+ الرد على الموضوع
صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 43
  1. #21
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    فكيف تستحقر من دامت خدمته وأتصلت أوراده فلولا وجود الوارد الألهي في باطنه ما قدر على أدامة أوراده فلولا وارد ما كان ورد فالوارد ما منه إليك والورد ما منك إليه فلو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكي منكم من أحد أبداً ولولا فضل الله عليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان إلا قليلاً يحبهم ويحبونه ثم تاب عليهم ليتوبوا فالعناية سابقة والهداية لاحقة والأمر كله بيده وفي التحقيق ما ثم إلا سابقة التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه أكرم المؤمنين وإن كانوا عصاة فاسقين وأقم عليهم الحدود وأهجرهم رحمة بهم لا تقذرا لهم وقال الشيخ زروق رضي الله عنه فالمنتسب لجانب الحق يتعين إكرامه مراعاة لنسبته ثم إن كان كاذباً فالأمر بينه وبين من إنتسب إليه فإن أمرنا بإقامة حقه عليه بحيث يتعين عليه كنا معه كعبد السيد يضرب ولد سيده بإذنه يؤدبه ولا يحتقره ولأبي الحسن الحراني رحمه الله إرحم بني جميع الخلق كـلـهـم
    وأنظر إليهم بعين اللطف والشفقه وقر كبيرهم وإرحم صغـيرهـم
    وراع في كل خلق حق من خلقه
    ثم إن الإقامة على دوام الأوراد وهي خدمة الجوارح من شأن أهل الخدمة وهم العباد والزهاد والأنتقال منها إلى عمد القلوب من شأن أهل المحبة والمعرفة وهم العارفون وكلهم عباد الله ومن أهل عنايته فلا يستحقرهم إلا جاهل أو مطرود كما بين ذلك بقوله قوم أقامهم الحق لخدمته وقوم أختصهم بمحبته كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً قلت العباد المخصوصون بالعناية على قسمين قسم وجههم الحق لخدمته وإقامهم فيها وهم أنواع فمنهم من أنقطع في الفيافي والقفار لقيام الليل وصيام النهار وهم العباد والزهاد ومنهم من وجهه الحق لأقامة الدين وحفظ شرائع المسلمين وهم العلماء والصلحاء ومنهم من أقامه الحق لنصرة الدين وإعلاء كلماته وهم المجاهدون في سبيل رب العالمين ومنهم من أقامه الحق لتمهيد البلاد وتسكين العباد وهم الأمراء والسلاطين وقسم أقامهم الحق لمحبته وأختصهم بمعرفته وهم العارفون الكاملون سلكوا سواء الطريق ووصلوا إلى عين التحقيق وبينهما فرق كبير لأن أهل الخدمة طالبون الأجور وأهل المحبة رفعت عنهم الستور أهل الخدمة يأخذون أجورهم وراء الباب وأهل المحبة في مناجاة الأحباب أهل الخدمة مسدول بينهم وبينه الحجاب وأهل المحبة مرفوع بينهم وبينه الحجاب أهل الخدمة من أهل الدليل والبرهان وأهل المحبة من أهل الشهود والعيان أهل الخدمة لا تنفك عنهم الحظوظ وأهل المحبة تصب عليهم الحظوظ أهل الخدمة محبتهم مقسومة وأهل المحبة محبتهم مجموعة فلذلك دام أهل الخدمة في خدمتهم ونفذ المحبون إلى شهود محبوبهم فلو تركوا الحظوظ وحصروا محبتهم في محبوب واحد لنفذوا إلى محبوبهم وشهدوه ببصر إيقانهم وأستراحوا من تعب خدمتهم ولكن حكمة الحكيم أقامتهم في خدمتهم فوجب تعظيمهم في الجملة ولا يلزم منه عدم تفضيل أهل المعرفة والمحبة عليهم أنظر كيف قال تعالى بعد ذلك، أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً، فدل على تفضيل بعضهم على بعض لكن عبيد الملك كلهم معظمون في الجملة ولا يحب الملك أن تحقر له عبداً من عباده وأن كانوا متفاوتين عنده والله تعالى أعلم وقال أبو يزيد رضي الله عنه أطلع الله على قلوب أوليائه فمنهم من لم يصلح لحمل المعرفة صرفاً فشغلهم بالعبادة وقال أبو العباس الدينوري رضي الله عنه أن لله عباداً لم يستصلحهم لمعرفته فشغلهم بخدمته وله عباد لم يستصلحهم لخدمته فأهلهم لمحبته وقال يحيى بن معاذ رضي الله عنه الزاهد صيد الحق من الدنيا والعارف صيد الحق من الجنة اه يعني أن الزاهد أصطاده الله من الدنيا فقبضه وأدخله الجنة والعارف أصطاده الحق من الجنة فأدخله الحضرة أصطاده من جنة الحس وجعله في جنة المعنى وهي جنة المعارف وقال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه في كتابه، سبحان من هيأ أقواماً لخدمته وأقامهم فيها، وهيأ أقواماً لمحبته وأقامهم فيها أهل الخدمة تجلى لهم الحق بصفة الجلال والهيبة فصاروا مستوحشين من الخلق قلوبهم شاخصة لما يرد عليها من حضرة الحق قد نحلت أجسادهم وأصفرت ألوانهم وخمصت بطونهم وبالشوق دابت أكبادهم وقطعوا الدياجي بالبكاء والنحيب وأستبدلوا الدنيا بالمجاهدة في الدين ورغبوا في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين وأهل المحبة تجلي لهم الحق تعالى بصفة الجمال والمحبة وسكروا بخمر لذيذ القربة شغلهم المعبود عن أن يكونوا من العباد ولا من الزهاد أشتغلوا بالظاهر والباطن وهو الله فحجبوا عن كل ظاهر وباطن زهدوا في التنعم والأنعام وأشتغلوا بمشاهدة الملك العلام اه كلامه رضي الله عنه هذا آخر الباب السابع وحاصلها رفع الهمة وشكر النعمة وحسن الأدب في الخدمة ونفوذ العزيمة بالأنتقال من دوام الخدمة إلى المحبة والمعرفة وإذا أراد الله أن يصطفي عبداً لحمل معرفته وينقله من تعب خدمته قوي عليه الواردات الألهية فجذبته إلى الحضرة الربانية وهي مواهب لا مكاسب تنال بأعمال ولا بحيل وقل أن تأتي إلا بغتة كما أشار إلى ذلك في أول الباب الثامن فقال وقال رضي الله عنه قل ما تأتي الواردات الألهية إلا بغتة صيانة لها أن يدعها العباد بوجوب الأستعداد قال القشيري الوارد هو ما يرد على القلوب من الخواطر المحمودة مما لا يكون للعبد فيه تحمل والواردات أعم من الخواطر لأن الخواطر تختص بنوع خطاب أو ما تضمن معناه والواردات تكون وارد سرور ووارد حزن ووارد قبض ووارد بسط إلى غير ذلك من المعاني وهو قريب من الحال وسئل الشيخ عبد القادر الجيلاني نفعنا الله بذكره عن صفات الواردات الألهية والطوارق الشيطانية فقال الوارد الألهي لا يأتي بإستعداد ولا يذهب بسبب ولا يأتي على نمط واحد ولا في وقت واحد، والطوارق الشيطانية بخلاف ذلك غالباً اه قلت والمراد به هنا نوع خاص وهو نفحات إلهية يهب نسيمها على القلوب والأرواح أو الأسرار فتغيب القلوب في حضرة علام الغيوب وتغيب الأرواح والأسرار في جبروت العزيز الجبار فتطيش فرحاً وسروراً وترقص شوقاً وحبوراً. إذا إهتزت الأرواح شوقاً إلى اللقا، ترقصت الأشباح يا جاهل المعنى، وقل ما تكون هذه الواردات الألهية إلا بغتة لأنها لا تنال بأكتساب وإنما هي فتح من الكريم الوهاب ولو كانت تنال بجد وأجتهاد لا دعاها العباد والزهاد بوجوب التأهب والأستعداد فتصير حينئذ مكاسب والأحوال والواردات إنما هي مواهب، يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ونسخة الشيخ زروق العباد بالتخفيف جمع عبد وهي أعم قال والحكمة في إتيانها بغتة ثلاثة أمور أحدها ليعرف منة الله فيها الثاني ليقدر قدرها ويعظم الفرح بها الثالث الغيرة عليها وتعزيزها لأن ما كان من العزيز لا يكون إلا عزيزاً اه ثم إن هذه الواردات الألهية والمواهب الأختصاصية أسرار من الكريم الغفار لا يمنحها إلا لأهل الصيانة والأمانة لا لأهل الأفشاء والخيانة كما أشار إلى ذلك بقوله من رأيته مجيباً عن كل ما يسئل ومعبرا عن كل ما شهد وذاكراً لكل ما علم فأستدل بذلك على وجود جهله قلت أما وجه جهله في كونه مجيباً عن كل ما سئل فلما يقتضيه حاله من الأحاطة بالعلوم وقد قال تعالى وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً فأي جهل أعظم ممن يعارض كلام الله ولما فيه أيضاً من التكلف وقد قال تعالى قل لا أسألكم عليه أجراً وما أنا من المتكلفين وقال عليه الصلاة والسلام أنا وأتقياء أمتي برآء من التكلف ولا يخلو صاحب التكلف من التصنع والتزين وهو من شأن الجهل بالله إذ لو كان عالماً به لأكتفى بعلمه وعرف قدره ففي بعض الأخبار عاش من عرف قدره وسئل بعضهم عن العلم النافع فقال أن تعرف قدرك ولا تتعدي طورك وقال بعض المحققين إذا قال العالم لا أدري أصيبت مقاتله وقال في الأحياء كان السلف الصالح يسئل أحدهم عن المسئلة الواحدة فيدفع السائل إلى غيره ثم يدفعه الثاني إلى آخر ثم كذلك حتى يرجع إلى الأول وكان بعضهم إذا سئل عن مسئلة يقول للسائل أذهب بها إلى القاضي فقلدها في عنقه وقد سئل مالك رحمه الله عن أثنتين وثلاثين مسئلة فأجاب عن ثلاث وقال في الباقي لا أدري فقال له السائل وما نقول للناس فقال قل لهم قال مالك لا أدري وأيضاً أجابة كل سائل جهل وضرر إذ قد يكون السائل متعنتا لا يستحق جواباً وقد تكون المسئلة التي سأل عنها لا تليق به لأنه لا يفهمها ولا يطيق معرفتها فتوقعه في الحيرة أو الأنكار وقد قال عليه الصلاة والسلام لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم وفي ذلك يقول الشاعر
    سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي
    ولا أنثر الدر النفيس على البـهـم فإن قدر الله الكـريم بـلـطـفـه
    ولاقيت أهلاً للعلوم ولـلـحـكـم بذلت علومي وأستفدت علومـهـم
    وإلا فمخزون لدي ومـكـتـتـم فمن منح الجهال علمـاً أضـاعـه
    ومن منع المستوجبين فقد ظـلـم وقال على كرم الله وجهه حدث الناس بقدر ما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله وقد قيل للجنيد رضي الله عنه يسألك الرجلان فتجيب هذا بخلاف ما تجيب به هذا فقال الجواب على قدر السائل قال عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم اه وقال رجل لبعض العلماء وقد سأله فلم يجبه أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كتم علماً نافعاً ألجم يوم القيامة بلجام من النار فقال له العالم أترك اللجام وأذهب فإن جاء من يستحقه وكتمته فليلجمني به اه وأما وجه جهله في كونه معبراً عن كل ما شهد من الكرامات وما وصل إليه من المقامات وما ذاقه من الأنوار والأسرار فلأن هذه الأمور أذواق باطنية وأسرار ربانية لا يفهمها إلا أربابها فذكرها لمن لا يفهمها ولا يذوقها جهل بقدرها وأيضاً هي أمانات وسر من أسرار الملك وسر الملك لا يحل أفشاؤه فمن أفشاه كان خائناً وأستحق الطرد والعقوبة ولا يصلح أن يكون أميناً بعد ذلك، فكتم الأسرار من شأن الأخيار، وهتك الأسرار من شأن الأشرار، وقد قالوا قلوب الأحرار قبور الأسرار وقال الشاعر لا يكتم السر إلا كل ذي ثـقة
    فالسر عند خيار الناس مكتوم وفي أفشائها قلة عملها ونفعها في الباطن ففائدة هذه الأحوال والواردات الألهية هي محو الحسي وأظهار المعنى أو محو الشك وتقوية اليقين فإذا أفشاها ضعف أعمالها وقلت نتيجتها والخير كله في الكتمان في الحديث أستعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها أو كما قال عليه السلام وينخرط في سلك الأحوال التي يجب كتمانها خرق عوائد النفوس فمن خرق عادة في نفسه فلا يفشي ذلك لغيره فإن في ذلك دسيسة لها لأنها تحب أن تذكر بالقوة والنجدة فيكون كلما قتل منها أحياه في ساعته وفيه أيضاً نقص الأخلاص وأدخال الرباء وهو سبب الهلاك والعياذ بالله وأما وجه جهله في كونه ذكراً لكل ما علم من الحقائق والعلوم والمعارف فلأنه جهل قدرها وأستخف شأنها فلو كانت عنده رفيعة عزيزة ما أفشاها لغيره إذ صاحب الكنز لا يبوح به وإلا سلبه من ساعته وأنظر قول شيخ شيوخنا المجذوب رضي الله عنه أحفر لـسـرك ودكـو
    في الأرض سبعين قامه وخل الخلائق يشـكـو
    إلـى يوم الـقـيامـه وإذا كان الله تعالى يقول "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم" فكيف بالعلم الذي هو لؤلؤ مكنون قال عليه الصلاة والسلام إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا العلماء بالله فإذا أظهروه أنكره أهل الغرة بالله اه وقال أبو هريرة رضي الله عنه حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من علم أما أحدهما فبثثته في الناس وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم اه ولله در زين العابدين سيدنا علي بن الحسين بن علي كرم الله وجهه حيث يقول يا رب جوهر علم لو أبـوح بـه

    لقيل لي أنت ممن يعبد الوثـنـا ولا ستحل رجال مسلمون دمـي
    يرون أقبح ما يأتونه حـسـنـاً أني لأكتم من علمي جـواهـره
    كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
    وقال الروذابادي رحمه الله علمنا هذا أشارة فإذا صار عبارة خفي وقال الأمام الغزالي قد تضر الحقائق بأقوام كما يتضرر الجعل بالود والمسك قلت قد يرخص للعارف الماهر ألقاء الحقائق مع من لا يعرفها بعبارة رقيقة وأشارة لطيفة وغزل رقيق بحيث لا يأخذ السامع منها شيأ فقد كان الجنيد رضي الله عنه يلقي الحقائق على رؤس الأشهاد فقيل له في ذلك فقال جانب العلم أحمى من أن يأخذه غير أهله أو علمنا محفوظ من أن يأخذه غير أهله والله تعالى أعلم ثم أن الأجابة عن كل ما سئل والتعبير عن كل ما شهد وذكر كل ما علم يوجب أقبال الخلق عليهم وتعظيمهم وأكرامهم في هذه الدار لأن من ظهرت مزيته وجبت خدمته، ومن شأن العامة تعظيم صاحب الكرامة فيجني ثمرة علمه وعمله في هذه الدار الفانية وتفوته درجات الصديقين في تلك الدار الباقية فأمره بكتمها ويقنع بعلم الله ويدخر الجزاء عليها ليوم لقاء الله وعلى ذلك نبه بقوله إنما جعل الدار الآخرة محلاً لجزاء عباده المؤمنين لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم، ولأنه أجل أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها قلت لا شك أن الله تعالى وسم هذه الدار بدار الغرور، وحكم عليها بالهلاك والثبور، فهي دار دنية دانية زائلة فانية فلذلك سميت الدنيا أما لدنوها وإما لدناءتها فهي ضيقة الزمان والمكان ووسم الآخرة بدار القرار ومحل ظهور الأنوار، وأنكشاف الأسرار، محل النظرة والحبور، ودوام النعمة والسرور، محل شهود الأحباب، ورفع الحجاب، نعيمها دائم، ووجودها على الدوام قائم، فلذلك جعلها الحق تعالى محلاً لجزاء عباده المؤمنين، ومقعد صدق للنبيين والصديقين، ولم يرض سبحانه أن يجازيهم في دار لا بقاء لها ضيقة الزمان والمكان ومحل الأكدار والأغيار والذل والهوان، لأنها ضيقة لا تسع ما يريد أن يعطيهم أي لا يسع فيها ما يريد أن يكرمهم به تعالى زماناً ولا مكاناً لأن أدنى أهل الجنة يملك قدر الدنيا عشر مرات فكيف بأعلاهم قال تعالى "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعلمون" وقال صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ولأنه جل وعلا أجل أي عظم أقدار عباده المؤمنين والمقربين أن يجازيهم في دار لا بقاء لها فعمارتها خراب، ووجودها سراب، ففي بعض الأخبار لو كانت الدنيا من ذهب يفني والأخرة من خزف يبقي لأختار العاقل الذي يبقي على الذي لا يبقي اه لا سيما بالعكس فالآخرة من ذهب يبقي والدنيا من خزف يفني فلا يختارها إلا من حكم الله عليه بالشقاء والعناء والخزف بالخاء والزاي والفاء المحركات الطين المصنوع للبناء وهو الآجر وفي حديث آخر الأوأن السعيد من أختار باقية يدوم نعيمها على فانية لا ينفك عذابها وقدم لما يقدم عليه مما هو الآن في يده قبل أن يخلفه لمن يسعد بأنفاقه وقد شقي هو بجمعه وأحتكاره اه وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حلوا أنفسكم بالطاعة وألبسوها قناع المخافة وأجعلوا آخرتكم لأنفسكم وسعيكم لمستقركم وأعلموا أنكم عن قليل راحلون وإلى الله سائرون ولا يغني عنكم هنالك إلا صالح عمل قدمتوه أو حسن ثواب جزيتموه أنكم إنما تقدمون على ما قدمتم وتجازون على ما أسلفتم فلا تخدعنكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات عالية فكأن قد كسف القناع وأرتفع الأرتياب ولاقي كل أمرء مستقره وعرف مثواه ومنقلبه اه ثم أن الجزاء في تلك الدار إنما يكون على العمل في هذه الدار بشرط كونه مقبولاً وقبوله مغيب لكن له علامات يعرف بها هنا أشار إليها بقوله من وجد ثمرة عمله عاجلاً فهو دليل على وجود القبول قلت ثمرة العمل هي لذيذ الطاعة وحلاوة المناجاة وأنس القلب بالمراقبة وفرح الروح بالمشاهدة والسر بالمكالمة قد علم كل أناس مشربهم ودليل وجود هذه الثمرة النشاط في النهوض إليها والأغتباط بها والمداومة عليها وزيادة المدد فيها وهي علامة حلول الهداية في القلب قال تعالى ويزيد الله الذين أهتدوا هدى وللبوصيري في همزيته
    وإذا حلت الهداية قلبـاً
    نشطت للعبادة الأعضاء فمن رأيناه في زيادة الأعمال والترقي في الأحوال علمنا أنه وجد لعمله ثمرة فهي بشارة له على قبولها ومن رأيناه أنقطع عن عمله أو نقص من أحواله خفنا عليه عدم قبول أعماله ومن ثمرة العمل أيضاً الأستيحاش من الخلق والأنس بالملك الحق ومن ثمرة العمل أيضاً الأكتفاء بعلم الله والأستغناء به عما سواه زاد الشيخ زروق رضي الله عنه الحياة الطيبة ونفوذ الكلمة وأنتفاء الحزن للفرح بالمنة اه فدليل الأول قوله تعالى من عمل صالحاً من ذكر أو أنثي وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة قيل هي القناعة وقيل هي الرضى والتسليم والتحقيق أنها المعرفة ودليل الثاني وهو نفوذ الكلمة قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض فنفوذ الكلمة هي الخلافة وقال أيضاً وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وأما الثالث وهو أنتفاء الحزن فدليله في نفسه لأن حلاوة العمل تنسي الحزن والغم لأنها شبيهة بنعم الجنة قال تعالى في شأن أهل الجنة وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن والله تعالى أعلم وسيأتي التحذير من الوقوف مع حلاوة الطاعة وأنها سموم قاتلة ولما ذكر ميزان مقادير الأعمال ذكر ميزان مقادير الرجال أو تقول لما ذكر ميزان العمل المقبول من المردود ذكر ميزان العامل المحبوب من المطرود فقال أن أردت أن تعرف قدرك عنده فأنظر فيماذا يقيمك قلت جعل الله تعالى بحكمته خلقه على قسمين أشقياء وسعداء وجعل السعداء قسمين أهل قرب وأهل بعد أو تقول أهل يمين ومقربين وهم السابقون فإن أردت أن تعرف نفسك هل أنت من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة فأنظر في قلبك فإن كنت تصدق بوجود ربك وتوحده في ملكه وتنقاد لمن عرفك به وهو رسوله عليه السلام فأنت ممن سبقت له الحسني وإن كنت تنكر أو تشك في ربك أو تشرك به غيره في أعتقادك أو لم تذعن لمن عرفك به فأنت من أهل الشقاء ثم إن وجدت نفسك من أهل السعادة وأردت أن تعرف هل أنت من أهل القرب أو من أهل البعد فأنظر فإن كنت ممن يستدل بأثره عليه فأنت من أهل البعد من أصحاب اليمين وإن كنت ممن يستدل به على غيره فأنت من أهل القرب من المقربين ثم أن عرفت أنك من أهل اليمين وأردت أن تعرف قدرك عنده هل أنت من المكرمين أو من المهانين فأنظر فإن كنت تمتثل أمره وتجتنب نهيه وتسارع في مرضاته وتحبب إلى أوليائه وأحبائه فأنت من المكرمين المعظمين وأن كنت تتهاون في أمره وتتساهل في نواهيه وتتكاسل عن طاعته وتهتك حرمانه وتعادي أوليائه فأنت والله عنده من المهانين المحرومين المطرودين إلا أن تتداركك عناية من رب العالمين.

  2. #22
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    وأن تحققت أنك من أهل القرب وإنك بلغت مقام الشهود تستدل به على غيره فلا تري سواه فإن كنت تقرباً لواسطه وتثبت الحكمة وتعطي كل ذي حق حقه فأنت من المقربين الكاملين وأن كنت تنكر الحكمة وتغيب عن الواسطة فإن كنت مجذوباً مغلوباً فأنت في هذا المحل ناقص وإن كنت صاحياً فأنت ساقط إلا أن يأخذ بيدك شيخ واصل أو عارف كامل وهنا ميزان آخر تعرف به نفسك في القرب والبعد فإن وجدت شيخاً مريباً كشف الله لك عن أنواره وأطلعك على خصائص أسراره فأنت قطعاً من أهل القرب بالفعل أو بالأمكان لقول الشيخ رضي الله عنه سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه وإن لم تجد شيخاً مريباً وغرك قول من قال أنه أنقطع وجوده فأنت قطعاً من أهل اليمين من عوام المسلمين هذا الغالب والنادر لا حكم له والله تعالى أعلم وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخير والشر فطوبي لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يده وويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يده وفي حديث آخر من أراد أن يعلم ماله عند الله فلينظر ما لله عنده وفي رواية من أراد أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله تعالى من قلبه فإن الله تعالى ينزل العبد حيث أنزله العبد من نفسه قال الله تعالى فأما من أعطي وأتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى الآية والله تعالى أعلم ثم ذكر ميزاناً آخر تعرف به المقربين والأغنياء الشاكرين فقال متى رزقك الطاعة والغنى به عنها فأعلم أنه قد أسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة قلت الطاعة في الظاهر هي رسوم الشريعة والغنى به في الباطن هو شواهد الحقيقة فإذا جمع لك بين الطاعة في جوارحك والغني به عنها في باطنها فقد أسبغ عليك أي أكمل وأطال عليك نعمه ظاهرة وباطنة وهذه سيما العارفين المقربين الأغنياء بالله الفقراء مما سواه أستغنوا بمعبودهم عن رؤية عبادتهم وبمعلومهم عن علمهم وبمصلحهم عن صلاحهم قال الشيخ أبو الحسن في حزبه الكبير نسئلك الفقر مما سواك، والغني بك حتى لا نشهد إلا إياك، فهؤلاء الأغنياء بالله الغائبون فيه عما سواه عبادتهم بالله ولله ومن الله قياماً بشكر النعمة وأتماماً لوظائف الحكمة وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أحب العباد إلى الله الأغنياء الأخفياء الأتقياء أو كما قال عليه الصلاة والسلام وفي حديث آخر ليس الغني بكثرة العرض إنما الغني غني النفس اه وهو الغني بالله وهذه هي النعمة الحقيقية فالنعم الظاهرة هي تزيين الجوارح بالشريعة والنعم الباطنة هي إشراق الأسرار بالحقيقة وقيل النعم الظاهرة هي الكفاية والعافية والنعم الباطنة هي الهداية والمعرفة وقيل النعم الظاهرة راحة البدن من مخالفة أمره والباطنة سلامته من منازعة حكمه وحقيقة النعمة من حيث هي مالا يوجب ألماً ولا يعقب ندماً وقيل النعمة العظمي الخروج من رؤية النفس وقيل النعمة ما وصلك بالحقائق وطهرك من العلائق وقطعك عن الخلائق وبالله التوفيق هذا آخر الباب الثامن وحاصلها تحقيق الأداب مع الواردات الألهية لأنها مواهب أختصاصية فمن أراد مدد أنوارها فعليه بكتمان أسرارها وليؤخر جزاء ثوابها لدار يدوم بقاؤها فحينئذ يتحقق أخلاصه ويظهر أختصاصه فيذوق حلاوة الطاعة والإيمان ويعظم قدره عند الملك الديان فيغيبه به عما سواه ويسبغ عليه مننه ومهما أغاك به أستغنيت به عن طلبه وأن كان ولا بد من الطلب منه ما هو طالبه منك كما أشار إليه في أول الباب التاسع فقال وقال رضي الله عنه خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك قلت والذي طالبه منا هي الأستقامة ظاهراً وباطناً ومرجعها إلى تحقيق العبودية في الظاهر وكمال المعرفة في الباطن أو تقول الذي هو طالبه منا أصلاح الجوارح الظاهرة بالشريعة قياماً برسم الحكمة وأصلاح القلوب والأسرار الباطنة بالحقيقة قياماً بوظائف القدرة.

    أو تقول الذي طلبه منا أمتثال أمره وأجتناب نهيه والأكثار من ذكره والأستسلام لقهره فالأكمل في حق العارف أن يستغني بعلم الله ويكتفي بسؤال الحال عن طلب المقال فإن تجلى فيه وارد الطلب فخير ما يطلبه من سيده ما هو طالبه منه وهو ما تقدم ذكره ففي بعض الأحاديث أن الله لا يسئل الخلق عن ذاته وصفاته ولا عن قضائه وقدره ولكن عن أمره ونهيه قلت لأن الأمر والنهي في كسبه ومكلف به ومعرفة الذات والصفات والرضى والتسليم إنما هي مواهب جزاء الأعمال ونتائج الأمتثال فإذا فعل ما أمره به سيده رزقه المعرفة به المعرفة العامة وهي معرفة الدليل فإذا أشتد عطشه قبض له من يأخذ بيده حتى يعرفه به المعرفة الخاصة وقال بعضهم إذا عرضت لك حاجة فأنزلها بالله يعني من غير طلب ما لم يكن لك فيها حظ فتحجب عن الله اه قال تعالى ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما أكتسبوا وللنساء نصيب مما أكتسبن وأسئلوا الله من فضله، وفضله هو الغني به ومن دعاء الجنيد رضي الله عنه اللهم وكل سؤال فعن أمرك لي بالسؤال فأجعل سؤالي لك سؤال محابك ولا تجعلني ممن بسؤاله مواضع الحظوظ بل يسئل القيام بواجب حقك ثم إذا طلبت منه فاطلب منه ما طلبه منك وهو الطاعة والاستقامة ولم تساعفك الأقدار ومنعت منها قبل أن تسئل فإن لم تنهض إليها بقلبك وتأسفت عليها بنفسك فذلك علامة الاغترار كما أشار إلى ذلك بقوله الحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامة الاغترار قلت الحزن هو التحسر علي شيء فإن لم تحصله وندمت على تحصيله أو التوجع على شيء منعت منه ولم تقدر على تحصيله فإن كان حزنك على شيء منعت منه ونهضت إلى أسبابه الموصلة إليه فهو حزن الصادقين وفيه قال أبو علي الدقاق يقطع صاحب الحزن في شهر ما لا يقطعه غيره في سنين وأن لم تنهض إلى أسبابه فهو حزن الكاذبين وأن كان على ما فات ونهضت إلى إستدراك ما يمكن إستدراكه فهو حزن الصادقين وأن لم تنهض إلى إستدراكه فهو حزن الكاذبين وقد سمعت رابعة العدوية رجلاً يقول وأحزناه فقالت له قل واقلة حزناه فلو كان حزنك صادقاً لم يتهيأ لك أن تتنفس اه.
    وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه ليس البكاء بتعصير العيون إنما البكاء أن تترك الأمر الذي تبكي عليه وقيل لا يغرنك بكاء الرجل فإن إخوة يوسف جاؤا أباهم عشاء يبكون وقد فعلوا ما فعلوا اه فالحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إلى إستدراك ما فات منها أو إلى تحصيل ما حضر منها من علامة الأغترار أي الغرور وهو الركون إلى ما لا حقيقة له فالأغترار قبول الغار والأنقياد إلى غروره وخدعه فالحزن ينقسم إلى ثلاثة أقسام حزن الكاذبين والصادقين والصديقين السائرين فحزن الكاذبين هو ما تقدم من عدم النهوض والأستدراك لما فات، وحزن الصادقين هو الحزن المصحوب بالجد والأجتهاد والتوسط في العمل والأقتصاد مع أغتنام ما بقي من الأوقات لأستدراك ما فات، وحزن الصديقين من السائرين هو الحزن على فوات الأوقات أو حصول شيء من الغفلات أو وقوع ميل أو ركون إلى الحظوظ والشهوات إلا أن حزنهم لا يدوم إذ لا يقفون مع شيء ولا يقبضهم شيء وأما الواصلون فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون قال تعالى "إلا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون،" إذ الحزن إنما يكون على فقد شيء أو فوات غرض وماذا فقد من وجد الله وقالوا الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن وفي هذا المقام ينقطع البكاء إذ لا بكاء في الجنة وقدر أي الصديق قوماً يقرؤن ويبكون فقال كذلك كنا ثم قست القلوب فعبر بالقسوة عن التمكين أدباً وتستراً لأن القلب في بدايته رطب يتأثر بالمواعظ وتحركه الأحوال فإذا أستمر معها وتصلب لم يتأثر بشيء ويكون كالجبل الراسي، وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب تنبيه قال السيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه من لم تطاوعه نفسه على النهوض إلى الطاعات وأخلدت إلى أرض الشهوات فدواؤه في حرفين الأول أن يعلم منة الله عليه بالهداية للأسلام ومحبة الإيمان فيشكر الله عليها ليحصن بقائها عنده الثاني دوام تضرعه وإبتهاله في مطان الأجابة قائلاً يا رب سلم سلم.

    وأن أهمل هذين الأمرين فالشقاوة لازمة له اه بالمعنى وبالله التوفيق ثم إذا أعطاك ما طلبت من كمال الأستقامة ونهضت إليه نادماً على ما فاتك من الطاعة كانت نهايتك الوصول إلى الحبيب ومناجات القريب هناك تكل الألسن عن العبارة وتنقطع الأشارة كما أبان ذلك بقوله ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وأنطوائه في شهوده قلت الأشارة أرق وأدق من العبارة والرمز أدق من الأشارة فالأمور ثلاثة عبارات وأشارات ورموز وكل واحدة أدق مما قبلها فالعبارة توضح والأشارة تلوح والرمز يفرح أي يفرح القلوب بإقبال المحبوب وقالوا علمنا كله إشارة فإذا صار عبارة خفي أي خفي سره أي فإذا صار عبارة بأفصاح اللسان لم يظهر سره على الجنان فأشارة الصوفية هي تغزلاتهم وتلويحاتهم بالمحبوب كذكر سلمي وليلي وذكر الخمرة والكيسان والنديم وغير ذلك مما هو مذكور في أشعارهم وتغزلاتهم وكذكر الأقمار والنجوم والشموس والبدور واللوائح والطوالع وكذكر البحار والأغراق وغير ذلك مما هو مذكور في أصطلاحاتهم وأما الرموز فهي إيماء وأسرار بين المحبوب وحبيبه لا يفهمها غيرهم.
    ومنها في القرآن فواتح السور ومنها في الحديث كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أريد أن أدعوك لأمر قال وما هو يا رسول الله قال هو ذاك فرمز لأمر بينهما لا يعرفه غيرهما وقال له أيضاً يا أبا بكر أتعلم يوم يوم بتكرير لفظ يوم قال نعم يا رسول الله سألتني عن يوم المقادير فهذه رموز بين الصديق وحبيبه قال الشيخ زروق رضي الله عنه في شرح الحزب الكبير وقد حارت العقول في رموز الحكماء فكيف بالعلماء فكيف بالأنبياء فكيف بالمرسلين فكيف يطمع في حقائق رب العالمين اه وأما الأشارات فيدركها أربابها من أهل الفن والناس في أدراكها وعدمه على أقسام فمنهم من لا يفهم منها شيئاً ولا يعرف إلا ظاهر العبارة وهم الجهال من عموم الناس ومنهم من يفهم المقصود ويجد الحق بعد الأشارة أي بعد سماع الأشارة وهم أهل البداية من السائرين، ومنهم من يفهم الأشارة ويجد المشار إليه وهو الحق أقرب إليه من ?أشارته وهم أهل الفناء في الذات قب التمكين، ولهذا تجدهم يتواجدون عند السماع ويتحركون وتطيب أوقاتهم وتهيم أرواحهم أكثر مما يتواجدون عند الذكر لأن الأشارة تهيج أكثر من العبارة بخلاف المتمكنين قد رسخت أقدامهم وأطمأنت قلوبهم وتحقق وصولهم فاستغنوا عن الإشارة والمشير ولذلك قيل للجنيد مالك كنت تتحرك عند السماع وتتواجد واليوم لا نراك تتحرك بشيء قال وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب اه وهذا هو العارف الذي لا إشارة له لفنائه في وجود الحق وأنطوائه في شهوده أو تقول لتحقق وصوله وتمكنه في شهوده فصار المشير عين المشار إليه لفناء وجوده في وجود محبوبه وأنطواء ذاته في ذات مشهوده أو تقول لزوال وهمه وثبوت علمه فتحققت الوحدة وأمتحت الغيرية
    رق الزجاج ورقت الخمر
    فتشابها وتشاكـل الأمـر فكأنما خـمـر ولا قـدح
    وكأنما قدح ولا خـمـر فالأقداح أشباح والخمور أرواح أو تقول لذهاب حسه وأنطماس رسمه فأنكسرت الأواني وسطعت المعاني، وطاح مقامي في الرواسم كلـهـا
    فلست أرى في الوقت قرباً ولا بعداً فنيت به عني فبـان بـه غـيبـي
    فهذا ظهور الحق عند الفنا قصـدا أحاط بنا التعظيم من كـل جـانـب
    وعادت صفات الحق مما يلي العبداقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه أن لله عباداً محق أفعالهم بأفعاله وأوصافهم بأوصافه وذاتهم بذاته وحملهم من أسراره ما تعجز عنه الأولياء وقال القطب الشيخ ابن مشيش رضي الله عنه ونفعنا ببركاته وشراب المحبة مزج الأوصاف بالأوصاف والأخلاق بالأخلاق والأنوار بالأنوار والأسماء بالأسماء والنعوت بالنعوت والأفعال بالأفعال اه وأطلق المزج على التبديل مناسبة للشراب وقال إمام الطريقة أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه في وصف العارف عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه قائم بأداء حقه ناظر إليه بقلبه أحرقت قلبه أنوار هدايته وصفاً شرابه من كأس وده تجلى له الجبار عن أستار غيبه فإن تكلم فبالله وأن سكت فمن الله وأن تحرك فبأذن الله وأن سكن فمع الله فهو بالله ولله ومع الله ومن الله والي الله اه فهذه صفات العارف الحقيقي الراسخ المتمكن قد كل لسانه عن التعبير، وأستغنى عن الأشارة والمشير، فإذا صدرت منه أشارة أو تعبير، فإنما ذلك لفيضان وجد أو هداية فقير، وقد صدرت إشارات من المتمكنين فتحمل على هذا القصد كقول الشيخ أبي العباس رضي الله عنه أعنك عن ليلـى حـديث مـحـرر
    بإيراده يحـيى الـرمـيم وينـشـر فعهدي بها العهد الـقـديم وأنـنـي
    على كل حال في هواها مقـصـر وقد كان عنها الطيف قد ما يزورني
    ولمـا بـرز مـا بـالـه يتـعـذر وهل بخلت حتى بطيف خـيالـهـا
    أم اعتل حتى لا يصح الـتـصـور ومن وجه ليلى طلعة الشمس تستضي
    وفي الشمس أبصار الوري يتحـير وما إحتجبت إلا برفع حـجـابـهـا
    ومن عجب أن الظهـور تـسـتـر
    هكذا وجدت بخط الشيخ وكان كثيراً ما يتمثل بها قاله المصنف في لطائف المنن فقول الشيخ ما العارف إلخ أي ليس العارف الكامل وهو الراسخ المتمكن وأما السائر فيحتاج إلى الأشارة ويجد الحق أقرب إليه من الأشارة أو معها وهي إعانة له وقوته كالعبارة للمتوجهين وسيأتي العبارة قوت لعائلة المستمعين وليس لك إلا ما أنت له آكل وقوله من إذا أشار أي أشير له وقوله بل العارف من لا أشارة له أي لا يحتاج إليها في نفسه وقد يشير لأجل غيره كما تقدم وأنما أستغني عن الأشارة لأن الأشارة والعبارة قوت الجائع وهو قد شبع وأستغنى أو تقول لأن الأشارة تقتضي البينونة والفرق وهو مجموع في فرقه ولذلك قال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه أبعدهم من الله أكثرهم أشارة إليه وقال ابن العريف في محاسنه الأشارة نداء على رأس البعد وبوح بعين العلة اه أي تصريح بعين علته وهي بعده وقال الروذبادي الأشارة إلا بانة عما يتضمنه الوجد من المشار إليه وفي الحقيقة الأشارة تصحبها العلل والعلل بعيدة من الحقائق وقال الشبلي رضي الله عنه كل أشارة أشار بهما والبينونة بدليل قوله حتى يشيروا إلى الحق بالحق وأنما نفي الطريق إلى ذلك لأستغناء الحق عن الأشارة والمشير والله تعالى أعلم ويحتمل أن يريد بالأشارة أشارة القلب أو الفكرة إلى الوجود فإن القلب إذا أشار إلى الكون بأسره فني وتلاشي ووجد الحق أقرب إليه من أشارته لكونه كان فانياً قبل أشارته وهذا حال السائرين وأما الواصل فلا يحتاج إلى أشارة لكونه قد تحقق فناؤه وأنطوى وجوده في وجود محبوبه فلم يحتج إلى أشارة لتمكن حاله وتحقق مقامه والله تعالى أعلم وسئل أبو سعيد بن الأعرابي عن الفناء فقال هو أن تبدو العظمة والأجلال على البعد فتنسيه الدنيا والآخرة والأحوال والدرجات والمقامات والأذكار تفنيه عن كل شيء وعن عقله وعن نفسه وفنائه عن الأشياء وعن فنائه عن الفناء لأنه يغرق في التعظيم اه ولما كان المطلوب من العبد القيام بوظائف العبودية ومعرفة عظمةالربوبية تشوقت القلوب إلى نيلها وطمعوا في أدراكها ورجوا بلوغ آمالهم فيها فبين الشيخ علامة الرجاء الصادق من الكاذب فقال الرجاء ما قارنه عمل وإلا فهو أمنية قال بعض العلماء الرجاء تعلق القلب بمطموع يحصل في المستقبل مع الأخذ في العمل المحصل له وأقرب منه طمع يصحبه عمل في سبب المطموع فيه لأجل تحصيله اه والأمنية أشتهاء وتمني لا يصحبه عمل فإن كان مع الحكم والجزم فهو تدبير وهو أتم قبحاً قاله الشيخ زروق قلت فمن رجا أن يدرك النعيم الحسي كالقصور والحور فعليه بالجد والطاعة والمسارعة إلى نوافل الخيرات وإلا كان رجاؤه حمقاً وغروراً وقد قال معروف الكرخي رضي الله عنه طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب وأرتجاء الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور وأرتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق وقيل من زعم أن الرجاء مع الأصرار صحيح فكذلك فليزعم أن الربح مع الفقير ووقد النار من البحر صحيح ومن كان رجاؤه تحقيق العلوم وفتح مخازن الفهوم فعليه بالمدارسة والمطالعة ومجالسة أهل العلم المحققين العاملين مع تحليته بالتقوى والورع قال تعالى "وأتقوا الله ويعلمكم الله فإن فعل هذا كان طالباً صادقاً وإلى مارجاً وأصلاً وإلا كان باطلاً وبقي جاهلاً وقد قال بعض المحققين من أعطي كليته في العلم أخذ كليته ومن لم يعط كليته لم يأخذ بعضه ولا كليته وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم من يطلب الخير يؤته ومن يتق الشر يوقه اه والذي تفيده التقوى أنما هو فهم يوافق الأصول ويشرح الصدور ويوسع المعقول ومن كان رجاؤه الوصول إلى أدراك المقامات وتحقيق المنازلات ومواجيد المحبين وأذواق العارفين فعليه بصحبة الفحول من الرجال أهل السر والحال بحط رأسه وذبح نفسه والأخذ فيما كلفوه به من الأعمال مع الذل والأفتقار والخضوع والأنكسار فإن زعم أنه لم يجدهم فليصدق في الطلب فسر الله كله في صدق الطلب وليستغرق أوقاته في ذكر الله وليلتزم الصمت والعرلة وليحسن ظنه بالله وبعباد الله فإن الله يقيض له من يأخذ بيده، إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم قال في القواعد قاعدة طلب الشيء من وجهه وقصده أقرب لتحصيله وقد ثبت أن حقائق علوم الصوفية منح إلهية ومواهب إختصاصية لا تنال بمعتاد الطلب فلزم مراعاة وجه ذلك وهو ثلاث أولها العمل بما علم قدر الأستطاعة الثاني اللجاء إلى الله على قدر الهمة الثالث أطلاق النظر في المعاني حال الرجوع لأصل السنة فيجري الفهم وينتفي الخطأ ويتيسر الفتح وقد أشار الجنيد رحمه الله تعالى إلى ذلك بقوله ما أخذنا التصوف عن القيل والقال والمراء والجدال إنما أخذناه عن الجوع والسهر وملازمة الأعمال أو كما قال وفي الخبر عنه عليه الصلاة والسلام من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه إذا أعتقدت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت ورجعت إلى صاحبها بطرائف العلوم من غير أن يؤدي إليها عالم علماً اه فمن رجا أن يدرك هذه الأمور المتقدمة وشرع في أسبابها وتحصيل مباديها كان علامة على نجح مطلبه وكان رجاؤه صادقاً ومن طمع فيها من غير أن يأخذ بالجد في أسباب تحصيلها كان أمنية أي غروراً وحمقاً وكان الحسن رضي الله عنه يقول يا عباد الله أتقوا هذه الأماني فأنها أودية النوكي يحلون فيها فو الله ما أتى الله عبداً بأمنية خيراً في الدنيا والآخرة اه والنوكي بفتح النون جمع أنوك وهو الأحمق ولما كان من رجا شيئاً وطمع فيه الغالب أنه يطلبه بين الشيخ خير ما يطلبه العبد ويرجوه فقال مطلب العارفين من الله الصدق في العبودية والقيام بحقوق الربوبية قلت المطلب مصدر بمعنى المفعول أو أسم مكان أي مطلوب العارفين ومقصودهم أو محل قصدهم ومحل نظرهم إنما هو تحقق الصدق في العبودية بحيث لا تبقي فيهم بقية إذ المكاتب عبد ما بقي عليه درهم فما دام العبد مسجوناً بمحيطاته محصوراً في هيكل ذاته لا تنفك عنه الحظوظ إما دنيوية أو أخروية فلا تتحقق عبوديته لله وفيه عبودية لحظوظه وهواه فلا يكون صادقاً في عبوديته وهو مملوك لحظ نفسه فإذا قال أنا عبد الله نازعته حظوظه وهواه فلا تتحقق عبوديته لله حتى يتحرر من رق الأكوان ويتحقق بمقام الأحرار من أهل العرفان فحينئذ يكون سالماً لله حراً مما سواه قال الله تعالى ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون أي متخاصمون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً أي لا يستويان أبداً إذ العبد الخالص لسيد واحد يكون أحظي وأعز وأقرب من العبد المشترك وكذلك العبد الخالص لله أحظي بمحبة مولاه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعس أي خاب وخسر عبد الدينار والدرهم والخميصة إذا أعطي رضي وإذا لم يعط سخط تحس وأنتكس وإذا شيك فلا أنتقش أي إذا أصابته شوكة فالله لا يخرجها منه بالنقش عليها وهو دعاء على من حظه هواه بالتنكيس وعدم الخروج مما يقع فيه وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه شتان بين من همه الحور والقصور وبين من همه الحضور ورفع الستور اه ولأجل هذا كان مطلب العارفين إنما هو التحقق بالهبودية لمولاهم بالتحرر من رق هواهم والقيام بوظائف الربوبية بالأدب والتعظيم والأجلال لمولاهم وهما متلازمان فمهما تحقق الصدق في العبودية إلا حصل القيام بوظائف الربوبية فإن النفس إذا ماتت بترك حظوظها حييت الروح وإذا حييت الروح عرفت وإذا عرفت أذعنت وخضعت لهيبة الجلال وهذا هو القيام بحقوق الربوبية وهو مراد العارفين ومقصود السائرين ومحط نظر القاصدين والطالبين قيل لبعضهم ما مراد العارف قال مراد معروفه اه أي لا يريد إلا ما أراد سيده ولا يتمنى إلا ما يقضيه عليه مولاه وقيل لبعضهم ما تشتهي قال ما يقضي الله فهذا يتحقق للعارف فناؤه وبتحقيق فنائه يتحقق بقاؤه وأنشدوا
    لو قيل ما تمنى والعبد يعطي مناه
    لقلت منية قلبـي فـي بـقـاه أي بقائه مع مولاه والله تعالى أعلم فإذا طلب العبد من مولاه ما هو طالبه منه من أستقامة ظاهره بالنهوض إلى كمال الطاعات والحزن على ما سلف من الغفلات وأستقامة باطنه بمعرفة معبوده والفناء في شهوده فيكون ظاهره قائماً بوظائف العبودية وباطنه متحققاً بحقوق الربوبية ثم إذا أحس بإجابة المطلب وحصول المني والمرغب فرح قلبه وأنبسطت روحه حيث شمت نسيم الأقبال وروح الوصال فربما يقبضها البسط عن شهود مولاها فيخرجها منه إلى القبض ثم يرحلها عنهما إليه كما أشار الشيخ إلى ذلك بقوله بسطك كي لا يبقيك مع القبض وقبضك كي لا يتركك مع البسط وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه قلت البسط فرح يعتري القلوب أو الأرواح إما بسبب قرب شهود الحبيب أو شهود جماله أو بكشف الحجاب عن أوصاف كماله وتجلى ذاته أو بغير سبب والقبض حزن وضيق يعتري القلب إما بسبب فوات مرغوب أو عدم حصول مطلوب أو بغير سبب وهما يتعاقبان على السالك تعاقب الليل والنهار فالعوام إذا غلب عليهم الخوف أنقبضوا وإذا غلب عليهم الرجاء أنبسطوا والخواص إذا تجلى لهم بوصف الجمال أنبسطوا وإذا تجلى لهم بوصف الجلال أنقبضوا وخواص الخواص أستوى عندهم الجلال والجمال فلا تغيرهم واردات الأحوال لأنهم بالله ولله لا لشيء سواه فالأولون ملكتهم الأحوال وخواص الخواص مالكون الأحوال فمن لطفه بك أيها السالك أخرجك من الأغيار ودفعك إلى حضرة الأسرار فإذا أخذك القبض وتمكن منك الخوف وسكنت تحت قهره وأنست بأمره أخرجك إلى البسط لءلا يحترق قلبك ويذوب جسمك فإذا حبسك البسط وفرحت به وأنست بجماله قبضك لئلا يتركك مع البسط فتسيء الأدب وتجر إلى العطب إذ لا يقف مع الأدب في البسط إلا القليل هكذا يسيرك بين شهود جلاله وجماله فإذا شهدت أثر وصف الجلال أنقبضت وإذا شهدت أثر وصف الجمال أنبسطت ثم يفتح لك الباب ويرفع بينك وبينه الحجاب فتتنزه في كمال الذات وشهود الصفات فتغيب عن أثر الجلال والجمال بشهود الكبير المتعال فلا جلاله يحجبك عن جماله ولا جماله يحجبك عن جلاله ولا ذاته تحبسك عن صفاته ولا صفاته تحبسك عن ذاته تشهد جماله في جلاله في جماله وتشهد ذاته في صفاته وصفاته في ذاته أخرجك عن شهود أثر الجلال والجمال لتمون عبد الله في كل حال أخرجك عن كل شيء لتكون حراً من كل شيء وعبداً له في كل شيء وأنشدوا حرام على من وحـد الـلـه ربـه
    وأفرده أن يحـتـذي أحـداً رفـداً فيا صاحبي قف بي على الحق وقفة
    أموت بها وجداً وأحيا بهـا وجـداً وقل لملوك الأرض تجهد جهدهـا
    فذا الملك ملك لا يبـاح ولا يهـدا
    قال فارس رضي الله عنه القبض أولاً ثم البسط ثانياً ثم لا قبض ولا بسط لأن القبض والبسط لمعان في الوجود وأما مع الفناء والبقاء فلا اه وأعلم أن القبض والبسط لهما آداب فإذا أساء فيهما الأدب طرد إلى الباب أو إلى سياسة الدواب فمن آداب القبض الطمأنينة والوقار والسكون تحت مجاري الأقدار والرجوع إلى الواحد القهار فإن القبض شبيه بالليل والبسط شبيه بالنهار ومن شأن الليل الرقاد والهدو والسكون والحنو فأصبر أيها المريد وأسكن تحت ظلمة ليل القبض حتى تشرق عليك شموس نهار البسط إذ لا بد لليل من تعاقب النهار ولا بد للنهار من تعاقب الليل، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل هذا آداب القبض الذي لا تعرف له سبباً وأما أن عرفت له سبباً فأرجع فيه إلى مسبب الأسباب ولذا بجانب الكريم الوهاب فهل عودك إلا حسناً وهل أسدي إليك إلا منناً فالذي واجهتك منه الأقدار هو الذي عودك حسن الأختيار فالذي أنزل الداء هو الذي بيده الشفاء يا مهموم بنفسه لو ألقيتها إلى الله لأسترحت فما تجده القلوب من الأحزان فلا جل ما منعته من الشهود والعيان والحاصل أن سبب القبض أنما هو النظر للسوي والغفلة عن المولي وأما أهل الصفا فلا يشهدون إلا الصفا ولذلك كان عليه الصلاة السلام يقول من أصابه هم أو غم فليقل الله الله لا أشرك به شيئاً فإن الله يذهب همه وغمه أو كما قال عليه السلام والحديث صحيح فأنظر كيف دل عليه الصلاة والسلام المقبوض إلى الدواء وهو شهود التوحيد والغيبة عن الشرك فدلنا صلى الله عليه وسلم على القول والمراد منه المعنى فكأنه قال أعرفوا الله ووحدوه ينقلب قبضكم بسطاً ونقمتكم نعمة وكذلك في حديث آخر قال ما قال أحد اللهم أني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل أسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو أستأثرت به في علم الغيوب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدل مكان همه فرحاً وسروراً فدلهم أولاً في الحديث الأول على شهود الربوبية وفي الحديث الثاني على القيام بوظائف العبودية وهو الصبر والرضي إذ من شأن العبد أن يصبر على أحكام سيده ويسلم ويرضي لما يجريه عليه من أوصاف قهره ومن آداب البسط كف الجوارح عن الطغيان وخصوصاً جارحة اللسان فإن النفس إذا فرحت بطرت وخفت ونشطت فربما تنطق بكلمة لا تلقي لها بالأ فتسقط في مهاوي القطيعة بسبب سوء أدبها ولذلك كان يبسط مزلة أقدام فإذا أحس المريد بالبسط فليلجم نفسه بلجام الصمت وليتحل بحلية السكينة والوقار وليدخل خلوته وليلتزم بيته فمثل الفقير في حالة البسط والقوة كقدر على وفار فإن تركه يغلي أهراق أدامه وبقي شاحتاً وأن كفه وأخمد ناره بقي أدامه تاماً كذلك الفقير في حالة القوة والبسط يكون نوره قوياً وقلبه مجموعاً فإذا تحرك وبطش وتتبع قوته برد ورجع لضعفه وما ذلك إلا لسوء أدبه والله تعالى أعلم ولأجل هذا كان العارفون يخافون من البسط أكثر من القبض كما نبه عليه بقوله العارفون إذا بسطوا أخوف منهم إذا قبضوا قلت كل من فتح عليه في شهود المعاني فهو عارف فأن تمكن من شهود المعني على الدوام فهو واصل متمكن وإلا فهو سائر وأنما كان العارف إذا أنبسط أخوف منه إذا انقبض لأن القبض من شأنه أن يقبض النفس عن حظوظها ومن شأنه أيضاً السكون والسكون كله أدب ومن شأن البسط أن يبسط النفس وينشطها فربما تبطش لما فيه حظها فتزل قدم بعد ثبوتها بسبب قلة آدابها ولذلك قال ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل قلت وهم أهل الطمأنينة والتمكين لأنهم كالجبال الرواسي لا يحركهم قبض ولا بسط فهم مالكون الأحوال لا يخرجهم القبض ولا البسط عن حالة الأعتدال بخلاف السائرين وأن كانوا عارفين فإنهم ربما تؤثر فيهم الواردات فيرد عليهم وارد البسط فيخرجهم عن حد الأدب وقد قيل قف على البساط وإياك والأنبساط وقال رجل لأبي محمد الحريري رضي الله عنه كنت على بساط الأنس وفتح على طريق البسط فزللت زلة فحجبت عن مقامي فكيف السبيل إليه دلني على الوصول إلى ما كنت عليه فبكي أبو محمد وقال يا أخي الكل في قهر هذه الخطة لكني أنشدك أبياتاً لبعضهم وأنشد يقول
    قف بالديار فـهـذه آثـارهـم
    تبكي الأحبة حسرة وتشـوقـاً كم قد وقفت بربعها مستخبـراً
    عن أهلها أو سائلاً أو مشفقـاً فأجابني داعي الهوى في رسمها
    فارقت من تهوى فعز الملتقـا ثم علل عدم الوقوف على حدود الأدب في البسط فقال البسط تأخذ النفس منه حظها بوجود الفرح، والقبض لاحظ للنفس فيه قلت لأن البسط جمال والقبض جلال ومن شأن الجمال أن يأتي بكل جمال وأين هو الجمال ثم هو عيد الجلال أين هو حبيبك ثم هو عدوك أين هو الربح ثم هو الخسارة ومعنى ذلك أن الموضع الذي يلائم النفس ويليق بها ثم هو خسارة القلب وحجاب الروح لأن الموضع الذي تحيى به النفس يموت فيه القلب والموضع الذي تموت فيه النفس يحيى به القلب والروح ولذلك قال إبن الفارض رضي الله عنه الموت فيه حياتي
    وفي حياتي قتلي وقال الششتري رضي الله عنه أن ترد وصلنا فموتك شـرط
    لا ينال الوصال من فيه فضله

  3. #23
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    وكتب يوسف بن الحسين الرازي رحمه الله إلى الجنيد رضي الله عنه لا أذاقك الله طعم نفسك فإنك أن ذقتها لا تذق بعدها خيراً أبداً اه وقال أبو علي الدقاق رضي الله عنه القبض حق الحق منك والبسط حقك منه ولأن تكون بحق ربك أولى من أن تكون بحظ نفسط اه وهذا كله في حق السائرين وأما الواصلون المتمكنون فلا يؤثر فيهم جلال ولا جمال ولا يحركهم قبض ولا بسط كما تقدم لأنهم بالله ولله ومن الله وإلى الله بالله تصرفهم ولله عبوديتهم ومن الله ورودهم وإلى الله صدورهم لأنهم للله لا لشيء دونه قال الجنيد رضي الله عنه الخوف يقبضني والرجاء يبسطني والحقيقة تجمعني والحق يفرقني إذا قبضني بالخوف أفناني عني وإذا بسطني بالرجاء ردني على وإذا أجمعني بالحقيقة أحضرني وإذا فرقني بالحق أشهدني غيري فغطاني عنه فهو في كل ذلك محركي غير مسكني وموحشي غير مؤنسي بحضوري لذوق طعم وجودي فليته أفناني عني فمتعني أو غيبني عني فروحني اه قوله رضي الله عنه الخوف يقبضني لأن العبد في حالة الخوف يشهد ما منه إلى الله من الأساءة فينفتح له باب الحزن وفي حالة الرجاء يشهد ما من الله إليه من الأحسان فينفتح له باب الرجاء والبسط وقوله والحقيقة تجمعني أن تغنيني عن نفسي وتجمعني به فلا نشهد إلا ما من الله إلى الله فلا قبض ولا بسط وقوله والحق يفرقني المراد بالحق الحقوق اللازمة للعبودية فلا ينهض إليها إلا بشهود نوع من الفرق وأن كان نهوضه بالله وقوله إذا قبضني بالخوف أفناني عني أي تجلى لي بأسمه الجليل ذاب جسمي من هيبة المتجلي وإذا بسطني بالرجاء بأن تجلى لي بأسمه الجميل أو الرحيم رد نفسي ووجودي علي وإذا جمعني إليه بشهود الحقيقة أحضرني معه بزوال وهمي وإذا فرقني بالحق الذي أوجبه علي للقيام بوظائف حكمته أشهدني غيري حتى يظهر الأدب مني معه وقد يقوي الشهود فلا يشهد الأدب إلا منه إليه وقوله فغطاني عنه لأن العبد في حالة النزول إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ قد يرجع لمقام المراقبة لكنه غير لازم وسيأتي للمؤلف بل نزلوا في ذلك بالله ومن الله وإلى الله فعلى هذا لا تغطية للعبد في حالة النزول للحق أصلاً وقوله فهو في كل ذلك محركي غير مسكني يعني أن الحق تعالى حين يقبضه بالخوف أو يبسطه بالرجاء أو يجمعه بالحقيقة أو يفرقه بالحق هو محرك له ليسيره إليه ويحوشه إليه غير مسكن له في مقام واحد وموحشه عن عالم نفسه غير مؤنس له بها بسبب حضوره مع عوالمه البشرية فيذوق طعم وجودها فإذا غيبه عنه عرف قدر ما من به عليه ولذلك قال فليته أفناني عني أي عن رؤية وجودي فمتعني بشهوده أو غيبني عن حسي فروحني من الحقوق التي تفرقني عنه بإسقاطها عني في حالة الغيبة وكأنه مال إلى طلب السلامة خوفاً من الوقوع فيما يجب الملامة وأن كان الكمال هو الجمع بين العبودية وشهود الربوبية والله تعالى أعلم ثم ذكر أسباب القبض والبسط وهو العطاء والمنع في الغالب فقال ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك قلت الغالب على النفس الأمارة واللوامة أن تنبسط بالعطاء تنقبض بالمنع لأن في العطاء متعتها وشهوتها فلا جرم أنها تنبسط بذلك وفي المنع قطع موادها وترك حظوظها ولا شك أنها تنقبض بذلك وذلك لجهلها بربها وعدم فهمها فلو فهمت عن الله لعلمت أن المنع عين العطاء والعطاء عين المنع كما يأتي فأفهم أيها الفقير عن مولاك ولا تتهمه فيما به أولاك فربما أعطاك ما تشتهيه النفوس فمنعك بذلك حضرة القدوس وربما منعك ما تشتهيه نفسك فيتم بذلك حضورك وأنسك ربما أعطاك متعة الدنيا وزهرتها فمنعك جمال الحضرة وبهجتها وربما منعك زينة الدنيا وبهجتها فأعطاك شهود الحضرة ونظرتها ربما أعطاك قوت الأشباح فمنعك قوت الأرواح وربما منعك من قوت الأشباح فمتعك بقوت الأرواح ربما أعطاك أقبال الخلق فمنعك من أقبال الحق وربما منعك من أقبال الخلق فأعطاك الأنس بالملك الحق ربما أعطاك العلوم وفتح لك مخازن الفهوم فحجبك بذلك عن شهود المعلوم ومعرفة الحي القيوم وربما منعك من كثرة العلوم وأعطاك الأنس بالحي القيوم فأحطت بكل مجهول ومعلوم ربما أعطاك عز الدنيا ومنعك عز الآخرة وربما منعك من عز الدنيا وأعطاك عز الآخرة ربما أعطاك التعزز بالخلق ومنعك من التعزز بالحق وربما منعك من التعزز بالخلق وأعطاك التعزر بالملك الحق ربما أعطاك خدمة الكون فمنعك من شهود المكون وربما منعك من خدمة الكون وأعطاك شهود المكون ربما أعطاك التصرف في الملك ومنعك دخول الملكوت وربما منعك من التصرف في الملك ومنحك شهود الملكوت ربما أعطاك أنوار الملكوت فمنعك الترقي إلى بحر الجبروت وربما حجب عنك أنوار الملكوت فأعطاك الدخول إلى حضرة الجبروت ربما أعطاك القطبانية ومنعك التمتع بشهود الفردانية وربما منعك القطبانية ومتعك بشهود سر الوحدانية إلى غير ذلك مما لا يحصيه ألا علام الغيوب قال ابن العربي الحاتمي رضي الله عنه إذا منعت فذاك عطاؤه وإذا أعطيت فذاك منعه فأختر الترك على الأخذ اه وشاهده قوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم الآية فإذا فهمت هذا علمت أن المنع هو العطاء كما بينه بقوله متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع هو عين العطاء قلت إذا فهمت أيها العبد عن الله بعد تحققك برحمته ورأفته وكرمه وجوده ونفوذ قدرته وأحاطة علمه علمت أنك إذا سألته شيئاً أو هممت بشيئ أو أحتجبت إلى شيء فمنعك منه فإنما منعك ذلك رحمة بك وأحساناً إليك إذ لم يمنعك من بخل ولا عجز ولا جهل ولا غفلة وإنما ذلك حسن نظر إليك وأتمام لنعمته عليك لكونه أتم نظر وأحمد عاقبة فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون فربما دبرنا أمراً ظننا أنه لنا فكان علينا وربما أتت الفوائد من وجوده الشدائد والشدائد من وجوه الفوائد وربما كمنت المنن في المحن والمحن في المنن وربما أنتفعنا على أيدي الأعداء وأوذينا على أيدي الأحباء وربما تأتي المسار من حيث المضار وقد تأتي المضار من حيث المسار ولأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه في حزبه اللهم أنا قد عجزنا عن دفع الضر عن أنفسنا من حيث نعلم بما نعلم فكيف لا نعجز عن ذلك من حيث لا نعلم بما لا نعلم فمتي فتح لك أيها المريد باب الفهم عنه في المنع وعلمت ما فيه من الشر والخير وحسن النظر لك عاد المنع في حقك هو عين العطاء ومثال ذلك كصبي رأى طعاماً حسناً أو حلواء أو عسلاً وفيه سم وأبوه عالم بما فيه فكلما بطش الصبي لذلك الطعام رده أبوه فالصبي يبكي عليه لعدم علمه وأبوه يرده بالقهر لوجود علمه فلو عقل الصبي ما فيه ما بطش إليه ولعلم نصح أبيه وشدة رأفته به ومثال آخر كرجل صنع طعاماً جيداً وعمل فيه بصاقاً ومخاطاً أو قذراً وأتي به لمن لا يعرفه فكل من رآه ولم يعرف ما فيه بطشت نفسه إليه فلو علم ما فيه ما بطشت نفسه فإذا نهاه عنه من علم ما فيه أتهمه لعدم فهمه كذلك العبد يبطش للدنيا أو الرياسة أو غير ذلك مما فيه ضرره فيمنعه الحق تعالى منه رحمة به وشفقة عليه وأعتناء به فإذا فهم عن الله سلم الأمر إلى مولاه ولم يتهمه فيما أبرمه وقضاه وإذا لم يفهم عن الله تحسر وربما سخط فإذا إنكشف له سر ذلك بعد علم ما كان في ذلك من الخير لكن فاتته درجة الصبر لقوله عليه السلام إنما الصبر عند الصدمة الأولى وأنظر قضية الرجل الذي كان يسكن في البادية وكان من العارفين فأتفق له ذات يوم أن مات حماره وكلبه وديكه فأتي إليه أهله فقالوا له حين مات الحمار مات حمارنا فقال خير ثم قالوا مات الكلب فقال خير ثم قالوا مات الديك فقال خير فغضب أهل الدار وقالوا أي خير في هذا متاعنا ذهب ونحن ننظر فأتفق أن بعض العرب ضربوا على ذلك الحي في تلك الليلة فأحتاحوا كل ما فيه وكانوا يستدلون على الخيام بنهيق الحمار ونباح الكلاب وصراخ الديكة فأصبحت خيمته سالمة إذ لم يكن بقي من يفضحها فأنظر كيف كان حسن نظر الحق لأوليائه وحسن تدبيره لهم وكيف فهم الرجل العارف ما في ذلك من السر في أول مرة فهذا هو الفهم عن الله رزقنا الله من ذلك الحظ الأوفر أمين قال الشبلي الصوفية أطفال في حجر الحق تعالى اه يعني أنه يتولى حفظهم وتدبيرهم على ما فيه صلاحهم ولا يكلهم إلى أنفسهم والله تعالى أعلم وسبب عدم الفهم عن الله هو الوقوف مع ظواهر الأشياء دون النظر إلى بواطنها كما أبان ذلك بقوله الأكوان ظاهرا غرة وباطنها عبرة قلت الغرة بكسر الغين وقوع الغرور وإنما كانت الأكوان ظاهرها غرة لوجهين أحدهما ما جعل الله سبحانه على ظاهر حسها من البهجة وحسن المنظر وما تشتهيه النفوس من أنواع المآكل والمشارب والملابس والمراكب وشهوة المناكح والمساكن والبساتين والرياضات وكثرة الأموال والبنين وكثرة الأصحاب والعشائر والأجناد والعساكر وغير ذلك من بهجتها وزهرتها وزخرفها فأنكب جل الناس على الأشتغال بجمعها وتحصيلها والجري عليها الليل والنهار والشهور والأعوام حتى هجم عليهم هادم اللذات فأعقبهم الندم والحسرات ولم ينفع الندم وقد جف القلم سافروا بلا زاد، وقدموا على الملك بلا تأهب ولا إستعداد، فأستوجبوا من الله الطرد والبعاد ولأجل، هذا حذر الله سبحانه من غرورها وزخرفها والوقوف مع ظاهرها قال تعالى "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين" الآية ثم قال "قل أأنبؤكم بخير من ذلكم للذين أتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد" وقال تعالى "أنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً" أي لنختبرهم أيهم أزهد فيها وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم أي أصنافاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فقال الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها وأهتموا بآجل الدنيا حين أهتم الناس بعاجلها فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم فما عارضهم من نائلها عارض إلا رفضوه ولا خادعهم من رفعتها خادع إلا وضعوه خلقت الدنيا في قلوبهم فلم يجددوها وخرجت بنيانهم فما يعمرونها وماتت في صدورهم فما يحيونها بل يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ويبيعونها ليشتروا بها ما يبقي لهم ونظروا إلى أهلها صرعي قد خلت بهم المثلاث فما يرون أماناً دون ما يرجون ولا خوفاً دون ما يجدون اه وقال على كرم الله وجهه فيما كتبه إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه إنما مثل الدنيا كمثل الحية لين مسها قاتل سمها فأعرض عنها وعما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون منها فإن صاحبها كلما أطمأن فيها إلى سرور أشخص منها إلى مكروه اه فقد جعل الحق سبحانه هذه الأكوان وهي الدنيا وما أشتملت عليه ظاهرها فتنة وباطنها عبرة فمن وقف مع ظاهرها كان مغروراً ومن نفذ إلى باطنها كان عند الله مبروراً فأهل الغفلة والبطالة وقفوا مع متعة عاجلها وبهجة ظاهرها فغرتهم بزخرفها وخدعتهم بغرورها حتى أخذتهم بغتة وأهل اليقظة والحرم نفذوا إلى باطنها فعرفوا سرعة ذهابها وقلة بقائها فأشتغلوا بجمع الزاد وتأهبوا ليوم المعاد أولئك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وكان السلف الصالح إذا أقبلت الدنيا قالوا ذنب عجلت عقوبته وإذا أقبل الفقر قالوا مرحباً بشعار الصالحين الوجه الثاني إنما جعل الله سبحانه الأكوان ظاهرها غرة تغطية لسره وإظهاراً لحمكته وذلك أن الحق سبحانه لما تجلى في مظاهر خلقه غطى سره بظهور حكمته أو تقول الأكوان ظاهرها ظلمة وباطنها نور فمن وقف مع الظلمة كان محجوباً ومن نفذ إلى شهود النور كان عارفاً محبوباً أو تقول الأكوان ظاهرها حس وباطنها معنى فمن وقف نع الحس كان جاهلاً ومن نفذ إلى المعنى كان عارفاً أو تقول الأكوان ظاهرها ملك وباطنها ملكوت فمن وقف مع الملك كان من عوام أهل اليمين ومن نفذ إلى شهود الملكوت كان من خواص المقربين وقد أشرت إلى ذلك في قصيدتي التائية حيث قلت

    إذا حبست نفس في سجن الهوى الذي
    تقيد به العقل في قـهـر قـبـضة وأشغلها علم الصـوان لـحـكـمة
    فلم تر إلا الكون في كـل وجـهة فذلك عين الملـك وهـم ثـبـوتـه
    وناظره محجوب في سجن ظلـمة وأن نفذت روح الـمـقـدس سـره
    إل درك نور الحق فاض بـقـدرة فذا ملكوت الله يسمـى لـوسـعـه
    وعارفه يحظى بفـتـح بـصـيرة والله تعالى أعلم ثم بين الشيخ الواقف مع الظواهر والنافذ إلى البواطن فقال فالنفس تنظر إلى ظاهر غرتها والقلب ينظر إلى باطن عبرتها قلت إنما كانت النفس تنظر عبرتها إلى ظاهر غرتها لما فيها من متعة شهوتها وحظوظها فلا يخرجها عن ذلك الأشوق مقلق أو خوف مزعج أو عناية ربانية أما بواسطة شيخ كامل له أكسير يقلب به الأعيان أو بغير واسطة والله ذو الفضل العظيم وإنما كان القلب ينظر إلى باطن عبرتها لما فيه من نور العرفان الذي يفرق بين الحق والباطل ويميز بين النافع والضار وهو ثمرة التقوى والتصفية أو تقول لما فيه من عين البصيرة التي لا ترى إلا المعاني بخلاف عين البصر لا ترى إلا الحس فتحصل أن أهل النفوس وقفوا مع ظواهر الأشياء وأغتروا بعاجلها ولم يهتموا بآجلها فحجبوا عن العمل وغرهم الأماني وطول الأمل وفي مثلهم ورد الخبر عن سيدنا عيسى عليه السلام كان يقول ويلكم علماء السوء مثلكم كمثل قناة حش، ظاهرها جص، وباطنها نتن اه والحش هو بيت الخلاء وأهل القلوب لم يقفوا مع ظواهر الأشياء بل نفذوا إلى بواطنها وأهتموا بآجلها ولم يغتروا بعاحلها فأشتغلوا بالجد والأجتهاد وأخذوا في الأهبة والأستعداد وهم العباد والزهاد وأهل الأرواح والأسرار لم يقفوا مع الأكوان لا ظاهرها العاجل ولا باطنها الآجل بل نفذوا إلى نور الملكوت فأشتغلوا بتطهير القلوب والتأهب لحضرة علام الغيوب حتى صلحوا للحضرة وتنزهوا في رياض الفكرة والنظرة، أولئك حزب الله إلا أن حزب الله هم المفلحون، أولئك المقربون في جنات النعيم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وهؤلاء ومن تعلق بهم هم الأعزاء عند الله تعززوا بطاعة العزيز فعزهم العزيز كما أشار إلى ذلك بقوله أن أردت أن يكون لك عز لا يفني فلا تستعزز بعزيفني قلت العز الذي لا يفني هو العز بالله والغنى بطاعة الله أو بالقرب ممن تحقق عزه بالله يكون بتعظيمه وأجلاله وهيبته ومحبته ومعرفته وحسن الأدب معه في كل شيء وعلى كل حال ويكون بالرضى بأحكامه والخضوع تحت قهر جلاله وكبريائه وبالحياء والخوف منه ويكون بالذل والأنكسار كما قال الشاعر تذلل لمن تهوي لتكـسـب عـزة
    فكم عزة قد نالها المرء بـالـذل إذا كان من تهوى عزيزاً ولم تكن
    ذليلاً له فأقر السلام على الوصل
    وسمعت شيخنا رضي الله عنه يقول قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه والله ما رأيت العز إلا في الذل وقال شيخ شيخنا مولاي العربي وأنا أقول والله ما رأيت الذل إلا في الفقر يعني أن الشيخ فسر الذل بالفقر إذ لا يتحقق ذل الأنسان إلا بالفقر فهو ذل الذل لأن النفس تموت بالفقر ولا يبقي لها عرق أصلاً والله أعلم وأما العز بطاعة الله فهو بالمبادرة لأمتثال أمره وإجتناب نهيه والأكثار من ذكره وبذل المجهود في تحصيل بره وأما العز بالقرب ممن تحقق عزه بالله فيكون بصحبتهم وتعظيمهم وخدمتهم وحسن الأدب معهم وهذا في التحقيق يرجع إلى التعزز بالله لكونه وسيلة إليه فإذا تحقق عزه بالله أستغنى بعز الله عن عز غيره فمن حصل هذا العز وتحقق به فقد تعزز بعز لا يفني أبداً ينسحب عليه وعلى أولاده وأولاد أولاده إلى يوم القيامة قال تعالى "من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً" وقال تعالى "ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون" والمراد بالذين آمنوا هم الأولياء أهل الإيمان الكامل وقال تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون وقال سيدنا على كرم الله وجهه من أراد الغنى بغير مال والكثيرة بغير عشيرة فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة اه فمن تحقق عزه بالله لم يقدر أحد أن يذله وأنظر قضية الرجل الذي أمر هارون الرشيد بالمعروف فحنق عليه فقال أربطوه مع بغلة سيئة الخلق لتقتله فلم تقض فيه شيئاً ثم قال أسحنوه وطينوا عليه البيتة ففعلوا فرؤى في بستان فأتى به فقال له من أخرجك من السجن فقال الذي أدخلني البستان فقال ومن أدخلك البستان فقال الذي أخرجني من السجن فعلم هارون أنه لم يقدر على ذله فأمر هارون أن يركب على دابة وينادي عليه ألا أن هارون أراد أن يذل عبداً أعزه الله فلم يقدر اه وأما التعزز بالعز الذي يفني فهو التعزز بالمخلوق كتعزز ملوك الجور ومن أنتسب إليهم بكثرة الأتباع والأجناد وبالعصي والقهر وكالتعزز بالأموال والجاه في غير محله والرياسة وغير ذلك مما ينقطع ويبيد فمن تعزز بهذا مات عزه وأتصل ذله فإن التعزز بالمخلوق قطعاً يعقبه الذل عاجلاً وآجلاً وأنظر قضية الرجل الذي تكبر في الحرم فصار بعد ذلك يتكفف الناس وقال أني تكبرت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني في موضع ترتفع فيه الناس ذكر القضيتين في التنبيه ويقال لمن بالمخلوق أنظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفاً ودخل عارف على رجل يبكي فقال له وما يبكيك فقال له مات أستاذي فقال له ولم جعلت أستاذك من يموت فنبهه على رفع همته وأنفاذ بصيرته وقد مات شيخه قبل أن يرشد والله تعالى أعلم فأن أردت أيها المريد أن يكون لك عز لا يفني فأستعز بالله وبطاعة الله وبالقرب من أولياء الله ولا تسعزن بعز مخلوق يفنى فإن من تعزز بمن يموت مات عزه قال الله تعالى أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً وقال أبو العباس المرسي رضي الله عنه والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق تنبيه وإرشاد إعلم أن سبب العز الذي يعطيه الله لأوليائه هو حبه لهم فالعز نتيجة الحب ففي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أحب الله عبداً نادي جبريل إن الله يحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في السموات أن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض فيحبه أهل الأرض وفي رواية يلقي له القبول في الماء فيشربه الناس فيحبونه جميعاً أو كما قال عليه السلام وسبب حب الله للعبد هو هو زهده في الدنيا ففي حديث الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أزهد في الدنيا يحبك الله وأزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ثم أعلم أن هذا العز الذي يعطيه الله لأوليائه لا يكون في بدايتهم ولا في أول أمرهم لئلا يفتنهم الخلق عن الوصول إلى الحق بل من لطف الله بهم وأغارته عليهم أن ينفر عنهم الخلق أو يسلط عليهم حتى يتخلصوا من رق الأشياء ويتحققوا بالوصول والتمكين فحينئذ أن شاء أظهر عزهم لينفع بهم عباده ويهدي بهم من شاء من خلقه وإن شاء أخفاهم وأستأثر بعزهم حتى يقدموا عليه فينشر عزهم ويظهر مكانتهم في دار لا فناء لها وسيأتي الكلام على هذا في محله إن شاء الله ثم ذكر الشيخ سبب العز الذي لا يفني وهو الزهد في الدنيا كما ذكرنا فقال الطي الحقيقي أن تطوي مسافة الدنيا عنك حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك قلت الطي هو اللف والضم بحيث يصير الطويل قصيراً والكبير صغيراً يقال طويت الثوب أي ضممته وينقسم عند الصوفية إلى أربعة أقسام طي الزمان وطي المكان وطي الدنيا وطي النفوس فأما طي الزمان فهو أن يقصر في موضع ويطول في موضع آخر كمن مر عليه سنون في موضع وفي موضع آخر ساعة أو يوم كالرجل الذي خرج يغتسل في الفرات يوم الجمعة قرب الزوال فلما فرغ من غسله لم يجد ثيابه فسلك طريقاً حتى دخل مصر فتزوج فيها وولد له أولاد وبقي سبع سنين ثم ذهب يغتسل يوم الجمعة بنيل مصر فلما فرغ فإذا ثيابه الأولى فسلك طريقاً فإذا هو ببغداد قبل صلاة الجمعة من ذلك اليوم الذي خرج فيه والحكاية مطولة للفرغاني في شرح التائبة وأما طي المكان فمثاله أن يكون بمكة مثلاً فإذا هو بغيرها من البلدان وهذا مشهور لأولياء الله قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه والله ما صار الأولياء من قاف إلى قاف حتى يلقوا رجلاً مثلنا فإذا لا قوه كان بغيتهم وأما طي الدنيا فهو أن تطوي عنك مسافتها بالزهد فيها والغيبة عنها وحصول اليقين التام في قلبك حتى يكون الآتي عندك واقعاً أو كالواقع وسيأتي للشيخ لو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها ولرأيت الدنيا وكسفة الفناء ظاهرة عليها وسيأتي تتمة الكلام على هذه الحكمة ثم أن شاء الله وأما طي النفوس فهو بالغيبة في الله عنها ولذلك يتحقق الزوال وتمام الوصال وقد ذكره الشيخ بقوله فيما يأتي ليس الشأن أن تطوي لك الأرض فإذا أنت بمكة أو غيرها من البلدان إنما الشأن أن تطوي عنك أوصاف نفسك فإذا أنت عند ربك اه وهذا هو الطي الحقيقي المعتبر عند المحققين لاطي الزمان أو المكان إذ قد يكون أستدراجاً أو مكراً أو تخيلاً وسحراً فالطي الحقيقي هو أن تطوي عنك مسافة الدنيا كلها حتى يكون الموت أقرب إليك من نفسك التي بين جنبيك وكما قال الصديق رضي الله عنه
    كل أمرء مصبح في أهـلـه
    والموت أدنى من شراك نعله
    وحتى ترحل عنها بالكلية فلا تبقي فيك منها بقية هنالك ترحل إلى عالم الملكوت وتكشف لك أسرار الجبروت وقد قيل في قوله عليه السلام الدنيا خطوة مؤمن بمعنى أنه يتخطاها بالزهد فيها وفال بعضهم لا تتعجبوا ممن يدخل يده في جيبه فيخرج ما يريد ولكن تعجبوا ممن يضع يده في جيبه ولم يجد شيئاً ولم يتغير وقيل لأبي محمد المرتعش أن فلاناً يمشي على الماء قال عندي من مكنه الله من مخالفة هواه فهو أعظم من المشي على الماء وفي الهواء اه ومخالفة الهوى أنما تكون بالزهد في كل شيء والغيبة عن كل شيء وكان شيخ شيخنا رضي الله عنه يقول لا تفرحوا للفقير إذا رأيتموه يصلي كثيراً أو يذكر كثيراً أو يصوم كثيراً أ يعتزل كثيراً حتى تروه زهد في الدنيا ورحل عنها ولم يبق له التفات إليها فحينئذ يفرح به ولو قلت صلاته وصيامه وذكره وعزلته قلت ومثل هذا تقدم في قوله ما قل عمل برز من قلب زاهد وكذلك قال في التنوير لا تدل على فهم العبد كثرة عمله ولا مداومته على ورده وإنما يدل على نوره وفهمه غناه بربه وأنحياشه إليه بقلبه وتحرره من رق الطمع وتحليه بحلية الورع وبذلك تحسن الأعمال وتزكوا الأحوال اه فما قاله شيخ شيخنا صحيح لكن لا يفهمه إلا أهل الفن من أهل الذوق إذ لا يجتمع مجاهدة ومشاهدة وإنما تكون المجاهدة أولاً فإذا حصلت المشاهدة في الباطن ركدت الجوارح في الظاهر وما بقي إلا فكرة أو نظرة والأدب مع الحضرة وربما يعترض على الشيخ من لم يعرف مقصوده من جهلة علم الطريق وبالله التوفيق وإنما يتحقق طي مسافة الدنيا بتحقق الزهد فيها ولا يتحقق الزهد فيها إلا برفع الهمة عن الخلق والتعلق بالملك الحق وبالأياس مما في أيدي الناس كما أبان ذلك بقوله العطاء من الخلق حرمان والمنع من الله أحسان قلت إنما كان العطاء من الخلق حرماناً لثلاثة أوجه أحدها ما في ذلك من حظها وفرحها والتوصل إلى شهواتها وحظوظها وفي ذلك موت القلب وقسوته الوجه الثاني ما في ذلك من نقص الدرجات والغض عن كمال المراتب والمقامات ولذلك ترك الأكابر التمتع بالشهوات لقوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وقد يتعرض المريد للسؤال لأجل موت نفسه وحياة روحه فإذا كثر عليه العطاء من الخلق فرحت النفس وأنست فلا تموت به سريعاً بخلاف ما إذا واجهه المنع فأنها تموت سريعاً إذ لاحظ لها فيه فالجهاد الذي لاغنيمة فيه أعظم من الجهاد الذي فيه الغنيمة فقد ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا خرجت طائفة للغزو فجاهدوا وغنموا فقد تعجلوا ثلثي أجرهم وإذا لم يغنموا رجعوا بأجرهم كاملاً أو كما قال صلى الله عليه وسلم الوجه الثالث ما في ذلك من الركون إليهم وميل القلب بالمحبة لهم إذ النفس مجبولة على حب من أحسن إليها فتسترق لهم وتكون أسيرة في أيديهم وفي وصية سيدنا على كرم الله وجهه لا تجعل بينك وبين الله منعماً وعد نعمة غيره عليك مغرماً وأنشد رضي الله عنه
    لعمرك من أوليته منك نـعـمة
    ومد لها كفـاً فـأنـت أمـيره ومن كنت محتاجاً إلـيه فـإنـه
    أميرك تحقيقـاً وأنـت أسـيره ومن كنت عنه ذا غني وهو مالك
    أزمةأهل الدهر أنت نـظـيره فعش قانعاً أن القناعة للـفـتـى
    غناء وهذا مقتضى مـا أشـيره وقال آخر فلا ألبس النعما وغيرك ملبسي
    ولا أملك الدنيا وغيرك واهبي

  4. #24
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    وقال شيخ شيوخنا ومادة طريقنا بعد نبينا مولاي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه لأبي الحسن رضي الله عنه يا أبا الحسن أهرب من خير الناس أكثر من أن تهرب من شرهم فإن خيرهم يصيبك في قلبك وشرهم يصيبك في بدنك ولأن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك ولعدو تصل به إلى ربك خير من حبيب يقطعك عن ربك اه وقال بعضهم عز النزاهة أكمل من سرور الفائدة ولأجل هذا المعنى قال عليه السلام إذا أسدي إليكم أحد معروفاً فكافئوه أي لتسقطوا منته عليكم وتقطعوا رقبته لكم والله تعالى أعلم وإنما كان المنع من الله أحساناً لوجهين أحدهما ما تقدم من أن الله سبحانه ما منعك بخلا ولا عجزاً وإنما هو حسن نظر لك إذ لعل ما طلبته لا يليق بحالك في الوقت وأخره لوقت هو أولى لك وأحسن أو أدخر لك ذلك ليوم فقرك الثاني ما في ذلك من دوام الوقوف ببابه واللياذ بجنابه وفي ذلك غاية شرفك ورفع لقدرك وفي الحديث إذا دعا العبد الصالح يقول الله تعالى للملائكة أخرجوا حاجته فإني أحب أن أسمع صوته وإذا دعا الفاجر قال للملائكة أقضوا حاجته فأني أكره صوته أو كما قال عليه السلام لطول العهد به تنبيه ما ذكره الشيخ من كون العطاء من الخلق حرماناً إنما هو بأعتبار السائرين أو بإعتبار الزهاد والعباد وأما الواصلون إلى الله المتمكنون مع الله فقد تولاهم الحق وغيبهم عن شهود الخلق فهم يتصرفون بالله يأخذون من الله ويدفعون بالله ولا يرون في الوجود إلا الله مذ عرفت الأله لم أر غيراً
    وكذا الغير عندنا ممـنـوع مذ تجمعت ما خشيت أفتراقاً
    فأنا اليوم واصل مجمـوع فلا يرون العطاء إلا من الله ولا يرون الخلق البتة إلا ما يشهدون فيهم من واسطة الحكمة كما قال القائل أذا ما رأيت الله في الكل فاعلاً
    رأيت جميع الكائنات ملاحـاً
    وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله هذا آخر الباب التاسع وحاصلها علامة كمال العارف وآدابه ف الطلب وفي البسط والقبض وفي المنع والعطاء ومن جملة العطاء ما يعطيه الحق سبحانه عباده من الخيرات في مقابلة أعمالهم الصالحات كما أشار إلى ذلك في أول الباب العاشر بقوله وقال رضي الله عنه جل ربنا أن يعامله العبد نقداً فيجازيه نسيئة قلت النقد ما كان معجلاً والنسيئة ما كان مؤخراً ومن شأن الكريم إذا أشترى شيئاً أن ينجز نقده ويزيد أحسانه ورفده وقد أشترى الحق تعالى منا أنفسنا وأموالنا فعوضنا بها الجنة فمن باع نفسه وماله ونقدهما وسلمهما إليه عوضه الله جنة المعارف عاجلاً وزاده جنة الزخارف آجلاً مع ما يتحفه به من أنواع النعيم ودوام الشهود والنظر إلى وجهه الكريم فجل ربنا أي تنزه وترفع أن يعامله العبد نقداً أي معجلاً فيجازيه نسيئة أي مؤخراً بل لا بد أن يعجل له ما يليق به في هذه الدار ويدخر له ما يليق به في تلك الدار والذي عجل له سبحانه في هذه الدار أمور منها ما يدفع عنه من المضار ويجلب له من المنافع والمسار لقوله تعالى وهو يتولى الصالحين وقال تعالى "ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب" وقال تعالى "ألا أن أولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون وقد يتعدى ذلك إلى عقبه كما تقدم ومنها ما يشرق عليه من الأنوار ويكشف لقلبه من الأسرار وهي أنوا ر التوجه وأنوار المواجهة قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا أن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً" وهو نور يفرق بين الحق والباطل وقال تعالى وأتقوا الله ويعلمكم الله وقال تعالى الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور يخرجهم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ومن ظلمة المعصية إلى نور الطاعة ومن ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة ومن ظلمة الحس إلى نور المعنى أو من ظلمة الكون إلى نور المكون ومنها التوفيق والهداية لها قبل عملها حتى جعلك أهلاً للوقوف بين يديه وهو الذي أبانه بقوله كفى من جزائه إياك على الطاعة أن رضيك لها أهلا قلت لأن الملك لا يدعو لخدمته إلا من يريد أن يكرمه ولا يدخل لحضرته إلا من يريد أن يعظمه ولا ينسب له إلا أهل الفضل والتكرمة، فلولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكي منكم من أحد أبداً، فالتوفيق لها أعظم منة وأكبر جزاء على وجودها لأنها تحقق للعبد ثلاثاً أولها تصحيح النسبة لمولاه بوجه ما الثاني وجود الأقبال عليه بصورة ما الثالث أقامة رسم العبودية في الجملة والله أعلم قاله الشيخ زروق رضي الله عنه ومنها ما يرد على قلبه حال عملها من المؤانسة به والقرب له وهو الذي ذكره بقوله كفى العاملين جزاء ما هو فاتحه على قلوبهم في طاعته قلت والذي فتحه على قلوبهم في حالة العمل ثلاث محاضرة أو مراقبة أو مشاهدة فالمحاضرة للطالبين والمراقبة للسائرين والمشاهدة للواصلين فالمحاضرة للعموم والمراقبة للخصوص والمشاهدة لخصوص الخصوص والكل يسمى خشوعاً قال بعضهم الخشوع أطراق السر على بساط النجوى بأستكمال نعت الهيبة والذوبان تحت سلطان الكشف والأمحاء عند غلبات التجلي اه ويختص المقام الثالث بقرة العين وقال الشيخ زروق ما يجده في حالة الطاعة ثلاث أولها وجود الأنس به فيها بروح أقباله ومنه ما يقع من الرقة والخشوع، الثاني وجود التملق بين يديه وله حلاوة ينسي بها كل شيء، الثالث حصول الفهم والفوائد العلمية والألهامات اللدنية التي بها يترك كل شيء قال بعضهم في الدنيا جنة من دخلها لم يشتق إلى جنة الآخرة ولا إلى شيء ولم يستوحش أبداً قيل وما هي قال معرفة الله وقال بعض العلماء ليس في الدنيا ما يشبه نعيم الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة وكان بعضهم يقول التملق للحبيب والمناجاة للقريب في الدنيا ليس من الدنيا هو من الجنة أظهره الله في الدنيا لا يعرفه إلا هم ولا يجده سواهم روحاً لقلوبهم اه ومنها ما يجده من الثمرات بعد عملها وهو الذي أشار إليه بقوله وما هو مورده عليهم من وجود مؤانسته قلت هذه المؤانسة التي يجدها العامل بعد العمل على ثلاثة أقسام مؤانسة ذكر وهو لأهل الفناء في الأفعال ومؤانسة قرب وهو لأهل الفناء في الصفات وهم أهل الأستشراف، ومؤانسة شهود وهو لأهل الفناء في الذات فالأول لأهل الأسلام والثاني لأهل الإيمان والثالث لأهل الأحسان، فمؤانسة الأول توجب له الفرار من الناس والوحشة منهم ومؤانسة الثاني توجب القرب لهم على حذر منهم ومؤانسة الثالث توجب الصحبة لهم ومخالظتهم لأنه يأخذ منهم ولا يأخذون منه فالأول لا تليق به إلا العزلة لضعفه والثاني تليق به الصحبة مع العسة ليتعلم القوة فهو يشرب منهم ولا يشربون منه لبعده منهم بقلبه والثالث لا تليق به إلا الصحبة لتحققه بالقوة فو يأخذ النصيب من كل شيء ولا يأخذ النصيب منه شيء يصفو به كدر كل شيء ولا يكدر صفوه شيء ومؤانسة الذكر توصل لمؤانسة القرب ومؤانسة القرب توصل لمؤانسة الشهود فمن صعد عقبة أفضت به إلى راحة ما بعدها قال بعض العارفين ليس شيء من الطاعات إلا ودونه عقبة كؤود يحتاج فيها إلى الصبر فمن صبر على شدتها أفضى إلى الاحة والسهولة وأنما هي مجاهدة النفس ومخالفة الهوى ثم والله مكابدة في ترك الدنيا ثم اللذة والتنعم أي ثم تكون لذة الطاعة وتنعم المعرفة ثم ينبغي لك أيها المريد ألا تقصد شيئاً من هذه الأمور التي يجازيك الحق تعالى بها كانت معجلة أومؤجلة فإن ذلك نقص في أخلاصك وناقض لصدق عبوديتك كما أشار إليه بقوله من عبده لشيء يرجوه منه أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه فما قام بحق أوصافه قلت الناس في عبادة الله بإعتبار أخلاصهم على ثلاثة أقسام فمنهم من يعبد الله خوفاً من عقوبته معجلة أو مؤجلة أو طمعاً في رحمته وحفظه عاجلاً وآجلاً وهم عوام المسلمين وفيهم قال عليه السلام لولا النار ما سجد لله ساجد ومنهم من يعبد الله محبة في ذاته وشوقاً إلى لقائه لا طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره ونكاله وهم المحبون العاشقون من السائرين ومنهم من يعبد الله قياماً بوظائف العبودية وأدباً مع عظمة الربوبية أو تقول صدقاً في العبودية وقياماً بوظائف الربوبية وهم المحون العارفون فالقسم الأول عبادته بنفسه لنفسه والثاني عبادته بنفسه لله والثالث عبادته بالله لله ومن الله إلى الله فمن عبد الله تعالى لشيء يرجوه منه في الدنيا أو في الآخرة أو ليدفع عنه بطاعته ورود العقوبة في الدنيا أو في الآخرة فما قام بحق أوصاف الربوبية التي هي العظمة والكبرياء والعزة والغني وجميع أوصاف الكمال ونعوت الجلال والجمال إذ نعوت الربوبية من العظمة والجلال تقتضي خضوع العبودية بالأنكسار والأذلال أرأيت أن لم تكن جنة ولا نار ألم يكن أهلاً لأن يعبد الواحد القهار أرأيت من أنعم بنعمة الإيجاد والأمداد أليس أهلاً لأن يشكره جميع العباد فمن كان عبداً مملوكاً لسيده لا يخدمه في مقابلة نواله ورفده بل يخدمه لأجل عبوديته ورقه وسيده لا محالة يقوم بمؤونته ورزقه أيبرزك لوجوده ويمنعك من جوده أيدخلك داره ويمنعك أبراره لقد أسأت الظن بالرب الكريم أن أعتقدت أنك أن لم تعبده منعك من جوده العظيم لقد أجري عليك منته ورزقه وأنت في ظلمة الأحشاء ثم حين أظهرك لوجوده وبسط لك من جوده جعلك تتصرف فيه كيف تشاء وتصنع به ما تشاء ومما وجد مكتوباً بقلم القدرة في حجر في الكعبة
    تذكر جميلي فيك إذ كـنـت نـطـفة
    ولا تنس تصويري لشخصك في الحشا وكن واثقاً بي في أمـورك كـلـهـا
    سأكفيك منها ما يخاف ويخـتـشـي وسلم إلى الأمر وأعـلـم بـأنـنـي
    أصرف أحكامي وأفعـل مـا أشـا
    فأستحي من الله أيها الأنسان أن تطلب أجراً على عبادة أجراها عليك الواحد المنان وأذكر قوله تعالى الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وقوله تعالى وربك يخلق ما يشاء ويختار وقوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكن أحدكم كالعبد السوء أن خاف عمل ولا كالأجير السوء أن لم يعط الأجرة لم يعمل وقال سيدنا عمر رضي الله عنه نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه وقال وهب بن منبه في زبور داوود عليه السلام يقول الله تعالى ومن أظلم ممن عبدني لجنة أو نار لو لم أخلق جنة ولا ناراً ألم أكن أهلاً أن أطاع اه وفي أخبار داوود أيضاً عليه السلام أن الله أوحى إليه أن أود الأوداء إلى من عبدني لغير نوال لكن ليعطي الربوبية حقها اه ثم أن رفعت همتك عن طلب الحظوظ صبت عليك الحظوظ فقد ورد في بعض الأخبار أن الله يحفظ الأولاد وأولاد الأولاد بطاعة الأجداد لقوله تعالى وكان أبوهما صالحاً فقد حفظ الحق تعالى كنزهما بصلاح أبيهما فقد صبت الحظوظ على الأولاد وهو حفظهم بترك الآباء الحظوظ وكان سعيد بن المسيب يقول لولده أني لأطيل الصلاة من أجلك اه ومعناه أني أعبده مخلصاً لعله يحفظك ثم أن مدد الحق وهو لطفه وإبراره جار على الطائعين في كل وقت وحين سواء أعطاهم في الحس أو منعهم وسواء بسطهم أو قبضهم وهو ظاهر لمن يفهم عن الله كما أشار إليه بقوله متى أعطاك أشهدك بره ومتى منعك أشهدك قهره فهو في كل ذلك متعرف إليك ومقبل بوجود لطفه عليك قلت من أسمائه تعالى اللطيف والرحيم فهو تعالى لطيف بعباده رحيم بخلقه في كل وقت وعلى كل حال سواء أعطاهم أو منعهم وسواء بسطهم أو قبضهم فإن أعطاهم أو بسطهم أشهدهم بره وأحسانه فعرفوا أنه سبحانه بار بعباده لطيف بخلقه رحيم كريم جواد محسن فتعظم محبتهم فيه ويكثر شوقهم وأشتياقهم إليه ويكثر شكرهم فيزداد نعيمهم وفي هذا مالا مزيد عليه من البر والأحسان والجود والأمتنان وأن منعهم أو قبضهم أشهدهم قهره وكبرياءه فعلموا أنه تعالى قهار كبير عظيم جليل فخافوا من سطوته وذابوا من خشيته وخضعوا تحت قهره فدامت عبادتهم وقلت ذنوبهم ومحيت مساويهم وأضمحلت خطيئتهم فوردوا يوم القيامة خفافاً مطهرين فرحين مبهجين إذ لا يجمع الله على عبده خوفين ولا أمنين فمن أخافه في الدنيا أمنه يوم القيامة ومن أمنه في الدنيا فأغتر أخافه يوم القيمة كما في الحديث فلا تتهم ربك أيها العبد في المنع ولا في العطاء فإنه متى أعطاك أشهدك بره ورحمته وكرمه فعرفت بذلك أنه بر كريم رؤوف رحيم فتتعلق بكرمه وجوده دون غيره فتتحرر من رق الطمع ويذهب عنك الغم والجزع وتتخلق أيضاً بوصف الكرم والرحمة والأحسان فإن الله يحب أن يتخلق عبده بخلقه وفي الحديث تخلقوا بأخلاق الرحمن وقالت عائشة رضي الله عنها كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن والقرآن فيه أوصاف الرحمن فكأنها قالت كان خلقه خلق الرحمن إلا أنها أحتشمت الحضرة وتأدبت مع الربوبية ومتى منعك أو قبضك أشهدك قهره وكبرياءه فعرفت أنه قهار جبار فيعظم خوفك وتشتد هيبتك وحياؤك منه فلا جرم أن الله يعظمك ويكرمك ويحفظك ويستحيي منك كما أستحييت منه فإن الله ينزل عبده على قدر منزلته منه وإنما يطيع العبد ربه على قدر معرفته به وخوفه منه فهو سبحانه في كل ذلك من أعطاء ومنع وقبض وبسط متعرف إليك أي طالب منك أن تعرفه بصفاته وأسمائه وما من أسم من أسمائه تعالى إلا أقتضى ظهور ما يطلبه فأسمه الكريم أقتضى الأعطاء والأحسان وهو ظاهر في خلقه وأسمه المانع أقتضي ظهور المنع فظهر في عباده أيضاً وأسمه المنتقم أقتضي ظهوره في قوم وجههم لمخالفته وأسمه القهار أقتضي ظهوره في قوم يقهرهم على ما يريد من منع أو غيره وظهر قهره أيضاً في عباده بالموت فهو من مقتضي أسمه القهار وهكذا كل أسم يقتضي ظهوره في الوجود وكلها في بني آدم فإذا تحققت هذا في حالة الأعطاء والمنع علمت أيضاً أنه تعالى مقبل بوجود لطفه وإبراره عليك إذ هو متعرف إليك في كل شيء ومقبل عليك في كل وجه فأطلب أيضاً أنت معرفته في كل حال وأعرف منته عليك في الجمال والجلال وأقبل عليه بكليتك وأستسلم لقهره بروحك وبشريتك تكن عبده حقاً وهو ربك حقاً وصدقاً والله تعالى أعلم ويؤخذ من هذه الحكمة أن المدار أنما هو على قوة
    الروحانية التي هي المعرفة في الجلال والجمال لا على قوة البشرية لأن بمنعه يحصل للعبد الكمال وبالله التوفيق ثم هذا كله إنما يذوقه من يفهم عن الله كما تقدم وإليه أشار بقوله إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه قلت لأن الفهم عن الله يقتضي وجود المعرفة به ولا تكون المعرفة كاملة حتي يكون صاحبها يعرفه في الجلال والجمال والمنع والعطاء والقبض والبسط وأما إن كان لا يعرفه إلا في الجمال فهذه معرفة العوام الذين هم عبيد أنفسهم فإن أعطوا رضواً وإن لم يعطوا إذا هم يسخطون وأيضاً من ثمرات المعرفة التسليم والرضى لما يجري به القضاء ومن ثمرات المحبة والهوى الصبر عند الشدائد والبلوى
    تدعى مذهب الهوى ثم تشـكـوا
    أي دعواك في الهوي قل لي أينا لو وجدناك صابـراً لـهـوانـاً
    لأعطيناك كل مـا تـتـمـنـا فلا يكون المحب صادقاً في محبته ولا العارف صادقاً في معرفته حتى يستوي عنده المنع والعطاء والقبض والبسط والفقر والغنى والعز والذل والمدح والذم والفقد والوجد والحزن والفرح فيعرف محبوبه في الجميع كما قال القائل حبيبي ومحبوبي على كل حالة، ويرضي ويسلم له في الجميع فإن لم يجد ذلك عنده سواء فلا يدعي مرتبة العشق والهوى فيعرف قدره ولا يتعدى طوره ولا يترامى على مراتب الرجال من أدعي ما ليس فيه فضحته شواهد الأمتحان ولأبن الفارض رضي الله عنه فإن شئت أن تحيا سعيداً فمت به
    شهيداً وإلا فالغرام لـه أهـل

  5. #25
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    وقال إبراهيم الخواص رضي الله عنه لا يصح الفقر للفقير حتى تكون فيه خصلتان إحداهما الثقة بالله والأخرى الشكر لله فيما زوي عنه مما أبتلي به غيره من الدنيا وقيل لبعضهم ما الزهد عندكم قال إذا وجدنا شكرنا وإذا فقدنا صبرنا فقال هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ فقال وما الزهد عندكم أنتم قال إذا فقدنا شكرنا وإذا وجدنا آثرنا فهذا هو الفهم عن الله حيث شكر حين الفقد فقد عد الفقد نعمة والفاقة غني لما يجد فيها من المواهب والأسرار ولما يترقب بعدها من ورود الواردات والأنوار ولو لم يكن إلا التفرغ من الشواغل والأغيار وبهذا تزكوا الأحوال وتعظم الأعمال ويتأهل صاحبها للقبول والأقبال وإلا فلا عبرة بصور وجودها مع عدم قبولها كما نبه على ذلك بقوله ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول قلت لا عبرة بالطاعة إذا لم يصحبها قبول كما لا عبرة بالسؤال حيث لم يحصل به مأمول إذ الطاعة إنما هي وسيلة لمحبة المطاع وأقباله على المطيع بحيث يفتح في وجهه الباب ويرفع عن قلبه وجود الحجاب ويجلسه على بساط الأحباب فإذا فتح لك باب العمل وبلغت في تحصيله غاية الأمل غير أنك لم تجد له ثمرة ولم تذق له حلاوة من الأنس بالله والوحشة مما سواه ومن الغنى به والأنحياش إليه والأكتفاء بعلمه والقناعة بقسمته فلا تغتر بذلك أيها المريد فربما فتح لك باب طاعته وأنهضك إلى خدمته ولم يفتح لك باب القبول ومنعك بها من الوصول حيث أعتمدت عليها وركنت إليها وأنست بها وأشغلتك حلاوتها عن الترقي إلى حلاوة شهود المنعم بها ولذلك قال بعضهم أحذروا حلاوة الطاعات فإنها سموم قاتلة لأنها تقبض صاحبها في مقام الخدمة ويحرم من مقام المحبة وفرق كبير بين من شغله بخدمته وبين من أصطفاه لمحبته وأجتباه لحضرته فإجراء الذنب على العبد أحسن من مثل هذه الطاعة التي تكون سبب الحجاب كما نبه عليه بقوله وقضي عليك الذنب فكان سبباً في الوصول قلت وذلك أن العبد إذا كان سائراً لمولاه قاصداً لوصول حضرة حبيبه ورضاه قد يحصل له كلل أو يصيبه ملل أو يركبه كسل فسلط الحق عليه ذنباً أو تغلبه نفسه فيسقط فإذا قام من سقطته جد في سيره ونهض من غفلته ونشط من كسله فلا يزال جاداً في طلب مولاه غائباً عما سواه حتى يدخل حضرته ويشاهد طلعته وهي الحضرة التي هي تجليات الحق وأسرار ذاته ومثال ذلك رجل مسافر أصابه في الطريق نوم أو كسل فيسقط فيضربه حجر فإذا قام ذهب كسله وجد في سيره وفي الحديث رب ذنب أدخل صاحبه الجنة قالوا وكيف ذلك يا رسول الله قال لا يزال تائباً فاراً منه خائفاً من ربه حتى يموت فيدخل الجنة أو كما قال عليه السلام وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم اه قال صلى الله عليه وسلم في شأن الطاعة التي لم تقبل رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع وقائم ليس له من قيامه إلا السهر فمثل هذه الطاعة المعصية التي يصحبها الأنكسار أحسن منها بكثير كما أبان ذلك بقوله معصية أورثت ذلاً وأفتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً وأستكباراً قلت أنما كانت المعصية التي توجب الأنكسار أفضل من الطاعة التي توجب الأستكبار لأن المقصود من الطاعة هو الخضوع والخشوع والأنقياد والتذلل والأنكسار أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي فإذا خلت الطاعة من هذه المعاني وأتصفت بأضدادها فالمعصية التي توجب هذه المعاني وتجلب هذه المحاسن أفضل منها إذ لا عبرة بصورة الطاعة ولا بصورة المعصية وإنما العبرة بما ينتج عنهما أن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم فثمرة الطاعة هي الذل والأنكسار وثمرة المعصية هي القسوة والأستكبار فإذا أنقلبت الثمرات أنقلبت الحقائق صارت الطاعة معصية والمعصية طاعة ولذلك قال المحاسبي رضي الله عنه إنما مراد الله سبحانه من عباده قلوبهم فإذا تكبر العالم أو العابد وتواضع الجاهل والعاصي وذل هيبة لله عز وجل وخوفاً منه فهو أطوع لله عز وجل من العالم والعابد بقلبه اه وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه كل أساءة أدب تثمر أدباً فليست بإساءة أدب وكان رضي الله عنه كثير الرجاء لعباد الله الغالب عليه شهود وسع الرحمة وكان رضي الله عنه يكرم الناس على نحو رتبتهم عند الله حتى أنه ربما يدخل عليه مطيع فلا يبالي به وربما دخل عليه عاص فأكرمه لأن ذلك الطائع أتى وهو متكبر بعمله وناظر لفعله وذلك العاصي دخل بكثرة معصيته وذلته ومخالفته قاله المصنف في لطائفه وقال أبو يزيد رضي الله عنه نوديت في سري خزائني مملوءة بالخدمة فإن أردتنا فعليك بالذلة والأفتقار وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك العجب كذا في الصحيحين وقال عليه السلام لولا أن الذنب خير من العجب ما خلا الله بين مؤمن وذنب أبداً وقال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه أنكسار العاصي خير من صولة المطيع وقال شيخ شيوخنا رضي الله عنه معصية بالله خير من ألف طاعة بالنفس اه ومعنى كلام الشيخ أن العبد إذا أجريت عليه زلة لم يقصدها بقلبه وإنما جرته القدرة إليها رغماً على أنفه ثم ندم وأنكسر فهي في حقه خير من ألف طاعة يشهد فيها نفسه ويتبجح بها على عباد الله ولله در صاحب العينية حيث يقول وأسلمت نفسي حيث أسلمني الهوى
    ومالي عن حكم الحبيب تـنـازع فطوراً تراني في المساجد راكعـاً
    وإني طوراً في الكـنـائس رائع أراني كالآلات وهو مـحـركـي
    أنا قلـم والأقـتـدار أصـابـع ولست بحبري ولكـن مـشـاهـد
    فعال مريد مـالـه مـن يدافـع فآونة يقضـي عـلـى بـطـاعة
    وحيناً بما عنه نهتنـا الـشـرائع لذاك تراني كنـت أتـرك أمـره
    وآتى الذي أنهاه والجفـن دامـع ولي نكتة غراء سوف أقـولـهـا
    وحق لها أن ترعويها المسـامـع هي الفرق ما بين الولي وفاسـق
    تنبه لها فالأمـر فـيه فـظـائع وما هو إلا أنـه قـبـل وقـعـه
    يخبر قلبي بـالـذي هـو واقـع فأجني الذي يقضيه في مـرادهـا
    وعيني له قبل الفعال تـطـالـع فكنت أرى منها الأرادة قبـل مـا
    أرى الفعل مني والأسير مطاوع فأتى الذي تهواه نفسي ومهجتـي
    لذلك في نار حوتهـا الأضـالـع إذا كنت في حكم الشريعة عاصـياً
    فإني في علم الحـقـيقة طـائعفأشار إلى الفرق بين معصية الولي ومعصية الفاسق وذلك من ثلاثة أوجه الولي لا يقصدها ولا يفرح بها ولا يصر عليها والفاسق بالعكس في الجميع وقيل للجنيد أيزني العارف فقال وكان أمر الله قدراً مقدوراً لكن معصية الولي حدها الظاهر ولذلك قال ابن عطاء الله ليت شعري لو قيل له أتتعلق همة العارف بغير الله لقال لا اه ولما كانت النعم تقتضي من العبد شكرها وشكرها هو العمل بطاعة الله فيها قال الجنيد الشكر ألا يعصي الله بنعمة بين الشيخ أصول النعم وفروعها فقال نعمتان ما خرج موجود عنهما ولا بد لكل مكون منهما نعمة الأيجاد ونعمة الأمداد قلت أما نعمة الأيجاد فهي الأظهار من عالم الغيب إلى عالم الشهادة أو من عالم الأمر إلى عالم الخلق أو من عالم الأرواح إلى عالم الأشباح أو من عالم القدرة إلى عالم الحكمة أو من عالم التقدير إلى عالم التكوين وأما نعمة الأمداد فهي قيامه تعالى بالأشياء بعد وجودها وإمداده إياها بما تقوم به بنيتها وهاتان النعمتان عامتان وأختص الأنسان بما أجتمع فيه من الضدين وهما النور والظلمة واللطافة والكثافة فلو بقيت أيها الأنسان على ما كنت عليه من العدم في عالم القدم لم تتمتع بنعمتين نعمة الأشباح ونعمة الأرواح ولو تجلى فيك بوجهة واحدة لكنت ناقصاً في شهود المعرفة لأن مزية الآدمي في المعرفة أعظم إذ بقدر المجاهدة يكون الترقي في المشاهدة لما فيه من الكثافة واللطافة فكلما لطف من كثافة ترقي في مشاهدة ربه ولما فيه من النور والظلمة فكلما أنتفت الظلمة قوي النور بخلاف غيره من الجن والملائكة غير المقربين قال الله تعالى في حق الملائكة وما منا الأله مقام معلوم فما مثل الآدمي إلا كياقوتة سوداء وهي أعظم اليواقيت كلما صقلتها أشرقت وزاد نورها وجمالها ومثل الملائكة كالزجاج إذا صقل مرة كفاه ولا يزيد نوره على أصله فلو بقيت أيها الأنسان على ما كنت عليه من العدم أو من اللطافة بعد قبضة القدم لم يكن لك مزية على غيرك ومما يدلك على أن تجلي الآدمي أعظم أختصاصه بالجنة والنظر قال تعالى وترى الملائكة حافين من حول العرش والكلام إنما هو مع الخواص فخواص الآدمي أعني الأنبياء أعظم من خواص الملائكة وخواص الملائكة أعني المقربين أعظم من خواص الآدمي أعني العارفين والعارفون أعظم من عوام الملائكة وعوام الملائكة أعظم من عوام بني آدم والله تعالى أعلم فأنعم الحق سبحانه عليك أيها الأنسان أولاً بنعمة الإيجاد وأصحبك الرأفة والوداد لتظهر مزيتك وتكمل نعمتك ثم أنعم عليك ثانياً بنعمة الأمداد حسية ومعنوية أما المدد الحسي فغذاء البشرية من أول النشأة إلى منتهاها وأما المدد المعنوي فغذاء الروح من قوت اليقين والعلوم والمعارف والأسرار ثم أن هذا المدد المعنوي من حيث هو ينقسم على ثلاثة أقسام منه ما لا يزيد ولا ينقص وهو مدد الملائكة قال تعالى فيهم وما منا إلا له مقام معلوم ومنه ما يزيد وينقص وهو مدد عوام بني آدم ومنه ما يزيد ولا ينقص وهو مدد خواصهم كالرسل والأنبياء وأكابر الأولياء ومن تعلق بهم ممن دخل تحت حضانتهم ولزم عشهم من الفقراء والمريدين السائرين فمددهم في الزيادة على الدوام وهذا المدد ثابت للروح قبل أتصالها بالبشرية فلذلك أقرب بالربوبية في عالم الذر قال في التنوير أعلم أن الحق سبحانه تولاك بتدبيره على جميع أطوارك وقام لك في كل ذلك بوجود أبرارك فقام لك بحسن التدبير يوم المقادير يوم الست بربكم قالوا بلى ومن حسن تدبيره لك أن عرفك به فعرفته وتجلى لك فشهدته وأستنطقك وألهمك الأقرار بربوبيته فوحدته ثم أنه جعلك نطفة مستودعة في الأصلاب تولاك بتدبيره هنالك حافظاً لك وحافظاً لما أنت فيه موصلاً لك المدد بواسطة ما أنت فيه من الأباء إلى أبيك آدم ثم قذفك في رحم الأم فتولاك بحسن التدبير وجعل الرحم قابلة لك أرضاً يكون نباتك ومستودعاً تعطي فيها حياتك ثم جمع بين النطفتين وألف بينهما فكنت عنهما لما بنيت عليه الحكمة الألهية من أن الوجود كله مبني على سر الأزدواج ثم جعلك بعد النطفة علقة مهيئة لما يريد سبحانه أن ينقلها إليه ثم بعد العلقة مضغة ثم فتق سبحانه في المضغة صورتك وأقام فيها بنيتك ثم نفخ فيك الروح بعد ذلك ثم غذاك بدم الحيض في رحم الأم فأجري عليك رزقه من قبل أن يخرجك إلى الوجود ثم أبقاك في رحم الأم حتى قويت أعضاؤك وأشتدت أركانك ليهيئك إلى البروز إلى ما قسم لك أو عليك وليبرزك إلى دار يتعرف فيها بفضله وعدله إليك ثم لما أنزلت إلى الأرض علم سبحانه أنك لا تستطيع أن تتناول خشونات المطاعم وليس لك أسنان ولا أرحى تستعين بها على ما أنت طاعم فأجري الثديين بالغذاء اللطيف ووكل بهما مستحث الرحمة التي جعلها في قلب الأم فكلما وقف اللبن على البروز أستحثته الرحمة التي جعلها لك في الأم مستحثاً لا يفتر ومستنهضاً لا يقصر ثم أنه شغل الأب والأم بتحصيل مصالحك والرأفة عليك والرحمة والنظر بعين المودة منهما إليك وما هي إلا رأفته ساقها للعباد في مظاهر الآباء والأمهات تعريفاً بالوداد وفي حقيقة الأمر ما كفلتك إلا ربوبيته وما حضنتك إلا الوهيته ثم ألزم الأب القيام بك إلى حين البلوغ.
    وأوجب عليه ذلك رأفة منه بك ثم رفع قلم التكليف عنك إلى أوان تكمل الأفهام وذلك عند الأحتلام ثم إلى أن صرت كهلاً لم يقطع عنك نوالاً ولا فضلا ثم إذا أنتهيت إلى الشيخوخة ثم إذا قدمت عليه ثم إذا حشرت إليه ثم إذا أقامك بين يديه ثم إذا سلمك من عقابه ثم إذا أدخلك دار ثوابه ثم إذا كشف عنك وجود حجابه وأجلسك مجالس أوليائه وأحبابه قال سبحانه أن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر فلاى أحسانه تشكر ولاي أياديه تذكر وأسمع قوله سبحانه، وما بكم من نعمة فمن الله: تعلم أنك لم تخرج عن أحسانه ولن يعدوك وجود فضله وأمتنانه اه كلامه في التنوير وهو شرح لهذه الحكمة لأشتماله على النعمتين إيجاداً وأمداداً ومن نعمة الأمداد المعنوي نعمة الأسلام والأحسان وحفظ ذلك وأدامته علينا في كل وقت وحين وزيادة الترقي في المعرفة واليقين إلى يوم الدين فالحمد لله رب العالمين ثم المقصود بالنظر إلى هاتين النعمتين هو الأنسان وأن كانتا عامتين في جميع الأكوان إذ هو المطلوب بشكرها والتحدث بذكرها ولذلك خصه بالخطاب أنعم عليك أولاً بالإيجاد وثانياً بتوالي الإمداد قلت توالي الأمداد هو تتابعه وأتصاله سواء كان حسياً أو معنوياً ففي كل ساعة ولحظة أنت مفتقر إلى أمداده قلباً وقالباً كما أبان ذلك بقوله فاقتك لك ذاتية وورود الأسباب مذكرة لك بما خفي عليك منها والفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض قلت الفاقة الذاتية هي الأصلية الحقيقة والأسباب المحركة لها هي العوارض الجلالية وهي كل ما يقهر النفس ويزعجها عن حظوظها وتصرفاتها العادية وإنما كانت فاقتناً ذاتية لا تفارقنا ساعة واحدة لأن نشأتنا مركبة من حس ومعنى ولا يقوم الحس إلا بالمعنى والمعني هو أسرار الربوبية القائمة بالأشياء فأشباحنا مفتقرة في كل لحظة إلى نعمة الأمداد بعد نعمة الإيجاد ولا الحكمة إلا بالقدرة ولا البشرية إلا بالروحانية والروح سر من أسرار الله قال تعالى قل الروح من أمر ربي فالبدن قائم بالروح والروح أمر من أمر الله وكل شيء قائم بأمر الله فأفتقار البشرية للروحانية حاصل على الدوام قال تعالى في نعمة الأيجاد يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد، فهذا هو الأفتقار إلى نعمة الإيجاد ثم قال في نعمة الأمداد أن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وهذا هو افتقارنا إلى النعمة الأمداد وقال تعالى في أفتقار بقية العالم أن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا فالكون كله قائم بأمر الربوبية مظهر من مظاهرها لا قيام له بدونها قال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه الحق سبحانه مستبد والوجود مستمد والمادة من عين الجود فإذا أنقطعت المادة أنهد الوجود اه والمراد بالوجود ظهور الحس وعين الجود هو المعاني اللطيفة القديمة يعني أن الحق تعالى مستبد أي قائم بنفسه وظهور تجلياته مستمدة من باطن صفاته ومادة الأشياء كلها من عين الجود وهي نعمة الإيجاد والأمداد فإذا أنقطعت المادة أي مادة المعنى من الحس أضمحل الحس واضمحلت الأكوان فلو ظهرت صفاته أضمحلت مكوناته ففاقتك أي أفتقارك أيها الأنسان لك ذاتية أي أصلية حقيقية لكنها خفية وورود الأسباب المحركة لظهور تلك الفاقة وهي الشدة والحيرة وكل ما يلجئك إلي مولاك مذكرة لك ما خفي عنك منها يعني أن فاقتك لا تفارقك إذ كل لحظة تفتقر إلى من يمدك بالوجود في الساعة الثانية إلا أنها خفية لا تذكرها حتى يتحرك عليك أسباب ظهورها كالفتن والمرض وغيرهما والفاقة الأصلية الذاتية لا ترفعها العوارض وهي الصحة والعافية فما دام العبد في العافية ففاقته خفية لا يتفطن لها إلا العارفون لأنه لا يزول أضطرارهم فإذا قام عليه جلال أو محرك ظهر أفتقاره وتحقق أضطراره مع أنه دائم في الفاقة حسه ومعناه والله تعالى أعلم ثم أن رجوع الشيء إلى أصله مرغب فيه وخروجه عن أصله لا خير فيه وأصلك أيها الأنسان هو الفاقة والأضطرار والذلة والأنكسار فكل ما يردك إلى أصلك فهو لك في غاية الحسن والأختيار كما أبان ذلك بقوله خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك وترد فيه إلى وجود ذلتك قلت إنما كان شهود الفاقة هو خير أوقاتك لوجهين أحدهما ما في ذلك من تحقيق العبودية وتعظيم شأن الربوبية وفي ذلك شرف العبد وكماله إذ بقدر تحقيق العبودية في الظاهر يعظم شهود الربوبية في الباطن أو تقول بقدر العبودية في الظاهر تكون الحرية في الباطن أو تقول بقدر الذل في الظاهر يكون العز في الباطن أو تقول بقدر وضع الظاهر يكون رفع الباطن من تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره وأنظر أشرف خلق الله وهم الأنبياء بماذا خاطبهم الله تعالى فما خاطبهم إلا بالعبودية قال الله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً وأذكر عبادنا إبراهيم وأسحق ويعقوب وأذكر عبدنا داوود ذا الأيد وأذكر عبدنا أيوب.
    وقد أختارها نبينا صلى الله عليه وسلم حين خير بين أن يكون نبياً ملكاً أو نبياً عبداً فأختار أن يكون نبياً عبداً فدل على أن أشرف حال الأنسان هو العبودية فبقدر ما يتحقق بها في الظاهر يعظم قدره في الباطن ومهما خرج منها في الظاهر بإظهار الحرية أدبته القدرة وردته القهرية حتى يرجع إلى أصله ويعرف ماله وعليه الوجه الثاني ما في الفاقة من مزيد المدد وطلب الأستمداد إنما الصدقات للفقراء والمساكين أن أردت بسط المواهب عليك صحح الفقر والفاقة لديك كما يأتي أن شاء الله وقد جعل الله النصر والفتح مقرونين بالفاقة والذلة وتحقيق الضعف والقلة قال الله تعالى ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة وقال تعالى وأذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم وجعل الخذلان وعدم النصر والمعونة في أظهار الحرية والقوة قال تعالى ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين وذلك لما وقع من بعض الصحابة الذين كانوا حديثي عهد بإسلام فأدبهم الله بإظهار الحرية لكن عمت الفتنة قال تعالى وأتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وهذا وجه ذكر الآية قبل ذكر القضية والله تعالى أعلم فإذاً خير أوقاتك أيها المريد وقت تشهد فيه وجود فاقتك أي ظهورها وإلا فهي كامنة فيك كما تقدم وتسمى عند المتأخرين الحيزة وهي الشدة فهي خير لك من ألف شهر أن عرفت فيها ربك والمعرفة فيها أن تسكن عن التحرك والأضطراب وتقطع النظر عن التعلق بالأسباب وترجع فيها إلى مسبب الأسباب وتعلق همتك برب الأرباب وتكتفي بعلم الله الكريم الوهاب ولقد سمعت شيخنا اليزيدي رضي الله عنه يقول العجب من الأنسان يرى الخير أو الفتح واصلاً إليه وقادماً عليه ثم يقوم يبادر بسد الباب في وجهه وهو أن يرى الفاقة قادمة عليه فيبادر إلى الأسباب التي تقطعها عنه قبل وصولها فقد كان الربح واصلاً إليه فقام فرده أو ما هذا معناه وخير أوقاتك أيضاً وقت تشهد فيه وجود ذلتك كما تقدم لأنه سبب عزك ونصرك إذ الأشياء كامنة في أضدادها العز في الذل والغنى في الفقر والقوة في الضعف والعلم في الجهل أي في إظهار الجهل إلى غير ذلك قال تعالى ونريد أن نمن على الذين أستضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين وقال تعالى في حق الصحابة رضي الله عنهم حين كانوا في حالة الأستضعاف والأذاية تسلية لهم وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما أستخلف الذين من قبلهم الآية ومما جرت به العادة الألهية أن الفرج علي قدر الضيق فبقدر الفقر يكون الغنى وبقدر الذل يكون العز وبقدر العسر يكون اليسر والحاصل بقدر الجلال يكون الجمال عاجلاً وآجلاً قال تعالى، فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا، ولن يغلب عسر يسرين كما في الحديث حيث قال عليه السلام لأبن عباس رضي الله عنه وأعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا اه.

  6. #26
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    ثم إذا صح فقرك إليه وتحققت ذلتك بين يديه أتحفك بأنسه وزج بك في حضرة قدسه كما أشار إلى ذلك بقوله متى أوحشك من خلقه فأعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به قلت هذه سنة الله تعالى في خلقه إذا أراد أن يؤنس عبده بذكره ويتحفه بمعرفته أوحشه من خلقه وشغله بخدمته وألهمه ذكره حتى إذا أمتلأ قلبه بالأنوار وتمكن من حلاوة الشهود والأستبصار رده إليهم رحمة لهم لأنه حينئذ لقوته يأخذ منهم ولا يأخذون منه ومثاله في الحس كفتيلة شعلتها فما دامت ضعيفة لا بد أن تحفظها من الريح وتقصد بها المواضع الخفية فإذا أشتد نورها وأشعلتها في الحطب صعدت بها إلى ظهور الجبال فبقدر ما يصيبها الريح يعظم أشتعالها كذلك الفقير ما دام في البداية لا يليق به إلا الوحشة من الخلق والفرار منهم فإذا تمكن في الشهود فلا يليق به حينئذ إلا الخلطة معهم لأنهم لا يضرونه فمتي أوحشك أيها الفقير من خلقه وعزلك عنهم في قلبك فأعلم أنه تعالى أراد أن يؤنسك به ويغنيك بمعرفته فقد كان عليه السلام حين قرب أوان النبوة والرسالة حبب إليه الخلوة فكان يخلو بغار حراء وحكمة ذلك تصفية البواطن من الشواغل والشواغب لتتهيأ لقبول ما تتحمله من الأسرار والمواهب فإذا تطهر من الأكدار ملئ بالأنوار فأشرقت فيه شموس العرفان وتمكن من حضرة الشهود والعيان فهذه سنة الله في أوليائه وأصفيائه يفرون أولاً من الناس حتى يحصل لهم منهم الأياس ثم يردهم الحق إليهم رغماً على أنفهم لمقام الدلالة والأرشاد فينتفع بهم العباد وتحيا بوجودهم البلاد وفي مثلهم قال الشاعر تحيا بكم كل أرض تنزلون بـهـا
    كأنكم في بقاع الأرض أمطـار وتشتهي العين فيكم منظراً حسنـاً
    كأنكم في عيون النـاس أزهـار ونوركم يهتدي الساري بـرؤيتـه
    كأنكم في ظلام اللـيل أقـمـار لا أوحش الله ربعاً من زيارتـكـم
    يا من لهم في الحشا والقلب تذكار نفعنا الله بهم وحققنا بمعرفتهم آمين ثم إذا فتح لك باب الأنس وتشوقت إلى حضرة القدس ثم أطلق لسانك بطلبها فأعلم أنه يريد أن يفتح لك بابها كما أشار إلى ذلك بقوله متى أطلق لسانك بالطلب فأعلم أنه يريد أن يعطيك قلت لأن الحق تعالى جعل الطلب سبباً من الأسباب فإذا أراد أن ينجز للعبد ما سبق له فتح له فيه باب الطلب فإذا حصل منه الطلب حصل ذلك الذي قسم له في الأزل أظهاراً لحكمته وأخفاء لقدرته وتغطية لسره فالدعاء من جملة الأسباب العادية كالحرث والدواء والزوج في الولد وغير ذلك وكل ذلك سبقت به المشيئة ونفذ به القضاء والقدر فما بقي الدعاء إلا أظهاراً للفاقة وإبقاء لرسم العبودية لا طلباً لحصول ما لم يكن جل حكم الأزل أن يضاف للأسباب والعلل فمتى أطلق لسانك أيها المريد بالطلب لشيء تجلى في قلبك أو إحتجت إليه فأعلم أن الحق تعالى أراد أن يعطيك ما طلبت منه فلا تحرص ولا تستعجل فكل شيء عنده بمقدار فإن أطلق لسانك في الدعاء من غير سبب فخير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك كما تقدم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة وقال أيضاً عليه السلام من أذن له في الدعاء منكم فقد فتحت له أبواب الرحمة وما سئل الله شيئاً أحب إليه من العفو والعافية وقال الكتاني رضي الله عنه لم يفتح الله لسان المؤمن بالمعذرة إلا وقد فتح له بالمغفرة اه وقال الخفاف رحمه الله وكيف لا يجيبه وهو يحب صوته ولولا ذاك ما منح الدعاء وفي ذلك قيل لو لم ترد نيل ما أرجوا وأطلـبـه
    من فيض جودك ما علمتني الطلبا ثم هذا كله قبل فتح باب المعرفة وإذا فتح لك الباب فلا تحتاج إلى طلب لغناك بمسبب الأسباب فيكون دعاؤك إنما هو إظهار للفاقة والأضطرار اللازمتين لك مع كل نفس وفي كل وقت وحال كما أشار إليه بقوله العارف لا يزول أضطراره ولا يكون مع غير الله قراره قلت أما وجه كونه لا يزول أضطراره فلتحقق قيومية الحق به إذ الحس لا يقوم إلا بالمعنى فحس العبودية لا يقوم إلا بمعنى الربوبية فبقدر تحقق العبد بقيومية الربوبية يشتد أضطراره في ظاهر العبودية وأيضاً العارف لا يزال في الترقي فهو متعطش للزيادة على الدوام كما قال النقشبندي رحمه الله وذو الصبابة لو يسقي على عدد الأن
    فاس والكون كـأس لـيس يرويه
    فأنار الحق سبحانه ظواهر الكائنات بأنوار الظواهر وهي النجوم والقمر والشمس في الحسن وتزيين الخلق وأبداعه وتخصيصه وتقييده عن شكل معلوم في الأنوار الخفية وتهذيب الجوارح وتطهيرها من الأنوار المعنوية وأنار سبحانه القلوب والسرائر بأنوار أوصافه وهي عظيمة الربوبية وأوصافها فإذا أشرقت في سماء القلوب الصحية والأسرار الصافية غاب العبد عن شهود الأغيار وغرق في بحر الأنوار فتفني الأشكال والرسوم ولا يبقي إلا الحي القيوم ثم ذكر الفرق بين أنوار الظواهر وأنوار السرائر فقال لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر أي لأجل أن أنوار الظواهر إنما هي أنوار الأثر ومن شأن الأثر أن يتأثر ويتغير بالطلوع والغروب فأفلت أي غريب أنوار الظواهر أما بالغروب المعلوم أو بالعدم المحتوم ولم تأفل أي تغرب أنوار القلوب وهي أنوار الأسلام والإيمان وأنوار السرائر وهي أنوار الأحسان فأنوار الأسلام والإيمان هي أنوار التوجه وأنوار الأحسان هي أنوار المواجهة فالنور عبارة عن اليقين الذي يحصل في القلب يثمر حلاوة العمل فإذا قوي اليقين قوي النور وأشتدت الحلاوة حتى يتصل بحلاوة الشهود فيغطي حلاوة العمل فلذلك يقل عمل الجوارح عند العارف إذ حلاوة الشهود تغني عن كل شيء ليس الخبر كالعيان وفي بعض الأحاديث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قل العلم بالله قالوا يا رسول الله سألناك عن العمل قال العلم بالله ثم قال في الثالثة عمل قليل كاف مع العلم بالله وحقيقة النور في الأصل كيفية تنبسط من النيرين على سطح الجسم فينكشف ما عليه بواسطة البصر ثم شبه به العلم واليقين والمعرفة لما بينهما من الشبه في كشف حقيقة الأشياء وتمييزها فالنور الحسي ينقطع بأنقطاع أصله والنور المعنوي الذي هو نور القلوب لا ينقطع أبداً فلذلك أنشد الشيخ هذا البيت فقاله ولذلك قيل
    أن شمس النهار تغرب بليل
    وشمس القلوب ليست تغيب وليس هو من عند المؤلف بل هو لغيره وسيأتي في المناجاة بتمامه أن شاء الله قال الشيخ زروق رضي الله عنه فشمس القوب لا تغيب أبداً بل هي دائمة لا تنقطع وباقية لا تنصرم لبقاء مددها وهي معاني الأوصاف الربانية ودوام محالها وهي الأفاق الروحانية فالمتعلق بها متعلق بحقيقة لا تنصرم ومن هذا الوجه كان غني القوم بالله لا بالأسباب وتعلقهم به لا بشيء دونه اه هذا آخر الباب العاشر وحاصلها ذكر كيفية الجزاء على الأعمال والزجر على طلبه وتحقيق معرفته في عطائه ومنعه والأعتناء بأقباله وقبوله لا بخدمته ودوام الأضطرار بين يديه والأفتقار إلى نعمته والأستيحاش من خلقه بدوام أنسه ثم أشراق أنواره على قلوب أوليائه وأسرار أصفيائه جزاء لأقبالهم عليه وأنحياشهم إليه فإذا أتحفهم بذلك وهيأهم لما هنالك تلي عليهم قوله أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم الآية كما نبه عليه في أول الباب الحادي عشر بقوله وقال رضي الله عنه ليخفف ألم البلاء عنك علمك بأنه سبحانه هو المبلي لك فالذي واجهتك منه الأقدار هو الذي عودك حسن الأختيار قلت إذا أصابتك أيها الأنسان مصيبة أو نزلت بك بلية في بدن أو أهل أو مال فأذكر من أنزل ذلك عليك وما هو متصف به من الرحمة والرأفة بك والمحبة والعطف عليك لعلك تفهم ما في طي ذلك من النعم وما يعقبه من سوابغ الفضل والكرم ولو لم يكن ألا تطهيرك من الذنوب وتمحيصك من الغيوب وتقريبك من حضرة علام الغيوب فهل تعودت منه إلا الأحسان وهل رأيت منه إلا غاية المبرة والأمتنان فالذي واجهتك منه الأقدار هو الذي عودك حسن الأختيار فالذي واجهتك منه أحكام قهره هو الذي عودك تمام أحسانه وبره فالذي واجهتك منه ظواهر المحن هو الذي أسبغ عليك بواطن المنن فالذي واجهتك من حضرة قهاريته الرزايا هو الذي أتحفك بأنواع الكرامات والهدايا ولله در صاحب العينية حيث يقول تلذ لي الآلام إذ أنت مسقـمـي
    وأن تمتحني فهي عندي صنائع تحكم بما تهواه في فـانـنـي
    فقير لسلطان المحـبة طـائعقال الجنيد رضي الله عنه كنت نائماً بين يدي السري فأيقظني وقال لي يا جنيد رأيت كأني وقفت بين يديه فقال لي يا سري خلقت الخلق فكلهم أدعوا محبتي فخلقت الدنيا فهرب مني تسعة أعشارهم وبقي معي العشر فخلقت الجنة فهرب مني تسعة أعشار العشر وبقي معي عشر العشر فسلطت عليهم ذرة من البلاء فهرب مني تسعة أعشار عشر العشر فقلت للباقين معي لا الدنيا أردتم ولا الجنة أخذتم ولا من النار هربتم فما تريدن قالوا إنك تعلم ما نريد فقلت أني مسلط عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم ما لا تقوم له الجبال الرواسي أتصبرون قالوا أن كنت أنت المبتلي فافعل ما شئت هؤلاء عبادي حقاً اه وقال في التنوير وإنما يعينهم على حمل الأحكام فتح باب الأفهام وأن شئت قلت وأنما يقويهم على حمل أقداره شهود حسن أختياره وأن شئت قلت وإنما يصبرهم على وجود حكمه علمهم بوجود علمه وأن شئت قلت إنما يصبرهم على أفعاله ظهوره عليهم بوجود إجماله وأن شئت قلت إنما صبرهم على القضاء علمهم بأن الصبر يورث الرضى وأن شئت قلت إنما صبرهم على الأقدار كشف الحجب والأستار وإن شئت قلت إنما صبرهم على أقداره علمهم بما أودع فيها من لطفه وأبراره اه وإلى هذا الأخير أشار بقوله من ظن الفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره قلت من أعظم أحسان الله وبره كون لطفه لا ينفك عن قدره فما نزل القدر إلا سبقه الطف وصحبه وبهذا حكم النقل والعقل أما العقل فما من مصيبة تنزل بالعبد إلا وفي قدرة الله ما هو أعظم منها وقد وجد ذلك فإذا نزلت بك أيها الأنسان مصيبة فأذكر من هو أعظم منك بلاء فكم من أنسان يتقطع بالأوجاع وكم من أنسان مبتلي بالجذام والبرص والجنون والعمى وكم من أنسان مطروح في الفنادق لا يجد من يبريه إلا من أبتلاه وكم من أنسان أعمي أو مقعداً أو محموم إلى ما لا يتناهي نسأل الله عافيته الدائمة في الدارين وأما من جهة النقل فقد ورد في ثواب الأمراض والأوجاع أحاديث كثيرة وآيات قرآنية في مدح الصابرين منها قوله تعالى إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب وقوله تعالى بشر الصابرين الآية أن الله مع الصابرين إلى غير ذلك وقوله صلى الله عليه وسلم ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها وحتىالهم يهمه إلا كفر به سيأته وورد في الحمى أحاديث كثيرة وأن حمى ساعة تكفر سنة إلى غير ذلك وقد ذكر الشيخ ابن عباد رضي الله عنه منها جملة شافية فليطالعه من أراد تكثير الأجور ورفع الستور والرضى بالمقدور وما ذكرناه كاف أن شاء الله وكان شيخ شيخنا رضي الله عنه يقول كلام النية قصير وبالله التوفيق فالأمر واضح لمن هو لنفسه ناصح فلا يخاف عليك من الجهل بالحق وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى وجهلة الخلق كما أشار إلى ذلك بقوله لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك قلت لا شك أن الله سبحانه بين لنا طريق الوصول على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم فبين لنا أعلام الشريعة ومنار الطريقة وأنوار الحقيقة فقرر لنا شرائع الأسلام وقواعد الإيمان ومقام الأحسان فما ترك صلى الله عليه وسلم شيئاً يقربنا إلى الله إلا دلنا عليه ولا شيئاً يبعدنا عنه إلا حذرنا منه لم يأل جهداً في أرشاد العباد وإظهار طريق السداد فما رحل إلى الله تعالى حتى ترك الناس على الدين القويم والمنهاج المستقيم على طريق بيضاء لا يضل عنها إلا من كان أعمى قال تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام ديناً" وقال تعالى "لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" وقال عليه السلام لقد تركتكم على الحنيفية السمحة وفي رواية على الملة البيضاء نهارها كليلها أو كما قال عليه السلام وقال أحمد بن حضرويه البلخي رضي الله عنه الطريق واضح والدليل لا ئح والداعي قد أسمع فما التحير بعد هذا إلا من العمى وسمعت رابعة العدوية صالحاً المري يقول من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له فقالت له الباب مفتوح وأنت تفر منه كيف تصل إلى مقصد أخطأت الطريق إليه في أول قدم اه كلامها رضي الله عنها فلا يخاف عليك أيها المريد أن تلتبس الطرق الموصلة إلى الله تعالى عليك لأنها في غاية الوضوح وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك فيصمك ويعميك، أن الهوى ما تولى يصم أو يصم، فلا يخاف عليك التباس الهدى إنما يخاف عليك أتباع الهوى فلا يخاف عليك التباس الحق وإنما يخاف عليك جهلة الخلق وأن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله فلا يخاف عليك عدم وجود أهل التحقيق وإنما يخاف عليك قطاع الطريق لا يخاف عليك من خفاء أهل الحق إنما يخاف عليك من قلة الصدق فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم والله ما حجبهم عنك إلا من عدم صدقك فلو حسنت ظنك بالله وبأولياء الله لرفع الله الحجاب بينك وبينهم ووجدتهم أقرب إليك من أن ترحل إليهم فسبحان من سترهم في حال ظهورهم وأظهرهم في حال خفائهم كما نبه عليه الشيخ بقوله سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية وظهر بعظمة الربوبية في أظهار العبودية قلت الخصوصية هي نور الحق يشرقه الله في قلوب خواص عباده امقربين بعد تطهيرها من الأكدار وتنزيهها عن المساوي والأغيار بغيبون به عن شهود أنفسهم بشهود محبوبهم وسرها هو ما أحتوى عليه ذلك النور من الكمالات العلية والنعوت القدسية والصفات السنية التي تليق بالمتحلى به كالكبرياء والعز والقوة والعظمة والأجلال وكالأتصاف بالقدرة التامة والعلم المحيط وسائر أوصاف الكمال ثم أن الحق سبحانه من عظيم حكمته وباهر قدرته أن ستر تلك الأوصاف اللازمة لذلك النور بظهور أضدادها التي هي أوصاف العبودية فستر كبرياءه وعظمته بظهور الذل والفقر والضعف على العبد وستر قدرته وأراداته بظهور العجز والقهرية عليه وستر علمه المحيط بظهور الجهل والسهو إلى غير ذلك من أوصاف العبودية المقابلة لأوصاف الربوبية فسبحان من جعل الأشياء كامنة في أضدادها ستر كمالات الربوبية بنقائص العبودية ولولا ذلك لكان السر غير مصون والكنز غير مدفون وسيأتي قوله ستر أنوار السرائر بكثائف الظواهر أجلالاً لها أن تبتذل بالأظهار وأن ينادي عليها بلسان الأشتهار اه ولذلك قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه لو كشف عن نور الولي لعبد من دون الله وثبت عن الشيخ أبي يزيد رضي الله عنه أنه لما تجلى له هذا النور قال سبحاني ما أعظم شأني وقال الحلاج رضي الله عنه أنا أنت بـلا شـك
    سبحانك سبحانـي توحيدك تـوحـيدي
    وعصيانك عصياني وقال أيضاً سبحان من أظهر ناسوتـه
    سر سناء لاهوته الثاقـب ثم بدا في خلقه ظـاهـراً
    في صورة الآكل والشارب حتى لقد عاينه خـلـقـه
    كلحظة الحاجب بالحاجب وبإظهار هذا وأمثاله قتل رضي الله عنه فمن لطف الله تعالى ورحمته أن ستر ذلك السر بظهور نقائصه صوتاً لذلك السر أن يظهر لغير أهله ومن أفشاه لغير أهله قتل كما فعل بالحلاج وكما ستر سر الخصوصية بظهور أضدادها ظهر بعظمة الربوبية في مظاهر العبودية قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه العبودية جوهرة أظهر بها الربوبية اه إذ الربوبية تقتضي مربوباً موصوفاً بضد ما أتصف به ربه من الكمالات الألهية والنعوت القدسية فما ظهرت أوصاف الربوبية التي هي الغنى والعز والقدرة وغير ذلك من الكمالات إلا في أضدادها من الفقر والذل والضعف وغير ذلك فالفقر الحقيقي شامل لسائر الموجودات والغنى المطلق واجب لمن تجلى في الأرض والسموات يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد فإذا تقرر هذا علمت أن الأضافة في سر الخصوصية ليست هي للبيان بل هي للتخصيص فسر الخصوصية غيرها إذا الخصوصية هي النور الذي يقذفه الله سبحانه في قلوب أوليائه وسرها هو الكمالات التي تلازم ذلك النور كما تقدم وأعلم أن سر الخصوصية الذي جعله الله في بواطن أوليائه وستره بظهور وصف بشريتهم قد يظهره عليهم على وجه خرق العادة فقد يظهر على وليه من قدرته وعلمه وسائر كمالاته ما تحار فيه العقول وتذهل فيه الأذهان لكن لا يدوم ذلك لهم بل يكون على سبيل الكرامات وخرق العادات يشرق عليهم شموس أوصافه فيتصفون بصفاته ثم يقبض ذلك عنهم فيردهم إلى حدودهم فنور الخصوصية وهي المعرفة ثابت لا يزول ساكن لا يحول وسرها وهو كمالاته تعالى تارة يشرق على أفق بشريتهم فيستنير بأوصاف الربوبيه وتارة ينقبض عنهم فيردون إلى حدودهم وشهود عبوديتهم فالمعرفة ثابته والواردات مختلفة والله تعالىأعلم وأعلم أيضاً أن أوصاف البشرية التي ستر الله بها سر الخصوصية إنما هي الأوصاف الذاتية اللازمة للبشر كالأكل والشرب والنوم والنكاح لا الأوصاف المذمومة المناقضة للعبودية كالكبر والعجب والحسد والغضب وغير ذلك فإن تلك أوصاف ذهبت بظهور نور العناية وسابق الهداية إذ لا تثبت الخصوصية إلا بعد محوها بخلاف الأوصاف الذاتية فإنها تجامع الخصوصية كما سيأتي أن شاء الله بل هي حجابها وصوانها وبوجودها وقع الستر والخلفاء لأولياء الله تعالى غيرة عليهم أن يعرفهم من لا يعرف قدرهم قال في لطائف المنن فأولياء الله أهل كهف الأيواء فقليل من يعرفهم وسمعت الشيخ أبا العباس رضي الله عنه يقول معرفة الولي أصعب من معرفة الله فإن الله معروف بكماله وجماله ومتى تعرف مخلوق مثلك يأكل كما تأكل ويشرب كما تشرب وإذا أراد الله أن يعرفك بولي من أوليائه طوى عنك وجود بشريته وأشهدك وجود خصوصيته اه تنبيه هذا النور الذي أشرقه الله في قلوب أوليائه كان كامناً في الروح في أصل بروزها فأصلها نورانية عالمة بأسرار الغيب دراكة للأشياء على حقيقتها وإنما حجبها عن ذلك سجنها في هذا البدن الطيني وأشتغالها بحظوظه وشهواته فمن أدبها وريضها على يد شيخ كامل رجعت إلى أصلها قال في المباحث ولم تزل كل نفوس الأحيا
    علامة دراكة لـلأشـيا وإنما تعوقـهـا الأبـدان
    والأنفس النزع والشيطان فكل من أذاقهم جـهـاده
    أظهر للقاعد خرق العاده فإذا كمل تطهير الروح من الأغيار وأشرقت عليها شموس الأنوار كوشفت بأسرار الذات وأنوار الصفات فغرقت في بحر التوحيد الذي تكل عنه العبارة ولا تلحقه الأشارة وهو التوحيد الخاص الذي أشار إليه الهروي بقوله ما وحد الواحد من واحد
    إذ كل من وحده جاحـد توحيد من ينطق عن نعته
    عارية أبطلها الـواحـد توحـيده أياه تـوحـيده
    ونعت من ينعته لأحـد
    ومضمنه أن الحق سبحانه تولي توحيد نفسه بنفسه فكل من أدعي أنه وحده بنفسه فهو جاحد لوحدانيته حيث أشرك معه نفسه وكل من ينعته بنفسه فهو لأحد أي مائل عن الصواب والله تعالى أعلم فإذا طلبت ربك في تطهيرك من وصف البشرية ليكشف لك سر الخصوصية ثم تأخر مطلبك فإنما ذلك من سوء أدبك كما نبه عليه بقوله لا تطالب ربك بتأخر مطلبك ولكن طالب نفسك بتأخر أدبك قلت هذه قاعدة عامة وأن كانت مناسبتها خاصة فإذا طلبت شيئاً ثم تأخر ظهور ذلك المطلب فإنما ذلك لما فاتك من حسن الأدب ولو لم يكن إلا قصد خصوص ذلك الطلب فلا تطالب ربك أن يعجل مطلبك بسبب تأخره عنك ولكن طالب نفسك بتأخر أدبك فلو أحسنت الأدب في الطلب لقضيت حاجتك معنى وأن لم تقض حساً وحسن الأدب هنا هو أكتفاؤك بعلمه ورضاك بحكمه وأعتمادك على ما أختاره لك دون ما أخترته لنفسك لقلة علمك فقد ضمن لك الأجابة فيما يريد لا فيما تريد وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد ولله در القائل
    وكم رمت أمراً خرت لي في أنصرافه
    فلا زلت لي منـي أبـر وأرحـمـاً عزمت علـي إلا أحـس بـخـاطـر
    على القلب إلا كنت أنت المـقـدمـاً وإلا تراني عند ما قـد نـهـيتـنـي
    لأنك في نفسي كبـيراً مـعـظـمـاً
    قال وهب بن منبه رضي الله عنه قرأت في بعض الكتب يا أبن آدم أطعني فيما أمرتك ولا تعلمني بما يصلحك أني عالم بخلقي إنما أكرم من أكرمني وأهين من هان عليه أمري ولست بناظر في حق عبدي حتى ينظر عبدي في حقي وأعظم الآداب وأكملها أمتثال أمره والأستسلام لقهره كما نبه عليه بقوله متى جعلك في الظاهر ممتثلاً لأمره وفي الباطن مستسلماً لقهره فقد أعظم المنة عليك قلت إنما كان من أعظم المنة لأنه شاهد المعرفة التي هي منتهي الهمم وأقصي غاية النعم فأمتثال الأمر في الظاهر يدل على كمال الشريعة وتحقيق العبودية والأستسلام للقهر في الباطن يدل على كمال الطريقة ونهاية الحقيقة والجمع بينهما هو غاية الكمال إذ منتهي الكمالات الشرائع فمتي جعلك أيها الأنسان في الظاهر ممتثلاً لأمره ومجتنباً لنهيه وفي الباطن مستسلماً لقهره فقد أعظم المنة عليك حيث أراح ظاهرك من عنت المخالفة وأراح باطنك من تعب المنازعة أو تقول حيث زين ظاهرك بالطاعة وزين باطنك بالمعرفة فالواجب عليك أن تشكر هذه النعمة وتعرف قدرها حتى تعظم محبة الله في قلبك وذلك أقصى مرادك وقصدك والله ذو الفضل العظيم ومتى أثبت لك هذا الأمر فقد خلصك من نفسك وحررك من رق حظك فلا تبال معها ما فاتك من تخصيص الكرامات الحسية لأنها أمور وهمية كما أشار إلى ذلك ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه قلت المراد هنا بالتخصيص تخصيصه بالكرامات الحسية والمراد بالتخليص تخليصه من رق الحظوظ ومن بقية السوى فليس كل من ثبت تخصيصه بالكرامات الحسية كمل تخليصه من حظوظه النفسية ليس كل من ثبت تخصيصه بالكرامات كمل تخليصه من العوائد والشهوات بل قد يعطي الكرامة الحسية بعض من لم يتخلص من حظوظه النفسية وحكمة ظهورها عليه ثلاثة أمور أحدها أنهاضه في العمل لحصول فترة أو وقعة الثاني أختبار له هل يقف معها فيحجب أو يأنف عنها فيقرب الثالث زيادة في يقينه أو يقين الغير فيه لينتفع به فهي مقصودة بالتكميل على كل حال قال سهل رضي الله عنه لرجل قال له أني أتوضأ فأجد الماء يسقط من يدي قضبان ذهب وفضة فأجابه بقوله أما علمت أن الصبيان إذا بكوا أعطوا خشخاشة يشتغلون بها قال بعض العلماء ما رأيت هذه الكرامات إلا على أيدي اليله من الصادقين اه قلت الكرامة العظمى هي المعرفة والأستقامة ورفع الحجاب وفتح الباب فلا كرامة أعظم من هذا وسيأتي الكلام على هذا المعنى بعد أن شاء الله ويحتمل أن يريد بالتخصيص تخصيص التقريب والهداية فليس كل من ثبت تخصيصه بالهداية وشروق الأنوار كمل تخليصه من رؤية الأغيار فقد يخصص بالمجاهدة والمكابدة ولا يتحف بالمعرفة والمشاهدة قوم أقامهم لخدمته وقوم أختصهم بمحبته كما تقدم فالعباد والزهاد ثبت تخصيصهم فهم من عوام المقربين ولم يكمل تخليصهم من شهود السوى حتى يكونوا من خواص العارفين وبالله التوفيق هذا آخر الباب الحادي عشر وحاصلها تحقيق الأدب في التعرفات الجلالية بدوام معرفته وشهود نعمته في نعمته وجريان لطفه وبره في حال قضائه وقدره حتى لا يغلبك الهوى فتلتبس عليك سبل الهدى أو تقف مع ظاهر الأشياء التي هي محل الجلال فتحجب عن البواطن التي هي مستقر الجمال فالذات جلال والصفات جمال فمن وقف مع ظواهر الجلال حجب عن شهود الجمال وحرم من معرفة الرجال وكان محجوباًعن ذي العظمة والجلال فيسيء الأدب ويحرم حصول المطلب فإذا أستدركته العناية وهبت عليه ريح الهداية شغل ظاهره بوظائف العبودية وباطنه بشهود الربوبية فكان في الظاهر ممتثلاً لأمره وفي الباطن مستسلماً لقهره فتمت عليه نعمة مولاه وكمل تخليصه من رق حظوظه وهواه فح يعظم ما عظم مولاه ولا يستحقر شيئاً من أسباب محبته ورضاه كما أبان ذلك في أول الباب الثاني عشر بقوله وقال رضي الله عنه لا يستحقر الورد إلا جهول الوارد يوجد في الدار الآخرة والورد ينطوي بأنطواء هذه الدار وأولى ما يعتني به ما لا يخلف وجوده الورد هو طالبه منك والوارد أنت تطلبه منه وأين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه قلت الورد في اللغة هو الشرب قال تعالى بئس الورد المورود وفي الأصطلاح ما يرتبه العبد على نفسه أو الشيخ على تلميذه من الأذكار والعبادات والوارد في اللغة هو الطارق والقادم يقال ورد علينا فلان أي قدم وفي الأصطلاح ما يتحفه الحق تعالى قلوب أوليائه من النفحات الألهية فيكسبه قوة محركة وربما يدهشه أو يغيبه عن حسه ولا يكون إلا بغتة ولا يدوم على صاحبه ثم أن الورد ينقسم على ثلاثة أقسام ورد العباد والزهاد من المجتهدين وورد أهل السلوك من السائرين وورد أهل الوصول من العارفين فأما ورد المجتهدين فهو أستغراق الأوقات في أنواع العبادات وعبادتهم بين ذكر ودعاء وصلاة وصيام وقد ذكر في الأحياء والقوت أوراد النهار وأوراد الليل وعين لكل وقت وردا معلوما وأما ورد السائرين فهو الخروج من الشواغل والشواغب وترك العلائق والعوائق وتطهير القلوب من المساوي والعيوب وتحليتها بالفضائل بعد تخليتها من الرذائل وعبادتهم ذكر واحد وهو ما يعينه له الشيخ لا يزيد عليه مع جمع القلب وحضوره مع الرب وأما ورد الواصلين فهو أسقاط الهوى ومحبة المولى وعبادتهم فكرة أو نظرة مع العكوف في الحضرة فكل من أقامه مولاه في ورد فليلتزمه ولا يتعدى طوره ولا يستحقر غيره إذ العارف لا يستحقر شيئاً بل يصير مع كل واحد في مقامه ويقرر كل شيء في محله فلا يستحقر الورد ويطلب الوارد إلا جهول أو معاند وكيف يستحقر الورد وبه يكون الورود على الملك المعبود الورد يوجد ثوابه وثمرته في الدار الآخرة والوارد الذي تطلبه ينطوي بأنطواء هذه الدار قال تعالى وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعلمون وجاء في الأثر أن الله يقول أدخلوا الجنة برحمتي وتقاسموها بأعمالكم وأيضاً المراد من الواردات ثمراتها ونتائجها وهو ما يعقبها من اليقين والطمأنينة والرضى والتسليم وغير ذلك من المحاسن فإذا أعطتك نتائجها وجنيت ثمراتها فلك في الله غني عنها فلا يستحقر الورد ويطلب الوارد إلا من كان عبد الوارد وأما من كان عبد الله فلا يلتفت إلى ما سواه بل يلزم ما هو مكلف به من وظائف العبودية قياماً بحق عظمة الربوبية فهو الذي يدوم وبه يتوصل إلى رضى الحي القيوم وأولى ما يعتني به الأنسان ما ينقطع وجوده بأنقطاع موته وهو ورده فيغتنم وجوده ما دام في هذه الدار فليس في تلك الدار عمل وإنما هي دار جزاء وحصول أمل فالدنيا دار عمل لا جزاء فيها والآخرة دار جزاء لا عمل فيه فلغتنم الأنسان عمره قبل الفوات فما من زمن يخلو عنه إلا وهو فائت منه وقد جاء في الحديث لا تأتي على العبد ساعة لا يذكر الله فيها إلا كانت عليه حسرة يوم القيامة اه والذكر متنوع كل بحسب حاله وقال الحسن رضي الله عنه أدركت أقواماً كانوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم ودراهمكم وفي معنى ذلك قيل
    السباق السباق قولاً وفعـلاً
    حذر النفس حسرة المسبوق وفي بعض الأحاديث عنه عليه السلام من أستوى يوماه فهو مغبون ومن كان يومه شراً من أمسه فهو محروم ومن لم يكن في الزيادة فهو في النقصان ومن كان في النقصان فالموت خير له وأولى ما يعتني به العبد أيضاً ما هو طالبه منه الحق تعالى وهو الورد دون ما يطلبه هو منه وهو المراد فالورد من وظائف العبودية وهو الذي طلبه منا الحق تعالى والوارد من وظائف الحرية ولذلك تطلبه النفس وتتعشق إليه وأين ما هو طالبه منا مما هو مطلبنا منه بينهما فرق كبير قال الشيخ زروق رضي الله عنه بينهما في القدر ما بينهما في الوصف قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق اه فتحصل أن الأعتناء بالورد أفضل وأكمل من الأعتناء بالوارد لأن الورد من وظائف العبودية وهي لا تنقطع ما دام العبد في هذه الدار كما أن حقوق الربوبية لا تنقطع كذلك حقوق العبودية لا تنقطع قال النقشبندي رحمه الله ولهذا لم يترك العبادة سيد هذا المقام صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه فقيل له كيف تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أفلا أكون عبداً شكوراً فأفاد صلى الله عليه وسلم أن شكر النعمة تمام الخدمة وهو موجب المزيد قال تعالى لئن شكرتم لأزيدنكم وهذا سبيل طائفة الجنيد رضي الله عنه لم يترك أوراده في حال نزاعه فقيل له في ذلك فقال ومن أولى مني بذلك وهذه صحائفي تطوي فلم يترك الخدمة رضي الله عنه في مثل هذه الحالة فكيف بسواها قيل له أن جماعة يزعمون أنهم يصلون إلى حالة يسقط عنهم التكليف قال وصلوا ولكن إلى سقر وقال في كلام آخر هذا كلام من يقول بالأباحة والسرقة والزنى عندنا أهون حالاً ممن يقول بهذه المقالة ولقد صدق رضي الله عنه في قوله هذا فإن الزاني والسارق عاص بزناه وسرقته ولا يصل إلى حد الكفر وأما القائل بسقوط الفرائض المعتقد لذلك فقد أنسل من الدين كأنسلال الشعرة من العجين فعض على هذا الأصل بالنواجذ يا أخي ولا تسمع كلام من أخذ الحقائق من الكتب وصار يتكلم بالزندقة والألحاد وأسقاط الأعمال على حسب فهمه وهواه قال صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعاً لما جئت به وقال تعالى قل أن كنتم تحبون الله فأتبعوني يحببكم الله فعليك بمتابعته صلى الله عليه وسلم ومتابعة السلف الصالح في الأقوال والأفعال والأحوال تحز مقامهم وتكن معهم فالمرء مع من أحب اه كلام النقشبندي وهو حسن لأن من أخذ الحقائق من الكتب لاذوق عنده وإنما يترامى على الحقيقة بالعلم فيتبع الرخص ويسقط في مهاوي الهوى وأما من كان من أهل الأذواق فسره مكتوم وأمره محزوم عبادته أدب وشكر وهو أحق بدوام الشكر وكيف ينكر الواسطة ولولا الواسطة لذهب الموسوط قال أبو الحسن الدراج رضي الله عنه ذكر الجنيد أهل المعرفة بالله وما يراعونه من الأوراد والعبادات بعدما أتحفهم الله به من الكرامات فقال الجنيد رضي الله عنه العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك اه وقد رأى رجل الجنيد رضي الله عنه وفي يده سبحة فقال له أنت مع شرفك تأخذ في يدك سبحة فقال نعم سبب وصلنا إلى ما وصلنا فلا نتركه أبداً اه فالشريعة باب والحقيقة بيت الحضرة قال تعالى "وأتوا البيوت من أبوابها" ثم قال "فلا دخول للحقيقة إلا من باب الشريعة ولله در سيدي عبد الله الهبطي الزجلي رضي الله عنه حيث يقول في منظومته وثالث الفصـول فـي الـشـريعـه
    لأنـهـا إلـى الـهـدى ذريعــه فكـل بـاب دونـهـا مـســـدود
    ومن أتـى مـن غـيرهـا مـردود قد أصطفاهـا ربـنـا عـز وجـل
    بفضله وجـوده عـلـى الـمـلـل طريقة الـعـدنـان لـلـرحـمـن
    محفوفة بـالـنـور والـرضـوان طوبى لمن أتى بـهـا لـلـعـرض
    والويل لـلـذي بـهـا لـم يقـض يا أيهـا الـــمـــريد أن أردت
    وصال مـن بـحـبـه شـغـفـت فشـد مـنـك الـكـف يا ولـــي
    علـى شـريعة الـنـبـي الأمـي حصل جميع ماله الشرع أرتـضـى
    وكن لـكـل مـا سـواه رافـضـاً ترى الـفـؤاد صـافـياً وشـارقـاً
    وعن سوي المولي إلى المولي أرتقى ثم قال
    فبالشريعة الوصال للمنـا
    كالفوز بالبقاء من بعد الفنا ومن يظن الخير في سواها
    فإنه واللـه مـا دراهـا قلت وقد رأيت كثيراً من الفقراء قصروا من الشريعة فخرجوا من الطريقة وسلبوا نوراً الحقيقة ورأيت آخرين طال أمدهم في صحبة القوم ولم يظهر عليهم بهجة المحبين ولا سيما العارفين وما ذلك إلا لعدم التحفظ على مراسم الشريعة وكان شيخنا اليزيدي رضي الله عنه يقول كل من ترك الشريعة من غير جذب ولا عذر سلكوط كبير اه قلت والله ما رأينا الخير إلا فيها وما ربحنا إلا منها فالله يرزقنا الأدب معها إلى يوم الفصل والقضاء آمين ثم ذكر ثمرة الورد ونتيجته وهو المدد الألهي إذ بقدر الأستعداد تحصل الأمداد ولا أستعداد لها إلا بدوام الأوراد وتفرغ الفؤاد فقال ورود الأمداد بحسب الأستعداد قلت المراد بالأمداد أنوار التوجه للسائرين وأنوار المواجهة للواصلين فهي تتوالى على قلوب العباد بحسب التأهب والأستعداد فبقدر المجاهدة تكون المشاهدة وبقدر التخلية تكون التحلية وفائدة هذه الأمداد تطهير القلوب من الأغيار وتقديس الأسرار من غبش الحس والأكدار والوقوف مع الأنوار فلا تزال أمطار المدد تنزل على أرض النفوس الطيبة والقلوب المطهرة والأرواح المنورة والأسرار المقدسة حتى تمتلأ بأنوار المعاني فح تنشق لها أسرار الذات وتتعلق لها أنوار الصفات فتغيب بشهود الذات عن أثر الصفات ثم ترد إلى شهود الصفات بالذت والذات بالصفات لا يحجبها جمعها عن فرقها ولا فرقها عن جمعها تعطي كل ذي حق حقه وتوفي كل ذي قسط قسطه قال شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه في بعض رسائله فإن قلتم أي وقت نكون كالجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب قلنا إذا زهدتم في الدنيا بالكلية وقطعتم الأياس من الرجوع إليها بالكلية ثم أعتقدتم في شيوخكم أنهم كمل وأنهم على قدم الأنبياء عليهم السلام من ورثة النبي صلى الله عليه وسلم فو الله العظيم لينزل عليكم المدد الليل والنهار والشهر والعام وفي كل وقت وساعة ولحظة حتي تمتلئ قلوبكم بمعرفة الله وتطمئن قلوبكم بذكر الله وتكونوا كالجبال الراسية هذا معنى كلامه بإختصار رضي الله عنه وهو كما قال لأن الزاهد في الدنيا تفرغ قلبه وتجلى من الأكدار وتهيأ للأنوار فإذا نزل المدد وجد القلب متسعاً مطهراً منظفاً فملأه من أنواره وحلاه بحلية أسراره بخلاف ما إذا كان القلب معموراً بأغيار الدنيا لم يجد المدد موضعاً ينزل فيه فيرجع من حيث جاء وأعتقاد كمال الشيوخ هو عين الصدق وبقدر الصدق ينبغ المدد ولا يمكن أن ينقطع الوهم أو يذهب الحس إلا بالصدق مع الزهد فبالزهد يتهيأ للمدد وبالصدق يفيض عليه المدد فكلما فاض ماء المدد غسل أوساخ الوهم فإذا لم يبق للوهم أثر حصل الغرق في البحر والله تعالى أعلم ثم فسر الأمداد وكيفية الأستعداد فقال شروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار قلت شروق أنوار المعارف في أفق سماء القلوب يكون على قدر صحوها من سحب الآثار وغيم الأغيار وغين الأنوار كما قال الشاعر أن تلاشي الكون عن عين قلبي
    شاهد السر غيبه فـي بـيان فأطرح الكون عن عيانك وأمح
    نقطة الغبن أن أردت ترانـي فبقدر صفائها ومحوها يكون تمام أشراق نورها فإذا انجلى عن سماء القلوب سحب الآثار وغيم الأغيار أشرق فيها نور الفنا فيغيب القلب والروح عن الرسوم ولم يبق إلا الحي القيوم وإذا أنجلت عن الأسرار غين الأنوار أشرق فيها نور البقاء فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل ولصاحب العينية رضي الله عنه فنيت بها عيني فمـا لـي أنـية
    هوية ليلى لـلأنـية قـاطـع وكنت كما أن لم أكن وهو أنـه
    كما لم يزل فرداً وللكل جامـع فشمسي في أفق الألوهة مشرق
    وبدري في شرق الربوبية طالع فأفنيتها حتى فنت وهي لم تكـن
    ولكنني بالوهم كنـت أطـالـعفعلامة شروق هذه الأنوار ترك التدبير والأختيار والأكتفاء بنظر الوااحد القهار كما أشار إليه بقوله الغافل إذا أصبح نظر في ماذا يفعل والعاقل ينظر ماذا يفعل الله به قلت الغافل هو الجاهل بالله ولو كثر ذكره باللسان والعاقل هو العارف بالله ولو قل له ذكر اللسان إذ المعتبر هو ذكر الجنان فالغافل نفسه موجودة وآماله ممدودة إذا أصبح نظر ماذا يفعل بنفسه فيدبر شؤنه ومأربه بعقله وحدسه فهو ناظر لفعله معتمد على حوله وقوته فإذا أفسخ القضاء ما أبرمه وهدم له ما أمله غضب وسخط وحزن وقنط فنازع ربه وأساء أدبه فلا جرم أنه يستحق من الله البعد ويستوجب في قلبه الوحشة والطرد إلا أن حصل له إياب وأذام الوقوف بالباب حتى يرفع عنه الحجاب فحينئذ يلتحق بالأحباب وأما العاقل وهو العارف فقد تحققت في قلبه عظمة ربه وأنجمع إليه بكلية قلبه فأشرقت في قلبه شموس العرفان وطوى من نظره وجود الأكوان فليس له عن نفسه أخبار ولا مع غير الله قرار تصرفه بالله ومن الله وإلى الله فقد فني عن نفسه وبقي بربه فلم ير لها تركاً ولا فعلاً ولا قوة ولا حولاً فإذا أصبح نظر ماذا يفعل الله به فيتلقى كل ما يرد عليه بالفرح والسرور والبهجة والحبور لما هجم عليه من حق اليقين والغنى برب العالمين قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أصبحت وما لي سرور إلا مواقع القدر وقال أبو عثمان رضي الله عنه منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته ولا نقلني إلى غيره فسخطته اه فإذا أراد الفقير أن يكون تصرفه بالله فلينعزل عن حظوظه وهواه فإذا أراد أن يفعل أمراً فليتأن ويصبر ويستمع إلى الهاتف فإن الله سبحانه يسمعه ما يريد أن يتوجه إليه فعلاً أو تركاً وقد جربنا هذا في سفرنا وأقامتنا فكنا لا نتصرف إلا بإذن خاص والحمد لله وصاحب الأعتناء كله هكذا مع التأني فإن التأني من الله والعجلة من الشيطان وكثيراً ما كان الشيخ المجذوب الولي العارف سيدي أحمد أبو سلهام ينشدني هذا البيت تأن ولا تعجـل لأمـر تـريده
    وكن راحماً بالخلق تبلى براحم فعليك أيها المريد بالأعتناء بهذا الأمر وافهم عن الله في أمورك كلها وأنشد على نفسك أتبع رياح القضا ودر حيث دارت
    وسلم لسلمى وسر حيث سـارتوأستعن على هذا الأمر بأدعيته عليه السلام في هذا المقام كقوله اللهم أني أصبحت لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني ولا أن أتقي إلا ما وقيتني فوفقني اللهم لما ترضاه مني من القول والفعل وفي عافية وسترانك على كل شيء قير وكقوله أيضاً عليه السلام اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك نفع ما أرجو وأصبح الأمر بيد غيري وأصبحت مرتهنا بعملي فلا فقير أفقر مني اللهم لا تشمت بي عدوي ولا تسيء بي صديقي ولا تجعل مصيبتي في ديني ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي ولا تسلط على من لا يرحمني إلى غير ذلك من الأدعية التي تكسب الرضى والتسليم والمقصود من دعائه عليه السلام فهم معانيها لا مجرد ألفاظها فالمراد المعاني لا الأواني والله تعالى أعلم ويجمع هذه المعاني وصية شيخ طريقتنا القطب ابن مشيش للرجل الذي قال له وظف على وظائف وأوراد فغضب وقال له أرسول أنا فأوجب الواجبات الفرائض معلومة والمعاصي مشهورة فكن للفرائض حافظاً وللمعاصي رافضاً وأحفظ قلبك من أرادة الدنيا وحب النساء ومن الجاه وأيثار الشهوات وأقنع في ذلك كله بما قسم الله لك إذا خرج لك مخرج الرضى وهو جماله تعالى فكن لله فيه شاكراً وإذا خرج لك مخرج السخط وهو جلاله فكن عليه صابراً وحب الله قطب تدور عليه الخيرات واصل جامع لجميع الكرامات وحصن ذلك كله أربعة صدق الورع وحسن النية وأخلاص العمل ومحبة العلم ولا يتم ذلك إلا بصحبة أخ صالح أو شيخ ناصح اه وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه أحرص أن تصبح وتمسي مفوضاً مستسلماً لعله ينظر إليك فيرحمك اه وقال بعضهم من أهتدى إلى الحق لم يهتد إلى نفسه ومن أهتدى إلى نفسه لم يهتد إلى الله أي من رأى الحق غاب عن نفسه ومن رأى نفسه حجب عن الله ثم أن العاقل الذي ينظر ما يفعل الله هو العارف كما تقدم لأنه هو الذي يتحقق فيه ذلك ومن علامته أنه لا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء وفهمه عن الله في كل شيء بخلاف غيره من العباد والزهاد وهو الذي أشار إليه بقوله إنما أستوحش العباد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء فلو شهدوه في كل شيء ما أستوحشوا من شيء قلت العباد هم الذين غلب عليهم الفعل فهم مستغرقون في العبادة الحسية يقومون الليل ويصومون النهار شغلهم حلاوة العبادة عن حلاوة شهود المعبود فحجبوا بعبادتهم عن معبودهم والزهاد هم الذين غلب عليهم الترك فهم يفرون من الدنيا وأهلها ذاقوا حلاوة الزهد فوقفوا معه وحجبوا عن الله فهم يستوحشون من الأشياء لغيبتهم عن الله فيها ولو عرفوا الله في كل شيء ما أستوحشوا من شيء ولأنسوا بكل شيء وتأدبوا مع كل شيء والعارفون لنفوذ بصيرتهم شهدوا الخلق مظاهر من مظاهر الحق فحجبوا أولاً بالحق عن الخلق وبالمعنى عن الحس وبالقدرة عن الحكمة ثم ردوا إلى شهود الحق في الخلق والقدرة في الحكمة فحين عرفوه في كل شيء أنسوا بكل شيء وتأدبوا مع كل شيء وعظموا كل شيء وفي هذا المقام قال المجذوب رضي الله عنه الخلق نوار وأنا رعيت فـيهـم
    هم الحجب الأكبر والمدخل فيهم وقال سيدي علي رضي الله عنه على قول الشيخ أبي الحسن الشاذلي في شأن الخلق أراهم كالهباء في الهواء أن فتشتهم لم تجدهم شيئاً قال بل أن فتشتهم وجدتهم شيئاً وذلك الشيء ليس كمثله شيء يعني وجدتهم مظاهر من مظاهر الحق أنواراً من أنوار الملكوت فائضة من بحر الجبروت كما قال صاحب العينية رضي الله عنه تجليت في الأشياء حين خلقـتـهـا
    فها هي ميطت عنك فيها البراقـع قطعت الورى من ذات نفسك قطعة
    ولم يك موصول ولا فصل قاطـع وقال شيخ شيوخنا المجذوب رضي الله عنه طلع النهار على قلبي حتى نظرت بعينيا
    أنت دليلي يا ربي أنت أولى مني بـيا

  7. #27
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    والحاصل أن العارفين بالله غابوا عن شهود الخلق بشهود الحق فهم مع الخلق بالأشباح ومع الحق بالأرواح ماتوا وبعثوا وقامت قيامتهم وتبدلت في حقهم الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار فهم يرون الأنوار والناس في ظلمة الأغيار كشف لهم في هذه الدار عن أسرار مكنوناته مسدولة عليها قهارية أستاره وسيكشف لهم في تلك الدار عن أسرار ذاته من غير حجاب الحكمة التي هي أثر صفاته كما أشار إلى ذلك بقوله أمرك في هذه الدار بالنظر في مكوناته وسيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته قلت إنما أمرك في هذه الدار أن تنظر إليه بواسطة مكوناته لأنك لا تقدر هنا أن تنظر إلى حقيقة ذاته المقدسة في عظمة الجبروت الأصلي بلا واسطة لضعف نشأتك وأن كان ذلك جائزاً عقلاً ولذلك طلبه سيدنا موسى عليه السلام لكن حكمة الحكيم أقتضت تغطية أسرار الربوبية بأنوار سبحات الألوهية إذ لا بد للحسناء من تقارب وللشمس من سحاب ولو ظهر من غير رداء الكبرياء لوقع الأدراك ولم يبق حينئذ ترقي فالترقي في أسرار الذات إنما هو بالنظر إلى أنوار الصفات وهو لا ينقطع أبداً في الدراين فلا تنال الذات من غير مظهر أصلاً فالمعنى لا تقبض إلا بالحس هذا مذهب أهل التحقيق من أهل المعاني فإن قلت كيف فرق الشيخ بين الرؤيتين بأعتبار الدارين والتحقيق أنها رؤية واحدة لأن المظهر متحد فالجواب أنه لما كان مظهر هذه الدار الحس فيه غالب على المعني والحكمة ظاهرة والقدرة باطنة ومظهر الدار الآخرة بالعكس المعنى فيه غالب على الحس والقدرة ظاهرة أنكشف ثم عن حقيقة الذات أكثر مما أنكشف هنا فبهذا المعنى وقع التفريق بين الرؤيتين ومثله قول الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه في حزبه الكبير عز الدنيا بالأيمان والمعرفة وعز الآخرة باللقاء والمشاهدة اه هذا بإعتبار الخواص وأما العوام فلا يرون إلا الحس في هذه الدار وفي تلك الدار وأما الرؤية التي تحصل لهم يوم المزيد فيحتمل أن يظهر لهم نوراً من أنوار قدسه ويلهمهم المعرفة فيه وهو ظاهر الحديث أو يفنيهم عن حسهم في ذلك لوقت حتى يشدوا معاني الذات ويتلذذوا برؤيتها ثم يردهم إلى حسهم والحاصل أن تجلي الذات على قسمين قسم يكون بوسائط كثيفة ظاهرها ظلمة وباطنها نور ظاهرها حكمة وباطنها قدرة ظاهرها حس وباطنها معنى وهو تجلي هذه الدار وقسم يكون بوسائط لطيفة نورانية ظاهرها نور وباطنها نور ظاهرها قدرة وباطنها حكمة ظاهرها معنى وباطنها حس وهو تجلي دار الآخرة فالعارفون لما حصل لهم الشهود والمعرفة في هذه الدار وفي تلك الدار لا يحجبهم عن الله حور ولا قصور بل دائماً في النظرة والسرور والنضرة والحبور وذلك أنهم لما عرفهم به هنا لم يحجبهم هنالك يكوت المرء على ما عاش عليه ويبعث على مامات عليه بخلاف العامة فأنهم لما حجبهم هنا بشهود أنفسهم أنحجبوا هنالك عن رؤية معبودهم إلا في وقت مخصوص على وجه نخصوص ولذلك كتب ابن العربي الحاتمي إلى الأمام الرازي فقال له تعال نعرفك بالله اليوم قبل أن تموت فإذا تجلى الله لعباده أنكرته ولم تعرفه وسئل الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه عن رجل يدعي أنه يرى الله ببصره فأستدعاه فسأله عن ذلك فقال نعم فأنتهره ونهاه عن هذا القول ثم قيل له أمحق هوام مبطل فقال هو محق ملبس عليه وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال ثم خرق من بصيرته إلى بصره فنفذ فرأى بصره بصيرته وبصيرته يتصل شعاعها بنور شهوده فظن أن بصره رأي ما شاهدته بصيرته وإنما رأى بصره بصيرته فحسب اه والحاصل أنه أنعكس بصره في بصيرته فرآه ببصيرته وظن أنه رآه ببصره ومعني ذلك أن الروح ما دامت محجوبة بالبشرية كان النظر إنما هو للبصر الحسي فلا يرى إلا الحس فإذا أستولت الروحانية على البشرية أنعكس نظر البصر إلى البصيرة فلا يرى البصر إلا المعاني التي كانت تراها البصيرة وهو معنى قول شيخ شيوخنا المجذوب غيبت نظري في نظـر
    وأفنيت عن كل فـاتـي حققت ما وجـدت غـير
    وأمسيت في الحال هاني والله تعالى أعلم وإنما أمرك في هذه الدار أن تنظر إليه في مكوناته تسلية لك عن شهود ذاته والنظر إليه إذ لا صبر للمحب عن محبوبه كما أبان ذلك بقوله لما علم إنك لا تصبر عنه أشهدك ما برز منه قلت لما فصل الحق سبحانه هذه الروح التي هي لطيفة نورانية من أصلها وتغربت عن وطنها تعشقت إلى أصلها وتعطشت إلى محبة سيدها فلما علم الحق سبحانه أنها لا تصبر عنه ولا تقدر أن تراه على ما هو عليه من كمال جلاله ونور بهاء جماله ما دامت في هذا السجن الذي هو قفص البدن أشهدها الحق تعالى ما برز منه من تجلياته في مظاهر مكوناته وآثار صفاته لكن لا بد للحسناء من نقاب وللشمس من سحاب فبرزت أنوار الجبروت إلى رياض الملكوت فغطتها سحائب الحكمة وآثار القدرة فبقيت الروح تتعشق إلى أصلها من وراء سحاب الأثر فإذا أنقشع السحاب ورفع الحجاب لقي كل حبيب حبيبه وعرف كل أنسان مثواه ومستقره فقنعت الروح بشهود المعاني خلف رقة الأواني وإليه أشار الشيخ الغوث أبو مدين رضي الله عنه بقوله فلولا معانيكم تراها قـلـوبـنـا
    إذا نحن أيقاظ وفي النوم أن غبنا لمتنا أسى من بعدكم وصـبـابة
    ولكن في المعني معانيكم معنـا أي فلولا معاني ذاتكم تراها قلوبنا في مظاهر صفاتكم لمتنا عشقاً أو فلولا معاني ربوبيتكم تراها قلوبنا في مظاهر مكوناتكم أو فلولا معاني الجبروت تراها قلوبنا في عالم الملكوت لمتنا أسى أي حزناً على فراقكم وشوقاً إلى لقائكم وقوله ولكن في المعنى معانيكم معنا أي ولكن معانيكم التي تشاهدها قلوبنا في المعنى معنى عظيم فأستأنسنا بمشاهدتها وأنست أرواحنا بها فلم تمت عشقاً وشوقاً والله تعالى أعلم ومما تستأنس به الروح عن صدمات المحبة أشتغالها بالخدمة كما أشار إلى ذلك بقوله لما علم منك وجود الملل لون لك الطاعات قلت من كرمه تعالى وحسن أختياره لك أيها العبد أنه لما علم أنك لا تقدر أن تصبر عنه أشهدك ما برز منه ولما علم الحق سبحانه أن من عباده من لا يقدر أن يشهده فيما برز منه أشغله بخدمته ولما علم منه أنه ربما يمل من خدمة واحدة لون له طاعته لأن من شأن النفس أن تمل من تكرر الشيء الواحد وفي ذلك يقول الشاعر لا يصلح النفس إذ كانت مدبرة
    إلا التنقل من حال إلى حـالفلون لك طاعته فإذا مللت من الصلاة مثلاً أنتقلت إلى ذكره وإذا مللت من ذكره أنتقلت إلى قراءة كتابه وهكذا وأنواع الذكر كثيرة والتنقل من موجبات النشاط فالعبادة مع النشاط ولو قلت أعظم من العبادة مع الكسل وأن كثرت ليس العبرة بكثرة الحس وإنما العبرة بوجود المعنى وقال الشيخ زروق رضي الله عنه فلونت له الطاعة لثلاثة أوجه أحدها رحمة به ليستريح من لون إلى لون الثاني إقامة للمحجة عليه إذ لا عذر له في الترك الثالث ليثبت له النسبة في العمل بوجود التخيير في الجملة فتكمل الكرامة وتسهل الطاعة فقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إذا وافق الحق الهوى فذلك الشهد بالزبد ومن سار إلى الله بطبعه كان الوصول أقرب إليه من طبعه ومن سار إلى الله بمخالفة طبعه كان الوصول إليه بقدر بعده عن طبعه ومتى يصح بعده عن طبعه والمقصود إنما هو موافقة الحق لا مخالفة النفس وشواهد السنة لا تخفي فأفهم ومن دواعي الملل وجود الشره وهو الحرص وموجبه هو الأطلاق في العمل فلذلك قيدت الطاعة بأعيان الأوقات كما أبان ذلك بقوله وعلم ما فيك من وجود الشره فحجرها عليك في بعض الأوقات الشره خفة في النفس توجب المسارعة للعمل والأسراع فيه وينتج آفات ثلاثاً أولها الترك عند الدوام لتروي النفس وضيقها الثاني الملل وهو التثاقل أن لم يكن ترك الثالث الأخلال بالحقوق لوجود العجلة والحجر بالوقت فيه فوائد ثلاث أولها منع الشره إذ لو كانت مرسلة لوقعت النفس فيها على وجه الشره الثاني نفي التسويف لولا الوقت لكانت تعده من زمن إلى زمن فيؤدي إلى التفريط الثالث التمكين من العمل والتمكن فيه إذ لولا الوقت لا همل العمل ولم يحافظ عليه لغلبة الهوى ولم يحفظه أستعمالاً للحظوظ اه ثم بين وجه التحجير وهو الأتقان والأقامة فقال ليكون همك أقامة الصلاة لا وجود الصلاة قلت السر في تحجير الصلاة في بعض الأوقات لتشتاق النفس إليها وترتاح بها فيحصل فيها الخشوع والحضور وقرة العين بخلاف ما إذا كانت دائمة فيها فلا تتعشق إليها بل ربما تمل فتوقعها على غير تمام والمقصود منك حركه قلبك لا حركة جسمك أن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ليس الشأن حركة الأشباح إنما الشأن خضوع الأرواح فالسر في تحجر الصلاة عنك في بعض الأوقات أن يكون همك أقامة الصلاة وهو أتقانها والقيام بحقوقها الظاهرة والباطنة لا وجود الصلاة من غير إقامة فهي ميتة خاوية فهي إلى العقوبة أقرب قال الأمام القشيري رضي الله عنه إقامة الصلاة هو القيام بأركانها وسننها ثم الغيبة عن شهودها برؤية من يصلي له فتحفظ عليه أحكام الأمر بما يجري عليه منه وهو عن ملاحظتها محو فنفوسهم منه مستقبلة إلى القبلة وقلوبهم مستقرة في حقائق الوصلة اه وقال المؤلف رضي الله عنه إقامة الصلاة حفظ حدودها مع حفظ السر مع الله عز وجل لا يختلج بسرك سواه اه وكتب عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه إلى عماله أن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها فهو لما سواها أحفظ ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع اه من الشيخ زروق ثم ذكر وجه كون المطلوب هو الأقامة دون الوجود من حيث هو فقال فما كل مصل مقيم قلت لأن الأقامة في اللغة هو الأكمال والأتقان يقال أقام فلان داره داره إذا أكملها وجعل فيها كل ما يحتاج إليه فأقامة الصلاة أتقانها كما تقدم وضد الأقامة هو الأخلال والتفريط فليس كل مصل مقيماً فكم من مصل ليس له من صلاته إلا التعب وفي بعض الأحاديث من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعداً وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم إذا صلى العبد فلم يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها لفت كما يلف الثوب الخلق ثم يضرب بها وجهه أو كما قال عليه السلام فالمصلون كثير والمقيمون قليل فأهل الأشباح كثير وأهل القلوب قليل قال أبو بكر بن العربي المعافري رحمه الله ولقد رأيت ممن يحافظ عليها آلافا لا أحصيها فأما من يحافظها بالخشوع والأقبال فما أستوفي منهم خمسة وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه كل موضع ذكر فيه المصلون في موضع المدح فإنما جاء لمن أقام الصلاة أما بلفظ الأقامة أو بمعنى يرجع إليها قال الله سبحانه الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة رب إجعلني مقيم الصلاة وأقام الصلاة والمقيمي الصلاة ولما ذكر المصلين بالفغلة قال فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ولم يقل فويل للمقيمين الصلاة اه وأعلم أن الخشوع في الصلاة على ثلاث مراتب المرتبة الأولى خشوع خوف وأنكسار وأذلال وهو للعباد والزهاد المرتبة الثانية خشوع تعظيم وهيبة وأجلال وهو للمريدين السالكين المرتبة الثالثة خشوع فرح وسرور وأقبال وهو للواصلين من العارفين ويسمى هذا المقام قرة العين كما يأتي أن شاء الله ثم أعلم أن الصلاة التي لا يصحبها خشوع ولا حضور هي باطلة عند الصوفية غير مقبولة عند العلماء وقالوا ليس للعبد من صلاته إلا ما حضر فيها قلبه فقد يكون له ربع صلاته أو نصفها بقدر ما حضر فيها ويعين على الخشوع الزهد في الدنيا وهذا هو الدواء الكبير إذ محال أن تكون عندك بنت إبليس ولا يزورها أبوها فلا يتأتى الخلوص من الخواطر ما دامت في القلب وقليلها هو كثيرها فمن بقيت فيه بقية منها فأنه تأتيه الخواطر على حسبها فمحال أن تكون شجرة الدنيا في قلبك وتسلم من الخواطر ومثال ذلك كشجرة عندك في بستان يجتمع عليها الطيور ويهولونك بأصواتهم فكلما شوشتهم رجعوا فلا ينقطعون عنك أبداً حتى تقطع تلك الشجرة فإذا قطعتها أسترحت من أصواتهم فكذلك الدنيا ما دامت في اليد وهو معمور بها لا يسلم القلب من خواطرها حتي يخرج عنها وحينئذ يستريح من مساويها والله تعالى أعلم و مما يعين أيضاً على الخشوع الأكثار من ذكر الله بالقلب والقالب وأدمان الطهارة لأن الظاهرة له تعلق بالباطن إذا طهر هذا طهر هذا وبالله التوفيق ثم ذكر نتائج الصلاة وثمراتها ومرجعها إلى ست كل واحدة توصل إلى ما بعدها وإن إلى ربك المنتهي فأشار إلى الأولى بقوله الصلاة مطهرة للقلوب قلت إنما كانت الصلاة طهرة للقلوب من المساوي والعيوب لما فيها من الخضوع والأنكسار والذل والأفتقار والتذلل والأضطرار فإذا خضع القلب لهيبة الجلال طهر من سائر العلل لأن طلب العلو والرفعة هو أصل العلل وعنصرها ومن شأن النفس وطبيعتها طلب العلو والأستكبار والتعزز والأفتخار لأنها جاءت من عالم العز فلا ترضى إلا بالعز وإلى هذا أشار شيخ شيوخنا المجذوب بقوله من أين جئتي يا ذي الروح
    الـهـايمـا روحـانـيا
    مقامها بساط العز
    أحوالها ربانـيا فلما ركبت في هذا القالب الجسماني ردتها القهرية إلى العبودية وجعلتها لها باباً للوصول إلى حضرة الربوبية فلا يطمع لها في الرجوع إلى أصلها إلا بإنكسارها وذلها ولذلك قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه أتيت الأبواب كلها فوجدت عليها أزدحاماً فأتيت باب الذل والأنكسار فوجدته خالياً فدخلت منه وقلت هلموا إلى ربكم هكذا أسمعته من أشياخنا فإذا أنكسرت وذلت رجعت لأصلها ووصلت وإذا تعززت وأستكبرت حجبت وطردت وإذا طردت بعدت وكلما بعدت عن الحضرة الربانية أستحكمت فيها الشهوات الجسمانية والأخلاق الشيطانية فأتصفت حينئذ بكل خلق دني وبعدت من كل خلق سني فإذا أراد الله تعالى أن يرحمها بالقرب من جنابه والوقوف ببابه ألهمها الصلاة وحببها إليها حتى إذا تطهرت من الذنوب ومحيت عنها المساوي والعيوب قربت من حضرة الحبيب ومناجاة القريب فقرعت الباب وطلبت رفع الحجاب وهذا معنى قوله وأستفتاح لباب الغيوب وهي النتيجة الثانية من نتائج الصلاة قلت المراد بالغيوب أسرار الملكوت وأسرار الجبروت وإنما كانت الصلاة أستفتاحاً لباب الغيوب لما أشتملت عليه من تطهير الظاهر والباطن قال محمد بن علي الترمذي الحكيم رضي الله عنه دعا الله الموحدين إلى هذه الصلوات الخمس رحمة منه عليهم وهيأ لهم فيها أنواع الضيافة لينال العبد من كل قول وفعل شيئاً من عطاياه فالأفعال كالأطعمة والأقوال كالأشربة وهي عرش الموحدين هيأها رب العالمين لأهل رحمته في كل يوم خمس مرات حتى لا يبقى عليهم دنس من الأغيار اه فإذا تطهر الظاهر بالطهارة الحسية والباطن بالطهارة المعنوية أستحق الدخول إلى الحضرة القدسية فأول ما يتحف به قربه إلى الباب وسماع خطاب الأحباب من وراء حجاب فيتمتع بمناجاة الأحباب ولذيذ الخطاب وهو معنى قوله الصلاة محل المناجاة وهي النتيجة الثالثة قلت المناجاة هي المساررة والمكالمة مع الأحباب فمناجاة العبد ربه بالتلاوة والأذكار ومناجاة الرب لعبده بالتفهم والفتح ورفع الأستار وفي الحديث الصحيح المصلى يناجي ربه وقال أيضاً عليه السلام يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال تعالى حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى مجدني عبدي فإذا قال مالك يوم الدين قال الله تعالى فوض إلى عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى هذه بيني وبين عبدي فإذا قال أهدنا الصراط المستقيم الآية قال الله هذه لعبدي ولعبدي ما سأل الحديث.
    فلا يزال المصلي يناجي ربه ويطلب قربه حتى تتمكن المحبة من القلب والأقبال من الرب فتصفو المحبة من كدر الجفا ويتصل المحب مع حبيبه في محل الصفا وهو معنى قوله ومعدن المصافاة وهي النتيجة الرابعة قلت المعدن هو محل الذهب والفضة أستعير هنا لصفاء القلوب والأرواح لتصفيتها من لوث صلصال الأشباح فالمصافاة خلوص المناجاة من تشويش الحس وكدر الهواجس فهي أرق وأصفى من المناجاة كما قال ابن الفارض رضي الله عنه، ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا، سر أرق من النسيم إذا سرا، وهذه مصافاة العبد لربه ومصافاة الرب لعبده بالأقبال عليه حتى لا يدعه لغيره وفي الخبران العبد إذا قام إلى الصلاة رفع الله الحجاب بينه وبينه وواجهه بوجهه وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهوى يصلون بصلاته اه فإذا تمت التصفية وعظمت المحبة وكثر العطش وظهر الدهش أستحقت الروح رفع الحجاب وفتح الباب فتدخل إلى حضرة الأحباب ويرتفع بينها وبينهم الحجاب فتخرج من ضيق الأشباح إلى فضاء عالم الأرواح أو من ضيق الملك إلى سعة عالم الملكوت وهو معنى قوله فيها تتسع ميادين الأسرار وهي النتيجة الخامسة قلت الميادين جمع ميدان وهو مجال الخيل أستعير هنا لفضاء عالم الملكوت فإذا تنزهت الروح في عالم الملكوت وجالت بفكرتها في سعة أنوارها أشرقت عليها أنوار سنا الجبروت وهو معنى قوله وتشرق فيها شوارق الأنوار وهي النتيجة السادسة قلت أراد بالأسرار أسرار الذات وهو لأهل الفناء وبالأنوار أنوار الصفات وهو لأهل البقاء والله أعلم.

    وأراد الشيخ بهذه الصلاة التي تنقله من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام صلاة أهل الأعتناء وهم أهل السلوك على يد الشيوخ لا صلاة أهل الغفلة وصلاة أهل المجاهدة من العباد والزهاد فليس لهم هذا السير والله تعالى أعلم قال أبو طالب حدثنا أن المؤمن إذا توضأ للصلاة تباعدت عنه الشياطين في أقطار الأرضين خوفاً منه لأنه تأهب للدخول على الملك فإذا كبر حجب عنه أبليس وضرب بينه وبينه بسرادق لا ينظر إليه وواجهه الجبار بوجهه فإذا قال الله أكبر أطلع الملك في قلبه فإذا ليس في قلبه أكبر من الله فيقول الملك صدقت الله أكبر في قلبك كما تقول فيتشعشع في قلبه نور يلحق ملكوت العرش فينكشف له بذلك ملكوت السموات والأرض ويكتب له حشو ذلك النور حسنات قال وأن الغافل الجاهل إذا قام إلى الوضوء أحتوشته الشياطين كما تحتوش الذباب على نقطة العسل فإذا كبر أطلع الملك في قلبه فإذا كل شيء في قلبه أكبر من الله عنده فيقول الملك كذبت ليس الله في قلبك كما تقول فيثور من قلبه دخان يلحق بعنان السماء فيكون حجاباً لقلبه عن الملكوت قال فيرد ذلك الحجاب صلاته وتلتقم الشياطين قلبه ولا يزال تنفخ فيه وتنفث وتوسوس وتزين له حتى ينصرف من صلاته ولا يعقل ما فعل ثم ذكر حكمة حصرها في عدد معلوم وهو خمسة فقال علم وجود الضعف منك فقلل أعدادها وهي خمس بعدان كانت خمسين فمن لطفه سبحانه بك أيها الأنسان قلل أعدادها مع سعة الزمان فجعل عليك صلاة في أول نهاره شكراً لما أظهره لك من باهر أنوراه وليكون نهوضك إليه في أول قيامك جبراً لما حصل من غفلتك في طول منامك وجعل عليك صلاة في وسط نهاره أخماداً عنك لما أظهره في ذلك الوقت من وقود ناره وجعل عليك صلاة قرب أنصراف النهار ليكون شاهداً لك بوجود طاعتك عند الملك الغفار ولتشهد عليك ملائكة الرحمن بالصلاة عند الملك الديان.

    وأوجب عليك صلاة في أول زمان الليل أستفتاحاً لذلك الزمان بوجود طاعتك كما أستفتحت أول نهارك وأستحفاظاً لما يتوقع من عجائب الليل ثم لما أردت أن تنام عن سيدك وتغفل عن ربك وتتمع بفراشك أمرك أن تودعه بحضورك معه وأن يكون آخر عهدك به وجود طاعتك فهذا كله جذب منه لك لحضرته وأستخراج منك لشكر منته عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل وحين قلل أعدادها لما علم أحتياجك إلى منته كثر أمدادها وإليه أشار بقوله وعلم أحتياجك إلى فضله فكثر أمدادها المراد بالأمداد الجزاء الذي رتب عليها فجعل كل صلاة بعشر فهي خمس وهي خمسون خمس في الحس وخمسون في المعنى أي الثواب وإذا فعلت في الجماعة كانت كل واحدة بخمس وعشرين وكل درجة بعشر فكان عدد صلاة الجماعة مائتين وخمسين في كل صلاة واله ذو الفضل العظيم وتتفاوت الدرجة أيضاً بكثرة الجماعة وكمالها وبقدر الحضور والخشوع والغيبة ورفع الستور فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون وتتفاوت أيضاً بقدر البقع كبيت الله الحرام والمسجد النبوي وبيت المقدس وبقدر رتبة الأمام من صلى خلف مغفور غفر الله له والله تعالى أعلم لكن لا ينبغي لك أيها الفقير أن تلتفت إلى هذا الحظ فإن فضل الله كثير لمن رفع همته إلي العلي الكبير كما أبان ذلك بقوله متى طلبت عوضاً عن عمل طولبت بوجود الصدق فيه ويكفي المريب وجدان السلامة قلت متى صدر منك عمل من أعمال البر وطلبت الحق سبحانه أن يجازيك عليه طلبك الحق تعالى بوجود الصدق فيه وهو سر الأخلاص ولبه الذي هو التبري من الحول والقوة وأنعزال النفس عن رؤية العمل لها بالكلية بعد تحقيق الحضور والسلامة من الوساوس والخواطر والهواجس حتي تكون صلاتك بالله ولله غائباً فيها عما سواه قد ملأ قلبك عظمة الله فغبت في الله بالله فإن تحققت فيك هذه الأمور صح لك أن تطلب ما رتب الحق سبحانه على العمل من أنواع الجزاء والأجور وأن لم تتحقق من نفسك هذه الأمور فأعلم أن عملك مدخول فأستحي من الله أن تطلب الجزاء على عمل مدخول فيكفيك من الجزاء وحصول المطلب السلامة من الهلاك والعطب يكفيك من طلب حسن نواله السلامة من عقابه ونكاله يكفي المريب وهو المتهم وجدان السلامة من العقوبة فيما أتهم فيه فمن كان عند الملك متهماً وهو محبوس للعقوبة على ما أتهم فيه ثم قيل له إن الملك يمنحك ويعطيك كذا وكذا فيقول لهم يكفيني في العطاء وجدان السلامة من عقوبته وأنت أيها الأنسان طولبت بالأعمال والأخلاص فيها وأتقانها وأتمام أقامتها فأتيت بطاعة مشوبة بالخواطر والوساوس وعلى تقدير سلامتها من ذلك فطلبك الجزاء يقتضي رؤية نفسك ووجود الفعل منك وهو شرك تستحق عليه العقوبة فيكفيك من عطائه وجود السلامة من عقابه قال الواسطي رضي الله عنه العبادة إلي طلب العفو عنها أقرب منها إلى طلب الأعواض اه وقال خير النساج رضي الله عنه ميراث أعمالك ما يليق بأفعالك فأطلب ميراث فضله فإنه أتم وأحسن وقال الله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ومعني كلامه رضي الله عنه أن جزاء أعمالك ما يليق بأفعالك الناقصة وجزاء الناقص ناقص فأطلب منه ثمرة فضله فإنه كامل من كل وجه فهو أتم وأكمل والله تعالى أعلم وكيف تطلب الجزاء على عمل لست له فاعلاً ولا علمت كون القبول له حاصلاً كما أشار إليه بقوله لا تطلب عوضاً عن عمل لست له فاعلاً يكفي من الجزاء لك على العمل أن كان له قابلاً قلت قد تقرر عند أهل الحق أن العبد مجبور في قالب مختار فليس له فعل ولا أختيار وإنما الفاعل هو الواحد القهار قال تعالى وربك يخلق ما يشاء ويختار وقال تعالى والله خلقكم وما تعملون وقال تعالى وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين وقال صلى الله عليه وسلم كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس أي النشاط وقال عليه السلام كل ميسر لما خلق له فأما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل الشقاوة ثم قرأ فأما من أعطي وأتقى الآية فإذا تقرر هذا فكيف يطلب العبد الأجر على عمل ليس هو فاعله وعلى تقدير نسبته إليه فالجزاء متوقف عى القبول فمن أين تدري هل يكون مقبولاً أم لا وإذا تفضل عليك بالقبول على ما هو عليه من النقص والخلل فهذا يكفيك في جزائك على العمل فلولا جميل ستره لم يكن عمل
    أهلاً للقبول فلولا أن الله سبحانه تفضل على عباده بالعفو والحلم ما قبل عملاً قط إذ تصفية الأعمال كاد أن تكون من المحال قال الله تعالى وما قدروا الله حق قدره أي عظموه حق تعظيمه وقال تعالى كلا لما يقض ما أمره أي لم يقض الأنسان ما أمره سيده على الوجه الذي أمر به وأنظر قوله تعالى أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا لم يقل الحق تعالى نتقبل منهم لأه يقتضي أنه كامل بل عداه بعن المفيدة للتجاوز كأنه قال أولئك الذين يتجاوز عنهم في أحسن ما عملوا فنتقبلها منهم ولو لم بتجاوز عنهم فيها ما تقبلت منهم ولكن الكريم لا ينتقد بل يقبل كل ما يعطاه لعظيم كرمه وغناه فالحمد دائماً لله حيث خلق فينا العمل وأعطانا عليه غاية المنى والأمل كما أشار إلى ذلك بقوله إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق فيك ونسب إليك قلت الحق تعالى فاعل بالمشيئة والأختيار لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون أي لا يسئل عما يفعل حقيقة وهم يسئلون شريعة ثم وأن الحق سبحانه وتعالى قسم عباده على ثلاثة أقسام قسم أعدهم للأنتقام فأظهر فيهم إسمه المنتقم وإسمه القهار أجرى عليهم صورة العصيان بحكمته ونسبها إليهم بعدله وقهره ولو شاء ربك ما فعلوه ولو شاء الله ما أشركوا فقامت الحجة عليهم بإعتبار النسبة وإظهار الحكمة وما ربك بظلام للعبيد وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وقسم أعدهم الله للحلم ليظهر فيه إسمه الحليم وإسمه الرحيم أجري عليهم العصيان وحلاهم بالإيمان فأستحقوا العقوبة على العصيان ثم أن الحق تعالى حلم عليهم وعفا عنهم وأدخلهم الجنان وقسم أعدهم الله للكرم ليظهر فيهم إسمه الكريم وإسمه الرحيم خلق فيهم الطاعة والأحسان وحلاهم بالإسلام والإيمان وربما زادهم التجلي بالأحسان فأدخلهم فسيح الجنان ومتعهم بالنظر إلى وجه الرحمن فإذا أراد الله تعالى أن يلحقك بهؤلاء السادات هيأك لأنواع الطاعات وخلق فيك القوة على فعل الخيرات ثم نسب إليك ذلك الفعل فقال يا عبدي فعلت كذا كذا من الخير فأنا أجازيك عليه أدخل الجنة برحمتي وترق إلى مقامك بعملك فمقامك حيث أنتهى عملك قال تعالى كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا وقال تعالى أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون ثم ينبغي لك أيها الأنسان أن تتأدب مع الملك الديان فلا تنسب إليه النقص والعصيان وإنما أغوتك نفسك والشيطان قال تعالى فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور أي الشيطان فما كان من الكمال فأنسبه إلى الكبير المتعال وما كان من النقصان فأمسحه في منديل النفس والشيطان قال سهل بن عبد الله رضي الله عنه إذا عمل العبد حسنة وقال يا رب بفضلك أستعملت وأنت أعنت وأنت سهلت شكر الله ذلك له وقال عبدي بل أنت أطعت وأنت تقربت وإذا نظر إلى نفسه وقال أنا عملت وأنا أطعت وأنا تقربت أعرض الله عنه وقال له يا عبدي أنا وفقت وأنا أعنت وأنا سهلت وإذا عمل سيئة وقال يا رب أنت قدرت وأنت قضيت وأنت حكمت غضب المولي جلت قدرته عليه وقال يا عبدي بل أنت أسأت وأنت جهلت وأنت عصيت وإذا قال يا رب أنا ظلمت وأنا أسأت وأنا جهلت أقبل المولي جلت قدرته عليه وقال يا عبدي أنا قضيت وأنا قدرت وقد غفرت وقد حلمت وقد سترت اه ثم أن هذه النسبة التي نسب الله لعبده بما خلق فيه بها يستحق المدح والذم فإذا خلق فيه الطاعة ونسبها إليه أستحق المدح بلسان الشرع وإذا أجرى عليه المعصية وقضاها عليه إستحق الذم بلسان الشرع أيضاً كما أشار إليه بقوله لا نهاية لمذامك أن أرجعك إليك ولا تفرغ مدائحك أن أظهر جوده عليك قلت إذا أراد الله أهانة عبد وأذلاله رده إلى نفسه وهواه فأحيل عليها ووكل إليها فيوليه ما تولي فإذا أستولى عليه الهوى أعماه وأصمه وفي مهاوي الردى أسقطه كما قال الشاعر

    ترك يوماً نفسك وهواها
    سعى لها في رداهـا فالهوى مختصر من الهوان وموجب له كما قال البرعي رحمه الله لا تتبع النفس في هواها
    أن أتباع الهوى هـوان وإذا أراد الله أعزاز عبده وعنايته أظهر عليه جوده وكرمه فتولاه وحفظه ولم يتركه مع نفسه وهواه طرفة عين ولا أقل من ذلك فلا نهاية لمذامك أيها الأنسان أن ردك إلى نفسك وحكمها فيك وتركك مع هواك لأن ذلك من علامة الأهمال وسقوطك من عين الكبير المتعال والعياذ بالله من كل خسر ووبال ولا تفرغ مدائحك أن أظهر جوده عليك فتولاك بحفظه ورعاك بعنايته وحجزك عن نفسك وحال بينك وبين تدبيرك وحدسك ومن دعائه عليه السلام أن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة وأني لا أثق إلا برحمتك والحاصل أنك أن كنت بربك تكمل عزك ولا يتناهي مدحك وأن كنت بنفسك تكامل ذلك ولا يتناهي ذمك كما قال الشاعر إذ كنا به تـهـنـا دلالا
    على كل الحرائر والعبيد وإن كنا بنا عدنا إلـينـا
    فعطل ذلنا ذل الـيهـود أو تقول من أهمله الله وتركه مع نفسه وهواه لا نهاية لمذامه وقبائحه فإن للنفس من النقائص ما لله من الكمالات ومن تولاه الله وأظهر جوده عليه ولم يتركه مع نفسه وأزعجه عن حظه وحال بينه وبين هواه فلا نهاية لمدائحه إذ كمالات الله لا نهاية لها وما هنا إلا مظاهره فكما لا نهاية لجلاله كذلك لا نهاية لجماله والله تعالى أعلم هذا آخر الباب الثاني عشر وحاصلها تعظيم الأوراد والتأهب لورود الأمداد وتصفية البواطن من الأكدار لتشرق عليها شموس الأنوار وهي شموس العرفان فيفني العارف عن التدبير والأختيار فكل يوم ينظر ما يفعل الواحد القهار فتأنس حينئذ بكل شيء ويتأدب مع كل شيء ويعظم كل شيء ولا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء فيستأنس في هذه الدار بالنظر إلى الله في حجاب صفاته وهي مظاهر مكوناته وسيكشف له في تلك الدار عن كمال ذاته من غير حجاب صفاته وذلك أنه لما علم أنه لا يصبره عنه أشهده ما برز منه ولما علم أن من عباده من لا يقدر أن يشهده في مكوناته أشغله بخدمته وعلم أيضاً أنه أن دام على عمل واحد ربما حصل له الملل لون له الطاعة والعمل وعلم ما في عبده من الشره فحجرها عليه في بعض الأوقات ليكون مه أقامة الصلاة لا وجود الصلاة ثم ذكر ثمراتها ونتائجها ونهاك عن طلب العوض عليها لكونك لست عاملاً لها وإنما هو فضل من الله عليك خلق فيك القوة ونسبها إليك فإن ردك إلى نفسك وتركك مع هواك لا تتناهي مذامك وأن أخذك عن نفسك وتولاك بجوده وفضله لا تفرغ مدائحك حيث صرت ولياً من أوليائه وصفياً من أصفيائه جعلنا الله منهم بمنه وكرمه آمين هذا آخر النصف الأول والله المستعان على التمام بجاه نبيه المصطفى بدر التمام صلى الله عليه وعلى آله الكرام وهذا أول النصف الثاني فنقول وبالله نستعين بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف نفعنا الله به وبعلومه آمين

