اقتباس:
| طيب ماذا تقول عن ابن تيمية الذي يقول أن الله محصور في العرش، وأنه ترك اربع اصابع بجانبه ليجلس معه النبي؟؟ |
أين قال ابن تيمية أن الله محصور ؟!
لاحظ أنك قلت : أن الله محصور ، فأريد منك أن تذكر نص عبارته ، وإلا فأنت أحد الكذابين في شهر العبادة والتصفية ! .
وأما قضية أنه فضل من العرش مقدار أربع أصابع : فهل ذلك كلام ابن تيمية أم أنه نقل نص الحديث الوارد في هذا المعنى ؟ لا بد أن توضح هذا الأمر .
لأن أئمة السلف والأشاعرة أيضاً نقلوا هذه الأخبار وسكتوا عنها ، فهل يقال عنهم أيضاً أنهم مجسمة :
قال السيوطي في الدر المنثور : (وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله (لا تدركه الأبصار) قال : قالت امرأة : استشفع لي يا رسول الله على ربك ، قال هل تدرين على من تستشفعين ، إنه ملأ كرسيه السموات والأرض ثم جلس عليه فما يفضل منه من كل أربع أصابع ، ثم قال : إن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد فذلك قوله : (لا تدركه الأبصار) .
وقال ابن جرير الطبري في تفسيره : (حدثني به عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة! فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: إن كرسيه وسع السموات والأرض، وأنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع- ثم قال بأصابعه فجمعها - وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد، إذا ركب من ثقله) .
فهل الطبري والسيوطي أيضاً يعتقدان أن الله محصور في العرش ؟!! .
أجب يا حسام ، وأعرف أنك تقول إن السيوطي نزه الله في موضع آخر ، فأقول لك : وكذلك ابن تيمية ، فإنه وإن أورد مثل هذا الحديث المروي وفي معرض المناظرة ، إلا أن عقيدة الرجل كما سبق أن بينت لا تؤخذ من وسط المناظرات والردود ؛ لأن الردود من مظان الكلام على سبيل التنزل للخصم ، وهو لا يمثل عقيدته أبداً .
بينما لو رجعت إلى كتب العقائد التي كتبها ابن تيمية في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة تجد أنه ينزه الله تعالى عن معاني الانحصار والتحديد والتكييف إلى غيرها من المعاني الباطلة التي لا تليق بالله تعالى .
فيقول شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية والتي كتبها لبيان معتقد أهل السنة والجماعة الطائفة المنصورة : (وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف .
ولكن يصان عن الظنون الكاذبة مثل أن يظن أن ظاهر قوله (في السماء) أن السماء تقله أو تظله وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان ، فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض وهو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) .
فهذه هي عقيدة شيخ الإسلام وعقيدة السلفيين كافة ، وأما اقتطاع العبارات من سياقها ثم إلصاقها بالعلماء فليس ذلك دأب طلاب العلم المخلصين الذين يبحثون عن الحق .
وكذلك جميع شراح العقيدة الواسطية من شيوخ السلفية مقرون بهذا المعنى الذي ذكره شيخ الإسلام ، ولم يتعقب ولم يستدرك أحدهم على عبارته ومعنى كلامه ، وهو أن الله لا يحتاج إلى العرش ، فهو غني عنه وعن جميع الخلق ، وأن اعتقاد أن العرش يقلّ الرحمن سبحانه فهو اعتقاد باطل بالإجماع .
فالقضية قضية إجماع عند السلفيين ، ومحاولة إثبات خلاف ذلك تعتبر محاولة فاشلة ، ومجرد افتراء واتهام للمشايخ بما لا يريدونه .
وإليك أيها القارئ بعض عبارات الشيوخ السلفيين في هذا الموضوع لكي يطلع على حقيقة الأمر :
1- قال الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله كما في مجموع الفتاوى : (الظنون الكاذبة هي الأوهام التي ليس لها أساس من الصحة فيجب أن يصان عنها كلام الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
مثال ذلك أن يظن أن ظاهر قوله: (فِي السَّمَاءِ) أن السماء تقله أي: تحمله كما يحمل سقف البيت من كان على ظهره، أو تظله، يعني تكون فوقه، كالسقف على الإنسان.
إذا ظن الإنسان هذا فهو كاذب يجب صون الأدلة الدالة على أن الله في السماء عن ذلك.
قال المؤلف: وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان) .
2- وقال الشيخ عبد الله الغنيمان في شرح العقيدة الواسطية : (والظنون الكاذبة مثل أن يظن ظان أنه إذا قال جل وعلا : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) أنه محتاج إلى العرش تعالى وتقدس ، أو أن استواءه على العرش كاستواء المخلوق على ما يركب عليه ويستوي عليه فهذا لا يجوز أن يعتقد. وكذلك إذا قال: (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)فيظن أن السماء تكون ظرفاً له أو أنها تقله تعالى وتقدس) .
3- وقال الشيخ خالد المصلح في شرح العقيدة الواسطية وهو ينقل عن شيخ الإسلام ويقرره : (ثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به، وتحويه فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحداً يفهمه من اللفظ، ولا رأينا أحداً نقله عن أحد ولو سئل سائر المسلمين هل يفهمون من قوله - سبحانه-، ورسوله: (إن الله في السماء) أن السماء تحويه؟ لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا ...) .
4- وقال معالي الشيخ صالح آل الشيخ في شرح العقيدة الواسطية : (فإذن إذا توهم المتوهم من قوله فِي السَّمَاءِ أَنَّ السَّمَاءَ تُظِلُّهُ أَوْ تُقِلُّهُ فإن هذا أتى من جهة وهمه الكاذب وظنه الكاذب الذي لم يأت عن دليل ولا عن علم ولا برهان .هذا باطل ولا يقوله أهل العلم بالسنة) .
