جاء في الصحيح عن عمر رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد اثر الرمال في جنبه، متكئا على وسادة من ادم حشوها ليف، فرفعت بصري في بيته، فوالله ما رايت فيه شيئا يرد البصر غير اهبة يوهب - الإهاب: الجلد - ثلاثة، فقلت: يا رسول الله، ادع الله فليوسع على امتك، فان فارس والروم قد وسع عليهم وهم لايعبدون الله، فقال: او في هذا انت يا بن الخطاب؟! ان اولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا.

وسئل ابن تيمية رحمه الله تعالى عن رجل تفقه وعلم ما امره الله به وما نهى عنه ثم تزهد وترك الدنيا والمال والاهل والاولاد خائفا من كسب الحرام والشبهات وعذاب الآخرة، وطلب رضا الله ورسوله وساح في ارض الله والبلدان فهل يجوز له ان يقطع الرحم ويسيح كما ذكر ام لا؟ فأجاب: الزهد المشروع هو ترك كل شيء لا ينفع في الدار الآخرة وثقة القلب بما عند الله كما في الحديث الذي في الترمذي: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا اضاعة المال ولكن الزهد ان تكون بما في يد الله اوثق بما في يدك وان تكون ثواب المصيبة اذا اصبت ارغب منك فيها لو انها بقيت لك، لان الله تعالى يقول: 'لكي لاتأسوا على ما فاتكم ولاتفرحوا بما آتاكم' فهذا صفة القلب.

قال ابن قدامة المقدسي، أعلم: ان حب الدنيا رأس كل خطيئة، وبغضها اساس كل طاعة، والزهد فيها رأس المنجيات. ومقاطعتها اما ان تكون بانزوائها عن العبد ويسمى ذلك فقرا، واما بانزواء العبد عنها، ويسمى ذلك، زهدا.

وورد ان رجلا سأل الامام احمد ما الزهد؟ فقال: قصر الامل.
وجاء رجل الى حاتم الاصم، فقالك يا ابا عبدالرحمن اي شيء رأس الزهد، ووسط الزهد، وآخر الزهد؟ فقال حاتم: رأس الزهد الثقة بالله، ووسطه الصبر، وآخره الاخلاص.

دخل عمر بن الخطاب على ابنه عبدالله وعنده لحم، فقال: ما هذا اللحم؟ قال: اشتهيته. قال: وكلما اشتهيت شيئا أكلته؟ كفى بالمرء سرفا أن يأكل ما اشتهاه.

ودخل رجل على ابي ذر رضي الله عنه، فجعل يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر! ما أرى في بيتك متاعا ولا اثاثا. فقال: ان لنا بيوتا نوجه اليها صالح متاعنا. فقال: انه لا بد لك من متاع ما دمت ههنا. فقال: ان صاحب المنزل لا يدعنا فيه!

وذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان، ان أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، قال يوما لابنته عائشة ام المؤمنين، رضي الله عنها: انظري يا بنية ما زاد في مال ابي بكر منذ وليت هذا الامر، اي الخلافة، فرديه على المسلمين. فنظرت، فاذا بكر - ناقة - وقطيفة لا تساوي خمسة دراهم ومجشة، فلما جاء بذلك الرسول الى عمر، قال عمر: رحم الله أبا بكر لقد كلف من بعده تعبا.

وذكر ابن كثير في تاريخه: ان بشر الحافي كان يأكل الخبز وحده. فقيل له: أما لك أدم؟ فقال: بلى، اذكر العافية فاجعلها ادما!
ومن كلامه رحمه الله تعالى: من أحب الدنيا فليتهيأ للذل.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الزهد اقسام، زهد في الحرام وهو فرض عين، وزهد في الشبهات، وهو بحسب مراتب الشبهة، فإن قويت التحقت بالواجب، وان ضعفت كان مستحبا، وزهد في الفضول، وزهد فيما لا يعني من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره، وزهد في الناس، وزهد في النفس بحيث تهون عليه نفسه في الله، وزهد جامع لذلك كله، وهو: الزهد فيما سوى الله، وفي كل ما شغلك عنه، وافضل الزهد اخفاء الزهد، واصعبه الزهد في الحظوظ، والفرق بينه وبين الورع، ان الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة، والقلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع.