيار.. وهو صبر عن الاستجابة للأهواء الجامحة، وصبر على
أداء الواجبات والنهوض بالقربات، وصبر على الغيبوبة عن كل ما
سوى الله، بأن لايقيم بعد الله وزناً لمدح المادحين ولا لقدح
القادحين، ولا لدنيا ازدهرت أمامه بإقبالها أو اكتأبت أمامه
بإدبارها.

ومعنى الصبر في هذا الطريق، أن يأخذ السالك نفسه
شيئاً فشيئاً بأداء هذه المهام، مستعيناً في ذلك بدوام
الالتجاء إلى الله وطلب العون منه، موقناً أن لاحول له ولا قوة
في تحمل شيء من هذا الجهد، إلا بالله عز وجل، واضعاً نصب عينيه
قوله عز وجل: { وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللَّهِ } {
النحل: 16/127 } .

واعلم أن للصابر حالتين قد تبدوان
متناقضتين:

الحالة الأولى: الشعور بالشدة التي لاقبل له
بتحملها والصمود أمامها، ومآل هذه الحال أن ينصرف عن تجربة
الصبر وقد فشل في السير على طريقها، بدءاً من الخطوات الأولى،
وإنما تكون هذه الحال عندما يعتمد الصابر في ذلك على نفسه،
ناسياً أن لاقبل له بذلك إلا بعون من الله عز وجل.

الحالة
الثانية: الشعور بالتوفيق إذ يغالب الشدة فيغلبها، ويكابد
المشقة فيتحملها. وإنما يكون ذلك عندما يستعين الصابر على صبره
بالله، موقناً أنه لايملك لنفسه حولاً ولاقوة، وأن العون
والتوفيق والقدرة على الصبر، إنما يأتي ذلك كله من عند الله عز
وجل، فيجعل من التجائه الدائم إلى الله داعياً متضرعاً
منكسراً، أن يمدّه بالتوفيق والثبات وأن يكسبه القدرة على
الصبر الذي أمره به، ترجمان ثباته وصبره، ومآل هذه الحالة
الثانية أن يزدهر الصبر بالوصول إلى غايته ومآله، وأن يفوز
الصابر بما قصد إليه وابتغاه، وإن طالت المدة وكثرت المعاناة..
فتتحول صعوبات الصبر، بلطف الله وتوفيقه، إلى اعتياد ويسر،
وتنقلب مرارته في النفس إلى حلاوة وأنس.

محب الحبيب علي
07 Feb 2008, 09:40 AM
حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. وحسن الأحوال من نتائج
التحقق في مقامات الإِنزال

- المقام الثالث مقام الرضا

المقام الثالث في مدارج السالكين على هذا ا لطريق، مقام الرضا.
وهو من أهم ثمرات الصبر ونتائجه، إذا ثابر عليه المؤمن
وصبر...

والسبيل إلى بلوغ الصابر المثابر على صبره، منزلة
الرضا، يتمثل في أن يعلم أنه ينال الأجر الذي ادّخره الله
للصابرين، وهو أجر عظيم عبّر البيان الإلهي عن أهميته وعظمته
بقوله: { إِنَّما يُوفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ
حِسابٍ } { الزمر: 39/10 } .

وهو من أهم أسباب محبة الله
للعبد، كيف لا وهو القائل: { فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَما اسْتَكانُوا وَاللَّهُ
يُحِبُّ الصّابِرِينَ } { آل عمران: 3/146 } .

فإذا أحب
الله عبده، توهج، من ذلك، قلب العبد بالحب له عز وجل، كما قال
سبحانه: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } { المائدة: 5/54 }
وتَرتُّبُ الفعل الثاني على الأول في الآية ملاحظ ومقصود..
وإذا هيمن حب الرب عز وجل على قلب العبد، حلّ الرضا فيه بكل ما
يأتيه من قبل الله عز وجل، محلّ الصبر على الضيق والضجر من
المصائب والنوائب التي تنتابه فيغيب الصبر على البلاء ويحلّ
محله الرضا بالقضاء.

وفي الناس، كما روى حجة الإسلام الإمام
الغزالي، من يرى أن الإنسان لايملك، أمام المصائب والأحداث
التي تخالف الرغبة والهوى، إلا الصبر، ويقول لو رضي الإنسان
بالمصيبة كما يرضى بالنعمة، إذن لسقط الفرق بينهما، ولاجتمعا
تحت اسم النعمة والمتعة، فلم يعد في حياة هذا الإنسان وشعوره
ما يسمى مصيبته قط!(1)..

وإنما يدخل هذا الوهم على أصحابه، من
جراء جهلهم بحب العبد لله عز وجل أو من جراء إنكارهم له.. فأما
من عرف أن قلب الإنسان إذا صفا عن الأغيار، توجه، بالضرورة،
بسائق الحب إلى الله، فلابدّ أن يوقن بأن الحب ينقله من منزلة
الصبر إلى منزلة الرضا بكل مايأتيه من عند الله عز وجل.

محب الحبيب علي
07 Feb 2008, 09:40 AM
حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. وحسن الأحوال من نتائج
التحقق في مقامات الإِنزال

- بيان العوامل التي ترقى بالسالك إلى مقام الرضا صافياً
عن منغصات الصبر

ويتحقق الرضا، ويصفو عن منغصات الصبر، بعاملين اثنين ذكرهما
الإمام الغزالي، أذكرهما لك بإيجاز، وأضيف إليهما عاملاً
ثالثاً أحسب أنه من الأهمية بمكان.

العامل الأول: ما يفعله
الحب عادة في كيان المحب إذا تفاقم أمره وهيمن سلطانه، من حجز
مكامن الشعور ومصادر الإحساس فيه، لحسابه. فتمرّ به الآلام
وتنوشه الأوجاع، دون أن يلقي لها بالاً، أو أن يشعر لها بالوقع
الطبيعي الذي يشعر به سائر الناس، فيحدث الحب في كيانه ما
يفعله المخدّر، وإنما ينكر هذا أو يرتاب فيه من لم يجرفهم
سلطان هذا الحب، فلم يتذوقوه ولم يعرفوه.. وإنكارهم لذلك يستند
إلى برهان صحيح لامطمع في نقضه، ولكن ضمن حدود تجاربهم الذاتية
الخاصة بهم، ومن ثم فمن الخطأ أن يقيسوا الآخرين، في ذلك، على
أنفسهم.

والحب الرباني إذا هيمن على قلب الإنسان، سرى منه
تأثير (لاترى مثله في مشاعر حب الإنسان للإنسان) إلى كيانه
الشعوري أجمع، وتسربت منه نشوة بالغة إلى مكامن الإحساس
وجذوره، قد تتمثل في أنس وشوق، وقد تتمثل في إجلال وتعظيم، من
شأنها أن تصادر إحساس المحب لحسابها، وأن تصرفه عن الشعور
بالأغيار إلى الذات الإلهية التي هيمن حبها على مجامع
القلب.

العامل الثاني: ما يحدث كثيراً من تلذذ المحب بالألم
الذي يفد إليه من محبوبه فالمحب في هذه الحالة يشعر بوقع
المصيبة وآلامها، ولكن الحب المهيمن على قلبه، لمن جاء هذا
الألم من عنده أو بسببه، يجعله يتلذذ بالألم مع شعوره
به(1).

وإنا لنعلم أن في الحب الأرضي الذي يسري ما بين الناس،
بعضهم مع بعض، ما يزج المحب في هذه الحال، فيعرِّض نفسه لأذى
محبوبه بل يرجوه أن يذيقه بيده الرائعة الجميلة من أذاه، وإنه
ليتأوه إذ يشعر بالألم، ولكنك لاتدري كم يلذّ له هذا التأوه،
إذ يطلقه على سمع محبوبه. فكيف إذا استحكمت محبة العبد لمالكه
وخالقه عز وجل؟ لاريب أن كل آلامه التي قد تفد إليه منه جل
جلاله لاتأتيه إلاّ وهي مكسوّة بأردية الرضا بالله عز
وجل.

أما العامل الثالث الذي أضيفه إلى هذين العاملين اللذين
ذكرهما الإمام الغزالي، فهو ثقة العبد بالله عز وجل، والمفروض
أن جذور هذه الثقة ملازمة لإيمان العبد بالله عز وجل في كل
المنازل والأحوال، إذ إن الإيمان بألوهية الله عز وجل، تستلزم
الإيمان بحكمته. والإيمان بحكمة الله يستلزم الثقة بعدله
ورحمته وفضله في كل ما قد يفد منه، حتى وإن لم يتبين له وجه
ذلك.

إلاّ أن هذه الجذور تنمو وتزدهر وتقوى في مشاعر الإنسان
ويقينه، في ظلال حبه لله عز وجل. فثقة العبد الذي فاض قلبه
حباً لله عز وجل، أضعاف الثقة التي يشعر بها المؤمن الذي ليس
بينه وبين الله عز وجل إلا عقد الإيمان العقلي به، مع انصراف
قلبه إلى ما هو مشدود إليه من الرغائب والأهواء. إذن فمحبة
الله عز وجل تنمي الثقة به وترسخ اليقين التام بلطفه ورحمته
وعدله في كل ما يقضي به، مهما كان في ظاهره مبعث شدة
وآلام.

ومن شأن هذه الثقة إذ تتنامى في كيان المسلم وتبلغ حدّ
الكمال، أن تكسبه الرضا التام بكل ما يقضي به الله تعالى
ويختاره له.

وليس دقيقاً أن نضرب مثلاً له، ثقة المريض بطبيبه
الجراح إذ يستسلم لمبضعه ساكتاً على ما يشعر به من آلام. ذلك
لأن مبعث الثقة بالطبيب في نفس المريض حديث الناس عن عميق
خبرته وعن واسع نجاحه في عملياته الجراحية، ومن شأن هذه الثقة
أن تحمل المريض على الصبر لا أكثر. وهي منزلة دون منزلة الرضا
التي نتحدث عنها، كما قد مرّ بيانه.. أما مبعث الثقة بالله في
حديثنا هذا، فهو بعد الإيمان العقلي به عز وجل، عظيم محبته له.
فإذ استسلم هذا المحب لما يأتيه من عند الله عز وجل، من
المنغصات والآلام، فإنما يستسلم له بسائق من الرضا بحكمه، وذلك
هو شأن الحب فيما يفعله في كيان المحب تجاه المحبوب، وقد ترجم
هذه الحقيقة على خير وجه المثل الدارج القائل: ((ضرب الحبيب
زبيب)). والألم الذي يجده المحب يترجمه صاحبه إلى لذة من نوع
فريد لايعرفه إلاّ هو، ومن كان على شاكلته.

محب الحبيب علي
07 Feb 2008, 09:41 AM
حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. وحسن الأحوال من نتائج
التحقق في مقامات الإِنزال

- لايقولن قائل: إن هذا التكلف في تشقيق القول عن الصبر
والرضا لم يكن مألوفاً في عصر الصحابة

ولايقولن قائل: إن هذا التكلف في تشفيق القول عن الصبر والرضا
والفرق بينهما، لم يكن مألوفاً ولا معروفاً في عصر الصحابة..
فإنا نقول: بل إن هذا الإنكار الذي يأتي قفزاً فوق الأدلة، هو
التكلف الممجوج الذي تنزه عنه أصحاب رسول الله  والرعيل الأول
من المسلمين.. لقد صح أن سيدنا عمران بن الحصين أثبته المرض
العضال على سرير من خوص النخل ثلاثين عاماً دون أن تفارق
البسمة شفته، ولما دخل عليه مرة مطرّفٌ وأخوه العلاء، ورأى
العلاء أخاه على هذه الحال، أخذ يبكي. فقال له: عمران لم تبكي؟
قال له: لهذه الحال التي أنت فيها. فقال له عمران: مه، فإن
أحبه إلى الله أحبّه إليّ.. فانظر كيف غاض الصبر في ضرام هذا
الحب وتجلّى في محلّه الرضا(1).


* * *

محب الحبيب علي
07 Feb 2008, 09:42 AM
حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. وحسن الأحوال من نتائج
التحقق في مقامات الإِنزال

-بقي أن في الناس من يقول لو جاز الرضا عن كل شيء لأنه آت
من عند الله، لجاز الرضا إذن بكفر الكافر وبيان الجواب عن
ذلك مفصلاً

بقي أن في الناس من قد يقول: لو جاز الرضا عن كل شيء لأنه يأتي
من عند الله عز وجل، لجاز الرضا بكفر الكافر ومعاصيه!!.. بل إن
في الناس من لم يفهموا معنى هذا الذي تم بيانه، فأدركوه على
نحو غير صحيح، وراحوا يقولون بضرورة الرضا بالفجور والفسوق،
وضرورة ترك الاعتراض، لوجوب الرضا والتسليم بقضاء الله عز
وجل.

ولقد أجبت عن هذا الوهم بتفصيل وبسط في أواخر كتابي
(الإنسان مسيّر أو مخير). وهاأنا أذكره هنا ملخصاً بالقدر الذي
يتناسب مع شرح هذه الحكمة:

هنالك فرق كبير بين القضاء
والمقْضِيّ. القضاء معنى مصدري كما هو واضح، أما (المقضيّ)
فاسم مفعول ينطبق على الوقائع الكونية والتصرفات الإنسانية
التي تعلق بها المعنى المصدري، وهو قضاء الله عز وجل.

فعلم
الله المصحوب بإرادته المتعلقة بإيجاد مادة الخير والشر مثلاً
(أي ما به يحصل فعل كل من الخير والشر) قضاء الله وحكمه.. وأما
إقدام الإنسان على تسخير مادة الخير أو الشر لكسبه وإيجاده،
فهو المقضيُّ الذي جاء نتيجة للقضاء الإلهي بإيجاد مادة الخير
والشر، وإقدار الإنسان على فعل كل منهما.

