العودة   منتدى الحوار الإسلامي > العلم الشرعي > التزكية والسلوك
التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة تغذية حية

التزكية والسلوك قسم لترويض النفس وتزكيتها وتطهيرها وتهذيب المعاملة والسلوك

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: مـــولاي صــاحــب الـعــصــر والــزمــان ... ((أدركــنـا)) !!! (آخر رد :كويتي أخ العراق)       :: على طيبة قوموا نرووووووووووح ...رااااااااائعة ! (آخر رد :مالقلبي سوى الله)       :: أخلاق وخصائص المدارس الصوفية الأربعة التي حفظت الدين (آخر رد :قوة الأنوار)       :: أخطر الحروب والشبهات القذرة في شرق العالم الإسلامي على السادة البريلوية (آخر رد :قوة الأنوار)       :: تؤمل أنك يوماً تتوب ويارب هل من توبةٍ روووووووعة !! (آخر رد :مالقلبي سوى الله)       :: رسائل عاشقة (آخر رد :هميس سلامة عطايا)       :: الفاتيكان تفرض على زوراها ارتداء ملابس محتشمة (آخر رد :محب الحبيب علي)       :: الشيخ الكلباني يتبرأ من كلامه (آخر رد :محب الحبيب علي)       :: وفاة العالم الجليل "ياسين رشدي". (آخر رد :مالقلبي سوى الله)       :: على بلد المحبوب وديني بصوت السيد/ عبدالعزيز العباسي (آخر رد :عابرة سبيل)      

رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 20 Nov 2006, 10:51 AM   #41
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه،
لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك


ـ على كل من يتعامل مع الله عز وجل أن يبدأ فيعلم سنن
الله التي يتعامل على أساسها مع عباده

ثم إن على كل من يتعامل مع الله عز وجل، أن يبدأ فيقف على سنن
الله في عباده والقواعد التي يتعامل معهم على أساسها، كي لا
يخطئ في فهم ما قد يراه من الأحداث.


ـ من هذه السنن قوله عز وجل: {واتقوا فتنة لاتصيبّن الذين
ظلموا منكم خاصة}

إن من بعض هذه القواعد والسنن، أنه جلّ جلاله قد يأخذ الكلّ
بجريرة البعض، وقد نص البيان الإلهي على هذا في قوله عز وجل:
{ ..لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ
الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ
وَعِيد } { إبراهيم:14/13ـ14 } عندما سألته زينب رضي الله
عنها قائلة: «أنهلك وفينا الصالحون؟» فأجابها قائلاً: «نعم،
إذا كثر الخبث».فلا يقولن قائل: ما جريرتنا نحن الملتزمين
والمستقيمين، أن يصيبنا البلاء أو يحيق بنا الهلاك بسبب
غيرنا.وقد نفذت هذه القاعدة، بقدر كبير من الشدة والدقة، في
عهد رسول الله ، يوم أحد، ويوم حنين.في غزوة أحد أمر رسول
الله الرماة، وكانوا زهاء خمسين، أن لا يبارحوا أماكنهم حتى
يأذن لهم رسول الله ، وكان رسول الله قد أقامهم فوق رابية
يحمون فيها ظهور المسلمين.فلما بدأ القتال ودارت رحى الحرب على
المشركين، وأيّد الله المسلمين بالنصر، فهُزم المشركون شرّ
هزيمة، وتركوا وراءهم كثيراً من الأموال والغنائم، نظر الرماة
من أماكنهم إلى ما حلّ بالمشركين، فلم يشكّوا في أن الحرب قد
وضعت أوزارها، وتشاوروا في أن ينزلوا فينالوا نصيبهم من
الغنائم.. فأيد بعضهم ذلك وخالف آخرون محذرين من مخالفة أمر
رسول الله. فنزل الذين اجتهدوا ورأوا النزول قبل أن يأذن لهم
رسول الله بذلك. فماذا كانت النتيجة؟أدخل الله في أفئدة فلول
المشركين العزيمة والجرأة، بعد الخوف والرعب، فاستدار بعض منهم
يرأسهم خالد إلى جبل الرماة الذي خلا من أكثر الذين كانوا
عليه، فقتلوا البقية المرابطين عليه، وانحطوا بسهامهم في ظهور
المسلمين الذين أدخل الله في أفئدتهم الاضطراب والرعب، بعد
الذي كانت تفيض به من الصمود ونشوة الظفر.. وماهو إلا أن تحول
النصر إلى هزيمة، راح ضحيتها كثير من المسلمين، بل أصاب رشاشها
شخص رسول الله الذي كسرت رباعيته ووقع في كمين أعده له
المشركون.كل ذلك، من أجل خطأ أو معصية تورط فيها بعض الجنود من
أصحابه ، ولم يشفع وجود رسول الله في الغض عن تلك المعصية
وطيّها عن الاعتبار. ونزل في ذلك بيان من الله عز وجل يرسِّخ
في أذهان الناس هذه السنة الإلهية التي يأخذ بها عباده، كي
يأخذوا حذرهم ولا يعودوا إلى مثلها. وهو قوله عز وجل: { وَقالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم } { غافر:40/60 } فتأمل،
يرحمك الله، وقارن بين تلك الغلطة أو المعصية التي تورط فيها
بضع عشرات في جيش معهم رسول الله ، والمعاصي الكبيرة والكثيرة
التي تفيض بها المعسكرات اليوم، والتي يكاد يصل البعض منها إلى
قريب من الكفر. ثم قارن بين عصا التأديب التي أصابت رسول الله
وأصحابه من جراء تلك الغلطة، وعصيّ التأديب التي تصيبنا نحن
المسلمين اليوم، من جراء الآثام الخطيرة التي استسلمنا راضين
مطمئنين لتياراتها، تجد أننا مغمورون بدلال عجيب وبألطاف كبيرة
من الله عز وجل.فإذا جاء، مع هذا كله، من يرتاب في وعود الله
عز وجل، ويرى أنه يستحق تكريماً لم يمنحه الله إياه، أو يرى أن
مجتمعاتنا اليوم تستأهلالنصر الذي وعد الله به عباده الصالحين،
فإن ارتيابه هذا لدليل على انطماس بصيرته وخمود نور سريرته،
كما يقول ابن عطاء الله. * * *


ـ ومن هذه السنن أيضاً ما يعامل الله به الطغاة الذين
قطعوا آخر خيوط الصلة بمولاهم عز وجل

وإن من هذه السنن والقواعد الإلهية، ما يعامل الله به الطغاة
والعتاة الذين قطعوا آخر خيوط الصلة بخالقهم، وأزهقوا أوهى
الآمال المتبقية بعود حميد إلى الله، من فتح أبواب المتع كلها
أمامهم، وتسخير الدنيا كلها لمطامعهم وأهوائهم، ليزدادوا بذلك
عتواً وسكراً، فيكون العقاب الذي أعدّه الله لهم أشدّ وأقسى!..
فإذا أخذهم الله بعد ذلك، أخذهم أخذ عزيز مقتدر.تأمل في هذه
النصوص القرآنية التي ترسخ هذه السنة الإلهية وتؤكدها:- {
وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى
أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } { البقرة : 2/216 } - {
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ، وَأُمْلِي
لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } { الأعراف: 7/182ـ183 } - {
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ
إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصارُ } {
إبراهيم: 14/42 } - { وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلَى أُمَمٍ مِنْ
قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ
لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ، فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا
تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، فَلَمّا نَسُوا ما
ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ } { الأنعام: 6/42 - 44 } وهذه السنة
الإلهية، مع هذه النصوص القرآنية الناطقة بها، هي التفسير لما
قد تراه، ويعجب له كثير من السذج والجاهلين، من تقلب أمم البغي
والضلال، في النعم والمتع التي لا حصر لها. إنها، كما قال الله
تعالى متاع قليل لا دوام له، ثم إنه متاع وإن بدا للناظر
باعثاً على السعادة ناشراً للأمن والسرور، إلا أنه في الواقع
الحقيقي، يحمل في داخله بذور الشقاء والآلام. فإذا حان الميقات
الخفي الذي لا يعلمه إلا الله، تفجرت هذه البذور بالشقاء
والدمار على أولئك الذين كانوا يعكفون منها على متع ولذائذ لا
حصر لها.. ومصداق هذا قول الله عز وجل: { ..حَتَّى إِذا
فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ
مُبْلِسُون } { الأنعام: 6/44 } فإذا جاء اليوم من يقول: نحن
المسلمين يحجب الله عنا وعوده التي التزم لنا بها، وأولئك
الجاحدون العتاة الظالمون يكرمهم الله بما لم يعدهم به من
الأعطيات والانتصارات، فما مردّ قوله هذا إلا إلى انطماس
بصيرته، وإعراضه عن خطاب الله الذي لو تأمل فيه، لعرف قواعده
وسننه التي يتعامل على أساسها مع عباده المؤمنين والجاحدين،
والمهتدين والتائهين. * * *