5- وقال معالي الشيخ صالح الفوزان في شرح العقيدة الواسطية : (وقوله: (ولكن يصان عن الظنون الكاذبة مثل أن يظن ظاهر قوله (فِي السَّمَاء) أن السماء تقله أو تظله) تقله : أي تحمله . وتظله : أي تستره ، والظلة : الشيء الذي يظلك من فوقك ، وليس هذان المعنيان مرادين في كونه سبحانه في السماء . ومن ظن ذلك فقد أخطأ غاية الخطأ وذلك لأمرين :
الأمر الأول : أن هذا خلاف ما أجمع عليه أهل العلم والإيمان ، فقد أجمعوا على أنه سبحانه فوق عرشه بائن من خلقه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته ...
الأمر الثاني : أن هذا الظن مخالف ومصادم لأدلة القرآن الدالة على عظمة الله وغناه عن خلقه وحاجة خلقه وحاجة خلقه إليه ...) .
6- وقال الشيخ الهراس في شرح العقيدة الواسطية : (يجب الإيمان بكل من علوه تعالى ومعيته ، واعتقاده أن ذلك كله حق على حقيقته ، من غير أن يساء فهم ذلك ، أو يحمل على معان فاسدة ؛ كأن يفهم من قوله : (وهو معكم) معية الاختلاط والامتزاج ؛ كما يزعمه الحلولية ! أو يفهم من قوله : (في السماء) أن السماء ظرف حاو له محيط به ! كيف وقد وسع كرسيه السماوات والأرض جميعا؟! وهو الذي (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه)؟! فسبحان من لا يبلغه وهم الواهمين ، ولا تدركه أفهام العالمين) .
فهذه هي عقيدة شيوخ الوهابية يا حسام ويا من يدافع عنه ، بل لدي أيضاً مزيد من التصريحات الكثيرة على تنزيه الله من المعاني الفاسدة التي تريد أن تلصقها بهم ، وهي عقيدة إجماعية عند القوم ، وبعد هذا لا ينفعك أبداً الكذب عليهم ، فاتق الله وعد إلى القول بالحق !.
اقتباس:
| وماذا تقول عن الدارمي الذي قال: (وكيف تنكر أيها النفاج أن عرشه يقلّه)) -أي يحمله- ، والذي قال ايضاً: فكيف تقله الأرض في دعواك ولا يقله العرش الذي أعظم منها وأوسع) |
طبعاً بالنسبة لموضوع الدارمي فقد تكرر النقاش حوله في موضع آخر ، فجلبه في هذا الحوار نعرفه مقصوده ! .
وقد قلت لك مراراً يا حسام أن الإمام الدارمي في مقام الرد على الجهمي المريسي ، وهو يستدرجه ويتكلم معه على سبيل التنزل ...
فأولاً يريد منه الإمام الدارمي أن يقر بحقيقة العرش والكرسي ، فالجهمي مشكلته أنه ينكر ذلك ، مع أنه يقر بأن الله في كل مكان ، فيقول له الإمام : كيف تقر بأن الأمكنة تقل الله ولا تقر أن العرش يقله ؟! .
فهو أتى بهذا الكلام على سبيل التنزل ، وذلك حسب عقيدة خصمه الذي يعتقد أن الله في مكان ، وهذا يقتضي أن تلك الأمكنة عنده ظرف له سبحانه وتقله .
فالإمام الدارمي مستغرب منه في التفريق بين العرش والأمكنة الأخرى ، فكأنه يقول له على سبيل الإلزام : إذا كانت تعتقد أن سائر الأمكنة يقل ويحمل الله ، فيلزمك أيضاً أن تعتقد أن العرش يقل الرحمن ، لأن العرش أيضاً مكان .
فهذا هو خلاصة الكلام ، والإمام الدارمي بعيد عن اعتقاد كون العرش يقل الرحمن أو يحمله أو يكون ظرفا له سبحانه وتعالى ، فهذه العقائد كلها باطلة بالإجماع كما حكى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
وقد بينت أن الإمام الدارمي في معرض تقريره لعقيدته أكد أن إثبات الأمكنة لله من عقائد الجهمية ، وكذلك نزه الله عن كون المكان يحتوي على الله :
قال الإمام الدارمي : (وهو الفعال لما يريد لا يأفل في شيء بل الأشياء كلها تخشع له ، والمواضع والشمس والقمر والكواكب خلائق مخلوقة إذا أفلت أفلت في مخلوق في عين حمئة كما قال الله ، والله أعلى وأجل لا يحيط به شيء ولا يحتوي عليه شيء) .
وقال أيضاً : (وزعمت أنت والمضلون من زعمائك أنه في كل مكان وفي كل حش ومرحاض وبجنب كل إنسي وجان أفأنتم تشبهونه بالحلول في الأماكن أم نحن؟ هذا واضح بين مذهبكم ودعواكم صرحت بها أيها المعارض في غير موضع من كتابك) .
فالمقصود أن الحق واضح في هذه المسألة من غير لف ولا دوران ، وأن المشايخ السلفيين بريئون كل البراءة مما يرمي به حسام ، وكل محاولاته في هذه المسألة باءت بالفشل ، حيث إنهم كلهم صرحوا ولله الحمد بتنزيه الله عن كون العرش يقل الرحمن تبارك وتعالى ، ونزهوا الله عن كون السماء ظرفاً للباري تبارك وتعالى ، بل أكدوا أن هذه الظنون الكاذبة والعقائد الفاسدة باطلة بإجماع المسلمين .
فهل يصح بعد هذا الوضوح والصراحة اتهام وافتراء ؟!! .