  8. #28
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    فإذا أردت أن يظهر جوده عليك وتبسط مواهبه لديك فتحقق بوصفك وتعلق بوصفه كما أبان ذلك بقوله وقال رضي الله عنه كن بأوصاف ربوبيته متعلقاً بأوصاف عبوديتك متحققاً قلت أوصاف الربوبية هي العز والكبرياء والعظمة والغنى والقدرة والعلم وغير ذلك من أوصاف الكمالات التي لا نهاية لها وأوصاف العبودية هي الذل والفقر والعجز والضعف والجهل وغير ذلك مما يناسب العبودية من النقائص وكيفية التعلق بأوصاف الحق هو أن تلتجيء في أمورك إليه وتعتمد في حوائجك عليه وترفض كل ما سواه ولا ترى في الوجود إلا إياه فإذا نظرت إلى عزه وكبريائه وعظمته تعززت به ولم تعزز بغيره وصغر في عينك دونه كل شيء وإذا نظرت إلى وصفه تعالى بالغني تعلقت بغناه وأستغنيت عما سواه ولم تفتقر إلى شيء وأستغنيت به عن كل شيء وإذا نظرت إلى وصفه تعالى بالقدرة والقوة لم تلتجئ في حال عجزك وضعفك إلا إلى قدرته وقوته وأستضعفت كل شيء وإذا نظرت إلى سعة علمه وأحاطته أكتفيت بعلمه وأستغنيت عن طلبه وقلت بلسان الحال علمه يغني عن سؤالي وهكذا في جميع الأوصاف والأسماء فكلها تصلح للتعلق والتخلق والتحقق وكيفية التخلق بأوصافه تعالى أن تكون في باطنك عزيزاً قوياً به عظيماً كبيراً عنده قوياً في دينه وفي معرفته عالماً به وبأحكامه وهكذا وحاصلها أستعمال الحرية في الباطن والعبودية في الظاهر وكيفية التحقق بأسماء الله تعالى أن تكون تلك المعاني فيك راسخة متمكنة متحققاً فيك وجودها فالتخلق مجاهدة والتحقق مشاهدة أي يكون وجودها غريزياً وكيفية التخلق بأوصاف العبودية هو التحقق بالذل في الظاهر حتى يصير الذل عندك حرفة وطبيعة لا تأنف منه بل تستحليه وتغتبط به وكذلك الفقر والضعف والجهل وسائر أوصاف العبودية تتحقق بوجودها في ظاهرك حتى يكون ذلك شرفاً عندك وكان شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه يقول أهل الظاهر يتنافسون في العلو أيهم يكون أعلى من الآخر وأهل الباطن يتنافسون في الحنو أيهم يكون أحنى من الآخر اه بالمعنى وقال الشيخ زروق رضي الله عنه أوصاف البوبية أربعة تقابلها أربعة هي أوصاف العبودية أولها الغنى ويقابله الفقر الثاني العز ويقابله الذل الثالث القدرة ويقابلها العجز الرابع القوة ويقابلها الضعف وكل هذه متلازمة أن وجد واحدها وجد جميعها ووجود المقابل ملزوم بوجود مقابله فمن أستغنى بالله أفتقر إليه ومن أفتقر إلى الله أستغنى به ومن تعزز بالله ذل له ومن ذل له تعزز به ومن شاهد قدرته رأى عجز نفسه ومن رأى عجز نفسه شاهد قدرة مولاه ومن نظر ضعف نفسه رأى قوة مولاه ومن رأى قوته علم ضعف نفسه لكن أن كان البساط النظر لأوصافك فأنت الفقير إلى الله وأن كان البساط النظر إلى أوصافه فأنت الغني بالله وهما يتعاقبان على العارف فتارة يغلب عليه الغنى بالله فتظهر عليه آثار العناية وتارة يظهر عليه آثار الفقر إلى الله فيلتزم الرعاية فحين غلب الغنى بالله على حبيب الله أطعم الفا من صاع وحين غلب عليه الفقر إلى الله شد الحجر على بطنه من الجوع فأفهم اه قلت والتحقيق ما قدمناه من أن التعلق بأوصاف الربوبية يكون في الباطن والتحقق بأوصاف العبودية يكون في الظاهر فالحرية في الباطن على الدوام والعبودية في الظاهر على الدوام فحرية الباطن هي شهود أوصاف الربوبية وهو معنى التعلق بها لكن أن كان مجاهدة فهو تعلق وأن كان طبيعة وغريزة فهو تحقق أو تقول أن كان حالاً فهو تعلق وأن كان مقاماً فهو تحقق وعبودية الظاهر هي شهود أوصاف العبودية قياماً بالحكمة وسترا للقدرة والحاصل أن عظمة الربوبية ظهرت في مظاهر العبودية فمن نظر للعظمة صرفاً تحقق بعظمة الربوبية ومن نظر لظاهر المظهر تحقق بأوصاف العبودية والكامل ينظر لهما معاً فيتحقق بعظمة الربوبية في الباطن ويتحقق بأوصاف العبودية في الظاهر فيعطي كل ذي حق فالجمع في باطنه مشهود والفرق في ظاهره موجود والله تعالى أعلم فإن أظهر أوصاف الربوبية فقد تعدى طوره وجهل قدره فلا بد أن تؤدبه القدرة وإلى ذلك أشار بقوله منعك أن تدعي ما ليس لك مما هو للمخلوقين أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين قلت الحق تعالى غيور فلا يحب لعبده أن يفشي سر خصوصيته ولا يرضى لعبده أن يشاركه في أوصاف ربوبيته فمن غيرته تعالى أن ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية ولولا ذلك لكان سر الربوبية مبتذلاً ظاهراً وذلك مناقض لحكمته وكيف وهو يقول أن ربك حكيم عليم ومن غيرته تعالى أن أختص بأوصاف الربوبية ونهانا عن أظهاراها والتحلي بها حالاً أو مقالاً وذلك كأتصاف العبد بالعز والعظمة والكبر وطلب الرياسة والعلو أو أدعاء ذلك بالمقال فإن فعل شيئاً من ذلك أستحق من الله الطرد والنكال ففي الحديث القدسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى الكبرياء ردائي والعظمة أزاري فمن نازعني واحداً منهما قصمته وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم لا أحد أغير من الله فلذلك حرم الفوحش ما ظهر منها وما بطن وفي البخاوي في قصة سيدنا موسى عليه السلام أنه خطب على الناس خطبة ذرفت منها العيون فقام إليه رجل فقال له هل تعلم أحداً أعلم منك فقال لا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فقال له بلى عبدنا خضر هو أعلم منك فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه فأنظر كيف أدبه بطلب غيره حتى صار تلميذاً له يأمره وينهاه بقوة وصوله من عظم قدره وجلالة منصبه وما ذلك إلا لأظهار شيء من الحرية فكل من أظهر الحرية رده إلى العبودية بالقهرية وكل من أظهر العبودية حقق له في باطنه الحرية وملكه الكون بالكلية فمن تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره ومن غيرته تعالى أيضاً أن حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والفواحش كل ما فحش قبحه وعظم جرمه كالزنا والغصب والسرقة والتعدي وأكل أموال اليتامى وغير ذلك من حقوق العباد فإذا كان منعك أن تدعي ما ليس لك مما هو للمخلوقين من العرض الفاني فكيف يبيح لك أن تدعي وصفه من العزة والكبرياء وهو رب العالمين فإذا أدعيت ما ليس لك سلبك ما ملكك وإذا تحققت بوصفك وسلمت له وصفه منحك ما لم يكن عندك وأتاك ما لم يؤت أحداً من العالمين فكلمانزلت بنفسك أرضاً أرضاً سما قلبك سماء سماء وقد تقدم هذا المعنى في الخمول والله تعالى أعلم تنبيه أعلم رحمك الله ووفقك للتسليم لأوليائه أن الحرية إذا تحققت في الباطن لا بد من رشحات تظهر على الظاهر فكل أناء بالذي فيه يرشح وصاحب الكنز لا بد أن يظهر عليه السرور وصاحب الغنى لا يخلو من بهجة وحبور وكما قال الشاعر
    ومهما تكن عند أمرء من خلـيقة
    وأن خالها تخفي على الناس تعلم ولذلك تجد أهل الباطن رضي الله عنهم جلهم أقوياء في الظاهر فربما تصدر منهم مقالات تستخرجها القدرة منهم فيظن الجاهل بحالهم أن ذلك دعوى وظهور وليس كذلك وإنما ذلك رشحات من قوة الباطن لا قدرة لهم على أمساكها منها ما يكون تحدثاً بالنعم ومنها ما يكون نصحاً للعباد ليعرفوا حالهم فينتفعون بهم في طريق الأرشاد ومن هذا الأمر رفضهم كثير من أهل الظاهر المتعمقون في العبادة أو المتجمدون على ظاهر الشريعة أو من لم تطل صحبته معهم في الطريقة وأن كان كاملاً ومن ذلك ما وقع للشيخ زروق رضي الله عنه مع أبي المواهب التونسي رضي الله عنه حين ظهرت عليه آثار القوة الباطنية حتى قال فيه الشيخ زروق دعواه أكبر من قدمه وليس كذلك فإن الشيخ أبا المواهب عظيم الشأن راسخ القدم في العرفان أخذ عن أبي عثمان المغربي وكان يقول لبست خرقة التصوف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وله شرح حسن على الحكم إلا أنه لم يكمل وله كلام رائق نظماً ونثرا ومن نظمه رضي الله عنه من فاته منك وصل حظه الـنـدم
    ومن تكن همه تسمو به الهـمـم وناظر في سوى معناك حـق لـه
    يقتص من جفنه بالدمع وهـو دم والسمع أن جال فيه من يحـدثـه
    سوى حديثك أمسى وقره الصمـم في كل جارحة عـين أراك بـهـا
    مني وفي كل عضو بالثنـاء فـم فإن تكلمت لم أنطـق بـغـيركـم
    وكل قلبي مشغوف بـحـبـكـم أخذتم الروح مني في مـلاطـفة
    فلست أعرف غيراً مذ عرفتـكـم نسيت كل طريق كنت أعرفـهـا
    إلا طريقاً تؤدينـي لـربـعـكـم فما المنازل لولا أن تحـل بـهـا
    وما الديار وما الأطلال والـخـيم لولاك ما شاقني ربع ولا طـلـل
    ولا سمعت بي إلى نحو الحمى قدم
    وأطال الشعراني في ترجمته في الطبقات بما يدل على كمال خصوصيته وتمام ولايته وما حمل الشيخ زروقاً على مقالته تلك إلا القوة التي صدرت من أبي المواهب مع كونه لم تطل صحبته معه مع ما صدر منه في جانب الشيخ ابن عباد رضي الله عنهم والله تعالى أعلم وهذا الأمر الذي ذكرنا من القوة التي في العارفين لا يجهله إلا من يبلغ مقامهم وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم وسر هذه القوة التي ظهرت في العارفين هو من جهة الروح وذلك أن الروح جاءت من عالم العز والقوة فلما ركبت في هذا البدن حجبت وقهرت فأرادت الرجوع إلى أصلها فطلبته بالعز الأصلي والقوة الأصلية فمنعت منه وأتت من كوة الذل والأفتقار وخرقت عوائد نفسها فأنخرقت لها حينئذ الحجب فرجعت إلى أصلها فلما رجعت إلى أصلها أتصفت بالقوة التي كانت لها فأمرت أن تجعل ذلك في باطنها ففعلت لكن ربما رشح شيء من ذلك على الظاهر غلبة ولذلك ذكر الشيخ خرق العوائد بأثر ذكر التحقق بالعبودية فقال كيف تخرق لك العوائد وأنت لم تخرق من نفسك العوائد قلت العوائد كل ما تعودته النفس وألفته وأستمرت معه حتى صعب خروجها عنه سواء كان ظلمانياً أو نوراناً كتتبع الفضائل وكثرة التوافل وهي على قسمين عوائد ظاهرة حسية وعوائد باطنة معنوية فمثال العوائد الحسية كثرة الأكل والشرب والنوم واللباس وخلطة الناس والدخول في الأسباب وكثرة الكلام والمخاصمة والعتاب والأستغراق في العبادة الحسية أو العلوم الرسمية وغير ذلك ومثال العوائد المعنوية حب الجاه والرياسة وطلب الخصوصية وحب الدنيا والمدح وكالحسد والكبر والعجب والرياء والطمع في الخلق وخوف الفقر وهم الرزق والفظاظة والقسوة وغير ذلك مما تقدم فمن خرق من نفسه عوائدها الحسية بالرياضات القهرية خرقت له العوائد الحسية كالطيران في الهواء والمشي على الماء ونفوذ الدعوة وغير ذلك من الكرامات الحسية ومن خرق من نفسه عوائدها المعنوية خرقت له العوائد الباطنة كرفع حجب الغفلة وتطهير القلوب وكشف الحجاب وفتح الباب وتحقيق العرفان والترقي إلى مقام الأحسان وهذا هو المعتبر عند الأكياس وهو المطلوب من سائر الناس وأما خرق العوائد الحسية فقد تكون لمن ليست لهم خصوصية كالسحرة وأرباب الشعوذة نعم من جمع بينهما خرقت له فيهما فكيف تطلب أيها المريد أن تخرق لك عوائد نفسك حتى تدخل حضرة قدسك وأنت لم تخرق عوائد نفسك فما حجب النفس عن الشهود إلا ما تعودته من رؤية هذا الوجود فلو غابت عن رؤية هذا الوجود لتحقق لها أمر الشهود ولا يمكن أن تغيب عنه إلا بخرق عوائد نفسها وقد تقدمت حكاية الرجل الذي كان مع أبي يزيد ثلاثين سنة فلم يذق شيئاً فقال له لو صليت ثلاثمائة سنة لم تذق شيئاً لأنك محجوب بنفسك ثم قال له أذهب الساعة إلى الحجام وأحلق رأسك ولحيتك وأنزع هذا اللباس وأتزر بعباءة وعلق في عنقك مخلاة وأملأها جوزاً وأجمع حولك صبياناً وقل بأعلى صوتك يا صبيان من يصفعني صفعة أعطه جوزة وأدخل السوق وأنت على هذه الحالة حتى ينظر إليك كل من عرفك ثم قال له فلا مطمع لأحد فيما حجب عن العامة من أسرار الغيب حتى تموت نفسه ويخرق عوائد العامة فحينئذ تخرق لك العوائد وتظهر لك الفوائد اه وتقدمت أيضاً في باب الخمول قصة الغزالي والشتتري والمجذوب وغيرهم ممن خرقوا العوائد فخرقت لهم العوائد وظهرت لهم الفوائد وأما من بقي مع عوائد نفسه فلا يطمع أن يتمتع بحضرة قدسه قال الشيخ أبو المواهب رضي الله عنه من أدعى شهود الجمال قبل تأدبه بالجلال فأرفضه فإنه دجال ولا جلال أعظم على النفس من خرق عوائدها كتبديل العز بالذل والغنى بالفقر والجاه وبالخمول وغير ذلك وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه اللهم أن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا وحكمت عليهم بالفقد حتى وجدوا فلا مطمع في نيل العز بالله حتى يتحقق بالذل له ولا في نيل الغنى به حتى يتحقق بالفقد مما سواه وقال أبو حمزة البغدادي رضي الله عنه علامة الصوفي الصادق أن يفتقر بعد الغنى ويذل بعد العز ويخفي بعد الشهرة اه فهذه الأخبار كلها تدل على أن خرق عوائد النفس شرط في تحقق نيل الخصوصية فمن أدعا ما قبل أن يخرقها فهو كذاب كما تقدم عن أبي المواهب وكتب شيخ شيخنا رضي الله عنه إلى بعض الأخوان أما بعد فإن أردتم أن تكون أعمالكم زكية وأحوالكم مرضية فقللوا من العوائد فإنها تمنع الفوائد اه وسمعته رضي الله عنه يقول من جملة العوائد تتبع الفضائل وكثرة النوافل فإنه يشتت القلب وإنما يلزم المريد ذكراً واحداً وعملاً واحداً كل واحد مما يليق به أو كلام هذا معناه فخرق العوائد أبدالها بضدها كتبديل كثرة الأكل والنوم وبالجوع والسهر وكتبديل كثرة اللباس بالتقلل منه أو ما خشن من الثياب كالمرقعات ونحوها وكتبديل الخلطة بالعزله والأسباب بالزهد والكلام بالصمت وسوء الخلق بحسن الخلق وكتبديل حب الجاه والرياسة بالذل والخمول وسقوط المنزلة عند الناس وحب الدنيا بالزهد فيها والفرار منها وكأتصافه بالتخلية من الرذائل والتحلية بالفضائل فإذا تحقق المريد بهذه الأمور خرقت له العوائد على ما يريد حتى يكون بسم الله عنده موافقة لكن من الله فيكون أمره بأمر الله وما ذلك على الله بعزيز ولا بد في خرق العوائد الباطنية من شيخ كامل جامع بين حقيقة وشريعة يحملك بهمته فإذا رميت يدك في نفسك حملتك الهمة ونصرتك القدرة فقتلتها بالمرة وأما إذا لم يكن لك شيخ فكلما قتلتها رجعت أكبر مما كانت ولا تموت النفس الحية إلا مع الأموات كما قال شيخنا رضي الله عنه هذا الأمر مجرب وبالله التوفيق وخرق العوائد الباطنية التي هي رفع الحجب وشهود المحبوب لا يكون بمجرد الطلب دون السعي دون السعي في السبب مع تحقق الأدب كما نبه عليه بقوله ليس الشأن وجود الطلب إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب قلت قد تقدم في أول الكتاب أن الطلب كله مدخول عند المحققين أولى الألباب لما يقتضيه من وجود النفس والوقوف مع الحس إذ العارف المحقق لم تبق له حاجة يطلبها لأنه قد حصل له الغني الأكبر وفاز من مولاه بالحظ الأوفر وهو معرفة مولاه والغيبة عما سواه ماذا فقد من وجدك فليس الشأن وجود صورة الطلب وإنما الشأن أن تستغني به عن كل مطلب وترزق معه حسن الأدب والأكتفاء بعلم الله والوقوف مع مراد الله قال الشيخ زروق رضي الله عنه والأدب على ثلاثة أوجه آداب في الظاهر وذلك بإقامة الحقوق وآداب في الباطن بالأعراض عن كل مخلوق وآداب فيهما وذلك بالأنحياش للحق والدوام بين يديه على بساط الصدق وذلك هو جملة الأمر وتفصيله وتفريعه وتأصيله اه فالطلب عند العارفين ليس هو بلسان المقام وإنما هو بلسان الحال وهو الأضطرار وظهور الذلة والأفتقار كما نبه عليه بقوله ما طلب لك شيء مثل الأضطرار ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والأفتقار قلت إنما كان طلب العارفين بلسان الحال دون المقال لما حققهم به من وجود معرفته حتى شهدوا منته في محنته ونعمته في نقمته فإذا تجلى لهم بالقوة والجلال تلقوه بالضعف والأذلال فحينئذ يتجلى لهم بإسمه الجميل فيمنحهم كل جميل وإذا تجلى لهم بإسمه العزيز أو القهار تلقوه بالذلة والأفتقار فتتوارد عليهم المواهب الغزار فإذا أردت أيها العارف أن تطلب من مولاك شيئاً جلباً أو دفعاً فعليك بالأضطرار والأضطرار هو أن يكون كالغريق في البحر أو الضال في التيه القفر ولا يرى لغياثه إلا مولاه ولا يرجوا لنجاته من هلكته أحداً سواه فما طلب لك من مولاك شيء مثل أضطرارك إليه والوقوف بين يديه متحلياً بحلية العبيد هنالك تنال كل ما تريد كما قال الشاعر
    أدب العبيد تـذلـل
    والعبد لا يدع الأدب فإذا تكـامـل ذلـه
    نال المودة وأقترب وقال آخر وما رمت الدخول عليه حتى
    حللت محلة العبد الـذلـيل وأغضيت الجفون على قذاها
    وصنت النفس عن قال وقيل وإذا أردت ورود المواهب عليك وهي العلوم اللدنية والأسرار الربانية فلا شيء أسرع لك بها مثل الذلة والأفتقار بين يدي الحليم الغفار يكون قلباً وقالباً فينبغي لك حينئذ أن تستعد لكتب المواهب ونيل المرتب قال تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين وقال تعالى أمن يجيب المضطر إذا دعاه وقال أيضاً ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة وقال صلى الله عليه وسلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا وقال سهل بن عبد عبد الله رضي الله عنه ما أظهر عبد فاقة إلى الله في شيء إلا قال الله تعالى للملائكة لولا أنه لا يحتمل كلامي لأجبته لبيك لبيك اه فإذا طلبت الدخول مع الأحباب فقف ذليلاً حقيراً بالباب حتى يرفع بينك وبينهم الحجاب من دون حيلة منك ولا أسباب وإنما هو فضل من الكريم الوهاب كما أشار إلى ذلك بقوله لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك ومحو دعاويك لم تصل إليه أبداً ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه ستر وصفك بوصفه وغطي نعتك بنعته فوصلك إليه بما منه إليك لا بما منك إليه قلت الوصول إلى الله هو العلم به وبإحاطته بحيث يفني من لم يكن ويبقي من لم يزل وهذا لا يكون إلا بعد موت النفوس وحط الرؤوس وبذل الأرواح وبيع الأشباح لقوله تعالى أن الله أشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة أي جنة المعارف لأهل الجهاد الأكبر وجنة الزخارف لأهل الجهاد الأصغر ولقوله عليه السلام موتوا قبل أن تموتوا ذكره النقشبندي في شرح الهائية حديثاً وقال في لطائف المنن لا يدخل على الله إلا من بابين أحدهما الموت الأكبر وهو الموت الحسي والثاني الموت الذي تعنيه هذه الطائفة يعني موت النفوس وقال الششتري رضي الله عنه أن ترد وصلنا فموتـك شـرط
    لن ينال الوصال من فيه فضله وقال أيضاً ليس يدرك وصالي كل من فيه بقيا

    وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه لا يصل الولي إلى الله تعالى ومعه شهوة من شهواته أو تدبير من تدبيراته وأختيار من أختياراته اه وهذه التصفية ليست هي من فعل العبد وكسبه وإنما هي بسابق عناية ربه فلو كان العبد لا يصل إلى الله تعالى إلا بعد فناء مساويه ومحو دعاويه من حيث هو هو لم يصل أبداً لكن الحق تعالى من كرمه وجوده إذا أراد أن يطوي عنه مسافة البعد أظهر له من أنوار قدسه ونعوت وصفه ما يغيب به العبد عن شهود نفسه فحينئذ تفني المساوي وتمتحق الدعاوي فيحصل الوصول ويبلغ المأمول بما من الله إلى العبد من سابق العناية والوداد لا بما من العبد إلى الله من الكد والأجتهاد وأن شئت قلت فناء المساوي هو التطهير من أوصاف البشرية وهي الأخلاق المذمومة من حيث هي ومحو الدعاوى وهو التبري من الحول والقوة بحيث لا يرى لنفسه فعلاً ولا تركا ولا نقصاً ولا كمالاً وإنما هي غرض لسهام الأقدار تجري عليها أحكام الواحد القهار فتحقيق هذين الأمرين على الكمال مع وجود النفس كاد أن يكون من المحال لكن الحق تعالى لكرمه وجوده إذا رأى منك صدق الطلب وأراد أن يوصلك إليه وصلك إلى ولي من أوليائه وأطلعك على خصوصيته وأصفائه فلزمت الأدب معه فما زال يسير بك حتى قال لك ها أنت وربك فحينئذ يستر الحق تعالى وصفك الذي هو وصف العبودية بوصفه الذي هو وصف الحرية فتتحنس أوصاف البشرية بظهور أوصاف الروحانية ويعطي أيضاً نعتك الذي هو الحدوث بنعته الذي هو القدم أو غطي نعتك الذي هو العدم بنعته الذي هو الوجود وقال الشيخ زروق ستر فقرك بغناه وذلك بعزه وعجزك بقدرته وضعفك بقوته ويصرفك عن شهود ذلك منك وإليك بشهود ما منه إليه اه قلت وهو لازم لما فسر به من وصف العبودية ونعت الحرية فوصلك حينئذ بما منه عليك من الأحسان واللطف والأمتنان لا بما منك إليه من المجاهدة والطاعة والأذعان ومثال النفس كالفحمة كلما غسلتها بالصابون زاد سوادها فإذا أشتعلت فيها النار ونفخ فيها الريح كستها النار ولم يبق للون الفحمة أثر فكذلك أوصاف البشرية إذا كساها نور الروحانية تغطت ظلمة البشرية ولم يبق لها أثر فتنقلب البشرية في صفة روحانية وفي ذلك يقول الششتري في بعض أزجاله
    فمتى ما يبين لي
    زالت البشـريا وتحولت غـيري
    في صفا روحانيا والنار التي تحرق البشرية هي مخالفة الهوي وتحمل النفس ما يثقل عليها كالذل والفقر ونحوهما مع دوام ذكر الأسم المفرد فكلما فنى فيه ذابت بشريته وقويت روحانيته حتى تستولي على بشريته فحينئذ يكون الحكم لها فتغيب في نور مذكورها وتغرق في شهود عظمة محبوبها فحينئذ يحصل الوصال ويتحقق الفناء في ذي العظمة والجلال وللششتري أيضاً رضي الله عنه، فألتفت الخطاب، وسمعت مني، كلي عن كلي غاب، وأنا عني مغني، وأرتفع لي الحجاب، وشهدت أني، ما بقي لي أثر، غبت عن أثرى، لم أجد من حضر، في الحقيقة غيري، وبالله التوفيق هذا آخر الباب الثالث عشر وحاصلها أمرك بالتعلق بأوصاف الربوبية والتحقق بإوصاف العبودية وعدم مشاركتك له في وصف الحرية وما تعودت به من ذلك فأخرق لها تلك العوائد هنالك حتى تتهذب وتتأدب وتكتفي بعلم الحال عن وجود الطلب فيكون طلبها شاهد حالها من الذلة والأنكسار وظهور الفاقة والأضطرار فحينئذ تترادف عليها المواهب وتنال بذلك غاية المطالب ومنتهى الرغائب وهو الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس من غير حيلة ولا أكتساب وإنما هو منة من الكريم الوهاب من عليها بالوصول وتفضل عليها بالقبول كما أشار إلى ذلك في أول الباب الرابع عشر فقال وقال رضي الله عنه لولا جميل ستره لم يكن عمل أهلاً للقبول قلت لأن العمل الذي يكون أهلاً للقبول هو الذي تتوفر فيه شروط القبول وهو سر الأخلاص وغاية الحضور والتبري فيه من الحول والقوة وهذا في غاية الندور فلولا أن الله سبحانه تفضل علينا بجميل ستره فغطي مساوينا بجلائل لطفه وبره ما كان عمل أهلاً للقبول أصلاً ولكن الذي من بوجود الأعمال يمن بوجود القبول والأقبال .
    قال بعضهم ما هناك إلا فضله ولا نعيش إلا في ستره ولو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم وقال يحيى بن معاذ رضي الله عنه مسكين ابن آدم جسيم معيب وقلب معيب يريد ا، يخرج من معيبين عملاً بلا عيب اه قلت ولهذا المعنى قال تعالى أولئك الذي نتقبل عنهم أحسن ما عملوا فعبر بعن التي تدل على التجاوز ولم يقل نتقبل منهم فكأنه قال أولئك الذين نتجاوز عنهم في أعمالهم فنتقبلها منهم والله تعالى أعلم وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال البلاء والهوى والشهوة معجزة بطين آدم اه قيل وهو معنى قوله تعالى أنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه أي اخلاط فاختلاط به البلاء والهوى والشهوة فركب ابن آدم منها فلزمته الثلاثة ما دامت بنيته قائمة وبشريته موجودة فإذا انهدمت البشرية حساً أو معنى لم يبق حكم النظفة إلا مشاجية وصار الحكم للروح النورانية ولله تعالى أعلم فإذا تقرر أن عملنا مدخول وليس أهلاً للقبول لولا جميل ستره المأول علمت أن افتقارنا إلى عمله وعفوه في حال الطاعة أعظم من افتقارنا إليه في حال المعصية كما أبان ذلك بقوله أنت إلي حلمه إذا أطعته أحوج منك إليه إذا عصيته قلت وذلك لأن الطاعة بساط العز والرفعة وللنفس فيها شهوة ومتعة ولأن الناس يلحظون صاحب الطاعة الظاهرة وينظرونه بعين التعظيم ويبادرون إليه بالخدمة والتكريم وكل ما عظم في عين الخلق سقط من عين الحق أن كان يفرح بذلك ويقنع به دون الملك الحق بخلاف المعصية فإنما هي بساط الذل والإنكسار ومحل السقوط والاحتقار وكحل ما سقط من عين الخلق عظم في عين الحق فكان العبد في حال طاعته لربه أحوج إلى حلمه وعفوه مه في حال معصيته لأن الطاعة التي ينشأ عنها العز والاستكبار أقبح من المعصية التي تورث الذل والافتقار بل في الحقيقة ليست بطاعة لأن الطاعة التي توجب البعد ليست بطاعة والمعصية التي توجب القرب ليست بمعصية وفي الحديث يقول الله تبارك وتعالى أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ومن كان الله عنده فهو أعظم من ألف مطيع توجب له طاعته طرده وبعده أوحى الله تعالى إلي بعض الأنبياء عليهم السلام قل لعبادي الصديقين لا يغتروا فإني أن أقم عليهم عدلي وقسطي أعذبهم غير ظالم لهم وقل لعبادي الخاطئين لا ييئسوا من رحمتي فإنه لا يكبر على ذنب اغفره اه وقال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه توبة المعصية واحدة وتوبة الطاعة ألف توبة وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى استغفر ثلاثاً تعليماً للامة في شهود التقصير وإلا فلا استغفار من طاعة ولا ذنب على المختار صلى الله عليه وسلم ولما كانت المعصية بساط الذل والاحتقار كما تقدم وهي أقرب لمقام العبودية والطاعة بساط العز والرفعة فافتقرت إلى حلم الله أكثر صار الناس يطلبون الستر في المعصية أو عنها خوفاً مما ينشأ عنها كما أبان ذلك بقوله الستر على قسمين ستر عن المعصية وستر فيها فالعامة يطلبون الستر من الله فيها خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق والخاصة يطلبون الستر عنها خشية سقوطهم من نظر الملك الحق قلت وسقوط المرتبة وهو باعتبار المعصية على قسمين قسم يقع الستر فيها فلا يفضح صاحبها وقسم يقع الستر عنها فلا يقع العبد فيها ولو طلبها لما شماه من حفظ الله ورعايته فالعامة يطلبون الستر من الله فيها مع وقوعها لئلا يسقطوا من عين الخلق فهم يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم والله ورسوله أحق أن يرضوه أن كانوا مؤمنين فمحط نظرهم إنما هو شهود الخلق غائبين عن نظر الملك الحق وذلك لضعف إيمانهم وقلة يقينهم وانطماس بصيرتهم وفي بعض الأخبار يقول الله تبارك وتعالى يا عبادي أن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم وأن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم اه وأما الخاصة فهم يطلبون من الله الستر عنها والعصمة مها خشية أن يسقطوا من عين الحق لن صدور المعصية من العبد سوء أدب ومن أساء الأدب مع الأحباب طرد إلى الباب فإذا وقعت منهم معصية بادروا إلى الاعتذار وصحبهم الخجل والانكسار ثم وجدوا في سيرهم ولم يقفوا مع نفوسهم إذ لا وجود لها في نظرهم ولا التفات لهم إلى الخلق إذ لم يبق في نظرهم إلا الملك الحق غابوا بشهود الحق عن رؤية الخلق أو بشهود المعنى عن رؤية الحس أبو بشهود الموسوط عن الواسطة وأما خاصة الخاصة فلا يطلبون شيئاً ولا يخافون من شئ صارت الأشياء عندهم شيئاً واحداً واستغنوا بشهود واحداً عن كل واحد فهم ينظرون ما يبرز من عنصر القدرة فيتلقونه بالقبول والرضي فإن كان طاعة شهدوا فيها المنة وأن كان معصية شهدوا فيها القهرية وتأدبوا مع الله فيها بالتوبة والانكسار قياماً بأدب شريعة النبي المختار صلى الله عليه وسلم وقد وردت أحاديث في المقامات الثلاثة تعليماً للامة فقد دعا عليه السلام بالستر على المساوى ومنها وهي العصمة والحفظ وطلب مقام الرضا والتسليم لأحكام الله القهرية كل ذلك منشور في كتب الأحاديث فلا نطيل به ثم إذا ستر الحق تعالى مساويك وذنوبك ثم توجه الناس إليك بالتعظيم والمجد والتكريم فاعرف منة الله عليك وانظر من الممدوح في الحقيقة هل أنت أو من ستر مساويك كما أبان ذلك بقوله من أكرمك فإنما أكرم فيك جميل ستره فالحمد لمنن سترك ليس الحمد لمن أكرمك وشكرك قلت إذا كان الحق تعالى تولى حفظك برعايته وستر مساويك بستر عنايته فغطى وصفك بوصفه ونعتك بنعته ثم توجه الناس إليك بالتعظيم والتمجيد والتكريم فاعرف منة الله عليك وانعزل عن شهود نفسك فمن أكرمك فغنما أكرم فيك جميل ستره فلولا فضل الله عليكم ورحمته ولا تبعتم الشيطان إلا قليلاً ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحداً أبداً فالحمد في الحقيقة إنما هو لمن سترك لا لمن أكرمك إذ لو أظهر للناس ذرة من مساويك لمقتوك وأبغضوك فاشكر الله على ما أسدي إليك من الكرم وغطى عليك من المساوى أنتي توجب أنواع الأذاية والنقم قال الشيخ زروق رضي الله عنه إذ لولا ستره عن المعاصي ما كنت مطيعاً لولا ستره فيها لكنت مهاناً عند الخلق ومخصوصاً بالمقت بينهم ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين فالخلق كلهم إنما يتعاملون بينهم بستر مولاهم ولو خلا عبده من ستره لأبغضه أحب الناس إليه ولأذاه أشفق الخلق لعيه ولأهلكمه أرأف الخلق به ولله در القائل
    يظنون بي خيراً وما بي مـن خـير
    ولكنني عبد ظلـوم كـمـا تـدري سترت عيوبي كلها عن عـيونـهـم
    وألبستني ثوباً جميلاً من الـسـتـر فصاروا بحبوني ومـا أنـا بـالـذي
    يحب ولكن شبهـونـي بـالـغـير فلا تفضحني في القـيامة بـينـهـم
    وكن لي يا مولاي في موقف الحشر

  9. #29
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    ولما بلغت الأذية كل مبلغ من حبيب الله صلى الله عليه وسلم ما زاد على أن قال لا غنى لي عن عافيتك عافيتك أوسع لي الحديث اه وسيأتي التقسيم في شهود الخلق في حالة النعم وأن الناس على ثلاثة أقسام قوم عوام لا يشهدون إلا الخلق وقوم خواص لا يشهدون إلا الخالق وقوم خواص الخواص يشهدون الخالق في الخلق والموسوط في الوسطة فيعطون كل ذي حق حقه كما يأتي مبيناً أن شاء الله وإذا تحققت أن الذي أكرمك هو الذي ستر عيوبك وغطى مساويك بعد اطلاعه على خفاياها وعلمه بخباياها فاتخذه صاحباً وكن له مراقباً ودع الناس جانباً كما نبه عليه بقوله ما صحبك من صحبك وه بعينك عليم وليس ذلك الامولاك الكريم قلت وإذا علمت أنه ليس لك صاحب الأمولاك فارعف حقيقة صحبته والزم الأدب في ظاهرك وباطنك واستحى منه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك وفي الحديث عه صلى الله عليه وسلم انه قال لأصحابه ساتيحوا من الله حق الحياء قالوا أنا نستحي والحمد لله قال لهم الحياء من الله حق الحيا، أن تحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وتذكر القبر واللبلى فمن فعل ذلك فقد استحي من الله حق الحياء اه فالصاحب الذي يدوم لك هو الذي يصحبك وهو عالم بعينك لأن ذلك داع للسلامة من التكلف الرياء والتصنع وليس ذلك الأمولاك العالم بخفاياك المطلع على سرك وعلانيتك أن عصيته سترك وأن اعتذرت إليه قبل عذرك وقد قيل من الحكمة في قوله تعالى أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم مع أن الكل ملكه ثلاثة أشياء أحدها البشارة بعدم الرد بالعيب لأن المشتري عالم به الثاني ليسلم العبد نفسه إليه فيتولى تدبيره إذ لا يتم بيع بالتسليم ولا كفاية إلا بعد اقباض الثالث اظهاراً لتمام الفضل في ظهور النسبة لله سبحانه وذكر الصحبة في جانب الحق وقعت في حديث أنت الصاحب في السفر واختلف في اطلاقه في غير ذلك المحل والظاهر أن الشيخ يرى ذلك في محل إشارة الأدب والانحياش وعليه مر أبو حامد الغزالي في بعض كتبه قال الشيخ زروق رضي الله عنه واعلم أن الأمر الذي يرغب في الصحبة ويعقد المحبة والمودة أمران أحدهما ما تقدم من كون الصاحب يغطي شينك بحلمه ويستر وصفك بوصفه والثاني كونه يحبك ويطلبك إلى حضرته من غير غرض ولا منفعة له في صحبتك وإلى الثاني أشار بقوله خير من تصحب من يطلب لا لشئ يعود منك إليه قلت ولا يوجد هذا الوصف المجيد إلا للغني الحميد الفعال لما يريد يحب من يشاء بلا علة ولا سبب ويمقت من يشاء بلا ضرر يلحقه ولا تعب يقرب من يشاء بلا عمل ويبعد من يشاء بلا زلل لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ولو شاء ربك ما فعلوه ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً وكلامنا إنما هو مع أهل التحقيق وأما باعتبار الحكمة وأهل التشريع فلا يظلم ربك أحداً ولكن فاعل السبب هو فاعل المسبب من وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وللجيلي رحمه الله إذا كنت في حكم الشريعة عاصياً
    فإني في حكم الحقـيقة طـائع فخير من تصحبه أيها الإنسان مولاك الذي يطلبك لحضرته ويجتبك لمحبته من غير نفع منك إليه وإنما هو برور واحسان منه إليك فكيف تتركه وتطلب الإنس بغيره وضرره وأقرب من نفعه قال بعضهم جرب الناس تجدهم عقارب فإذا طلبت الصحبة فاصحب العارفين الذين ينهضك حالهم ويدلك على الله مقالهم ولله در صاحب العينية حيث يقول في عينيته.
    فشمر ولـذ بـالأولـياء فـإنـهـم
    لهم من كتاب الحق تلك الـوقـائع هم الذخر للملهوف والكنز والرجـا
    ومنهم ينال الصب ما هو طامـع بهم يهتدي للعين من ضل في العمى
    بهم يجذب العشاق والربع شاسـع هم الناس فالزم أن عرفت جمابهـم
    ففيهم لضر العالمـين مـنـافـع وقال في التحذير من صحبة غيرهم من الغافلين والعوام وقاطع لمن واصلت أيام غفـلة
    فما واصل العذال إلا مقـاطـع وجانب جناب الأجنبي لـو انـه
    لقرب انتساب في المنام مضاجع فللنفس من جلاسها كل نـسـبة
    ومن خلة للقلب تلك الطـبـائعوالحاصل أن صحبة من يوصل إلى الله فما هي إلا صحبة الله إذ ما ثم سواه والنظر إلى العارف بالله فإنما هو نظر إلى الله إذ لم تبق فيه بقية عليه لغير الله فصار نوراً محضاً من نور الله وفيهم قال عليه السلام أن الله رجالاً من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً اه وهم. وجودون لا ينقطعون أبداً ظاهرون ظهور الشمس لا يخفون إلا على من أراد الله منه طرداً وبعداً والعياذ بالله من السلب بعد العطاء ومن سوء القضاء وشواتة الأعداء وعضال الداء وخيبة الرجاء وزوال النعمة وفجأة النقمة آمين ثم فائدة صحبه العارفين هو حصول اليقين كما أشار بقوله لو أشرق لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها ولرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كسفه الفناء عليها قلت اليقين هو العلم الذي لا يزاحمه وهم لا يخالطه ريب ولا يصحبه اضطراب مشتق من يقن الماء إذا حبس ولم يجر شبه به العلم إذا صحبته الطمأنينة ولم يبق للقلب فيه تحرك ولا اضطراب وإشراق نوره هو ظهور أثره على الجوارح فيظهر فيا الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة ويظهر منه الانحياش إلى الله والاشتياق إلى حضرة جماله والسكون والخضوع تحت قهر جلاله والمسارعة إلى ابتغاء مرضاته والمبادرة إلى مكان محابة ولهج اللسان بذكره وشغل القلب بالفكرة في عظمته وهيمان الروح في حضرة قربه وسكرها من شارب حبه واغتمارها بشهود قربه فهذه علامة إشراق نور اليقين في القلب ون علامته أيضاً أن يصير الآجل عاجلاً والبعيد حاصلاً والغيب شهادة فإن ما توعدون لأت وما أنتم بمعجزين ولنا في هذا المعنى فلا ترضى بغير الله حبـاً
    وكن أبداً بعشق واشتـياق ترى الأمر المغيب ذاعـياً
    وتحظى بالوصال وبالتلاق كنت ذيلت بهما قول القائل فلا دهش وحام الحي حـي
    ولا عطش وساقي القوم باق فما الدنيا ببـاقـية لـحـي
    وما حي على الدنيا بـبـاقفلو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة والآتية حاضرة ليك أقرب إليك من أن ترحل إليها إذ هي الراحلة إليك والمدركة ل ولرأيت محاسن الدنيا الوهمية الفاني قد ظهرت كسفه الفناء عليها أي قد انكسف نور وجودها بظهور ظلمة فنائها فصار ما كان ظاهراً باطناً صار ظاهراً وما كان كثيفاً صار لطيفاً وما كان لطيفاً صار كثيفاً وما كان صار شهادة وما كان شهادة صار غيباً وإنما بعد ذلك عن الخلق ضعف إيمانهم وقلة نور إيقانهم ولو أشرق نور اليقين في قلوبهم أو الدنيا مكسوفة أنوارها بادية عوارها كما رآها حارثة رضي الله عنه حين أخبر عن حقيقة إيمانه فقد روى عن أنس رضي الله عنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشي إذا استقبله شاب من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت يا حارثة قال أصبحت مؤمناً بالله حقاً فقال له انظر ما تقول فإن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك فقال يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا أي أدبرت وهربت فأسهرت ليلى وأظمأت نهاري فكاني بعرش ربي بارزاً وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاون فيها فقال له أبصرت فالزم عبد نور الله الإيمان في قلبه قال رسول ادع الله لي بالشهادة فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل يوم بدر شهيداً فجاءت أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله قد علمت منزلة حارثة منى فإن يكن في الجنة أصبر وأن لم يكن في الجنة ترى ما أصنع فقال أوهبلت أجنة هي أنها جنان وأن ابنك أصاب الفردوس الأعلى فرجعت وفي تضحك وتقول بخ بخ يا حارثة اه كما رآها معاذ بن جبل رضي الله عنه حين دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له كيف أصبحت يا معاذ قال أصبحت مؤمناً فقال أن لكل قول مصداقاً ولكل حق حقيقة فما مصداق ما تقول فقال يا رسول الله ما أصبحت صباحاً قط إلا ظننت لا أمسي وما أمسيت قط إلا ظننت لا أصبح ولا خطوت خطوة قط إلا ظننت أني لا أتبعها بأخرى وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها معها نبيها وأوثانها التي كانت تعيد من دون الله وكأني أنظر إلى عقوبة أهل النار وثواب أهل الجنة فقال صلى الله عليه وسلم عرفت فالزم فهذان الرجلان الأنضاريان أشرق نور الإيقان في قلوبهما وشرح الله به صدورهما فرأوا ما كان آجلاً عاجلاً وما كان آتياً واصلاً وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح قيل يا رسول الله هل لذلك من علامة يعرف بها قال نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله أو كما قال عليه السلام وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي رحمه الله اليقين نور يجعله الله في قلب العبد حتى يشاهد به أمور آخرته ويخرق به كل حجاب بينه وبينها حتى يطالع الآخرة كالمشاهدة لها اه قلت فإذا تكامل إشراق الإيقان غطى وجود الأكوان ووقع العيان على فقد الأعيان ولم يبق الأنوار الملك الديان كما أشار إلى ذلك بقوله ما حجبك عن الله وجوده وجود معه إذ لا شئ معه ولكن حجبك عنه توهم موجود معه قلت الحق تعالى ظاهر ونوره للبصائر باهر إنما حجبه مقتضى اسمه الحكيم واسمه القاهر فما حجبك عن شهود الحق وجود شئ معه إله مع الله تعالى الله عما يشركون ولكن حجبك عن شهودة توهم وجود موجود معه لا شئ معه وكما كان ولا شيء بقى ولا شئ هو الأول والآخر والظاهر والباطن واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله فالفعل لا يصدر من غير صفة والصفة لا تفارق الموصوف فالفعل متحد والفاعل واحد والصفة متحدة والمتصف بها واحد وللششتري رضي الله عنه، صفاتي لا تخفي لمن نظر وذاتي معلومة تلك الصور، فافن عن الاحساس ترى عبر، وسبب توهم الغيرية عدم الفكرة وسبب عدم الفكرة حب العاجلة فهي الشاغلة للقلوب عن السير إلى حضرة علام الغيوب وحكمة حب الدنيا ظهور القهرية فمن قهاريته تعالى أن احتجب بلا حجاب وغطي نور شمسه بالأسحار وأيضاً قوالب العبودية حجبت مظاهر أنوار الربوبية ووجود الحكمة ستر ظهور القدرة وقال بعض العارفين الحق تعالى منزه عن الأين والجهة والكيف والمادة والصورة ومع ذلك لا يخلو منه أين ولا مكان ولا كم ولا كيف ولا جسم ولا جوهر ولا عرض لأنه للطفه سار في كل شئ ولنوريته ظاهر في كل شيء ولا طلاقه واحاطته متكيف بكل كيف غير متقيد بذلك ومن لم يذق هذا ولم يشهده فهو أعمى البصيرة محروم عن مشاهدة الحق اه ومن كلام ابن وفا رضي الله عنه هو الـحـق الـمـحــيط بـــكـــل شـــئ
    هو الـرحـمـن ذو الـعـرش الــمـــجـــيد هو الـنـور الـمـبـــين بـــغـــير شـــك
    هو الـرب الـمـحـجـب فـي الــعـــبـــيد هو الـمـشـهـود فـي الإشـــهـــاد يبـــدو
    فيخـفـيه الـشـهـود عـن الـــشـــهـــيد هو العين العيان لكل غيب هو المقصود من بيت القصيد جميع العالمين له ظلال
    سجـود فـي الـقـريب وفـي الـــعـــبـــيد وهـذا الـقـدر فـي الـتـحــقـــيق كـــاف
    فكـف الـنـفـس عـن طـلــب الـــمـــزيد وقال الشيخ القطب مولاي عبد السلام بن مشيش مخاطباً لوارثه الشيخ أب يالحسن الشاذلي رضي الله عنهما في وصية له وقد تقدمت حدد بصر الإيمان تجد الله تعالى في كل شيء وعند كل شئ وقبل كل شئ وبعد كل شئ وفوق كل شئ وتحت كل شيء وريباً من كل شئ ومحيطاً بكل شئ بقرب هو وصفه وبحيطة هي نعته وعد عن الظرفية والحدود وعن الأماكن والجهات وعن الصحبة والقرب في المسافات وعن الدور بالمخلوقات وامحق الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن وهو هو كان الله ولا شئ معه وهو الآن على ما عليه كان اه قال بعضهم ونبه بقوله وعد الخ على أن ما جرى في كلامه من الظروف ليست بزمانية ولا مكانية لأنها من ملة الأكوان وإنما هي أمور ذوقية فاعتقد كما لا تنزيه وبطلان التشبيه وتمسك بقوله عز وجل ليس كمثله شئ وهو السميع البصير وسلم ذلك لأهله فإنهم على بصيرة فيما رمزوا إليه مما ذاقوه ووجدوه بل هو من محض الإيمان وخالص العرفان وهو حقيقة التوحيد وصفو الإيمان وأما قوله وهو الآن على ما عليه كان وإن لم يرد في الحديث الصحيح فهو في نفسه صحيح إذ لا وجود في الحقيقة للأشياء معه تعالى وإنما هي كالخيال ووجود الظلال فلا تنسخ أحديته ولا ترفع فردانيته وبالجملة فمن غلب عليه شهود الأحدية وكوشف بسر الوحانية واستغرق في الحقيقة العيانية انقطع عن الشهور بنفسه وغاب عن السوى بالكلية وأن رد إلى الشعور به رآه قائماً به وظارهاً فيه وبه حكماً من أحكامه أه وقال في لطائف المنن وأشبه شئ بوجود الكائنات إذا نظرت إليها بعين البصيرة وجود الظلال والظل لا موجود باعتبار جميع مراتب الوجود ولا وعدوم باعتبار جميع مراتب العدم وإذا اثبتت ظلية للآثار لم تنسخ أحدية المؤثر لأن الشئ إنما يشفع بمثله ويضم إلى شكله كذلك أيضاً من شهد ظلية الآثار لم تعقه عن الله فإن ظلال الأشجار في الأنهار لا تعوق السفن عن التسيار ومن ها هنا تبين لك أن الحجاب ليس أمراً وجودياً بينك وبين الله تعالى ولو كان بينك وبينه حجاب وجودي للزم أن يكون أقرب إليك منه ولا شئ أقرب من الله فرجعت حقيقة الحجاب إلى توهم الحجاب اه ولما قرر أم راولحدة ونفي وجود الغيرية استشعر سائلاً يقول له وهذه المكونات الظاهرة فما تقول فيها مع ثبوت الوحدة فأجاب بأنها قائمة به ولولا ظهور نوره فيها ما ظهرت كما بين ذلك بقوله لولا ظهوره في المكونات ما وقع عليها وجود أبصار لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته قلت كان الله ولا شئ معه فكانت الخمرة الأزلية القديمة لطيفة خفية نورانية روحانية وليس هناك شكل ولا رسم متصفة بصفات المعاني والمعنوية متسمية بأسمائها القديمة منعوتة بنعوت الجلال والجمال فاقتضت الخمرة ظهور حسنها وجمالها واقتضت الصفات ظهور آثارها والأسماء ظهور مطالبها فقبضت الصفات من النور اللطيف قبضة نورانية لمقتضى اسمه الظاهر واسمه القادر فطلبها أيضاً أسمه الباطن واسمه الحكيم فابطنها في حال ظهورها وغطاها في حال بروزها فكانت ظاهرة باطنة ثم تفرغت تلك القبضة على تفاريع كثيرة بعدد الصفات وتنوعت على أجناس كثيرة بتنوع الأسماء فالماء واحد والزهر ألوان وفي ذلك يقول صاحب العينية.
    وكل الورى طرا مظاهر طلعتي
    مراء بها من حسن وجهي لامع ظهرت بأوصاف البرية كلـهـا
    أجل لي ذوات الكل نوري ساطع
    فبحر الجبروت فياض إلى عالم المكوت ثم احتجب بالحكمة فصار ظاهره ظلمة وبانه نوراً ظاهره حكمة وباطنه قدرة ظاهره ملك وباطنه ملكوت والجميع جبروت فإذا تقرر هذا علمت أن الأكوان لا وجود لها من ذاتها فلولا ظهور الحق بها ما ظهرت ولا وقع عليها أبصار الخلق كما قال القائل
    من لا وجود لذاته من ذاته
    فوجوده لولاه عين محال وقال آخر فلم يبق إلا الحق لم يبق كائن
    فما ثم موصول وما ثم بـائن بذا جاء برهان العيان فما رأى
    بعيني شيئاً غـيره إذ أعـاين وظهور تعالى بواسطة تجليات الأكوان فيه لطف كبير إذ لا يمكن شهوده ومعرفته إلا بواسطة هذه التجليات ولو ظهر بالأوصاف التي كان عليها في الأزل بلا واسطة لتلاشت الكائنات واضمحلت وفي الحديث حجابه النور لو كشف عنه لا حرقت سبحات وجهه كل شئ أدركه بصره اه وهذا معنى قوله لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته أي لو ظهرت نعوته الأصلية الأزلية لا ضمحلت المكونات الحديثة إذ الكائنات كلها تكثيف للأسرار اللطيفة التي هي نعت الخمرة الأزلية التي أشار إليها ابن الفارض في خمر يته بقوله صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى
    ونور ولا نار وروح ولا جسم تقدم كل الكائنـات حـديثـهـا
    قديم ولا شكل هناك ولا رسـم فلو ظهرت الأسرار اللطيفة لتلاشت الكائنات الكثيفة إذ لا ظهور للكثيف إذا رجع لطيفاً وما مثال الكون إلا كالثلجة ظاهرها جامد وباطنها مائع فإذا ذوبت الصلجة رجعت إلى أصلها ماء ولميبق للثلجة أثر فكذلك المكونات الحسية إذا ظهرت أسرارها اللطيفة التي قامت بها ذابت ذواتها الكثيفة ولا تلاشت ورجعت لأصلها وإلى هذا المعنى أشار صاحب العينية بقوله وما الكون في التمثال إلا كثلجة
    وأنت لها لا ماء الذي هو نابـع فما الثلج في تحقيقنا غير مـائة
    وغير أ، في حكم دعته الشرائع ولكن بذوب الماء يرفع حكمـه
    ويوضع حكم الماء والأمر واقع فمن وقف مع ظاهر الثلجة أنكر الماء الذي في باطنها وكان جاهلاً بحقيقتها ومن نفذ إلى باطنها عرف أصلها وفرعها وكذلك الأكوان ظاهرها غرة لمن وقف مع كثافتها وباطنها عبرة لمن نفذ إلى أصلها وقد مثلوا أيضاً الكون بصورة جبريل حين كان يتصور في صورة دحية فمن رآه كثيفاً قال دحية وأنكر أن يكون ملكاً ومن عرف أصله لم ينكره ولم يقف مع ظاهره فإذا تلطف ورجع إلى أصله ذهبت تلك الصورة واضمحلت فكذلك الكون إنما هو خيال فما دام موجوداً في الحس رأى وظهر فإذا رجع إلى أصله بظهور أسراره التي قام بها اضمحل ولم يبق له أثر وقد أشار إلى هذا صاحب العينية أيضاً بقوله تجليت بالتحقيق في كل صورة
    ففي كل شئ من جمالي لوامع فما الكون في التمثال إلا كدحية
    تصور روحي فيه شكل مخادع ويسمون هذه الأسرار التي قامت بها الأكوان معاني ويسمون الأكوان أواني حاملة للمعاني فلو ظهرت المعاني لا ضمحلت الأواني ومن وقف مع حس الأواني حجب عن أسرار المعاني وفي ذلك بقول الششترى رضي الله عنه لا تنظر إلى الأوانـي
    وخض بحر لا معاني لعـــلـــــك
    ترانـــــــي وقال ابن الفارض رضي الله عنه ولطف الأواني في الحقيقة تـابـع
    للطف المعاني والمعاني بها تسموا
    فالأواني كلها لطيفة في الحقيقية تابعة للطف المعاني لأنها منها وإنما تكثف في حق أهل الحجاب الذين وقفوا مع ظواهر الأشياء واشتغلوا بخدمة الحس قلباً وقالباً فعظم عليهم الحس وقويت دائرة حسهم وغلظ الحجاب في حقهم فعبادتهم حسية وفكرتهم حسية وذلك لصحبتهم أهل الحس ولو صحبوا أهل المعاني لاشتغلوا بخدمة المعاني حتى تتلطف لهم الأواني قال شيخ شوخنا سيدي على الجمل رضي الله عنه سألت الشيخ يعني سيدي العربي ابن عبد الله فقلت يا سيدي كنت أظن أنه لا يشفن غليل الإنسان إلا الحس يعني العبادة الحسية ولا ظننت قط أن فعل المعاني يشفي الغليل أبداً والآن وجدت نفسي بالعكس لا يشفي غليلها إلا المعاني فأجابني بأن قال يا ولدي لما كانت همتك مشورة للحسيات أمدك الله فيها فصرت لا تقنع إلا بالحسيات والآن انعكس الأمر لما رافقت أهل المعاني أثرت معرفتهم فيك بتشوير همتك لبلاد المعاني ولما انقلبت همتك عن بلاد الحس وشورت لبلاد المعاني أمدك الله فيها فصت تقطع بالمعاني كما كنت تقطع بالحسيات اه مختصراً فكل من صحب أهل المعاني وانقلبت همته لبلاد المعاني حتى صارت بعادته باطنية معنوية تلطفت في حقه الأواني ولم ير إلا المعاني قلت ومما من الله على بصحبه أهل المعاني إني إذا نظرت إلى الكون بعين بصيرتي من عرشه إلى فرشه ذاب وتلاشى ولم يبق له أثر والله ذو الفضل العظيم تنبيه سئل سيدي أحمد بن يوسف الملياني عن ذات الحق تعالى هل معنوية أو حسية فقال هي حسية لا تدرك قال سيدي عبد الله الهبطي وهذا مما يدل على تحقيق معرفته قلت ذات الحق تعالى موجودة لطيفة لا تدركها الأبصار ولا تكيفها العقول متصفة بصفات المعاني والمعنوية ولو كانت صفة أو معنى كما يزعمه النصارى لم تتصف بصفات المعاني ولا المعنوية لأن الصفة والمعنى لا يقوم بنفسه ولا بد ا، يقوم بغيره والصفة لا تتصف بصفة أخرى وأما قول بعض المتأخرين المعنى لا يقبض إلا بالحس وقولهم أيضاً لا تنظر إلى الأواني وخض بحر المعاني وقولهم الأكوان أواني حالمة للمعاني فاعلم انه قد تقدم أنهم يطلقونهم على أسرار الذات وهي الخمرة الأزلية معاني لخفائها ولطافتها فأشبهت المعاني من هذا الوجه فتحصل أن الحس لا قيام له إلا بالمعنى وهي معاني أسرار الذات فصار قيام الأشياء كلها بالله ولا وجود لها معه وهو الذي أشار إليه بن الفارض بقوله
    وقامت بها الأشياء ثم لحـكـمـه
    بها احتجبت عن ك لمن لا له فهم أي قامت الأشياء كلها بالذات العلية أي بأسرارها اللطيفة الأزلية وقولهم أيضاً الذات عين الصفات والصفات عين الذات فاعلم أنه لما كان لا ظهور للذات إلا من أنوار الصفات ولا قيام للصفات إلا بالذات والصفات لا تفارق الموصوف صار كان هذا عين هذا فنطقوا بتلك العبارة تحويشاً للجمع وفراراً من الفرق وهو اصطلاح منهم سموا ما تكثف وظهر للحس صفات وما بطن من سر الربوبية ذاتاً ومعني والصفات لا تفارق الموصوف كما تقول في الثلجة ظاهرها ثلج وباطنها ماء فالثلج صفات والماء ذات الثلج حس والماء معنى للطافته وخفائه صار كأن معنى قال بن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه قال في كل شئ اسن من أسمائه واسم كل شئ من اسمه فإنما أنت بين أسمائه وصفاته وأفعاله باطناً بقدرته ظارهاً بحكمته ظهر بصفاته وبطن بذاته حجب الذات بالصفات وحجبت الصفات بالأفعال وكشف العلم بالإرادة وأظهر الإرادة بالحركات وأخفى الصنع في الصنعة وأظهر الصنعة بالذوات فهو باطن في غيبة وكظاهر بحكمته وقدرته ليس كمثله شئ وهو السميع البصير اه نقله شارح بداية السلوك هكذا عن ابن عباس رضي الله عنه فقوله حجب الذات بالصفات أي حجب أسرار الذات بأنوار الصفات وهي أثرها وقوله وحجب الصفات بالأفعال لأن الأفعال ظروف للصفات لأنها أثر من آثارها ومظهرة لها وقوله وكشف العلم بالإرادة أي أظهر ما سبق في علمه بإرادته المخصصة لوقت إظهاره وقوله وأظهر الإرادة بالحركات أي أظهر ما سبق من إرادته بظهور الحركات الدالة على ما أراد وقوله وأخفي الصنع في الصنعة أي أخفى الصانع في صنعته وقوله وأظهر الصنعة بالذوات أي أظهر قدرته في الإجرام وسائر الذات والله تعالى أعلم وقوله شيخ شيوخنا سيدي على رضي الله عنه في كتابه في تفسير الذات والصفات أن كل ما هو جلال فهو ذات وكل ما هو جمال فهو صفات فإنما ذلك على وجه التشبيه فإن تجلى الصفات كله جمال لأنه محل نزهة أرواح العارفين وبه يرتقى أهل الدليل إلى معرفة رب العالمين وهو الذي شبهه الشيخ ابن مشيش بالرياض في قوله فرياض الملكوت الخ وأيضاً هو الذي تمكن رؤيته وتحصل المعرفة به بخلاف تجلى الذات فإنه حلال محض إذ لو ظهر ذرة من نوره الأصلي للا واسطة لاحتراق الكون من أصله وفي الحديث حجابه النار وفي رواية النور لو كشف عنها لا حرقت سبحات وجهه كل شئ أدركه بصره فصار تجلى الذات كله جلال فأطلق وجهه التشبيه انك لما يشق على النفس فهو ذات لأنه جلال كتجلى الذات وكي لما يخف على النفس فهو صفات لأنه جمال كتجلي الصفات والله تعالى أعلم وإنما أطلت الكلام في هذه المسئلة لأني لم أر من تكلم عليها ولا من شفي فيها الغليل وكنت كثير البحث عنها فلم أجد من يشفعني فيها وهذا ما ظهر لي فيها وما أنتجبته فكرتي والله تعالى أعلم وبالله التوفيق صم استدل على ظهوره في المكونات بقوله تعالى هو الأول والآخر والظاهر الباطن فشار إلى تفسير الظاهر والباطن بقوله أظهر كل شئ أبانه الباطن وطوى وجود كل شئ أبانه الظاهر قلت مضمنه أن اسمه تعالى الباطن ليتحقق بطونه بها وطوى وجود كل شئ بسبب أنه الظاهر ليتحقق انفراده بالظهور فيها والحاصل أن الحصر في قوله تعالى هو الظاهر يدل على أنه لا ظاهر معه فانطوي وجود الأشياء واضمحل لها وقوله هو الباطن يدل على أنه لا باطن سواه فبطنت الأشياء كلها بعد ظهورها فدل كلامه سبحانه أن ما ظهر به هو الذي بطن فيه والذي بطن به هو الذي ظهر فيه والألم لم يصح الحصر فإن قلت المتقابلان لا يجتمعان كالضدين وكيف جمعتهما في ذات واحدة قلت لم يتواردا على محل واحد بل ذلك باعتبارين فاسمه الظاهر باعتبار الحس في عالم الحكمة واسمه الباطن باعتبار المعني في عالم القدرة فالحكمة ظاهرة والقدرة باطنة أو تقول ظاهر باعتبار مظاهر الربوبية باطن باعتبار قوالب العبودية أو تقول ظاهر باعتبار التعريف باطن باعتبار التكييف فالذات واحدة والاعتبارات مختلفة وذلك كثير فتحصل أن الحق سبحانه ظاهر في بطونه باطن في ظهوره ما ظهر به هو الذي بطن فيه وما بطن به هو الذي ظهر فيه أي ما ظهر فيه بحكمته هو الذي بطن فيه بقدرته وما بطن فيد بقدرته هو الذي ظهر فيه بحكمته هو الذي قصده الشاعر بقوله
    لقد ظهرت فلا تخفى على أحد
    إلا على أكمه لا يبصر القمرا لكن بطنت بما أظهرت محتجباً
    وكيف يعرف من بالعزة استترا والله تعالى أعلم تنبيه قد كنت سألت الشيخين أعني شيخنا وشيخه عن الخمرة الأزلية قبل تجليها هل تسمى ظاهرة باطنة وإنما تسمي باطنة فقط للطافتها حينئذ فأجابتني بان ما كان هو الذي ظهر وليس الذي ظهر غير ما كان في الأزل كان الله ولا شئ معه وهو الآن على ما عليه كان يعني أن الذات العلية كما كانت متصفة بصفاتها وأسمائها في الأزل بقيت كذلك فيما لا يزال فكان في الأزل ظاهراً باطناً وبقي بعد التجلي كذلك ظاهراً لنفسه باطناً عن خلقه ما تجلى به ظاهرا هو فيه أيضاً باطن وقال القاشاني في شرح تائبه ابن الفارض ما نصه بعد كلامه وأظهر الحق تعالى سرد ذاته وصفاته في مظاهر أفعاله وما كان لخفائه عليه قبل ذلك كما حكاه عن المحبوبة بلسان الجمع في قوله مظاهر لي فيها بدوت ولم أكن
    على بخاف قبل موطن برزة ولكنن ليتجلى باسمه الظاهر آخر كما كان متجلياً باسمه الباطن أولاً والعجب كل العجب أنه تعالى ما ظهر بشئ من مظاهر أفعاله إلا وقد احتجب به كما قال بدت باحتجاب واختفت بمظاهـر
    على صيغ الأكوان في كل برزة اه كلامه رضي الله عنه والتحقيق أن يقال الحق تعالى لم يزل متصفاً بأسمائه وصفاته في الأزل وفيما لا يزال لكن ظهور آثارها وقع فيما لا يزال فكان متصفاً باسمه الظاهر والباطن في الأزل وظهر بعد ذلك آثارهما فيما لا يزال والله تعالى اعلم ثم بين كيفية النظر والاعتبار في المكونات لتعرف ظهوره تعالى فيها فقال أباح لك أن تنظر في المكونات وما أذن لك أن تقف مع ذوات المكونات قل انظروا ماذا في السموات والأرض فبقوله انظروا ماذا في السموات فتح لك باب الإفهام ولم يقل انظروا السوات لئلا يدلك على وجود الإجرام قلت إنما أبرز الله هذه المكونات وأظهر هذه العوالم ليعرف بها ويظهر نوره فيها قال تعالى "وما خلقنا السوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق" وقال تعالى "أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا" قال في لظائف المنن فما نصبت الكائنات لتراها ولكن لترى فيها مولاها فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها تراها من حيث ظهوره فيها ولا تراها من حيث كونيتها قال ولنا في هذا المعني ما أثبـت لـك الـعـوالـم إلا
    لتراها بـعـين مـن لا يراهـا فارق عنها رقي من ليس يرضى
    حالة دون أن يرى مـولاهــا

  10. #30
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    فأباح لك أيها الإنسان أن تنظر ماذا في السموات والأرض من النور الذي قامت به الأشياء وما أباح لك أن تقف مع ذوات المكونات تقف مع القشر وتحجب عن اللب وقد تقدم قوله الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة فمن وقف مع ظاهرها كان محجوباً ومن نفذ إلى باطنها كان عارفاً محبوباً ولأجل هذا السر قال تعالى "قل انظروا ماذا في السموات" أي ما فيها من عظمته ومعاني أسرار ذاته وكمال قدرته وإرادته وسائر صفاته فقد فتح لك باب الإفهام جمع فهم أي قتح لك باب الفهم لتدخل بها من ظاهر القشر إلى باطن اللب حتى تعرفه في كل شئ وتفهم عنه في كل شئ ولو قال الحق تعالى "قال انظروا السموات" لدلك على الإجرام وسد لك باب الإفهام وكيف يدلك على الإجرام وهي أغيار والأغيار مانعة من الدخول إلى شهود الأنوار ومثال ذلك في التقريب لو قال لك قائل انظر هذه الثلجة لدلك على ظاهر جرمها ولو قال لك انظر ما في هذه الثلجة لفتح لك باب الفهم إلى نظر ما في باطنها من الماء ون الوقوف مع ظاهر جرمها واعلم أن الحق سبحانه ندب عباده إلي معرفة ذاته ودرجهم إليها شيئاً فشيئاً فمنهم من قصر ومنهم من وصل فدرجهم أولاً إلى توحيد الأفعال وأنه لا فاعل سواه فقال تعالى "وربك يخلق ما يشاء ويختار أن ربك فعال لما يريد والله خلقكم وما تعلمون ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد" وقال في فعل غير الآدمي "ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها" وفي شأن الطير "ما يمسكهن إلا الرحمن" وقال تعالى "وما من دابة في الأرض ولا ظائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم" أي في قهر قبضتنا مقدرة آجالها مقسومة أرزاقها مغدودة أنفاسها محفوظة أجسامها معلومة أماكنها ظاهرة أشباحها باطنة أنوارها وقال في توحيد الصفات وأنه لا سميع ولا بصير ولا قدير ولا متكلم إلا الله أنه هو السميع البصير أي دونت غيره فلا سمع ولا بصر إلا به سبحانه وقال تعالى أنه هو الحكيم العليم وقال تعالى وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إلى غير ذلك من الآيات وقال تعالى في توحيد الذات وهو الله في السوات وفي الأرض الله نور السموات والأرض على تفسير أهل الإشارة وهم أهل الباطن وقال فأينما تولوا قسم وجه الله وإذ قلنا لك أن ربك أحاط بالناس أن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله وقال في محو الواسطة فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض أي بالحرث شقاً ويحتل أن تكون منها أو من توحيد الأفعال وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ولكن الله ألف بينهم وقد يجمع الحق تعالى في آية واحدة توحيد الصفات ويرقى إلى توحيد الذات كقوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ثم رقاهم إلى الشهود بقوله أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد إلا أنهم في مرية من لقاء ربهم إلا أنه بكل شيء محيط وقال تعالى أن الذين يخشون ربهم بالغيب لم مغفرة وأجر كبير ثم رقاهم من الغيب إلى الشهادة بقوله وأسروا قولكم أو أجهروا به أنه عليم بذات الصدور ألا يعمل من خلق وهو اللطيف الخبير فتحصل أن الأشياء كلها قائمة بالله أثبتها ليعرف بها ثم محاها بوحدانيته كما أشار إلى ذلك بقوله الأكوان ثابتة بإثباته ممحوة بأحدية ذاته قلت الأكوان هي ما ظهر في عالم الشهادة أو تقول ما دخل عالم التكوين وهي موجودة بوجود الحق قائمة به ثابتة بإثباته ليعرف بها ممحوة باحدية ذاته لانفراد وجوده فمن أثبتها لنفسها فقد جهله فيها وحجب بها عن شهود موجدها ومن أثبتها بالله فقد عرف فيها وشهد فيها مولاها فالثبوت للأكوان أمر عرضي والحق اللازم هو وجود أحدية الحق تعالى والأحدية مبالغة في الوحدة ولا تتحقق إلا إذا كانت الوحدة بحيث لا يتمكن أن يكون أشد وأكمل منها فمن مقتضى حقيقتها محو الأكوان وبطلانها بحيث لا توجد إذ لو وجدت لم تكن أحدية ولكان في ذلك متعدداً وأثنينية كما قيل أرب وعبد ونفى ضـد
    قلت له ليس ذاك عندي فقال ما عندكم فقلـنـا
    وجود فقد وفقد وجـد توحيد حق بترك حـق
    وليس حق سواى وحدومعنى كلام الشاعر الإنكار على من أثبت الفرق بان جعل للعبودية محلاً مستقلاً منفصلاً عن أسرار معاني الربوبية قائماً بنفسه ولا شك أن العبودية تضاد أوصاف الربوبية على هذا الفرق وأنت تقول في توحيد الحق لا ضد له فقد نقضت كلامك ولذلك قال ونفى ضد فالواو بمعنى مع وهو داخل في الإنكار أي أيوجد رب وعبد ستقل مع نفي الضد للربوبية والعبودية تضاد أوصاف الروبوبية والحق أن الحق تعالى تجلى بمظاهر لجمع في قوالب الفرق ظهر بعظمة الربوبية في إظهار قوالب العبودية فلا شئ معه وقوله في الجواب وجود فقد أي عندنا وجود فقد السوى وفقد وجود النفس وقوله توحيد حق بترك حق أي توحيد حق الحق بترك حق الغير ولا غير ولذلك قال وليس حق موجود سوى وجودي وحدى تكلم على لسان الفناء والله تعالى أعلم وقال آخر سرسرى من جناب القدس أفناني
    لكن بذاك الفنا عني قد أحيانـي وردني للبقاء حتى أعبـر عـن
    جمال حضرته لكل هـيمـان وصرت في ملكوت من عجائبه
    لم ألف غير وجود ماله ثانـي وأنشد المؤلف لنفسه في لظائف المنن يوصى رجلاً من إخوانه اسمه حسن حسن بأن تدع الوجـود بـأسـره
    حسن فلا يشغلك عنـه شـاغـل ولئن فهمت لتـعـلـمـن بـانـه
    لا ترك إلا للذي هـو حـاصـل ومتى شهدت سواه فاعـلـم أنـه
    من وهمك الأدنى وقلبـك ذاهـل حسب الإله شـهـوده لـوجـوده
    والله يعلـم مـا يقـول الـقـائل ولقد أشرت إلى الصريح من الهدى
    دلت علـيه أن فـهـمـت دلائل وحديث كان ولـيس شـيء دونـه
    يقضي به الآن اللبيب الـعـاقـل لا غـرو إلا نـسـبة مـثـبـوتة
    ليذم ذو ترك ويحـمـد فـاعـلهذا آخر الباب الرابع عشر وحاصلها تحويش العباد إلى الله وتحبيبه إليهم بذكر ما اشتمل عليه الحق سبحانه من الكرم والإحسان وغاية اللطف والمبرة والامتنان وذلك أن سبحانه من علينا أولا بالطاعة والعمل وتفضل علينا ثانياً بالقبول مع ما اشتمل لعيه علمنا من النقص والخلل ثم إذا وقعت منا معصية أو زلل عطانا بستره وبمغفرته لنا تفضلاً وإذا توجهنا إليه بقلوبنا سترنا منها وعصمنا ليعظم قدرنا ويظهر شكرنا فنتخذه صاحباً وندع جانباً فحينئذ تشرق في قلوبنا أنوار اليقين ونرحل إلى الآخرة في أقرب حين ثم تشرق علينا أنوار الإحسان، فتنطوى لنا رؤية الأكوان بشهود نور الملك الديان فحينئذ ينشر محاسننا للعباد فيقبلون علينا بالثناء والمحبة والواداد، كما أبان هذا بقوله في أول الباب الخامس عشر وقال رضي الله نه الناس يمدحونك بما يظنون فيك فكن أنت ذاماً لنفسك بما تعلمه منها قلت إذا مدحك الناس بشئ ليس هو موجود فيك فاعلم أن ذلك هواتف من الحق يهتفون بك ويحوشونك إلى الزيادة ويقولون لك الخير أمامك فلا تقنع بذلك ولا تركن إلى ما هنالك بل ارجع إلى نفسك بالولوم ولا يغرنك ثناء القوم فإنهم لا يعلمون منك إلا الصوان الظاهر وأنت تعلم من نفسك اللب الباطن قال بعضهم من فرح بمدح الناس فقد مكن الشيطان أن يدخل بطنه وكان بعضهم يقول اللهم اجعلني خيراً مما يظنون ولا تؤاخذني بما يقولون واغفر لنا ما لا يعلمون وإنما قلنا مدائح الناس هواتف الحق إذ ليس في الوجود إلا الحق ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فأهل الفهم عن الله يستمعون إلى الخطاب فإذا سمعوه مدخهم بشئ نظروا فإذا كان فيهم علموا أنه تنبيه لهم على مقام الشكر وأن لم يجدوه فيهم علموا أنه تنبيه لهم على تحصيل ذلك المقام ولهذا لما سمع أبو حنيفة قوماً يمدحونه بقيام الليل كله وكان لا يقوم إلا نصفه جعل يقوم الليل كله وقد ذم الله قوماً أحبوا أن يمدحوا بما لم يفعلوا فقال ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب وقال المحاسبي رضي الله عنه مثل الذي يفرح بمدح الباطل كمن يقال له العذرة التي تخرج من جوفك لها رائحة المسك وهو يفرح بذلك ويرضى بالسخرية به اه ثم أن ذمك لنفسك إذا توجه الخلق إليك بالمدح إنما هو حياء من ربك حيث ستر عيوبك وأظهر محاسنك وهو الذي نبه عليه بقوله المؤمن إذا مدح استحى من الله أن يثنى عليه بوصف لا يشهد من نفسه قلت قد تقرر أن التحقيق ما ثم إلا سابقة التوفيق ومن تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك فإذا أطلق الثناء عليك بشئ لا نسبة لك فيه وإنما أنت محل لظهوره فاستحي منه تعالى أن يثني عليك بشئ تعلمه أنه من فعل غيرك أو لم يظهر عليك شئ منه أصلاً فإن مدحت بشئ زائد على ما ظهر فيك فاطلب منه القوة على الزيد فإن ربك فعال لما يريد ولا يضرك مدحك بما تفعل أن لم تقصد التعريض للمدح ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال أتدرون من المؤمن قالوا الله ورسوله أعلم قال الذي لا يموت حتى يملأ مسامعه مما يحب ولو أن رجل عمل بطاعة الله في جوف بيت إلى سبعين بيتاً على كل بيت باب من حديد لألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث الناس بذلك ويزيدون قيل يا رسول الله كيف يزيدون قال المؤمن يحب ما زاد في عمله الحديث وفي حديث آخر قيل يا رسول الله الرجل يعمل العملي خفية ثم يتحدث الناس به فيفرح فقال عليه السلام له الأجر مرتين أجر العمل وأجر الفرح فإن مدح بما ليس فيه واغتر بذلك فهو جاهل بربه كما أشار إليه بقوله أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس قلت اليقين الذي عنده هو عمله بمساويه وخفايا عيوبه وما انظوت عليه سرائره من النقائص والتقصير وظن ما عند الناس هو ما يرون على ظاهره من الكملات وأنوار الظاعات التي تصحبها العلل الباطنية والحظوظ النفسانية فيتوجهون إليه بالمدح والثناء فإذا قنع بذلك وفرح بما هنالك فهو أجهل الناس وأحمق الناس إذ قد قنع بعلم الخلق ولم يخف من مقت الحق والمطلوب من الفقير عكس هذا وهو أن ينقبض عند المدح وينبسط عند الذم حتى يستويا عنده هذا أن كان المادح من أهل الدين والخير وأما أن كان جاهلاً أو فاسقاً فلا غباوة أعظم من الرضي بمدحهم والفرح به فقد روى عن بعض الحكماء أنه مدحه بعض العوام فبكى فقال له تلميذه أتبكي وقد مدحك فقال له أنه لم يمدحني حتى وافق بعض خلقي خلقه فلذلك بكيت وقال يحيى بن معاذ رضي الله عنه تركية الأشرار هجنة لك وحبهم لك عيب عليك وقيل لبعض الحكماء أن العامة يثبتون عليك فأظهر الوحشة من ذلك وقال لعلهم رأوا منى شيئاً أعجبهم ولا خير في شئ يعجبهم ويسؤني اه فينبغي للفقير أن يخفي محاسنه وأعماله التي يمدح عليها ويظهر ما يسقط به من أعينهم مما هو مباح كما تقدم في الخمول وكان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه يقول فينبغي للفقير ألا يكون صيته أكبر من قدمه بل يكون قدمه أكبر من صيته وقدره أكبر من دعواه اه فيكون جلالي الظاهر جمالي الباطن فكل ما تظهر على ظاهرك من الجلال يدخل في باطنك قدره من الجمال وكل ما تظهره من الجمال يدخل قدره في باطنك من الجلال فنزيين الظواهر يخرب البواطن فبقدر ما تخرب في الظاهر يكون عمارة في لباطن وبقدر ما تعمر في الظاهر يكون خراباً في الباطن ولله در شبح المجذوب رضي الله عنه حيث قال في شأن الجهال اتفقوا على الدين تركـوه
    تعاندوا في المال الكساوى الثوب من فوق غسـلـوه
    وخلوا القـلـب خـاويفإذا أظهرت الجلال وأخفيت الجمال ثم أطلق الثناء عليك الكبير المتعال بما لست له أهلاً فأثن عليه بما هو أهله كما أبان ذلك بقوله إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل فأثن لعيه بما هو أهله قلت إذا أطلقي الله تعالى الثناء عليك على ألسنة خلقه بما لا تعلمه من نفسك ولست بأهل له فأثن على الله بما هو أهله أي بما يستحقه من التعظيم ليكون ذلك شكراً لنعمة إطلاق الألسنة بالثناء عليك وأيضاً فإنه هو الذي ستر عنهم مساويك واظهر لهم محاسنك ولو أظهر لهم ذرة من مساويك لمقتوك وأبغضوك فإن العبد محل النقائض والحق تعالى محل الكمالات فكل ما ظهر عليك من الكمالات فإنما هي رشحة من كمالاته تعالى فالثناء في الحقيقة إنما هو لله فإذا وقع عليك فرده أنت إلى أصله وفي الحقيقة ما وقع إلا ي أصله ولكن لما اختلف القصد اختلف الحكم اثنى على بعض السادات وهو ساكت فقيل له في ذلك فقال وما على من ذلك فقال وما على من ذلك ولست أغلط في نفسي بل لست في البين والمجرى والمنشي هو الله تعالى اه هذه حالة أهل الجمع وكان بعض السادات يستعمل الفرق إذا سمع الثناء عليه ألقى على رأسه التراب في خلوته فالناس في حالة المدح والذم على ثلاثة أقسام يفرحون بالمدح ويكرهون الذم لأن نفوسهم غالبة عليهم ولا شك أنها تفرح بالعز والرفعة وتنقبض بالذم والضعة وهم العوام الغافلون وقسم يكوهون المدح ويحبون الذم لأنهم في مجاهدة نفوسهم فكل ما يؤلمها ويقتلها أقبلوا عليه وكل ما يحييها ويقويها فروا منه وهم العباد والزهاد والسائرون من المريدين وقسم يفرحون بالمدح لشهوده من مولاهم وينقبضون من الذم لشهودهم جلال من به تولاهم وهم العارفون وقد أشار إلى القسم الثاني والثالث بقوله الزهاد إذا مدحوا انقبضوا لشهودهم الثناء من الخلق والعارفون إذا مدحوا انبسطوا لشهودهم ذلك من الملك الحق قلت أما العباد والزهاد فلأنهم محجبون برؤية الخلق عن شهود الحق فإذا مدحوا شهدوا ذلك من الخلق وحجبوا عن الجمع بالفرق فانقبضوا وخافوا على نفسوهم أن تغتر بذلك أو تقف هنالك وهم عاملون على ما تموت به نفوسهم وتحيي به قلوبهم ولا شك أن المدح لها فيه حظ وافر فربما تميل إلى ذلك فتعتقد المزية على الغير فيوجب لها التكبر والرضى وهما أصل كل معصية واما الذم فلاحظ لها فيه إنما فيه موتها وفي موته أن حياتها فلذلك إذا مدحوا انقبضوا وإذا ذموا انبسطوا وسكت عنه الشيخ وكأنه يؤخذ بالمفهوم وأما العارفون الواصلون فلأنهم فانون عن أنفسهم باقون بربهم غائبون عن الخلق بشهود الملك الحق فإذا أثنى عليهم رأوا ألسنة الخلق أقلام الحق وشهدوا الجمع في عين الفرق ففرحوا بمدح مولاهم وانبسطوا عند من تولاهم فيزدادون له حباً وشوقاً ويفنون فيه شفعاً وعشقاً وفي مثل هؤلاء ورد الحديث إذا مدح المؤمن ربي الإيمان في قلبه ربوة وإذا ذموا انقبضوا سكوناً تحت قهرية الحق وأدباً مع جلاله وليس في هذا الانقباض دليل على كراهية الذم من حيث نسبته للخلق لأنهم يرون الخلق مصرفين بقدرة الحق وعلامة ذلك أنهم يسمحون لمن أجرى ذلك عليه بل يتعطفون لعيه ويتوددون بالمحبة إليه كما قال الشاعر رب رام لي بأحجار الأذى
    لم أجد بداً من العطف عليه فعسى يطلع اللـه عـلـى
    فرح القوم فيدنينـي إلـيه