__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 Nov 2006, 09:50 AM   #42
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي
الحكمة الثامنة

إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك


ـ انتقال الإنسان من أودية الضلال إلى صعيد الهداية يتم
بأحد طريقين: طريق الإنابة، أو طريق الاجتباء، والتعريف
بكل منهما

يمكن أن يرقى الإنسان من وهدة الضياع والضلال إلى صعيد الهداية
ومعرفة الله، من خلال أحد طريقين لا ثالث لهما:أحدهما يتجه به
الإنسان إلى الله، وهو طريق طويل وشاق، يبدؤه الإنسان بغرس
حقائق الإيمان وأركانه في عقله، ثم يوجه قلبه إلى محبة الله
وتعظيمه والخوف منه، ثم يقبل إلى أوامر الله عز وجل فيأتمر
بها، وينتهي عن المنكرات التي حذر منها، ويستعين على ذلك
بالإكثار من ذكر الله والإكثار من تلاوة القرآن. والنتيجة التي
ينتهي إليها سالك هذا الطريق هي تضاؤل الدنيا شيئاً فشيئاً
أمام بصره وبصيرته، وتعاظم الآخرة وما فيها شيئاً فشيئاً في
نفسه وفؤاده، فيهتم لما هو مقبل إليه أكثر من اهتمامه للدنيا
التي يعبرها ويمرّ بها. وهذا الطريق يسمى طريق الهداية
والإنابة.ثانيهما طريق يتجه به الله إلى العبد. أي فالطريق
الأول يكون البدء فيه منك إلى الله، كما قد بينت لك، أما هذا
الطريق الثاني فيكون البدء فيه من الله إليك. ويسمى طريق
الاجتباء.. يكون الإنسانستغرقاً في شروده وبعده عن الله،
منصرفاً إلى أهوائه ورغائبه الدنيوية، وفجأة تدركه رحمة من
الله تعالى لسبب من الأسباب التي قد لا يعلمها إلا الله،
ويتجلى الله عليه تجلّي لطف وإيقاظ، فيجذبه إليه، ويسمو به إلى
صعيد معرفته فحبه وتعظيمه. وقد يتم ذلك كله في لحظة
واحدة.ويعبّر البيان الإلهي عن هذين الطريقين للخروج من التيه
والضلال، إلى الهداية والرشد بقوله عز وجل: { اللَّهُ
يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ
يُنِيب } { الشورى: 42/13 } اجتباء وهداية.. أولهما يكون
باصطفاء وجذب من الله عز وجل، لمن شاء من عباده كما قال..
وثانيهما يكون بإنابة فسير من العبد إلى الله تعالى خلال طريق
طويل من المعارف والطاعات والأذكار والقربات.وارتباط الاجتباء
بمن شاء الله أن يجتبيهم ويجتذبهم إليه، فيه دلالة على أن
الإنسان ليس له أي دور في اختيار هذا الطريق، وإنما هو خصيصة
واصطفاء من الله لمن شاء. والطريق الثاني الذي سماه الله طريق
الإنابة والهداية هو الذي أناطه الله بسلوك الناس واختيارهم،
وتأتي الهداية في أعقابه ثمرة لجهادهم وجهودهم.

__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 Nov 2006, 09:51 AM   #43
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك


ـ ابن عطاء الله يلفت النظر في هذه الحكمة إلى الهداية
التي قد يكرم الله بعض عباده عن طريق الاجتباء

فابن عطاء الله السكندري رحمه الله، يلفت النظر في هذه الحكمة،
إلى أحد هذين الطريقين، وهو طريق الاجتباء الذي يأتي نتيجة
اصطفاء من الله لبعض عباده، فينتشلهم في لحظة واحدة من أقصى
أودية الضياع والبعد عن الله، إلى أعلى قمم العرفان والقرب من
الله عز وجل. يقول: «إذا فتح لك» أي الله عز وجل «وجهة من
التعرف» أي نافذة يعرفك من خلالها على ذاته، وذلك بعامل من
عوامل الجذب والفتح، التي تطوي الأزمنة في لحظات أو دقائق
معدودة، يغنيك الله بها عن دراسة تستغرق أشهراً أو سنوات.
«فلا تبال معها أن قلّ عملك» أي فلا تعجب عجباً قد يزجك في
ريب، من أنك قد بلغت هذا الأوج من التوجه إلى الله والتعلق به،
دون أن تستعين على ذلك بكثير من العبادات والنوافل والأذكار
والقربات، كما هو الشأن في العادة. ذلك لأن طريق الفتح الإلهي
مختلف عن طريق السير الإنساني، وهو جلّ جلاله «ما فتحها» أي
تلك الوجهة «لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك» أي إلا وهو يريد
أن يعرفك على ذاته. وهذه الإرادة التي شرفك الله بها من شأنها
أن تملأ كيانك معرفة وحباً وتعظيماً له ومهابة منه، حتى وإن قل
أو فقد قبل ذلك عملك المقرب إلى الله. ثم إن ابن عطاء الله
يقارن بين الطريقين قائلاً: «ألم تعلم أن التعرف هو مورده
إليك، والأعمالَ أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو
مورده عليك» ؟.. أي تأمل، كم هو الفرق كبير بين سلّم الأعمال
التي ترقى بها إلى الله وجلّها لا يخلو من الشوائب والحظوظ،
وبين الألطاف التي تهبط وترد إليك من حضرة الله عز وجل!.. لا
شك أن قوة الجذب في هذه الألطاف الإلهية الهابطة إليك أجلّ
وأفعل، من قوة الطاعات الصاعدة منك إلى الله.هذا هو باختصار
الفرق ما بين ما ترسله إلى الله من قربات وأعمال، وما يرسله هو
إليك من تجليات وألطاف. وتلك هي الخلاصة السريعة لمعنى هذه
الحكمة. ولكن فلنعد إليها بشيء من التفصيل.