فإذا تبين لك الفرق
بينهما، فاعلم أن رضا العبد عن الرب يستلزم الرضا بالقضاء دون
المقضي. ذلك لأن قضاء الله تابع لعدله وحكمته، فبينهما لزوم
دائم لا انفكاك له. ومن ثم فإن رضا العبد بقضاء الله ضروري ما
دام موقناً بأنه عز وجل عادل وحكيم. ثم إن هذا الرضا يزداد
رسوخاً وقوة بالعوامل التي ذكرتها لك.

ولكن - وقد عرفت الفرق
بين القضاء والمقضي - هل يستلزم الرضا بقضاء الله الرضا بالأمر
المقضي؟ أي هل يستلزم الرضا بقضاء الله بجعل الناس أحراراً
مختارين يختارون لأنفسهم الإيمان أو الكفر، الرضا بالمقضيّ
المتمثل في كفر كثير منهم وممارستهم للفسوق والعصيان؟

يجب أن
نعلم أنه لايوجد بين هذين الأمرين أي لزوم، ذلك لأن رضاك بقضاء
الله هو رضاك بما يتمتع به زيد من حرية الاختيار ومن القدرة
على اتخاذ القرار، ولاريب أن لله في ذلك حكمة باهرة، أما رضاك
بالمقضيّ فهو يعني انضمامك إلى زيد في اختيار ما اختاره من
الكفر ورضاك به. وهذا ما لايرضى به الله تعالى، ولايرضاه لك،
كيف وهو القائل: ((ولايرضى لعباده الكفر)).

وإن رضاك بقضاء
الله في دفعه الناس بعضهم ببعض، كما نص في محكم بيانه، يعني
رضاك بأن يبتلي الله الناس بنوازع الأثرة والاستبداد وحب
الذات، بالإضافة إلى ما متعهم به من حوافز الإيثار والمسامحة
ونكران الذات، وإلى ما علمه وأراده لهم من التفاوت في القدرات
والملكات والممتلكات (وهذه كلها مواد جاهزة لاستصناع كل من
الخير والشرّ منها) وهذا الرضا من أوليات الدين ومن أهم نتائج
محبة الله والثقة بعدله وحكمته.

أما رضاك بالشر الذي يصنعه
كثير من الناس من مجموع تلك المواد التي قضى الله بإيجادها
وتجهيز الإنسان بها، عن طريق العدوان وإزهاق الأرواح البريئة،
فهو رضاً بالمقضيّ!.. وليس بينه وبين الأمر الأول أي ترابط أو
لزوم. ولاشك أن رضاك بهذا المقضيّ هو رضاً بالشرور الذي استوقد
أولئك الناس نيرانه، ومن ثم فإن الرضا به في حكم الاشتراك في
صنعه، وهو محرم بدون ريب.

وربما استشكلت هذا الذي أقوله، بما
يخيل إليك من أنه كلما وجد القضاء وجد المقضيّ، وكلما فقد
الأول فقد الثاني، ومن ثم فإن الرضا بالقضاء يجرّ إلى الرضا
بالمقضي، وهو يعني ضرورة الرضا بكفر الكافر وجحوده، وهو ما
لايتفق مع أوليات الدين وبدهياته.

والجواب أن قضاء الله ينقسم
إلى قسمين، كما هو معروف في بابه، أما القسم الأول منه فيتعلق
بالأمور التكوينية القهرية، التي لا دخل لإرادة الإنسان وحريته
فيها. كتقلب الليل والنهار واختلاف الأزمنة، وهطول الأمطار
وهبوب الرياح واخضرار العشب والنبات والزلازل والأعاصير.

وأما
القسم الثاني منه، فمردّه إلى اختيار الإنسان وتصرفاته
التكليفية وقضاء الله في هذا القسم يعني كما ذكرنا علمه
وإرادته بخلق عناصر الخير والشر في طريق الإنسان مع إقداره على
أن يستجيب لأوامره فيستخدمها في الخير وعلى أن لايستجيب لها،
فيستخدمها في الشر الذي نهى عنه.

إذا تبين هذا فاعلم أن بين
القضاء والمقضي في القسم الأول تلازماً مضطرداً. فقضاء الله
باختلاف الليل والنهار هو المصدر الذي إليه مردّ وقوع هذا
الاختلاف، والاختلاف الفعلي هو النتيجة التي لابدّ منها والتي
لاتصدر إلا من قضاء الله بذلك، ومن ثم فإن الرضا بقضاء الله في
هذا القسم لابدّ أن يسري إلى الرضا بالمقضي.. وهذا يقتضي أن
نقول: إن الرضا بقضاء الله بوقوع كارثة في مكان ما، كزلزال
وخسف، يستلزم الرضا بالمقضي الذي هو وقوع تلك الكارثة فعلاً في
ميقاتها الذي حدده قضاء الله عز وحل. وفي هذا إشكال كبير يشعر
به الباحث لأول وهلة.

ولكن الأشكال ينمحي في ظل ثقة العبد
بحكمة الله عز وجل.. إن الرضا، في ظل هذه الثقة، لايكون
بالكوارث من حيث ذاتها أي من حيث هي كوارث، وإنما لما قد يكون
فيها من إيقاظ وإصلاح وتربية، يعود أثره إلى الناس بالخير
والشر.

أجل.. فإن اليقين المجرد بحكمة الله وعدله ورحمته، من
شأنه أن يوحي إلى النفس أن كل ما قد يواجه الإنسان من الكوارث
والمصائب، خاضع لسلطان بيان الله القائل: { وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ
تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } { البقرة: 2/216 } فكيف إذا
صاحب هذا اليقين الحب؟ إن النفس عندئذ تتلقى، مع هذه الثقة
طمأنينة القبول والرضا، كما قد فصلت لك من قبل.

ولا أرى
مثالاً أشبه بهذا الذي أقول، من المحب الصادق، إذ يتلقى ضربة
موجعة من محبوبه، إن هذه الضربة بحدّ ذاتها من أوضح أنواع الشر
الذي تكرهه النفوس، بما فيها نفس هذا المحب. ولكنه عندما يرى
نسبة هذه الضربة إلى محبوبه الذي هو متعلق به، يختفي منها كل
معاني الشر والإيلام، ويتلقاها منه بكامل الرضا والسرور، فكيف
إذا وثق بأن محبوبه حكيم ودود رحيم، لايقدم على ما أقدم عليه
إلاّ لمصلحة رآها‍؟‍!..

أما القسم الثاني من القضاء، وهو ما
كان مردّه إلى اختيارات الإنسان وتصرفاته التكليفية، فإن
المقضي الذي تعلق به قضاء الله في هذا القسم، إنما هو واقع ما
يتمتع به الإنسان من الحرية والاختيار.. ذلك هو القضاء، وهذا
هو مقضيّه، ولاشك أن بينهما تلازماً بينا، وليس في ذلك أي
إشكال. إذ التلازم قائم بين قضاء الله بأن يكون الإنسان حراً
مختاراً، وبين أحد خياري الخير والشر إذ يتسنى للإنسان أن يتجه
إليه. ولا إشكال في أن يرضى المؤمن بقضاء الله في حق الإنسان،
وأن يرضى بالمقضي الذي هو القدرة السلوكية على التوجه إلى أيّ
من الخير أو الشر.

ولكن أفيستوجب هذا أن يرضى أحدنا بالمعصية
التي اختارها زيد من الناس؟ لا، لأن المقضيّ ليس هو اختياره
للمعصية بالذات، حتى يستوجب الرضا بالقضاء الرضا بها.. وإنما
المقضيّ تمكنه من اختيار أحد الشيئين: الطاعة أو
المعصية.

وإذا تبين هذا، فإن واجب المسلم أمام قضاء الله هذا
(أي القسم الثاني منه) يتلخص فيما يلي:

أولاً: وجوب الرضا
بالقضاء الذي قضى به في حق عباده: أن يخلقهم مختارين قادرين
على اتخاذ القرار الذي يشاؤون، ووجوب الرضا بالمقضي الناتج
عنه، وهو تمتعهم فعلاً بهذه المزية، بعد خلقه لهم.

ثانياً:
وجوب الرضا بما سيختاره المسلم إن كان طاعة مما قد أمر الله
به، ووجوب عدم الرضا بما سيختاره إن كان معصية مما قد نهى الله
عنه.

هذا باختصار هو الجواب عن هذا الإشكال. فإن بقيت في نفسك
شائبة منه، أو كان في فكرك غموض في بعض ماقد أوضحت، فارجع إلى
كتابي (الإنسان مسير أو مخير) بدءاً من الصفحة 220 فما بعد،
تجد تفصيلاً وافياً لهذه المسألة.

* * *

إذن فصلاحية
الأعمال تتوقف على حسن الأحوال، ويتلخص حسن الأحوال في فراغ
القلب من الشواغل وعدم تعلقه بالأغيار، ليصفو له التوجه إلى
الله حباً ومهابة وتعظيماً، وحسن الأحوال رهن بالتحقق، أي
التدرج السلوكي في مقامات الإنزال.

وقد علمت أن أول هذه
المقامات التوبة، يليها الصبر والمثابرة عليه، يليه الرضا الذي
يحيل مرارة الصبر إلى حلاوة، ويسقط الفرق بين المنح والمحن،
وبين إقبال الدنيا وإدبارها، وبين الشدة والرخاء.

وقد علمت أن
من أهم العوامل التي تنقل المؤمن إلى منزلة الرضا، الحب. وإنما
يزدهر الحب في القلب على أعقاب الصبر إذ يصبر ويثابر عليه
السالك.

ولكن فكيف السبيل إلى ذلك كله؟.. كيف السبيل إلى
التدرج في هذه المنازل، حتى يصل إلى هذا الشأو؟

لاسبيل إلى
ذلك إلاّ الإكثار من ذكر الله.. فهو وحده عدّة السالكين،
وبمصباحه يستنير الطريق، وبأسراره تزول العوائق وتردم الأخاديد
وتتحطم التضاريس.

ولكن ماهي آداب الذكر وسبيله، والرتب التي
يتدرج فيها الذاكر؟

يجيب ابن عطاء الله عن ذلك في الحكمة
التالية.

محب الحبيب علي
19 Feb 2008, 10:16 AM
الحكمة السابعة والأربعون



لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود
ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره. فعسى أن يرفعك من ذكر مع
وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة. ومن ذكر مع وجود يقظة
إلى ذكر مع وجود حضور. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع
غيبة عما سوى المذكور {وَما ذَلِكَ عَ

- المراد بالذكر الذي يكثر القرآن من الأمر به

المراد من الذكر الذي يكثر القرآن من الأمر به وبيان مدى
أهميته، التذكر، وهو عمل من أعمال القلب أو النفس ينافي
الغفلة. يقول الله عز وجل: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ
تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ
بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ } {
الأعراف: 7/205 } .

فذكر النفس هو التذكر، وقوله: ولاتكن من
الغافلين، تأكيد لهذا المعنى المطلوب، وتحذير من الوقوع في
نقيضه وهو الغفلة.

بيد أن الذكر اللساني واحد من السبل
الموصلة إلى الذكر القلبي الذي هو التذكر. لذا فقد كان رسول
الله يوصي ويأمر به. روى الترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم
من حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه، أنّ رجلاً قال: يارسول
الله إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبث به،
قال: ((لايزال لسانك رطباً من ذكر الله)).

ولاريب أن أمره 
بالذكر اللساني، أمرٌ بما لابدّ منه للوصول إلى الذكر القلبي
الذي هو المبتغى والمقصود.

محب الحبيب علي
19 Feb 2008, 10:17 AM
لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود
ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره. فعسى أن يرفعك من ذكر مع
وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة. ومن ذكر مع وجود يقظة
إلى ذكر مع وجود حضور. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع
غيبة عما سوى المذكور {وَما ذَلِكَ عَ

- في الناس من يرى أن لافائدة من الذكر اللساني مع غفلة
القلب، فتحدثه نفسه بالتوقف عن الذكر اللساني

غير أن في الناس من يتطلع إلى الغاية التي أمر الله بالذكر من
أجلها، فلايجد في نفسه سبيلاً إليها، وينظر فيجد أن لسانه الذي
يذكر الله به في واد، ومشاعره وهواجسه النفسية في واد آخر،
فتحدثه نفسه بأن يتوقف عن الذكر اللساني، نظراً إلى الغفلة
الدائمة التي تصاحب ذكره.

محب الحبيب علي
19 Feb 2008, 10:17 AM
لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود
ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره. فعسى أن يرفعك من ذكر مع
وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة. ومن ذكر مع وجود يقظة
إلى ذكر مع وجود حضور. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع
غيبة عما سوى المذكور {وَما ذَلِكَ عَ

- ولكن ابن عطاء الله يحذر من ذلك، لأن الذكر اللساني
طريق لابدّ منه إلى يقظة القلب

يقول ابن عطاء الله له: لاتترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه،
لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره.

وقد عدد
الشيخ أحمد زروق رحمه الله ذلك في ثلاثة أسباب:

السبب الأول:
أن في الذكر اللساني إقبالاً إلى الله، بوجه ما، وفي انقطاع
اللسان عنه غفلة وإعراض عنه بالكلية.

السبب الثاني: أن في
الذكر اللساني تزيين جارحة من جوارح الجسم بالعبادة، وفي
انصراف اللسان عنه حرمان من ذلك.

السبب الثالث: أن في الذكر
اللساني تعرضاً لنفحات ربانية من شأنها أن تكون سبباً ليقظة
القلب وتفاعله مع ماينطق به اللسان(1).

وابن عطاء الله يركز
على هذا السبب الثالث، إذ يقول: فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود
غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة.

إن انشغال جارحة اللسان بذكر الله
تعالى عبادة بحدّ ذاتها، ولكنها عبادة اقتصر حظها على اللسان
وحده من دون سائر الجوارح الأخرى، بل من دون كيان الإنسان من
حيث هو ذات ومجموع.

غير أن دوام هذا الحظ للسان باستمرار
تحركه بذكر الله عز وجل، يسري بالتأثير إلى الكيان كله، شيئاً
فشيئاً، وفي مقدمة ذلك القلب. ألا ترى إلى تحرك اللسان باللغو
من القول أو بالغيبة ونحوها، كيف يكون سبباً في مدّ غاشية من
الغفلة والقسوة على القلب، فكذلك العكس، لابدّ إذا تحرك اللسان
بذكر الله أو بتلاوة القرآن، وثابر على ذلك، أن تمتدّ من هذه
الطاعة التي يحبها الله نفحة نورانية إلى القلب، توقظه من
الغفلة وتبعث فيه مشاعر الرقة.

إن الشأن في الغافل الذي يصرّ
مع ذلك أن يحرك لسانه بذكر الله، أنه يقدّم بذلك معذرته إلى
الله عز وجل، قائلاً بلسان الحال: اللهم لئن كان قلبي مشغولاً
عنك بأهوائه التي لاقبل لي بصرفه عنها إليك، فلقد شغلت بذكرك
لساني الذي أقدرتني على التحكم به، وصرفتُه عن الخوض فيما
لايرضيك إلى ذكرك وشكرك والثناء عليك.

والمظنون حينئذ بكرم
الله وفضله، أن يعتقه من أسر ضعفه، فيقدره على إيقاظ قلبه
إليه، كما أقدره على تحريك لسانه بذكره. وهو ما تعبر عنه كلمة
((عسى)) في قول ابن عطاء الله ((فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود
غفلة، إلى ذكر مع وجود يقظة)).

والمراد بيقظة القلب هنا،
انتباهه إلى معنى الذكر الذي ينطق به اللسان، وعدم غياب الشعور
عما يردده اللسان. وهو أول درجات توجه القلب إلى الله، وأولى
خطوات الابتعاد عن الشواغل الدنيوية وأسبابها.


* * *

محب الحبيب علي
19 Feb 2008, 10:18 AM
لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود
ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره. فعسى أن يرفعك من ذكر مع
وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة. ومن ذكر مع وجود يقظة
إلى ذكر مع وجود حضور. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع
غيبة عما سوى المذكور {وَما ذَلِكَ عَ

- فإذا تيقظ القلب لما يردده اللسان، وواظب السالك على
ذلك، فإن المأمول أن ينتقل به الحال إلى ذكر مع حضور

فإذا انتقل الذاكر من تحريك اللسان بألفاظ الذكر، مع الغفلة عن
التنبه إلى ما يقول، إلى تحريك اللسان بألفاظ الذكر، مع
التنبيه إلى ما يقوله ويقظته إلى ما يتضمنه من المعاني، ثم
ثابر على هذه الحال، ولم يتراجع إلى ما كان عليه من اشتغال
اللسان بالذكر مع شرود الذهن عن التنبه إلى مايقوله، واتخذ
لنفسه ورداً دائماً من ذكر الله تعالى، على حال يشترك فيه
اللسان مع يقظة الخاطر والذهن، فإن المأمول من كرم الله وفضله
أن يرقى به الفضل الرباني إلى حالة الحضور مع الله تعالى أثناء
ذكره.

محب الحبيب علي
19 Feb 2008, 10:18 AM
لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود
ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره. فعسى أن يرفعك من ذكر مع
وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة. ومن ذكر مع وجود يقظة
إلى ذكر مع وجود حضور. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع
غيبة عما سوى المذكور {وَما ذَلِكَ عَ

- بيان الفرق بين الذكر مع اليقظة، والذكر مع الحضور

فما الفرق بين اليقظة والحضور؟

يقظة الذاكر تعني، كما قلت لك،
مجرد سيره الفكري مع معاني الكلمات التي يقولها أو يرددها،
بقطع النظر عن مدى تفاعله الشعوري معها، وبقطع النظر عن مدى
يقينه الاعتقادي بها.

أما الحضور، فهو انجذاب مشاعر الذاكر
إلى المذكور حباً أو خوفاً أو مهابة وتعظيماً، حسب ما يتضمنه
الذكر الذي يتجه به إلى الله عز وجل من استغفار أو تسبيح أو
ثناء وتمجيد وتوحيد. ومن آثار هذا الحضور أنه يصرف الذاكر
شيئاً فشيئاً عن شواغل الدنيا وهمومها. إذ ما جعل الله لرجل من
قلبين في جوفه، فإذا حضر القلب مع الله أثناء ذكره له متجهاً
إليه بعواطفه الدافعة أو الرادعة أو الممجدة، فلابد أن يغيب -
بمقدار حضوره مع الله - عن أفكاره وأحلامه وهمومه الدنيوية.


لعلك تقول: إنني أملك اليقظة الفكرية إلى ما أقوله وأردده
بلساني أثناء ذكر الله تعالى، ولكني لا أجد لديّ نعمة هذا
الحضور الذي تصفه.

والجواب أن المداومة على المرحلة التي أنت
فيها، مرحلة اليقظة، ستكون أكبر عون لك على الانتقال إلى مرحلة
الحضور.. لأن اليقظة العقلية من شأنها أن تبعث في المشاعر
أسباب التعلقات الوجدانية.

ولأضرب لك مثلاً بتلاوة القرآن،
وهي من أجلّ أنواع الذكر، إنك إن تجاوزت مرحلة الغفلة أثناء
تلاوته إلى مرحلة اليقظة إلى معانيه، فإن استمرار تلاوتك له
على هذه الحال، يغرس في أفكارك معاني الآيات التي تقرؤها، فإذا
ترسخت فيها هذه المعاني، سرت منها إلى مشاعرك عوامل حبك لله عز
وجل وعوامل تعظيمك له وخوفك منه، إذ القرآن فيه من المعاني ما
يبعث على حب الله وفيه ما يبعث على تعظيمه والخوف منه.

كذلك
المداومة على الاستغفار، أو على التسبيح أو الحمد أو التوحيد،
إن من شأن ما تحمله هذه الأذكار المتنوعة من المعاني، أن تبعث
برسائل مثيرة ومهيجة إلى مكمن العاطفة بين جوانح الإنسان
الذاكر، فتتجه منه العاطفة إلى الله تعالى بالتعظيم والحب
والخوف والثقة... ومن ثم تتلاقى يقظة العقل مع عاطفة القلب،
فيتحقق من ذلك الحضور الذي أوضحت لك معناه.

واعلم أن الذاكر
في مرحلة اليقظة، لايحتاج إلى أن يشغل نفسه بالذكر اللساني، بل
بوسعه أن يتحول إلى الذكر النفسي أي أن لايكون غافلاً عن الله
تعالى بأن يكون دائم التذكر له، اللهم إلا الأذكار اللسانية
المأثورة، كالاستغفار في الأسحار، وكالتسبيح بعد الفجر وعند
الغروب، وكالإكثار من الصلاة على رسول الله ، فالمطلوب في ذلك
اجتماع اللسان مع الجنَان.

غير أن المراد بالذكر العام من
وراء المأثورات التي ضربت لك المثل ببعض منها، التذكر ويقظة
العقل إلى المذكور جل جلاله، ألا ترى إلى قوله تعالى: {
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ
اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبابِ، الَّذِينَ
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا
ما خَلَقْتَ هَذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ }
{ آل عمران: 3/190-191 } .

فقد شرح البيان الإلهي الذكر
الذي يدعو إليه في سائر الأحوال، بالتفكر في خلق السماوات
والأرض، وهي دعوة مكررة في كتاب الله عز وجل.


* * *

محب الحبيب علي
28 Feb 2008, 05:12 PM
لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود
ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره. فعسى أن يرفعك من ذكر مع
وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة. ومن ذكر مع وجود يقظة
إلى ذكر مع وجود حضور. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع
غيبة عما سوى المذكور {وَما ذَلِكَ عَ

- فإذا ثابر السالك على ذكره هذا، فإن المأمول أن ينتقل
به الحال من ذكر مع الحضور إلى ذكر مع غياب عما سوى
المذكور، وبيان معنى غيابه عما سوى المذكور

فإذا أكرم الله الذاكر بنعمة الحضور أثناء ذكره له، وثابر على
ذلك، واتخذ من ذكره لله على هذا النحو ورداً يواظب عليه،
فالمأمول من فضل الله عز وجل، أن ينقله الذكر إلى رتبة أعلى،
ألا وهي غياب الذاكر عما سوى المذكور.

أي إن الذكر ينسيه
الدنيا التي من حوله، بكل مظاهرها وأنواعها وألوانها، فلايتجه
منه الشعور والإحساس إلاّ إلى الله وحده، على الرغم من أنه
يعيش ويتعامل معها ويخوض في غمارها.. إن ذكره القلبي، أو
اللساني المرتبط بالحضور مع الله عز وجل، يغيبه شيئاً فشيئاً
عن المعايش الدنيوية وأسبابها وينسبه توجهاته إليها واهتماماته
بها، ويتحول كل ما كان من ذلك، شاغلاً له عن الله، إلى مذكر له
بالله، فهو أنّى التفت من حوله لاتقع عيناه إلا على الآيات
الناطقة بصفات الله، وأينما وجّه سمعه من الدنيا التي حوله
لايسمع منها إلا نشيد التسبيح مقروناً بحمد الله. فكأنه يرى
أن الدينا بكل ما فيها تذكر الله معه: تسبحه مع تسبيحه، وتثني
عليه مع ثنائه، وتحمده مع حمده، وتعظمه مع تعظيمه(1)...

وكن
على يقين، أيها القارئ، أن صفوة أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم قد تبوؤا هذه المرتبة، كانت أنفاسهم مقرونة بذكر
الله، وكان ذكرهم لله حجاباً يفصلهم عن الدنيا ويغيبهم عن
آلامها وآمالها. وكان سيدنا رسول الله هو القدوة لهم في ذلك،
وهو الواصل من قبل إلى ذلك الشأو.. كيف لا وهو سيّد الذاكرين،
وهو الذي تستنطق الحجارةَ بذكر الله كفُّه، ويجعل من معايشه
التي يتقلب فيها محاريب لذكر الله، فما يركن إلى رقاد،
ولايستيقظ منه، ولايدخل خلاء، ولايباشر وَضُوءاً، ولا يجلس إلى
طعام، ولايرتدي جديداً من ثياب، إلاّ وغاب عن ذلك كله بشعوره
إلى ذكر الله(1). وهل ترقى مرتبة الغياب عما سوى المذكور، إلى
أعلى وأتمّ من هذا الشأو؟

محب الحبيب علي
28 Feb 2008, 05:13 PM
لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود
ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره. فعسى أن يرفعك من ذكر مع
وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة. ومن ذكر مع وجود يقظة
إلى ذكر مع وجود حضور. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع
غيبة عما سوى المذكور {وَما ذَلِكَ عَ

- أساس هذا في هدي رسول الله وسنته

وإذا استغرق الذاكر مع الله في هذه الرتبة، غائباً عن الدنيا
التي يتقلب فيها، قد يخيل إلى من كان بعيداً عن معنى الذكر
وآثاره، أن مسّاً من جنون قد أصابه.. فلا يلتفتن بأي اهتمام
إلى هذه التهمة، وليمض في نشوة ذكره لله عز وجل، متذكراً قول
رسول الله ، فيما رواه أحمد والحاكم وأبو يعلى وابن حبان، من
حديث أبي سعيد الخدري: ((أكثروا ذكر الله، حتى يقولوا
مجنون)).

وإذا جُذِبَ الذاكر إلى الله أثناء ذكره، فاستغرق في
شهوده، وغيَّبته حاله مع الله عن الدنيا وأهلها، فلا يلتفتن
إلى من قد أعوزتهم هذه الحال، وجعلوا من بلاء فقرهم حجة ضد
الآخرين، وليستبشر بأنه واحد ممن قال عنهم رسول الله  فيما
رواه مسلم والترمذي وغيرهما: ((سبق المفرِّدون، قالوا ما
المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهتَّرون بذكر الله، يضع
الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون الله يوم القيامة خفافاً))(2)
.

فانظر إلى كلمة ((المستهترين)) التي عبّر بها رسول الله ،
وهي تستعمل غالباً في نقد من أفرط في الشيء وتجاوز به الحدّ
المألوف أو المطلوب، فأصبح من المولعين به، ولكنه  يجنده
ويدعو إليه، ويجعل من هذا الاستهتار شهادة سبق في مضمار السير
إلى الله والقرب منه.


* * *

محب الحبيب علي
28 Feb 2008, 05:13 PM
لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود
ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره. فعسى أن يرفعك من ذكر مع
وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة. ومن ذكر مع وجود يقظة
إلى ذكر مع وجود حضور. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع
غيبة عما سوى المذكور {وَما ذَلِكَ عَ

- وصفوة القول أن السلوك إلى الله، ليس له بعد الإيمان
إلا طريق الذكر

وصفوة القول أن السلوك إلى الله تعالى، ليس له بعد الإيمان به،
إلا سبيل الذكر، وإنما مفتاحه الذكر اللساني ولا حرج أن يكون
القلب غافلاً. إذ حركة اللسان بالذكر من شأنها أن تبعث شيئاً
فشيئاً إلى يقظة القلب..

فإذا صبر الذاكر على ذكره اللساني
واتخذ لنفسه من ذلك ورداً يثابر عليه، أدركته يقظة القلب، وبدأ
يشعر بحلاوة الذكر.. فإذا ازداد إقبالاً إليه وتعلقاً به،
ومثابرة عليه، هيمن الذكر على مشاعره وانتقل إلى مرتبة الحضور،
وأصبح الذكر سجية له، وغدا عملاً من أعمال الفكر.. ثم إن
مواظبته على ذكر الله بهذه الحال، تنقله شيئاً فشيئاً إلى
الغيبوبة عن المكونات كلها والاستغراق في شهود الله عز وجل،
وهي الحال التي تسمى بوحدة الشهود، وقد سبق شرحها وبيانها في
الجزء الأول من هذا الكتاب.

