هذه خاطرة في موضوع الآثار النبوية أيقظها موضوع الغامدي ( تغمّده الله قريباً ) مع الاعتذار لأخي الكريم الخبير1. وحقيقة أن هذا الموضوع قديم وقد تكلم فيه من تكلم من العلماء الفقهاء وغيرهم . ولست أنا بالذي يدلو بدلوه في هكذا موضوع . خصوصاً من الناحية الشرعية فمثلي يتبع آراء جمهور العلماء من الأمة . ولاعبرة لمن خالف فالأمة لاتجتمع على ضلالة.
إن ما ألاحظه دائماً على الوهابية أنهم يأخذون كل شيء من منظور شرعي بما يسوقونه من تحذيرات وتوهُّمات تجد أنها ليست موجودة على أرض الواقع بذلك القدر من التهويل والتضخيم ولكن مردها جهل الناس لاكما يظنون من أن هؤلاء الناس مشركين
فبداية أقول أن الآثار تدل على أن هناك أصل للمسالة . فعندما يقال لك بأن هناك فراعنة وقرأت عنهم وعن تاريخهم وعن أسرهم الحاكمة ولم تشاهد هذه الأهرامات ولم تشاهد آثار الفراعنة يبقى إثبات هذه الحقيقة ناقص لكن لو قرأت عنهم وشاهدت آثارهم أصبح هناك شاهد تاريخي يعزز ما قيل أوكُتب .
وعنما يقال كان هناك إمبراطور يحكم فرنسا في فترة ما. يعتبر هذا مسألة تاريخية. لكن عندما تدخل قصره وتشاهد آثاره فالمسألة تختلف. وعندما تشاهد الصينيون يقولون هذه الصحافة التى كان يأكل فيها الإمبراطور وهنا عرشه وهنا قصره وهناك كان يجلس فهذا يثبت أن هناك أصل لهذه المسألة.
وعندما تقرأ عن معركة واترلو التى هُزم فيها نابليون قد لاتصدق هذه الرواية ولكن عندما ترى أرض المعركة وترى بعض الأسلحة التى استخدمت في المعركة تستحضرها في مخيلتك وتراها كأنها مجسدة أمامك .
ما سبق هو أمثلة للتقريب , فالآثارالنبوية أجل وأطهر وأشرف وأكرم من أن تقارن بغيرها .
فلننظُر للآثار النبوية من منظور تأريخي , نجد أنها تدل على أصل النبوة وأصل الرسالة وهي إثبات للنبوة والرسالة فعندما نقول هنا شرب الرسول صلى الله عليه وسلم وهنا سكن وهنا صلى نعني به الأثرالذي يدل على المُوثّر. لأن الذي شرب من هنا هو الرسول والذي سكن هنا هو الرسول صلى الله عليه وسلم والذي صعد هذا الجبل هو الرسول صلى الله عليه وسلم والذي لبس هذه البردة هو الرسول صلى الله عليه وسلم
فلو أتيت لك بكأس ثبت أنه يخصه صلى الله عليه وسلم وقلت لك هذا الكأس كان يشرب به الرسول صلى الله عليه وسلم هنا أزحت عنك البعد التاريخي وأحضرت الصورة أمامك فشهدت كيف كان يشرب الرسول صلى الله عليه وسلم
فالأثر قيمته هنا هو دلالته على المؤثر والمؤثر هنا هو الرسول صلى الله عليه وسلم . فالأثر هو من جملة ما يستدل به على النبوة والرسالة
وعندما نُحّدث بقيةالأمم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويأتون إلى المدينة ويجدون أننا حافظنا على كل أثر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويجدون هذه الآثار من مساكن سكن فيها ومساجد صلى فيها وأحياء مربها ومواقع غزوات شهدت قتاله فيها , هنا نحن نربط الأثر بشاهد تاريخي يعززالروايات الشفهيةً ولذلك تسمى الشواهد التاريخية.