__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 Nov 2006, 09:52 AM   #44
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك


ـ نماذج من أخبار من هداهم الله إليه عن طريق الاجتباء

في التاريخ الإسلامي كثير ممن جذبهم الله بنقلة واحدة من التيه
إلى الرشد، ومن الشرود إلى الالتزام، ومن محبة الأغيار إلى
محبة الله عز وجل.في أصحاب رسول الله منهم كثير.. يفد
الأعرابي الجلف من البادية إلى المدينة، فما تكاد عيناه تبصران
رسول الله ، وما تكاد أذناه تسمعان شيئاً من نصائحه وحديثه،
حتى يتحول وهو في مجلسه ذاك من حال إلى أخرى، تغيب عنه جلافة
طبعه وقسوة قلبه، ويولد ولادة جديدة في كل ما يتعلق بدخائل
نفسه ثم لا يخرج من مجلس رسول الله إلا وقد عزفت نفسه عن
الدنيا، وفاض قلبه حباً ومهابة لله عز وجل.. كثيرون هم أولئك
الذين نُقلوا من أصحاب رسول الله إلى صعيد الالتزام والرشد عن
طريق الاجتباء السريع، لا عن طريق التربية والممارسة
الطويلة.وفي الناس الذين جاؤوا من بعد، من اجتذبهم الله إليه
عن طريق الاجتباء، فانتقلوا من الانحراف الشديد إلى الاستقامة
التامة طفرة وبدون توقع. منهم الفضيل بن عياض الذي تحول خلال
دقائق في جوف ليل مظلم من فتاك قاطع طريق إلى متنسّك رباني فرغ
قلبه من كل شيء إلا من تعظيم الله وحبه والخوف منه. ومنهم عبد
الله بن المبارك الذي كان مولعاً بالطرب والسماع والعزف على
الأوتار، بعيداً عن الالتفات إلى أوامر الله وحقوقه، فما هو
إلا أن تحول في سواد ليلة واحدة، هو الآخر، إلى نموذج عجيب
نادر للعالم الرباني الذي جعل دنياه كلها فداء لرضا الله عنه
وسبيلاً لقربه منه
اقرأ_سيرة_وافية_لحياة_كل_منهما_في_كتابي_(شخصيات_اس توقفتني).
. ومنهم مالك ابندينار الذي تحول فجأة من شرطي يتعاطى اللهو
والسكر إلى واحد من كبار الربانيين الذين كانت تغشى دروسه
الآلاف، وهدى الله على يديه الكثير من التائهين والمارقين.ومن
المهم أن نعلم أن سبيل الاجتباء هذا ليس وقفاً على أجيال أو
على عصور بعينها، بل هو سبيل مفتوح في كل عصر إلى أن تقوم
الساعة، أي إن لله عباداً من النساء والرجال يجتذبهم إليه من
التيه إلى الرشد، في كل عصر وربما في كل بقعة وصقع.كان لي جار
مسرف على نفسه ممعن في ارتكاب الموبقات، وكان يعشق الخمرة، لا
بدّ أن ينال حظه منها في كل ليلة. ولم يكن بينه وبين الهداية
أي جسر أو خيط ممتدّ، إذ كان كلُّ ما حوله وكل من يتعامل معهم،
من شأنهم أن يزيدوه بعداً عن الله وإمعاناً في اللهو
والآثام.وصباح ذات يوم دخلت المسجد كالعادة لأداء صلاة الفجر،
وإذا بي أرى العجب الذي رأته عيني ولم يصدقه عقلي، رأيت جارنا
السكير يجلس في الصف الأول جلسة إنسان متبتل متعبد ينتظر إقامة
الصلاة.. وهكذا تحول الرجل في ظلام ليلة واحدة إلى واحد من
أفضل من عرفت رشداً والتزاماً وحباً لله وبغضاً للمنكرات. كانت
اليد التي جذبته هي يد الله، وكانت البــداية التفـــاتة لطف
واجتباء من الله عز وجل.وقصة أكثر الفنانين والفنانات الذين
تحولوا واللائي تحولن إلى طريق جديدة من الحب، ولكنه حب الله،
وإلى جاذب جديد من الشوقولكنه الشوق إلى الله، بل إلى سكر جديد
من العشق ولكنه عشق الذات الإلهية.. إنها هي الأخرى قصة
الاجتباء الإلهي، كانت اللفتة الأولى من الله، وكانت اليد
الأولى هي يد الله، وكان الحب الأول هابطاً إليهم وإليهن من
الله
يلاحظ_أن_حظ_هذا_الاجتباء_في_حياة_الفنانين_والفنانا ت،_يكاد_يك
ون_محصوراً_في_مصر_دون_غيرها!.._فما_الحكمة_ترى؟_أين _هو_حظ_الا
جتباء_من_الفنانين_والفنانات_في_سورية_مثلاً؟!.._الل ه_أعلم،_وا
لله_هو_المسؤول_أن_يتولى_الجميع_بألطافه_وفضله. . وصدق الله
القائل: { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ
عَلَى الْكافِرِينَ } { المائدة: 5/54 } ولكن حذار من أن يقول
قائل من التائهين والشاردين عن صراط الله: إنني أفضل الوصول
إلى الله والاستقامة على الرشد، بهذا الطريق، طريق الجلب
والاجتباء، فذلك أيسر وأسرع. ذلك لأن أمر الاختيار في هذا عائد
إلى الله وليس عائداً إليك. ألم تتأمل في قوله { يَجْتَبِي
إِلَيْهِ مَنْ يَشاء } { الشورى: 42/13 }

__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 Nov 2006, 09:52 AM   #45
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك


ـ مصدر الاجتباء فضل الله عز وجل، والله يؤتي فضله من
يشاء

ولا يقولن قائل أيضاً: فما هو مصدر هذا الحظ الذي يناله بعض
الناس دون بعض؟ مصدره فضل الله الذي يؤتيه من يشاء، على أن
الذي أحبه الله فاجتباه، إنما أحبه لخصلة أو خلق أو سبب ما
علمه الله منه ولم تعلمه.ثم إياك أن تفهم قول ابن عطاء الله:
«فلا تبال معها أن قلّ عملك» على غير وجهه، وإليك المعنى الذي
يريده ابن عطاء الله والمثبت في كتاب الله:الذين يجتبيهم الله
عز وجل ممن تحدثنا عنهم وذكرنا نماذج منهم، لا يشترط في اجتباء
الله لهم أن يأخذوا أنفسهم بمقدمات من العبادات والقربات أو
الأوراد والأذكار، كما هو الشأن بالنسبة لغيرهم ممن يأخذون
أنفسهم بأعمال التزكية. بل إن الله ينتشلهم من وهدة الضياع
والتقلب في حمأة المعاصي، طفرة وبدون مقدمات، إلى صعيد العرفان
والالتزام ويمتعهم خلال دقائق، وربما لحظات، بتزكية النفس
والفؤاد.فإذا استقر بهم الحال على هذا الصعيد الذي جذبهم الله
إليه، أقبلوا إلى أوامر الله ووصاياه ينفذونها ويلتزمون بها،
واتجهوا إلى العبادات والقربات والأذكار يستزيدون منها، هذا
فضلاً عن ابتعادهم التام عن المحرمات والمنهيات كلها.فالحديث
هنا عن قلة العمل، وعن عدم أهميته وأهمية فقده، إنما هو بالنظر
إلى حال هذا الإنسان قبل أن يجتبيه الله. هل العمل والتوبة عن
المعاصي آنذاك مقدمات ضرورية؟ هي ضرورية للذين يريدون أن
يسلكوا سبل الهداية بجهود وأسباب يبدؤونها من عندهم، وهو الشأن
بالنسبة لأكثر الناس.. ولكنها ليست ضرورية بالنسبة لمن اجتباهم
الله ونظر إليهم نظرة لطف واصطفاء.. فقد رأيت كيف نقل الفضيل
بن عياض ومالك بن دينار وأمثالهما، من أقصى أودية التفلت
والشرود إلى أعلى درجات الرشد والالتزام، دون واسطة من قربات
أو أدعية أو أذكار أو أي مقدمات من الطاعات.ولكنهم ما إن ذاقوا
لذة معرفة الله ونعيم القرب منه والحب له، حتى شمروا عن ساعد
الجدّ وحمّلوا أنفسهم أعباء كبيرة من العباداتالطاعات. ولم يكن
يصلح شأنهم بعد التحول السريع الذي أكرمهم الله به إلا
بذلك.فإياك أن تفهم من قول ابن عطاء الله هذا ما يحلو لبعض
محترفي أعمال الإرشاد ومهامّه أن يفهموه، من أن الذين اجتباهم
الله لهم خصوصية من القرب والحب، تغنيهم عن كثرة الطاعات
والعبادات والتنزه عن المحرمات!.. تلك هي وساوس الشياطين
لأوليائهم من الزنادقة.. وهي وسوسة تناقض الحقيقة تماماً.
فالمجتبون هم أكثر الناس تعلقاً بالطاعات والعبادات، وأكثرهم
ابتعاداً عن المحرمات والشبهات، ولو كان في المقربين إلى الله
من قد حطّ الله عنهم مسؤولية الالتزام بالأوامر والابتعاد عن
النواهي، لكان رسول الله أولاهم بذلك.. وإنما كان عليه الصلاة
والسلام، أكثر الناس تحملاً لعزائم الطاعات وصبراً على النوافل
والعبادات وابتعاداً عن الشبهات. ألم يكن هو الذي تتورم قدماه
من طول القيام في الصلاة؟.. أولم يكن أول الناس في أصحابه
زهداً في الدنيا واخشيشاناً في المعيشة؟.. كذلك سائر
المجتَبْين من بعده، كانوا أكثر الناس إقبالاً على وصايا الله
وأوامره وأشدهم ورعاً في فهم الحلال والحرام، وأدومهم على
النوافل والأذكار.إذن فكلمة «لا تبال معها أن قلّ عملك» حديث
عما قبل التحول من التيه إلى الرشد، وليس إغراء بالإعراض عن
العمل، بعد التحول الذي جاء نتيجة اجتباء من الله عز وجل. * *

__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 Nov 2006, 09:53 AM   #46
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك


ـ ترى هل من سبيل لمعرفة صفات من قد يتعرضون لهذا
الاجتباء الإلهي؟

ونعود للحديث عن هؤلاء القلة الذين ينتقلون طفرة إلى صعيد
الهداية والرشد بجاذب من الاجتباء الإلهي، من هم؟ وما هي
المزية التي تؤهلهم لهذه النقلة اليسيرة والسريعة؟أعود فأقول:
إنها تجليات ربانية لا تنضبط بمقاييس معارفنا، ولا تنضبط بحدود
قواعدنا. ولا بدّ أن لها أسباباً إلا أنها أخفى من أن تدركها
اجتهاداتنا.ولكن أليس ثمة صفات يتصف بها بعض الناس، تكون هي
مظنة تنزُّل هذا اللطف الرباني إليهم ومن ثم تكون هي سبب هذا
الاجتباء لهم؟..


ـ الذي نملك أن نقوله هو أن كل من أضاف إلى شروده عن الله
الاستكبار عليه، فهو محجوب قطعاً عن هذا الفضل الإلهي.
فأما الضالون من غير المستكبرين عليه فكلهم معرض لهذا
الفضل

الذي أستطيع أن أقوله جواباً عن هذا السؤال، هو أن كل من أضاف
إلى شروده وضلاله عن صراط الله تعالى، الاستكبار عليه، ومعاندة
الحق على الرغم من معرفة أنه حق، فهو محجوب قطعاً عن التعرض
لهذا اللطف الإلهي، وهيهات أن تفتح له وجهة من التعرف على
الذات الإلهية، على حدّ تعبير ابن عطاء الله. وكيف تفتح لهم
هذه الوجهة، وهم الذين قال الله عنهم: { إِنَّ الَّذِينَ
كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ
لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى
يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُجْرِمِينَ } { الأعراف: 7/40 } والمفهوم المخالف لهذه
الحقيقة هو أن كل من فاض قلبه شعوراً بالذل لله عز وجل، وكان
دور المعاصي في حياته تكريس مشاعر الذللله بين جوانحه، بحيث
يرى نفسه كالمتلوث بالأقذار من فرقه إلى قدمه، فهو أينما ظهر
ووجد يخجل من حاله، ويخيل إليه أن كل الناس الذين من حوله خير
منه، يكون في مقدمة المتعرضين لهذه الألطاف الإلهية التي
تجذبهم إلى سبيل الهداية والرشد.ولقد رأيت كلاماً أظنه للسيد
أحمد الرفاعي رحمه الله (512 - 578 هـ) يقول فيه: نظرت إلى
الطرق الموصلة إلى الله، فرأيتها جميعاً مزدحمة، ونظرت إلى
طريق التذلل والانكسار، فإذا هو فارغ لا ازدحام عليه!..أي إن
طرق الطاعات والقربات الظاهرة، كالعلوم الشرعية والاشتغال بها
وأعمال الدعوة إلى الله، والدخول في مسالك الجهاد، والتردد إلى
بيت الله الحرام للحج والعمرة، تتسرب إليها في كثير من الحالات
حظوظ هامة وكبيرة للنفس، ومن ثم يكثر الوافدون إلى هذه الطرق،
كل له بغيته أو غرضه الذي يرمي إليه. أما التوجه إلى طريق
التذلل والانكسار لله عز وجل، بحيث يرى السالك نفسه بعيداً عن
الله موغلاً في الموبقات، ويظن أن الناس كلهم خير منه، فيتعامل
معهم على هذا الأساس، فقلّ أن يصبر عليه إلا المخلصون لله
والصادقون معه، إذ إن النفس ليس لها أي حظ في هذا التذلل
والانكسار واتهام الذات، على مرأى من الناس.فأصحاب هذه النفوس
المنكسرة بصدق دون تمثيل وتكلف، هم في مقدمة من يتعرضون لنفحات
الله ولألطافه التي تجذبهم إليه، وإن كانوا موغلين في
الانحرافات والآثام.وعندما فوجئت بتوبة جارنا السكير الذي
اجتباه الله، على نحو ما حدثتك عنه قبل قليل، زرته في داره
لأول مرة لأهنئه على حياته الجديدة التي أكرمه الله بها. فقال
لي: لقد كنت أخاطب الله في أنصاف الليالي وأخرياتها، وأنا وحيد
في غرفتي هذه، والشراب أمامي، قائلاً: يا رب، إنه ليسوءني أن
يبقى هذا الجدار قائماً بيني وبينك، وكم أود أن أزيله، ولكني
ضعيف لا أقوى على ذلك، فما لك يا رب لا تزيله وأنت الرب القادر
على كل شيء؟..تأمل في هذا التذلل.. في هذا التدخل على الله، في
هذه المناشدة التي تعبر عن أدق معاني العبودية لله.. إنه
العامل الأوحد ربما، أو لعله أهم العوامل التي كانت السبب في
أن ينظر الله إليه نظرة رحمة ولطف واستجابة، انتشلته في دقائق
معدودات من أوحال تيهه إلى صعيد الحب والاجتباء. وصدق
القائلون: الصلح مع الله بلمحة واحدة. * * *
__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 Nov 2006, 09:54 AM   #47
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك


ـ بيان الفرق بين الطاعات التي تعلو منك إلى الله،
والأفضال التي ترد إليك من عنده

بقي أن نتأمل في هذا المقطع الدقيق والبليغ من حكمة ابن عطاء
الله هذه، تأمل في قوله: «ألم تعلم أن التعرف هو مُورده عليك،
والأعمالَ أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مُورده
عليك» .سلّم الأعمال والقرباتوالرياضات والأذكار التي يحاول
أحدنا أن يتقرب بها إلى الله، سلم طويل وكثير الدرجات، لا بدّ
لبلوغ أعلاه من الصبر على اجتياز الزمن الطويل.. هذا بالإضافة
إلى أن القربات والأعمال الصالحة مهما كانت مفيدة ومقربة إلى
الله بحدّ ذاتها، فإنها لا تكاد تصدر من النفس الإنسانية التي
يغلب عليها أن تكون أمّارة بالسوء، إلا وهي متأثرة بالكثير من
حظوظها وأغراضها، فتتحول بذلك تلك الأعمال الصالحة، أو كثير
منها، إلى مطايا لأهواء النفس ورغائبها. ومن ثم فإن هذه
الأعمال الصالحة على تنوعها واختلافها لا تملك إلا قدرة محدودة
على تحويل صاحبها كلياً من وهدة الشرور والانحرافات إلى صعيد
الانضباط الدائم بأوامر الله. وكم في هؤلاء الناس من يسيرون
إلى الله اعتماداً على هذه الأعمال، بضع خطوات، ثم ما هو إلا
أن يعودوا إلى مثل ما كانوا عليه من السوء. ومردّ ذلك إلى عدم
صفاء الأعمال من آفات النفس وحظوظها الدنيوية، وهي آفة قلما
يستطيع الإنسان التخلص منها.أما إن أقبل الله إليك بطائف جاذب
من لطفه ورحمته بك، فلسوف تتكون من ذلك تكويناً جديداً، ولسوف
يغيّبك هذا اللطف الرباني عن الأكوان، لتعيش مع المكون، ولسوف
تنظر إلى الأشياء بعين غير التي كنت تنظر بها من قبل، ولسوف
تسبر غورها بعقل غير فكرك السطحي الذي كنت تدرك به من قبل،
ولسوف تستيقظ من الغفلة النفسية وتنطلق من سجن الوقوف عند
ظواهر الأشياء، فتتجاوز دائرة من قال الله عنهم: {
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ
الآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ } { الروم: 30/7 } تنظر إلى كواكب
السماء في الليل فلا ترى نفسك من ذلك إلا أمام يد الصانع
المبدع، يسيح عقلك حائراً مع عظيم إبداعه، وتنظر إلى اخضرار
النبات في النهار وإلى نمنمة الزهور فيما بينها فتغيب عن
دنياالخضرة وألوان الزهور الناطقة فيما بينها، لتجد نفسك أمام
الخلاق الذي حيّر العقول في عجيب خلقه وجمال إبداعه، وتتأمل في
عجيب أنواع الثمار اليانعة فوق أشجارها، أو النائمة مع الأغصان
المتعرجة على نفسها، وتنظر في عالم الغابات والأدغال المحشوة
بعجائب حيواناتها ودقيق نظامها، وتلتفت إلى عالم البحار
الهادرة والمحشوة بعالمها ذي النظام الهائل المتفرد، فلا تبصر
من خلال هذه اللوحات الكونية إلا المكون، ولا ترى نفسك من ذلك
كله إلا أمام يد الله!.. فالمشاهد الكونية أو الطبيعية، كما
يقولون، تتحول أمام ناظريك إلى ما يشبه ألواحاً زجاجية شفافة
صافية، هل ترى فيها إلا ما ينشط ويتحرك وراءها.. فكذلك هذه
اللوحات الكونية تغيب عنك كثافتها ووجودها المادي، لتظهر لك من
ورائها صفات الخالق المبدع ووحدانية الإله الصانع.كل ذلك يتم
خلال دقائق، بل ربما خلال لحظات، على أعقاب الوجهة التي فتحها
الله من سمائه إليك ليكرمك برائحة من معرفة ذاته.. فيخلعك هذا
الشعور الجديد الغامر من حال، ليزجك في حال أخرى، وليجعلك
تتقلب من أحداث الدنيا كلها في رؤية مشهود واحد هو الله عز
وجل. وتلك هي الحال التي يسميها أصحاب هذا الاجتباء الإلهي
بوحدة الشهود.كانت الأكوان كلها من قبل، حجاباً يغيبك عن الله،
بما فيها من مغريات ورغائب وأهواء، فلما تجلى الله عليك تجلّيه
الآسر الجاذب، أصبح شهوده هو الحجاب الذي يغيبك عن المكونات
وينسيك ما قد كان لك فيها من رغائب ومغريات.هذا كله يتم خلال
دقائق أو لحظات لمن اجتباهم الله تعالى وفتح عليهم وجهة من
تعريفهم بذاته.. وهو يتم أيضاً عن طريق الإكثار من الطاعات
والعبادات، وأخذ النفس بمنهاج طويل من التزكية، والعكوف على
أوراد دائمة من الأذكار.غير أن هذا طريق طويل يحتاج إلى زمن
وجهد، وهو الطريق الذي لا بديل عنه بالنسبة لأكثر الناس.أما
طريق الاجتباء والجذب، فسريع وسهل، ولكن لا حيلة للإنسان في
اختياره. إذ مردّه إلى فضل الله الذي يميز به من شاء من
عباده.إذن فلنردد مع ابن عطاء الله هذه الفقرة الدقيقة
والبليغة من حكمته هذه، إذ يقول: «ألم تعلم أن التعرف هو مورده
عليك، والأعمالَ أنت مهديها إليه. وأين ما تهديه إليه مما هو
مورده عليك» ؟ * * *

__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 Nov 2006, 09:55 AM   #48
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي
الحكمة التاسعة

تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال

ـ الأحوال التي يتعرض لها الإنسان تنقسم إلى أحوال نفسية،
وأحوال اجتماعية وبيان مفصل لكل منهما

الأحوال جمع حال، والحال هو الوضع الذي يمرّ بالإنسان ثم
يتجاوزه دون أن يستقرّ لديه.والأحوال تنقسم إلى قسمين: أحوال
نفسية، وأخرى اجتماعية. ونبدأ بالأول منهما:وإنما نعني
بالأحوال النفسية ما اصطلح عليه علماء السلوك أو المهتمون
بالتربية القلبية الموصلة إلى الله.. وهي عبارة عن مشاعر
داخلية تمرّ ولا تستقر، تأتي نتيجة وقوف وتأمل، عند بعض صفات
الله تعالى وأسمائه الحسنى، إذ تتأثر النفس بتلك الصفات، مما
يدفع صاحبها إلى الأعمال التي تتناسب وذلك التأثير الذي هيمن
على نفسه، كما تأتي نتيجة وضع مرّ به الإنسان شرد فيه عن أوامر
الله وانغمس في بعض المحرمات، ثم انجاب عنه ذلك الوضع فأورثه
مزيداً من الخوف من عقاب الله، وألماً من تذكر ماضيه في جنب
الله عز وجل.ففي الصالحين مثلاً من يغلب عليهم الوقوف عند صفات
الرحمة والكرم والإحسان والمغفرة وسعة العفو، وكلها صفات
منبثقة من بعض أسماء الله الحسنى، فيتصرف تصرفات دينية ذات
طابع جمالي قائمة على أساس راسخ من حسن الظن بالله، وإذا ذكّر
الناس بالله لم يذكّرهم إلا بالكثير من فضله وعطائه وآلائه
ومغفرته وعفوه، وإذا اتجهإلى الطاعات والعبادات فبدافع من هذا
الشعور يتجه، ويغلب على صاحب هذه الحال أن يكون اجتماعي النزعة
وأن ينعكس إليه طيف من هذه الصفات نفسها. فتكون أعماله منبثقة
عنها.وفي الصالحين من يغلب عليهم الوقوف عند صفات القهر
والعقاب والسلطة الإلهية الواسعة النافذة، والعقاب الذي توعد
به المسرفين والظالمين، فيتصرف تصرفات دينية ذات طابع جلالي
قائمة على أساس من تغلب الخوف، والشعور بالتقصير وسوء الحال.
لا سيما إن كان ممن له ماض يتصف بالشرود والابتعاد عن أوامر
الله والانغماس في الآثام والموبقات.فهذه الأوضاع النفسية تسمى
أحوالاً، إذ هي تعرض لصاحبها فتتلبث لديه ثم تمرّ وتمضي، ثم قد
تعاوده مرة أخرى. على أنه لا يوجد ميقات محدد لبقائها، فقد
يطول أمد بقائها وقد يقصر.