إذن فذكر الله هو المدخل، بل
الطريق الذي لابديل عنه، للسير في مدارج السالكين.. وهو الرفيق
الذي لا غنى عنه في أي من المراحل التي يتدرج فيها السالكون،
وهو المعنى الذي إذا فرغت منه الطاعات والقربات، تحولت إلى
رسوم لا حقيقة لها ولافائدة منها، بقطع النظر عما قد توصف به
من صحة أو بطلان، إذ إن مواصفات الصحة والبطلان للطاعات
والعبادات، جزء لايتجزأ من رسومها وأشكالها الظاهرة.

من أجل
هذا قال رسول الله : ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند
مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب
والوَرِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم
ويضربوا أعناقكم؟.. قالوا بلى. قال: ذكر الله))(1).

وإياك أن
تفهم أفضلية الذكر على تلك القربات الأخرى التي عددها رسول
الله على غير وجهها، فتتوهم أن المسلم إذا ثابر على ذكر الله
لم يعد يطالَبُ بزكاة ولاصدقة ولاجهاد في سبيل الله… إن المعنى
الذي نبه إليه رسول الله كما ذكره الشراح، هو أن قبول الله
للطاعات التي يؤديها المسلم أياً كان، متوقف على سلامة القصد
وإخلاص النية وصفاء العمل من شوائب العجب والرياء والمقاصد
الشخصية، ولايتأتى ذلك إلا بطهارة القلب من سائر الآفات التي
تحجب العبد عن الله وتحول دون توهج الفؤاد بحبه، وإنما السبيل
الوحيد إلى ذلك ذكر الله. فهو الشرط إذن لصلاحية القربات
والصدقات والجهاد، وقبول الله لها وخلق النتائج المترتبة
عليها.. فمعنى الحديث: إن ذكر الله تعالى خير عند الله عز وجل
من صدقات وأعمال جهاد تؤدي بمعزل عن ذكر الله عز وجل، إذ لن
تكون عندئذ صافية عن الشوائب التي من شأنها أن تودى بفائدتها
وآثارها.

فهو كقولك إن الوضوء الذي يسبغه المسلم استجابة لأمر
الله، خير من الصلاة التي يؤديها بلا وضوء.

وحسبك من دلائل
أهمية انصراف القلب إلى ذكر الله، وخطورة انصرافه عن ذكره، قول
الله عز وجل لرسوله: { وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ
عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } {
الكهف: 18/28 } .

اللهم اجعل أفئدتنا نابضة بذكرك، واجعله
أنيسنا الدائم في اجتيازنا لمفاوز الدنيا إليك، واجعله سلّم
وصولنا إلى شهودك وأجرنا اللهم من آفات نفوسنا وضعف جبلّتنا،
فإنه لاحول ولا قوّة إلاّ بك.




* * *

محب الحبيب علي
28 Feb 2008, 05:15 PM
الحكمة الثامنة والأربعون



من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات،
وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلاّت

- ما معنى موت القلب وحياة القلب؟

ما المراد بحياة القلب وموته، في مصطلح التربية الإيمانية التي
نحن بصددها؟

عندما يكون القلب عامراً بمشاعر حب الله وتعظيمه
والخوف منه، فهو إذن قلب حيّ. وعندما يكون خالياً عن هذه
المشاعر، فهو إذن قلب ميت. ولكل من حياة القلب وموته آثار هامة
تتجلى في حياة صاحبه وسلوكه، وأنت تعلم أننا لانعني بالقلب هنا
تلك العضلة التي يتحدث عنها الأطباء وتخضع لعلاجاتهم وعملياتهم
المختلفة.. وإنما نعني به في هذا الصدد المشاعر التي تنعكس،
بفعل الروح، على هذه العضلة، مما يسمى بالعواطف الدافعة
والرادعة والممجدة..

محب الحبيب علي
28 Feb 2008, 05:15 PM
من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات،
وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلاّت

- لعلك تقول: لماذا لاتكون علامة موت القلب ارتكاب
الزلاّت، وعلامة حياة القلب النهوض بالطاعات، والجواب عن
ذلك

وإني لأفترض أنك قد تسأل ناقداً، أو مستشكلاً، بعد أن عرفت
معنى كل من القلب الحي والقلب الميت: لماذا لاتكون علامة القلب
الميت ارتكاب الزلات، من حيث تكون علامة القلب الحي النهوض
بسائر ((الموافِقات)) أي الطاعات. ومصدر هذا السؤال أو
الاستشكال أن من شأن القلب العامر بحب الله وتعظيمه والخوف منه
أن يحمل صاحبه على أداء سائر الطاعات والابتعاد عن جميع
المحرمات. إذ لا ثمرة لحياة القلب الحيّ إلا ذلك، ومن ثم
فالمفروض أن يكون المتورط في الزلاّت ذا قلب ميّت، سواء داخله
الندم على ذلك أم لا.

والجواب عن هذا الاستشكال أن الله،
لحكمة باهرة، متع الإنسان بفطرة إيمانية ترقى به إلى مستوى
الملائكية، وجهزه بقلب مهيأ لأن يكون وعاء صافياً لأقدس حب في
الكون، ألا وهو حب الله عز وجل، وقضى بأن تكون الروح السارية
في كيانه، سراً هابطاً إليه من الملأ الأعلى، منتمياً بنسب
التكريم والتمييز إلى ذاته العلية، ومن ثم فهي تظل في حنين
دائم إلى العالم العلوي الذي أهبطت منه، وفي شوق شديد إلى
الذات الإلهية التي شرفها بخصيصة التمييز والتكريم.. إذن
فالكيان الإنساني مهيأ قلباً وروحاً لأن يفيض بأسمى مشاعر الحب
والتعظيم والمهابة لله عز وجل.

أما الطاقة التي يتمتع بها
الإنسان، فقد قضى الله عز وجل، لحكمة باهرة كما قلت، أن تكون
مشدودة إلى كثير من عوامل الضعف. فقد شاء الله تعالى أن تكون
قدرته الجسمية والمادية محدودة، وأن تتسلط عليه نوازع الغريزة
بكل أصنافها وتطلعاتها، وأن تتسرب إليه وساوس الشياطين، وأن
تهتاج بين جوانحه نيران الشهوات المختلفة، إلى جانب الفطرة
الإيمانية التي متعه الله بها ، وموازين إدراك الحقائق التي
جهز دماغه بها. وهكذا فقد غدا الإنسان محور صراعٍ وملتقى
أطماعٍ لهذه العوامل المحيطة به كلها، وكان لابدّ أن يصبح
ضعيفاً تحت وطأة هذا الصراع الدائب، وتلك هي الحقيقة التي أخبر
بها البيان الإلهي القائل: { وَخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً }
{ النساء: 4/28 } .

إذن فالكيان الإنساني يحوي طاقة علوية
تتجه بالحب والحنين إلى الملأ الأعلى، وتتمركز هذه الطاقة في
الروح التي تعكس ايحاآتها إلى القلب. إلا أنه في الوقت ذاته
يعاني من ضعفٍ آت من تسلّط العوامل الغريزية والشهوانية
والوساوس الشيطانية، ومحدودية الطاقة الجسدية.. فينشأ التناقض
عندئذ بين الطاقة الروحية التي يترجمها القلب إلى مشاعر الحب
والخوف والتعظيم، والضعف الطبيعي الذي تترجمه الغرائز والأهواء
والشهوات.

فما هي النتيجة التي تنشأ من هذا التناقض؟

النتيجة
التي لامحيص عنها هي الوقوع بين جاذبي الخطأ والصواب، أو
الطاعة والعصيان، وصدق رسول الله القائل: ((كل بني آدم خطاء،
وخير الخطائين التوابون))(1).

تعلو به الروح ومشاعر القلب نحو
الطاعة، وتسمو به صعداً لأداء حقوق الحب والمهابة والتعظيم،
وتثّاقل به أعباء الشهوات والغرائز والضعف البشري إلى حظوظ
النفس وأهوائها، فيصيب ويخطئ، ويستقيم على الصراط ويتعثر،
ويطيع ويعصي.. ذلك هو شأن الإنسان، بل ذلك هو شأن المسلم في كل
زمان ومكان، حاشا الرسل والأنبياء فقد ميزهم الله بالعصمة عن
الانحرافات والآثام، ليتأتى لهم النجاح في الدعوة إلى الله،
والنصح بالسير على صراط الله، وليكونوا في حياتهم وسلوكهم قدوة
للآخرين.

ولكن، ما الحكمة من هذا التناقض بين تسامي الروح
والقلب إلى عالم الاستقامة والحب وآمال الانقياد الدائم لأمر
الله، واتجاه الكيان البشري مثقلاً بالغرائز إلى حيث الشهوات
والأهواء؟.. ما الحكمة من قيام التناقض بين قوة الحب الرباني
المهيمن على الفؤاد، وضعف الطاقة البشرية المهيمن على الذات
والكيان؟

محب الحبيب علي
28 Feb 2008, 05:15 PM
من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات،
وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلاّت

- بيان الحكمة من تعارض القلب المهيأ لأسمى مشاعر الحب
لله، مع ضعف الإنسان وعجزه عن أداء حقوق هذا الحب

الحكمة أن يرى العبد المؤمن بالله عز وجل من هذا التناقض،
مشكلة لا مخلص له منها، إلا الفرار إلى الله والاستعانة به..
يفرّ إلى الله من ضعفه، ويلوذ به من وقع غرائزه وضراوة شهواته،
ويسأله أن لايكله إلى نفسه وأن لايتركه لسلطان أهوائه ووساوس
شيطانه.. معترفاً بأنه ضعيف مهين، لايملك - من دون معونة الله
له - حولاً ولا قوة.

وهذا المصير الذي ينتهي إليه هذا العبد،
فراراً من التناقض الذي وصفته لك، هو المعنيّ بكلمة
((العبودية)) وهي الغاية القصوى من تقلبات الإنسان في حياته
الدنيا، ولا فائدة للعبادات السلوكية الظاهرة، بدون التحقق
بمشاعر العبودية الواجفة.. وهي في خلاصة معناها حالة من
الافتقار الكلي يشعر به الإنسان تجاه ربه عز وجل. فيقوده إليه
بالدعاء والرجاء والاسترحام، وطلب العون.. موقناً بأنه لايملك
من أمر نفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً..
وهي سلّم القرب إلى الله، ومفتاح الوصول إلى مرضاته.

ومهما
صلى العبد وصام، ومهما تفنن في النسك والعبادات، لايقرّبه شيء
من ذلك إلى الله، إلا إن كان مضمخاً بذل الافتقار إلى الله
ممزوجاً بمشاعر الانكسار بين يديه.

ولكن من أين يأتي هذا
الانكسار؟ ومن أين يصدر الشعور بهذا الافتقار؟

إن شيئاً من
ذلك لايصدر إلا من هذا التناقض الذي قضا به الله عز وجل، بين
القلب الذي جعله الله وعاء مهيأ لأقدس معاني الحب.. الحب
الصاعد من فؤاد العبد إلى الرب عز وجل، وبين الكيان البشري
الذي ابتلاه الله بالضعف والعجز عن أداء حقوق ذلك
الحب..

تصور، لو أن الله عز وجل أكرمك بقدرات بشرية تتناسب
ولواعج محبتك لله ورغبتك في الاستقامة على أوامره ووصاياه كلها
دون أي تقصير، إذن لهيمنت عليك نشوة الشعور بالنصر ولطاف بك
الزهو، ولنال منك الإعجاب بقوتك ونجاح جهودك.

فما الذي يقودك
عندئذ إلى الالتجاء إلى الله، وما الذي يحملك على الانكسار بين
يديه، وكيف تشعر بمصداق قوله لك: { يا أَيُّها النّاسُ
أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ
الْحَمِيدُ } { فاطر: 35/15 } .

بل ما الذي يقودك عندئذ إلى
الدعاء الذي هو العبادة أو مخ العبادة، مستجيباً لأمر الله {
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } { غافر: 40/60
} مادامت قدراتك البشرية متجاوبة ومتكافئة مع مشاعرك
وطموحاتك القلبية، ومادامت الاستقامة الدقيقة على أوامر الله
لاتتخلّى عنك؟


* * *

محب الحبيب علي
28 Feb 2008, 05:16 PM
من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات،
وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلاّت

- من سنن الله في عباده أن تكون قدراتهم البشرية متقاصرة
عن عواطفهم وطموحاتهم القلبية، وبيان الحكمة من ذلك

فقد تبين لك إذن أن من سنن الله في عباده أن تكون قدراتهم
البشرية وإمكاناتهم السلوكية متقاصرة عن طموحاتهم الروحية، وعن
مشاعرهم القلبية، قد يسمو أحدهم بحبه لله إلى أعلى الرتب
إخلاصاً وتفانياً، فإذا استنهض كيانه البشري لأداء حق هذا الحب
فوجئ بالعوائق والعجز، للعوامل التي ذكرتها لك.

وقد علمت أن
الحكمة من هذه السنة الإلهية، أن تنقدح مشاعر العبودية لله
والافتقار إليه، من خلال هذا التناقض القائم بين الروح العلوية
والغرائز الأرضية، أو بين القلب الملتاع بحب الله، والبشرية
المثقلة بقيود الأهواء.. ومن ثم فلا مطمع في أن يكون الإنسان
أياً كان (حاشا الرسل والأنبياء) معصوماً عن الزلل
والآثام.