  11. #31
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    وفي تعبير آخر الناس في المدح والذم عل أربعة أقسام عوام جهال وعباد زهاد ومريدون ساكلون وعارفون واصلون فأما العوام فنفوسهم غالبة عليهم ودائرة الحس محيطة بهم محط نظرهم الخلق غافلون عن طلب الحق إذا مدحوا وأقبل عليهم الخلق فرحوا وبطروا لنيل مرادهم وتحصيل أغراضهم والنفس الأمارة مجبولة على حب الأمارة وإذا ذموا وأدبر عنهم الخلق انقبضوا وحزنوا لفوات ما أملوا فهؤلاء خربة من النور وأما العباد والزهاد فهم مجتهدون في العبادة فارون من الخلق طالبون رضى الحق مستوحشون من الناس تحققوا منهم الإياس فإذا أقبلوا عليهم بالمدح والثناء انقبضوا وخافوا أن يشغلوا عما هم فيه وإذا ذموا وادبر عنهم الخلق فرحوا وانبسطوا لتفرغهم حينئذ للعباد وإقبالهم على ما هم عليه من المجاهدة وما المريدون السالكون فهم عالمون على قتل نفوسهم وحياة قلوبهم فإذا ذموا وأدبر الخلق عنهم فرحوا لما في ذلك من موت نفوسهم وحياة قلوبهم ولذا مدحوا انقبضوا خوفاً على قوة نفوسهم وضعف قلوبهم إذ في موت النفس حياة القلوب وفي حياة القلوب موت النفوس وأما العارفون فقد ظفروا بنفوسهم ووصلوا إلى شهود معبودهم فهم يستأنسون لكل شئ لمعرفتهم في كل شئ يأخذون النصيب من كل شيء ويفهمون عن الله في كل شئ فإذا مدحوا انبسطوا بالله لشهودهم المدح من الله وإلى الله ولا شئ في لأكون سواه وليس أحد أحب إليه المدح من الله كما في الحديث وإذا ذموا انقبضوا تأدباً مع جلال الله أو شفقة على عباد الله من عادى إلى ولياً فقد آذنته بالحرب فصار بسطهم بالله وقبضهم بالله واستغنوا به عما سواه وبهذا المعنى وهو الفناء على النفوس صح مدحهم لأنفسهم تحدثاً بما أنعم الله عليهم كالشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه والشاذلي والمرسي والشيخ زروق وأشباهمهم رضي الله عنهم وذلك مشهور عنهم نظماً ونثراً ومن أجل ذلك أيضاً أقروا من مدحهم وأظهروا الانبساط عند مدحهم وللمؤلف رحمه الله قصائد في مدح شيخه أبي العباس وكان يقول له أيدك الله بروح القدس كما كان يقول عليه السلام لحسان بن ثابت رضي الله عنه حين يمدحه عليه السلام ومدح الشيوخ من أعظم القربات وأقرب الوسائل إلي الوصول إذ هم باب الله الأعظم ويد الله الآخذه بيد الداخلين إلى الحضرة فمن مدحهم فقد مدح الله أن الذين يبايعونك إنما يباعيون الله ومن ذمهم فقد ذم الله وكذلك مدح الرسول صلى الله عليه وسلم هو باب عظيم في الوصول إلى حضرة الكريم فإن قلت قوله عليه السلام أحثوا التراب في أوجه المادحين يقتضي العموم فيصدق بمدح العارفين وغيرهم قلت هو محمول على المدح بالكذب على وجه الطمع كما يقع للموك وأرباب الأموال طمعاً فيما عندهم أو يحمل على من كان باقياً مع نفسه خائفاً عليها كالعباد والزهاد فإذا مدحهم أحد فينبغي أن يزجروه ويحثوا في وجهه التراب قيل حقيقة وقيل كناية عن الخيبة والرد والنهي والزجر وأما العارفون المتحققون فقد عرفوا الممدوح وغابوا عن شهود الواسطة في المادح والممدوح مفعنا الله بذكرهم وخرطنا في سلكهم آمين ثم من علامة الكمال تحقيق الاعتدال واستواء الأحوال في ثمانية خصال المدح والذم العو والذل والقبض والبسط والمنع والعطاء وقد تقدم بعضها وأشاري إلى الأخيرتين بقوله ومهما كنت إذا أعطيت بسطك العطاء وإذا منعت قبضك المنع فاستدل بذلك على ثبوت طفوليتك وعدم صدقك في عبوديتك قلت الطفولية والتطفل هو الدخول في قوله ليس منهم ولم يستأذنهم والطفيلي هو الذي يأتي للوليمة من غير دعوة وهو منسوب إلى رجل منأهل الكوفة من بني عبد الله بن غطفان كان يقول له طفيل الأعراس كان يأتي إلى الولائم من غير أن يدعي إليها فشبه المؤلف به من دخل مع القوم ولم يتحقق بما تحققوا به من استواء الأحوالي فإذا كنت أيها الفقير إذا أعطيت حظوظك ومناك واتصلت بعوائدك وهواك من الغنى والعز والجاه والبسط والصحو والعافية وغير ذلك من الحظوظ والشهوات انبسطت وفرحت وإذا منعت من حظوظك وشهواتك وأبدلك الغني بالفقر والعز بالذل والجاه بالخمول والبسط بالقبض والصحة بالمرض والعافية بالبلية انقبضت وجزعت فاستدل بذلك على ثبوت تطفلك على كلانهم ولا نسبة لك من مقامهم وإنما أنت طفيلي الأعراس مازلت في غفلة النعاس واستدل بذلك أيضاً على عدم صدقك في عبوديتك إذا الصدق في العبودية يقتضي استواء النعمة والبلية كما قال الشاعر أحباي أنتهم أحسن الدهر أم أسا
    فكونوا كما شئتم أنا ذلك الخل قالي أبو عثمان الحيري رضي الله عنه لا يكمل الرجل حتى يستوي قلبه في أربع أشياء في المنع والعطاء والعز والذل اه فإذا كان الفقير يتضعضع عند الجلال وينهزم عند حملة الأبطال فاعلم انه ضعيف الحال متطفل على مقامات الرجال قال في التنوير وقد ابتلى الله بحكمته ووجود منته الفقراء الذين ليسوا بصادقين بإظهار ما كتموا من الرغبة وأسروا من الشهوة فابتذلوا أنفسهم لأبناء الدنيا مباسطين لهم ملايمين لهم موافقين لهم على ملذوذاتهم مدفوعين على أبوابهم فترى الواحد منهم يتزين كما تتزين العروس معتنون بإصلاح ظواهرهم غافلون عن إصلاح سرائرهم ولقد وسمهم الحق بسمة كشف بها عوارهم واظهر أخبارهم فبعد أن كانت نسبته أن لو صدق مع الله أن يقال فيه عبد الكبير فخرج من هذه النسبة لعدم صدقه فصار يقال له شيخ الأمير أولئك الكاذبون على الله الصادون العباد عن صحبة أولياء الله لأن ما يشهده العموم منهم يسحبونه على كل منتسب لهم صادق وغير صادق فهم حجب أهل التحقيق وسحب شموس أهل التوفيق ضربوا طبولهم ونشورا أعلامهم ولبسوا دروعهم فإذا وقعت الحملة ولوا على أعقابهم ناكصين ألسنتهم منطلقة بالدعوى وقلوبهم خاوية من التقوى ألم يسمعوا قوله تعالى ليسئل الصادقين عن صدقهم أترى إذا سأل الصادقين عن صدقهم أيترك المدعين من غير سؤال ألم يسمعوا قوله سبحانه وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون فهم في إظهار زي الصادقين وعملهم عمل المعرضين كما قال القائل أما لا خيال فإنها كخيامـهـم
    وارى نساء الحي غير نسائها لا والذي حجت قريش بيتـه
    مستقبلين الركن من بطحائها ما أبصرت عيني خيام قبـيلة
    ألا بكيت أحبتي بفـنـائهـا هذا آخر الباب الخامس عشر وحاصلها آداب المريد في المدح والذم ومرجعها إلى خمسة الأول ذم النفس عند مدحها بما ليس فيها الثاني استحياؤه من الله أن يمدح بوصف لا يشهده من نفسه الثالث أن يرجع إلى يقين ما عنده وهداه الخامس أن يكون معتدل الحال سليم القلب فلا يحزن عند الذم ولا يفرح عند المدح قال بعض العارفين إذا قيل لك نعم الرجل أنت فكان أحب إليك من أن يقال لك بئس الرجل أنت فأنت والله بئس الرجل اه وجاء رجل إلى شيخ شخنا مولاي العربي رضي الله عنه فجعل يمدحه في وجهه فقال له يا هذا لا تغرني بقولك أنا أعرف نفسي حين أكون أفضل الوجود أو أقل الوجود فالوقت الذي نكون فيه ذاكراً لربي أنا أفضل الوجود والوقت الذي لا نذكر الله فيهن أنا أقل الوجود أو كلام هذا معناه لكن هذا الآدب الخامس يختلف باختلاف الأحوال فالعباد يغلبون حب الذم على المدح والعارفون يغلبون حب المدح على الذم أو يعتدلون كما يعتدولن في حال المنع والعطاء والقبض والبسط والذل والعز ولا فقر ولا غنى وغير ذلك من اختلاف الآثار وتنقلات الأطوار ومن جملة ذلك الخوف والرجاء بحيث إذا صدرت منهم طاعة لا يزيد رجاؤهم وإذا وقعت منهم زلة لا يعظم خوفهم ولا تنقص استقامتهم كما أشار إلى ذلك في أول الباب السادس عشر بقوله وقال رضي الله عنه إذا وقع منك ذنب فلا يكن سبباً يؤنسك من حصول الاستقامة مه ربك فقد يكون ذلك آخر ذنب قدر عليك قلت السائر الصديق أو الواصل إلى التحقيق كالراكب المغير جاداً في المسير كاد من السرعة أن يطير فإذا وقعت منه كبوة أو سقطه أو صدرت مه عثرة أو هفوة استوي على جواده واستمر على إغارته في طلب مراده فإذا سقط وجعل يتمرغ في سقطته كان ذلك دليلاً على فترته وعدم تحصيل طلبته فإذا وقع منك أيها الفقير ذنب فلا يكن سبباً في قطعك عن الله أو يؤنسك من الاستقامة مع الله فيتضاعف عليك وبال المعصية وتعظيم في حقك المصيبة والبلية فقد يكون ذلك رحمة بك وتنبيهاً لك من سنتك كحصول ملل وفترة فإذا سقطت نهضت وإذا قمت جددت وقد تكون ذلك آخر ذنب قدره الله عليك وتأمل ما وقع لكثير من الأكابر كانوا لصوصاً فصاروا خصوصاً كإبراهيم بن أدهم والفضيل وأبي يعزى وغيرهم ممن لا يحصى فليكن لك بهم أسوة في حسن الظن بالله قال تعالى لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ابن آدم خطأ وخير الخطائين التوابين وقال عليه السلام أن الله يحب كل مفتن تواب يعني كثير الذنب كثير التوبة قال تعالى أن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين فهذه الآيات تقوى رجاء العباد وتوجب الاعتال والسداد وقد بين أصل الرجاء والخوف ومنشأهما فقال إذا أردت أن ينفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك ولذا أردت أن ينفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه قلت إذا أردت أيها الإنسان أن يتقوى رجاؤك في الكريم ألمنان فاشهد ما منه إليك من الإحسان واللطف والمبرة والامتنان فهل عودك إلا حسناً وهل أسدي إليك إلا مننا عليك بسط منته ولك هيأ جنته أنعم عليك في هذه الدار بغاية الإنعام وما قنع لك بذلك حتى أعدلك دار السلام باقية مستمرة على الدوام ثم أتحفك بالنظر إلى وجهه الكريم تماماً على سابق إحسانه القديم وإذا أردت أن ينفتح لك باب الحزن والخوف فاشهد ما منك إليه من الاساءة والتقصير في العبادة أو من موافقة الشهوة والاسترسال مع الغفلة فإنك أن شهدت ذلك دام حزنك وقوي خوفك وربما كان سبباً في سوء ظنك بربك فتزل قدم بعد ثبوتها وفي الحديث لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم وهو الغفور الرحيم فدل الحديث على أن شهود الكرم أفضل عند الله من شهود الانتقام وخصلتان ليس فوقهما شئ من الخير حسن الظن بالله وحسن الظن بعباد الله وخصلتان ليس فوقهما شئ من الشر سوء الظن بالله وسوء الظن بعباد الله كما في الديث وبقيت مرتبة ثالثة وهي الغيبة عن الرجاء والخفو بشهود ما من الله إلى الله وهو مقام أهل الشهود فلذلك اعتال أمرهم في جميع الأحوال نفعنا الله بذكرهم آمين ثم أن ثمرة الرجاء ونتيجته البسط وثمرة الخوف ونتيجته القبض فلذلك ذكره بعدهما فقال ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط لا تدرون أيهم اقرب لكم نفعاً قلت القبض والبسط حالتان يتعاقبان على الإنسان كتعاقب الليل والنهار فالليل محل السكون والقرار والنهار محل التحرك والانتشار القبض لاحظ فيه للنفس والبسط تأخذ النفس حظها منه وما لاحظ فيه للنفس أقرب للسلامة وأعظم للإفادة فالقبض كالليل والليل محل المناجاة والمصافاة وملاقاة الأحباب ورفع الحجاب فربما أفادك في ليل القبض م انخناس النفس وذهاب الحس وموالاة الأنس ما لا تستفيده في نهار البسط من تحصيل العلوم وتحقيق الفنون ومجالسة الأخيار ومخالطة الأبرار فالقبض له فوائد والبسط له فوائد والعبد لا يدري أيهما أقرب له نفعاً فتعين الوقوف مع ما يواجهه من جهة الحق فيتلقاه بالقبول والأدب وقد تقدم آداب كل واحد منهما عند قوله بسطك كي لا يتركك مع القبض الخ فلا تطلب البسط أن واجهك بالقبض ولا تطلب القبض أن واجهك بالبسط فقد تستفيد من أحدهما مالا تستفيده من الآخر فلا تدري أيهما أنفع ولا أيهما أضر ولذلك استدل بالآية التي نزلت في ميراث الأب من الابن فالبسط كالأب لأنه ناشيء من شهود ما منه إليك وهو فعل الحقي الذي صدر مه كل موجود وهو الأصل والقبض كالابن لأنه ناشئ من شهود ما منك إليه وهو الفرع إذ الفعل كله من القدرة وأما الحكمة فإنما هي تغطية وإذا كان العبد جاهلاً بمنتفعتهما كجهله بالأنفع من الآباء والأبناء تعين متابعة الحق باتباع مراده وانتهاجه حاله من غير تحول ولا انتقال ولا تشوف إلى غير ما هو فيه من ذلك الحال بذلك يتنور قلبه ويتطهر سره ولبه فتكشف عنه الحجب والاستار ويتهيأ لحمل الأنوار والأسرار كما أبان ذلك بقوله مطالع الأنوار القلوب والأسرار قلت المطالع جمع مطلع وهو محل طلوع الشمس وغيرها والنوار هنا الواردات والكشوفات التي تكشف الحجب وترفع رداء الصون عن مظاهر الكون وقد تقدم أن النفس والعقل والقلب والروح والسر عند كثير من الصوفية شئ واحد وما هي إلا الروح تتطور بحسب التصفية والترقية فما دامت مشغولة بحظوظها وشهواتها فهي نفس ونورها مكسوف فإذا انزجرت وعقلت بعقال الشرع إلا أنها تميل إلى المعاصي والذنوب فتارة تعصى وتتوب وتارة تحن وتؤوب سميت عقلاً ونروها قليل لأنها محبوسة في سجن الأكوان معقولة بالدليل والبرهان فإذا سكنت عن المعاصي إلا انها تنقلب بين الغفلة واليقظة وبين الاهتمام بالطاعة والمعصية سميت قلباً وهو أول مطالع الأنوار فتشرق عليه أنوار التوجه فلا تزال تترادف عليه الواردات وهي أنوار التوجه حتى يسكن إلى الله ويطمئن بذكر الله فحينئذ تسمى روحاً وهو أول مطالع أنوار المواجهة فبهذه الأنوار ينكشف الحجاب وينفتح الباب وتدخل في حضرة الأحباب فإذا اتصفت من غبش الحس وتطهرت من كدر الأغيار سميت سراً وهو أول مطالع أنوار المعاينة والمكالمة ثم لا حال ولا مقام يا أهل يثرب لا مقام لكمن فارجعوا وأما الترقي في العلوم والمعارف فلا نهاية له على الأبد فالقلوب مطالع ومشارق أنوار التوجه والأسرار مطالع ومشارق أنوار المواجهة والمشاهدة والمعاينة والروح والسر قريب بعضها من بعض في المرتبة فلذلك سكت الشيخ عن الأرواح لاندراجها في الأسرار والحاصل أن النفوس والعقول الظلمة غالبة عليهما لأنهماكهما في الحس وفنائهما في الغلس والخنس فليستا مطلعاً لشئ من النور لعدم توجههما إلى الكريم الغفور وأما القلب والروح والسر فهي مطالع الأنوار أي محل طلوعها وإشراقها إلا أن القلب مطلع لأنوار التوجه والروح والسر مطلعان لأنوار المواجهة وقد تقدم تفسيرهما عند قوله هتدى الراحلون الخ وقد سوى الشيخ بينهما ومراده ما ذكرناه والله تعالى أعلم ثم بين ابتداء مطلع هذا النور وهو القلب ثم يشرق على الروح ثم على السر فقال نور مستودع في القلوب مدده النور الوارد من خزائن الغيوب قلت النور المستودع في القلوب هو نور اليقين ويكن أولاً ضعيفاً كنور النجوم وهو نور الإسلام ثم لا يزال يتقوي ويستمد من النور الوارد من خزائن الغيوب حتى يكون كنوز القمر وهو نور الإيمان ثم لا يزال ينمو بالطاعة والذكر والصحبة حتى يكون كنور الشمس وهو نور الإحسان وخزائن الغيوب هي أنوار الصفات وأسرار الذات فمنها تستمد أنوار الإسلام وأنوار الإيمان ثم تشرق أنوار الإحسان فيتغطى وجود الأكوان قال في التنوير ولو انهتك حجاب الوهم لوقعي العيان على فقد الأعيان ولا شرق نور الإيقان فغطى وجود الأكوان اه واعلم أن وجه اصطلاح الصوفية رضي الله عنهم في ترتيب الإسلام أولاً ثم الإيمان ثم الإحسام أن العبد ما دام مشغولاً بالعبادة الظاهرة الحسية سمى ذلك المقام مقام الإسلام فإذا انتقل العمل للقلب وهو اشتغاله بتصفية القلب بالتخلية والتحلية وتحقيق الاخلاص سمى ذلك مقام الإيمان فإذا انتقل العمل للروح وللسر وهو الفكرة والنظرة سمى مقام الإحسان بخلاف الفقهاء فإنهم يقدمونن الإيمان على الإسلام فيقولون لا يصح شئ دون الإيمان ولا مشاحة في الاصطلاح قد علم كل أناس مشربهم قال بعض المحققين اعلم ا، لعالم الملك وهو عالم الشهادة أنوار ظاهرة ولعالم الملكوت وهو عالم الغيب أنوار باطنة وأشهر ما في عالم الملك ثلاثة أنوار نور الشمس ونور القمر ونور النجوم ويقابلها من عالم الملكوت نور المعرفة ونور الفهم ونور العلم فبطلوع نجم العلم في ليل الجهل تبدوا الآخرة والأمور الغيبية وبطلوع قمر الفهم في أفق التوحيد يشهد قرب الحق وبطوله شمس المعرفة في أفق التفريد يقوي اليقين ويلوح وجه المشاهدة وأول نور يلج في الصدر نور الإسلام فإذا انشرح القلب به انقذف فيه نور الإيمان فإذا اتقوى فيه صار شهوداً اه المراد منه قلت وبهذا النور وسع القلب معرفة الحق وهو الذي أشار إليه في الحديث القدسي أن يسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن فانظر هذا القلب الذي وسع الرب سبحانه ما أعظمه وأجله فتحبب يا أخي إلى أرباب هذه القلوب التي وسعت علام الغيوب حتى يوصلوك إلى وصلوا إليه من علم الغيوب وبالله التوفيق ثم ذكر ثمرة النور وهي الكشف عن حقائق الأشياء فقال نور يكشف لك له عن آثاره ونور يكشف لك به عن أوصافه قلت أصل النور من حيث هو الكشف فالنور الحسي يكشف عن المحسوسات والنور المعنوي يكشف عن المفهومات أو تقول نور الحس يكشف عن الأواني والنور المعنوي يكشف عن المعاني ولا عبرة برؤية الأواني خاوية عن المعاني ثم أن النور المعنوي ينقسم على ثلاثة أقسام باعتباره القوة والضعف فنور الإسلام الذي هو كالنجوم يكشف لك الحق تعالى به عن وجود آثاره فتستدل بها على صانعها ونور الإيمان الذي هو كالقمر يكشف لك به عن ثبوت أوصافه فلا يترحك شئ أو يسكن إلا تراه بقدرة الله وإرادته وعلمه وحياته إلى آخر صفاته ونور الإحسان يكشف لك به عن حقيقة ذاته فلا ترى شيئاً إلا رأيت صانعه فيه بواسطة تجلياته، الله نور السموات والأرض فنهاية كشف النور ألول الفناء في الأفعال ونهاية كشف النور الثاني الفناء في الصفات ونهاية كشف النور الثالث التمكين في الفناء في الذات واستغنى الشيخ عن النور الثالث بذكر النور لثاني لأن الفناء في الصفات قريب من الفناء في الذات لأن الصفات لا تفارق الموصوف فمن كان يرى سمعه بالله وبصره بالله وحركته بالله يري وجوده بالله ولذلك استغنى بعضهم بالفناء في الذات عن الفناء في الصفات لتقاربهما فمهما تحقق أحدهما تحقق الآخر والله تعالى أعلم ويحتمل أن يريد بقوله نور يكشف لك به عن آثاره النور الحسي المدرك بالبصر الحسي ونور البصر الحسي لا يستقل بادراك المؤثر في الأثر ما لم تمده الأنوار الباطنية العقلية فالمدار إنما هو على الأنوار الباطنية وأما الحسية فمدركه لكل أحد حتى البهائم فلا خصوصية لها وبالله التوفيق ثم المطلوب من العبد هو الترقي من نور شهود الأثر إلى نور الصفات ثم إلى نور شهود الذات وقد تقف بعض القلوب مع النور الأول فتحجب عن الثاني ومع النثاني فتحجب عن الثالث كما إبان ذلك بقوله ربما وقفت القلوب مع الأنوار كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار قلت قد تقف بعض القلوب مع أنوار المقامات دون الوصول إلى الغايات فتحجب عن الوصول كما حجبت النفوس بكثائف الغيار قلت قد تقف بعض القلوب مع أنوار المقامات دون الوصول إل الغايات فتحجبت عن الوصول كما حجبت النفوس بكثائف المحسوسات عن إدراك لظائف المعاني والمفهومات وذلك أما لعدم شيخ التربية أو لضعف الهم عن الترية فقد ينكشف لبعض القلوب عن سر توحيد الأفعال فتفنى في العمل وتذوق حلاوته فتقف مع وهواتف الحقيقة تناديها الذي تطلبه أمامك وقد سنكشف لها عن سر توحيد الصفات وتلوح لها أنوار المقامات كتحقيق الزهد والروع وصحة التوكل والرضى والتسليم وحلاوة المحبة والاشتياق إلى غير ذلك فتقنع بذلك وتقف هنالك والمطلوب هو الكشف عن سر توحيد الذات وأنوار الصفات، وأن إلى ربك المنتهي، فالنور عبارة عن الحلاوة والقوة التي يجدها المريد في باطنه من مزيد إيمان وقوة إيقان فحلاوة الخدمة لأهل الفناء في الأفعال وحلاوة الذكر الحسي اللساني أو القلبي لأهل الفناء في الصفات مع الحجاب وحلاوة الفكرة والنظرة لأهل الفناء في الذات وأن شئت قلت ربما وقفت القلوب مع أنوار الأحوال فتحجبت عن مقامات الرجال أو مع أنوار المقامات الفناء في الذات وإن شئت قلت ربما وقفت القلوب مع أنوار الحوال فتحجبت عن مقامات الرجال أو مع أنوار المقامات فتحجب عن معرفة الذات ولذلك قال لا شيخ ابن مشيش لتلميذه أبي الحسن أشكو إلى الله من برد الرضى والتسليم كما تشكو أنت من حر التدبير والاختيار خاف رضي الله عنه أن يحجب بحلاوة الرضى والتسليم عن شهود لاذات واعلم أن الوقوف مع الأحوال أو المقامات إنما هو من عدم الوصول إلى الشيخ وأما من صحب الشيخ وأكثر الوصول إليه فلا بد أن يرحله إلى المقصود إلا أن يرى همته ضعينة لا تطيق أنوار الشهود فيتركه على ما هو عليه حتى تنهض همته إلى شهود المعبود وشبه الشيخ رضي الله عنه حجب القلوب بالأنوار بحجب النفوس بالأغيار لاشتراكهما في الحجب عن الله لكن حجب النفس بالأغيار أشد لأنها ظلمة والظلمة أشد حجاباً من النور فالقلوب نورانية حجبت بالنور والنفوس ظلمانية حجبت بالظلمة وكثائف الأغيار هي ما ظهر من بهجة الدنيا وزخرفها وغرورها وزهرتها وهي التي أشار إليها الحق تعالى بقوله زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة الخ الآية ويدخل فها ما يلايمها من حب الجاه والرياسة وحب المدح والتعظيم وغير ذلك من شهواتها وعوائدها وهي التي حجبت حل الناس وساقتهم إلى الخيبة والإفلاس نسئل الله العصمة بمنة وكرمه ويدخل في الأغيار العلوم العقلية واللسانية فالاشتغال بها والوقوف مع حلاوتها من أشد الحجب عن معرفة الله أعني المعرفة الخاصة ويدخل فيها أيضاً الكرامات الحسية كالطيران في الهواء والمشي على الماء فالوقوف مع ذلك من أشد الحجب أيضاً ولذلك قال بعضهم أشد حجاباً عن الله العلماء ثم العباد ثم الزهاد فسبحان من حجب العلماء بعلمهم عن معلومهم والعباد بعبادتهم معبودهم والصالحين بصلاحهم عن مصلحهم والله من وراء ذلك كله وفي ذلك كله وفي ذلك يقول الششتري رحمه الله
    تقيدت بالأوهام لـمـا تـداخـلـت
    عليك ونور العقل أورثك السجـنـا وهمت بأنوار فهمنـا أصـولـهـا
    ومنبعهما من أين كان فما همـنـا وقد تحجب الأنوار للعـبـد مـثـل
    ما تبعد من الظلام نفس حوت ضعنا وحكمة وجود هذه الأنوار الحسية والأغيار ولظلمانية تغطية وستر لأنوار السرائر الباطنية كما أبان ذلك بقوله ستر أنوار السرائر بكثائف الظواهر إجلالاً لها أن تبتذل بوجود الإظهار أن ينادي عليها بلسان الاشتهار قلت أنوار السرائر هي العلوم اللدنية والمعارف الربانية ويجمعها علم الربوبية الذي يجب كتمه عن غير اهله ومن أباحه أبيح دمه وهو الذي قتل بسببه الحلاج وكثائف الظواهر هي البشرية الظاهرة أو تقول أنوار السارئر هي الحرية الباطنية وكثائف الظواهر هي العبودية الظاهرية أو تقول أنوار السرائر هي علم القدرة الباطنية وكثائف الظواهر هي علم الحكمة الظاهرة فأنوار السرائر معان لطيفة رقيقة سترها الله تعالى بالكثائف الظاهرة ولذلك وقع الإنكار على أهلها قديماً وحديثاً حتى قال الكفار ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وقالوا ما ذا إلا بشر مثلكم ووقوع الإنكار على أولياء الله سنة ماضية وحكمة ذلك إجلال وتعظيم لها أن تبتذل وتظهر بوجود الإظهار وأن ينادي عليها بلسان الاشتهار فلا يبقى لها سر ولا عز ولهذا طلب الأولياء بالخمول واستعمال الخراب والتلبيس قال الششتري رضي الله عنه إذا رأيت الـوجـود
    قد لاح فـي ذاتـك هودس ولازم الجحود
    ذاتـك صـفـاتـك واضرب بترسك ال
    عقود وألق عصاتك والتهودس التحمق والترس ما يستر به الإنسان مواقع النبل والمراد بالعقود العلائق والشواغل أي اضرب بسيف عزمك علائقك وعوائقك والقاء العصى كناية عن طرح كل ما يستند إليه أو يعتمد عليه من أصحاب أو أحباب أو أسباب أو حول أو قوة أو غير ذلك مما يقع الركون إليه ويحتمل أن يريد بأنوار السرائر معاني الصفات السارية في الذات وبكثائف الظواهر المحسوسات الظاهرة فلا ظهور للصفات إلا بالذوات الحسية ولا قيام للذوات إلا بالصفات فستر الله سبحانه صفاته الأزلية اللطيفة بظهور الذوات البشرية الكثيفة صونا لسر الربوبية أن يبتذل بالإظهار أو ينادي عليه بلسان الاشتهار والحاصل أن الأشياء كلها قائمة بين ذات وصفات بين حس ومعنى بين قدرة وحكمة فستر الحق سبحانه معاني أسرار الذات اللطيفة بظهور الذوات الكثيفة وستر المعنى اللطيف بالحس الكثيف وستر القدرة بالحكمة والكل من الله وإلى الله ولا موجود سواه وهذه الكثائف الظاهرة هي أردية وقمص للمعاني اللطيفة أو تقول هي رداء الصون الذي نشر على الكون فإذا انهتك الرداء أو قطع بقي المعنى سالماً فالتصرفات القهرية إنما تجر الأردية ولستور دون المعاني والنور فالحق منزه ومقدس أن يلحقه ما يلحق العبد فلتكف عن طلب المزيد والعجز عن الادراك من وصف العبيد وقد مثلوا أيضاً كمون المعاني اللطيفة في الأشباح الكثيفة بالحبوب اليابسة في الأغصان الرطبة فهي كامنة مستترة فإذا نزل المطر اخضرت الأشجار وأخرجت الثمار التي كانت كامنة فيها وإلى هذا المعني أشار ابن البناء في مباحثه الأصلية حيث قال وهي من النفوس في كمـون
    كما يكون الحب في الغصون حتى إذا أرعـدت الـرعـود
    وانسكب الماء ولأن العـود وجال في أغصانهـا الـرياح
    فعندها يرتقـب الـلـقـاح هذا آخر الباب السادس عشر وحاصلها آداب السائر في حال سيره بحيث لا يقف مع معصية ولا يركن إلى طاعة ولا يغلب عليه خوف ولا رجاء ولا قبض ولا بسط بل يبرز من الغيب فينلقاه بالمعرفة والرحب فإذا فعل ذلك أشرقت لعيه الأنوار فتخرجه من رق الآثار حتى تفضى بع إلى شهود الملك القهار لكن لا بد للحسناء من نقاب وللشمس من سحاب ولليواقيت من صوان فخفيت الأنوار بكثائف الأغيار إجلالاً لها أن تبتذل بوجود الإظهار وأن ينادي عليها بلسان الاشتهار فمن أحل ذلك أخفى أوليائه في خلقه فلا يطلع عليهم إلا من أراد أن خصه بما خصهم به من سره كما بان ذلك في أول الباب السابع عشر بقوله وقال رضي الله عنه سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ول يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه قلت الدليل هو الموصل للمطلوب فلذا صار الحق تعالى بك إلى ولى عارف به ودلك عليه فقد سار بك إلى معرفته ودلك عليه فمنهما دلك على وليه وأطلعك على سره فقد دلك عليه ووصلك إلى حضرته شريعاً فلم يجعل الحق سبحانه الدلالة على أوليائه والوصول إليهم إلا من جهة الدلالة عليه ولم يوصل أحداً إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه فلأجل هذه الملازمة وعدم الإنفكاك تعجب الشيخ من ذلك وقال شخنا رضي الله عنه في قوله المؤلف رضي الله عنه وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به قال وصولك إليه وصولك إلى عارف به يعني مهما وصلك إلى عارف به وأطلعك عليه فقد وصلك إليه ومهما حجبك عن العارفين به فقد حجبك عنه فلا طريق إلى معرفة الله إلا من طريق معرفتهم ولا دليل على الله أعني على معرفته الخاصة العيانية إلا من حيث الدليل عليهم وكما حجب الحق سبحانه ذاته المقدسة بعزته وقهريته كذلك حجب أولياءه بما أظهر عليهم من أوصاف البشرية فلا يعرفهم إلا من سبقت له العناية الربانية إذ لا يعرف الخواص إلا الخواص قال في لظائف المنن أهل الله من خاصة عباده هم عرائس الوجود والعرائس محجبون عن المجرمين فهم أهل كهف الأيواء فقليل من يعرفهم وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه معرفة الولى أصعب من معرفة الله فإن الله معروف بكماله وجماله ومتى تعرف مخلوقاً مثلك يأكل كما تأكل ويشرب كما تشرب ثم قال وإذا أراد أن يعرفك بولى من أوليائه طوى عنك شهود بشريته وأشهدكن وجود خصوصيته أيضاً فإن الولى لا يعرف بالصورة الظاهرة وإنما يعرف بالمعاني الباطنة لأن الله لا يعبأ بالصور رب أشعث اغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لا بره في قسمه فمن أراد معرفته بالصورة فلا يعرفه لأنه لا يري إلا بشراً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فالعين لا ترى إلا الأجسام الكثيفة التي يطرأ عليها ما يطرأ على أهل الحجاب ولم يدرك ما انطوت عليه الصورة من المعاني اللطيفة والأسرار المنيفة فمن أراد الله سعادته رزقه الاعتقاد والتصديق أولاً ثم الهداية والتوفيق ثانياً فالتصديق بأسرار الولاية أول المعرفة ولهذا قال الشيخ أبو الحسن التصديق بطريقتنا هذه ولاية وقال بعضهم لله رجال لا يعرفهم إلا الخاصة ولله رحال يعرفهم الخاصة والعامة ولله رجال لا يعرفهم لا الخاصة ولا العامة ولله رجال أظهرهم في البداية وسترهم في النهاية ولله رجال سترهم في البداية وأظهر في النهاية ولله رجال لا يعرفهم سواه ولا يطلع على ما بينه وبينهم إلا الحفظة الكرام الذين وكلوا بحفظ السرائر ولله رحال اختص الله بمعرفتهم لا يظهر حقيقة ما بينه وبينهم إلى الحفظة فمن سواهم حتى يلقونه فهم شهداء الملكوت الأعلى وهم المقربون وهم الذين يتولى الله قبض أرواحهم بيده وهم الذين طابت أجسامهم من طيب أرواحهم فلا يعدو عليها الثرى حتى يبعثون مشرقين بانو أر البقاء المجعول فيهم ببقاء الأبد مع الباقي الأحد وهم المخففون تحت حجاب الأنس المغموسون في بحار والقدس فليس لهم مع غيره قرار ولا عن أنفسهم أخبار تولى الله شأنهم ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله م الغالبون اه قال الشطبي وهذه السرار التي انطوت عليها أسرار الأولياء واحتجبت عن العامة هي أسرار الملكوت الغيبية التي أشار إليها بقوله ربما أطلعك على غيب ملكوته وحجب عنك الاستشراف على أسرار العباد قلت الملكوت مبالغة في الملك هذا باعتبار اللغة وأما باعتبار اصطلاح الصوفية فالعوالم ثلاثة ملك وملكوت وجبروت فالملك ما يدرك بالحس والوهم والملكوت ما يدرك بالعلم والفهم والجبروت ما يدرك بالبصيرة والمعرفة وهذه المعرفة وهذه العوالم محلها واحد وهو لوجود الأصلى والفرعي وإنما تختلف التسمية باختلاف النظرة وتختلف النظرة باختلاف الترقي في المعرفة فالوجود عند المحققين من العارفين واحد قسم لطيف غيب لم يدخل عالم التكوين وقسم كثيف دخل عالم التكوين فالأول يسمى عالم الغيب والثاني علام الشهادة وما كان خفياً في عالم الغيب ظهر في عالم الشهادة فمن نظر إلى حس الأشياء الظاهر سماه ملكاً ويسمى أيضاً عالم الحكمة وعالم الأشباح ومن نظر إلى أسرار المعاني القائمة بالأواني وهي أسرار الذات القائمة بانوار الصفات سماه ملكوتاً ومن نظر إلى السرار الأزلية التي كانت حال الكنزية التي لم تدخل علام التكوين سماه جبروتاً أو تقول ومن نظر إلى الكثيف الذي دخل التكوين ورآه مشتغلاً بنفسه قائماً بقدرة اله سمى في حقه ملكاً وهو لأهل الحجاب من أهل الفرق وبم رآه نوراً فائضاً من النور اللطيف متصلاً به إلا انه تكثف بالقدرة وتستر بالحكمة سماه ملكوتاً وسمى اللطيف الباقي على أصله الذي لم يدخل عالم التكوين الذي هو اول كل شئ وآخر كل شئ ومحيطاً بكل شئ جبروتاً فإن ضم الفرع إلى أصله والكثيف إلى اللطيف سمى الجميع جبروتاً وهذه المعاني لا يفهمها إلا أهل الأذزاق بصحبة أهل الأذواق وحسب من لم يبلغ لهذا المقام التسليم وإلا وقع في الإنكار على أولياء الله بما لم يحط به علماً ولنرجع إلى كلام الشيخ رضي الله عنه فنقول ربما كشف الله عنك الحجاب وترقيت إلى الدخول مع الأحباب فأخرجك من سجن رؤية الأكوان إلى شهود المكون ومن علم الأشباح إلى عالم الأرواح فأطلعك عل غيب ملكوته فأبصرت الكون كله نوراً فاشضاً من بحر الجبروت فالحقته بأصله وفنيت عن شهود الملك الذي هو عالم الفرق بشهود الملكوت الذي هو عالم الجمع الذي قال فيه ابن البناء مهما تعديت عن الأجسام
    أبصرت الحق ذا ابتسام