هذا في رأيي أبعد وأعظم من مسألة التبرك وإن كانت مسألة التبرك عظيمة لكن إثبات النبوة والرسالة أعظم. فهذه الأجيال, أجيال ما بعد أربعة عشر قرناً ستستحضر شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال مشاهدتها لآثاره الشريفة
وفي دراسة التاريخ التنقيب عن الآثار نعرف من خلال الآثار كيف عاش أولئك الناس وكيف كانت حياتهم وتعاملاتهم ويتأكد لنا بها صحة الأخبار التى نقلتها كتب التأريخ عنهم . فهناك حضارات كتبت من جديد مثل الحضارة الفرعونية عندما استطاع المنقبون أن يفكوا الحرف المكتوب في المعابد فتعرفوا أكثر عن هذه الحضارة مما دون من قبل
إذاً فالأثر يحمل ويختزن الكثير من المعلومات الدقيقة والتفصيلية
قد يقول قائل أن لدينا كتب للسيرة وكتب لمؤرخين تسرد بالتفصيل كل ما حدث ولماذا حدث
أقول أن كل هذه الكتب تبقى عبارة عن روايات شفهية تاريخية والبعض منها من دون إسناد . ولأضرب لك مثلاً فعندما تقرأ ( باب ربط نفسه في سارية المسجد ) وتدخل أنت المسجد النبوي الشريف وتشاهد السارية تصبح هذه الرواية معززة بشاهد تاريخي . وكذا غيرها إسطوانة الحرس , اسطوانة عائشة رضي الله عنها , اسطوانة الوفود وكل ما كان موجوداً في العهد النبوي, نشهد أن كثيراً من المسلمين الزائرين يسألون عن هذه الأماكن التى سمعوا أو قرؤا عنها
وعندما أقول لك هذا السيف حارب به رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر هنا كأني أتيت لك بشخص شهد المعركة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولوحدثنا مؤرخ بريطاني أوفرنسي أو من أي جنسية كانت عن موقعة بدر بدون وجود أرض المعركة قد يقول أن هذه المعركة افتعلها رواتكم .
ما العمل حينئذ ؟
هنا نأتي له بالنص القرآني ( إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ) ثم نأتي للمسرح التاريخي لبدر ونريه موقع العدوة الدنيا والعدوة القصوى باقية على الأرض وأنها مطابقة للوصف الآلهي لها من قبل أربعة عشرقرناً
شيء جميل عنما تحكي لمجموعة من الشباب قصة النبي صلى الله عليه وسلم وغار حراء , هنا تعبّد رسول الله صلى الله عليه وسلم , هنا تحنّث .... إلى آخره
ولكن عندما تذهب بهم إلى هناك ويصعدون ويتعبون معك ., سوف يفهمون معنى خروج النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا كلها وتركه لمكة وجلوسه في غار في رأس الجبل . كل هذه المعاني لايمكن نقلها شفهياً بل ندع الشاهد التاريخي يتحدث عنها
ومن جهة آخرى يمكن استخدام بعض هذه الآثار لعضد بعض المسائل الفقهية فهذا الإمام مالك عندما حاججه أبا يوسف فقال : أنتم تقولون الصاع كذا ونحن في العراق نقول الصاع كذا . قال له: اسكت . هذه المسألة لاأجادلك فيها . أدع فلان في سوق الحبابة يأتي بالصاع. فجاء , فسأله الإمام مالك. هذا كم سعته؟
فقال له كذا وكذا.
قال هل: من أين لك هذا الصاع؟
قال صنعته على الصاع النبوي.