وإنما يقوم مقام العصمة التي لا مطمع فيها، أن يحزن
العبد على ما قد فاته من الطاعات، إذ عاقته أهواؤه أو قعد به
ضعفه عنها، حزناً يسوقه إلى التضرع بين يدي الله والالتجاء
إليه أن يغفر له تقصيره وأن يوفقه لتدارك ما فاته.. وأن يندم
على ما اقترف من الزلاّت ندامة تقوده إلى التوبة إلى الله
والخجل منه والاستعانة به أن يقيه من ضعفه وأن يحميه من الوقوع
ثانية في براثن عجزه.

فذلك الحزن على فوات الطاعات، وهذه
الندامة على الوقوع في الزلات، تحلاّن - بفضل الله وعظيم رحمته
- محلّ العصمة التي اقتضت حكمة الله أن يحجبها عن عباده، بل
نقول بتعبير أصح وأدق: اقتضت حكمة الله أن لايكلفهم بها
ولايحملهم مسؤوليتها، وذلك عندما جعل من الندامة الحقيقية التي
تقود إلى التوبة بديلاً عنها.

محب الحبيب علي
28 Feb 2008, 05:16 PM
من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات،
وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلاّت

- بيان الفرق بين الإنسان والملائكة في ذلك، وهو سرّ
أفضلية الإنسان على الملائكة

إن التحقق بالعبودية، يرقى بالإنسان إلى أعلى من الشأو الذي
تتبوؤه الملائكة بعصمتها ودوام تسبيحها وطاعتها..

نعم، إن
الملائكة تنعم بالعصمة عن الوقوع في المعاصي، ولكنها لاتتمتع
بما يتمتع به الإنسان الذي عرف ربه، من لذة التبتل بين يديه
والانكسار على بابه، ولاتذوق لذة اللحظة التي يتوب فيها العبد
إلى الله إذ يسمع نداء الله قائلاً: { وَمَنْ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ إِلاّ اللَّهُ } { آل ‌عمران: 3/135 } فيخرّ
العبد ساجداً لمولاه تائهاً ما بين نشوة الشكر له ولذة التذلل
على أعتابه. وهذه المزية لاتتحقق إلا من جراء الضعف الذي يعرّض
الإنسان لمنزلقات الأخطاء والتقصير، كما مرّ بيانه.

وتأمل في
هذا المعنى، وانظر كم يبدو جلياً في خطاب الله لإبليس، وقد آلى
على نفسه مخاطباً الله عز وجل أن يغلق على بني آدم صراطه
المستقيم، وأن يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن
شمائلهم، يصدّهم عن شكر الله وعن الاستجابة لأوامره، إذ أجاب
الله فقال: { هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ
عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ
اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ } { الحجر: 15/41-42 } .

تأمل
في قوله عز وجل { إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطانٌ } { الحجر: 15/42 } وسائل نفسك: من هم الذين
يعنيهم بـ((عبادي))؟ إن الناس كلهم في الواقع، والحقيقة، عباد
لله عز وجل مسلمين كانوا أو كافرين أو ملحدين، فكيف يصدق هذا
القرار الإلَهي عليهم جميعاً؟ كيف لا يكون للشيطان سلطان على
المارقين والجاحدين والملحدين؟

إن المراد بكلمة ((عبادي))
الذين تحققوا بوصف العبودية لله ووضعوها من حياتهم موضع
التنفيذ. والتحقق بوصف العبودية لله، لايقتضي العصمة، ولكنه
يقتضي العود إلى حمى الله بعد كل شرود عنه، ويقتضي الحزن على
فوات الطاعة والندم على ارتكاب المعصية، والحزن والندامة
يقودان إلى التوبة، وإذا تاب العبد توبة صادقة تاب الله
عليه.

فمن هنا لايكون للشيطان سلطان على من تحقق بوصفه
العبودية لمولاه عز وجل، ووضعها من حياته في موضع التنفيذ:
يغريه الشيطان بالمعصية ويزينها له ويفتح له إليها كل سبيل،
وما يزال به حتى يوقعه في شركها.. ويفرح الشيطان عندئذ إذ نجح
في إغوائه، وانتهت أتعابه بالنجاح.

ولكنه ما يكاد يصحو من وقع
المعصية وترتدّ عنه نشوتها، حتى تهتاج به مشاعر عبوديته لله،
فتثور من ذلك آلام الخوف والخجل من مولاه بين جوانحه وتقوم في
نفسه عاصفة من الندامة على مابدر منه، ولابدّ أن يقوده ذلك كله
إلى التوبة والاستغفار، وإلى التضرع بين يدي الله عز وجل أن
يقبل توبته ويغفر ذنبه، فيتوب الله عليه ويغفر له ذنبه ويحط
عنه أوزاره، وتذهب بذلك جهود الشيطان سدى، ويتحول فرحه إلى كمد
وغيظ.. ولكنه يعود الكرة فيغريه مرة ثانية بالعصيان، ويستثير
إلى ذلك أهواءه وغرائزه، وربما نجح فأوقعه ثانية في حبالة
العصيان، ولكن مشاعر عبوديته لله تعالى تلهب بين جوانحه مرة
أخرى نيران الندامة وتملأ كيانه بمزيج من الخوف والحياء من
الله تعالى، فيعود إلى التوبة مرة أخرى، ويعود الله عز وجل
إليه بالمغفرة والقبول، كما هو شأنه.

وهكذا.. كلما أصيب هذا
العبد برشاش المعصية، اهتاجت به مشاعر عبوديته لله، وقاده
الحزن والألم والخوف منه عز وجل إلى التوبة الصادقة، فكان ذلك
طهوراً دائماً له. فذلك هو معنى قوله عز وجل: { إِنَّ
عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ } { الحجر: 15/42 }
أي إن مشاعر عبوديتهم لله لابد أن تسوقهم إلى التوبة، ولابد
أن يتوب الله عليهم ويضع عنهم أوزارهم، وتلك هي حماية الله لهم
من سلطان الشيطان وكيده.


* * *

محب الحبيب علي
28 Feb 2008, 05:17 PM
من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات،
وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلاّت

- الداء الذي لا دواء له أن يكون القلب ميتاً، قد اختـنقت
فيه مشاعر العبودية لله

ولكن الداء الذي لا دواء له، أن يكون القلب ميتاً قد اختفت منه
مشاعر العبودية لله، وغابت عنه نبضات الحب له والخوف منه،
فلايحزن على ماقد فات من الطاعات، ولايندم على ماقد تلبس به من
المعاصي والزلات، فأنى للتوبة أن تجد، والحالة هذه، سبيلاً
إليه.

وإنما يتبلى القلب بهذه الحال، عندما يبرر العاصي
عصيانه، ويرى في نفسه أنّه على حق فيما ارتكب، وهي نتيجة لغياب
إيمانه بالله. إذ لو كان مؤمناً بالله، لأيقن أنه عبده، وأن
عليه أن يدين له بالولاء وأن يخضع له بالسمع والطاعة في كل
ماقد أمر به ونها عنه. فإن وُفِّق لذلك شكر الله وفرح بتوفيقه
له، وإن تغلبت عليه نفسه وزلّت به القدم، ندم وتألّم وأقبل إلى
الله مستغفراً تائباً.

فلما استخف بالمعصية التي وقعت منه،
ولم يقم لها وزناً، ولم يشعر من بعدها بأي جزع ولا ندامة، دلّ
ذلك على أنه غير مبال بأمر الله وحكمه، وأنه ذاهل عن كونه
عبداً مملوكاً لله، مكلف بالانقياد لأمره والخضوع
لسلطانه.

هما نقيضان لايجتمعان: العبودية الواجفة لله،
والاستكبار على سلطان الله!.. فإن عَمُر قلبك بمشاعر العبودية
له وُقيت شرّ معاصيك وشر أهوائك وشيطانك، وجعل الله لك من
التوبة الدائمة سبيلاً ميسراً إلى صفحه ومغفرته.

وإن فاض قلبك
بمشاعر الاستكبار عليه، لن تنفعك بعدها طاعة، ولن تجد سبيلاً
إلى توبة، ويصدق عليك قوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ
كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ
لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى
يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُجْرِمِينَ } { الأعراف: 7/40 } .


* * *

محب الحبيب علي
18 Mar 2008, 06:56 PM
الحكمة التاسعة والأربعون



لا يعظم الذّنب عندك عظمة تصدّك عن حسن الظن بالله تعالى،
فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه

- هذه الحكمة ساقها ابن عطاء الله استدراكاً وتقييداً
للحكمة التي قبلها

هذه الحكمة ساقها ابن عطاء الله استدراكاً أو تقييداً للحكمة
التي قبلها. فإنه لما لفت النظر إلى ضرورة الحزن على ما قد
يفوت المسلم من فرص الطاعات، وإلى ضرورة الندم على ما قد
ارتكبه من المحرمات، لم يبعد أن يوجد في الناس من يسترسل في
الحزن، وفي الندامة، إلى أن يزجّه كل منهما في حالة من اليأس،
فيقع في نفسه أنه لم يعد أهلاً لمغفرة الله وصفحه، وربما وسوس
له الشيطان عندئذ أن انقياده إلى الطاعات وابتعاده عن
المحرمات، لايفيدانه بعد اليوم شيئاً، فخير له أن يمتع نفسه
بما يشتهيه، من أن يحرمها من حظوظها دون فائدة.

فعقب عليها
بهذا الاستدراك محذراً من أن يعظم الذنب عند العاصي عظمة تصده
عن حسن الظن بالله، وتنسيه واسع فضله وعظيم رحمته وصفحه،
ومنبهاً إلى الرجوع بالذكر إلى صفات الله والتأمل فيها، فإن من
عرف ربه من خلالها، أي من خلال معرفة صفاته، لابدّ أن يستصغر
أمامها ذنوبه، مهما كثرت في العدد وعظمت في النوع.

محب الحبيب علي
18 Mar 2008, 06:57 PM
لا يعظم الذّنب عندك عظمة تصدّك عن حسن الظن بالله تعالى،
فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه

- قد تستشكل سبيل التوفيق بين هذا الكلام والذي قبله..
والجواب عنه

وقد تستشكل سبيل التوفيق بين هذا الكلام والذي قبله، فتقول:


إن العبد إذا فتح باب الحزن على نفسه من جراء تقصيره في
طاعات فاته شرف النهوض بها. أو فتح على نفسه باب الندم من جراء
معصية ارتكبها، فإن الشأن أن يتطاول سلطان كل منهما عليه، إلى
أن ينتهي به ربما إلى مضيق اليأس. ومن علم حق الربوبية على
العبد، ووقف على دلائل قهر الله وسطوته، وما أعدّه للعصاة
والمارقين، يصعب عليه أن يتحكم بحزنه وندمه، وأن يضع لكل منهما
حداً. إذ إن كلا منهما انفعال قسري وليس فعلاً اختيارياً. فكيف
يتأتى له أن يستجيب لنداء الحزن والندم، ثم يتحكم بهما ويتحرر
منهما، ليجنح إلى الطمأنينة والاستبشار بأن الله قد غفر له
ذنبه وأصلح له حاله، وأنه جل جلاله سيكون يوم القيامة عند ظنه
به.

والجواب أن مصدر هذا الاستشكال ما قد تتوهمه من أن سبب
الحزن أو الندم يجب أن يكون الخوف من سخط الله وعقابه، وعندما
يكون سبب ذلك هذا الخوف فالإشكال وارد، لأن الخوف مرتبط بموجبه
وهو العقاب الذي يتوعد الله الضالين والعاصين به، وإذا استحكم
الخوف بالنفس، فلابد أن يشوش على حسن الظن الذي هو مبعث الأمن
والطمأنينة في النفس.

محب الحبيب علي
18 Mar 2008, 06:58 PM
لا يعظم الذّنب عندك عظمة تصدّك عن حسن الظن بالله تعالى،
فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه

- مصدر الحزن المطلوب في الحكمة السابقة الخجل من مقابلة
نعم الله وألطافه بالعصيان، وليس مصدره الخوف من عقابه،
تفصيل هام لبيان الفرق بين الدافعين

غير أن الشأن في المؤمن الذي عرف ربه من خلال صفاته الأسنى
وأسمائه الحسنى، ومن خلال ما لاحصر له من النعم التي يكرمه
بها، ومن خلال ما سخر لخدمته من المكونات، أن يسارع دائماً في
الاستجابة لأوامره ووصاياه، وفي الابتعاد عما ينهاه ويحذره منه
من المحرمات، حباً له ويقيناً منه بأنه لايوجهه إلا إلى الخير،
ولايحذره إلا من الشر.. فإذا ساقه الضعف إلى مخالفة أمره، أو
الوقوع في نهيه، فاض قلبه خجلاً وتأثراً من هذا الذي بدر منه
تجاه مولاه، الذي هو غريق ألطافه ومننه وإحسانه. فذلك هو مصدر
حزنه وندامته.. بل الشأن فيه أن يزداد حزناً وندماً كلما ازداد
يقيناً بمغفرة الله له وصفحه عنه.

وتلك هي الحال التي انتابت
فضيلاً، يوم كان يقف مع الحجيج في عرفة، روى ابن الجوزي في صفة
الصفوة عن مهران بن عمرو الأسدي قال: سمعت الفضيل بن عياض عشية
عرفة بالموقف، وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء، يقول:
واسوأتاه، وافضيحتاه، وإن عفوت عني(1).

فهذا الحزن والندم
لايتعارضان مع حسن الظن بالله عز وجل، بل هما من آثاره
ونتائجه، كما قد رأيت من حال فضيل.

والأليق بحال العبد أن
يكون مبعث حزنه على مافاته من الطاعات وندمه على ما ارتكب من
الموبقات، الحياء من الله عز وجل، والتأثر من سوء معاملته لله
مع حسن معاملة الله له.. فذلك هو الدليل على حبه وتعظيمه له.
أما الحزن أو الندم الذي يكون مصدره الخوف من عقاب الله
وعذابه، فقصارى ما فيه أنه دليل على اهتمامه بذاته وحبه لنفسه،
وحرصه على أن لايمسّه سوء وأن لايناله أذى.

كم وكم من فرق في
مقام القرب والحب، بين من يجزع من المعصية التي ارتكبها، لما
قد أناط الله بذلك من آيات الوعيد بالعقاب والنكال، وبين من
يجزع من المعصية ذاتها ويندم على ارتكابه لها، إذ يقف وقفة
تدبر أمام قول الله تعالى: { هَلْ جَزاءُ الإِحْسانِ إِلاّ
الإِحْسانِ } { الرحمن: 55/60 } .

مبعث الجزع والحزن هناك
الخوف من عصى التعذيب أو التأديب.. ومبعث الجزع هنا العتب
الأخّاذ الرقيق إذ يتوجه من المحسن المتفضل الكبير..

والذي
ينتابه الجزع الأول، قد لاتعنيه الذات الإلهية التي تتوعده
بالعقاب، وإنما يعنيه العقاب الذي يبحث عن ملاذ منه.. أما الذي
ينتابه الجزع الثاني فإنما يعنيه الذات الإلهية دون سواه، حباً
ومهابة وتعظيماً له.

والذي يهيمن عليه خوف العقاب، قد لايدرك
أهمية المشاعر المذيبة التي تنبعث من قوله تعالى: { هَلْ
جَزاءُ الإِحْسانِ إِلاّ الإِحْسانِ } { الرحمن: 55/60 } ..
ولكن القلب الذي أحب الله، ووقع في أسر الإحسان الرباني الذي
لاينفك عن صاحب هذا القلب في ليل ولا نهار، يأخذه من هذا العتب
الإلهي الرقيق ما قد يذيبه.

وانظر.. وتأمل، بمشاعر حبك
وتعظيمك لله عز وجل، إن كان قلبك يتمتع بشيء من مشاعر حبه
وتعظيمه، في هذه الصياغة القرآنية العجيبة التي يقابل فيها
البيان الإلهي إحساناً بإحسان على وجه المسائلة التي تنم عن
وعد الله بالإحسان لعبده المحسن، وتنم في الوقت ذاته عن عتب
الله على عبده الذي لايلتزم بمثل ما التزم الله له به، فيتلقى
أنواع الإحسان من مولاه دون أن يقابل إحسانه هذا
بمثله!..

وانظر كيف يساوي البيان الإلهي بين العبد والرب، على
سبيل التنزل، في التذكير بالقانون المنطقي العادل القاضي بأن
يقابلَ الإحسان بمثله.

وينطبق هذا القانون بصياغته القرآنية
الدقيقة على الذات الإلهية، كما ينطبق على العبد سواء بسواء.
فالآية تقول لك: هل من جزاء للإحسان الذي يتجه به العبد إلى
الرب، إلا الإحسان المقابل الذي ينبغي أن يتجه به الرب إلى
العبد.. وهي تقول لك في الوقت ذاته: هل من جزاء للإحسان الذي
يتجه به الرب جل جلاله إلى العبد، إلا إحسان مقابل ينبغي أن
يتجه به العبد إلى ربه عز وجل؟

وإذا كان عطاء الرب لعبده
إحساناً وتفضلاً، فهيهات أن يكون الواجب الذي ينهض به العبد
لربه إحساناً مماثلاً أو مقابلاً، ولكنها مشاكلة اقتضاها اللطف
الإلهي بعباده، والتنزل في قرار التعامل معهم إلى مستوى
تعاملهم معه وتلقيهم منه، فإذا كانت نعم الله الوافدة إليهم
تفضلاً منه وإحساناً، فليكن شكرهم الواجب عليها فضلاً منهم
وإحساناً، على غرار قوله عز وجل: { مَنْ ذا الَّذِي يُقْرِضُ
اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً
كَثِيرَةً } { البقرة: 2/245 } وقد علمت أن الله أجلّ من أن
يحتاج فيستقرض أو أن يتعرض لجهد أو عجز فيتفضل بالإحسان إليه
من يعينه فيدرأ عنه الجهد والعجز.. وهل القربات التي يتقرب بها
العبد لربه، مما يسميه الله، تلطفاً منه وفضلاً، ((إحساناً))
إلا بتوفيق وعون من الله عز وجل؟..

إن طاعات المسلم إذ يتقرب
بها إلى ربه، ليست في الحقيقة إلا من مظاهر إحسان الله له،
وفضله عليه.. وستقف على تفصيل واف لهذا الكلام عند شرح الحكمة
الآتية التي يقول فيها ابن عطاء الله ((من تمام نعمته عليك أن
خلق فيك ونسب إليك)).

محب الحبيب علي
09 Apr 2008, 06:50 PM
الحكمة الخمسون



لا صغيرة إذا قابلك عدله. ولا كبيرة إذا واجهك فضله

- انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وبيان الفرق بينهما

يقسم العلماء المعاصي إلى كبائر وصغائر. وأساس ذلك قول الله
تعالى: { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ
نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً
كَرِيماً } { النساء: 4/31 } .

ولهم في تعريف الكبائر
وتحديدها كلام كثير. وأنا أوجزه في تعريفها ثم في ذكر
أنواعها:

أما تعريفها، فهو: كل ما جاء فيه وعيد من الله بعذاب
في الآخرة، أو أنيطت به عقوبة في الدنيا كالحدّ ونحوه.

وأما
تعدادها وذكر أنواعها فهي المعاصي التالية:

 الشرك بالله.
والوعيد الذي جاء في حقه، قول الله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ
لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ
لِمَنْ يَشاءُ } { النساء: 4/48 } .

 عقوق الوالدين.
والوعيد الذي جاء في حقه، المفهوم المخالف لقول الله تعالى:
{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً } { الإسراء: 17/23 } .

 قتل
النفس بغير حق، والوعيد الذي جاء في حقه، قول الله تعالى: {
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ
خالِداً فِيها } { النساء: 4/93 } هذا إلى جانب القصاص الذي
أنيط به.

 قذف المحصنات المؤمنات، ومثله قذف المحصنين من
المؤمنين، والوعيد الذي جاء فيه، قول الله تعالى: { إِنَّ
الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ
لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ }
{ النور: 24/23 } هذا إلى جانب الحدّ الذي أنيط به.

 أكل
الربا... والوعيد الذي جاء في حقه قول الله تعالى: {
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما
يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ } {
البقرة: 2/275 } .

 الفرار من الزحف. وهو أن يولي المسلم
في القتال ظهره للغزاة المهاجمين بينما يزحف إخوانه مقبلين
مهاجمين؛ والوعيد الذي جاء في حقه، قول الله تعالى: { وَمَنْ
يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ
أَوْ مُتَحِيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ
اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } {
الأنفال: 8/16 } .

 أكل مال اليتيم، والوعيد الوارد في حقه
قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ
الْيَتامَى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } { النساء: 4/10 } .

 الزنا...
والوعيد الوارد في حقه قوله تعالى: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
يَلْقَ أَثاماً، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً } { الفرقان: 25/68-69 }
.

 كتمان الشهادة، لقوله تعالى: { وَلا تَكْتُمُوا
الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُه } {
البقرة: 2/283 } .

 اليمين الغموس، وهو أن يحلف الإنسان
على شيء أنه فعله، وهو لم يفعله أو العكس، أي أن يقسم على شيء
يعلم أنه كاذب فيه. لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً
أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ
اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا
يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ } { آل عمران: 3/77 }
.

 شرب الخمر، وحسبك من الوعيد عليه أن الله قرنه بالوثنية،
فقال: { إِنَّما الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصابُ
وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } { المائدة: 5/90 } هذا إلى جانب
الحدّ الذي أنيط به.

 ترك الصلاة: لقوله تعالى في حقه { ما
سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ }
{ المدثر: 74/42-43 } هذا إلى جانب الحد المنوط به.

 نقض
العهد وقطيعة الرحم، لقوله تعالى: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ
تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا
أَرْحامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصارَهُمْ } { محمد: 47/22-23 }
.

 يضاف إلى ذلك الإصرار على الصغائر مما دون هذه الأمور
التي جاء الوعيد في حقها أو أنيط الحدّ والعقاب الدنيوي بها،
فقد اتفق جمهور العلماء على أن الإصرار على صغيرة ما يدخل
صاحبه في زمرة الفاسقين، قال صاحب الجوهرة:

والعدل من لم
يرتكب كبيرة ولم يكن ملازماً
صغيرةً



ومن المعلوم أن الفسق نقيض العدل.

وإنما عُدَّ
الإصرار على الصغيرة من الكبائر، لأن الشأن فيمن يصرّ عليها
الاستهانة بتعاليم الله وأوامره، والدخول في مداخل المكْرِ به
عز وجل، إذ يتوب ويجعل من توبته مقدّمة أو مبرراً للرجوع إلى
المعصية التي تاب عنها. والله عز وجل لايُمَكَرُ به، وقد توعد
الماكرين بالعقاب الذي سماه مكراً على سبيل المشاكلة التي مر
بيانها، فقال عز وجل: { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ } { آل عمران: 3/54 } ، وقال
تعالى: { وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ
بِأَهْلِهِ } { فاطر: 35/43 } .

إذا تبين هذا، فكل ما عدا
الذي مرّ ذكره، مما توعّد الله عليه بعقاب في الآخرة، أو أناط
الله به عقاباً أوحداً في الدنيا، فهو من الصغائر؛ وقد تسمى
بالسيئات، وقد تسمى لمماً، وهما من الأسماء الواردة لها في
القرآن.


* * *

محب الحبيب علي
09 Apr 2008, 06:51 PM
لا صغيرة إذا قابلك عدله. ولا كبيرة إذا واجهك فضله

- هذا التفريق بين الصغائر والكبائر، ناظر إلى ميزان
الشريعة الإسلامية، ومدى خطورة المعصية في إهدار مصالح
العباد، ومدى تفاوتها في الأهمية

والآن.. يجب أن نعلم أن هذا التصنيف الذي انقسمت المعاصي
بموجبه إلى كبائر وصغائر، إنما هو ناظر إلى ميزان الشريعة
الإسلامية التي أقامها الله تعالى في عباده لرعاية مصالحهم
ودرء المفاسد عنهم.

إن الكبائر التي توعد الله عليها بالعقاب
يوم القيامة، لم تصنَّف في الكبائر، إلا لما فيها من إهدار
لحقوق العباد.. وإن الصغائر التي وعد الله بالصفح عنها
والمغفرة لها، لم تصنّف في الصغائر إلاّ لأنها خادمة لحقوق
الله أو دائرة على التحسينات من حقوق العباد.

والقاعدة
الفقهية المعروفة تقول: ((حقوق الله مبنية على المسامحة وحقوق
العباد مبنية على المشاحّة)).

إذن فهذا التصنيف الذي مرّ
بيانه، ناظر إلى مصالح العباد في الدنيا، وليس ناظراً إلى حق
الربوبية في أعناق العباد.. وفي هذا من اللطف الإلهي بالعباد
ما لايغيب عن بال عاقل.

محب الحبيب علي
09 Apr 2008, 06:51 PM
لا صغيرة إذا قابلك عدله. ولا كبيرة إذا واجهك فضله

- فأما إن نظرت إلى حقوق الربوبية في أعناق العباد،
فالمعاصي كلها تستوي عندئذ عند حد واحد في عظمها وخطورتها

فأما إن نظرت إلى حقوق الربوبية في أعناق عباد الله عز وجل،
بقطع النظر، عن الأنظمة والشرائع التي تتوقف مصالحهم على الأخذ
والانضباط بها، فلن تجد عندئذ أثراً لهذا التصنيف، بل لابد أن
تستوي المخالفات كلها عند حدّ من الخطورة والجسامة واحدة. إذ
من أهم حقوق الله على عباده أن يطاع ولايُعصى. بقطع النظر عن
نوع الطاعات وأهميتها، وعن نوع المعاصي وخطورتها.. إذ العصيان
بحد ذاته، أي من حيث هو عصيان، جريمة كبرى، عندما تصدر من
العبد في حق الرب. وإلى هذا المعنى الذي أقول، يشير قول الله
عز وجل: { وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما
تَرَكَ عَلَى ظَهْرِها مِنْ دابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ
إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّىً فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ
اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً } { فاطر: 35/45 }
.

فالمعاصي المعنية بقوله تعالى: { بِما كَسَبُوا } { فاطر:
35/45 } أعم من خصوص الكبائر أو الصغائر، إذ هي شاملة لها
جميعاً. وها أنت ترى كيف اختفى هذا التصنيف فيها أمام قوله عز
وجل: { ما تَرَكَ عَلَى ظَهْرِها مِنْ دابَّةٍ } { فاطر:
35/45 } وهو وعيد كبير مخيف، ولكنه مطوي عن التنفيذ في
تلافيف فضل الله وكرمه، والإحالة إلى ما قد قضى الله به في يوم
المعاد.

إذن، فالمعاصي كلها، من حيث هي خروج عن طاعة الله
تبارك وتعالى، ذات درجة واحدة في السوء والتعرض لعقاب الله
تعالى. ولكن الله، تفضلاً منه وإحساناً، جعل مناط الإثم في
المعاصي ما يتسبب عنها من الفساد في حياة الإنسان الفرد، أو في
التركيبة الاجتماعية، ولما كانت درجة الفساد في كل منهما
متفاوتة، استتبع ذلك تفاوت المعاصي في الإثم الذي يتسبب عنها،
وانقسامها إلى كبيرة وصغيرة.

ونتيجة ذلك، أن الله عز وجل إذا
أراد أن يحاسب عباده طبقاً لما يقتضيه ميزان العدالة الذي يبرز
حقوق الرب عز وجل على عباده، فلسوف تكون المعاصي كلها من
الكبائر الموبقة، دون أي تفاوت بين مايسمى كبيرة وصغيرة
ولمماً.. أما إذا أراد أن يحاسبهم طبقاً لما يقتضيه فضله
وتجاوزه وكرمه، فلسوف تضؤل المعاصي كلها ويهون خطبها، حتى
لايبقى فيها ما يجدر أن يسمى كبيرة.


* * *

محب الحبيب علي
09 Apr 2008, 06:51 PM
لا صغيرة إذا قابلك عدله. ولا كبيرة إذا واجهك فضله

- ما هو السبيل الذي إن سلكه الإنسان، كان على موعد مع
فضل الله وكرمه، لا مع عدله الدقيق؟ والجواب عن ذلك
مفصلاً

ولكن ماهو السبيل الذي إن سلكه الإنسان كان على موعد مع فضل
الله وكرمه وتجاوزه، وماهو السبيل الذي إن سار فيه الإنسان كان
على موعد مع ميزان العدالة الإلهية التي ترعى حقوق الربوبية
كاملة غير منقوصة؟..

السبيل الموصل إلى مواجهة فضل الله
وكرمه، هو أن يعزم العبد على أن يطيع الله في كل ما قد أمر به،
وأن ينتهي عن كل ما قد حذّر ونهى عنه، موقناً أنه لايملك لنفسه
حولاً ولا قوة، ومن ثم يستمد القدرة والتوفيق وأسبابهما من
الله عز وجل.. فإذا حالفه التوفيق وأمدّه الله بالحول والقوة
لتنفيذ أوامره والانتهاء عن نواهيه، حمد الله موقناً أن الفضل
في ذلك لله، وأن ثواب طاعته له إنما يتمثل في الشكر الذي يجب
أن يصدر منه لله عز وجل، لا في الأجر الذي يتوقع أن يصدر من
الله إليه. ونظراً إلى أن واجب الشكر لله عز وجل يتوقف هو
الآخر على توفيق الله وعونه، فإن الشأن في حال هذا العبد إذا
رحل إلى الله أن يقبل إليه خائفاً من عواقب تقصيره لا طامعاً
في الأجر الذي يرى أنه يستحقه على طاعاته. مصداق ذلك قول الله
عز وجل: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ
وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ راجِعُونَ } { المؤمنون:
23/60 } .

وأما إن لم يحالفه التوفيق، وزلت به القدم في
حمأة المعاصي، وجمحت به نفسه إلى ارتكاب الآثام، فسبيله إلى
ذلك أن يصحو بعد تجاوز المعصية وارتكابها إلى ذلّ عبوديته لله،
وأن يقف متضائلاً متصاغراً تحت مظلة عفو الله ومغفرته، وأن
يخاطبه بقلب متلوع، لابلسان مفصول عن مشاعر فؤاده، قائلاً:
اللهم إني ما عصيتك حين عصيتك استكباراً على أمرك أو استهانة
بحكمك، ولكن لسابقة سبق بها قضاؤك فالمغفرة منك والتوبة
إليك.

فإنه إن فعل ذلك واجه من الله فضله، بدلاً من أن يقابله
منه عدله.. ولا فرق عندئذ بين أن تكون المعصية التي تورط فيها
كبيرة أو صغيرة.

ومهما عاد بعد ذلك فزلت به القدم ثانية
وثالثة في المعصية أو المعاصي، فسلك هذا السبيل ذاته صادقاً مع
الله في مشاعره وخطابه عازماً على أن لايعود، فإن الله لن
يعامله إلا بفضله، وقد سبق تفصيل ذلك في الحكمة
السابقة.

ولايقولن قائل إن عمري الذي مضى ملئ بالفواحش
والكبائر وأن احتمال صفح الله عنها ومغفرته لي بعيد غير
مأمول.. فإن هذا الاعتقاد بحدّ ذاته معصية حذّر القرآن منها.
ألم تقرأ قوله عز وجل: { إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ
اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ } { يوسف: 12/87 }
.

وسبب كونه معصية أن صاحب هذا الاعتقاد لايعرف لله منة
ولافضلاً، متوهماً أنه إنما يعامل الناس بمقتضى ما قد ترتب له
عليهم من حقوق.

أما السبيل الموصلة إلى مواجهة عدل الله عز
وجل بعيداً عن التفضل والصفح والغفران، فهي تلك السبيل التي
يسلكها بعض الناس إذ يتباهى أحدهم بالطاعة التي أداها ناسياً
أن الله هو الذي وفقه إليها وأعانه على أدائها. فإذا انحرف إلى
معصية، استهان بها وعدّها من اللمم الذي لاضير فيه ولا خطر
منه.

إن هذا السبيل من شأنه أن يزهق قيمة الطاعة التي تباهى
صاحبها بها، وأن يُعظم من خطر المعصية التي استهان العاصي
بها.

إن جلّ الثواب الذي يناله المطيع على طاعاته، إنما هو
على ما قد انبثق من أدائها من مشاعر العبودية والتذلل لله عز
وجل.. فإذا خلت الطاعة من هذه المشاعر فقد تجردت عن معناها
وانفصلت عنها روحها، فعادت مجرد شكل للعبادة وصورة
لحركاتها.

وإن جل العقاب الذي يتعرض له العاصي على معصيته،
إنما هو على ما قد انبثق فيها من دلائل استهانة العاصي بها،
ولا مبالاته بالعقاب الذي قد يناله بسببها. فإذا خلت حال
العاصي من مشاعر الاستهانة بها واستصغاره أو احتقاره لها، فقد
انفصل عنها أهم ما كان سبباً لسخط الله على العاصي في معصيته.

محب الحبيب علي
09 Apr 2008, 06:52 PM
لا صغيرة إذا قابلك عدله. ولا كبيرة إذا واجهك فضله

- أمثلة لمعاص صغيرة من نوع (( اللمم )) يرتكبها المسلم
مستهيناً بها، فتتحول من ذلك إلى كبيرة!

ودعني أضعك أمام بعض الأمثلة لمعاص أو حتى لمكروهات يستهين بها
مرتكبوها، ويعاودون ارتكابها في استخفاف بها، مطمئنين إلى أنها
من اللمم الذي سيعفو الله عنه.

من الأمثلة على ذلك إصرار بعض
الناس على الأكل بالشمال طبقاً لما يقتضيه عرف السكين والشوكة.
إن من المتفق عليه أن الأكل باليد اليمنى من السنن المأثورة عن
رسول الله، وليس من الواجبات ولا الفرائض.. ولو أن مسلماً
تغلبت عليه عادة درج عليها، أو استسلم لتهاون تحكم به، فأخذ
يأكل باليسرى بدل اليمنى، لما كان في ذلك حرج ولما ارتكب من
جراء ذلك وزراً. ولكن الناس الذين أعنيهم بهذا المثال، هم
أولئك الذين يستخفون بهذا الأدب النبوي، ويترفعون عن الالتزام
به استكباراً أو إيثاراً لتقليد درج عليه عشاق الحضارة الآسنة.
إن الانصراف عن الالتزام بهذه السنة بدافع من هذه الاستهانة،
تحيل السنة إلى فريضة، وتجعل الانصراف عنها تلبساً بمعصية
كبيرة، وربما تسربت إلى مكمن الإيمان فزلزلته أو قضت
عليه.

يتضح هذا جلياً من الحديث الذي رواه سلمة بن الأكوع أن
رجلاً أكل عند رسول الله  بشماله، فقال: كل بيمينك. قال: لا
أستطيع، قال: لا استطعت!.. ما منعه إلا الكبر. فما رفعها إلى
فمه(1).

مما لاريب فيه أن رسول الله  لم يكن ليدعو على هذا
الذي كان يأكل عنده بشماله، لمجرد أنه قد ترك السنة. إذ السنة
ما لا حرج في تركه مع ثبوت المثوبة على فعله. ولكنه لما قال
لرسول الله لا أستطيع، وعلم أنه إنما قال ذلك تكبراً، انبثق من
موقفه ذاك وضع ورّطه بأخطر أنواع الموبقات التي اقتضت أن
يواجهه من الله عدله. فمن أجل ذلك دعا عليه بقوله: لا استطعت.
ولاريب أن من مقتضى عدالة الله أن يستلب الله منه نعمة القدرة
اليدوية التي أخضعها الله لإرادته ومصالحه، عندما تجاهلها بل
أنكرها، في الوقت الذي كان يتباهى بها.

ومن الأمثلة على ذلك
استهانة بعض الناس بارتكاب محرمات بلغهم أنها من الصغائر، أو
وجدوا أن القرآن ينعتها باللمم، يقتحمونها دون أي مبالاة بها
أو خوف من عواقب التورط فيها.. كأنواع من الاختلاط اللامنضبط
بالنساء.. وكمقدمات محرمة من العلاقة بهن.. وكتساهل النساء في
إبراز بعض مظاهر الإغراء والزينة، اعتماداً على كلام من
يطمئنهن بأن ذلك كله من اللمم الذي قرر الله في محكم تبيانه
أنه يتجاوز عنه.. وكالركون إلى بعض المحرمات في نظام التعامل
التجاري، اعتماداً على أنها من الصغائر التي وعد الله بالصفح
عنها.

إن هذه المحرمات، هي فعلاً من الصغائر، في التصنيف
الشرعي الذي سبق بيانه، ولكنها في ميزان الحقوق الإلهية
المنوطة بأعناق العباد لاتختلف في الخطورة وجسامة النتائج عن
غيرها.. فإذا تورط فيها الإنسان بسائق ضعف، وتغلب شهوة، موقناً
بأنه قد أهدر بذلك حقاً من أجلّ حقوق الله عليه (وقد سبق أن
قلت إن من أهم حقوق الله على العبد أن يطاع ولا يعصى بقطع
النظر عن نوع الطاعة ونوع المعصية) وقاده ذلك إلى الندم
والحياء من الله تعالى واللجوء إليه بالتوبة والاستغفار، فإن
الله عز وجل يعدّها عليه صغيرة، ويعامله عليها بفضله ورحمته،
فيغفرها له كما وعد.

أما إن ارتكبها آمناً مطمئناً، مستبشراً
بأنه لن يلقى على أعقابها من الله أي مكروه، ناسياً بأنه قد
أهدر بارتكابه لها حق الله عليه وهو أن يطيعه ولا يعصيه في أي
أمر من الأمور، فإنها تتحول باستهتاره هذا من صغيرة إلى كبيرة،
إذ لا كبيرة أكبر، بعد الكفر والشرك بالله، من الاستخفاف بحقوق
الله تعالى.. وإذا شرد الإنسان عن مظلة الرحمة الإلهية وابتعد
عن سوانح فضل الله ومغفرته بمثل هذا الاستهتار واللامبالاة،
فالذي سيواجهه عندئذ من الله عز وجل إنما هو عدله.. ومن
البداهة بمكان أن الله عز وجل لو قضى بأن يحاسب الناس بعيداً
عما قد ألزم به ذاته العلية من الرحمة بهم والمغفرة لهم،
محاكماً لهم إلى ميزان عدله المجرد، إذن لهلكوا جميعاً، وقد
ذكرّتك في بيان هذه الحقيقة بقوله عز وجل: { وَلَوْ يُؤاخِذُ
اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلَى ظَهْرِها مِنْ
دابَّةٍ } { فاطر: 35/45 } (1) .

وانظر إلى هذه الحقيقة كم
تبدو واضحة في هذا الذي يقوله رسول الله : ((إن المؤمن ليرى
ذنوبه كأنه جالس في أصل جبل يخشى أن ينقلب عليه، وإن الفاجر
ليرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه، فقال به هكذا))(2) .

وإنك
لتلاحظ أن رسول الله لم يفرق في هذا بين كبيرة وصغيرة.

محب الحبيب علي
09 Apr 2008, 06:52 PM
لا صغيرة إذا قابلك عدله. ولا كبيرة إذا واجهك فضله

- وتدخل في ميزان هذه القاعدة الطاعات أيضاً، وبيان ذلك
مع ذكر بعض الأمثلة

وتدخل في ميزان هذه القاعدة الطاعات أيضاً. فعلى الرغم من أنها
متفاوتة في مقياس القواعد الشرعية التي ترعى في ذلك ما تحققه
من أنواع المصالح والمقاصد المتفاوتة، إلا أنها جميعاً ترقى
إلى درجة واحدة من القدسية والأهمية، عندما ينظر العبد إليها
على أنها أحد شطري القانون القائل: إن من حق الله على عباده أن
يطاع ولا يعصى. فطاعة الله حق من الحقوق المنوطة بأعناق
العباد، بقطع النظر عن أنواع الأعمال التي تعلقت بها أوامره عز
وجل.. إن التفاوت الذي تراه في حديث رسول الله : ((الإيمان
بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها
إماطة الأذى عن الطريق)) إنما هو ناظر إلى أثر شرائع الله
وأحكامه في تحقيق مصالح العباد، فأما إن نظرت إلى علاقة ما بين
العبد وربه، فإن أوامر الله الصادرة إليه تقف من الأهمية
والقدسية والخطورة في درجة واحدة. ومن ثم فإن إقبال العبد إلى
تنفيذها ينبغي أن يكون بدرجة من الاهتمام واحدة، لاسيما إن
تذكرت أن مناط قبول الله لها والمثوبة بها، ناظران إلى حال
العبد من حيث الدوافع التي حملته على تنفيذها، من تعظيم حرمات
الله والغيرة على شعائره وأحكامه، ومدى الإخلاص لذاته العلية
في إقباله عليها واهتمامه بها.

وهذا المناط هو الذي يجعل
الطاعة الصغيرة، في رأي العين، كبيرة عند الله عز وجل. وذلك
عندما يندفع العبد إليها بقدر كبير من حب الله وتعظيمه والغيرة
على حرماته.