__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 Nov 2006, 09:56 AM   #49
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال

ـ نماذج لأصحاب حالات نفسية متنوعة استلزمت تنوع الأعمال
الصالحة على حسبها

كان في الصالحين مثلاً من تمرّ به الليالي الكثيرة دون أن تغمض
له عين لرقاد كداود الطائي الذي كان يقول: «إلهي، همّك عطّل
عليّ الهموم الدنيوية وحال بيني وبين الرقاد»
الرسالة_القشيرية:_1/99_على_هامش_حاشية_الشيخ_زكريا_الأنصاري.
.وفيهم مثل فضيل بن عياض الذي وقف في عرفة مع الحجيج، دون أن
يدعو كما كانوا يدعون، أو أن يردد الأذكار والأوراد المأثورة
في ذلك الموقف، إذ كانت قد انتابته حالة من تذكره لماضيه يوم
كان مسرفاً على نفسه، جعلته نهباً لمشاعر من الخجل من الله عز
وجل، حجبته عن الانشغال بالدعاء والأوراد والأذكار. روى إسحاق
بنإبراهيم الطبري أنه وقف مع الفضيل بن عياض بعرفات، فلم يسمع
منه دعاء، إلا أنه وضع يده اليمنى على خده، وطأطأ رأسه يبكي
خفياً، فلم يزل كذلك حتى أفاض الإمام، فرفع رأسه إلى السماء
يقول: واسوأتاه والله منك، وإن غفرت لي، قالها ثلاثاً
صفة_الصفوة_لابن_الجوزي:_2/239_ومختصر_تاريخ_ابن_عساكر:_20/316
. .وفيهم من حملته هذه الحال، على الاستغفار مما يعدّ في
الظاهر عبادة وطاعة، مثل سريّ السقطي الذي كان يقول: منذ
ثلاثين سنة، وأنا أستغفر الله من قولي مرة، الحمد لله!.. قيل
له: كيف ذلك؟ قال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني رجل، فقال لي:
لقد نجا حانوتك، فقلت: الحمد لله، فأنا إلى الآن نادم على ما
قلت، إذ أردت لنفسي خيراً مما حصل للمسلمين
الرسالة_القشيرية:_1/86_. .وفيهم من حملته حاله التي ذكرت
صوراً ونماذج منها على أن يفطر وهو صائم، مثل معروف الكرخي
الذي مرّ بسقّاء وهو صائم، فسمعه يقول: رحم الله من يشرب مني،
فتقدم إليه وشرب من يده، فقيل له: ألم تكن صائماً؟ قال: بلى،
ولكني رجوت دعاءه الرسالة_القشيرية:_1/82_. .فهذه التصرفات
وأمثالها، قد تكون محل نقد، ممن ينظر إلى ظاهر الطاعات
والعبادات مفصولة عن الأحوال الداخلية لأصحابها. فيرى ظواهر
الطاعات طاعات في كل الأحوال والظروف وبالنسبة لسائر الناس،
ويرى ظواهر الأعمال والأمور المخالفة انحرافاً عن الشرعوالجادة
الدينية في كل الظروف والأحوال. ولكن هذه النظرة السطحية نظرة
خاطئة، بل خطيرة، يجب التنبه إليها والحذر منها. وهذا ما يبينه
ابن عطاء الله في هذه الحكمة، إذ يقول: «تنوعت أجناس الأعمال
بقدر تنوع واردات الأحوال».إذن فليس عنوان العمل في ظاهره
الاسمي، هو مناط المثوبة والقبول من الله عز وجل، ولكن مناط
ذلك ما تفرزه الحالة التي يمرّ بها المسلم المتجه بكليته إلى
الله.ولقد كان نوع العمل الذي أفرزته حال فضيل بن عياض إذ كان
يقف في عرفة مع جموع الحجيج، هو ذلك الاستغراق في مشاعر الخجل
والحياء من الله، إذ كان يذكر ماضي سلوكه في شروده عن الله!..
فما من ريب أن ثواب ذلك الاستغراق بالنسبة لحاله هو ثواب
الذاكرين والداعين والمرددين للأوراد المأثورة في ذلك
المقام.وكان نوع العمل الذي أفرزته حال سريّ السقطي المتمثلة
في ندمه وحيائه من الله إذ جعل حمده له ترجمة لسروره بما امتاز
به عن إخوته الآخرين في السوق، إذ احترقت حوانيتهم، وبقي
حانوته سالماً لم يمسه سوء، الاستغفارَ من ذلك الحمد الذي رأى
أنه ليس أكثر من غلاف لما رضيه من حال الآخرين ما دام هو
سالماً!..وكان نوع العمل الذي أفرزته حال داود الطائي من الهم
الواصب الذي منعه من الرقاد ليالي متوالية، هو ذلك الهم
ذاته!.. ولاحظ كيف أن ذلك الهم الذي انتابه لم يترك له خياراً
في أن يرقد وينام، أي فلا يجوز أن يقال في حقه: إنه خالف هدي
رسول الله القائل: «أما أنا فأصوم وأفطر وأنام الليل وأتزوج
النساء» . إذ هو لم يختر لنفسه عملاً يخالف هدي رسول الله
هذا، ولكن حاله التي انتابته اضطرته إلى وضعه الذي وصفه عن
ذاته.كذلك كان نوع العمل الذي أفرزته حال معروف الكرخي عندما
سمع السقاء يقول: يرحم الله من يشرب مني، إذ أيقن بصلاح
السقاء، وهزّه الشوق إلى أن يكون واحداً ممن يرحمه الله
بدعائه، هو هذا الذي أقدم عليه من قطع صومه والشرب من يد
السقاء. لا يقال: ولكن في الفقهاء من قالوا إن البدء بالعبادات
النافلة يستوجب المضيّ فيها، لأن أولئك الفقهاء كما اجتهدوا
فرأوا ذلك، كذلك معروف الكرخي دلّه حاله التي هيمنت عليه على
اجتهاده الذي مال إليه.وإذا أدركت هذه الحقيقة التي ينبِّه
إليها ابن عطاء الله، والتي شرحتها وأوضحتها لك بهذه الأمثلة
من أحوال الصالحين، لن يمتد لسانك بنقد أو بقالة سوء في حق
كثير من الصالحين الربانيين الذين ساقتهم أحوالهم مع الله إلى
أعمال وتصرفات، قد تراها - في الظاهر - غير سديدة أو غير
موافقة لظواهر الأحكام.ولتعلم أنه يدخل في تنوع أجناس الأعمال
بسبب الأحوال النفسية، تفاوت الناس في مدى قربهم إلى الله ومدى
شهودهم لصفات الله تعالى واستغراقهم في مشاعر عظمته وجلاله..
قد ترى فيهم من يبتعد عن تناول الطيبات من الطعام ويعرض عن
تتبع ما لذّ من الشراب، وقد ترى فيهم من إذا ساق الله إليه دون
تكلف منه شيئاً من تلك الطيبات، أقبل إليها وتمتع بها وتضلّع
منها.إن الصنف الأول ليس له خيار فيما فعل، إذ إن حاله التي
تهيمن عليه تجعله يغصّ باللذيذ من الطعام والشراب، كالخائف
الذي سيق إلى ساحة الإعدام لينفذ فيه حكمه، أفيطيب له أم أيهنأ
بتناول الطعام اللذيذ إذ يوضع بين يديه؟!.. إن في الربانيين
الذين هيمنت عليهم هذه الحال التي وصفت، من يكونون من الأطعمة
والمشتهيات اللذيذة في مثل شعور هذا الذي سيق إلى الإعدام.أما
الصنف الثاني، فيملك خياره وإرادته، إذ إن الحال التي هو فيها،
هي حال سرور بشهود صفات اللطف والرحمة والعفو والإكرام من الله
تعالى.. ومن ثم فليس في مشاعره الداخلية ما يصدّه عن التعامل
والتفاعل مع قول الله تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ
اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ
الرِّزْقِ } { الأعراف: 7/32 } وهذا يعني أن من الخطأ أن يقول
أحدنا: أفكان رسول الله يحرِّم على نفسه اللذائذ؟ أو أن يقول:
أفكان في أصحاب رسول الله والتابعين، من يفرض على نفسه الحرمان
من اللذائذ المباحة الموجودة؟.. لأن حال الصنف الأول ليس حال
أناس اختاروا أن يخالفوا هدي رسول الله ، أو سيرة أصحابه من
بعده، إذن لاعترضنا عليهم واتهمناهم بالابتداع. ولكنها حال من
غُلِبَ عليهم، ففقدوا اختيارهم من جراء المشاعر التي
انتابتهم... والمشاعر انفعالات قَسرية لا توصف بالحرام
والحلال..على أن في أصحاب رسول الله من انتابتهم هذه الأحوال
القسرية، حتى حيل بينهم وبين التنعم بالطيبات، منهم سيدنا أبو
الدرداء وسيدنا أبو ذر وكثيرون.

__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 Nov 2006, 09:56 AM   #50
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال

ـ نماذج لأصحاب حالات اجتماعية متنوعة استلزمت تنوع
الأعمال الصالحة على حسبها

أما الأحوال الاجتماعية، فالمراد بها ما يتعرض له الإنسان من
الانتقال من حال العزوبة إلى الزواج، ومن حال الفراغ إلى
التقيد بالوظائف والأعمال، كما يراد بها تنوع المعارف
والاختصاصات العلمية والعملية والمهنية. وتفاوت الوظائف
الإدارية والسياسية.. فهذه كلها أحوال اجتماعية يتعرض كل منا
لتقلبات كثيرة فيها.إذا تبين هذا، فاعلم أن الفرائض التي أمر
الله بها تشكل الجامع المشترك بين أصحاب هذه الأحوال كلها، ذلك
لأنهم جميعاً مكلفون بتلك الأساسيات التي فرضها الله عز وجل
على عباده جميعاً. كأركان الإسلام الخمسة من صلاة وصيام وحج
وزكاة وشهادتَي توحيد الله ونبوة محمد عليه الصلاة
والسلام.ولكن ما وراء ذلك من القربات والعبادات تتنوع حسب تنوع
الأحوال الاجتماعية التي يتقلب المسلم في غمارها. والسر في هذا
الربط بين أنواع القربات وأنواع الوظائف والمسؤوليات
الاجتماعية، أن الخدمات الاجتماعية بحدّ ذاتها تعدّ من أهم
الأعمال التي يُتقرب بها إلى الله، إن صفت النية وأريد بها
الحصول على مرضاة الله.وها أنا أبرز لك هذه الحقيقة من خلال
النماذج والأمثلة التالية شاب لم يتزوج بعد، فهو لا يحمل إلا
مسؤولية نفسه، الأعمال المقربة إلى الله بالنسبة له، بعد
الجامع المشترك المتمثل في الفرائض العامة، هو التفرغ لمزيد من
العبادات والإقبال على القرآن تلقياً ثم إكثاراً من تلاوته،
وتتبع مجالس العلم والذكر، هذا بقطع النظر عن شؤونه الدنيوية
التي هو بصدد تكوينه لذاته عن طريقها. كالتوجه إلى الدراسات
وإلى المهارات التي ينبغي أن يأخذ نفسه بها.( فإذا تزوج، فقد
أصبح ذا مسؤولية مزدوجة. إذ غدا مسؤولاً عن نفسه وعن أهله
الذين هم زوجه وأولاده. ومن شأن ذلك أن يدخل تعديلاً كبيراً
على الأعمال والطاعات التي كان يتقرب بها من قبل إلى الله. إن
عليه أن يعلم أن السعي على أهله ليغنيهم ويكفهم عن المسألة جزء
لا يتجزأ من أهم القربات، والجلوس معهم عندما يعود من وظيفته
أو شؤونه للتحبب والإيناس جزء لا يتجزأ من هذه القربات، والعمل
في السوق للكدح الدنيوي يغدو بالنسبة لحاله جزءاً لا يتجزأ من
العبادات والطاعات، والعكوف على تربية الأولاد وتسليكهم في طرق
الهداية والخير الأخروي والدنيوي جزء أساسي من هذه الطاعات.
ولا شك أن هذه الأنواع الجديدة التي طرأت على حياة هذا الشاب
من الأعمال الصالحة، لا بدّ أن تأخذ من حظ العبادات والقربات
الأخرى التي كان يشغل نفسه بها قبل الدخول في حاله الجديدة
هذه.( 873 والعامل الذي يشتغل في معمل لحساب صاحبه، ينبغي أن
يعلم أن الأعمال التي تقربه إلى الله تعالى، بعد الجامع
المشترك من الفرائض والعبادات الأساسية، تتمثل في إتقان العمل
الذي تعهد به والذي ائتمنه عليه صاحب المعمل.ومعنى هذا أن
ساعات العمل التي تعاقد عليها العامل مع صاحب المعمل، يجب أن
ينصرف كلها إلى العمل الذي تم التعاقد عليه فيها، على أن تطرح
من ذلك الدقائق التي لا بدّ منها لأداء الصلاة المكتوبة
ومقدماتها من طهارة ووضوء.. أي فلا يجوز له أن يصرف، من
وراءذلك، شيئاً من ساعات العمل إلى أداء نوافل أو قراءة قرآن
أو دراسة علم ولو شرعي. ذلك لأن الحال الاجتماعية التي يمرّ
بها هذا الإنسان تضعه أمام نوع آخر من الأعمال المقربة إلى
الله، ألا وهو العكوف على أداء ما التزم به على خير وجه. ولا
يمنعه من اكتساب الأجر الوفير على ذلك من الله عز وجل، إلا أن
تكون نيته غير خالصة لوجه الله عز وجل.كثيرون هم العمال الذين
إذا حان وقت الصلاة اتخذوا من انصرافهم إلى الصلاة ذريعة
لتشاغل وتكاسل عن العمل الذي تحملوا مسؤوليته تجاه رب العمل،
إذ يطيلون من وقت الصلاة ومقدماتها بدون موجب، وربما اجتمع
المصلون من العمال يتجاذبون أطراف الأحاديث المسلية فيما
بينهم، أو ربما رأيت البعض منهم يطيب له أن يواصل جلوسه في
مصلاه بعد الصلاة لقراءة قرآن أو دراسة كتاب، موهماً نفسه أنه
يتقرب بذلك إلى الله. مع أن انشغاله بذلك إنما هو في حقه معصية
تستوجب الوزر. ذلك لأن هذه الدقائق التي صرفها إلى هذه النوافل
الدينية، ليست ملكاً له، وإنما هي ملك لرب العمل، فهو بما أقدم
عليه إنما مارس عدواناً على حق الغير. وهذا الحكم الشرعي مثبت
في باب الإجارة من مصادر الشريعة الإسلامية.كذلك كثيرون هم
الذين يؤدون العمل الذي طلب منهم بشكل سطحي غير متقن، إمّا
تهاوناً منهم وضجراً من الصبر على بذل كل ما في الوسع لأداء
العمل على وجهه السليم، وإما لحقد أو لحسد يهيمن على نفوسهم
تجاه صاحب المصنع أو المعمل، وأكثرهم لا يعلمون أنتهاونهم هذا
لا يقل في ميزان الشرع عن حال من يتهاون في صلاته فينقص بعضاً
من أركانها أو واجباتها أو يعجل بها للتخلص منها. إن نوع
الطاعة، بل العبادة، التي يطالب الله بها هذا العامل ليس أكثر
من العمل الذي كلف به (بعد أداء الجامع المشترك من الفرائض
الأساسية) لذا فإن أي خيانة تبدر منه في العمل تجاه رب العمل
إنما هي خيانة تجاه الله عز وجل.( والموظف الذي أقيم وراء
مكتبه لأداء الأعمال الإدارية التي كلف بها، يجب أن يعلم أن
عبادته التي تقربه إلى الله تعالى تتمثل (بعد أداء العبادات
الأساسية) في إتقان الوظيفة التي عهد بها إليه. ويجب أن يعلم
أن الأجر الذي يدّخره الله له عليه، لا يقل عن أجر العبادات
والقربات التي يتقرب بها العباد المتفرغون للنوافل والأذكار
وتلاوة القرآن ونحوها، بشرط أن يقصد بذلك وجه الله عز وجل. وأن
يكون العمل الذي عهد به إليه مشروعاً ومفيداً للأمة في أصله.(
وصاحب المسؤوليات السياسية على اختلاف درجاتها ورتبها، ينبغي
أن يعلم أنه إذا أنجز الجامع المشترك الذي كلف الله به سائر
عباده والمتمثل في الفروض والعبادات الأساسية، فإن القربات
التي تستنزل مرضاة الله، بالنسبة إليه، إنما تتمثل في خدمة
الأمة وحماية حقوقها ورعاية قيمها، ومدّ رواق الأمن والطمأنينة
والرخاء فيما بينها. إنَّ سهر وليّ أمر المسلمين، أو أي من
حاشيته وأعوانه، للنظر في رعاية أي من هذه الواجبات، ليس أقل
أهمية، في ميزان الطاعات المقربة إلى الله، من سهر المتعبدين
والمتبتلين بنوافل الصلاة من تهجدوقيام وذكر واستغفار.. على أن
يتوخى أصحاب هذه المسؤوليات في جهودهم وأعمالهم بلوغ مرضاة
الله، وعلى أن لا تعوقهم جهودهم تلك عن النهوض بالجامع المشترك
المتمثل في الفروض الأساسية المتمثلة في أركان الإسلام.( ولقد
نوع الله قدرات عباده بما يهيئها للنهوض بأنواع الطاعات
والقربات كلها، فكان من مقتضى ذلك أن ينهض صاحب كل قدرة متميزة
بالأعمال المنسجمة مع قدرته.فمن مظاهر هذا التنوع ما قد تراه
من حال إنسان أقدره الله على استيعاب المعارف والعلوم
الإسلامية، فهو عاكف على دراستها ثم تدريسها ونشرها بالوسائل
الممكنة. تلك هي القدرة التي منحه الله إياها، إذن فذلك هو
العمل النوعي المنوط به، من قبل الله عز وجل، وما قد تراه من
حال إنسان آخر أقدره الله على السير بين المتخاصمين من الناس
بإصلاح ما بينهم، ووسع صدره للصبر على ذلك، دون أن تكون له باع
عريضة في العلم ومسائله، إذن تلك هي القدرة التي منحه الله
إياها، وإذن فذلك هو العمل النوعي المنوط به والذي يقرّبه إلى
الله عز وجل.. وما قد تراه من حال إنسان ثالث لا يد له بهذا
ولا بذاك، ولكنه ينشط بالسعي في خدمة الناس، وقضاء حوائجهم
وردّ الأذى عنهم، إذن فذلك هو العمل النوعي المنوط به من قبل
الله عز وجل.وهكذا فقد وضح المعنى المراد بقول ابن عطاء الله:
«تنوعت أجناس الأعمال بقدر تنوع واردات الأحوال» .