  12. #32
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    وحجب عنك الاستشراق على أسرار العباد رحمة بك لأنك قد تحجب بذلك عن شهود الملكوت فلا عبرة عند المحققين بمكاشفة أسرار العباد فقد تون عقوبة في حق صاحبها كما يأتي وقد يكون ذلك لمن لا استقامة له أصلا كالكهان والسحرة وغيرهم والغالب أن أهل شهود الملكون يحجبون عن مكاشفة أسرار العباد لاشتغالهم بما هو أعظم وأحظى عند الله وإنما تكون هذه المكاشفات عند العباد والزهاد وأهل الرياضيات والمجاهدات ولا تنكر أن تكون عند العارفين فقد تجتمع لهم المكاشفة والكشف أي مكاشفة أسرار العباد وكشف الحجاب عن الفؤاد إلا أن الغالب هو استغراق الروح في شهود نور الملكوت دون الاستشراف إلى أسرار العباد التي هي من عالم الملك وقد كان الشيخ أبو يعزي رضي الله عنه يطلع على سرائر الناس ويفضهم فكتيب إليه شيخه أبو شعيب أيوب المعروف بالسارية من أزمور يحذره من ذلك وينهاه عن هتك أستار المسلمين فكتب له الشيخ أبو يعزي يجيبه ليس هذا من دقرة البشر أن يسع أحد معرفة أسرار العباد وإخراج عيوبهم من عالم الغيب إلى عالم الشهادة وإنما هو شئ يلقي إلى ويقال لي قل واسمع الخطاب أنت أية من آيات الله والمراد منك أن يتوب الخلق على يديك فتأخذني غلبة وتستولى على ملكه لا أقدر معها عن الكف عن القول اه وكان الشيخ أبو عبد الله التاوى يقول ما قطعه الشيخ أبو يعزي في ستة عشر سنة قطعته أنا في أربعين يوماً ولم يشم لطريقتنا هذه غباراً والله تعالى أعلم وكلهم أولياء الله نفعنا الله بذكرهم وليس قصدنا تنقيص أحد منهم وإنما مرادنا أن طريق المكاشفة ليس هي النهاية بل قال بعضهم هي البداية وبالله التوفيق وقد تكون وبالا في حق المريد كما أبان ذلك بقوله من أطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الإلهية كان إطلاعه فتنة لعيه وسبباً بحر الوبال إليه قلت الاظلاع على أسرار العباد قبل التمكن في الشهود والتخلق بأخلاق الملك المعبود فتنة عظيمة وبلية ومصيبة وذلك لأنه قبل التمكين في المعرفة قد يشتغل بذلك قلبه وينشوش خاطره ولبه فيفتره عن الشهود ويفتنه عن الرسوخ في معرفة الملك الودود وأيضاً ما دامت النفس ولم يقع الفناء عنها قد يعتقد بذلك المزية على الناس فيدخله الكبر والعجب وهما أصل المعاصي فكان اظلاعه حينئذ على أسرار العباد سبباً في جر هذا الوبال أي العقوبة إليه وهو التكبر على الناس واعتقاد المزية عليهم وهو سبب البعد عن الله بخلاف ما إذا تمكن في معرفة الحق وتخلق بأخلاقه وتحقق بمعاني صفاته وأسمائه فإنه يكون على خلق الرحمن فإذا اطلع على معاصي العباد ومساويهم رحمهم وسترهم وحلم عليهم
    وقد قال عليه السلام الخلق عيال الله وأقربكم إلى الله أرحمكم بعياله وقال صلى الله عليه وسلم الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء وفي الإشارات عن الله سبحانه عبدي أن أستخلفك شققت لك من الرحمانية شقاً فكنت أرحم من المرء بنفسه وروى أن إبراهيم عليه السلام حدث نفسه أنه أرحم الخلق فرفعه الله حتى أشرف على أهل الأرض فأبصر أعمالهم وما يفعلون فقال يا رب دمر عليهم فقال له الله تعالى أنا أرحم الخلق فرفعه الله حتى أشرف على أهل الأرض فأبصر أعمالهم وما يفعلون فقال يا رب دمر عليهم فقال له الله تعالى أنا أرحم بعبادي منك يا إبراهيم فلعلهم يتوبون ويرجعون وفي بعض التفاسير أنه كان يعرج كل ليلة إلى السماء وهو قوله تعالى وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض فعرج به ذات ليلة فاطلع على مذنب على فاحشة فقال اللهم أهلكه يأكل رزقك ويمشي على أرضك ويخالف أمرك فأهلكه الله تعالى فاطلع على آخر فقال اللهم أهلكه فنودي كف عن عبادي رويداً رويداً فأني طالما رأيتهم عاصين وفي رواية أخرى فأوحى الله إليه يا إبراهيم أين رحمتك للخلق أنا أرحم بعبادي منك أما يتوبون فأتوب عليهم وأما أن أخرج من أصلابهم من يسبحني ويقدسني وأما أن يبعثوا في مشيئتي فأعفوا العاقل يا إبراهيم كفر ذنبك في دعوتك بدم قربان فنحرا بلافنودي في الليلة الثانية كفر ذنبك بدم فذبح بقراً فقيل له في الثالثة فذبح غنماً فقيل له في الرابعة كذلك فقرب من الأنعام إل الله ما بقي عنده فقيل له في الخامسة فقال يا رب لم يبق لي شئ فقيل له إنما تكفر ذنبك بذبح ولدك لأنك دعوت على العصاة فهلكوا فملا شمر لذلك وأخذ السكين بيده قال اللهم هذا ولدي وثمرة فؤادي وأحب الناس إلى فسمع هاتفاً يقول أما تذكر الليلة التي سأتل اهلاك عبادي أو ما تعلم أني رحيم بعبادي كما أنت شفيق بولدي فإذا سألتني أهلاك عبادي سألتك ذبح ولدك واحداً بواحد والبادي اظلم اه ولما كان الاطلاع على أسرار العباد قد يدرك بكثرة الطاعات والاجتهاد فقد تقصد النفس بالطاعة هذا الحظ الدنئ وهو مرض خفي نبه عليه الشيخ بقوله حظ النفس في المعصية ظاهر جلى وحظها في الطاعة باطن خفي ومداواة ما خفي صعب علاجه قلت حظ النفس في لمعصية هي متعة البشرية الظاهرة كلذة الأكل والشرب والنكاح وسماع اللهو وغير ذلك مما هو أذواق الحس التي هي محرمة.
    وحظها في الطاعة هي طلب الكرامات وخوارق العادات والاطلاع على المغيبات وكحب الخصوصية والمنزلة عند الناي ومداواة هذا المرض الأول الجلي لأن مداواة المرض الحسي الخفي أصعب من مداواة الجلي فكذلك المعنوي الباطني ما كان جلياً متعلقاً بالنفس أصعب مما خفياً متعلقاً بالروح فالأول يمكن دواؤه بالعزلة والفرار من مواطن الأشرار وبصحبة الأخيار وبكثرة الطاعة والإذكار بخلاف الثاني فلا تزيده الطاعة إلا كثرة وقوة إذ بها صارت تطلب حظها فلا يداويها من هذا إ خوف مزعج أو شوق مقلق أو ولى عارف محقق يصحبه بالمحبة والتصديق قال بعضهم من عسرت عليه نفسه فليسلمها إلى شيخ التربية قال تعالى وأن تعاسر ثم فسترضع له أخرى وأن عسرت عليكم أنفسكم فسترضع له نفسه نفس أخرى حتى يكمل أوان فطامها فإن لم يكن واحد من هذه مات وهو سقيم ولم يلق الله بقلب سليم فالواجب على العبد اتهام نفسه ومراقبة قلبه فلذا استحلت النفس شيئاً من الطاعات وألفته إخراجها إلى غيرها ولو كانت مفضولة في ظاهر أمرها وسيأتي للشيخ إذا التبس عليك أمران أنظر أثقلهما على النفس فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقاً قال أبو محمد المرتعش حججت كذا وكذا حجة عن التجريد فبان لي أن جميع ذلك كان مشوباً وذلك أن والدتي سألتني يوماً أن أسقي لها جرة ماء فثقل ذلك على فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحج كانت لحظ وشوب إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع وقال الشيخ أحمد ابن أرقم رضي الله عنه حدثني نفسي بالخروج إلى الغزو فقلت سبحان الله أن الله تعالى يقول أن النفس لأمارة بالسوء وهذه تأمرني بالخير لا يكون هذا أبداً ولكنها استوحشت تريد لقاء الناس فتستروح إليهم ويتسامع الناس بها فيستقبلونها بالتعظيم فقلت لها لا أسلك العمران ولا أنزل على معرفة فأجابت فأسأت ظني وقلت الله أصدق قولاً فقلت لها أقتل العدو حاسراً بالرأي من غير وقاية فتكوني أول قتيل فأجابت ثم عد أشياء كلها أجابت لها فقلت يا رب نبهني بها فإني لها متهم ولو قولك مصدق فألهمت كأنها تقول أنك تقتلني كل يوم مرات بمخالفتك أياي ومنع شهواتي ولا يشعر بي أحد فإن قاتلت كانت قتلة واحدة فنجوت منك ويتسامع الناس فيقولوا استشهد أحمد فيكون شرفاً وذكراً في الناس فقعدت ولم أخرج ذلك العام اه وقال الجنيد رضي الله عنه ضاقت على نفسي ليلة حتى لم أطق الصبر فخرجت ذاهباً على وجهي فانتهيت إلى رجل مطروح في المقابر مغطى الرأس فلما أحس بي قال أبو القاسم قلت نعم قال متى يصير داء النفس دواؤها فقلت إذا خالفت خواها صار دواؤها دواؤها فقال لنفسه اسمعي فقد أجبتك بهذا مرارا وأنت تقولي حتى أسمع ذلك من الجنيد قال الجنيد فانصرفت وما عرفته اه ثم فسر الشيخ ذلك الداء الذي يكون خفياً في الطاعة ببعض جزئياته وهو أعظمها فقال ربما دخل الرياء عليك حيث لا ينظر الخلق إليك قلت الرياء هو طلب المنزلة عند الناس وقصد ذلك بعمل صالح سواء كان ذلك العمل ظاهراً للناس وهو الغالب أو خفياً عنهم فقد يكون الرياء في العمل الخفي فيدخل الرياء عليك حيث لا ينظر أحد إليك وهذا أصعب من الأول لأنه أخفي من دبيب النمل كما في الحديث وكان بعض العارفين يقول اجتهدت في إزالة الرياء من قلبي بكل حيلة فما أزلته من جهة حتى نبت من أخرى من حيث لا أظنه وقال بعضهم من أعظم الرياء من رأى العطاء والمنع والضرر والنفع من الخلق وقال بعضهم أقسام الرياء ثلاثة كلها علة في الدين الأول وهو أعظمها أن يقصد بعمله الخلق ولولاهم لم يعمل الثاني أ، يعمل للمدحة والثناء ولو لم يعلمه الناس الثالث أن يعمل لله ويرجو على عمله الثواب ورفع العقاب وهذا النوع جيد من وجه معلول من وجه عند العارفين رياء وعند عامة المسليمن إخلاص وقد قيل في قوله تعالى والعمل الصالح يرفعه هو السالم من الرياء ظاهراً وباطناً بحيث لا يريد عامله حظاً دنيوياً ولا أخروياً والعرائي علامات لا تخفى منها نشاطه في الجلوة وكسله في الخلوة أو إتقان العمل حيث يراه الناس وتساهله حيث لا يراه إلا الله ومنها التماسه بقلبه توقير الناس له وتعظيمه ومسارعتهم إلى قضاء حوائجه وإذا قصر أحد في حقه الذي يستحقه عند نفسه استبعد ذلك واستنكر ويجد تفرقة بين إكرامه وأكرام غيره أهانته وإهانة غيره من إقرانه حتى ربما يظهر بعض سخفاء العقول ذلك على ألسنتهم فيتوعدون من قصر في حقهم بمعاجلة الله الله لهم بالعقوبة وأن الله تعالى لا يدعهم حتى ينتصر لهم ويأخذ ثأرهم فإن وجد الفقير هذه الأمارت في نفسه فليعلم انه مارءي بعمله وأن أخفاه عن أعين الناس وقد روى عن على كرم الله وجهه أن الله تعالى يقول للفقراء يوم القيامة ألم تكونوا ترخص عليكم الأسعار ألم تكونوا تبادرون بالسلام ألم تكونوا تقضي لكم الحوائج وفي الحديث الآخر لكم قد استوفيتم أجوركم وقال عبد الله بن المبارك روى عن وهب بن منبه رضي الله عنه أن رجلاً من العباد قال لأصحابه أنا إنما فارقنا الأموال والأولاد مخافة الطغيان فنخاف أن يكون قد دخل علينا في أمرنا هذا من الطغيان أكثر مما دخل على أهل الأموال في أموالهم أن أحدنا إذا لقي أحب أن يعظم لمكانه دينه وإن سأل حاجة أحب أن تعطي له المكان دينه وإن اشترى شيئاً أحب أن يرخص عليه لمكان دينه فبلغ ذلك ملكهم فركب في موكب من الناس فإذا السهل والجبل قد امتلأ من الناس فقال السائح ما هذا قيل له الملك قد أظللك فقال للغلام اتني بطعام فأتاه ببقل وزيت وقلوب الشجرة فأقبل يحشو شدقه ويأكل أكلاً عنيفاً فقال الملك أين صاحبكم قالوا هذا قالوا له كيف أنت قا كالناس وفي حديث آخر بخير فقال الملك ما عند هذا من خير فانصرف عنه فقال السائح الحمد لله الذي صرفك عني وأنت لي ذام ومن هذا النوع من الرياء خاف الكبار وعدوا أنفسهم من الأشرار كما روى عن الفضيل رضي الله عنه أنه قال من أراد أن ينظر إلى مراءي فلينظر إلى هذا وسمع مالك بن دينار امرأة تقول له يامراءي فقال يه هذه وجدت إسمي الذي أضله أهل البصرة إلى غير هذا مما روى عنهم في هذا المعنى ولا يسلم من الرياء الجلي والخفي إلا العارفون الموحدون لأن الله تعالى طهرهم من دقائق الشرك وغيب عن نظرهم رؤية الخلق بما أشرق على قلوبهم من أنوار اليقين والمعرفة فلم يرجو منهم حصول منفعة ولم يخافوا منهم وجود مضرة فأعمال هؤلاء خالصة وإن عملوها بين اظهر الناس ومن لم يحظ بهذا وشاهد الخلق بهذا وشاهد الخلق وتوقع منهم حصول المنافع ودفع المضار فهو مراء بعمله وإن عبد الله تعالى في قنة جبل بالنون أي أعلاه قاله الشيخ ابن عباد رضي الله عنه اه الخ ومنها أي ومن علامة الرياء الخفية أيضاً إستشراف العبد وتطلعه أن يعلم الناس بخصوصيته كما أشار إليه بقوله إستشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك قلت إذا خصك الحق تعالى أيها الفقير بخصوصية من خصوصية خواصه كزهد أو ورع أو توكل أو رضي أو تسليم أو محبة أو يقين في القلب أو معرفة أو اظهر على ييك كرامة حسية أو معنوية أو استخرجت فرتك حكماً أو مواهب كسبية أو لدنية ثم استشرفت أي تطلعت وتمنيت أن يعلم الخلق بخصوصيتك بأن يطلعوا على تلك الخصوصية التي خصك الله بها فذلك دليل علة وجود الرياء الخفي في باطنك ودليل على عدم صدقك في عبوديتك بل أنت كاذب فيها إذ لو كنت صادقاً في عبوديتك لا كتفيت بعلم الله وقنعت بمراقبته إياك واستغنيت به عن رؤية غيره فالواجب على الفقير إذا خصه الله بخصوصية كتمها وجحدها وسترها إلا عن شيخه فإن أظهرها فهو على خطر فقد يكون تحدثاً وقد يكون نجحاً وفي الكتمان السلامة وقد تقدم قول الشيخ من رأيته مجيباً عن كل ما سئل ومعبراً عن كل ما شهد وذاكراً كل ما علم فاستدل بذلك على وجود جهله وفي هذه المعنى قال شيخ شيوخنا المجذوب رضي الله عنه:
    احفـر لـسـرك ودك
    في الأرض سبعين قاما وخل الخلائق يشـكـوا
    إلـى يوم الـقـيامـا وكان بعض إخواننا إذا سئل ما أدركتم وما ذقتم في هذا الطريق يقول البرد والجوع فكان شيخ شيخنا يعجبه ذلك ويستحسنه لدلالته على صدق الإخلاص وما زالت أشياخنا وأشياخهم يستعملون الخراب في ظواهرهم صوناً لما في إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته ويمسح شفتيه فإذا خرج إلى الناس رأوا أنه لم يصم وإذا أعطى أحد فليعط يمينه ويخفيها عن شماله وإذا صلى أحدكم فليسدل عليه ستر بابه فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق وقال الشيخ أبو عبد الله القريشي رضي الله عنه كل من لم يقنع في أفعاله وأقواله بسمع الله ونظره دخل عليه الرياء لا محالة وقال بعضهم ما اخلص عبد قط إلا أحب أن يكون في حب لا يعرف ولهذا كان اسقاط المنزلة شرط في هذا الطريق فإن تحقق العبد بالمعرفة ومشاهدة الوحدانية جاز له الأخيار بالوحدانية بأعماله والإظهار لمحاسن أحواله بناء منه على نفي الغير وأداء الواجب من الشكر كان بعض السلف يصبح فيقول صليت كذا وكذا ركعة وتلوت كذا وكذا سورة فيقال له أما تخشى من الرياء فيقول ويحكم وهل رأيتم من يراءى بفعل غيره والحاصل من فنى عن نفسه وتحقق بشهود ربه فلا كلام عليه وقد قالوا من أحب الخفا فهو عبد الخفا ومن أحب الظهور فهو عبد الظهور فهو عبد الظهور ومن لم يرد غير ما أراد الله به فهو عبد الله حقاً ثم علمك الشيخ الدواء في ترك الاستشراف إلى الخلق وهو الاكتفاء بنظر الحق فقال غيب نظر الخلق إليك بنظر الله وغب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك قلت الخلق في التحقيق عدم والوجود إنما هو لله الواحد الأحد فوجود السوى كالهباء في الهواء أو كظلال الأشخاص أن فتشته لم تجده شيئاً فغيب عنك أيها الفقير نظر الخلق إليك اكتفاء بنظر الحق إليك إذ لا نظر لسواه وغب عن إقبالهم عليك بالتعظيم والتكريم بشهود إقبال الملك الكريم فغب عن الوهم بثبوت العلم فإقبالك على الخلق أدبارك عن الحق وأدبارك عن الخلق إقبالك على الحق ولا يجتمعان وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك جفت الأقلام وطويت الصحف وقال الشيخ أبو الحسن أيست من نفع نفسي لنفسي فكيف لا ايئس مع نفع غيري لها ورجوت الله لغيري فكيف لا أرجوه لنفسي وقال في لظائف المنن أعلم أن مبني الوى على الأكتفاء بالله والقناعة بعلمه والاعتناء بشهود قال الله سبحانه ومن يتوكل على الله فهو حسبه وقال سبحانه أليس الله بكاف عبده وقال الم يعلم بأن الله يرى وقال أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد فسبيل أمرهم في بدايتهم الفرار ومن الخلق والنفراد بالملك الحق واخفاء الأعمال وكتم الأحوال تحقيقاً لفنائهم وتثبيتاً لزهدهم وعملاً على سلامة قلوبهم حتى إذا تمكن اليقين وأيدوا بالرسوخ والتمكين وتحققوا بتحقيق الفناء وردوا إلى وجود البقاء فهناك أن شاء الحق اظهرهم هادين إليه عباده وأن شاء سترهم فاقتطعهم عن كل شئ إليه الخ كلانه وقال سهل بن عبد الله لا ينال العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين حتى يسقط الناس من عينه فلا يرى في الدارين إلا هو وخالقه فإن أحداً لا يقدر أن يضره ولا ينفعه وتسقط نفسه عن قلبه فلا يبالي بأي حال يرونه أهواله در القائل فليتك تحلو والحـياة مـريرة
    وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامـر
    وبيني وبين العالمين خـراب وليت شرابي من ودادك صافياً
    وشربي من ماء العين سراب إذا صح منك الود فالكل هين
    وكل الذي فوق التراب تراب
    واعلم أن رضي الخلق غاية لا تدرك وانظر قضية لقمان مع ابنه وهي مشهورة يتبين لك أن رضي الخلق محال ومتعذر وأجهل الناس من طلب مالا يدرك وقال وقال بعضهم مالي وللناس كنت في بطن أمي وحدي وخرجت إلى الدنيا وحدي ونموت وحدي وندخل قبري وحدي ونسئل وحدي ونبعث من قبري وحدي ونحاسب وحدي فإن دخلت الجنة دخلت وحدي وأن دخلت النار دخلت وحدي ففي هذه المواطن لا ينفعني أحد فمالي وللناس اه بالمعنى وقيل أن الولي الصادق لا قدر له عند الخلق ولا قدر للخلق عنده فكلما عظم أمره عند الله خفى أمره عند الاس ثم أنه لا تتحقق الغيبة عن نظر الخلق بنظر الحق إلا بمعرفة الحق عند كل شئ وشهوده في كل شئ كما أبان ذلك بقوله من عرف الحق شهده في كل شئ ومن فني به غاب عن كل شئ ومن أحبه لم يؤثر عليه شيئاً قلت معرفة الحق هي شهود ربوبيته في مظاهر عبوديته أو تقول هي الغيبة عن الغيرية بشهود الأحدية أو تقول هي الترقي من شهود عالم الأشباح إلى شهود عالم الأرواح فيكون جسمك مع الأشباح وروحك مع الأرواح قال في المباحث
    واستشعروا شيئاً سوي الأبدان
    يدعونه بالعالم الروحـانـي ثم أقام العالم الـمـعـقـول
    معارف تلعز بالمـنـقـول والفناء هو أن تبدوا لك العظمة فتنسيك كل شئ وتغيبك عن كل شئ سوى الواحد الذي كمثله شئ وليس معه شئ أو تقول هو شهود حق بلا خلق كما أن البقاء هو شهود خلق بحق المحبة أخذ الحق قلب من أحب من عباده فلا يكون له عن نفسه أخبار ولا مع غير محبوبه قرار وقيل غير ذلك فمن عرف الحق شهده في كل شئ ولم ير معه شيئاً لنفوذ بصيرته من شهود عالم الأشباح إلى شهود عالم الأرواح ومن شهود عالم الملك إلى شهود فضاء الملكوت ومن فني به وانجذاب إلى حضرته غاب في شهود نروه عن كل شيء ولم يثبت مع الله شيئاً والفرق بين الفاني والعارف أن العارف يثبت الأشياء بالله والفاني لا يثبت شيئاً سولا الله العارف يقرر القدرة والحكمة والفاني لا يرى إلا القدرة العارف يرى الحق في الخلق كقول بعضهم ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله فيه والفاني لا يرى إلا الحق يقول ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله العارف في مقام البقاء والفاني مجذوب في مقام الفناء الفاني سائر والعارف متمكن واصل ومن أحب الله لم يؤثر عليه شيئاً من حظوظه وهوى نفسه ولو كن فيه حتف أنفه كما قال القائل قالت وقد سألت عن حال عاشقهـا
    بالله صفه ولا تنقـص ولا تـزد فقلت لو كان رهن الموت من ظمأ
    وقلت قف عن ورود الماء لم يرد والكلام في المحبة طويل ذكر الشيخفي لظائف المنن منه جملة صالحة وكلان الشيخ رضي الله عنه من باب التدلي فالمعرفة أعلى المقامات وقبلها الفناء وقيل للفناء المحبة أي أولها فأول ما يقذف الله في قلب عبده الذي يريد أن يصطفيه لحضرته ويعرفه به محبته فلا يزال يلهج بذكره ويتعب جوارحه في خدمته ويتعطش إلى معرفته فلم يزل يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه الحق فإذا أحبه أفناه عن نفسه وغيبه عن حسه فكان سمعه وبصره ويده وجملته ثم رده إليه وأبقاءه به فعرفه في كل شيء ورآه قائماً بكل شيء ظاهراً في كل شئ والله تعالى أعلم ولهذا الذي ذكره الشيخ علاماى تدل على تحقيق تلك المقامات فمن وجدها في نفسه كانت دعواه لتلك المقامات أو بعضها صحيحة ومن لم يجدها في نفسه كانت دعواه لها كاذبة وفضيحة فليعرف قدره ولا يتعد طوره وبالله التوفيق ولما كانت المعرفة تقتضي ظهور الحق في كل شئ حتى تراه ظاهراً في كل شئ بين وجه احتجابه وخفائه تعالى مع شدة ظهوره ثلاث حكم الحكمة الأولى شدة القرب ولا شك أن شدة القرب توجب الخفاء كسواد العين من الإنسان فإن الإنسان لا يدرك سواد عينه لشدة قربه منه والله تعالى أقرب إليك من كل شئ قال تعالى ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد فشدة قربه منك موجب لاضمحلالك قال في لطائف المنن فعظيم القرب هو الذي غيب عنك شهود القرب قال الشيخ أبو الحسن حقيقة القرب أن تغيب في القرب عن القرب لعظيم القرب كمن يشم رائحة المسك فلا يزال يدنو وكلما دنا منها تزايد ريحها فلما دخل البيت الذي فيه المسك انقطعت رائحته عنه وأنشد بعض العارفين كم ذا تموه بالشعبين والـعـلـم
    والأمر أوضح من نار على علم أراك تسئل عن نجد وأنت بها
    وعن تهامة هذا فعل متهـم الحكمة الثانية في خفائه تعالى شدة ظهوره ولا شك أن شدة الظهور موجب للخفاء كما قال صاحب الهمزية، ومن شدة الظهور الخفاء، وقد مثلوا ذلك بقرص الشمس حين يعظم شعاعه ويتقوى أشراقه فإن الأبصار الضعيفة لا تقوى على مشاهدته مع شدة ظهوره فصار شدة الظهور موجباً للخفاء كما قال الشاعر وما احتجبت إلا برفع حجابها
    ومن عجب أن الظهور تستر فاحتجب عن الأبصار الضعيفة بلا حجاب الحكمة الثالثة شدة نوره ولا شك أن شدة النور موجب لعدم الإدراك فإن البصر لا يقاوم النور الباهر وفي حديث مسلم في قصة الإسراء قلنا يا رسول الله هل رأيت ربك قال نوراني أراه يلفظ الاستهام أي غلبني النور كيف أراه وفي رواية رأيت نوراً فيحمل على انه أول مرة رأى نوراً ثم لم يطق مشاهدته بالبصر مع تحقق شهوده بالبصيرة وانظر أيضاً البرق الخاطف فإن البصر لا يطيق رؤيته وأنشدوا بالنور يظهر ما ترى من صور
    وبه وجود الكائنات بلا امتـرا لكنه يخفى لفـرط ظـهـوره
    حساً ويدركه البصير من الورى فإذا نظرت بعين عقلك لم تجـد
    شيئاً سواه على الذوات مصورا وإذا طلبت حقيقة مـن غـيره
    فبذيل جهلك لا تزال معـثـرا وهذا النور الذي نتكلم فيه ليس هو حسياً وإنما هو ما يبدو من معاني الصفات والأسماء التي تخرج من ظلمة الجهل إلى معرفة أسمائه وصفاته قال الشيخ زروق قلت هو النور الأصلي الذي فاض من بحر الجبروت إلا أنه تستر بالحكمة والعزة والقهرية سئل أبو القاسم النصر باذى عن قولهم ويظهر في الهوى عز المولى
    فيلزمني لـه ذل الـعـبـيد
    فقال عز المولى الستر لأنه لو انهتك الحجاب لتفطر الألباب هذا آخر الباب السابع عشر وحاصلها ثلاثة أمور الأول تلازم الدلالة على أولياء الله للدلالة على الله بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر في الغالب الثاني تفسير أسرار الولاية وهي الاطلاع على أسرار غيب الملكوت دون اشتراط الاطلاع على أسرار العباد لأن ذلك قد يكون فتنة في حقه وسبباً في عقوبته إذا لم يتمكن من معرفته مع ما فيه من حظ النفس فربما تقصده بطاعتها فيكون رياء في حقها وهو من الأمراض الباطنية التي يصعب علاجها كالاستشراف إلى اطلاع الناس على خصوصيته ودواؤه الغيبة عنهم والاكتفاء بنظر الله عن نظر غيره الأمر الثالث علامة وجود هذه الأسرار في العارف وهي شهود الحق في كل شئ وفناؤه عن كل شئ وإيثار محبته على كل شئ فإن قلت كيف يشهد وهو غيب قلت بل هو ظاهر في كل شئ وإنما حجبه شدة قربه وشدة ظهوره وعظيم نوره وإذا علمت أنه قريب وأنه أقرب إليك من روحك وقلبك اكتفيت بنظره واستغنيت بعلمه عن طلبه فإن كان ولا بد من الدعاء فليكن عبودية ومناجاة وتملقاً لا سبباً للعطاء كما أبان ذلك في أول الباب الثامن عشر بقوله وقال رضي الله عنه لا يكن طلبك سبباً إلى العطاء منه فيقل فهمك عنه وليكن طلبك لاظهار العبودية وقياماً ما بحقوق الربوبية قلت قد تقدم في أول الكتاب أن الطب كله معلول عند ذوي الألباب فإن كان ولا بد من الطلب فليكن إظهار للعبودية وقياماً بحقوق الربوبية فلا يكن طلبك من الحق سبباً إلى العطاء منه فيقل فهمك عنه لأن الفهم عن الله يقتضي الاكتفاء بعمله والاستغناء بمعرفته فلا يحتاج إلى شئ ولا يتقوف على شئ ماذا فقد من وجدك فلا يكن محط نظره إلا ما يبرزه من عنصر القدرة ولا يشتهي إلا ما يقتضيه عليه مولاه قيل لبعضهم ماذا تشتهي قال ما يقضي الله قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه لا يكن حظك من الدعاء الفرح بقضاء حاجاتك ومن مناجاة محبوبك فتكون من المحجوبين وقال بعضهم فائدة الدعاء إظهار الفاقة بين يديه وإلا فالرب يفعل ما يشاء قيل أن سيدنا موسى عليه السلام قال يا رب أطعمني فأني جائع فأوحى الله إليه قد علمت ذلك قال يا رب أطعمني قال له حتى أريد وهذا مقام أهل النهايات وأما أهل البدايات فيرخص لهم في طلب الحاجات وفي كثرة الدعاء والتضرعات فالدعاء في حقهم واجب أو مندوب وفيهم ورد الترغيب في الدعاء والإلحاح فيه قال تعالى أدعوني أستجب لكم وقال أمن يجيب المضطر إذا دعاه وورد في بعض الأخبار ا، الله تعالى قال لسيدنا موسى عليه السلام سلني حق ملح عجيبك تشريعاً للضعفاء لأن الأنبياء عليهم السلام بعثوا معلمين للضعفاء والأقوياء وينبغي أ، يتأدب في الدعاء فلا يدعو بممنوع شرعاً ولا ممتنع عقلاً ويكون بتلطف وانكسار وظهور فاقة واضطرار لا بانبساط وادلال فإن ذلك مقام الرجال أهل المكانة والكمال ومن ذلك قول الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه في حجونه الكبير وليس من الكرم إلا تحسن إلا لمن أحسن إليك الخ وذكر في قوت القلوب أن بني إسرائيل قحطوا سبع سنين فخرج سيدنا موسى عليه السلام بسبعين ألفاً من بني إسرائيل ليستسقي لهم فأوحى الله إليه كيف استجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم استجيب له فسألهم عنه موسى فلا يعرفه أحد فبينما موسى عليه السلام بمشى في طريق فإذا بعبد أسود قد استقبله بين عينيه تراب من السجود وقد عقد شمله على عاتقه فعرفه موسى عليه السلام بنور الله فسلم عليه وقال ما اسمك قال برزخ فقال له منذ حين وأنا أطلبك أخرج فاستسق لنا فخرج فكان من خطابه لربه في دعائه ومناجاته ما هذا من فعالك وما هو من حكمك وما بذلك عرفت أنقصت عليك مائك أم عاندت الرياح عن طاعتك أم نفذ ما عندك أم اشتد غضبك على المذنبين ألست كنت غفاراً قبل خطأ الخاطئين خلقت الرحمة وأمرت بالعطية فتكون لما تأمر من المخالفين أم ترينا أنك ممتنع أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة قال فما زال حتى اخضلت بنو إسرائيل بالقطر وأنبت الله العشب في نصف يوم حتى بلغ الراطب قال فخرج برخ فاستقبله موسى عليه السلام وقال له ما هذا الخطاب الذي خاطبت به الحق فأوحى الله إليه دعه فإن دعائه يضحكني فانظر هذه الحكاية كيف وقعت هذه على بساط المباسطة التي لا يفهمها إلا أهل المكانة والتمكين وحسب من لم يبلغ مقامات الرجال الأدب والهيبة مع رب العالمين ثم بين وجه ما ذكره من كون الدعاء إنما يكون عبودية لا سبباً في العطاء فقال كيف يكون طلبك اللاحق سبباً في عطائه السابق جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل قلت العطاء السابق هو ما تعلق به علمه القديم قبل أن تظهر تجليات الأكوان ولا شك أن الله سبحانه قدر في الأزل ما كان وما يكون إلى أبد الأبد فقد قسم الأزراق الحسية والمعنوية وقدر الآجال قال تعالى أنا كل شئ خلقناه بقدر وقال تعالى وكل شئ عنده بمقدار وقال تعالى وما كان لنفس أن تموت إلا بأذن الله كتاباً مؤجلاً فإذا علمت أيها الإنسان أن القضاء والقدر قد سبق برزقك وأجلك وأنه قد سبقت قسمتك وجودك فماذا تطلب وإذا طلبت فكيف يكون طلبك اللاحق سبباً في عطائه السابق إذ قد سبق منه العطاء قبل أن يكون منك الطلب جل أي عظيم وتعالى حكم الأزل القديم أن يضاف إلى العلل والأسباب الحادثة إذ محال أن يتقدم الجادث على التقديم لا وجوداً ولا حكماً قال ذو النون المصري رضي الله عند التوحيد أن يعلم أن قدرة الله في الأشياء بلا علاج وصنعه لها بلا مزاج وعلة كل شئ صنعه ولا علة لصنعه وليس في السموات العلى ولا في الأرضين السفلي مدبر غير الله وكل ما يخطر ببالك فالله مخالف لذلك اه قوله وعلة كل شئ الضمير في صنعه يعود على الحق تعالى أي علة كل شئ صنع الحق له يعني أن سبب وجود الأشياء وظهورها هو صنع الحق لها وصنع الحق لا علة له وقال بعضهم ليس في الإمكان أبدع مما كان أي باعتبار العلم والمشيئة لا باعتبار القدرة فالمراد بما كان القدر والقضاء السابق فما كونته القدرة وأظهرته لا يمكن أن يكون أبدع منه من حيث تعلق العلم القديم فلا يمكن تخلفه وأن كان العقل يجوز أن يخلق الله تعالى أبدع منه والقدرة صالحة ولكن لما سبق بع العلم ونفذ به القضاء لم يكن أبدع منه أو تقول ليس في عالم الإمكان أبدع مما كان فيما ظهر في عالم الإمكان وهو عالم الشهادة إلا ما كان في عالم الغيب من المعاني القديمة ولم يظهر أبدع منه ولن يظهر أبداً فافهم فالكلام صحيح على هذا الوجه والله تعالى أعلم ومما يدلك على أن طلبك ليس سبباً في عطائته بك قبل ظهورك الذي أشار غليه بقوله عنايته فيك لا لشئ منك وأين كنت حين واجهتك عنايته وقابلتك رعايته لم يكن في أزله إخلاص أعمال ولا وجود أحوال بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال ووجود النوال قلت مما تواترت بع الأخبار والنقول ووافق المنقول المعقول أن ما شاء الله يكون وما لم يشاء ربما لم يكن ومشيئة تعالى قديمة لأنها عين إرادته على وفق علمه قديم فكل ما يبرز في عالم الشهادة فإنما هو ما دقره الحق في عالم الغيب جفت الأقلام وطويت الصحف قال تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها أي نظهرها فلا سعادة ولا شقاء إلا وقد سبق بهما القدر والقضاء السعيد من سعد في بطن أمه والشقي في بطن أمه وقد تقدم قوله ما من نفس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه فإذا علمت ذلك أيها الإنسان اكتفيت بعلمه السابق عن طلبك اللاحق وبقي طلبك عبودية وأدباً مع الربوبية وإلا فعنايتك فيك سابقة على وجودك لا لشيء منك تستحق به عنايته ومنته وأين كنت حين واجهتك عنايته في أزله حين سبقت لك منه العناية وكتبك في جملة أهل الرعاية والهداية ثم لما استنطقك يوم الميثاق أقررت بربوبيته وأين كنت حين قابلتك رعايته وحفظه وأنت في ظلمة الأحشاء حين أجرى عليك رزقه من عرق الدم وحفظك في ذلك المستودع حتى اشتدت أعضاؤك وقويت أركانك فأخرجك إلى رفقه وما يسر لك من رزقه لم يكن في أزله حين واجهتك عنايتك ولا في الوقت إلا محض الأفضال وعظيم النوال قال الواسطي رضي الله عنه أقسام قسمت ونعوت أجريت كيف تستجلب بحركات أو تنال بمعاملات وقال الشاعر
    فلا عمل مني إليه اكتـسـبـتـه
    سوى محض فضل لا بشيء يعلل وقال آخر وكنت قديماً أطلب الوصل مـنـهـم
    فلما أتاني العلم وارتقع الـجـهـل عملت بأن العـبـد لا طـلـب لـه
    فإن قربوا فضل وان بعـدوا عـدل وأن اظهروا لم يظهروا وغير وصفهم
    وأن ستروا فالستر من أجلهم يحلـو وقال آخر قد كـنـت أحـسـب أن وصـلـك يشـــتـــرى
    بنـــفـــائس الأمـــوال والأربـــــــاح وظـنـنـت جـهـــلاً أن حـــبـــك هـــين
    تفـــنـــى عـــلـــيه كــــرائم الأرواح حتـى رأيتـك تـجـتـنـبـي وتـخـــص مـــن
    تخـتـاره بـــلـــطـــائف الامـــنـــاح فعـلـمـت أنــك لا تـــنـــال يحـــلـــية
    فلـويت رأسـي تـحـت طـي جــنـــاحـــي وجعلت في عش الغرام إقامتي فيه غدوي دائماً ورواحي ولهذا لم يلتفت قلب العارف لخوف ولا رجاء ولم يبق له في نفس غير وجه الله حاجة فتحصل أن الولاية وهي سر العناية لا تنال بحيلة ولا تدرك بطلب لكن من سبقت له العناية يسر لما أريد منه قيل لذي النون بم عرفت ربك قال عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي اه وقيل لعلى كرم الله وجهه هل عرفني بنفسه فعرفت محمداً صلى الله عليه وسلم بالله وهنا انتهت معرفة العارفين أعني حين تحققوا بسابق القدر غابوا عن أنفسهم في وجود معرفهم فاسترحوا واستظلوا في ظل الرضى والتسليم وهب عليهم من جناب المعارف نسيم لكن اختلفت أحوالهم في حال نهايتهم الماء واحد والزهر ألوان فمنهم من يغلب عليه الهيبة والحياء قال بعضهم من ازدادت معرفته ازدادت هبيته له ومن كان بالله أعرف كان له أخوف وفيهم قال الله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء ومنهم من يغلب عليه الشوق والاشتياق قال بعضهم من عرف الله اتسم بالبقاء واشتاق إلى اللقاء وضاقت عليه الدنيا بحذافيرها وقال السرى أجل مقام العارف الشوق يقول الله تبارك وتعالى أن لي عباداً من عبادي أحبهم ويحبوني وأشتاق إليهم ويشتاقون إلي وأذكرهم ويذكروني وأنظر إليهم وينظرون إلى من سلك طريقهم أحببته من عدل عنهم مقتد قيل يا ربنا وما علامتهم قال يراعون الظلال بالنهار كما يراعى الراعي الشفيق غنمه ويحنون إلى غروب الشمي كما تحن الطير إلى أوكارها عند الغروب فإذا جنهم الليل واختلط الظلام وفرشت الفرش ونصبت الأسرة وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا إلى أقدامهم وافترشوا إلى وجوههم وناجوني بكلامي وتملقوا إلى بانعامى فمن صارخ ورباك، ومن منأوه وشاك، ومن قائم وقاعد، ومن راكع وساجد، بعيني ما يتحملون من أجلي، وبسمعي ما يشكون من حبي أول ما أعطيهم ثلاثاً أقذف في قلوبهم من نوري فيخبرون عني كما أخبر عنهم والثانية لو كانت السموات والأرض وما فيهن من موازينهم لا ستقللتها لهم والثالثة أقبل عليهم بوجهي أترى من أقبلت عليه بوجهي يعلم أحد ما أريد أن أعطيه اه وقال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه غيبني الشوق يوما فقلت يا رب أن أعطيت أحداً من المحبين ما تسكن به قلوبهم قبل لقائك فاعطني ذلك فقد أضرني القلق فرأيت في النوم كأنه أوقفني بين يديه وقال يا إبراهيم أما استحييت مني أن تسئلني أن أعطيك ما يسكن قلبك قبل لقائي وهل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه فقلت يا رب تهت فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلمني ما أقول فقال قل اللهم رضي بقضائك وصبرني على بلائك وأوزعني شكر نعمائك ومنهم من تغلب عليه السكينة في القلب لأن العلم واليقين يوجبان السكون والطمأنينة فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته قال تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب ومنهم من يغلب عليه الدهشة والحيرة قال بعضهم أعرف الناس بالله أشدهم تحيراً فيه وفي الحديث اللهم زدني فيك تحيراً ومنهم من يغلب عليه التواضع والخضوع والذل والانكسار قال الجنيد العاف كالارض يطأها البر والفاجر وكالسحاب يظل الأحمر والابيض وكالمطر يسقى الماشي والراشي ومنهم من تتسع معرفته ويخوض بحار التوحيد فلا يكدره شىء ولا يسلط عليه شيء بل يأخذ النصيب من كل شيء ولا يسلط عليه شيء بل أخذ النصيب من كل شيء اه وقال أبو سليمان الداراني أن الله يفتح للعارف على فراشه مالا يفتح له وهو قائم يصلي وقال بعضهم العارف ن أنس بذكر الله حتى استوحش من خلقه وافتقر إلى الله تبارك وتعالى فأعزه الله في خلقه وفي زبور داوود بلغ أهل رضائي أني حبيب لمن أحبني وجليس لمن جالسني وأنيس لمن أنس بذكرى وصاحب لمن صاحبنى ومختار لمن اختارني ومطيع لمن أطاعتي بعزتي جلفت ما أحبني عبد أعلم ذلك يقيناً من قلبه إلا قبلته لنفسي وأحببته أشد مما أحبني ومن طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني فارفضوا يا أهل الأرض ا أنتم عليه من غرورها وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي وأنسوا بذكري أؤنسكم بى أسرعوا إلى محبتي أسرع إلى محبتكم فإني خلقت طينة أحبتى من طينة إبراهيم خليلى وموسى كليمي وعيسى روحى ومحمد صفيى وخلقت قلوب المشتاقين من نورى ونعمتها بجلالي وجمالي اه ولما كان الاعتماد على السابقة يقتضي ترك العمل بين سر ذلك بقوله علم أن العباد يتشوفون إلى ظهور سر العناية فقال يختص برحمته من يشاء وعلم أنه لو خلاهم وذلك لتركوا العمل اعتماداً على الأزل فقال أن رحمة الله قريب من المحسنين قلت لما أخبر الله سبحانه في كتبه على ألسنة رسله أن المدار إنما هو على السابقة فمن سبقت له العناية لا تضره الجناية تشوق الخلق كلهم إلى ظهور هذه العناية فكل واحد يظن أنه من أهلها فأخبرهم الحق تعالى أن ذلك السر إنما هو للبعض دون البعض فقال يختص برحمته من يشاء فأسندها إلى مشيئته دون مشيئتهم فعلموا أن ذلك إنما هو للبعض دون الكل لأن كل واحد يطمع أنه من ذلك البعض فربما يتركون العمل ويعتمدون على سابق الأزل فأخبرهم الحق تعالى أن ذلك السر له علامات تدل على من هو من أهله ومختص به فقال أن رحمة الله قريب من المحسنين فالرحمة هنا هي العناية السابقة وهي قريبة من المحسنين الذين أحسنوا عبادة ربهم وأحسنوا إلى عباد ربهم فتحصل أن سر العناية إنما تظهر على المحسنين المتقين لاعمالهم المخلصين في عبودية ربهم فمن استند إلى الحكم السابق وترك العمل فهو مغرور أو مطرود لإبطاله الحكمة ومن استند إلى العمل دون النظر للقدرة والمشيئة السابقة فهو جاهل بعيد الحضرة غافل ومن جميع بينهما فهو محقق كامل وسر العناية إليه إن شاء الله وأصل قال أبو عثمان المغربي رضي الله عنه قلوب العارفين فارغة لمفاجأة المقدور وقال بعضهم ليس كل من طلب نال ولا كل من نال وصل ولا كل من وصل أدرك وجد ولا كل من وجد سعد وكم من واحد حرم من المنى بمنى وكم من واحد أدرك من القربات غرفات ومن أيد بالتوفيق وصل في لحظة العين إلى عين القبول كما حكى عن بعض الصالحين أنه رأى في منامه إبليس اللعين ضج بالصياح والعويل فاجتمع عليه جنوده وقالوا مالك فقال لهم كنت أطمع في فلان منذ سنين فإذا به قد استوى ظاهره وباطنه وسره وعلانيته فلم أجد إليه سبيلا تحلى بالصدق فامتنع مني في مقعده صدق عند مليك مقتدر اه ثم بين ما تقدم من حكم المشيئة فقال إلى المشيئة يستند كل شيء وليست تستند هي إلى شئ قلت المشيئة وإرادة شئ واحد واليهما تستند الأشياء كلها قال تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ولو شاء ربك ما فعلوه إلى غيره ذلك من الآيات الدالة على سبق المشيئة لكل شيء وأما هي فلا تستند إلى شيء ولا تتوقف على شيء فلا تتوقف على سؤال ولا على طلب فما شاء الله كان من غير سبب ولا سؤال وما لم يشاء ربنا لم يكن قرب من شاء بلا عمل وبعد من شاء بلا سبب لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون فقاعدة التحقيق ما ثم إلا سابقة التوفيق قال أبو بكر الواسطي رضي الله عنه أن الله لا يقرب فقيراً لأجل فقره ولا يبعد غنياً لأجل غناه وليس للأعراض عنده خطر حتى بها يوصل وبها يقطع ولو بذلت الدنيا والآخرة ما أوصلك إليه بها ولو أخذتها كلها ما قطعك بها قرب من شاء بغير علة وقطع من شاء من غير علة كما قال تعالى ومن لم يجعل الله نوراً فما له نور فالنظر إلى المشيئة حقيقة والنظر إلى السبب شريعة أو تقول النظر إلى المشيئة قدرة والنظر إلى الأسباب حكمه ولا بد من الجمع بينهما فالحقيقة معينة والشريعة مبينة الشريعة حكمة والحقيقة قدرة والحقيقة حاكمة على الشريعة في الباطن والشريعة حاكمة على الحقيقة في الظاهر وليس حكم القدرة بأولى من وصف الحكمة في محله ولا بالعكس قال الشطيبى واعلم أن الناس أربعة ناظر في السوابق لعلمه بأن الحكم الأزلي لا يتغير باكتساب العبد وناظر في العواقب لعلمه بأن الأعمال بخواتمها وناظر للوقت لا يشتغل السوابق ولا بالعواقب غير أداء ما كلف به من حكم الوقت عالم بأن العارف ابن وقته لا يهتم بماض ولا مستقبل ولا يرى غير الوقت الذي هو فيه وناظر لله وحده لعلمه بأن الماضي والمستقبل والحال متقلبون في قبضته متصرفون في حكمه والأوقات كلها قابلة للتغير وتبديل الحال فلا يراها وإنما يراقب من كل شيء بيده وقد أراد بعضهم الخروج من بين يدي بعض المشايخ فقال له الشيخ أين تريد فقال يا سيدي لئلا أشغلك عن وقتك فقال له ليس عند الله وقت و مقت إنما ترى رب الوقت لا الوقت ومن تمكنت فيه حالة الشهود غاب بالموحد عن الوجود وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود حكي أن رجلاً قال لأبي يزيد أين أبو يزيد فقال له ليس هنا أبو يزيد وقال رجل للشبلي أين الشبلي قال مات لا رحمة الله إنما عني الشبلي لارده لله لا حساسه عن مشاهدته لربه ورأى أبو يزيد رجلاً في المسجد يسئل عنه فقال له وأنا أطلبه منذ سنين فظن أنه مجنون فلما أعلم أنه هو قال له يا سيدي عليك أسئل ولك أطلب فقال له أبو يزيد الذي تطلب قد ذهب في الذاهبين في الله بالله لله فلا رده الله هذا آخر الباب الثامن عشر وحاصلها آداب السؤال والطلب وأنه ينبغي أن يكون عبودية لا سبباً في العطاء إذ قد سبقت قسمتك في الأزل قبل أن يكون منك طلب فعنايته سابقة يختص برحمته من يشاء لكل رحمة تقتضي وجود العمل فوجود العمل أمارة على خصوصية الأزل مع توقف ذلك على المشيئة لأنها يستند إليها كل شيء ولا تستند هي لشيء فلزم السكون والأدب حتى ترك الطلب كما بين ذلك في أول الباب التاسع عشر بقوله وقال رضي الله عنه ربما دلهم الأدب على ترك الطلب قلت الظاهران رب هنا للتكثير لأن الغالب على العارفين وأهل الفناء السكوت تحت مجاري الأقدار فصدور الطلب منهم قليل لأن العارف فإن عن نفسه غائب عن حسه ليس له عن نفسه أخبال ولا مع غير الله قرار فلا يتصور منه سؤال ولا فوات مأمول من شغله ذكرى عن مسئلتي اعطيته أفضل ما أعطى السائلين الأشياء تشتاق إليه وهو غنى عنها اشتاقت الجنة إلى عمار وصهيب وبلال كما في الحديث والحاصل أن العبد ما دام غائباً عن نفسه فإن في شهود ربه منقطعاً عن حسه لا يتصور منه طلب أصلاً إذ الطلب يقتضي وجود الاثنينية والفرض أنه غريق في بحر الوحدة فطلبه حينئذ سوء أدب في حقه فإن رد إلى الشعور بنفسه وهو مقام البقاء قد يتصور منه السؤال على وجه العبودية لا على وجه الاقتضاء والطلب كما تقدم ثم بين مستندهم في ترك الطلب فقال اعتماداً على قسمته واشتغالاً بذكره عن مسئلته قلت أما الاعتماد على القسمة الأزلية فقد تقدم الكلام عليها في الحكمة قبل هذه وأما الاشتغال بالذكر عن المسئلة فقد تقدم قريباً في الحديث من شغله ذكرى عن مسئلتي وقال الواسطى رضي الله عنه ما جرى لك في الأزل خير من معارضة الوقت يعني بالطلب للحظ وقال القشيري إذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء دعاء كما إذا وجد نشاطاً أو انبساطاً للدعاء فالدعاء أولى وإذا وجد في قلبه قبضاً فالسكوت أولى وقال بعضهم ما سألت الله تعالى بلسانس شيئاً منذ خمسين سنه ولا أريد أن أدعو ولا أن يدعي لي اه وذلك لأن الله سبحانه ليس بغافل حتى يذكر بل هو عليم بخفيات أمورك فيأتيك منها ما قسم لك كما بين ذلك بقوله إنما يذكر من يجوز عليه الإغفال وقد قال تعالى وما الله بغافل عما تعملون أليس الله بكاف عبده ولا يحتاج إلى تنبيه لأنه لا يهملك فيما هو من قسمتك كما بينه بقوله وإنما ينبه من يجوز عليه الاهمال والحق تعالى لا يجوز عليه الاهمال لكمال قدرته وإحاطة علمه ولكن حكمته اقتضت ارتباط الأسباب والعلل وتقديم الأشياء وتأخيرها قال تعالى وكل شيء عنده بمقدار فمن كمل يقينه اكتفى بتدبير الحق عن تدبيره واستغنى بعلم الله عن استعجاله وضي بتصريف الحق فيما يفعل فيكون إبراهيمياً حنيفياً ولا شك أن من كان على ملة إبراهيم عليه السلام اقتدى به وقد كان بين السماء والأرض حين رمى به فاستغني بعلم الله عن سؤال فكانت حالة إبراهيم عليه السلام في ذلك الوقت الاستغراق في الحقيقة فلما رد للشرائع دعا فقال رب اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين وكذلك الأنبياء عليهم السلام أكثروا من الدعاء للتشريع والتعليم وإظهار الفاقات التي هي مواسم وأعياد كما أبان ذلك بقوله ورود الفاقات أياد المريدين قلت الأعياد جمع عيد وهو ما يعود على الناس بالأفراح والمسرة فالعوام فرحهم ومسرتهم بالحظوظ والعوائد الجسمانية والخواص فرحهم بإقبال الملك عليهم ووجود قلوبهم وصفاء وقتهم من كدرات الأغيار والغالب أن هذه المعاني إنما توجد عند الفاقة والحيرة والاضطرار حيث ينقطع حظ النفس فيها لأن النفس كما ضيقت عليها رحلت إلى عالم الملكوت وفي ذلك العالم أراحتها وفرحها ومسرتها قال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوي وهما جنتان معجلة ومؤجلة فلأجل هذا آثرت الصوفية الفقر على الغناء والشدة على الرخاء والذل على العز والمرض على الصحة لما يحصل لهم بذلك من الرقة والحلاوة وكلما ازدادوا فاقة زادهم الله قرباً وولاء وكان بعضهم يطوف حول الكعبة ويقول مؤتزر بشملتي كمـا تـري
    وصبية باكية كـمـا تـرى وامرأتي عريانة كما تـري
    يا من يرى الذي بنا ولا يرى أما ترى ما حل أما تـرى فسمعه بعضهم فجمع له كسرا ودفعها إليه فقال له إليك عني لو كان معي شيء لما أمكنني أن أقول هذا القول وقال أبو اسحق الهروي رضي الله عنه من أراد أن يبلغ الشرف كل الشرف فليختر سبعاً على سبع فإن الصالحين اختاروها حتى بلغوا سنام الخير اختاروا الفقراء على الغنى والجوع على الشبع والدون على المرتفع والذل على العز والتواضع على الكبر والحزن على الفرح والموت على الحياة اه وقال بعضهم أن الفقير الصادق ليتحرز من الغنى حذرا أن يدخله فيفسد عليه فقره كما يتحرز الغنى من الفقر حذرا أن يفسد عليه غناه وأنشدوا في أعياد العارفين قالوا عدا العيد ماذا أنت لابـسـه
    فقلت خلعة ساق حبه جـرعـا فقر صبرهما ثوباي تحتـهـمـا
    قلب يرى ألفه الأعياد والجمعـا أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به
    يوم التزاور في الثوب الذي خلعا الدهر لي مأثم أن غبت يا أملـي
    والعبد ما كنت امرء لي ومستعماً وقال آخر قالت هنا العيد بالبشرى فقلت لها
    العيد والبشر عندي يوم لقـياك الله يعلم أن الناس قد فـرحـوا
    فيه وما فرحتـي إلا بـرؤياك ثم بين وجه كون الفاقة عيدا فقال ربما وجدت من المزيد في الفاقات مالا تجد في الصوم والصلاة الفاقات بسط الإنسان إن أردت بسط المواهب عليك صحح الفقر والفاقة لديك إنما الصدقات للفقراء والمساكين قلت إنما كان الإنسان يجد في الفاقة من المزيد ما لا يجده في الصوم والصلاة لأن الفاقة من أعمال القلوب والصوم والصلاة من أعمال الجوارح والذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح الفالقت قوت الروح والصوم والصلاة من أعمال الجوارح والذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح الفاقات قوت الروح والصوم والصلاة قوت القلب والروح محل المشاهدة والقلب محل المراقبة وما بينهما معلوم قال بعضهم أعلم أن المدد الذي هو الفتح الرباني إنما يقع في القلوب الفارغة من العوائق والشواغل وقد يوجد العبد كثير الصلاة والصيام وباب قلبه مسدود لاشتغاله بأمور دنياه وهم الأكثر من الناس وقد يوجد العبد قليل الصوم والصلاة وباب قلبه مفتوح للعلوم اللدنية والتنزلات الفهمية وهم الأقلون من الناس وكل العبادات يدخله الرياء إلا الخمول لكونه لاحظ للنفس هيه اه وفي بعض الأخبار يقول الله تبارك وتعالى لعبده سبكتك بالفاقة لتكون ذهباً الحديث قال في التنوير اعلم أن في البلايا والفاقات من أسرار الألطاف ما لا يفهمه إلا ألوا البصائر ولم يكن إلا تذلل النفس وتحقيرها وقطعها عن حظوظها لكان في ذلك غاية المطلوب منها وقد قيل حيثما وقعت الذلة وقعت معها النصرة قال الله العظيم ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة اه فإن أردت أيها الفقير بسط المواهب وورودها عليك فصحح الفقر والفاقة لديك فإذا صححت الفاقة والفقر عندك فاستعد لكتب المواهب فإنها ترد عليك كالسحاب وقد قلت في هذا قصيدة سيأتي ذكرها قريباً إن شاء الله وإن ردن بسط المواهب عاجلاً
    ففي الفاقة ريح المواهب ينشر

  13. #33
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    والمراد بالمواهب معارف وكشوفات وطمأنينة وحكم وعلوم وأسرار ترد على القلوب من خزائن الغيوب حال صفائها وتصفيتها من الغيرية واصفى ما يكون القلب حين تذهب النفس وذهاب النفس إنما يكون بترك حظوظها ولا يتحقق ذلك في الغالب إلا في حال الفاقة والفقر ولذلك كانوا يفرحون بالفقر ويحزنون بالفقر ويحزنزن من الغنى فتح على بعضهم بشيء من الدنيا فقال هذه عقوبة لم أدر ما سببها وقال الهروي الفقر صفة مهجور وهو ألذ ما يناله العارف لكونها تدخله على الله وتجلسه بين يديه وهم أعم المقامات حكماً لقطع العوائق والتجرد من العلائق واشتغال القلب بالله قيل الصادق لا يملك ولا يملك وقيل لسهل رضي الله عنه متى يستريح الفقير قال إذ لم ير في كل وقت غير ربه وقال الشبلي الفقير لا يستغني بشيء دون الله وقال السهروردي في عوارف المعارف الفقر أساس التصويف وبه قوامه ويلزم من وجود التصرف وجود التصرف وجود الفقر لأن التصرف اسم جامع لمعاني الفقر والزهد مع زيادة أحوال لا بد منها للصوفي وإن كان فقيراً زاهداً وقال بعضهم نهاية الفقر بداية التصرف لأن التصرف اسم جامع لكل خلق سني والخروج عن كل خلق دنى لكنهم اتفقوا أن لا دخول على الله إلا من باب الفقر ومن لم يتحقق بالفقر لم يتحقق بشيء مما أشار إليه القوم والتحقق بالفقر هو الاستئناس به والاعتباط بحصوله والاستقرار معه حتى يكون عنده أحلى من العسل ويكون المال عنده أمر من الحنظل فحينئذ تترادف عليه المواهب وتتسع له المعارف حتى يكون أغنى الأغنياء قال بعض الصالحين كان لي بعض مال فرأيت فقيراً في الحرم جالساً منذ أيام ولا يأكل ولا يشرب وعليه أطمار رئة فقلت أغنيه بهذا المال فألقيته في حجره وقلت استعن بهذا على دنياك فنفض بها في الحصباء وقال لي اشتريت هذه الجلسة مع ربي بما ملكت وأنت تفسدها على ثم انصرف وتركني ألقطها فو الله ما رأيت أعز منه لما بددها ولا أذل مني لما كنت التقطها وهذا هو تصحيح الفقر والفاقة ظاهراً وباطناً وكان بعضهم إذا أصبح عنده شيء أصبح حزيناً وإذا لم يصبح عنده شئ أصبح فرحاً مسروراً فقيل له إنما الناس بعكس هذا فقال إني إذا لم يصبح عندي شيء فلى برسول الله أسوة حسنة وإذا أصبح عندي شيء لم يكن لي برسول الله أسوة حسنة قلت وهذه حالة أشياخنا رضي الله عنهم حسيما استقريناه من حالهم وقد بلغني أن شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه كان يشتغل الفتيلة وينظر في نواحي البيت إذا وجد شيئاً أخرجه يتصدق به ويبيت على الفاقة هكذا كان حاله في حال تجريده رضي الله عنه هذا واستشهد المؤلف رضي الله عنه بالآية الكريمة إنما الصدقات للفقراء والمساكين إشارة إلى أن ما يهبه الله تعالى من المواهب والمعارف إنما هي صدقة ومنه لجزاء على الأعمال والأحوال لأن الصدقة لا تكون في مقابلة عمل وإن الله لغني عن العالمين ثم التحقق بالفقر مجموعة التحقق بأوصاف العبودية وهي الذل والعجز والضعف كما بين ذلك بقوله تحقق بأوصافك يمدك يقابلها من أوصاف الربوبية أربعة أولها من العبد الفقر ومن الله الغني الثاني من العبد الذل ومن الله العز الثالث من العبد العجز ومن الله القدرة الرابع من العبد الضعف ومن الله القوة والتحقق بالوصف هو التحلي والاتصاف به قلباً وقالباً ويكون ذلك بادياً بين خلقه فلا يتحقق الذل لله حتى يظهر ذلك بين عباده فمن أراد أن يمده الله بالغنى به عما سواه فليتحقق بالفقر مما سواه كما قال الشيخ أبو الحسن في حربه الكبير نسئلك الفقر مما سواك والغنى بك حتى لا نشهد إلا إياك ومن أراد أن يمده الله بالعز الذي لا يفنى فليتحققي بالذل لله والتواضع بين خلقه فمن تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره ومن أراد أن يمده الله بالقدرة الخارقة للعوائد فليتحقق بعجزه ويتبرأ من حوله وقوته ومن أراد أن يمده الله بالقوة على طاعة مولاه ومجاهدة نفسه وهواه فليتحقق بضعفه ويسند أمره إلى سيده فبقدر ما تعطى تأخذو بقدر نا تتخلق تتحقق وبقدر ما تتحقق بوصفك يمدك بوصفه وقد كنت قلت في ذلك أبياتاً وهي هذه تحقق بوصف الفقر في كل لحظة
    فما أسرع الغنى إذا صحح الفقر وإن تردن بسط المواهب عاجـلاً
    ففي الفاقة ريح المواهب ينشـروإن تردن عـزا مـنـيعـاً مـؤيداً
    ففي الذل يخفي العزبل ثم يظهـر وإن تردن العرفان فافن عن الورى
    وعن كل مطلوب سوي الحق تظفر تري الحق في الأشياء حين تلطفـت
    ففي كل موجود حبيبـي ظـاهـر قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه وتصحيح العبودية بملازمة الفقر والضعف والذل لله تعالى وأضدادها أوصاف الربوبية فما لك ولها فلازم أوصافك وتعلق بأوصافه وقل من بساط الفقر الحقيقي يا غنى من للفقير سواك، ومن بساط الضعف الحقيقي يا قوي من للضعيف سواك، ومن بساط العجز الحقيقي يا قادر من للعاجز سواك، ومن بساط الذل الحقيقي يا عزيز من للذليل سواك، تجد الإجابة كأنها طوع يدك واستعينوا بالله واصبروا إن الله مع الصابرين ولا يصح التحقق بالوصف حتى يتعلق بأضدادها من مولاه فلا يلتجيء في فقره ولا عجزه ولا ضعفه إلى أحد سواه روى أن بعض الملكوك قال لبعض الفقراء ما يكون لك من حاجة فارفعها إلى فقال له الفقير قد رفعت حوائجي لمن هو أقدر منك فما أعطاني منها رضيت به ومت منعني منها رضيت عنه فقال له ولا لك حاجة عندي قال بلى قال وما هي قال لا تراني ولا نراك ملكت نفسي وكنت عبـداً
    فزال رقي وطاب عيشى أصبحت أرضى بحكم ربي
    أن لم أكن راضياً فأيشـى فهذا هو التعلق بوصف الربوبية والتعزيز بالله لا يفنى عزه قال الله تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ومن تعزز بالله ذل له كل شيء وقد حج شيبان الراعي مع سفيان الثوري فلما كانا في البرية عرض لهما سبع فأخذ سفيان خارج الطريق ومضى إليه شيبان ثم عرك أذنه فلم يزد أن حرك ذنبه وبصبص وانصرف فقال له سفيان ما هذا يا شيبان فقال له لو شئت أن أركبه إلي مكة لفعلت وكانت عجوز تأتي كل يوم لبيت السرى السقطيي فتكنس بيته وتسوق له بعض القوت فسئل من هي فقال الدينا سخرها الله لي لما زهدت فيها وفي هذا المعنى ورد الحديث يوقل الله تعالى للدنيا يا دنيا اخدمي من خدمني واتعبي من خدمك وقال إبراهيم بن أدهم من طلب الفقر استقبله الغنى استقبله الفقر والغنى هو الغنى بالله وقال سهل رضي الله عنه لم يشم رائحة اليقين من ركن لغير الله وقال أبو تراب رأيت شاباً في البادية يمشي بلا زاد فقلت في هذا الموضع بلا زاد قال لست أرى غير الله فقلت اذهب الآن حيث شئت وقال إبراهيم الخواص لقيت فقيراً في البادية فقلت له إلى أين فقال إلى مكة قلت بلا زاد ولا راحلة فقال الذي يمسك السموات والأراضين ويحفظها لا يعجزه قوتي بلا سبب ولا علاقة فقلت صدقت ثم رأيته بعد ذلك في مكة وهو يطوف ويقول يا عين سحي أبـداً
    يا نفس موتى كمدا ولا تحبـي أحـداً
    إلا الإله الصمـدافلما رآني قال لي ما زلت على ضعف يقينك فقلت لا بل اعلم أن الله على كل شىء قدير اه هذا آخر الباب التاسع عشر وحاصلها أن العارفين ربما دلهم الأدب على ترك الطلب اكتفاء بعلم الله إذ لا يذكر إلا الغافل ولا ينبه إلا الساهي وتعالى الله عن الأمرين علوا كبيرا فإذا نزلت بهم فاقة أو شدة لم يسئلوا رفعها بل فرحوا بها وجعلوها مواسم وأعياد لما يجدون فيها من المزيد وما يهب على قلوبهم من نسيم التوحيد والتغريد وهي المواهب الربانية والعلوم اللدنية فتحققوا بأوصافهم وأمدهم بأوصافه فصاروا في الظاهر عبيداً وفي الباطن أحراراً في الظاهر فقراء ضعفاء أذلاء وفي الباطن أغنياء أقوياء أعزاء وهذه هي الكرامة العظمى دون الكارمة الحسية كما أشار إلى ذلك في أول الباب الموفى عشرين فقال رضي الله عنه ربما رزق الكارمة من لمتكمل له الإستقامة قلت الكرامة الحسية هي خرق الحس اعادى كالمشى على الماء والطيران في الهواء وطي الأرض ونبع الماء وجلب الطعام والإطلاع على المغنيات وغير ذلك من خوارق العادات والكرامة المعنوية هي استقامة العبد مع ربه في الظاهر والباطن وكشف الحجاب عن قلبه حتى عرف مولاه والظفر بنفسه ومخالفة هواه وقوة يقينه وسكونه وطمأنينته بالله والمعتبر عند المحققين هي هذه الكارمة وأما الكرامة الحسية فلا يطلبونها ولا يلتفتون إليها إذ قد تظهر على يد من لم تكمل استقامته بل قد تظهر على يد من لا استقامة له أصلاً كالسحرة والكهان وقد تظهر على أيدي الرهبان وليست بكرامة إنما هي استدراج قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان كرامة الإيمان بمزيد الإيقان وشهود العيان وكرامة العمل على الإقتداء والمتابعة ومجانية الدعاوي والمخادعة فمن أعطيتها ثم جعل يشتاق إلى عيرها فهو عبد مغتر كذاب أو ذو خطأ في العلم والعمل بالصواب كمن اكرم بشهود الملك على نعت الرضى فجعل بشتاق إلى سياسة الداوب وخلع المرضي قال وكل كرامة لا يصحبها الرضى عن الله ومن اله فصاحبها مستدرج مغروراً وناقص أو هالك مثبرواً اه وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه ليس الشأن من تطوى له الأرض فإذا هو بمكة أو غيرها من البلدان إنما الشأن من تطوى له صفات نفسه فإذا هو عند ربه قلت والكرامة الحقيقة هي الاستقامة على الدين وحصول كمال اليقين وأما خوارق العادات الحسية فإن صحبتها الاستقامة ظاهراً وباطناً وجب تعظيم صاحبها لأنه شاهدة له بالكمال مما هو فيه وإن لم تصحبها استقامة فلا عبرة بها والغلب أن أهل الباطن كرامتهم باطنية ككشف الحجب ومزيد الإيمان ومعرفة الشهود والعيام وكذلك عقوبة من آذاهم جلها باطية لا يتفطنون لها كقساوة القلب والإنهماك في الذنوب والغفلة عن الله والبعد عن حضرته ولكن لا يشعرون وهي أعظم من العقوبة في الحس والحاصل أن أهل الاستقامة الظاهرية كرامتهم ظاهرية حسية وأهل الاستقامة الباطنية كرامتهم باطنية معنوية أهل الظاهر من آذاهم عوقب في الظاهر وأهل الباطن من آذاهم عوقب في الباطن وقد لا يعاقب لأنهم رحة كل من قرب منهم شملته الرحمة كان قربه تسليماً أو انكاراً هم قوم لا يشقى جليسهم على قدم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال الهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وكل ولي أراد الله تعالى أن ينتفع الناس على يده لا يعاجل بالعقوبة من إذاه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث خيره ملك الجبال فحلم صلى الله عليه وسلم وعفا وقال لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله والله تعالى أعلم وأعظم الكارمة الفهم عن الله والرضى بقضاء الله وترك التدبير والاختيار مع الله وإقامة العبد حيث إقامه الله كما أبان ذلك بقوله من علاقة إقامة الحق لك في الشيء إدامته إياك فيه مع حصول النتائج قلت إذا أقام الحق تعالى عبده في حالة لا يستقبحها الشرع ولا يذمها سليم الطبع فلا ينبغي له الانتقال عنها بنفسه حتى يكون الحق تعالى الذي أدخله فيها هو الذي يتولى إخراجه منها وقل رب أدخلني مخرج صدق فالمدخل الصدق أن تدخل في الشيء بالله لا بنفسك والمخرج الصدق أن تخرج منه بالله لا بنفسك فإذا أقامك الحق تعالى في الأسباب فلا تخرج منها بنفسك فتتعب فامكث حتى يخرجك الحق تعالى بإشارة صريحة من شيخك أو من هاتف من عند ربك وقد تقدم هذا في أول الكتاب ومن علامة إقامة الله تعالى لك في ذلك أنت في إدامة الحق إياك في ذلك الشيء مع حصول النتائج وسلامة الدين والمراد بالنتائج ما يترتب عليه من إعطاء حقه الواجب والمستحب كإداء الزكاة وإطعام الجائع وستر العريان وإغاثة الله فان وغير ذلك من أنواع الإحسام وإذا أقامه الحق تعالى في نشر العلم الظاهر فعلامة إقامة الحق فيه تعليمه لله ونفع عباد الله الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله والتواضع والصبر على جفاء المتعلمين هكذا سائر الحرف إذا كان فيها على المنهج الشرعي فلا ينتقل عنها بنفسه وإذا أقامك الحق تعالى في التجريد فالزم الباب وتحل والآدب حتى يفتح لك الباب فعلانة إقامته إياك فيه حصول نتائجه وهي الترقي في الأحوال والمقامات حتى تبلغ النهايات والمقامات هي التوبة والتقوى والاستقامة والزهد والورع والخوف والرجاء والرضى والتسليم والإخلاص والصدق والطمأنينة والمراقبة والمشاهدة والمعرفة وكل مقام له علم وعمل وحال فأوله علم وثانية عمل وثالثة حال ثم مقام فإذا بلغ إلى مقام المعرفة وتمكن فيها انقطعت المقامات قال بعضهم في بحر التوحيد غاصت الأحوال وانطمست المقامات وإن إلى ربك المنتهى فحينئذ يغمس في بحر الإحسام فإذا عبر من بساط إحسام الله له لم يصمت إذا أساء كما أبان ذلك بقوله من عبر من بساط إحسانه أصمتته الاساءة ومن عبر من بساط أتحسان الله إليه لم يصمت إذا أساء قلت أهل التعبير وهم أهل التذكير الذين يذكرون عباد الله ويعبرون عما منحهم الله به من العلوم والمواهب والفتوحات والكرامات على قسمين علماء وعارفون أو تقول أهل الحجاب وأهل الفتح فأهل الحجاب يعبرون من بساط إحسان أنفسهم فيقولون فعلنا كذا ورأينا كذا وفتح علينا في كذا وافعلوا أيها الناس كذا واتركوا كذا فإذا وقعوا في زلة أو هفوة سكتوا حياء من الله وخوفاً أن يأمروا بما لم يفعلوا لأنهم باقون مع نفوسهم محجوبون عن ربهم فإذا فعلوا طاعة فرحوا بها واعتمدوا عليها وإذا فعلوا زلة حزنوا وجزعوا وسقط في أيديهم فلما عبروا من بساط إحسان نفوسهم أصمتتهم الإساءة وأهل الفتح من العارفين يعبرون من بساط إحسان الحق غائبين عن شهود الخلق فانون عن أنفسهم باقون بربهم فهؤلاء إذا عبروا عما منحهم الله من المعارف والأسرار والعلوم والأنوار والكرامات والفتوحات والمواهب وذكروا فأمروا ونهوا دام تعبيرهم ونفع تذكيرهم فإذا أساءوا لم تصمتهم إساءتهم من أنفسهم وتعبيرهم من بساط إحسان الله إليهم وإحسانه لا يكدره شيء وقولنا من أنفسهم أعني أدباً فقط إذ هم لا يشهدون إلا تصريف الحق فيهم فلذلك لم تصمتهم إساءتهم لأنهم مغموسون في بحر المنة لا يشهدون في الكون سواه وأيضاً من عبر من بساط نفسه نادته مساوية أسكت أما تذكر فعلك القبيح ووصفك الذميم فيسكت خجلاً ومن عبر من بساط إحسان الله غابت عنه مساوية لغيبته في محان مولاه فلا يشهد إلا أياه فإذا أراد أن يعبر سبق نور معرفته إلى قلوب عباده فيسري فيهم التعبير ويأخذ بقلوبهم التذكير كما أبان ذلك بقوله تسبق أنوار الحكماء أقوالهم فحيثما صار التنوير وصل التعبير قلت الحكماء هم العارفون بالله الذين يتكلمون بالله ويصمتون بالله غائبون عن أنفسهم يشهدون ما من الله إلى الله فإذا أرادوا أن يعبروا عما منحهم مولاهم من العلوم والمعارف سبق نور شهودهم إلى القلوب المستمعة فتسري فيهم على قدر صدقهم فمنهم من يدخل النور سويداء قلبه ومنهم من يقف النور على ظاهر قلبه ومنهم من يشرق النور على طرف قلبه فإذا عبر العارف عن المقامات والأحوال وصل التعبير على قدر سريان النور فمن وصل النور إلى سويداء قلبه نهض ساعته إلى ربه ومن وصل إلى ظاهر قلبه خشع وخضع وعزم على البر والتقوى ومن وصل إلى طرف قلبه عرف الحق وصدق فحيثما صار التنوير وصل التعبير وقولنا في تفسير الحكماء هم العارفون مأخذنا فيه وقوله عليه السلام رأس الحكمة مخافة الله اه وأعرف الناس بالله أشدهم له خسية وفيهم قال الله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء وسئل مالك عن الحكمة فقال ما زهد عبد واتقى إلا أنطقه الله بالحكمة ثم قال من أراد أن يفتح الله عين قلبه فليكن عمله في السر أكثر من عمله في العلانية لأن عمل السر منبع الإخلاص والإخلاص منبع الحكمة وسئل مرة أخرى عن الحكمة أيضاً فقال نور يقذفه الله في قلب العبد المؤمن من فسحة الملك اه فأهل التنوير هم الحكماء وهم العارفون بالله ولله در القائل في وصفهم حيث قال هينون لينون ايسار بـنـو تـسـر
    سواس مكـرمة أبـنـاء ايسـار لا ينطقون بغير الحق أن نطـقـوا
    ولا يمارون أن ماروا بـاكـثـار من تلق منهم تقل لا قيت سـيدهـم
    مثل النجوم التي يسري بها الساري وقولنا في وصفهم يشهدون ما من الله إلى الله يعني أنهم غائبون ألا تصريف الحقي في مظاهر أنواره قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه الناس على ثلاثة عبد يشهد ما منه إلى الله وعبد يشهد ما من الله إليه وعبد يشهد ما من الله إلى الله الأول ذو حزن وأشجان والثاني ذو فرح وامتنان والثالث لم يشغله عن الله خوف نار ولا مثوى جنان الأول ذو كد وتكليف والثاني ذو عناية وتعريف والثالث مشاهد للمولى اللطي ثم قال وقليل العمل مع شهود المنة خير من كثيره مع رؤية التقصير من النفس اه مختصراً ثم ذكر علامة التعبير الذي يسبقه التنوير والذي يسبقه التكدير فقال كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز قلت علامة الكلام الذي يسبقه التنوير هو تأثير في القلوب وتهييجه الأرواح وتشويقه الأسرار فإذا سمعه الغافل تنبه وإذا سمعه العاصي انزجر وإذا سمعه الطائع زاد نشاطه وعظم شوقه وإذا سمعه السائر طوى عنه تعب سيره وإذا سمعه الواصل تمكن من حاله فالكلام صفة المتكلم فإذا كان المتكلم ذا تنوير وقع في قلوب السامعين وإذا كان ذا تكدير حد كلامه آذان المستمعين فكل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز ولذلك قال سيدنا على كرم الله وجهه من تكلم عرفناه من ساعته ومن لم يتكلم عرفناه من يومه وقيل الناس حوانيت مغلقة فإذا تكلموا فقد فتحوا هناك يتنين البيطار من العطار وقالوا أيضاً الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب وإذا خرج من اللسان حده الأذان وإنهاض الحال أكثر من المقال وإذا اجتمع الحال والمقال فهو البحر الطام والنجم الثاقب التام وقال بعض العارفين من كان قبله روحانياً كان كلامه معنوياً ينزل من القلوب في أوسع ساحاتها ومن كان قلبه نفيساً كان كلامه حسياً يعني لا يتكلم إلا في الحس ولا يخوض إلا فيه ومن طمس إذن قلبه حجب الدنيا فلا يسمع ولا يسمع وقد يكون من الناس من هو عالم اللسان جاهل القلب وعلامته ترجيح حديث الدنيا على حديث الآخرة أو حديث الحس على حديث المعنى ومن مثل هذا الحذر الحذر لأن قلبه ميت فكلامه كله على الميتة والميتة هي الجيفة قال صلى الله عليه وسلم الدينا جيفة وطلابها كلاب فمن تكلم على الدنيا فمثله كالكلب ولا خير في كلب ولو كان عالماً قاله الشطبي ثم أن هذه الكسوة التي تبرز على الكلام إنما هي من نتائج الأذن من الله فيه وأما إذا لم يكن إذن فيه فلا كسوة عليه كما أيان ذلك بقوله من أذن له في التعبير حسنت في مسامع الخلق عبارته وجلبت إليهم إشارته قلت الأذن في التعبير إنما يكون على يد الشيخ الكامل العارف الذي أهله الله للتربية ونصبه للتوصيل والترقية فإذا رأى على تلمذه أهلية التذكير أذن له في التعبير فإذا عبر أخذ بمجامع القلوب وفاض من لسانه أسرار علم الغيوب فتحسن في مسامع الخلق عبارته وتجلى إليهم إشارته أي تظهر وتفهم ولا عبرة عند المحققين بلحن الكلام وإعرابه ولا خطأ في رفعه ونصه من صوابه وإنما العبرة بالمعاني دون القوالب والأواني يحكى أن بعض النحويين دخل مجلس الحسن بن سمعون ليسمع كلامه فوجده يلحن فانصرف ذا ما له فبلغ ذلك الحسن فكتب له إنك من كثرة الإعجاب رضيت بالوقوف دون الباب فاعتمدت على ضبط أقوالك مع لحن أفعالك وإنك قد تهت بين خفض ورفع ونصب وجزم فانقطعت عن المقصود هل لا رفعت إلى الله جميع الحاجات وخفضت كل المنكرات وجزمت عن الشهوات ونصبت بين عينيك الممات والله يا أخي ما يقال للعبد لم لم تكن معرباً وإنما يقال له لم كنت مذنباً ليس المراد فصاحة المقال وإنما المارد فصاحة الفعال ولو كان الفضل في فصاحة اللسان لكان سيدنا هارون أولى بالرسالة من سيدنا موسى حيث يقول وأخي هارون هو أفصح مني لساناً اه ومما يتسب للخليل رحمة الله أو لسيبويه
    لسام فصيح معرب في كلامـه
    فيا ليته من وقفة العرض يسلم ولا خير في عبد إذا لم يكن تقي
    وما ضر ذا لسان مـعـجـم وقال آخر منحرف بالفعال وذو زلل
    وإن تكلم في جداله وزنه قال وقد كتبت لفظـتـه
    تيهاً وعجباً أخطأ ما لحنه وإنما أخطأ من قام غـدا
    ولا يرى في كتابه حسنه وكان شيخ شيخنا رضي الله عنه إذا ذكر من تقدم له في العربية يقول له أنت اترك شيئاً من عربيتك وأنا أترك شيئاً من جبليتي يعني من اللغة الجبلية ونلتفت للطريق والحاصل أن من اجتمع فيه الحال وفصاحة المقال فهو كمال الكمال وذلك لأنه ينتفع بكلامه بعدموته كالغزالي والشترى والشاذلي والمرسي والشيخ رضي الله عنهم فقد عظم النفع بكلامهم وأعظمهم المؤلف رضي الله عنه فقد حاز قصب السبق في التعبير ونسخت كتبه كتب القوم وقد شهد له شيخه بهذا المعنى فقال والله لا يموت هذا الشاب حتى يكون داعياً يدعو إلى الله وقال له والله ليكونن لك شأن عظيم والله ليكونن لك شأن عظيم وقال فيه أيضاً حين نسخ له كتاب التهذيب الأعلى يديه فقد قرب المدارك وبين المسالك في أحسن عبارة وأوجز لفظ وإشارة جزاه الله عن المسلمين خيرا ثم بين رضي الله عنه الكلام الذي لم يؤذن لصاحبه في التعبير عنه فقال ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بإظهار قلت قد يتكلم الإنسان بحكم وحقائق مع فصاحة وبلاغة وشقاشق لكنها مسكوفة الأنوار مطموسة الأسرار ليس فيها حلاوة ولا عليها طلاوة سبب ذلك عدم الأذن فيها إذ لو أذن له في التعبير لظهر عليها كسوة التنوير قال في الطائف المنن من أجل مواهب الله لأوليائه وجود العبارة قال وسمعت شيخنا أبا العباس يقول الولى يكون مشحوناً بالمعارف والعلوم والحقائق لديه مشهورة حتى إذا أعطى العبارة قال سمعت شيخنا أبا العباس يقول الولى يكون مشحوناً بالمعارف والعلوم والحقائق لديه مشهورة حتى إذا أعطى العبارة كان ذلك كالأذن من الله في الكلام وقال وسمعت أبا العباس يقول كلام المأذون له يخرج وعليه كسوة وطلاوة وكلام الذي لم يؤذن له يخرج مكسوف الأنوار حتى إن ليتكلمان بالحقيقة الواحدة فتقبل من أحدهما وترد على الآخر اه قلت وينبغي لأهل التعبير أن يخاطبوا الناس بقدر ما يفهمون فليس التعبير لأهل البداية كأهل النهاية وفي الحديث خاطبوا الناس بقدر ما يفهمون نعم أن ضاق الوقت على التفريق جمع الكل وذكر في البداية والوسط والنهاية وكل واحد يأخذ نصيبه ويشرب من منهله قد علم كل أناس مشربهم وهذه كانت طريقة الجنيد رضي الله عنه يلقى الحقائق على رؤوس الأشهاد فقيل له في ذلك فقال علمنا محفوظ أن يأخذ غير أهله أو ما هذا معناه ثم عبارتهم بعد الأذن لا تكون إلا لحكمه بينها الشيخ بقوله عبارتهم أما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد قلت ما اشتملت عليه قلوب العارفين من المعارف وأسرار التوحيد وغوامض العلوم التي لا تطيقها جل الفهم هو سر من أسرار الله وهم أمناء الله عليها فلا يطلعون عليها إلا من رأوه أهلا لها إلا من كان مغلوباً على حاله لا يقدر على إمساكها وهو من لم يتمكن من حاله فيها فعبارتهم إذاً ما لفيضان وجد غلبة فلم يقدر على إمساكها أو لأجل هداية مريد وإرشاده وترقيته إلى مقام استحق إطلاع عليه وإلا فلا يظهرون من تلك الأسرار قليلاً ولا أقل من القليل وقد تقدم قول بعضهم قلوب الأحرار
    قبور الأسرار وقال آخر لا يكتم السر الأكل ذي ثـقة
    فالسر عند خيار الناس مكتوم

  14. #34
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    ثم بين حال الفريقين ومقام الرجلين فقال الأول حال السالكين وهم المستشرفون من السائرين حققوا ولم يتمكنوا فهم مملوكون في يد الأحوال إذا غلب عليهم الوجد فاضوا ولم يشعروا وإذا رجعوا إلى أنفسهم ندكوا واستغفروا ثم بين حال الثاني فقال والثاني حال أرباب المكنة والمتحققين وهم الراسخون المتمكنون فلا يعبرون عن تلك الأسرار إلا لأجل هداية المريدين وتربية السالكين وترقية السائرين وأما لغير هؤلاء فلا فإن عبر عنها السالك لا عن غلبة وجد كان في ذلك نوع من الدعوى وإن عبر عنها المتمكن من غير قصد هداية كان في ذلك افشاء لأسرار الربوبية وهي عندهم أعز من الكبريت الأحمر وقد كان الرجل يخدمهم سنين فلا يظهرون له منها قليلاً ولا كثيراً حتى إذا رأوا أعطى نفسه وفلسه وبذل روحه بالكلية أشاروا إليه إشارة خفية فقد ذكر شيخ شيوخنا سيدي على في كتابه إن طائفة من المريدين خدموا شيخاً ثلاثين سنة ثم قالوا له يا سيدنا أردنا أن تعرفنا بربنا فقال لهم نعم غدا ائتوني لداري فلما أتوه أخرج لهم صبياً صغيراً فوجهه إليهم ثم دخل فانظر هذه الإشارة ما ألطفها وأخفاها ثم من الله على أهل هذا الزمان برجال كرام من صحبهم بالصدق منحوه من الأسرار في يسير من الزمان ما لم يدركه المتقدمون في الأزمنة الطويلة جزاهم الله مت الأمة المحمدية خيراً وقد تلكم الشيخ أبو الحسن على حال السالكين والواصلين بكلام طويل ذكره في الطائف المنن ونقله الشطيي فقال أن الله عباداً محق أفعاله وأوصافهم بأوصافه وذاتهم بذاته وحملهم من أوصافه ما يعجز عن سماعه عامة الخلق فهم مغرقون في بحر الذات وتيار الصفات فنوا عن أفعالهم ثم فنوا عن صفاتهم ثم فنوا عن ذاتهم وبقوا بذات الله تعالى ولم يبق لهم منهم شئ ومن كان في الله نتلفه كان على الله خلفه ومن صح بقاؤه ثم قال واعلم أن الفنا يوجب الغيبة عما سوى الله قلت وهو مقام السالكين والبقاء يوجب إيجاد كل شيء مع الله يعني بالله فصاحب الفناء يقوم الله عنه وصاحب البقاء يقوم بالله عن الله وهما ولايتان فولى يتولى الله ورسوله والذين آمنوا وولى يتولاه الله وهو يتولى الصالحين قال الشيخ أبو الحسن وعلامة الولاية الرضى بالقضاء والصبر على البلاء والفرار إلى الله عند الشدائد والرجوع إليه عند النوائب فمن أعطى هذه الأربعة من خزائن الأعمال والمجاهدة فقد صحت ولايته لله ورسوله وللمؤمنين ومن أعطيتها من خزائن المنن والمواددة فقد تمت ولاية الله له فالولاية الأولى ولاية صغرى والولاية الثانية ولاية كبرى قيل له كيف يتولى الله ورسوله والذين آمنوا قال يتولى الله بالمجاهد لقوله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا ويتولى الرسول بالمتابعة قل أن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله من يطع الرسول فقد أطاع الله ويتولى المؤمنين بالاقتداء بهم وهي علامات من خاض بحر الولاية وأما الذين تولاهم الله فهم الذين صلحوا لحضرته وغابوا عن خليقته فلا يرون في الوجود إلا الله، الأولي تسمى ولاية إيمان وهذه ولاية إيقان فقيل له وما الفرق بين الإيمان والإيقان قال كل يقين إيمان وليس كل إيمان إيقاناً فالإيمان ربما تدخله الغفلة والإيقان لا تدخله الغفلة المؤمن يتجلى له الحق دون كل شئ والموقن يتجلى له الحق في كل شيء المؤمن فإن عن كل شيء فلم يشهد مع الله شيئاً والموقن باق في كل شئ فهو يشهد الله في كل شئ اه ثم بين المؤلف رضي الله عنه فائدة التعبير وثمرة العبارة فقال العبارة قوت لعائلة قلوب المستمعين وليس لك منها إلا ما أنت له آكل قلت العائل هو الفقير والعائلة جمع له فعبارة العارفين قوت لقلوب الفقراء الطالبين لزيادة إيقان قلوبهم ومشاهدة محبوبهم فلا يزالون في حضانة الشيوخ وعيالهم حتى يكمل إيقانهم وترشد أحوالهم فحينئذ يستقلون بأنفسهم وعلامة رشدهم أنهم يأخذون النصيب من طل شيء ولا ينقص من حالهم شئ يفهمون عن الله في كل شيء ويعرفون في كل شئ ويشربون من كل شئ فإذا كانوا كذلك فقد استقلوا بأنفسهم وتأهلوا لارشاد غيرهم قال بعض الحكماء من لم يفهم صرير الباب ولا طنين الذباب ولا نبيح الكلاب فليس من ذوي الألباب وأما من لم يبلغ هذا المقام فلا بد أن يلزم العش في حضانة من يرزقه ويطعمه فإذا طار من العش قبل تربية الجناح اصطادته الكلاب والبيزان ولعبت به النساء والصبيان فإذا كان في عش الشيخ وكان يطعمه مع غيره فليس له من القوت إلا ما يقدر أن يأكله وإلا قتله فليس طعام الصبي الصغير كطعام الرجل الكبير وكذلك عبارة الشيوخ للمريدين كل واحد يأخذ ما يليق بحاله فالشيوخ يذكرون في الجملة فيذكرون أحوال البدايات والنهايات والوسط وكل واحد يأخذ ما يليق بع قد علم كل أناس مشربهم فلا يتعلق المبتدئ بمذاكرة المنتهي فيفسد كما إذا كل الطفل الصغير طعام الكبير يقف في حلقه وإذا أكل الكبير طعام الصغير لا يشبعه هذا معنى قول الشيخ وليس لك منها إلا ما أنت له آكل أي ليس لك من قوت العبارة إلا ما أنت قادر على أكله وإلا غصصت به والله تعالى أعلم وقد سألني بعض الأخوان عن قوت الروحانية والبشرية فقلت قوت البشرية معلوم وقوت الروحانية على وزان قوت البشرية فالصبي لا يطيق الطعام الخشن حتى يكبر كذلك الروح تربى شيئاً فشيئاً فتطعم أولا ذكر اللسان فقط ثم ذكر اللسان فقط ثم ذكر القلب مع اللسان ثم ذكر القلب فقط ثم ذكر الروح وهو الفكرة ثم ذكر السر وهو النظرة ثم تأكل كل شيء وتشرب من كل شيء حتى تسرط الكون بأسره فلو أعطيتها الفكرة أو النظرة الذي هو طعام الرجال أول مرة وهي في مقام الأطفال للفظته وطرحته فإذا بلغت الروح أن تأكل كل شيء وتشرب من كل شيء فقد صح لها أ، تطير في الملكوت الأعلى وتذهب حيث تشاء وقد يختلف الشرب لجماعة من آنية واحدة لاختلاف مقامهم كقضية الرجال الذين سمعوا قائلاً يقول يا سعتر يرى وذلك أن رجلاً في الصفا بمكة صاح يا سعترا برى لرجل آخر كان اسمه ذلك فسمعه الثلاثة فكل واحد تعلق بذهنه ما يليق بحاله فسمع أحدهم الساعة ترى برى وسمع الآخر اسع تري برى وسمع الثالث ما أوسع بري فالأول كان مستشرفاً والثاني مبتدياً والثالث كان واصلاً وكذلك قضية ابن الجوزى كان يقرأ ببغداد اثني عشر علماً فخرج يوماً لبعض شؤنه فسمع قائلاً يقول إذ العشورن من شعبـان ولـت
    فواصل شرب ليلك بالنـهـار ولا تشرب بأقـداح صـغـار
    فقد ضاق الزمان على الصغار
    فخرج هائماً على وجهه إلى مكة فلم يزل يعبد الله بها حتى مات رحمه الله ففهم من الشاعر انصراف العمر وضيق زمان الدنيا كله قال في لطائف المنن واعلم أن هذه المفهومات المعنوية الخارجة عن الفهم الظاهر ليست بإحالة اللفظ عن مفهومه بل هو فهم زائد على الفهم العام يهبه الله لهذه الطائفة من أرباب القلوب وهو من باطن الحكم المندرج في ظاهره اندراج النبات في الحبة وذلك أن المدد النوراني والفتح الرباني يتصل بعضه ببعض إلى الطرف الظاهر فحيث انتهت القوة انتهى الإدراك فربما فهموام ما يوافق ظاهر المعنى الباطنية وروبما خالفه من جهة ما ربما كان الفهم بعكس ظاهره وقد كان الشيخ مكين الدين بن الأسمر رضي الله عنه ممن يشهد له الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه بالولاية الكبرى والمكاشفة العظمى فانشد إنسان في مجلسه
    لو كان لي مسعد بالراح يسعدنـي
    لما انتظرت لشرب الراح افطاراً الراح شيء شريف أنت شاربـه
    فاشرب ولو حملتك الراح أوزارا يا من يلوم على صهباء صـافـية
    خذ الجنان ودعني أسكن النـارا
    فقال بعض فقهاء الظاهر لا يجوز قراءة هذه الأبيات فقال الشيخ مكين الدين قل دعه فإنه رجل محجوب يعني أنه لا يفهم إلا الشراب الحسى دون المعنوي وهو جمود والله تعالى أعلم ثم إن العبارة لا تدل على حال المعبر فقد يكون فوق ما يقول وقد يكون دونما يقول كما أشار إلى بيان ذلك بقوله ربما عبر عن المقام من استشرف عليه وربما عبر عنه من وصل إليه وذلك ملتبس إلا على صاحب بصيرة قلت العبارة لا تدل على نهاية المعبر ولا وصوله إلى ما عبر عنه فقد يعبر عن المقام من لم يصل إليه ولكن استشرف عليه وقد يعبر عنه من وصل إليه وربما عبر عن المقام وقدمه فوق ما عبر عنه وذلك ملتبس إذ لا يعرف المستشرف من الواصل إلا ذو بصيرة نافذة يعني من فتح عليه في المعرفة فكل من فتح عليه في معرفة الله ورفع عنه الحجاب عرف كلام الواصل من المستشرف فليس من خالط البلد ووصفها ثم نعتها كمن استشرف عليها ولم يدخلها ثم جعل ينعتها قال بعضهم وقد يعرف المستشرف بطول التعبير والواصل باختصاره فالمستشرف يطول العبارة ويكررها والواصل من أول مرة يدركها وقد قالوا العارف بالضرب لا يكثر الهنى والعارف بالمفاصل لا يكثر الحنى قلت وهذه القاعدة ليست كلية إذ كثير من العارفين الواصلين تطول عبارتهم لمعرفتهم بمفاصل الخطاب ومن المستشرف من تقصير عبارتهم قال المؤلف رضي الله عنه الاستشراف والوصل ليس إلا مراتب التوجه للتحقق بالعجز فمن وصل لمعرفة العجز عن الوصول فهو الواصل لكن العجز لا يكون إلا بعد الاتصاف به حقيقة لا مجازا وذلك أن الجاهل عجزه حالي قهري والعارف عجزه جلال يرحماني قلت المراد بالعجز في حقه الحيرة والدهش أولا ثم العجز عن الإحاطة والكنة ثانياً ثم قال يشهد لذلك أن الجاهل متى تحرك وقع في الحظوظ والعارف لا يتحرك إلا بالحقوق والجاهل نصيبه الوهم والعارف نصيبه الفهم الجاهل طالب للعلم والعارف طالب للمعلوم الجاهل تابع بنظره للصور الحسية والعارف غائض ببصيرته مع الأرواح المعنوية وجميع المراتب والمقامات مراحل بين الحس والمعنى وانتقال من الهياكل الجسيمة للعوالم القلبية ثم من العوالم القلبية إلى الحقائق الروحانية ثم من الحقائق الروحانية إلى الأسرار الربانية إلى المعارف التوحيدية أه ثم لا ينبغي للسالك أن يعبر عن هذه الأسرار إذا واجهته في طريق السلوك كما أبان ذلك بقوله "لا ينبغي للسالك أن يعبر عن وارداته فإن ذلك مما يقلل عملها في قبه ويمنعه وجود الصدق فيها مع ربه قلت المريد في حال سيره مأمور بالكتمان لعلمه وعمله وحال وارداته فافشاؤه لعمله من قلة اخلاصه وإفشاؤه لأحواله من قلة صدقة مع ربه وأيضاً الأحوال تأتي من حضرة قهار فتنزعج القلوب خوفاً وتقلقها شوقاً فإذا أفشى ذلك كان تبريداً لها وإطفاء لنورها كمن غلت قدرته فصب فيها الماء البارد فيطول عليه غليانها ثانياً ولو قلل نارها وكركها لاستفاد وأدامها كذلك الواردات الإلهية تفطأ القلوب لتحركها إلى النهوض إلى مولاها فإذا أفشاها وذكرها للناس قل علمها في قلبه ودل على عدم صدقه فيها مع ربه قلت ومن ذلك استعمال الأحوال التي تميت النفوس لا ينبغي إفشاؤها فللنفس حظ في ذلك لأنها مجبولة على حب المدح والذكر الحسن ولو من الأخوان كثيراً ما رتى بعض الفقراء يذكرونها ويتبجحون بها وهو غير صواب نعم أن كان يقتدي به فيذكرها للإقتداء ولا نهاض الفقراء فذلك حسن مع نية حسنة وكثيراً ما تستعمل هذه الأحوال في حال السؤال فلذلك ذكره بأثره أو تقول لما كان التعبير عن الواردات الإلهية مما يوجب الإقبال والتعظيم فيؤدي ذلك إلى العطاء فيحتاج إلى آدب القبض بين ذلك بقوله لاتمدن يدك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك فإن كنت كذلك فخذ م وافقك العلم قلت مد اليد إلى الأخذ من الخلائق على قسمين أما أن يكون من غير سؤال أو بعد السؤال ولكل واحد منها أحكام أما الأخذ من غير سؤال فشرطه أمر أن أحدهما علمي آخر والآخر صوفي أما العلمي فلا يأخذ ممن كبه حرام ولا مخلط ولا محجور عليه كالصبي والمجنون والعبد وأما الصوفي فلا يقبض حتى يعرف ممن يقبض علما وحالا فإن اسعت معرفته وتحقق فناؤه بحيث لم يبق له نظر للواسطة أصلاً فربما يسلم له القبض مطلقاً لأنه يقبض من الله ويدفع بالله ولكن الكمال هو الجمع بين الحقيقة والشريعة وقد كان كثير من الصوفية الحقيقيين يقبضون جوائز السلطان ثم يدفعونها على أيديهم وأما القبض بعد السؤال فالكلام عليه من وجهين الأول في جواز السؤال ومنعه والثاني فيما يقبضه بعد أخذه أما حكم السؤال فأصله الجواز قال الله تعالى وأما السائل فلا تنهر فلو كان ممنوعا ما نهى الله عن نهره ثم تعتريه الأقسام الخمسة يكون واجباً ومندوباً ومباحاً ومكروهاً وحراما فأما الواجب فهو ما يكون لسد الرمق بحيث إذا ترك السؤال مات فهذا واجب عليه فلو تركه حتى مات عاصياً فأجبه الشارع خوفاً على فوات حياة البشرية الحسية وأوجبته الصوفية أيضاً على من خاف فوات حياة الروحانية بحيث منعته الرياسة من حظ رأسه وذبح نفسه فقد نقل القسطلاني في شرح البخاري عن ابن العربي المعافري أنه قال هو واجب على المريد في البداية فتحصل أنه واجب حيث يخاف فوات حياة البشرية أو الروحانية وإليه أشار ابن البناء بقوله
    وما على السائل مـن تـأويل
    لأجل قهر النفس والتـذلـيل فمن أولى الأذواق والأحـوال
    من كان راض النفس بالسؤال قالوا: ولا خير في الـعـبـد
    ما لم يكن قد ذاق طعم الـرد وبالجملة فهو لرياضة النفس واجب أو مندوب وكان إبراهيم الخواص تعرض عليه الألوف فلا يقبلها وربما سأل من يعرف من الناس الدرهم والدرهمين لا يزيد على ذلك وأما المندوب فهو أن يسأل لغيره فهو من التعاون على البر فيسأل الطعام ليطعمه من يستحى أو يسأل اللباس أو غير ذلك وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين قدموا عليه عراة ويدخل في المندوب ما كان لرياضة النفوس حيث لم يخف عليه كما تقدم وأما المكروه فهو أن يسأل لقوت البشرية مع القدرة على الاستغناء عنه بسبب من الأسباب وهذا ما لم ينقطع للبادة ويتجرد إلى الذكر وأما المنقطع إلى الله فلا بأس به وقد فعله كثير من العارفين المحققين فقد كان أبو جعفر الحداد وهو شيخ الجنيد يسأل لقوت البشرية مع القدرة على الاستغناء عنه بسبب من الأسباب وهذا ما لم ينقطع للعبادة ويتجرد إلى الذكر وأما المنقطع إلى الله فلا بأس به وقد فعله كثير من العارفين المحققين فقد كان أبو جعفر الحداد وهو شيخ الجنيد يسأل بابا أو ما بين أو ثلاثاً بين العشاءين فكانت العامة تتعجب منه أولا ثم عرف بذلك فكان لا يعييبه عليه العامة ولا الخاصة مع جلالة قدره وعلو معرفته بربه وكان الشيخ أبو سعيد الخراز إذا اشتدت به الفاقة يمد يده ويقول من عنده شيء لله وكان إبراهيم بن أدهم معتكفاً بجامع البصرة ولا يفطر إلا م ثلاثة أيام إلى ثلاثة أيام يخرج بعد صلاة المغرب يطلب على الأبواب فطره وكان سفيان الثمري رضي الله عنه يسأل الطعام لله فإن فتح بكثير أخذ كفايته وترك آخر وأكثر الرجال على هذه الحال قطعوا الدنيا الفانية لتأثيرهم الآخرى الباقية وكل ذلك لا يقدح بشريعة ولا حقيقة ولا يطفئ نور المعرفة وقد أشار ابن البناء إلى هذين القسمين أعنى المندوب والمكروه فقال وكرهوا سؤال لـنـفـسـه
    ثم أباحوا لأجل جـنـسـه ولم يعـدوه مـن الـسـؤال
    لكن من العون على الأعمال إذ كان خير الخلق في أترابه
    يسأل أحياناً إلى أصحـابـهوأما المباح فهو أن يسأل لحاجته الغير ضرورية كسؤاله لقضاء دينه أو ما يزيد على ستر عورته وسد رمقه أو غير ذلك مما ليس بضرورة لكنه حاجي أي محتاج إليه وأما المحرم فهو أن يسأل تكثروا أو زيادة على ما يكفيه وفي الحديث من له أربعون درهماً فالسؤال عليه حرام وفيه ورد الحديث أنه يبعث يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ومن المحرم أيضاً ما فيه الحاح وإضرار بالمسؤل قال تعالى لا يسئلون الناس الحافا قلت وأما ما يفعله بعض أصحابنا من صورة الالحاح بنا فإنما قصدهم بذلك قتل نفوسهم بما يسمعون من المسؤل في جانبهم ولا يفعلونه الامع من يعرف عندهم بالانكار فيستخرجون نه الجلال اختبارا لأنفسهم وقد يقصدون بذلك تحقيق الاخلاص وسترا للحال فيظهرون الرغبة وهم من أزهد الناس تحقيقاً للاكتفاء بعلم الله وما كان ذلك إلا في حال قوتهم وجذبهم فالسكر غالب عليهم هذا ما حققته منهم وقد انقطع ذلك كله اليوم فما بقي إلا أهل الصفاء وأهل الوفاء وسبب دخول السؤال في هذه الظائفة أن شيخ شيوخنا سيدي على الجمل العمراني رضي الله عنه كان له جاه ووزارة ورياسة في فاس فلما دخل في يد الشيخ وأى صدقة وجده قال له أري لك خمرة لم يقدر عليها أحد قبلك ولولا ما رأيت فيك من الصدق والجد ما دللتك عليها قال وما هي يا سيدي فقال السوق للسؤال هكذا سمعته من بعض الأخوان والذي رأيته في كتابه أنه قال له يا ولدي أراك تطلب هذا العلم ولا تنال منه ما تريد إلا بالذل فدخل فيه وسكن إلى مماته فلما ذاق سره وأي ما فيه من الأسرار وما يقطع به المريد في سيره من المفاوز والقفاز سير أصحابه عليه ودلهم على استعماله فكان أصل مشرعيته قتل النفوس لا قبض الفلوس فمن استعمله لتقل النفوس ولج حضرة القدوس إذ ما حجبنا عنها الاحياء النفوس ومن استعمله لقبض الفلوس نال الشقاء والبؤس وينبغي أن يكون في حال السؤال يده مشيرة إلى الخلق وقلبه معلق بالحق قال في المباحث وآدب الصوفي عند المسئلة
    أن يدخل السوق إليه يسئله لسانه يشير نحو الخـلـق
    وقلبه معلـق بـالـحـق

  15. #35
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    وقد ذكر ابن ليون التجيبي السؤال وبين أصله وذكر مسئلة الزنبيل وكيفيته أن يتوضأ الرجل ويصلي ركعتين ويأخذ الزنبيل يعني وعاء بيده اليمنى ويخرج إلى السوق ومعه رجل آخر يذكر الله ويذكر الناس والناس يعطونه في ذلك الزنبيل حتى يجمع ما تيسر من الطعام ويصبه بين الفقراء فيأكلون طعاماً حلالا بلا تكلف ولا كلفة هذا ما تيسر لنا في حكم السؤال والذي يظهر لنا ن تركه اليوم أحسن من استعماله إذ زالت هيبته وصار حرفة من الحرف فصارت نفس كثير من الفقراء تبطش إله وما ذلك إلا لما فيه من الحظ عندها والله تعالى أعلم وأما ما يأخذه من السؤال فإن كان فقيراً إليه أخذه وأن كان غنياً عنه تصدق به خفية بالليل مثلا وكان شيخ شيخنا رضي الله عنه يقول كان قصدنا من السؤال قوت الأرواح فلما خرج منه قوت الأشباح تبارك الله يعني فيأخذ من اضطر إليه وبالله التوفيق وهذه الحكمة التي ذكرها الشيخ هي من أعظم المهمات التي يحتاج إليها أهل التجريد وليس مقصوده الكلام على السؤال إنما مقصوده الدلالة على تربية اليقين وعدم التشوف إلى المخلوقين فلا يعلق قلبه بالمخلوق فإن تشوف إليه فينبغي ألا يقبض ما يعطاه ولا يمد يده إللا الأخذ منه حتى يرى أن المعطي هو الله ويكون ذلك ذوقاً وحالا قلت وهذا الشرط إنما هو فيما يأخذ بغير سؤال وأما في حال السؤال فلا يشترط بل يكون علماً ومجاهدة حتى يصير حالا وذوقاً وأما ما يأخذ بغير سؤال فلا بد من هذه المعرفة وقال شيخ شيخنا لا تشترط هذه المعرفة بل يكفيه العلم فيها وهو الأصح ما لم تتشوف نفسه إلى الخلق فإن تشوفت نفسه فلكيف عن القبض من الخلق وليكتف بضمان الملك الحق قال تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها قيل لبعضهم كيف خرجت من الدنيا بعد أن كانت في يدك قال نظرت منصفا لنفسي في معنى قوله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فرأيت جميع الخلق من البعوضة إلى الفيل تكفل الله لهم بالرزق ففوضت أمري إليه واشغلت بالعبادة وقال عيسى عليه السلام لا تهتموا بالرزق فإن الذرة على صغرها تؤتى كل يوم برزقها الحديث وقال أيضاً عليه السلام عجبت لمن يعمل للدنيا وهو يرزق فيها بلا عمل ولا يعلم للآخرة وهو لا يرزق فيها إلا بالعمل وقال صلى الله عليه وسلم من كان همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كان همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له وأن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه العبد كما يطلبه وكان يحيي بن معاذ يقسم أنه لا تسكن الحكمة قلباً فيه ثلاث خصال هم الرزق وحسد الخلق وحب الجاه وكان حبيب العجمي يخدم الحسن البصري فصنع حبيب طعاماً لإفطارهما وإذا بسائل فأعطاه جميعه فقال الحسن يا حبيب إنك كثير اليقين قليل العلم فهلا أعطيته النصف ونتقوت بالنصف فقال يا سيدي ثوابه لك وأنا أستغفر الله فلما جن الليل وإذا بقارع على الباب فخرج حبيب فوجد عبدا معه طعام كثير والشتاء ينزل والغلام يبكي فقال له ما هذا قال طعام قال لي سيدي أن قبله منك الحسن البصري فأنت حر لوجه الله وقد طال علي الرق فقال حبيب لا إله إلا الله عتق رقبة واطعام جائع ثم دخل به على الحسن وقال يا سيدي إنك كثير العلم قليل اليقين فقال يا حبيب تقدمناك وسبقتنا اه قلت ولشيخ شيخنا مثل هذه الحكاية ذكرها لي بعض أصحابه ثم سألته عنها فقال هي صحيحة وذلك أن أهله صنعوا طعاما جيداً فلما وصعوه بين أيديهم وإذا بإنسان قد وقف على في عالم النوم وزجرني وقال لي أجب الملهوف فانتبهت وأنا مذعور ولم أدر ما أصنع فأوقع الله في قلبي ا، أخذت صرة فيها مائة دينار وركبت دابة وأطلقت زمامها فخرجت بي من العمران إلى مسجد خرب ووقفت فنزلت ودخلت المسجد فوجدت مسكيناً وهو يتضرع إلى الله ويسئله من فضله فسألته عن حاله فقال أنا صاحب عيال ولي بنيات منذ ثلاث ما طعموا فأنا اسئل الله من فضله فدفعت له المائة وقلت له إذا نفذت فاسئل عني فأنا فلان وائتني فقال لا واللهي ما اسئل غير الله ثم انصرفت وأنا متعجب من ثقته بالله تعالى فهذه حكاية جنود من جنود الله تعالى تقوى اليقين وتوجب الثقة برب العالمين فيستحي العبد من الله أن يرفع حاجتة إليه فأولى أن يرفعها إلى كما بين ذلك بقوله ربما استحي العارف أن يرفع حاجته إلى مولاه اكتفاه بمشيئته فكيف لا يستحيي أن يرفعها إلى خليقته قلت العارف هو الذي بلغ من التقرب والقرب حي امتحق عن نفسه بالكلية وزالت عنه الأينية والغيرية بحيث لم يبق له عن نفسه إخبار ولا مع غير مولاة قرار فإذا أراد أن يسأل عبودية استحي من مولاه أن يثبت معه سواه اكتفاء بمشيئته وتحقيقاً لأحديته فإذا كان يستحي من مولاه أن يرفع حوائجه إليه فكيف لا يستحي منه أن يرفعها إلى غيره فلا جرم أن الحق سبحانه بعطيه أفضل ما يعطي السائلين ويبوؤه في مقعد صدق مع النبيين والصديقين وقد تقدم الحديث من شغله ذكري الخ وقال سهل بن عبد الله ما من وقت إلا والله تعالى مطلع فيه على قلوب عباده فأي قلب رأى فيه حاجة إلى سواه سلط عليه الشيطان وحجبه عنه اه وقيل للواسطي لم لا يسئل الله شيئاً فقال أخشى أن يقال لي أن سألتنا الذي لك عننا فقد أتهمتنا وأن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسأت الأدب معنا وان سلمت الأمر لنا ونظرت بنظرنا أجرينا لك الأمور على مقتضى الموافقة اه هذا آخر الباب الموفي عشرين وحاصلها الكلام علي الكرامات في الولى فاض بالحكم وأذن له في التعبير فحينئذ ربما يقبل عليه الخلق بالعطاء فإذا عرف فيهم مولاه حل له الأخذ من أيديهم وإلا فلا وأما السؤال منهم لقوت البشرية فلا يتصور من العارفين استحياء من الله واكتفاء بعلمه ومشيئته هذا مقام الواصلين وأما السائرون فهم عاملون على مجاهدة نفوسهم فإن ثقل عليها السؤال قدموها إليه وأن ثقل عليها الفاقة والصبر والاكتفاء بالمشيئة والعلم قدموه كما بين ذلك الشيخ رضي الله عنه في أول الباب الحادي والعشرين بقوله وقال رضي الله عنه إذا التبس عليك أمر أن فانظر أثقلهما على النفس فاتبعه فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقاً قلت هذا ميزان صحيح في حق السائرين المشتغلين بالجهاد الأكبر قال تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده وقال والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا فكل ما يثقل على نفسه المريد وتنفر المريد وتنفر منه فهو حق فالواجب على المريد اتباعه وكل ما يخف عليها فهو باطل وفيه حظها فالواجب عليه اجتنابه وهذا الأمر يختلف اختلافاً كثيراً قرب نفس يثقل عليها غير ما يثقل على الأخرى فبعضها يثقل عليها الصمت وبعضها يثقل عليها الكلام كما إذا تربى في الصمت وبعضها يثقل عليها العزلة وبعضها يثقل عليها الخلطة وبعضها يثقل عليها الصيام وبعضها الفطر ويعضها يثقل عليها السؤال وتموت منه في ساعة واحدة وبعضها يخف عليها كما إذا تعودته قبل الأمر به وقس على ذلك فليكن العبد على نفسه بصيرة ويصير معها على عكس مرادها هكذا يستمر معها يخالفها فيما تأمره ويتهمها فيما تستحسنه فإذا تزكت وتطهرت من الحس ولم يبق فيها بقية فحينئذ يجب عليه موافقتها إذ لا يتجلى فيها حينئذ إلا الحق فقد جاء الحق وزهق الباطل فيصير أمر العارف معكوساً مع السائر فالسائر بضره التدبير والاختيار والعارف ينفعه والسائر تضره الخلطة والعارف تنفعه السائر يضره الكلام والعارف ينفعه السائر تضره الدنيا ويهرب منها والعارف غائب عنها لا تضره وربما تنفعه والحاصل أن الواصل معكوس مع السائر في أموره كلها وبالله التوفيق ويجب على من أراد جهاد نفسه أن يلقيها إلى شيخ التربية إذ قد يلتبس عليه أمرها وعلى فرض علمه بما يثقل عليها لا قدرة له على مجاهدتها إلا بهمة الشيخ هذه سنة الله في عباده فغن النفس لا تريد أن تخرج عن رأيها ومرادها أبدا فالواجب إسلامها إلى من مجاهدتها إلا بهمة الشيخ هذه سنة الله في عباده فإن النفس لا تريد أن تخرج عن رأيها وماردها أبداً فالواجب إسلامها إلى من يعينه عليها وانظر التكاليف الشرعية تجدها مخالفة لهوى النفس ومن لا يلقى قيادة للشرع فهو كافر وما كفر من كفر إلا بتتبع الأهواء والله تعالى أعلم وهاهنا ميزان آخر تعرف به العمل الذي فيه حظ النفس وهواها وما لاحظ لها فيه هو أن تعرض عليها الموت وأنت في ذلك العمل فإن رضيت بالموت وهي في ذلك العمل فالعمل صحيح وإن لم ترض بالموت وهي في ذلك العمل فالعمل باطل فكل عمل لا تهزمه الموت فهو صحيح وكل عمل تهزمه الموت فهو باطن يعني فيه الهوى والظ وكذلك الإنسان يزن نفسه بهذا الميزان ليعرف هل رحل من هذا العالم أو هو باق فيعرض الموت على نفسه في حال عافية وجمال فإذا قبلت الموت ولم تفز منه فليعلم أنه رحل من هذا العالم وإن لم تقبل نفسه الموت وطلبت البقاء ففيه بقية بقدر ما تفر منها وبالله التوفيق ثم ذكر الشيخ ميزاناً آخر يعرف بع ابتاع الهوى من الحق فقال من علامة اتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات والتكاسل عن القيام بالواجبات قلت هذا ميزان آخر وإن شئت قلت هو داخل في الميزان الأول إذ من شأن النفس أن يثقل عليها الواجب لمشاركة الناس لها فيه إذ جل الناس يفعلونته فلا يظهر لها فيه مزية على غيرها وهي أبدا تحب الخصوصية بخلاف النوافل فإنها تبطش إليها وتحب أن تنفرد بها إما لطلب المدح والثناء وأما لطلب الأجور من القصور والحور وهذا كله عند المحققين من الحظوظ الجلية أو الخفية فالمسارعة إلى نوافل الخيرات وفضائل الطابعات مع التكاسل عن الفروض الواجبات من علامة الهوى فيجب على الإنسان أن يقدم الفرض الواجب ولا يقدم عليه إلا ما هو من كماله كالنوافل قبله وبعده إعانة على الحضور فيه فأن حصل الحضور استغنى عن الوسيلة والنافلة الكبرى عندنا هو الاستغراق في مشاهدة مولاه بين فكرة ونظرة أو ما يوصل إلى هذا المقام من مذاكرة أو ذكر ومن رفض الدنيا بحذافيرها وغاب عن نفسه وجنسه فقد جمع الفرائض والنوافل كلها ولو بات نائماً وظل مفطراً وفي بعض أخبار سيدنا داوود عليه السلام قال يا رب أين أجدك فقال له اترك نفسك وتعالى أي غب عنها تجدني أقرب إليك منها وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه عليك بورد واحد وهو إسقاط الهوى ومحبة الملى وبالله التوفيق ولما كان من شأن النفس الأمارة التكاسل عن الطابعات قيدها الحق تعالى بأعيان الأوقات كما أبان ذلك بقوله قيد الطابعات بأعيان الأوقات لئلا يمنعك عنها وجود التسويف ووسع عليك الوقت ليبقى لك حصة الاختيار قلت من شأن النفس تسويف العمل وتطويل الأمل فلو تركت مع اختيارها ما توجهت قط إلى ربها ولما علم الحق سبحانه أن من عباده من لا تنهضه المحبة ولا يسوقه إليه مجرد الرغبة وإنما تسوقه إليه سلاسل الإمتحان بتخويف النيران أو شبكة الطمع بنعيم الجنان أوعد من حاد عن طاعته بالعذاب الأليم ووعد من أطاعه وتقرب إليه بالنعيم المقيم ثم فرض عليهم ما تظهر فيه طاعته من الأحكام والفرائض وعين لها أوقاتاً مخصوصة إذ لو ترك ذلك لاختيار عباده ما أقبل عليه بها إلا القليل من أهل محبته ووداده ومن رحمته تعالى أن وسع عليهم في تلك الأوقات فبقي لهم في ذلك ضرب من الاختيار فوسع الظهر مثلا إلى العصر والعصر إلى الاصفرار والمغرب إلى العشاء والعشاء إلى نصف الليل والصبح إلى قول الطلوع فقد قيد لك أيها العبد الطابعات التي أوجبها عليك بأعيان الأوقات لئلا بمنعك التسويف من فعلها فيؤدي ذلك بك إلى تركها ووسع عليك الوقت ليبقى لك حصة أي ضربا ونصيباً من الاختيار إذ لو ضيق عليك الوقت لكان ذلك في غاية الحرج والاضطرار فالحمد لله على منته وسعة رحمته وقد قيل إن سبحانه يقول لعبده أم أخرجك من العدم إلى الوجود وأمدك الفضل والجود جعلت لك نوراً في بصرك لتدرك به أدلة قدرتي وعظيم آياتي وجعلت لك نورا في بصيرتك لفتهم به خطابي وتتقي بالطاعة عقابي وترجو ثوابي فوعدتك الثواب على الطاعة وأوعدتك العقاب على المخالفة ثم كلفتك من العمل ما تطبق ووسعت عليك في الأوقات كل ضيق فلو أنك قضيت ما أوجبت عليك في أول عمرك في آخره لقبلته منك فمن ذا الذي منعك من الامتثال ولم يكن بك عذر غير الغواية والضلال اه وقد قيل في المثل من طلب جاب ومن هاب خاب وانظر قرن الله الهداية بالمجاهدة وأوجب سبحانه على نفسه ما لم يجي عليه فقال سبحانه وهو أصدق القائلين والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وأن الله لمع المحسنين وانشدوا في هذا المعنى
    لو صح منك الهوى أرشدت للجبل
    والصدق سيف ينيل غاية الأمـل فكن أخا همة تسمو بصاحبـهـا
    ولا تكن بالتواني محبط العمـل وكان الربيع بن خيثم يردد هذه الآية ويبكي قوله تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية وكان يصيح ليت شعري من أي الفريقين أنت يا نفسي وهذه الآية تسمى مبكية العابدين وقال سهل رضي الله عنه في معنى هذه الآية ليس أهل الموافقة في مقعد صدق عند مليك مقدتر وأهل المخالفة في عذاب السعير اه ولما ذكر حكمة توقيت الطاعة ذكر حكمة إيجابها على عباده فقال علم نهوض العباد أوجب عليك وجود طاعته وما أوجب عليك إلا دخول جنته قلت هذه حكمة التشريع لكنه ما ذكر إلا حكمة أهل وقال أيضاً وقليل ما هم فلما علم ذلك أوجب عليهم طاعته وأوعدهم على تركها بالعقوبة فساقهم إليه بسلاسل الإيجاب ثم ذكر الشيخ حديثاً ورد في شأن الاساري إشارة إلى أن العبد لا اختيار له فهو أسير في يد قدرة القدير والحديث مشهور وهو قوله عليه السلام عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل لأنه عليه السلام كان يدعو إلى الله وإلى دخول حضرته فمن وافقه نجا ومن خالفه جعل له السلسة في عنقه وساقه إلى حضرة ربه ولفظ الحديث عجب الله من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل قال بعض العلماء يجوز أن يكون معنى التعجب المنسوب إلى الله إظهار عجب هذا الأمر لحلقه لأنه بديع الشأن وهو أن الجنة التي أخبر الله بما فيها من النعيم المقيم والخلود في العيش الرغد الدائم ومن حكم من سمع بها من ذوي العقل أن يسارع إليها ويبذل جهده فيها ويحتمل المكاره والمشقات ليناً لها هؤلاء يفرون منها ويرغبون عنها حتى يقادوا إليها بالسلاسل كما يقاد إلى المكاره العظيمة التي تنفر منها الطباع اه ثم أن الحق سبحانه غني عن الانتفاع بالمنافع فما أمرك بهذا ونهاك عن هذا إلا المالك فيه من جلب المنافع ودفع المضار أوجب عليك وجود طاعته وما أوجب عليك إلا دخول جنته قال بعض الحكماء واعلم أن في الطابعات تفاوتاً ودرجات وفي المخالفة كبائر ودركات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة ليتراءون الغرف من فوقهم كما يرى أهل الأرض الكوكب الدري في أفق السماء قيل يا رسول الله تلك منازل الأنبياء قال والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وقال آخر الناس ثلاثة عبد أطاع الله عبودية وشكراً وامتثالاً وقياماً بحق الخدمة فزاده الوجوب شرفاً وعلو درجة وعبد أطاع الله تعظيماً للموجب فالوجوب في حقه تنبيه وإظهار للحكمة وعبد أطاع الله خوفاً من عذابه ورجاء في ثوابه ولولا ذلك ما عبده فالوجوب في حقه تنبيه وإظهار للحكمة وعبد أطاع الله خوفاً من عذابه ورجاء في ثوابه ولولا ذلك ما عبده فالوجوب في حقه لطيف به وفي الكل خير وشتان ما بينهما اه قلت والتحقيق إنما هما قسمان قسم أطاع على التكليف وهم أهل التكثيف وقسم أطاع على التعظيم وهم أهل التعليم والترعيف أهل الحجاب أطاعوا خوفاً وطمعاً وأهل العيان أطاعوا حباً وشكراً وهو مقام الأنبياء وخواص الأولياء قال عليه السلام أفلا أكون عبداً شكوراً فالحكمة عند أهل الباطن في وجوب الخدمة إنما هي إظهار لستر الربوبية التي هي مظاهر العبودية فالربوبية بلا عبودية نقص يلزم عليه أبطال حكمته والعبودية بلا ربوبية محال لا يتصور وجوده من لا وجود لذاته من ذاته
    فوجوده لولاه عين محال ولأجل هذا المعنى كان العارفون إذا تحققوا هذا السر وهو أن العبودية لا وجود لها من ذاتها وإنما حكمة وجودها صور سر الربوبية بإظهار أحكام العبودية وعرفوا ذلك حالاً وذوقاً كانت عبادتهم شكراً وكانوا محمولين غير حاملين عملهم بالله لله فعبادة هؤلاء كثيرة عظيمة في المعنى وإن كانت قليلة في الحس ولا تقل أبداً إذ تصرفتهم كلها عبادة نومهم عبادة وأكلهم عبادة ومشيهم عبادة وفي مثل هؤلاء ورد الحديث نوم العالم عبادة وقال أيضاً رجال يدخلون الجنة على الفرش الممهدة قيل من هم يا رسول الله قال الذاكرون الله كثراً أو كما قال عليه السلام ذكره المنذري وقال أبو سليمان قد يرد العارف على فراشه ما لا يدركه في صلاته ولا يستغرب العبد من نفسه بلوغ هذا المقام فإن فضل الله لا ينال بسبب وقدرة الله صالحة لدرك كل مطلب كما أبان ذلك بقوله من استرغب أن ينقذ الله من شهوته وأن، يخرجه من وجود غفلته فقد استعجز القدرة الإلهية وكان الله على كل شيء مقتدرا قلت لا شك أن الحق تعالى لا يعجزه شيء هو الغالب على أمره وقلوب عباده بيده يصرفها كيف شاء ويقبلها حيث شاء فمن كان منهمكاً في الغفلة مستغرقاً في بحار الشوة فلا يستغرب أن ينقذه الله من غفلته وأن يخرجه من وجود شهوته فإن ذلك قدح في إيمانه وكيف يستغرب ذلك وربنا تعالى يقول وكان الله على كل شيء مقتدرا وأنت من ذلك الشيء وقال تعالى في حق العصاة يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله أن الله يغفر الذنوب جيمعاً وقال تعالى فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إلى غير ذلك من الآيات وقال عليه السلام لو أذنتم حتى تبلغ خطاياكم عنان السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم وليتذكر من تقدم قبله من أهل الغفلة والعصيان ثم صار من أهل المشاهدة والعيان كانوا لصوصاً فصاروا خصوصاً كإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وأبي يعزى وكثير ممن يتعذر حصره وقد ذكر القشيري في أول رسالته منهم رجالاً قدمهم أولا تقوية لرجاء المذنبين وليذكر الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم سأل راهباً عن التوبة فقال له لا توبة لك فكمل به المائة ثم سأل عالماً فدله على التوبة وأمره بالذهاب إلى قرية فيها قوم يعبدون الله فصدقهم فمات بالطريق فأخذته ملائكة الرحمة والحديث في البخاري مطولا وكذلك الرجل الذي كان لصاً فسأل عابداً هل له من توبة فاستهزأ به وأخذ ترجونا يابساً وقال له خذ هذا العرجون فإذا أخضر فقد صحت توبتك فأخذه بالنية وجعل يعبد الله وينظر إليه فأصبح ذات يوم معسلجاً أخضر قلت وقد أدركت أقواماً كانوا مغروقين في الغفلة وترك الصلاة لا يعرفون من الدين المشهور قليلا ولا كثيراً فضلا عن طريق الخصوص فانقلبوا وصاروا خصوصا عافين وقد أدركت أقواماً كانوا منهمكين في الذنوب مغروقين في المعاصي وظلم العباد فصاروا من اعظم الصالحين وقد رأيت نصارى بثغر سبته حضروا خلف حلقه الذكر فانجذبوا وتبعونا حتى خرجنا الحد الذي بيننا وبينهم ولو وجدوا سبيلاً لا سلموا سريعاً وقد كان بعض إخواننا يقول في شأن نفسه تعجباً من خروجه من غفلته هذا مدفع النخاس المدبر من عنده شيء فليخرجه فلقد رأينه مجذوباً عارياً رأسه حافيا رجله فهو اليوم من خواص الأولياء والغالب إنما يتفق هذا لمن سيقط على صحبة العارفين الذين عندهم الاكسيروهم موجودون في كل أوان وهذا أمر شهير لا يحتاج إلى دليل ومن شك فليشاهد فيا عجبا ممن ينكر ضوء الشمس بعد طلوعها ونور القمر بعد ظهوره ولكن كما قال صاحب البردة قد تنكر الهين ضوء الشمس من رمد
    وينكر الفم طعم الماء مـن سـقـم
    ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا وأعجب منه من ينكر وجود شيخ التربية ويقر بانقطاع أهل الخصوصية فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور أعني تعمى عن طريق أهل الخصوص وتبصر طريق أهل العموم كحال الخفاش يبصر في الظلمة ولا يبصر في النور فهو عند الناس معذور لعقده ما عند الأقوياء من النور وقد يسلط الله على عباده الانهماك في الشهوات ويحبسه في سجن الغفلات ثم يمن عليه بالتوبة والتيقظ من الغفلة ويدخله مع أجبائه مداخل الحضرة ليعرف قدر ما أظهر الله عليه من المنة كما أبان ذلك بقوفله ربما وردت الظلم عليك ليعرفك قدر ما من به عليك قلت لا شك أن نيل الشيء بعد الطلب ألذ واعز من المساق بغير تعب والمحبة بعد القطيعة أحلى من المحبة بلا قطيعة والصفاء بعد الجفاء أصفى من الصفاء بلا جفاء وفطام النفس عن مألوفاتها وعوائدها أشد معالجة من النفس السلسة المنقادة من غير تعب فيكون الأجر أو القدر على قدر التعب فهذه حكمة تقديم ورود الغفلة والشهورة على العبد ثم ينقذه منها ليعلم قدر هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه فربما أورد عليك أيها الإنسان الحق تعالى الظلم جمع ظلمة وهي الاغيار والاكدار وحب الشهوات والعوائد فتغرق في بحارها وتسجن في سجون ظلماتها ثم ينقذك منها في ساعة واحدة وذلك لتعرف بعد الفتح قدر ما من الله به عليك فتزداد محبة وسكراً وبعظم السر عندك محلا وقدرا لنعمة التي من الله بها عليهم وكذلك جنة العارف محفوفة بالمكاره ليعرف العارف قدر السر الذي كشف بع الخير الذي منحه الله إياه والعم أن هذه الظلم التي ترد على القلوب فتحجبه عن علام الغيوب هي ناشئة بحكمه الله من الدنيا والنفس والشيطان فمن زهد في الدنيا وغاب عن نفسه وأطلق يده منها ذكر الله حتى حترق الشيطان وذاب دخل مع الأحباب وفتح له عن علم الغيوب الباب قال بعض الحكماء واعلم أن الصانع البديع سبحانه لما خلق القلب جعله جزانة أسراره ومعدن أنواره وموضع نظره من عبده ولم يخلق الله في الوجود أشرف منه ثم رمي على باب القلب أخس الأشياء وأقذرها لتقضي حكمته اجتماع الأضداد التي لا قدرة لغيره على ذلك فطرح على باب القلب جيفة وكلبا ينهش فيها وهما الدنيا والشيطان فمن أراد الخول لخزانة سر الله لا بد له من تغميض عينه عن هذه القذرة وإعراضه عن الكلب لأنه لا سبيل له على من أعرض عنه وعن جيفته وكل من التفت غليها سلب النور الذي أراد الله به الدخول لبيت قلبه وكان له ذلك كالظلسم على الكنز منعه منه لا محالة اه وقيل أن الدنيا بنت الشيطان وطالب الدينا صهر إبليس والأب لا ينفك عن بنته أبدا ما دامت البنت في عصمة الصهر وقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله بعبده خيرا زهدة في الدنيا ورغبة في الأخرى وبصره بعويب نفسه قيل يا رسول الله أى الناس شر قال الأغنياء يعني البخلاء ثم قال عليه السلام ومن عظم غنياً لأجل غناه كان عند الله كعابد وثن ومن أسف على دنيا فاتته اقترب من النار مسيرة سنة اه وأوحى الله غلى موسى عليه السلام ما أحبني من أحل المال وما أحبني من أحب المال وما أحبني من أحب الدنيا فإنه لا يسع في قلب واحد حبى وحبها أبدا يا موسى ما خافني من خاف الخلق وما توكل على من خاف فوات الرزق وعزتي وجلالي ما توكل على عبد إلا كفيته وبيدي مفاتح الملك والملكوت وما اعتصم بي عبد إلا أدخلته الجنة وكفيته كل مهمة ومن اعتصم بغيري قطع عنه الأسباب من فوقه واسخت الأرض من تحته ولا أبالي كيف أهلكته يا موسى خمس كلمات ختمت لك بها التوارة أن عملت بهن نفعك العلم كله والألم ينفعك شيء منه الأولى كن واثقاً برزقى المضمون لك ما دامت خزانتي مملوءة وخزائني مملوءة لا تنفد أبداً الثانية لا تخافن ذا سلطان ما دام سلطاني وسلطاني دائم لا يزول أبداً الثالثة لا ترى عيب غيرك ما دام فيك عيب والعبد لا يخلو من عيب أبداً الرابعة لا تدع محاربة الشيطان ما دام روحك في جسدك فإنه لا يدع محاربتك أبداً الخامسة لا تأمن مكري حتى ترى نفسك في الجنة وفي الجنة أصاب آدم ما أصاب فلا تأمن مكري أبداً اه قلت وهذا كله تشريع لغيره والأنبياء كلهم مطهرون معصومون وكل ما ورد فيهم من التعليم والتربية فالمراد به غيرهم وبالله التوفيق ثم من من الله عليه فأخرجه من أسر نفسه وأطلقه من سجن غفلته فلم يعرف هذه النعمة سلبها من ساعته كما أشار إلى ذلك بقوله من لم يعرف قدر النعم بوجدانها عرفها بوجود فقدانها قلت هذا الذي ذكره الشيخ مجرب صحيح وذلك أن العبد قد تترادف عليه النعم والعوافي فلا يعرف قدرها ولا تعظم عنده كل التعظيم فإذا سلبها وضرب بالبلاء والأوجاع والمصائب فحينئذ يعرف قدر العافية وكذلك الفقير يكون مصحوباً بالحضور والفكرة والنظرة فلا يعظم عنده قدرها فإذا أصابته الغفلة ورجع إلى الحس وفقد قلبه عرف ما كان عنده فإذا التجأ واضطر إلى الله رد غليه ما سلبه قيل أن الله تعالى يقول لجبريل يا جبريل انسخ حلاوة محبتي من قلب عبدي اختبره فينسخ جبريل حلاوة المحبة من قلب ذلك العبد فإذا هو اضطرب وتضرع لم يرد إليه شيئا وسلبه تلك الحلاوة والعياذ بالله من السلب بعد العطاء ويستعين العبد على معرفة قدر النعم بالتفكير فيها وبالتفكير في حال مرضه وينظر إذا كان طائعاً في حال عصيانه وينظر إذا كان ذاكرا إلى وقت غفلته وينظر إذا كان عالماً إلى وقت جهله وبنظر إذا كان مصاحباً لشيخ عارف إلى وقت ضلالته وينظر إذا كان عارفاً إلى وقت جالته وهكذا كل نعمة ينظر إلى وجود ضدها الذي كان موجوداً فيه قبل ذلك فلا شك أنه يعرف قدرها فيشكرها فتدوم عليه وأما من لم يتفكر في حال النعم فلا يعرف قدرها فيغفل عن شكرها فيسلب منها وهو لا يشعر قال بعضهم شكر الله تعالى باللسان هو الاعتراف بالنعمة على وجه الخضوع وشكر الله باليد هو الاتصاف بالخدمة على وجه الاخلاص وشكر الله بالقلب هو مشاهدة المنة وحفظ الحرمة وقافل الجنيد رضي الله عنه ألا ترى نفسك أهلا للنعمة والا تعصى الله بنعمة اه فإن قلت كيف بشكر النعم وهي لا تحصي قلت القيام بها هو الاعتراف بها للمنعم وحده وإلى هذا المعني أشار الشيخ بقوله لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك فإن ذلك مما يحط من وجود قدرك قلت قد يتفكر الإنسان في نفسه وما به من النعم فيجد نفسه مغموساً في النعم حسية ومعنوية فينظر في نعمة البصر في نعمة السمع في نعمة الشم في نعمة الذوق في نعمة الكلام في نعمة العقل في نعمة اليدين في نعمة الرجلين في نعمة الصحة والعافية وفي نعمة الكفاية في نعمة الأهل في نعمة الأولاد ثم في نعمة الهداية إلى الإسلام ثم في نعمة الأيمان ثم في نعمة الطاعة ثم في نعمة العلم ثم في نعمة من يستعين به من الأخوان ثم في النعمة الكبرى نعمة الشيخ فيما أعد الله له بعد الموت الذي لا نهاية له فإذا وجد نفسه مغمورا في النعم فلا يدهش منها ويتحقر في نفسه عن القيام بشكرها فإن الاعتراف بها ومعرفتها والإقرار بها أنها من الله بلا واسطة هو شكرها وقوله الحمد لله رب العالمين كاف في شكر اللسان ألا ترى أن الجنة هي من أعظم النعم فكان شكر أهل الجنة فيها الحمد لله رب العالمين قال تعالى وآخر دعواهم أن الحمد ببه رب العالمين وقد جاء في بعض الأخبار أن داوود عليه السلام قال يا رب كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة من نعمك ونعمتك توجب على الشكر نعمة يوجب الشكر أيضاً وهكذا وأنشد بعضهم في هذا المعنى
    إذا كان شكر الله للعبـد نـعـمة
    عليها من الله له يجب الشكـر فكيف له بالشكر والشكر نعـمة
    ولو والت الاحقاب واتصل العمر وقال آخر لك الحمد مولانا على كل نـعـمة
    ومن جملة النعماء قولى لك الحمد فلا حمد إلا أن تـمـن بـنـعـمة
    فسبحانك لا يقوى على حمدك العبد
    فأوحى الله إليه إذا عرفت أن النعم كلها مني فقد شكرتني وقد رضيت منك بذلك وفي رواية أخرى قال داود عليه السلام إلهي إن ابن أدم ليس فيه شعرة إلا وتحتها نعمة وفوقها نعمة فمن أين يكافئها فأوحى اله تعالى إليه يا داود أني أعطي الكثير وأرضي باليسير وأن شكر ذلك أن تعلم أن ما بك من نعمة فمني وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إليه أني بأرض ولقد كثرت فيها النعم ولقد أشفقت على قلبي ضعيف الشكر فكتب إليه عمراني كنت أراك أعلم بالله مما أراك أن الله تعالى لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل قال تعالى ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وقال تعالى وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً ثم قال وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأي نعمة أعظم من دخول الجنة اه ولما كان أعظم النعم وأشرفها هو دواء القلب وشفاؤه من مرض الهوى الذي قيده في سجن الغفلة وعرضه لغضب المولى نبه الشيخ على ذلك ليعرف العبد قدر هذه النعمة إذا كان شفاه الله أو يطلب من الله إخراجه من تلك النعمة إذا لم يكن شفاه الله فقال تمكن حلاة الهوى من القلب هو الداء العضال قلت حلاوة الهوى على قسمين هوى النفس وهوى القلب فهوى النفس يرجع لشهواتها الجسمانية كحلاوة المآكل والمشارب والملابي والمراكب والمناكح والمساكن وهوى القلب هو شهواته المعنوية كحب الجاه والرياسة والعز والمدح والخصوصية والكرامات وحلاوة الطابعات الحسية كمقام العباد والزهاد وحلاوة علم الحروف والرسوم فأما علاج هوى النفس فأمره قريب يمكن علاجه بالفرار من أوطان ذلك والزهد وصحبة الأخيار وأما علاج هوى القلب إذا تمكن فهو صعب وهو الداء العضال الذي أعضل الأطباء أي أعجزهم وحبسهم عن علاجه فلا يزيد الدواء إلا تمكنا وإنما يخرجه وارد إلهي بعناية سابقة بواسطة أو بغير واسطة كما أشار إلى ذلك بقوله لا يخرج الشهوة من القلب الاخوف مزعج أو شوق مقلق قلت الشهوة إذا تمكنت من القلب صعب علاجها فلا يمكن خروجها في العادة إلا بوارد قهري جلالي أو جمالي فالوارد الجلالي هو خوف مزعج فيزعجك عن شهوتك ويخرج عن وطنك وأهلك والوارد الجمالي هو شوق مقلق فيقلقك عن مراداتك وحظوظك فينسيك نفسك ويؤنسك بربك ولأجل صعوبة هذا المرض كان أشد حجابا عن الله العلماء ثم العباد ثم الزهاد لأن هذه الشهوة خفية لأن صاحبها أضله الله على علم الآية فهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً أي أضلهم عن طريق الخصوص وبقوا في طريق العموم أما العملاء الظاهريون فهم يعتقدون انه لا فضيلة فوق علمهم حتى أني سمعت من بعضهم يقول أن مقام الإحسان هو مقامهم الذي هم فيه من العمل بظاهر الكتاب والسنة ولا مقام فوق ذلك فكيف يمكن إخراج هذا إلا بعناية سابقة وأما العباد والزهاد فهم يقولون أيضاً هذه غاية المحبة والطاعة ويزيدهم بعدا ما يرونه من الكرامات الحسية فيزدادون حجابا وتمكنا في حالهم وأما العوام وأخل الغفلة فهم أقرب الناس إلى الانقياد والنفوذ إلى ربهم وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال أكثر أهل الجنة البله أي المغفلون ومما يلك على أن الشهوة القلبية اصعب من الشهوة النفسية قصة آدم والشيطان فإن آدم عليه السلام كانت شهوته في بطنه فتداركه الله بعناية والشيطان كان شهوته في قلبه قال أما خير منه فجرد إلى يوم القيامة ثم اعلم أن الخوف على قسمين خوف العوام وخوف الخواص خوف العوام من العقاب والعذاب وخوف الخواص من القطيعة والحجاب والشوق أيضاً على قسمين شوق العوام للحور والقصور وشوق الخواص للشهود والحضر شوق العوام لنعيم الأشباح وشوق الخواص لنعيم الأرواح شوق العوام ناشئ عن قوله تعالى أعد الله للمؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن وشوق الخواص ناشئ عن قوله تعالى ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم جعلنا الله من أعظمهم قدرا وأكملهم محلا وفضلا آمين بمنه وكرمه فإذا دخل الخوف أو الشوق إلى القلب أخرج كل ما فيه من الأغيار وملئ بالمعارف والأنوار فحينئذ تخلص الأعمال وتزكوا الأحوال ويقبل عليه ذوو العظمة والجلال كما أبان ذلك بقوله كم لا يحب العمل المشترك لا يحب القلب المشترك العمل المشترك لا يقبله والقلب المشترك لا يقبل عليه قلت العمل المشترك هو الذي تصحبه الحظوظ النفسانية دنيوية أو أخروية والقلب المشترك هو الذي يكون فيه حب السوى فالعمل الذي تصحبه الحظوظ مدخول المدخول غير مقبول يقول الله تعالى أنا أغنى الشكاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه والقلب الذي فيه حب شيء من السوى ملطخ بالهوى لا يليق لحضرة المولى قال تعالى وطهر بيتي للطائفين يا داود طهر لي بيتاً أسكنه ولله در الششترى حيق يقول:
    لي حبيب إنمـا هـو غـيور
    يظل في القلب كطير حذور إذا رأى شيئاً امتنع أن يزور

  16. #36
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    فمن حصن أعماله بالإخلاص استحق القبول وكان من الخواص ومن خصن قلبه من الاغيار امتلأ بالعلوم والأنوار ونبعت منه المعارف والأسرار واعلم أن العلم المشترك هو الذي يدخله ثلاث علل أما رياء أو عجب أو طلب عوض أما الرياء فهو الشرك الأصغر وقدي تقدم الحديث من عمل عملاً أشكر فيه معي غيري تركته وشريكه وفي حديث مسلم ثلاثة أول من تسعر بهم جهنم يوم القيامة فذكر القاري لغير الله والشجاع الذي يقاتل لغير الله الغني الذي يتصدق لغير الله وأما العجب فهو رؤية النفس وإسناد العمل إليها ورؤية المزية لها على الناس قال تعالى فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى قيل معناه إذا عملت عملاً فلا تقل عملت ولا تظهر عند من يعظمك لأجل علمه بذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه وقال زيد بن أسلم معنى لا تزكوا أنفسكم لا تعتقدوا أنها بارة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من الذنوب العجب قال بعض السلف لأن أبيت نائماً وأصبح نادما أحب إلي من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً وقيل لعائشة رضي الله عنها متى يكون الرجل مسيئاً قالت إذا ظن أنه محسن قيل والمعجب أعمى عن آفات نفسه وعمله والعمل إذا لم ينفقد ضاع وإنما يتفقد عمله من غلب عليه خوف الله وخوف ذنوبه ولا يريد الثناء على نفسه وحمدها وتزكيتها وربما أعجب برأيه وعقله فيستنكف عن سؤال غيره ولا يسمع نصح ناصح لنظره من سواه بنظر الاستحقار نسئل الله السلامة والعافية وأما طلب العوض والجزاء فقد تقدم مرارا الزجر عنه وإنك إن طالبته بالجزاء طالبك بسر الإخلاص ويكي المريب وجدان السلامة فكل عمل فيه بعض هذه الآفات فإن الله لا يقبله قبول الخواص وأما القلب المشترك فهو الذي يدخله ثلاث أيضاً حب الدنيا أو حب الخصوصية أو النعم الأخروية وكلها قادحة ف يالأخلاص مخرجة عن درجة التوحيد الخاص وبالله التوفيق هذا آخر الباب الجاري والعشرين وحاصلها ذكر ميزان الأعمال والأخوال الصحيحة والسقيمة حاصل هذا الميزان كل ما يثقل على النفس فهو صحيح وكل ما يخف عليها فهو سقيم ومن جملة ما يثقل عليها القيام بالفرض الواجب دون النوافل فإنها تخف فيها فلما علم الحق سبحانه ذلك منها قيد الفرائض بأوقات معلومة كي لا يمنعها التسويف لأن جل النفوس يقل نهوضها عليها إلى حضرة القدوس وليس للحق سبحانه غرض فيما فرض وإنما ساقهم إلى جنته بسلاسل امتحانه فمن غلبته نفسه على النهوض إلى الطاعة وأسرته شهوته عن اللحوق بالسباق فلا يستغرب أن ينقذه الله منها فإن قدرة القادر كلمح البصر أو أقرب وربما تكون تلك الشهوة أو الغفلة في حقك نعمة وذلك لتعرف منه الله عليك حين ينقذك منها فإن كثيراً ممن أنعم الله عليهم لم يعرفوا قدرها فسلبوا منها فإذا أنعم عليك بإنقاذك من نفسك والحاقك بخواص جنسك فانغمست في النعم فلا تندهش عن شكرها فاقرارك بالمنعم قيام بشكرها فإذا رأيت من حبسته نفسه وتمكن داء الهوى من قلبه فالعم أن ذاك هو الداء العضال فلا يخرجه منه إلا خوف مزعج أو شوق مقلق فإذا أزعجه الخوف أو الشوق تفرغ قلبه وخلص عمله فيقبل الله عليه فإذا أقبل عليه ملأه بالأنوار فمنها ما يصل إلى سويداء قلبه ومنها ما يقف على ظاهر قلبه كما أبان ذلك بقوله في أول الباب الثاني والعشرين وقال رضي الله عنه أنوار أذن لها في الوصول وأنوار أذن لها في الدخول قلت أما الأنوار التي أذن لها في الوصول فهي أنوار الإيمان وهي لأهل الدليل والبرهان لأن قلوبهم لم تتفرغ من الأغيار ولم تمح منها صور الآثار فلما جاءت وجدت داخل القلب مملوءاً بصور الآثار فوقفت في ظاهر القلب وأما الأنوار التي أذن لها في الدخول فهي أنوار الإحسان من الشهود والعيان وذلك لأنهم لما فرغوا قلوبهم مما سوى ربهم دخلتها الأنوار فوجدت متسعاً فسكنت سويداء قلوبهم وعلامة النور الواصل والداخل أن صاحب النور الواصل للظاهر فقط تراه تارة مع الدنيا وتارة مع الآخرة تارة مع حظ نفسه وتارة في حق ربه تارة مع الغفلة وتارة مع اليقظة وصاحب النور الداخل لسويداء القلوب لا تراه إلا مع ربه لا يشغله عنه حظوظ الدنيا ولا حظوظ الآخرة غائباً عن نفسه حاضراً مع ربه قال بعض الحكماء أن الإيمان إذا كان في ظاهر القلب كان العبد محباً لآخرته ودنياه فيكون صاحبه تارة مع ربه وتارة مع نفسه وبقدر تمكن النور في القلب ودخوله إليه يكون بغض العبد للدنيا وتركه لهواه اه وفي هذا المعنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم النور إذا دخل القلب انفسخ وانشرح قيل فهل له من علامة يا رسول الله قال نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والتزويد لسكنى القبور والتأهب ليوم النشور اه ثم اعلم أن الأنوار التي أذن لها في الوصول عامة لجميع المؤمنين وقد تقدم قول أبي الحسن لو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض وأما الأنوار التي أذن لها في الدخول فهي خاصة بالخواص أهل التفرغ من الأغيار ولوث الأنوار فأما من كان قلبه محشوا بصور أثارها فلا يطمع في نيل أسرارها كما أبان ذلك بقوله ربما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشوا بصور الآثار فارتحلت من حيث جاءت قلت رب هنا للتكثير أي كثيراً ما ترد عليك أنوار عالم الغيب لتغيبك عن عالم الشهادة فتجد قلبك محشواً بصور عالم الشهادة فترحل عنك وتتركك نحبوساً في يدك أو تقول كثيراً ما ترد عليك أنوار المعاني لتخرجك من سجن الأواني فتجد قلبك مملؤاً بها فتتركك في وسطها محجوباً بها أو تقول كثيراً ما ترد عليك أنوار الملكوت فتجد قلبك محشواً بظلمة الملك فتتركك في ظلمة الكون أو تقول قد ترد عليك أنوار الجبروت فتجد قلبك محشواً بأنوار الملكوت فرحاً بها قانعاً ببهجتها فتتركك واقفاً معها وتنادي عليك القناعة من الله نحرمان الذي تطلب أمامك ولو كان العلم ينتهي إلى حد محدود لم يقل الله تعالى لسيد العارفين وقل رب زدني علما قال عليه الصلاة والسلام كل يوم لا ازداد فيه علما لا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم أو كما قال عليه السلام فالمانع للقلب من دخول الأنوار هو وجود الأغيار كما أشار إلى ذلك بقوله فرغ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار قلت التفرغ هو الخلو من الشيء والتنظيف منه والأغيار جمع غير بكسر الغين وفتح الياء ويصح أن يكون بفتح الغين وسكون الياء وهو اليق والمراد به حينئذ السوى وإنما جمعه لتعدد أنواعه كما قالوا في جمع العالمين يقول رضي الله عنه فرغ قلبك أيها الفقير من الأغيار وهو ما سوي الله بحيث لا يتعلق قلبك بشيء من الكون علوياً أو سفلياً دنيوياً أو أخروياً حسياً أو معنوياً كحب الخصوصية وغيرها من الحظوظ فإذا رحل قلبك من هذا العالم بالكلية ولم يبق فيه ألا محبة مولاه فإنه يملأه بالمعارف بحيث يكشف عنك حجاب الوهم ويذهب عنك ظلمة الحس فتشاهد الأشياء كلها أنوار ملكوتية مشاهدة ذوقية تمكينية ويملأه أيضاً بالأسرار وهي أسرار الجبروت فتغيب بالجمع عن الفرق وبشهور الجبروت عن شهود الملكوت وتكاشف بأسرار القدر فيهي عليك نسيم برد الرضي والتسليم وأنت في حضرة النعيم المقيم عند الملك الكريم فالأسرار على هذا ابلغ من المعارف فالمعارف أنوار الملكوت والأسرار أنوار الجبروت لأن السائر قد يكشف له عن نور الملكوت فيشهد الكون كله نوراً لكنه مفقتر إلى تلك الأنوار ليترقى بها إلى التمكين في شهود الذات كافتقار القارئ إلي النظر في الرسوم فإذا حفظ القارئ المعنى وتمكن منه محي الرسوم ولم يفتقر إليها كذلك السالك يكشف له أولا عن نور الملكوت فيشهد الكون كله نورا لكنه مفتقر إلى تلك الأنوار الملكوت ليترقى بها إلى التمكين في شهود الذات كافتقار القارئ إلي النظر في الرسوم فإذا حفظ القارئ المعنى وتمكن منه محى الرسوم ولم يفتقر إليها كذلك السالك يكشف له أولاً عن نور الكون فيغيب في النور عن ظلمة الحس ثم لا يزال في السير حتى يقبض المعنى ويتمكن منه فلا يحتاج إلى مشاهدة فيستغني عن نور الملكوت بنور الجبروت وقد تقدم هذا المعنى عند قول المؤلف اهتدى الراحلون الخ الحكمة فيمتحى السوي عن عين قلبه بالكلية ويغيب عن نفسه وحسه بشهود الأحدية ولله در قول الشاعر

    أن تلاشى الكون عن عين قلبي
    شاهد السر غيبه فـي بـيان فاطرح الكون عن عيانك وامح
    نقطة الغين أن أردت ترانـي ويحتمل أن يريد بالمعارف علوم العرفان بالأسرار الأذواق الوجدان فتكون المعارف هي علوم المعرفة بحيث يعرف في كل شيء ولا ينكر شيئاً والأسرار أذواق تلك العلوم فإن المعرفة تكون أولً علما وآخر ذوقاً ويحتمل أن يكون من عطف التفسير فتكون الأسرار هي المعارف والله تعالى أعلم ومن أراد سرعة السير إلى هذا المقام فليفرغ قلبه وينظفه على التمام فبقدر التخلية تكون التحلية وبقدر التصفية تكون الترقية ولأجل هذا نهوا السائر عن التزوج وعن التعلق بالأسباب إذ لا يخلو من علقة فإذا تمكن من المعنى لم يبق له مراد إلا مراد معروفة صار كل ما يبرز من عند مولاه تلقاه بالقبول فإن طال بالمريد السفر وتأخر عنه الفتح والظفر فلم يدرك هذه الأسرار ولم يكشف له عن تلك الأنوار فلا يستبطي من ربه النوال فإنه جواد كريم ولكن يستبطيء منه وجود الإقبال وإلى ذلك أشار بقوله لا تبطئ النوال ولكن استبطيء من نفسك وجود الإقبال قلت الحق سبحانه جواد كريم حليم رحيم من تقرب إليه شبراً تقرب منه ذراعاً ومن تقرب منه ذراعاً تقرب منه باعا ومن أتاه مرولة كما في الحديث فإن توجهت إليه بقلبك ثم تأخر الفتح من قبله فلا تسبطيء منه النوال أي العطاء وهو كشف الحجاب ولكن استبطيء من نفسك وجود الإقبال فلعل إقبالك فلعل إقبالك عليه لم يكن بكليتك فإن الله سبحانه يقول بلسان الحال وليس يدرحك وصالي كل من فيه بقية أو كان بحرف أو خط وأما لو زالت أغيارك لا شرقت أنوارك ولو تطهرت من جنابة الغفلة لا ستحققت الدخول إلى مسجده الحضرة وقد يكمل إقبالك ويفوتك الأدب مع سيدك وهو استبطاؤك النوال ولو صح منك الإقبال قال بعضهم هب أن السيد الكريم أهل لك فضل وكرم افترى العبد يقبل الأدب بين يدي سيده ويكشف جلبات الحياء عن وجهه فإن فعل ذلك فهو بالعقوبة أولى من الكرم وقد قال أرباب المعرفة لأن تكون صاحب استقامة خير من أن تكون صاحب كرامة اه ومن باع نفسه لله وكان عبد مملوكاً لمولاه فأي شيء يستحق على مولاه حكي عن ذي النون المصري رضي الله عنه أنه رأى رجلاً قد اشترى داراً وأراد أن يكتب عقدها فقال له ذو النون يا أخي إن قبلت وصيتي أوصيتك فقال نعم قل يا سيدي فقال له لا تشتر داراً تفنى وتدع داراً تبقى فقال له من لي بها فقال هلا اشتريت من الله دار السلام ومجاورة الكرام لتنال فيها الأمان وتتنعم بتعيم لا يدرك بالأثمان دار لها أربع حدود الأول منازل الخائفين الثاني منازل العارفين والثالث منازل المشتاقين الرابع رياض المحبين دار سقفها عرش الرحمن وبابها باب الرضوان مكتوب على بابها بالخط الأزلي دار تقى ورضى عليهما
    أسست ونعم دار المتقين ثم نادى الحق م ارجائها
    ادخلوها بسلام آمنـين
    فإن أردت عقد شرائها قلت أعوذ بالله من الشياطين الرجيم أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة هذا ما اشترى العبد الثواب من الملك الوهاب بثمن قيمته الخروج من ذل المعاصي إلى عن الطاعة ومن تعب الحرص والطمع إلى راحة الزهد والورع شهد بذلك عدول القلب واللسان وصحيح ما نزل من القرآن وبتاريخ حل عقدة الأصرار من وقت الأنابة ومن أوفى بعهده من الله قال له نعم ثم تصدق بما له وخرج معه إلى الله اه ثم من صح إقباله على الله لم يضيع شيئاً من الأقوات في غير طاعة مولاه كما نبه على ذلك بقوله حقوق في الأوقات يمكن قضاؤها وحقوق الأوقات لا يمكن قضاؤها قلت أما الحقوق التي في الأوقات فهي الطاعة التي عين الله تعالى لها وقتاً أمكن قضاؤها وإن كان يسمى مفرطاً لكن بعض الشر أهون من بعض وأما حقوق الأوقات بأنفسها فهي مراقبة الحق أو مشاهدته كل واحد على قدر وسعه لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها وهذه الحقوق إذا فات وقتها لا يمكن قضاؤها إذ الوقت الثاني له حق مخصوص لا يسع غيره فما من لحظة إلا ويجب عليك فيها أن تكون عاملاً لله مشتغلاً فيها بما يوصلك إلى قربه ورضاه وهذا معنى قوله إذ ما من وقت يرد إلا ولله عليك فيه حق جديد وأمرأ أكيد فكيف تقضي فيه حق غيره وأنت لم تقض حق الله فيه قلت ما من وقت أو لحظة ترد عليك أيها العبد إلا ولله عليك فيها حق جديد من ذكري أو فكرة أو نظرة أو من مراقبة أو مشاهدة أو من خدمة حسية أو معنوية قد علم كل أناس مشربهم وأمر أكيد من التحقق بالعبودية والقيام بوظائف الربوبية فإن غفلت عن الحق الجديد أو الأمر الأكيد في وقت ما ودخل الوقت الثاني فقد فاتك القضاء وندمت على ما مضى لا فكيف يمكن أن تقضي في الوقت الثاني حق غيره وهو أيضاً له حق يجب عليك أن تؤديه فيه فلا يمكنك أن تقضي حق الوقت الأول في الوقت الثاني وأنت لم تقض حق الله فيه أي في الوقت الثاني والحاصل أن كل وقت له حق فإن فات فلا قضاء له ولذلك قالوا في الآدب التصوف هو ضبط الأنفاس وحفظ الحواس والأنفاس هي دقائق الساعات وضبطها هي عمارتها بأنواع الطابعات فإذا ضيع حقوق الساعات خرج عن أدب التصوف والله تعالى أعلم قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه أوقات العبد أربعة لا خامس لها نعمة أو بلية طاعة أو معصية وله على عبده في كل وقتا منها حق ففي النعمة الشكر وفي البلية الصبر وفي الطاعة شهود المنة وفي المعصية اللجاء والأنابة وطلب الإقالة بالمعنى وفي هذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام من أعطى فشكر وابتلى فصبر وظلم فغفر وأذنب فاستغفر ثم سكت عليه السلام فقالوا ما له يا رسول الله قال أولئك لهم الأمن وهم مهتدون أي لهم إلا من يوم القيامة وهم مهتدون في الدنيا وقبل لهم الإلا من في الدارين وهم مهتدون إلى حضرته في الكونين واعلم أن القيام بحقوق الأوقات على التمام يكاد أن يكون متعذرا في حق البشر قال على وما قدروا الله حق قدره أي ما عبدوه حق عبادته وما عرفوه حق معرفته فلهذا كانت حقوق الوقات لا يمكن قضاؤها لأنها راجعة لحفظ الأنفاس والخطرات وقد أعيي الرجال حفظها في حال الصلاة فكيف في كل وقت لكن قد يختص برحمته من يشاء قال بعضهم منذ عشرين سنة ما خطر على قلبي شيء سوى الله تعالى وقال الشيخ أبو الحسن من أحب الله لم يستعمل جوارحه إلا فيما يوافق محبوبه وأنفاسه كلها محفوظة بالطاعة ولو حيل بينه وبين الخدمة لفارق الدنيا من ساعته لأن الطاعة قد صارت غذاء أرواحهم فإن فارقوها ماتوا نفعنا الله بهم آمين ثم في تضييع حقوق الأوقات تضييع العمر الذي هو أعز من الكبرين الأحمر وهو الذي تبهه عليه بقوله ما فات من عمرك لا عوض له وما حصل لك منه لا قيمة له قلت عمر المؤمن هو رأس ماله فيه ربحه وخسرانه فمن شديده عليه كان من الفائزين ومن ضيعه في البطالة والتقصير كان من الخاسرين فما فات منه في غير طاعة به لا عوض له إذا ما ذهب لا يرجع أبداً وما حصل لك منه لا قيمة له تفي بقدره إذ لو اشترى ساعة منه بملء الأرض ذهبا لكان نزرا في تحقه لأن شاعة منه تذكر الله فيها تنال بذلك ملكاً كبيراً وتنعيماً مقيماً لو بيعت الدنيا بحذافيرها ما بلغت منه عشر العشر ولأجل هذا المعنى اشتدى محافظة السلف الصالح على الأقوات وبذلوا مجهودهم في اغتنام الساعات ولم يقنعوا من أنفسهم إلا بالحد والتشمير ولم يسمحوا لها في الراحة والبطالة بقليل ولا كثير وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تأتي على العبد ساعة لا يذكر الله فيها إلا كانت عليه حسرة يوم القيمة وقال على كرم الله وجهه بقية عمر العبد ما لها ثمن يدرك بها ما فات ويحيى بها ما مات وقال الجنيد رضي الله عنه الوقت إذا فات لا يستدرك وليس شيء أعز من الوقت وفي معناه قيل
    السباق السباق قولا وفعـلا
    حذر النفس حسرة المسبوق
    يتبع..............