روى ابن عساكر في تاريخه، في ترجمة بشر بن الحارث
المشهور بالحافي، أن سبب توبته أنه أصاب في الطريق ورقة كتب
عليها اسم الله تعالى، قد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم
كان معه غالية (نوع من أنواع الطيب) فطيب بها الورقة، وجعلها
في شق حائط. فرأى فيما يرى النائم أن قائلاً يقول له: يا بشر،
طَّيبتَ اسمي، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة(1)

إن المكانة
التي تبوأها بشر بن الحارث بهذا العمل، ليست منبعثة من سرّ في
ذلك العمل ذاته، وإنما انبعثت من شعوره بعظيم حق الله عليه،
ومن عظيم غيرته على حرماته عز وجل. وهذا هو المصدر الأول
والأخير لتقوى الله عز وجل، وصدق الله القائل: { ذَلِكَ
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى
الْقُلُوبِ } { الحج: 22/32 } .

وإذا أدركت هذه الحقيقة،
أدركت أن نقيض العمل الذي قام به بشر، قد يحمل نقيض نتائجه
وثمراته، وذلك لنقيض السبب ذاته. فالذي يرى في طريقه مثل هذه
الورقة التي كتب اسم الله عليها وقد استهان بها المارّة
وداستها الأقدام، فأشاح بوجهه عنها مستخفاً بالأمر، مترفعاً عن
الانحناء أمام الناس لالتقاطها وتعظيمها ووضْعِها في مكان
لائق، يتعرض لنقيض المكانة التي تبوأها بشر بن الحارث رحمه
الله، لا لذات الترك أو الإعراض، وإنما للاستخفاف أو الازدراء
الذي دفعه إلى الإعراض.

إذن فقد عرفت الجواب عن السؤال الذي
قد يطرحه أحدنا قائلاً: ما السبيل الذي إن سلكته أمام أحكام
الله وأوامره، كنت على موعد مع مقابلة فضل الله وعفوه وتجاوزه،
بدلاً من مواجهة عدله المجرد عن صفحه ومغفرته؟

السبيل، أن
تنقاد إلى تنفيذ أوامر الله والابتعاد عن نواهيه، بدافع
التعظيم لذاته، والغيرة على حرماته، والشعور بعظيم حق الله
عليك. وعندئذ تتساوى الطاعات كلها أمامك في الأهمية والضرورة،
وتتساوى المعاصي كلها أمامك في السوء والخطورة.. فإنك إن سرت
على هذا النهج لم يواجهك من صفات الله عز وجل إلا فضله وصفحه
وغفرانه. فإن وفقت للطاعة ضوعف لك عليها الأجر، وإن زلّت بك
القدم وشرد بك الضعف إلى فسوق أو عصيان، واجهك من فضل الله
وإحسانه ما يحطّ عنك أثقال ذلك الوزر.

فالزم هذا السبيل خلال
حياتك كلها، يكن فضل الله وعظيم عفوه رفيقك الدائم على الدرب،
وشفيعك بين يدي الله يوم المعاد.

محب الحبيب علي
28 Apr 2008, 05:51 PM
الحكمة الحادية والخمسون



لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده، ويحتقر عندك
وجوده

- لايدّ لإدراك المعنى الجليل الذي ترمي إليه هذه الحكمة
من مدخل يعيدنا إلى اليقين بأن الله هو الخالق لأفعال
الإنسان، وأنه إنما يتحرك بمعونة الله وتوفيقه

لابدّ لإدراك المعنى الجليل الذي ترمي إليه هذه الحكمة، من
مدخل يعيدنا إلى عقيدة التوحيد التي هي الأساس الذي لابدّ منه
لصلاح سائر الأعمال، وإلى واقع الضعف الذي يصطبغ به الإنسان في
أحواله كلها.

إن من معاني التوحيد التي ينبغي أن نعلمها وأن
نصطبغ بها، أن الله هو الخالق لأفعال الإنسان، وأن الإنسان
إنما يتحرك ويذهب ويجئ بمعونة الله وتوفيقه، فإذا انفكت عنه
معونة الله وعونه، ووكله إلى نفسه، تحول إلى كتلة عجز ولم يتأت
منه شيء.. ولذلك علمنا الله عز وجل إذا خاطبناه في صلاتنا، أن
نقول له، بعد الثناء عليه: إياك نعبد، وإياك نستعين، ففي
الجملة الأولى نعلن عن عبوديتنا وانقيادنا لأمره وحكمه، وفي
الجملة الثانية نعلن عن كامل توحيدنا له، من خلال الإقرار
بعجزنا الكلي، وحاجتنا الدائمة إلى عونه وتوفيقه. وهذا العجز
الكلي هو الذي تعبر عنه الكلمة القدسية التي علّمنا إياها رسول
الله : لا حول ولاقوة إلا بالله.. وهو الذي تنبئ عنه النصيحة
النبوية الغالية التي يقول فيها ((استعن بالله، ولاتعجز))(1)
أي اجعل من استعانتك بالله السبيل الأوحد إلى التخلص من
عجزك.

أما ضعف الإنسان الذي هو نتيجة قرار الله القائل: {
وَخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً } { النساء: 4/28 } فمصدره ما
قد سلطه الله عليه من نيران الشهوات وسلطان الغرائز، ووساوس
الشيطان، إلى جانب إمكاناته المحدودة كما سبق بيانه.

ومن آثار
هذا الضعف فيه، أنه لاتكاد تصفو له عبادة من زغل، وأنه يظل
مشدوداً إلى سلطان غرائزه وشهواته، فتكون طاعاته وقرباته مشوبة
بشائبة الأهواء، مغموسة بالغفلات ممزوجة بالكثير من رعونات
النفس وحظوظها.

فإذا صحا الإنسان لهاتين الحقيقتين في كيانه:
علم أنه مدين في حركاته وسكناته وأنشطته وقدراته وسائر جهوده
لتوفيق الله وعونه، وعلم أنه مهما توجه إلى الله بالطاعات
والعبادات، فإنها تظل مثقلة بأسباب التقصير ممزوجة بالغفلات
والأخطاء وحظوظ النفس.

محب الحبيب علي
28 Apr 2008, 05:52 PM
لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده، ويحتقر عندك
وجوده

- فإذا علم الإنسان ذلك، فإنه مهما أقبل إلى الطاعات، فلن
يشعر في أعقابها إلا بعظيم فضل الله عليه

وإذا علم الإنسان ذلك، فإنه مهما أقبل إلى الله بالطاعات
والقربات، فلن يشعر في أعقابها إلا بعظيم منة الله عليه إذ شرح
صدره لها، وأطلق قدراته في أدائها، ثم بشديد حيائه منه عز وجل
إذ كان ضعفه البشري حائلاً بينه وبين النهوض بها على النحو
الذي يليق بربوبيته وعظيم حقه عليه. ولسوف يدعوه شعوره
الخَجِلُ هذا إلى أن يقبل على الله في أعقاب طاعاته قائلاً:
((اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) كما كان يفعل رسول
الله ويعلمه أصحابه(1).

ومن هنا، فقد كان الربانيون من عباد
الله عز وجل لايعودون من طاعاتهم وعباداتهم إلا بأثقال من
مشاعر الفضل والمنن لله عليهم، إذ أعانهم وأمدهم بأسبابها من
انشراح الصدور وتيسير الأمور، وصرف العوائق، وبأثقال من مشاعر
الحياء والخجل من الله تعالى، إذ لم تكن طاعاتهم وقرباتهم من
الصفاء والطهارة من الزغل وكدورات النفس، بحيث تليق بحضرة الله
عز وجل وربوبيته لهم وحقه عليهم.

من ثم فإن أحدهم لم يكن يطمع
بأكثر من أن يقبلها الله منه على علاّتها وعلى ما فيها من نقص
وتقصير، موقناً بأنه لايملك أن يطلب عليها أي مثوبة أو أجر، بل
موقناً بأنه هو المدين فيها لله عز وجل بالشكر على توفيق الله
له ومدّ يد العون إليه، وعلى قبولها منه على ما فيها من زلاّت
وإساءات وتقصير.

فهؤلاء هم الذين يتقبل الله منهم قرباتهم
وطاعاتهم، يتقبلها منهم لأنها غابت - كما يقول ابن عطاء الله -
عن شهودهم، إذ الله هو الموفق والمعين والميسر. ولأنها أحقر من
يتراءى لها وجود يناسب ألوهية الله وعظيم حق الله عليهم. إذ هي
مليئة فيما يرون ويجزمون بمظاهر العيب والتقصير وحظوظ
النفس.

ولكن من أين لابن عطاء الله هذا القرار، بأنهم هم
الذين يتقبل الله منهم أعمالهم، وأن الآخرين لايرجى أن يكون
لهم حظ في القبول؟

محب الحبيب علي
28 Apr 2008, 05:55 PM
لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده، ويحتقر عندك
وجوده

- المصدر القرآني والنبوي الذي استند إليه ابن عطاء الله
في هذه الحكمة

إن مستند ذلك في كتاب الله عز وجل، قوله، وهو يصف هذه النخبة
من عباده الصالحين: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ راجِعُونَ }
{ المؤمنون: 23/60 } أي يتقربون إلى الله بما يتقربون إليه
به من الطاعات والعبادات، وهم خائفون، من مغبة ما اقترنت به من
مظاهر السوء والتقصير، أن لايقبلها الله منهم، وأن يعاقبهم على
العيوب والآفات التي تسربت إليها، روى الإمام أحمد والترمذي
وابن أبي حاتم، من حديث عائشة أنها قالت يارسول الله - تسأله
-: الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، أهو الذي يسرق ويزني
ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟‍!.. قال لا يا ابنة أبي
بكر، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله عز وجل أن
لايتقبل منه.

فأصحاب هذه الصفة والصفات التي قبلها، امتدحهم
الله عز وجل بقوله: { أُولَئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
وَهُمْ لَها سابِقُونَ } { المؤمنون: 23/61 } .

ومن الأدلة
على هذا الذي يقوله ابن عطاء الله، الدعاء الذي علّمه رسول
الله لمعاذ وأوصاه أن يدعو به بعد كل صلاة: ((اللهم أعني على
ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) إذ إن هذا الدعاء شأن من لايرى
لعبادته أثراً في جنب عظيم سلطان الله، وكبير حقه عليه. فهو
يلجأ إليه ويدعوه أن يعينه على أن يعبده العبادة اللائقة به،
السليمة من النقص والشوائب، والبعيدة عن آفات تقصيره وحظوظ
نفسه.

ومن الأدلة على ذلك أيضاً شدة خوف أصحاب رسول الله،
لاسيما المبشرين منهم بالجنة، من عاقبة أمرهم ومن أن يفاجؤوا
بسخط الله عليهم. وإنك لتعلم من حال الخلفاء الراشدين الكثير
والكثير من مظاهر هذا الوجل.

أين كانت عبادات عمر وطاعاته من
خاطره وشهوده، يوم أسرع يحمل عدل الدقيق على ظهره ليمضي به إلى
المرأة التي كان يتضور أولادها جوعاً، فقال له غلامه: أنا
أحمله عنك، قال: أنت تحمل وزري يوم القيامة لا أُمَّ
لك؟(1).

أين كانت طاعاته، وهي كثيرة وكبيرة، من خاطره وشهوده،
يوم تلى في الصلاة قول الله تعالى: { إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ
لَواقِعٌ، ما لَهُ مِنْ دافِعٍ } { الطور: 52/7-8 } فخرّ
مغشياً عليه(2)؟ وأين كانت طاعاته هذه من خاطره، إذ كان يسأل
حذيفة خائفاً قلقاً: أنشدك الله أأنا من المنافقين؟ وأين كانت
طاعاته الكثيرة هذه من خاطره إذ كان يلقى الصبيّ فيأخذ بيده
قائلاً: ادع لي فإنك لم تذنب بعد؟(3)

* * *

محب الحبيب علي
28 Apr 2008, 05:55 PM
لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده، ويحتقر عندك
وجوده

- الشأن فيمن كان قريب عهد بالهداية والالتزام أن لايفهم
هذا الكلام في بادئ الأمر

ثم إن الشأن فيمن كان قريب العهد بالهداية والالتزام، أن
لايفهم هذا الكلام، وأن يرى في أداء الفرائض الأساسية من
الصلاة والصوم ونحوهما، وفاء كاملاً لحق الله عز وجل، ومهما
كانت عباداته شكلية خالية من مضمون الخشية والحضور، ومهما كانت
حظوظ النفس متسربة إليها، فإنه يرى أنه قد أنجز بفعلها كل ما
هو مطلوب منه.. ذلك لأن قلبه لايزال فارغاً من العواطف
الإيمانية المتمثلة في تعظيم الله والشعور بحقوقه الكبيرة التي
لاتحصى عليه، والمتمثلة في حبه له بسبب ما يتوارد إليه من نعمه
التي لاحصر لها... وإنما هو الإيمان العقلي الأعزل، ولعله
لايزيد في أول الأمر على كونه إيماناً تقليدياً مندفعاً إليه
بسائق التيار الاجتماعي المؤثر من حوله.

فإذا سار في الطريق
إلى ترسيخ إيمانه هذا بضع خطوات، عن طريق مزيد من دراسة دلائل
التوحيد والتنبه إلى حقائقه، والركون إلى شيء من مجالس الذكر
وأهل الصلاح والتقوى، أدرك أن الله أجلّ من يتقرب إليه بطاعات
وعبادات شكلية، لايشترك القلب فيها بشيء من الحضور والخشية.
ويبدأ بالارتياب في صحة صلواته التي ينصرف خاطره فيها إلى
مشاغله الدنيوية ورغائبه النفسية، بينما يردد لسانه ما حفظه
واعتاد عليه من آيات الفاتحة وغيرها من سور القرآن الكريم..
وإنك لتجد كثيراً من الناس على اختلافهم، يسألون - في هذه
المرحلة - عن السبيل الأيسر والأمثل إلى الحضور والخشوع في
الصلاة، والتخلص من عوامل الشرود والغفلة فيها.