د. محمد يوسف موسى

خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، فجعله مركبا من جسم وروح، لكل منهما مطالبه، ومن عقل يهديه سواء السبيل، ويكون له ميزانا يعرف به الخير من الشر.

والدين الحق يعرف لكل من الجسم والروح حقه، ويوحي إلى الإنسان أن يعمل على ألا يطغى أحدهما على الآخر؛ وهكذا شأن الإسلام، خاتم الأديان الإلهية والرسالات السماوية، فهو الدين الوسط المحمود الذي ينأى عن الإفراط والتفريط.

وهو إن لم يغفل شأن الجسم أو الروح؛ فلم يجعل الرهبانية سنة من سننه ولا فضيلة من فضائله، كما لا يرضى لأحد من أبنائه، أن ينال من لذائذ الحياة ما شاء له الجشع والشره، ورحم الله الشاعر العربي إذ يقول:

وإنك إن أعطيت بطنك سؤلها
وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

بل إن الإسلام أمرنا أن نعيش في قصد واعتدال، وأن يكون أمرنا قواما بين الإفراط والتفريط، وذلك في هذه الناحية وغيرها من جميع شؤون الحياة.

وفي ذلك يقول القرآن العظيم في صفات المؤمنين: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواما)، ويقول (قل من حرم زينة التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق).

بهذه التوجيهات الربانية في الحياة، وبهذا المقياس الذي وضعه الله لسلوكنا بصفة عامة، يكون الإنسان قد حقق طبيعته التي خلقه الله عليها، وهي أن يكون إنسانا حقا، لا حيوانا ولا ملكا.
ولكن قوما فتنتهم الحضارة الغربية، بما دخل فيها من المقومات الفلسفية عن اليونان والرومان والفلاسفة المحدثين، فتناسوا ما للقيم الروحية- وهي ما يمتاز به الإنسان عن الحيوان- من أثر لا يقادر قدره في الحياة.

ومن أجل ذلك، نراهم لا يعجبون من أن الغرب عرف كيف يغوص في الماء، ويطير في الهواء، ويصل إلى القمر وغيره من الكواكب؛ ولكنه مع ذلك كله، لم يعرف حتى اليوم، كيف يسير على وجه الأرضن وربما لن يعرف هذا بحال!

هذا، ومصدر القيم الروحية جميعها الذي تنبثق منه، وأساسها وملاك أمرها، هو"الإيمان" بكل ما تتسع له هذه الكلمة من معان ومدولات؛ الإيمان بالله مصدر كل شيء، وبرسله الذين جاءوا لهداية العالم كله، وبالإنسانية وما ينبغي لها من محبة وتعاون في سبيل الخير العام، وبالإنسان وأنه قبس من نور الله، فيجب صونه منيرا وهاجا.

إن هذا الإيمان متى ملأ القلب واستقر في النفس، يكون أصل الخير ومنبعه، ومعين الرحمة والقوة، والعدل والوفاء والإحسان، والإخاء والتعاون، والصدق والشجاعة والكرم والإيثار، ومحبة الغير والإنسانية كلها، إلى غير ذلك كله من جميل الصفات وكريم الأخلاق.

ونريد من الإيمان أن يكون عقيدة تتأصل في قلب الإنسان وتملك عليه حسه ووجدانه وعواطفه؛ فهي راسخة في كل حال، وعنها تصدر كل أقواله وأعماله، تزلزل الأرض ولا يتزلزل، وتحول الجبال ولا يتحول.

نريد من المؤمن ألا يكون يعبد الله على حرف؛ فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه؛ خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، بل يجب أن يكون من من الله عليه، بعقيدة الإيمان بالله وشريعته ووطنه، أن يظل هكذا مؤمنا بما اطمأن إليه قلبه على كل حال، من العسر واليسر والشدة والرخاء؛ فهو لا يعيش إلا به وله.

وبتعبير آخر، نعني أن يكون الإيمان يراها المؤمن أنها الحق اليوم وغدا وكل يوم، وتصرفه في شؤونه على منهاج يحقق الخير لنفسه ووطنه وأمته. عقيدة تسامت عن أن تناولها الشكوك والظنون، وتعالت عن أن يلتمس لها الدليل بعد أن استقرت في قلبه، وملأت نفسه من جميع أقطارها.

إنها حينئذ تكون عقيدة تملأ الإنسان نورا يهديه سواء السبيل، ورحمة وحنانا للإنسانية كلها ولجميع ما خلق الله حتى الحيوان، وتدفعه إلى العظيم من الأمور، وتجعله يعمل جهده لخير نفسه وأمته والعالم كله، وتحبب إليه الإيثار والتضحية في سبيل ما يرى أنه حق وخير، وهو بذلك كله راض مسرور سعيد.

وليس المراد في رأينا في هذه الكلمة، أن يكون الإنسان مؤمنا بدين معين، بل أن يكون مؤمنا بدين صحيح جاء من عند الله العليم الحكيم، فإن كل هذه الأديان الصحيحة تأمر بكل خير، وتنهى عن كل شر، وتحث المؤمنين بها على الإفادة والمحبة والتعاون، وتجعل المتدينين بها يحسون من أعماق قلوبهم ونفوسهم، أن الناس جميعا عباد لله لا فرق بين أمة وأخرى، وقديما قال بعض الحكماء والفلاسفة: ليس للناس إلا إله واحد، والعالم كله معبده.

الإيمان إذا قوة روحية قدسية، لها خطرها العظيم على الفرد والمجتمع، وكذلك على العالم كله متى ساده الإيمان الكامل بالدين الحق، وهو الإسلام الذي أتم الله به نعمته علينا، ورضيه للناس جميعا في كل زمان ومكان، وهو الطريق المستقيم لسعادة الأفراد والجماعات في الدنيا والآخرة.