  17. #37
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    وقال الحسن البصري رضي الله عنه أدركت أقواماً كانوا على أنفاسهم وأوقاتهم أشد حفظاً وأحرص شفقة منكم على دنانيركم ودراهمكم كما لا يخرج أحدكم درهمه ولا ديناره إلا في ورود منفة واستجلاب فائدة كذلك كانوا لا يضيعون نفساً من أنفاسهم في غير طاعة أبداً كان سيدنا علي رضي الله عنه يقول لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صنعت طعاماً فميعيه أي اجعليه مائعاً خفيفاً فإن بين المائع واليابس خمسين تسبيحة وقال أبو علي الجرجاني ما مضغت الخبز منذ أربعين سنة وإنما أسف السويق وأعود لذكر الله تعالى قال وقد كنت عددت ما بين المضغ والبلع ستين تسبيحة وقبل أن ساعات الليل والنهار أربع وعشرون ساعة ساعة تبعث يوم القيامة خزائن مصفوفة أربعاً وعشرين خزانة فمن كان عمرها في الدنيا بطاعة الله رآها خزائن معمورة بالنعيم ومن كان ضيعها رآها خزائن فارغة خاوية فيتحسر عليها وينعدم وجاء في الخبر أن أهل الجنة بينما هم في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوق أضاءت منه منازلهم كما تضئ الشمس لأهل الدنيا فينظرون إلى رجال من فوقهم أهل عليين برونهم كما يرى الكوكب الدرى في أفق السماء وقد فضلوا عليهم في الأنوار والجمال والنعيم كما فضل القمر على سائر النجوم فينظرون إليهم يسيرون على نجب تسرح بهم في الهواء يزورون ذا الجلال والإكرام فينادي هؤلاء يا أخواننا ما أنصفتمونا كنا نصلي كما نصلون ونصوم كما تصومون فما هذا الذي فضلتم به علينا فإذا النداء من قبل الله عز وجل انهم كانوا يجاعون حين تشيعون ويعطشون حين تروون ويعرون حين تكسون ويذكرون حين تنسون نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعلمون اه ومما يعين على حفظ الأوقات واتصال الطابعات الزهد في السوى ومحبة المولى فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره وخدمه وخضع له وكان عبدا حقيقة له كما أشار إلى ذلك بقوله ما أحببت شيئاً إلا كنت له عبداً وهو لا يحب أن تكون لغيره عبدا قلت القلب إذا أحب شيئاً أقبل إليه خضع له وأطاعه في كل ما يأمره أن المحب لمن يحب مطيع وهذه حقيقة العبودية الخضوع والطاعة وليس للقلب إلا وجهة واحدة وليس للإنسان إلا قلب واحد قال تعالى ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وإذا كان للقلب وجهة واحدة فمهما أقبل بها على مولاه أعرض عما سواه وكان عبدا له حقيقة وغذا أقبل على هواه أعرض قطعاً عن مولاه وكان عبداً لسواه والحق سبحانه لا يرضى لعبده أن يكون عبداً لغيره قال تعالى في ذم من كان عبداً لهواه أفرأيت من اتخذ إلهه هوه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من عبد الله فالآية نص في ذم من أحب هواه واتخذ ربا من دون مولاه وأما تفسير أهل الباطل فهو إشارة لا تفسير معنى وفي الحديث أن للقرآن ظاهراً وباطناً وحدا ومطلعاً فقد ورد عن شيخ شيوخنا سيدي محمد بن عبد الله في إشارة هذه الآية أنه يمكن ا، يكون مدحاً ومعناه حينئذ أفرأيت من اتخذ الله الذي خلقه هواه لا حيب سواه وأضله في محبته على علم وبينة من ربه وختم على سمعه وقلبه بمحبته وجعل على بصره غشاوة منعه من النظر لما سواه فمن يهديه هذه الهادية العظمى من بعد الله لا هادي له سواه وهذا في ظاهر العبارة خارج عن سياق ظاهر الآية لكنه باطنها ولا يصح تفسير الآية به واعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير المعنى المعهود ليس هو عندهم عين المعنى المراد ولكنهم يقررون الآية والحديث على ما يعطيه اللفظ ثم يفهمون إشارات ودقائق وأسرار خارجة عن مقتضى الظاهر خصهم الله بها لصفاء أسرارهم هكذا ذكر المؤلف في لظائفة ثم نرجع إلى ما كنا فيه من طلب العبودية لله والحرية مما سواه قال صلى الله عليه وسلم تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة زاد في رواية والزوجة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش وقيل للجنيد من العبد قال من بقي في قلبه أدنى علاقة غير الله لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم قيل له ومن الحر قال من تخلص من رق طبعه واستنقذ قلبه من شهوات نفسه وكان للشبلي تلميذ فكساره رجل يوماً جبة وكان على رأس الشبلي قلنسوة فخرط على قلب التلميذ محبة القلنسوة ليجمعها مع الجبة فكاشفه الشيخ فأزال له الجبة وجمعها مع القلنسوة ورمى بهما في النار وقال له لا تبق في قلبك التفاتاً لغير الله وأنكر عليه بعض أهل الظاهر المتجمدين على ظاهر الشريعة جهلاً بالمقصود لأن أعمال الصوفية مبنية عل العبادة القلبية لأن الأعمال الظاهرة إن لم يوافقها القلب كانت أشباحاً خاوية وبالله التوفيق واعلم أن من تخلص من رق واستنقذ من أسر نفسه فقد تحقق بمحبة ربه والمحبة لها بداية ووسط ونهاية فأول المحبة وبدايتها ملازمة امتثال الأمر واجتناب النهي قال تعالى قل أن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ووسطها لهج اللسان بالذكر وتعلق القلب بشهود المحجبوب ونهايتها لا تدرك بالعبارة ولا تلحقها الاشارة وفي هذا المعنى قيل فلم يبق إلا اللـه لا رب غـيره
    حبيب لقلب غاب عن كل مقصد هنيئاً لمن قد نال حب حـبـيبـه
    وخاص بترك الغير اكرم مورد نعيم بـلا حـد لـديه مـجـدد
    على عدد الأنفاس في كل مشهد روى أن أبا يزيد رضي الله عنه كان يحذاء المنبر فقرأ الخطيب وما قدروا الله حق قدره فصبر نفسه حتى طار الدم من عينه فهذه المعاني لا تدركها العامة ولا الخاصة وإنما يذوقها خاصة الخاصة وأنشدوا وحقك لو أفنيت قلبي صـبـابة
    لكنت على ذا حبيباً إلى قلبـي أزيد على عذل العذول تشوقـاً
    ووجدا على وجد وحباً إلى حب أبي القلب إلا أنت في كل حالة
    حبيباً ولو دارت عليه يد الكرب فلا تبتليه بالبـعـاد فـإنـمـا
    تلذذ أنفاس المحبين بالـقـرب


  18. #38
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    ومعنى محبة الله لعبده حين يقبل عليه هو تقريبه لحضرته وهدايته لمحبته من غير نفع له في ذلك إذ لا تنفعه طاعة من أقبل عليه ولا تضره معصية من أدبر عنه إذ هو غنى عن الكل كما أشار إلى ذلك بقوله لا تنفعه طاعتك ولا تضره معصيتك وإنما أمرك بهذا ونهاك عن هذا لما يعود إليك لا يزيد عن عزه إقبال من اقبل عليه ولا ينقص من قدره أدبار من أدبر عنه قلت الحق سبحانه غنى عن كل شيء مفتقر إليه كل شيء لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين وسيأتي في المناجاة إلهي رضاك أن تكون له علة منك فكيف تكون له علة مني أنت الغني بذاتك أن يصل إليك النفع منك فكيف لا تكون غنيا هني اه فلا تنفعه أيها العبد طاعتك فيكون محتاجاً إلهيا تعالى الله عن ذلك ولا تضره معصيتك فيكون مقهراً بها وهو القاهر فوق عباده فإنما أمرك بالطاعة ليقربك إليه أن رحمة الله قريب من المحسنين وإنما نهاك عن المعاصي لما جعل فيها من علامة البعد عن حضرته فما أمرك الله بشيء إلا وفيه تقريب وآداب للحضرة وما نهى الله عن شيء الأوفية ضرر وأبعاد عن الحضرة لما فيه من سوء الأدب والتحقيق انه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون لا يزيد عن عزه إقبال من أقبل عليه لأن عزته أزلية قديمة ولا ينقص من عمره أدبار من أدبر عنه لأنه غنى عن العالمين وفي الحديث القدسي لو أن أولكم وآخركم أنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئاً ولو أن أولكم وآخركم أنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ومن أسمائه تعالى القدوس قال بعضهم معناه أنه منزه عن كل كمال لا يليق بذاته ولا يقال انه منزه عن النقائص إذ لا تصح نسبتها إليه حتى ينزه عنها إذ لا ينفي عن الشيء إلا ما يصح إثباته له فإن نفيت مالا يصح إثباته فربما يكون نقصاً كما يقال السلطان ليس بجزار ومن أجاز ذلك فإنما مراده التعميم وكمال التقديس والتنزيه قال بعضهم لو أراد الخلق تنزيه الخالق إلا بلسان العجزة ما استطاعوا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك اه قال ذلك البعض أن صفات البارئ وأسماءه كلها كليات والمخلوق جزء والجزء لا يحيط بالكل ولا يدرك حقيقته فليتحرز من التأويلات المخرجة عن المعنى اللائق بجناب الحق مسلماً أن لا يعرف الله إلا الله وأنشدوا لا يعلم الله إلا اللـه فـاتـئدوا
    والدين دينان إيمان واشـراك وللعقول حدود لا تجـاوزهـا
    والعجز دراك الإدراك إدراك
    فهذا أوائل المعرفة وأما وسطها فهو اغتراف من بحر الحقيقة واستشراف على غوامض الطريقة ولا تسعه كل عقول العامة وإنما يخوض فيه الخاصة فإنما تقدم كان فيه استلال بالإسم على المسمى وهذه مرتبة تسقط التفرقة بين الإسم والمسمى وبين الصفة والموصوف ثم قال ولهذا قالوا لجمع سقوط التفرقة وليس بعد هذا إلا جمع الجمع وهو غاية المعرفة فأول المعرفة دلالة الصنعة على الصانع ووسطها دلالة الصانع على الصنعة وغايتها تلاشي كل ما دون الحق كل من عليها فإن ويبقى وجه بك ذو الجلال والإكرام اه قاله الشطي مختصراً هذا آخر الباب الثاني والعشرين وحاصلها الترغيب في تحصيل الأنوار بالتفرغ من الأكدار فإذا فرغت قلبك وتأخر الفتح عليك فلا تسبطئ منه وجود النوال ولكن ايتبطئ من نفسك وجود الإقبال ولا يكمل إقبال العبد على ربه تحتى يستغرق الأوقات كلها في طلبه فكل وقت من العمر لا ثمن له ولا يمكنه التفرغ لحفظ الأوقات حتى يتحرر من رق الكائنات فإذا تحرر مما سواه كان عبداً حقيقة لمولاه فحينئذ اجتباه ولحضرته اصطفاه من غير منفعة له فيه فيه ولا ضرر وإنما يعود نفعه له وضرره عليه إذ لا يزيد في عزه إقبال من أقبل ولا أدبار من أدبر وإنما وصل من وصل بمحض فضله وأبعد من أبعد بمحض عدله ومعنى وصول العبد إلى مولاه علمه بنور عظمة ربه وسناه كما أبان ذلك في أول الباب الثالث والعشرين بقوله وقال رضي الله عنه وصولك إليه وصولك إلى العلم به والا فجل ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء قلت قد ذكر أهل الفن في هذا الفن في هذا المقام اصطلاحات وألفاظ تداولوها بينهم تقريباً لفهم المعاني فمنها السير والرحيل وذكر المنازل والمناهل والمقامات ومنها الرجوع والوقوف وكل ذلك كناية عن مجاهدة النفوس ومحاربتها وقطع العوائق عنها أو الوقوس مع شيء منها وسأتي للمؤلف لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ومنها الوصول التمكين والسكون والطمأنينة ومنها المشاهدة والمكالمة والمجالسة والمسارة وغير ذلك وكل ذلك كناية عما أدركته أورواحهم وذاقته أسرارهم من عظمة الحق وجلاله وسيأتي تفسير شيء من ذلك في محله أن شاء الله ومعنى الوصول عندهم تحقيق العلم بوجوده وحده فوصولك إليه هو شعورك بعدمك حتى يكون عدمك عندك ضروروياً وعلمك يوجوده كذلك وهذا المر كان حاصلاً لك في نفس الأمر لكن لم تشعر وفي هذا المعني قال بعضهم وبعضه للششتري
    بين طلوع ونـزول
    تخبلت الـغـزول أفن مـن لـم يكـن
    يبق من لـم يزول جول تــــزول
    أوامش نزع الفحول فالزوال هو المعرفة وهو معنى الوصول وسببها جولان الفكرة ولذلك أمره بها وقال شيخ شيوخنا سيدي على الناس كلهم يشاهدون ولا يعرفون وسمعت شيخنا يقول الناس كلهم في البحر أي في بحر الوحدة ولكن لا يشعرون فوصول العبد إلى الله عن تحقيق العلم بوجوده والغيبة عن نفسه وعن كل ما سواه وإلا تكن كذلك بأن تعتقد أن الوصول يكون حسياً فجل ربنا أي تعالى وترفع أن يتصل به شيء للزوم تحيزه أو يتصل هو بشيء للزوم افتقاره وحصره تعالى عن ذلك علواً كبيراً واعلم أن هذا العلم بالله يكون كسيباً ثن لا يزال يغيب عن نفسه وحسه سكرة بعد سكرة وحيرة بعد حيرة حتى يصحو وينجلي عن ضباب الحس وسحاب الجهل وظلمة النفس فتشرق عليه شمس النهار وتنجلي عنه ظلمة الأغيار وفي ذلك قيل ليلى بوجهك مـشـرق
    وظلامة في الناس سار الناس في سدف الظلام
    ونحن في ضوء النهار أي ليل وجودى صار مشرقاً مضيئاً بسبب شهود ذاتك وظلام ليل القطيعة سار في جل الناس الناس في جوف ظلمة الأكوان ونحن في ضوء شموس العرفان ثم لا يزال في تربية الشيخ وتحت حضانته ومدده سار إليه بقدر صدقه حتى يسلم له خصيم الظلماني وينفرد النوارني ويحس ذلك من نفسه فحينئذ يقول بلسان الحال أقر الخصم فارتقع النزاع فإذا انفرد الخصم النوراني استمد من كل شيء وشرب من كل شيء وأخذ النصيب من كل شيء فيبقى وصوله إلى الواسطة شكراً وإحسانا أن اشكر لي والوالديك وينشد حينئذ بلسان حاله ومقاله الحمد لله لا تفنى مـحـامـده
    والحمد لله في الآصال والبكر من يهده الله أضحى عالماً فطناً
    بالله في كل ما يبدو من الصور يا طالب الوصل جد بالنفس ملتفتـاً
    عنها إلى منزلا الأشياء بالـقـدر فإن ظفرت فأنت الفرد والعلـم ال
    منعوت بالحسن والحسنى لذى نظر ومنها أي من اصطلاحاتهم ذكر القرب والاستشراف والمراقبة وفسر الشيخ معنى القرب فقال قربك منه أن تكون مشاهداً لقربه وإلا فمن أين أنت ووجود قربه قلت إذا حققت أن الأمزان ثابتة بإثباته ممحوة بأحدية ذاته علمت علم يقين أن الأكوان والمكان والزمان لا وجود لها وأن الحق كما كان وجود وحده ولا أين ولا مكان بقي كذلك لا أين ولا مكان ولا زمان نور أحديته محى وجود الأكوان فانتفى بوجوده الزمان والمكان ولم يبق إلا الواحد المنان وفي البخاري عنه صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار فالوجود الحقيقي إنما هو لذاته وأثر صفاته تجلى واستتر واختفي فيما ظهر فإذا علمت هذا علمت انه تعالى قريب من كل شيء محيط بكل شئ ولا شئ إلا الذي ليس كمثله شئ لكن حكمة الحكيم أثبتت الحادث والقديم فمن فتح الله عين بصيرته شهد عدمه لوجوده فأبصر الحق محيطاً به وماحياً لوجوده ومن طمس الله عين بصيرته لم ير إلا الفرق ولم يدرك إلا البعد فإذا أراد الله أن يقربه إليه فتح شعاع بصيرته فيبصر الحق قريباً منه محيطاً به روى أن الشيخ أبا الحسن رضي الله عنه قال يوماً بين يدي أستاذه اللهم اغفر لي يوم لقائك فقال له شيخه هو أقرب إليك من ليلك ونهارك ولكن الظلم أوجب الظلال وسيق القضاء حكم بالزوال عن درجات الأنس ومنازل الوصال وللظالم يوم لا يرتاب فيه ولا يحتال والسابق قد وصل في الحال أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين اه كلامه رضي الله عنه فمعنى قربك من الحق أن تكون مشاهداً لقربه منك قرب وجود وإحاطة وذلك بعد أن تلطفت عواملك وفنيت دائرة حسك وحينئذ يتحقق قربك منه قال تعالى وإذا قلنا لك أ، ربك أحاط بالناس وقال تعالى أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد الآية وأن لا تعتقد هذا واعتقدت وجود نفسك وثبوت حسك الوهمي فلا تشاهد إلا العبد فمن أين أنت ووجود قربك الحسى من نوره اللطيف حتى تراه بعين الحس فما دمت في عالم الأشباح فأنت بعيد من عالم الأرواح في حال قربك منه كما قال القائل ومن عجـب أنـى أحـن إلـيهـم
    واسئل شوقاً عنهم وهـم مـعـي وتبكيهم عيني وهـم بـسـوادهـا
    ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي
    سبحان من بعد قوماً في حال قربهم وقرب قوماً من غير بعدهم وراجع ما تقدم لنا في الشرح عند قوله شعاع البصيرة تفهم المسئلة على أصلها وحق هذه الحكمة أن تتقدم على التي قبلها لأن القرب سابق على الوصول ولما ترتب على ذكر الوصول من ذكر الواردات والأمر قريب والله تعالى أعلم وقال الشيخ زروق رضي الله عنه في شرح هذه الحكمة القرب في الجملة على ثلاثة أوجه أحدها قرب الكرامة وهو تقريب الحق عبده حتى يكون مشاهداً لقربه منه فيتولاه دون ما سواه الثاني قرب الإحاطة إحاطة العلم والقدرة والإرادة وعموم التصرف وهذا الحق من عبده الثالث قرب المناسبة والسافة ولا يصح في جناب الربوبية لاستحالة المسافة عليه ونفى مناسبة العبد للرب فتقدير الكلام قربك منه على وجه الكرامة أن تكون مشاهداً لقربه منك على وجه الإحاطة وإلا فمن أين أنت ووجود قربه على وجه التناسب والمسافة اه وإنما نقلته لعلمي أن الكتاب يطالعه من يحسن العوم ومن لا يحسن العوم ومن لا يحسنه فإذا خاف من البحر وجد جزيرة يأوى إليها وبالله التوفيق ومن حصل على مقام القرب والوصول ترد عليه الحقائق العرفانية والأسرار الربانية والعلوم اللدينة تارة ترد مجملة ثم يقع التفصيل وتارة مفصلة وهو غالب واردات أهل التمكين والغالب أن هذه الواردات إنما ترد بعد الفتح والوصول ولذلك قلنا الأحسن لو قدم الشيخ مقام القرب ثم يذكر مقام الوصول ليتصل بهذه الحكمة التي تكلم فيها على الواردات تحيث قال الحقائق ترد في حال التجلي مجملة وبعد الوعي يكون البيان فإذا قرأناه فابتع قرآنه ثم أن علينا بينه قلت الحقائق هي ما يرد على قلب العارف من تجليات العلوم والحكم والمعارف فتارة تكون علوماً وتارة تكون حكماً ومعارفاً وتارة تكون كشفاً بغيب كان أو سيكون وحكمة ذلك الروح إذا تخلصت وتصفت من غبش الحس كان غالب ما يتجلى فيها حقاً ثم أن هذه الحقائق قد رد في حال التجلي مجملة فيقيدها الإنسان كما تجلب ثم يتفكر فيها فيتبين معناها فبعد الوعي وهو الحفظ يكون البيان ثم استدل بآية الوحي لأن الوحي على أربعة أقسام وحي وإلهام ووحي إعلام ووحي أحكام فشاركت الأولياء لهم وحي الإلهام ويكون أولً مجملاً في القلب فإذا قرأه وأظهره تتبعه وبينه قال تعالى فإذا قرأناه فاتبع قرآنه كما قرأناه عليك ثم أن عليما بيانه حتى تفهمه وتبينه للناس كان عليه السلام يعالج من التنزيل شدة مخافة أن ينساه فلما نزلت الآية كان يستمع لجبريل فإذا فرغ قرأه كما أنزل فالوحي الذي هو وحي أحكام مصون فلا ينسى بخلاف وحي الإلهام فلذلك ينبغي للولي ا، يقيد تلك الواردات قريباً فإن الحكمة في حال التجلي تكون كالجبل فإذا غفل عنها ترجع كالجمل فإذا غفل عنها بعد رجعت كالثور ثم كالكبش ثم كالبيضة ثم تغيب ولذلك كان شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه لا تفارقه الدواة والقلم والقرطاس ليقيد المواهب وكذلك كان أشياخنا وكانوا يأمورن بذلك قلت وجل هذا الشرح الذي نقيده إنما هو مواهب لأني أكتب الحكمة ولا أدري ما اكتب فأقف مفتقراً إلى ما عند الله فإذا ورد شيء من عند الله كتبته أولاً ثم أنظر فيك تب القوم إن وجدت نقلاً غريباً موافقاً لما أفاض الله على كتبته وإلا تركته واكتفيت بما أتى الله وكثيراً ما نكتب الكلام ثم نطالعه ونستغرب أني كتبته أو صدر مني وذلك كله ببركة صحبة أشياخنا فجزاهم الله عنا أحسن جزائه ولقد كنت في حال الرياضة والمجاهدة إذا أردت أن نتكلم في التفسير أو غيره نشرع في الكلام ثم نغيب فكنت نحس بالكلام يخرج منى من غير اختيار كأنه السحاب فتصدر مني علوم وحكم فإذا سكت لم يبق منها إلا القليل ولقد حضر معنا ذات يوم رجل صالح كبير السن فسمع ذلك فقال والله لقد حضرت مجالس العلماء والصالحين والله ما رأيت مثل هذه الجواهر واليواقيت التي تخرج من سيدي فلان فبقيت كذلك مدة غير أني لم نكن نقيد شيئاً ثم انتقل ذلك إلى حال التقييد فصار القل عندي أفصح من عبارة اللسان وكان بعض العارفين يقول لأصحابه إذا كنت اتكلم عليكم أكون أستفيد من نفسي ما يجزيه الله على لساني كما تستفيدون أنتم منى وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي الله عنه
    ولا تك ممن طيشته طروسـه
    بحيث استخفت عقله واستفزت فثم وراء النقل علم يدق عـن
    مدارك غايات العقول السليمة

  19. #39
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    تلقيته منـي وعـنـي اخـذتـه
    ونفسي كانت من عطائي ممدتي وكان الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه إذا استغرق في الكلام وفاضت عليه العلوم يقول هلا رجل يقيد عنا هذه الأسرار هلموا إلى رجل صيره الله بحر العلوم أو كلاماً نحوه وكان بحضر مجلسه أكابر وقته كعز الدين عبد السلام وابن الحاجب أبت عصفور وابن دقيق العيد وعبد العظيم المنذري وكان عز الدين بن عبد السلام إذا سمع كلامه يقول هذا كلام قريب عهد بالله وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول والله ما رأيت أعرف ابلله من أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه وكان في كل سنة يطلع إلى القاهرة ويجتمع عليه مشايخ القارهة ومصر من بتلك الناحية فيفيض عليهم بالعلوم والمواهب الربانية والأسرار للدنية فلما مات رضي اله عنه واستخلفه أبو العباس المرسي جعل يطلع إلى القاهرة كما كان يفعل شيخه فاجتمع إليه جماعة من أكابر مصر وعلمائها وقالوا يا شيخ كان الشيخ أبو الحسن إذا جاء إلى هذا الموضع بجيء عندنا ونتبرك بقدومه وما نسمع منه من مواهب الله تعالى وأنت قد أقامك الله مقامه فنحب أن نتبرك بكلامك فقال لهم إذا كان صبحة غد تجيء إليكم إن شار الله فلما كان صبيحة غد أمر أصحابه بالمسير إلى مصر وأمر بحمل رسالة القشيري رضي الله عنه قال ابن الصباغ فحملتها ووصلنا إلى جامع عمرو بن العاصي فوجدناه قد امتلأ بأكابر أهل مصر وعلمائها فقال لي منتقد ومعتقد قال فجلسنا بشرقي الجامع فقال أخرج رسالة القشيري فأخرجتها فقال اقرأ فقلت وما أقرأ قال الذي يظهر لك ففتحنا الكتاب فوجدنا باب الفراسة فقرأت أول الباب فلما الباب فلما فرغت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي أغلق الكتاب ثم قال الفراسة تنقسم إلى أربعة أقسام فراسة المؤمنين وفراسة الموقنين وفراسة الأولياء وفراسة الصديقين فأما فراسة المؤمنين فحالها كذا ومددها من كذا ثم تكلم بكلام عظيم ثم انتقل إلى فراسة الموقنين فتكلم بطبقة أعلى ثم قال وأما فراسة الأولياء فمددها من كذا وحالها من كذا وتكلم في ذلك بكلام موهوب غير مكسوب أذهل عقول الحاضرين واستغرق بذلك إلى أذان الظهر والناس يبكون ورأيت العرق ينحدر من جبينه حتى ينحدر على لحيته وكانت لحيته كبيرة اه وقال في لطائف المنن وكنت أنا لأمره من المنكرين وعليه من المعترضين لا لشئ سمعته منه ولا لشئ صح نقله عنه حتى جرت مقاولة بيني وبين بعض أصحابه وذلك قبل صحبتي إياه وقلت لذلك الرجل ليس إلا أهل العلم الظاهر وهؤلاء القوم يدعون أموراً عظاماً وظاهر الشرع يأباها فقال لي ذلك الرجل بعد أن صحبت الشيخ تدري ما قال لي الشيخ يوماً تخاصمنا قلت لا قال دخلت عليه فأول ما قال لي هؤلاء كالحجر ما أخطأك منه خير مما أصابك فعلمت أن الشيخ كوشف بنا قال ولعمري لقد صحبت الشيخ أثنى عشر عاماً فما سمعت منه شيئاً ينكره ظاهر العلم من الذي كان ينقله عنه من يقصد الأذى وكان سبب اجتماعي به أن قلت في نفسي بعد أن جرت المخاصمة بيني وبين ذلك الرجل دعني أذهب فأرى هذا الرجل فصاحب الحق له أمارة لا يخفي شأنها فأتيت إلى مجلسه فوجدته يتكلم في الأنفاس التي أمر الشارع بها فقال الأول إسلام والثاني إيمان والثالث إحسان وإن شئت قلت الأول عبادة والثاني عبودة وإن شئت قلت الأول شريعة والثاني حقيقة الثالث تحقق أو نحو هذا فما زال يقول وإن شئت قلت وإن شئت قلت إلى أن أبهر عقلي وعلمت أن الرجل إنما يغرف من فيض بحر إلهي ومدد رباني فأذهب الله ما كان عندي إلى آخر كلامه فهذه الحقائق التي يفيضها الحق تعالى على قلوب أوليائه فينطقون بها تكون أولاً مجملة فإذا حفظت وتقديت تبين معناها فمنها ما تدركه العقول ويطابق المنقول ومنها ما لا تفهمها العقول فتكلها إلى أبابها ولا تنتقدها عليهم بمجرد سماعها وانظر قول ابن الفارض رضي الله عنه فثم وراء النقل علم يدق عـن
    مدارك غايات العقول السليمة
    ومع هذا كان الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه يقول إذا عارض كشفك الصحيح الكتاب والسنة فاعمل بالكتاب والسنة ودع الكشف وقل لنفسك أن الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإلهان ومثل هذا أيضاً قول الجنيد أن النكتة لتقع في قلبي من جهة الكشف فلا أقبلها إلا بشاهدى عدل الكتاب والسنة ولا يلزم من عدم العمل بها انتقادها على أهلها فإن العلم واسع له ظاهر وباطن ومسائل الإلهامات تارة ترد على حسب العلم الظاهر وتارة ترد على حسب العلم الباطن فإن لم تفهم فسلم ودع ما تعرف لما لا تعرف وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عن يقول من آدب مجالسة الصديقين أن تفارق ما تعلم لتظفر بالسر المكنون اه يعني أن أردت أن تظفر بما عندهم من السر المكنون فاسقط عنهم الميزان في أقوالهم وأفعالهم وأحزالهم وأما ما دمت تزن عليهم بميزان علمك فلا تشم رائحة من سرهم وكان شيخ شيوخنا سيدي على رضي الله عنه يقول طريقتنا لا ينال منها شيئاً إلا من يصدق بالمحال فإن أردت يا أخي أن يهب عليك نسيم أسرارهم ونفخات مواهبهم فدع ما تعرف إلى ما لا تعرف واغتسل من عملك وعملك حتى يبقى فقيراً إلى ما عندهم كما فعل شيخ طريقتنا الشاذلي رضي الله عنه ولقد حدثني من أثق به أن الشيخ أبا الحسن رضي الله عنه طلع إلى لا شيخ ابن مشيش رضي الله عنه بالميزان فلم يشم رائحة الولاية فرجع ثم طلع ثانياً كذلك فرجع كما طلع فلما أسقط الميزان واغتسل من عمله وعمله وطلع فقيراً أغناه الله قال له الشيخ ابن مشيش يا أبا الحسن طلعت إلينا فقيراً من علمك وعملك فأخذت من أغنى الدارين اه نفعنا الله بذكرهم ونفح علينا ما نفح عليهم حتى نستغني بهم غنى لا فقر معه أبداً آمين ثم أن هذه الواردات التي تتجلى بالحقائق والعلوم إنما هي واردات أهل النهاية وأما واردات أهل البداية فإنها تأتي قوية قهارية أما بخوف مزعج أو شوق مقلق لترحله عن شهواته وعوائده وهي التي ذكرها الشيخ بقوله متى وردت الواردات الإلهية إليك هدمت العوائد عليك أن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها قلت الوارد الإلهي هو قوة شوق أو اشتياق أو محبة يخلقها الله في قلب العبد وقد تنشأ عن قوة خوف أو هيبة أو جلال فتزعجه تلك القوة إلى النهوض إلى مولاه فيخرج عن عوائده وشهواته وهواه ويرحل إلى معرفة ربه ورضاه وقد تترادف عليه أنوار تلك المحبة والشوق فتغيبه عن حسه بالكلية وهو الجذب وإنما جمع الواردات باعتبار تلك المحبة والشوق فإنها لا تهدم عوائدها إلا أن كثرت وتزايدت وتسمى أيضاً هذه الواردات نفحات قال عليه السلام أن لله نفحات فتعرضوا لنفحاته فمن لم ترد عليه هذه الواردات اختيار فليتعرض لها بحبة العارفين أهل الأكسير الذي يقلب الأعيان فإن صحبهم ولم ترد عليه فلبخرق عوائد نفسه من الظاهر فإنها تدخل منه إلى الباطن فمتى وردت عليك حينئذ تلك الواردات الإلهية هدمت العوائد عليك وأفسدتها لديك فترد عزك ذلاً وغناك فقراً وجاهك خمولاً ورياستك تواضعاً وحنواً وكلامك صمتاً ولذيذ طعامك حشينا وشبعك جوعاً وكثرة كلامك صمتاً وقرارك في وكنك سياحة وسفراً هكذا شأن الوارد الإلهي بخرب العوائد ويهدمها فهو كملك جبار ذي جيش طغاة دخل قرية أو مدينة فأفسد بنائها وغير عوائدها قال تعالى أن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها أي نزعوها وخربوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة أي رؤساء اتباعاً مرؤوسين وكذلك بفعلون أي هذا شأنهم والاستشهاد بالآية في غاية الحسن والمناسبة ثم ذكر الشيخ علة هدم الوارد عوائد الإنسان فقال الوارد يأني من حضرة قهار لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغة بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق قلت إنما كان الوارد الذي يرد على قلوب السائرين أو الطالبين قوياً شديداً لأنه ياتي من حضرة اسمه تعالى ليدمغ بقهريته كل ما وجد في النفس أو القلب من الأغيار وإنما قلنا من حضرة اسمه القهار لأن الحق تعالى له حضران بعدد أسمائه فاسمه رحيم يتجلى من حضرة رحمته واسمه يتجلى من حضرة حلمه واسمه الكريم يتجلى من حضرة كرمه وهكذا فكل اسم يخرج تجليه على وفق حضرته قال تعالى وإن من شيء إلا عندنا خزائنة ولو كان هذا الوارد الذي يرد على قلوب أهل البداية من حضرة الرحيم أو الحليم أو الجميل ما أمكن أن يدفع بحكمه الله ما صادمه من الباطل وشبه لشيخ الباطل وهو كل ما سوى الله بحيوان له دماغ فإذا ضرب دماغه وتشتت مات كذلك الباطل إذا صادمه الحق أهلكه وتشتت دماغه فالوارد الإلهي محض حق فإذا صادم الباطل دمغه وقتله ولذلك أتى بالآية التي نزلت في شأن القرآن مع الكفر فإن الكفر تشتت واضمحل حين نزل القرآن كذلك السوى إذا تجلى الحق بقهرية نوره تشتت واضمحل وكان الشيخ أبو العاباس رضي الله عنه كثيراً ما ينشد هذه الأبيات في هذا المعنى
    فلو عاينت عيناك يوم تزلزلـت
    أرض النفوس ودكت الأجبـال لرأيت شمس الحق يسطع نورها
    عند التزلزل والرجال رجـال قال والأرض أرض النفوس والجبال جبال العقل يعني أن الوارد الإلهي إذا ورد قوياً من حضرة قهاريته تعالى دك وجود النفوس وتدكدكت منه جبال العقول فيكشف له حينئذ عن أسرار خارجة عن مدارك العقول عير مدركو بعابرة النقول فيصير صاحب هذا الوارد كله حقاً لا يصادم شيئاً إلا دمغة وهذا المعنى قصد شيخ شيوخنا القطب ابن مشيش بقوله واقذف بي على الباطل فأدمغه طلب أن يكون حقاً محضاً يقذف به على السوى فيدمغه فإذا ذهب السوى واضمحل بقي الحق الذي لا يفني ظاهراً لا يخفى كما أبان ذلك الشيخ فلله دره ما أدق نظره في مناسبة الكلام وحسن التخليص لكل مقام حيث قال كيف يحتجب الحق بشيء والذي يحتجب به هو فيه ظاهر وموجود حاضر قلت قد كرر الشيخ هذا المعنى في كتابه مراراً تحريضاً على الجمع وتحذيراً من الفرق فقد تقرر أن الحق تعالى ليس محجوباً بشيء ولا يصح أن يحتجب بشيء إذ لو احتجب بشيء وجودي لكان ذلك من أثر قدرته وقدرته لا تفارق ذاته فالصفة لا تفارق الموصوف فما ظهر شئ من بحر الجبروت إلا كان نوراً من أنواره وأثراً من أثر صفاته وقد قال صاحب العينة فأوصافه والإسم والأثـر الـذي
    هو الكون عين الذات والله جامع فلذلك تعجب الشيخ م تصور الحجاب في حقه تعالى مع أن كل ما يبرز من عنصر القدرة كله نور من نور ملكوته فائضاً متدفقاً من بحر جبروته فتحققت الوحدة وانتفى الحجاب بالكلية فكل موجود نور الحق فيه حاضر موجود ثم أن الواردات هي الأحوال والأحوال نتائج الأعمال في الغالب فلذلك ذكر الشيخ العمل وأمرك ألا تتركه حيث لم تذق حلاوته والعمل منه ما يجد العالم ثمرته وهو الحال والحلاوة ومنه مالا يجد ثمرته عاجلاً فلا ينبغي تركه ولا ييأس من ثمرته ولا من قبوله كما أبان ذلك بقوله لا تيأس من قبول عمل لا يتجد فيه وجود الحضور فربما قبل من العمل ما لم تدرك ثمرته عاجلاً قلت قد تقدم قوله من وجد ثمرة عمله عاجلاً فهو دليل على وجود القبول ولا يقتضى المفهوم انه أن لم يجد ثمرته فليس بمقبول بل هو مسكوت عنه فإن توفرت فيه شروط القبول من جهة الشريعة أن صحبه الإخلاص والتقوى والإتقان الشرعي فهو مقبول عند الله أن شاء الله سواء وجد ثمرته أم لا قال الله تعالى إنما يتقبل الله من المتقن وقال صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله من مسمع ولا مراء فإن كنت متقياً لله في ظاهرك وباطنك على قدر استطاعتك ومخلصاً لله في أعمالك ثم لم تجد حلاوة العلم ولا حضور قلبك فيخ ولم تجد ثمرته من أحوال الواجدين وأذواق العارفين فلا تيأس من قبوله عند الله فليس وجود الحال ولا الحلاوة شرطاً في العمل إنما هي علامة والعلامة لا يلزم طردها فربما قبل من العمل ما لم تدرك ثمرته عاجلاً فيعطيك ثوابه آجلاً فلا ينبغي لك أن تستحقر عملك فتتركه لعدم حضورك فيه أو لعدم وجدان حلاوته بل يجب عليك أن تدوم عليه حتى ثمرته فمن قرع الباب يوشك أن يفتح له واسمع قول الشاعر اطـلـب ولا تـضـجـرن مـن مـطــلـــب
    فآفة الــطـــالـــب أن يضـــجـــرا أما ترى الحبل بتكراره في الصخرة الصماء قد أثرا
    واذكر قضية العابد الذي بقي في مكة أربعين سنة وهو يقول لبيك اللهم لبيك والهاتف يقول لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك وهو ملازم لم يبرح من موضعه ولم يرجع عن عمله فجاء إليه رجل يزوره فلما قال الرجل العابد لبيك فقال له الهاتف لا لبيك فقام الزائر منصرفاً عنه وقال في نفسه هذا رجل مطرود فناداه العابد مالك فقال يا سيدي أنت قلت لبيك والقائل قال لك لا لبيك فقال له يا هذا لي أربعون سنة هذا الخطاب وهل ثم أبواب أخرى نأتيه منها أنا واقف ببابه ولو طردني ألف مرة ما برحت عن بابه فقبله الحق تعالى فلما قال لبيك قال الحق تعالى لبيك وسعديك أو كما قال فانظر من لازم الباب كيف التحق بالأحباب وفتح في وجهه الباب ولذلك قال عليه السلام أحب العلم إلى الله أدومه وإن قل وقال أن الله لا يمل حتى تملوا فالمراد من العمل القيام برسم العبودية وتعظيم جانب الربوبية وليس المراد منها طلب الأحوال والمقامات فإن ذلك قدح في الإخلاص عند أهل التوحيد الخاص وقد يكون الحال سبباً في الحجاب لمن وقف معه واستحلاه ولذلك قال بعضهم اتقوا حلاوة الطاعة فإنها سموم قاتلة أي لمن وقف معها وكم ينفذ لي شهود المعبود بها فلا تكن عبد الحال وكن عبد المحول ما نبه على ذلك المؤلف بقوله لا تزكين واردا لا تعلم ثمرته فليس المراد من السحابة الأمطار وإنما المراد منها وجود الأثمار قلت ثمرة الوارد هو هدم العوائد واكتساب الفوائد والتخلية من الرذائل والتحلية بالفضائل وإن شئت قلت ثمرة الوارد الصادق هو ما ينشأ عنه من الذلة والإنكسار والخشوع والسكينة والوقار والحلم والزهد والسخاء والإيثار والتخلص من رق الشهوات الجسمانية والعوائد النفسانية والخروج من سجن الأكوان والترقي إلى فضاء الشهود والعيان والتحرر من يد الأغيار والتمحض إلى تحقيق المعارف والأسرار وكل هذا قد تقدم للمرف مفرقاً قال في أول الكتاب أورد عليك الوارد لتكون به عليه وارداً أو ورد عليك الوارد ليتسلمك من يد الأغيار وليحررك من رق الآثار أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك وقال فيما تقدم قريباً متى وردت الواردات الإلهية إليك هدمت العوائد عليك وقال أيضاً الوارد ياتي من حضرة قهار لأجل ذلك لا يصادمه شئ إلا دمغة فإذا ورد عليك وارد ولم يترك فيك هذه الخصال فلا تزكه واتهم نفسك فيه لئلا يكون شطانياً فإن الوارد الإلهي تعقبة برودة وسكون وزهد وطمأنينة وفترة والوارد الشياطين تعقبه حرارة وقساوة وتكبر وصولة ورؤية نفس فليس المراد من الحال فرحه وخفته وشطحته إنما المراد منه ثمرته فهو كسحابة الأمطار فليس المراد منها وجود الأمطار وإنما المراد ما ينشأ عنها من وجود الأثمار فلا تطلب بقاء الحال فقد يكون بقاؤه ضررا لك فإن دوام الأمطار يعود نفعها ضررا وإلى ذلك أشار بقوله لا تطلبن بقاء الواردات بعد أن بسطت أنوارها وأودعت أسرارها فلك في الله غني عن كل شئ وليس بغنيك عنه شئ قلت طلب الشئ يدل على محبته ومحبة الشئ عبودية له والحق تعالى لا يحب أن تكون عبداً لغيره فلا تطلب معه حالاً ولا مقاماً فإن وردت عليك الأحوال وهي الواردات الإلهية ثم انقشعت وانصرفت فلا تطلب بقاءها بعد أن بسطت في قلبك أنوارا فأخرجت منه ظلمة الأغيار وصور الآثار وأودعت أسرارها من مزيد الأيقان وشهود العيان أو تقول لا تطلب بقاء الواردات بعد أن بسطت أنواره أن من هدم عوائد نفسك عليك فتحررت من رق الشهوات الجسمانية والعوائد النفسانية وتخليت من الرذائل وتحليت بالفضائل فهذه آثار أنوار الواردات وبعد أن أودعت أسرارها في قلبك من اليقين والطمأنينة والمعرفة أو من الزهد والرضى والتسليم أو من الخشوع والتواضع والذلة والإنكسار فهذه علامة صدق الوارد وحصول نتيجته فإذا حصلت النتيجة فلا حاجة للشيخ لشئ فلك في الله غني عن كل شئ فلا تفتقر إلى شئ وليس يغنيك عنه شئ وسيأتي للشيخ ماذا فقد من وجدك وما الذي وجد من فقدك وقال الشاعر
    لكل شيء إذا فارقتـه عـوض
    وليس لله أن فارقت من عوض
    وفي الإشارة عن الله تعالى لا تركنن إلي شئ دوني فإنه وبال عليك وقاتل لك فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك وإن آويت إلى العمل رددناه إليك وإن وثقت بالحال وقفناك معه وإن آنست بالوجد استدرجناك فيه وإن لحظت الخلق وكلناك إليهم وأن اغتررت بالمعرفة نكرناها عليك فأي حيلة لك وأي قوة معك فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبداً اه وسئل أبو سليمان الداراني عن أفضل ما يتقرب به إلى الله فقال أقرب ما يتقرب به إلى الله أن يطلع على قلبك وهو لا يريد من الدنيا والأخرة سواه وفي ذلك قيل
    من عرف الله فلم تغنـه
    معرفة الله فذاك الشقي ما يصنع العبد بعز الغنى
    والعز كل العز للمتقي فإذا حصل لك الغني بالله استغنيت عن كل ما سواه فلا تتطلع إلى بقاء حال ولا وارد ولا مقام سوي شهود الملك العلام فتطلعك إبى بقاء تحال أو وارد دليل على عدم غناك به كما أبان ذلك بقوله تطلعك إلى بقاء غيره دليل على عدم وجدانك له قلت إذ لو وجدته ما طلبت شيئاً ولا افتقرت إلى شيء أصلاً فكل من يفرح بالوارد والحال فهو غيره متحقق بالوصال وكل من يفتقر لغير الله فليس بعارف بالله وكل من يحتاج إلى شيء أو يركن إلى شيء فليس من الله في شيء وليس على شئ وكثيراً ما كنت تقول للفقراء كل من تروه يزور غير الشيخ بعد أن قبض الورد فهو باق من العوام ولم يدخل بلاد الخصوص لقلة صدقة ولو دخل بلاد الخصوص لاجتمعت همته وان جمع قلبه واستغنى عن ماء غيره فتعطشه إلى غير شيخه دليل على انه لم يشرب من مائه ولله در القائل ويقال أنه الغزالي حيث قال كانـت لـقـلـبـي أهـواء مـفـرقة
    فاستمعجت مذ رأتك الـعـين أهـوائي فصار يحسدني مـن كـنـت أحـسـده
    وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي تركت لـلـنـاس دينـهـم ودنـياهـم
    شغـلاً بـذكـرك يا دينـي ودنــيائيومن علامة الغني به أيضاً الإنس به والوحشة من غيره فالله يغني عن كل شيء ولا يغني عنه شئ فإذا فقد حالاً أو مقاماً سوى شهود ربه ثم استوحش منه فهو بعيد من الحضرة كما أبان ذلك بقوله استحاشك بفقدان ما سواه دليل على عدم وصلتك به قلت استحاشك بفقدان الأحوال والواردات دليل على عدم وصلتك إذ لو وصلت غليه لم تستوحش ممن فقدان شئ وفي الحقيقة ما فقدت شيئاً وهذه علامة الغني بالله أنه إذا فقد شيئاً مما هو في العادة يؤلم فقده كالولد مثلاً أو قريباً أو فاتته عبادة حسية مثلاً أو غير ذلك فإنه يرجع للمعرفة فالله يغني عن كل شئ وهو المقصود من العبيد قال الله تعالى لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم قال في التنوير الهم أن الله سبحانه إنما يدخلك في الحال لتنال منها لا لينال منك وإنما جاءت لتحمل هدية التعريف من الله إليك فيها فتوجه إليها باسمه المبدى فأبداها وأبقاها حتى إذا وصلت إليك ما كان لك فيها فلما أدت الأمانة توجه إلهيا باسمه المعيد فأجرعها وتوفاها فلا تطلبن بقاء رسول بعد أن بلغ رسالته ولا بقاء أمين بعد أن بلغ أمانته وإنما بفتضح المدعون بزوال الأحوال بعزلهم عن مراتب الأنزال هنالك يبدو العوار وتنتهك الاستار فكم من مدع الغني بالله وإنما غناه بطاعته أو بنوره أو قتحه ولكم من مدع العز بالله وإنما إعزازه بمنزلته وصولته على الخلق معتمداً على ما ثبت عندهم من معرفته فكن عبد الله لا عبد العلل وكما كان لك رباً ولا علة فكن عبداً له ولا علة لتكون له كما كان لك اه هذا آخر الباب الثالث والعشرين وحاصلها الكلام على القرب والوصال وما ينشأ عن ذلك من مقامات الأنزال ونتائج الأحوال والغنى بالله عنها في كل حال فهذا هو النعيم على الدوام والإتصال الذي فتح به الباب الرابع والعشرين فقال رضي الله عنه النعيم وأن تنوعت مظاهره غنما هو بشهود واقترابه والعذاب وأن تنوعت مظاهره إنما هو بوجود حجابه فسبب العذاب وجود الحجاب واتمام النعيم بانظر إلى وجهه الكريم قلت نعيم الروح وعذابها إنما هو بشهود وبها واحتجابها وذلك بعد تخلصها من عالم الأشباح وترقيها إلى عالم الأرواح فيكون حينئذ نعيمها روح الوصال وريحان الجمال وعذابها احتجابها عن شهود ذلك الجمال وبعدها عن الكبير المتعال وهذا الأمر حاصل في دار الدوام لجيمع الأنام لأنه تميز الحق من الباطل وعرف كل واحد مثواه ومستقره فأهل الجنان أحسوا بالرضى والرضوان فهم عالمون بقرب الحق منهم ورضاه عنهم لكنهم متفاوتون في العلم فمنهم من يعلم من وراء الرداء ومنهم من يعرف داخل الرداء إلا أهل الأذواق وأما أهل النار فأحسوا بالبعد من الواحد ربهم الإرداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ولا يفهم هذا الرداء إلا أهل الأذواق وأما أهل النار فأحسوا بالبعد من الواحد القهار فتضاعف عذابهم في دار البوار ولو أن الحق تعالى تجلى لهم بصفة جماله لأنساهم ذلك اليوم عذابه ولو أنه تعالى احتجب عن أهل الجنة لضاق عليهم فسيح الجنان ولا نقلب نعيمهم نقمة وعذاباً أما من كان في دار الدنيا عارفاً فلا يحتجب الحق تعالى عنه كما شهده هنا بوسائط أنواره يشهده ثم بلطائف أسراره بل ثم أولى لغلبة المعنى على الحس والقدرة على الحكمة وأما من كان هنا محجوباً فهو أيضاً محجوب قال تعالى ومن كان في هذه أعمة فهو في الآخرة أعمة وللآية تفسيران ظاهر وباطن لكن في دار البقاء يرق الحجاب لرقة الإبدان ولطافتها فلذلك صار نعيمهم لا يكمل إلا بشهود القرب فإذا فقدوه تنغص لأن في تلك الدار صار الحكم للأرواح وفي هذه لدار الحكم للأشباح إلا من ترقى هنا إلى ألم الأرواح فهو من أهل الجنة فنعميه نعيم الأرواح وهو روح الوصال وشهود الكمال فنعيمه بشهود اقترابه ورضوانه فلون زال عنهم شهود القرب أو انقطع عنهم مدد الرضوان لضاق عليهم فسيح الجنان وأما نعيم الأشباح وعذابها أعني من كان محجوباً بها فإنما هو لموافقة ما يلام طبعه أو مخالفته فإذا جاء ما يلايمه من صحة وعافية وجمال حسي فهو في حقه نعيم وإذا جاء ما يخالف طبعه من وجع أو فقد أو منع أو فتنة فهو عذاب في حقه إذ لاحظ له في لذة القرب ومرارة البعد فإنما حظه من التعيم نعيم البهائم نعم لو قدرنا أن العادة تخرق له ويتجلى الحق تعالى له في حال عذابه الحسي بصفة جماله لنسى ذلك العذاب والحاصل أن كلام الشيخ إنما هو في حق أهل القرب أو الشهود بحيث يجد لذة القرب وحلاوة الشهود ويحس بمرارة البعد وضيق الحجاب في هذه الدار وفي تلك الدار هذا ما ظهر لي وهذا الذي ذكره الشيخ مذوق عند أرباب العشق فكم من عاشق ضرب من أجله غبت عن الم الضرب فلما غاب عني وجدت أمله قلت ولهذا المعنى استلذ العارفون الفاقات وأنواع التعرفات وضروب البليات لما ذاوقا في ذلك من إقبال محبوبهم ورضي مشهودهم كان بعض الصحابة رضي الله عنهم يقول ألا حبذا المكروهات الثلاث الفقر والمرض والموت أي ما أحبهم لي وأعزهم وكانت زوجة بلال تصيح عند موته واكرباه فيقول هو واطرباه غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبه ولما ضرب عامر بن فهيرة بالرمح ونفذ من ظهره إلى صدره قال فزت ورب الكعبة وكان بعض الأولياء مجذوماً وهو يدعو للمرضى فيبئرون من حينهم فقيل له لو دعوت الله يخفف عنك فقال رأيت رب العزة في النوم وهو يقول لي أتريد أن أبتليك ببلية أرفع لك بها أعلى الدرجات قلت نعم فأصبح مجذوماً فانظر هؤلاء السادات لما عرجوا من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح لم يبق لهم نعيم ولا عذاب إلا نعيم الأرواح وعذابها وأما عذاب الأشباح فقد غابوا عنه فكان نعيم هؤلاء وقوت أوراحهم هو ذكر ربهم وشهود نروه أو اقترابه حتى صار لهم غذاء لا بقاء لهم إلا به ولا غنى لهم عنه ولو فقدوه لفارقت أرواحهم وأشباحهم وفي ذلك قيل بالقوت إحياء الجسوم وذكره
    تحيا به الألبـاب والأرواح خز هيشهم ووجودهم حياتهم
    حقاً وروح نفوسهم والراح وقد قلت في قصيدة لي عينية ولي لوعة بالراح اذفيه راحـتـي
    وروحي وريحاني وخيره واسـع سكرنا فهمنا في بهاء جـمـالـه
    فغبنا عن الإحساس والنور ساطع بدت لنا شمس النهار وأشـرقـت
    فلم يبق ضوء النجم والشمس طالع والحاصل أن نعيم الأرواح التي تشاهد نحبوبها لا ينقطع عنها فنعيم العارفين لا ينقطع لأن قرب الحق لا ينقطع فمن بعدت نفسه أخس بالعذاب ولزمه الهموم والأحزان والنصب كما أبان ذلك بقوله ما تجده القلوب من الهموم والأحزان والنصب كما أبان ذلك بقوله ما تجده القلوب من الهموم والأحزان فلأجل ما منعته من وجود العيان قلت إنما كان سبب الهموم هو فقد الشهود لأن الحق تعالى قريب على الدوام رقيب على الوام فمن كان قريباً من الحبيب فكيف يحس بفراق شئ أو فواته نظر الحبيب يغيب وقريب وأيضاً كل ما ينزل من عند الحبيب فهو حبيب فلا يلحقه شيء مكروه عنده حتى يهتم به ولا يفوته محبوب سوى محبوبه حتى يحزن عليه ففي محبوبه اجتمعت المحاسن كما قال القائل تذلل له تحظـى بـرؤيا جـمـالـه
    ففي وجه من تهوي الفرائض والنفل وفي هذا المعنى أيضاً قال صاحب العينية تذللي الآلام إذ كنت مسقـمـي
    وأن تخبرني فهو عندي صنائع وبالجملة من كان نظره إلى محبوبه ومشاهداً لنوره وجماله لم يبق له هم ولا غم كما قال ابن الفارض في شهود الخمرة فما سكنت والهم يوماً بموضع
    نكذلك لم يسكن مع النغم الغم وقال أيضاً ولو خطرت يوماً على خاطر امريء
    أقامت به الأفراح وارتحل الـهـم ومما أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود لا تمزج هم غيري بقلبك فتنقص منه حلاوة الروحانيين يا داود أنا مصباح قلوب الروحانيين ومن كنت مصباح قلبه لم يغتم أبداً يا داود إنما مرادي من خلقي أن يكونوا روحانيين اه وبالجملة من كان عبداً لله غائباً عما سواه لم يبق له شئ من الهم لأنه قد حصلت له المعية التي توجي النصر والظفر بكل ما يريج ألا ترى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر لا تحزن أن الله معنا حين أحدق به المشركون فكان لعيه الصلاة والسلام في محل العيان فلم يهمه شئ ولم تقرب من ساحته الأحزان وكان أبو بكر في ذلك الوقت موقناً غير مشاهد فدله عليه السلام على مقام الكمال لأن الشهود فوق الإيقان وأنشدوا كبر العيان على حتـى أنـه
    صار اليقين من العيان توهما ومن جملة ما وقع من الاهتمام به لمن لم يكمل يقينه أمر الرزق وخوف الخلق حتى قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه من ضمنهما لي ضمنت له الولاية أشار الشيخ إلى الأول بقوله من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك ويمنعك ما يطغيك قلت من تمام نعمة الله على عبده أن يوجه همته إليه ويفرغ قلبه م التعلق بغيره كائناً ما كان فيرزقه ما يكفيه عن التعلق بغيره وهو الغنى بالله إذ لا نعمة أعظم من الغني بالله والغيبة عما سواه ويكفيه كل ما يطغيه حتى يشتغل به عن ربه فإذا رزقك الحق تعالى ما يكفيك لقيام بشريتك أكلا ولباسا ومسكنا ولقيام روحاًنيتك علماً وعملاً وذوقاً ومعرفة ومنعك ما يطغيك ويشغلك عن حضورك مع ربك فقد أتم نعمته عليك فاشكره على ما أسدى إليك وتوجه إليه وحده فيما تعذر عليك وادفع ما يشغل قلبك من النهوض إليه أن الله يدافع عن الذين آمنوا أن الله مع الذيم اتقوا والذين هم محسنون وقد استعاذ عليه السلام مما يشغل القلب وينسى الرب فقراً أو غنى فكان يتعوذ من الفقر المنسي والغني المطغي وقال اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً وقال عليه السلام خير الذكر الخفي أي في القلب وهو الفكرة وخير الرزق ما يكفي وقال عليه السلام ما طلعت شمس ألا وييجناحيها ملكان يسمعان الخلائق غير الثقلين أيها الناس هلموا إلى ربكم ما قل وكفى خير مما كثر وإلهي وقال عليه السلام ليس الغنى بكثرة العرض إنما الغنى غنى النفس وفي ذلك قيل غنى النفس ما يكفيك عن سد خـلة
    فإن زدت شيئا عاد ذاك الغنى فقرا وقال عبد لواحد بن زيد رضي الله عنه سمعت أن جارية مجنونة في خراب الأيلة تنطق بالحكم فكنت أطلبها وجدتها وهي محلوقة الرأس وعليها جبة صوف فلما رأتني قالت مرحباً بك يا عبد الواحد فعجبت من معرفتها لي ولم ترني فقلت لها رحب الله بحك ثم قالت ما جاء بك قلت تعظيني قالت واعجبا لواعظ يوعظ يا عبد الواحد اعلم أن العبد إذا كان في كفاية ومال إلى شيء من الدنيا سلبه الله حلاوة الزهد وظل حيران ولها فإن كان له عند الله نصيب عاقبه وحيا في سره فيقول به عبدي أردت رفع قدرك عند ملائكتي وأجعلك دليلاً لا وليائي ومرشداً لأهل طاعتي فملت إلى عرض الدينا وتركتني فأورثك ذلك الوحشة بعد الأنس والذل بعد العز والفقر بعد الغنى ارجع إلى ما كنت عليه أرجع إليك ما كنت تعرفه من نفسك ثم انصرفت عني وتركتني وبقيت حسرتها في قلبي وفي بعض الكتب المنزلة أن أهون ما أصنع بالعالم إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتي اه وإنما كانت الكافية نعمة والزيادة عليها نقمة كما قال الشيخ لأن النفوس مجبولة على حب العطاء وكراهية الفقد فإذا أعطاها فرحت وإذا أزال عنها حزنت فمن أراد أن يدوم سرورك فلا تملك شيئاً تحزن على فقده لأن حزنك على فقده دليل محبتك له فإذا اقتصرت على الضرورة والحاجة من مال أو جاه أو عز أو غير ذلك فلا تجد ما تفقده حتى تحزن عليه قيل لبعضهم لم لا تغنم قال لأني لا أقتني ما يغمني وفي ذلك قيل ومن سره أن لا يرى ما يسؤه
    فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقدافإن صلاح المرء يرجع كلـه
    فسادا إذا الإنسان جاز به الحدا يحكى أنه رفع لبعض الملوك قدح من فيروز مرصعاً بالجوهر لم ير له نظير ففرح به الملك فرحاً شديداً فقال لبعض الحكماء عنده كيف ترى هذا فقال أراه مصيبة وفقرا فقال كيف ذلك فقال أن انكسر كان مصيبة لا صبر لها وإن سرق صرت فقيراً إليه ولم تجد مثله وقد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر فاتفق انكسار القدح فعظمت مصيبة الملك به فقال صدق الحكيم لبته لم يحمل إلينت اه وهنا ميزان آخر أحسن من هذا وهو أنك إذا اطلقت من نفسك وجعلتها غرضاً لسهام أقدار ربك لا تعارضه فيما يفعل بك لا شك إنك تستريح ويدوم فرحك لأنك حينئذ منتظر ما يبرز من عند الحبيب فنتلقاه بالرضا والترحيب وهذه حلاوة برد الرضا والتسليم فإن صحبها شهود الفاعل المختار فهو النعيم المقيم وهذه هي الولاية الكبرى من تقلدها لا يعزل عنها أبداً كما أشار إلى ذلك بقوله أن أردت أن لا تعزل فلا تتول ولاية ولا تدوم لك قلت الولاية التي لا تدوم هي الولاية التي تأبى من جهة الفرق وهي ولاية الخلق كخطة السلطة والقضاء والقيادة وغير ذلك من الخطط التي قلدها الله بعض عباده ويدخل فيها أيضاً ولاية المال إذا كان يعظم من أجله أو النسب إذا كان خالياً عن التقوى أو العلم إذا كان خالياً عن العمل وغير ذلك من رياسة الدنيا فإنها تفنى وتنقطع ويعقبها ذل وفقر والولاية التي تدوم هي الولاية التي تأبى من جهة الجمع وهي العز بالله والغنى به والمعرفة له والغيبة عما سواه فلا شك أن هذه ولاية لا تنقطع وشرف لا ينفذ وعز لا يبيد يحكي أن سيدي عبد اله بن المبارك وكان من تابع التابعين ومن العلماء العاملين الزاهدين قدم على هارون الرشيد فلما دخل العسكر انكب عليه العسكر لزيارته فوقع من الازدحام ضجة كبيرة حتى تقطعت النعال وارتفعت الغيرة فأشرفت أم ولد هارون من قصر الخشب فلما رأت كثرة الناس وازدحامهم قالت ما هذا قالوا لها هذا عالم خراسان فقالت هذا والله هو الملك والعز لا ملك هارون الذي يجمع الناس بالوسط والعصى وأيضاً الولاية التي تدوم تنسحب عليه وعلى ذريته ثم تدوم فيهم على قدر جاهه عند الله وعظيم ولايته فكل من عظمت ولايته دامت على أولاده وأتباعه بقدر تلك الولاية وهو معنى قوله تعالى على بعض التفاسير وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم الآية أي وليخش الذين خافوا على أولادهم فإن الله يحفظه فيهم وقيل في قوله تعالى وكان أبوهما صالحاً انه كان جدهم السابع فحفظ الله كنز اليتامى ببركة صلاح الجد والله تعالى أعلم وأما أن توليت الولاية التي لا تدوم كعز بمال أو جاه أو عشيرة أو غير ذلك من عز الدنيا أولها حلو لمتعة النفس ووجود حظها فيها وآخرها مر لفقد تلك الولاية ولو بالموت ولما يعقبه من الذل والهوان ولذلك قال عليه السلام نعمت المرضعة وبئست الفاطمة فإن رغبتك في هذه الولاية التي تفنى حلاوة بدايتها زهدتك فيها مرارة مهايتها فإن غرتك بظاهر بهجتها فاعتبر بباطن حسرتها أن رغبتك فهيا حلاوة إقبالها زهدتك فيها مرارة أدبارها قال الشيخ أبو على الثقفي رضي الله عنه أف لأشغال الدنيا إذا أقبلت وأف من حسرتها إذا أدبرت والعاقل لا يركن إلى شيء إذا أقبل كان فتنة وإذا أدبر كان حسرة وأنشدوا في ذلك ومن يحمد الدينا لـشـيء يسـره
    فسوف لعمري عن قريب يلومها إذا أدبرت كانت على المرء حسرة
    وإن أقبلت كانت كثيراً همومهـا

  20. #40
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,958
    معدل تقييم المستوى
    10
    وكتب على كرم الله وجهه إلى سليمان الفارسي رضي الله عنه مثل الدنيا كمثل الحية لين لمسها قاتل سمها فاعرض عن كل ما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها ودع عنك همومها لما تيقنت من فواقها وكن أسر ما تكون فيها احزن ما تكون منها فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن إلى سرورها أشخص إلى مكروهها وقيل الدنيا أحلام منام وسرورها ظل غمام إحداثها سهام وفتنتها طوام أي أمواج وسمها الله بالوحشة وقرنها بالفجائع والدهشة ثم أوحى لها يا دنياي تشددي على أوليائي وتوسعي على أعدائي فمن نظر الدنيا بعين الأنصاف كفاه منها أقل الأوصاف إذ ليس فيها شئ محمود إلا وقابله شئ مذموم كالمال بالانصراف والذهاب والشباب بالهرم والصحة بالسقم والفرح والحزن والعز بالذل والحياة بالموت قلت حكى عن الولى الصالح سيدي قاسم بن صبيح من قبيلة بني سعيد أنه قصد إذابته بعض الحكام ففر إلى سيدي الغزال بترغة فجلس عند ريحه مشتكياً بلسان حاله فمد له من القبر بعون الريحان كاغدا مكتوباً لم يجف مداده فيه هذان البيتان إذا ما رماك الدهر يوماً بنـكـبة
    فهيء له صبراً ووسع له صدراً لأن تصاريف الزمـان كـثـيرة
    فيوماً ترى عسراً ويماً ترى يسراً
    فمن وقف مع ظاهر الدنيا نادته هواتف باطنها إنما نحن غرة فلا تعتر وهذا معنى قوله أن دعاك إليها ظاهر نهاك عنها باطن قلت ظاهرها خضرة حلوة وباطنها خبيئة مرة قال عليه السلام الدنيا خضرة حلوة وإن مما ينبت الربيع يقتل أو بلم حبطا الحديث فأخبر عليه السلام ا، ظاهر الدنيا خضرة حلوة وباطنها سم قاتل وقد شبه بعض الحكماء الدنيا بسبعة أشياء شبهها بالماء المالح يغرق ولا يروى ويضر ولا ينفع قلت وكذلك الدنيا تغرق صاحبها في حبها ويموت عطشاناً منها وشبهها بظل الغمام يغر ويخذل قلت وهو الذي يغطي بعض المواضع فإذا أشرقت الشمس تقشع عنه وشبهها بالبرق الخاطف يعني في سرعة الذهاب والاضطراب وبسحاب الصيف يضر ولا ينفع وبزهر الربيع يغر بزهوته ثم يصفر فتراه هشيماً وبأحلام النائم يرى السرور في منامه فإذا استيقظ لم يجد في يده شيئاً إلا الحسرة وبالعسل المشوب بالسم الزعاف يعر ويقتل اه قال حفيده فتأملت هذه الحروف السبعة سبعين سنة ثم زدت فيها حرفاً واحداً فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها اه نقلها ابن عباد رضي الله عنه فانظره ثم علل كون الدنيا بهذه الأوصاف من كونها محلا للأغيار ومعدناً لوجود الأكدار تزهيداً لك فيها قلت إنما وسم الله الدنيا بهذه الأوصاف من كونها محلا للأغيار والأحزان ومعدناً لوجود الأكدار والفتن تزهيداً لك فيها فتقبل بكليتيك عليه وتتوجه بهمتك إليه ولتعرض عن الدنيا وتقبل على الآخرة قال بعضهم إنما مثل الدنيا كالبرح الهائل المحيط والآخرة من وراء ذلك البحر ولا ينكشف الحجاب عن عين القلب بالنظر إلى الدار الآخرة إلا بعد الجواز على ذلك البحر في سفن الصبر والرضى لأنه يحر لجي يغشاه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض يغشاه موج الشهوات من فوقه موج الغفلات من فوقه سحاب الكائنات وأيضاً لو بسطت لك الدنيا لكرهت لقاء الله فيكره الله لقاءك ولو بسطت لك العوافي والنعم لركنت الروح إلى هذا العالم فتبقى دائماً في عالم الأشباح والمقصود منك هو الرحيل إلى عالم الأرواح فضيق الحق تعالى عليك هذا العالم السفلي لترحل منه بهمتك إلى العالم العلوي فهو منه سبحانه إنعام وإحسان لكنها في قالب الامتحان فلا يذوقها إلا أولوا البصائر الحسان فهذا ما أشار إليه بقوله علم أنك لا تقبل النصح المجرد فذوقك من ذواقها ما سهل عليك فراقها قلت قد علم الحق سبحانه أن من عباده من لا يقبل النصح بمجرد القول فلا يزهد في الدنيا بمجرد سماع الوعظ إذ كثير من أهل العلم والفهم يسمعون القرآن يقرعهم عليها ويحذرهم من غرورها وهم غائبون عن ذلك التذكير مشغولون بما يوجب لقلوبهم التذكير فلما أراد سبحانه أن يصطفى لحضرته من شاء من عباده نغصها عليهم وشدد عليهم البلاء والمحن وأجرى على ظاهرهم واهتموا بآجالها حين اهتم الناس بعاجلها الحديث وقد تقدم عند قوله الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة فكل ما ينزل بالولى من هذه التعرفات الجلالية التي تغير النفس وتقهرها فهو خير كثير في حقه فقد قالوا الامتحان بقدر الإمكان وكل محنة تزيد مكنة واختبار الباقي يقطع التباقي فقد تبقى في القلب بقية من حب شئ من هذا العالم أو ركون لشئ من الدنيا فيسلط عليه من بشوشه عليه وينغصه لديه كل ذلك عناية به ليرحل من هذا العالم إلى عالم الملكوت فإذا تحقق رحيله استوى عنده الحلو والمر والعز والذل والغنى والفقر لأنه تحقق أن كلا من عند الله وما في الوجود سواه وهذا هو العلم الحقيقي الذي هو العلم النافع وإليه أشارة بقوله العلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه وينكشف به عن القلب قناعه قلت العلم النافع هو علم القلوب ومرجعه إلى تصفية القلوب من الرذائل وتحليتها بالفضائل أو تقول مرجعه إلى التخلية والتحلية فيبحث أولا عن عيوب النفس وعيوب القلب وعيوب الروح وعيوب السر فيطهر كل واحد من عيوبه فإذا تطهر من الجميع تحلى بصفات الكمال كالإيمان والإيقان والطمأنينة والمراقبة والمشاهدة وتحلى أيضاً بالحلم والرأفة والسخاء والكرم والإيثار وسائر الأخلاق الحسنة فشعاع العلم الذي ينبسط في الصدر هو ثلج اليقين وبرد الرضى والتسليم وحلاوة الإيمان ومواجيد العرفان وينشأ عن ذلك مخافو الله وهيبته والحياء منه والسكون والطمأنينة وغير ذلك مما تقدم من الأخلاق الحسنة والقناع الذي ينكشف به عن القلب هو الغفلة وسبب الغفلة هو الرضى عن النفس وسبب الرضى عن النفس هو حب الدنيا الذي هو أصل كلك خطيئة فمن حب الدنيا ينشأ الحسد والكبر والحقد والغضب والشح والبخل وحب الرياسة والقساوة والفظاظة والقلق وغير ذلك من العيوب فإذا انكشف هذه الأمور عن القلب انبسط فيه شعاع العلم الذي هو ثلج اليقين وبرد الرضى وما تقدم ذكره لأن العلم بالله نور في القلب وينبعث منه شعاع تنبسط فيه شعاع العلم الذي هو ثلج اليقين وبرد الرضى وما تقدم ذكره لأن العلم بالله نور في القلب وينبعث منه شعاع تنبسط في الصدر فتكسبه الزهد في الدنيا فإذا زهد في الدنيا اتسع صدره باليقين والرضى والتسليم وغير ذلك من المحاسن فكشف القناع مقدم على بسط الشعاع فلو قدمه لكان أولى لأن التخلية مقدمة على التحلية فلوتن قال عن الذي ينكشف به عن القلب قناعه وينبسط في الصدر شعاعه ويحتمل أن يريد بانبساط الشعاع في الصدر نور الإسلام والإيمان وهي أنوار التوجه وبكشف القناع عن القلب كشف حجاب الحس وظلمة الكون فتبدو أنوار المواجهة وهي أنوار الإحسام وأسرار العرفان وعلى هذا يكون ترتيب كلام الشيخ حسن والله تعالى أعلم والحاصل أن العلم الذي يوجب الخشية هو العلم النافع ويغره ليس بنافع وإليه أشار بقوله خير علم ما كانت الخشية معه فإن لم تكم خشية فلا خير فيه لأنه حجة على صاحبه وإليه أشار بقوله العلم أن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك قلت لأن العلم الذي تصحبه الخشية يمنع صاحبه من الغفلة وأسبابها ويزهده في كل ما يشغل عن العمل به ويرغبه في كل ما يقربه إلى ربه فيكون عوناً له على الوصول إلى معرفة الله والقريب من ساحة رضاه فإن لم تقارنه الخشية كان وبالا عليه لأنه حينئذ حجة عليه لأن المعصية مع العلم أقبح من المعصية مع الجهل وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال ويل للجاهل مرة وويل للعالم إذا لم يعمل عشر مرات ذكره الغزالي ومثله قول الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه في حزبه الكبير فالويل لمن لم يعرفك بل الويل ثم الويل لمن أقر بروحانيتك ولم يرض بأحكامك فإن قلت فد ورد في بعض الحاديث أن يغفر للعالم أربعين ذنباً قبل أن يغفر للجاهل ذنباً قبل أن يغفر للجاهل ذنباً واحداً قلت قد يجاب بأن الحديث الأول ورد في من مات مصراً من العالم والجاهل فإن عذاب العالم أكثر لأنه قد ورد أنه يجر قصبة في النار ويدور في رحي بجهنم بخلاف الجاهل لميرد فيه هذا والحديث الثاني فيمن تحققت توبته منهما فإن العالم بيده مصباح العلم يستدرك به ما فات أكثر من الجاهل إذا ماتا مصرين والثاني فيهما إذا تابا وأصلحا والله تعالى أعلم وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي العلم كالدنانير والدراهم إن شاء الله نفعك بها وأن شاء ضرك بها وقال في لطائف المنن فشاهد العلم الذي هو مطلوب الله تعالى من عباده الخشية لله وشاهد الخشية موافقة الأمر أما علم تكون معه الرغبة في الدنيا والتملق لا ربابها وصرف الهمة لاكتسابها والجمع والادخار والمباهاة والاستكبار وطول الأمل ونسيان الآخرة فما أبعد من هذا علمه من أن يكون من ورئة الأنبياء عليهم السلام وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث ومثل من هذه الأوصاف أوصافه من العلماء كمثل الشمعة تضيء على غيرها وهي تحرق نفسها جعل الله العلم الذي علمه من هذا وصفة حجة عليه وسبباً فيك تكثير العقوبة لديه اه قال الشيخ زروق رضي الله عنه وفيه أشعار بأن العالم غير المتقى ليس بوارث وفيه نظر لأن إفساد الموروث والعمل به في غير حق لا يخرج عن كون الوارث وارثاً والعقوق لا ينفي النسب لكن يقال فيه وارث سوء وقد أثبت الله العلم لمن لا يخشاه وما نفاه عن من لم يخشه اه قلت وقد يقال الموروث عن الأنبياء هو غاية العلم وثمرته وهي الخشية والمعرفة به لا مجرد الرسوم لأن ذلك واسطة فإذا لم يحصل الموسوط فلا عبرة بالواسطة فإذا لا وراثة لعالم الرسوم إذ ليست مقصودة بالذات وقد كان الشيخ الولى الكبير ابن أبي جمرة يقول في علماء وقته إنما هم معلمون يعني أنهم محترفون بحرفة العلم فهم صناع وليسوا بعلماء والله تعالى أعلم وقد أشبع الشيخ ابن عباد الكلام في هذا الموضع فليطالعه من أراد تخليص نفسه من حجة العلم بالله تعالى التوفيق ومن علامة العلم النافع القناعة بعلم الله والاكتفاء بتظره وثمرة القناعة عدم المبالاة بذم الناس ومدحهم وإقبالهم وأدبارهم اكتفاء بعلم الله ونظره كما أبان ذلك بقوله متى آلمك عدم إقبال الناس عليك أو توجههم بالذم إليك فارجع إلى علم الله فيك فإن كان لا يقنعك علمه فيك فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم قلت إذا سلط الله عليك خلقه ليختبرك هل أنت غنى به أو بخلقه فأدبروا عنك أو اشتغلوا بذمك وشتمك ثم توجعت من ذلك فارجع إلى علم الله فيك وإطلاعه عليك إذ لا يخفى عليه شئ من أمرك فإن كفاك ذلك وقنعت به وأنست بذكره أو شهودهن استوى عندك ذمهم ومدحهم وإقبالهم وأدبارهم بل ربما آثرت أدبارهم إذ فيه راحتك وتفريغ قلبك مع ربك فإن لم تقنع بعلم الله ولم تكتف بنظره وتأسفت على أدبارهم أو تأملت من أذاهم فمصيبتك بضعف إيمانك وذهاب يقينك أشد من مصيبة ذم الناس وأدبارهم عنك لأن هذا موجب لسخط الله وغضبه وسقوطك من عين محبته وأما إذاية الخلق وبعدهم عنك فرحمة بك وأيضاً إذا اشتغل الناس بذمك واضرارك فانظر أنت مقامك مع ربك فإن كنت مع ربك صافياً فلا يكيدك شئ ولا يضرك شئ كما قال شيخ شيوخنا المجذوب رضي الله عنه
    الناس قالوا لي بدعى
    وأنا طريقي منجورا إذا صفيت مع ربـي
    العبد ما منه ضرورا

    يتبع...........

+ الرد على الموضوع
صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. إيقاظ الهمم في شرح الحكم - أحمد بن عجيبة الحسني
    بواسطة محمد السعافين في المنتدى المكتبة
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 08 Nov 2010, 05:00 AM
  2. أنشودة : يا من يغيث المستغيث بدون إيقاع
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 22 Nov 2008, 07:45 PM
  3. كتاب : الحكم المدنية
    بواسطة محب الحبيب علي في المنتدى المكتبة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 30 Aug 2008, 10:08 PM
  4. إنا لله , ماتت الهمم!!
    بواسطة أحمد الحمّادي في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 26 Jun 2008, 06:19 AM
  5. مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 24 Nov 2007, 07:20 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
Arta Fans لعبة سونيك العاب بنات طبخ لعبة جاتا لعبة المصارعة لعبة كراش
MidPostAds By Yankee Fashion Forum