إذاً هذا الصاع التاريخي شهد هنا لمسألة فقهية
وقد قام أحد الباحثين بعمل رسالة علمية لأنه يريد معرفة كمية الماء الذي لاتؤثر فيه النجاسة فذهب إلى بئر بضاعة التى كانت تُرمى فيه الجيف الذي سُئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن مائه, فقال : الماء لا يغلبه شيء
فهذا شاهد تاريخي ساعد في حكم فقهي
وعنما تقرأ نص في الحديث: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني حرام وصلى في مسجدهم .ستأخذ هذا الأمر كمسألة عادية. ولكن عندما تأتي المدينة ويقول لك أحدهم هنا حي بني حرام وهذا مسجد بني حرام فالمسألة تخرج من كونها نص ودلالته إلى شاهد تاريخي يحمل الكثير من المعاني مثل:
كم المسافة التى قطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
ولماذا صلى معهم في مسجدهم؟
ولماذا لم يدعوهم ليصلوا معه في مسجده رغم قرب المسافة ؟
وجود المساجد في عهده وكثرتها يمكن الإستفادة منها كذلك فقهياً . فلو أفتى شخص بعدم جواز بناء أكثر من مسجد في حي واحد . نقول له ( لو كانت هذه المساجد موجودة ) انظر هذه المساجد التى كانت على عهده صلى الله عليه وسلم .
ونستطيع بهذا الشواهد التاريخة أن نُريه أن هذا التوزيع كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم عدم كثافة السكان آنذآك . فالأمر هنا يؤخذ كذلك كنموذج يستلهم منه مهندسو ومخططو المدن فيفهموا منه كيفية توزيع المساجد في الأحياء وتناسبها مع عدد السكان وماله من أبعاد حضارية ودينية واجتماعية بين أفراد الحي الواحد.
فالآثار ليس للتبرك فقط وإن كانت مسألة التبرك عظيمة جداً ولكن يمكن الاستفادة منها فقهياً وعلمياً وتاريخياً وجغرافياً وحضارياً.
فكيف نخاطب الأمم كلها ونقول لها أننا أمة لها تراث ولها تاريخ ولها حضارة ونحن نقطع ونهدم ونبيد الأدلة الوحيدة الباقية على إثبات هذا التاريخ وهذا التراث .
هل نجعل مسألة قيام البعض بمخالفات شرعية حجة لهدم هذه الآماكن وإبادتها ؟
إذاً فلنبيد غار حراء وغارثور. ولنهدم المسجد الجرام فقد رأينا بعض الحجاج يتمسحون به , بل لنهدم الكعبة ( معاذ الله ) لأن بعض المسلمين يتمسحون بها تبركاً
خاتمة
هذا الذي يقدم على طمس الآثار النبوية يقدم على جريمة كبرى بحق الدين ثم بحق التاريخ الإسلامي بطمس ومحو آخر الشواهد على رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم وعلى حضارة الإسلام بحجة أنه تبرك يُفضي بصاحبه إلى الشرك بالله وهي جريمة بحق المسلمين جميعاً وقرار فردي لايخصه بل يخص الأمة كلها فالأجيال القادمة ستسأل عنها.
والغريب أن هؤلاء الوهابية يحافظون على آثار قوم غضب الله عليهم ( مدائن صالح ) بل أن هيئة الآثار تصرف الأموال للمحافظة عليها بينما تُدمر آثار نبينا الواحدة تلو الآخرى
وتشايعهم في ذلك منظمة اليونسكو التى نشهد منها عجباً , فهي تحافظ على الآثار في العالم كله ,بما فيها الآثار الموجودة في الجزيرة العربية والتى تخص الأمم السابقة, ففي مصر تحافظ على الآثار الفرعونية ليقولوا للمصريين أنتم فراعنة , والآشورية ليقولوا للعراقيين أنتم آشوريين , والفينيقية في الشام ليقولوا للسوريين أنتم فينيقيين . بينما نجد الصمت والتجاهل المُتعمد تُجاه الآثار النبوية والإسلامية , بل وتغُض الطرف عن ممارسات الوهابية ضد هذه الآثار فتتركهم يدمرون ويمحون من الوجود آثارالنبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يقال بأننا أمة محمد صلى الله عليه وسلم وليغيبوا دورنا فنصبح أمة ليس لها ما يثبت وجودها في الماضي
نسألكم الدعاء لمشايخنا ولنا