__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21 Nov 2006, 09:57 AM   #51
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال

ـ بيان الأثر التربوي الكبير الذي تحدثه معرفة هذه الحكمة
والتعامل معها

أما الأثر التربوي الذي تحدثه معرفة هذه الحكمة بأبعادها التي
فصلت القول فيها، فهو الالتزام بضوابط الأدب مع عباد الله
جميعاً ما داموا مسلمين.. إنك بعد أن عرفت هذا الذي ذكرته لك
من تنوع الأعمال المقربة إلى الله، وعدم انحصارها في المظاهر
العبادية المعروفة والمألوفة، لن تتمكن من إساءة الظن في حق من
قد تراهم مقصرين في أداء الصلوات أو غيرها من الأذكار
والقراءات، كما أنك لن تسيء الظن في أي من المتبتلين
والمتعبدين الذين وردت في ترجماتهم تصرفات ومواقف، قد تراها في
بادئ الأمر مخالفة للشرع، أو ترى فيها مبالغة لا وجه لها في
باب التورع وحدوده. وقد عرضت لك نماذج وأمثلة منها.. ذلك لأنها
نتائج لأحوال نفسية كانت تهيمن عليهم فلا تدع لهم خياراً فيما
كانوا يفعلون.وكم رأينا، ونرى، أناساً يطيلون ألسنتهم بقالة
السوء، في حق هؤلاء الصالحين دون رويّة أو إدراك لهذا الذي
يقوله ابن عطاء الله.وكم رأينا ونرى أناساً ينتشون ويطربون
بقالة السوء في حق أناس أقامتهم ظروفهم في أجواء بعيدة عن
التنسك والانضباط بآداب الكمالات الدينية المعروفة، دون أن
يدركوا أن القربات التي ترضي الله ليست محصورة في هذه الظواهر
المحدودة، ودون أن يعلموا أن الوظائف التي أقامهم الله عليها
هي أجلّ من تلك الظواهر أثراً وفائدة لهم عند الله إن أخلصوا
له في القيام بها على الوجه السليم.بل حتى الذين قد نراهم
مقصرين في الفرائض الأساسية التي عبرنا عنها بـ «الجامع
المشترك» يجب أن نذكرهم بها وندعوهم إليها، ولكنلا يجوز أن
نسيء الظن بهم، إذ إن انصرافهم إلى وظائفهم الأخرى التي أناطها
الله بهم، ستكون على الأغلب جاذباً لهم إلى تدارك ذلك التقصير،
كما رأينا من حال الكثيرين من أمثال هؤلاء.واعلم أن ثمة فرقاً
كبيراً بين واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخطورة سوء
الظن، إن الأول لا يستلزم الثاني بحال من الأحوال. أي فواجبنا
أن نذكر المقصرين بالفرائض والأركان، وأن نجنح إلى حسن الظن
بهم في الوقت ذاته، أي أن نرجح في باب التصورات والافتراضات
المستقبلية أن الله سيلهمهم تدارك هذا التقصير، وأنهم سيؤوبون
إلى الله عما قريب، بفضل وظائفهم الأخرى التي يؤدونها على
النهج السليم الذي يرضي الله عز وجل. * * *

__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25 Nov 2006, 04:33 PM   #52
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي
الحكمة العاشرة

الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها

ـ بيان الصلة بين هذه الحكمة والتي قبلها

هذه الحكمة ذيل متمم للحكمة السابقة.فبعد أن عرفنا أن الأعمال
التي يتقرب بها المسلم إلى الله، ليست محصورة في الفرائض
الأساسية التي تمثل أركان الإسلام، بل هي كثيرة ومتنوعة تشمل
كل ما يدخل تحت قوله الله: { عملوا الصالحات } { العصر: 103/3
} ولا بدّ لإدراك معنى هذه الحكمة، والوقوف على الصلة الدقيقة
بينها وبين الحكمة السابقة من بيان ما يلي:

ـ كل القربات التي ينال بها المسلم مرضاة الله مؤلفة من
عمل وقصد

كل القربات التي ينال بها المسلم مرضاة الله تعالى، مؤلفة من
عمل وقصد.فلا قيمة للعمل مهما كان في مظهره مقبولاً ونافعاً إن
لم يكن القصد الدافع إليه مجرد الحصول على مرضاة الله ومثوبته.
ولا قيمة للقصد (في أكثر الأحيان) إن لم يتجلّ في العمل
المقصود.ولاحظ أنني أقرر أن وجود العمل مفصولاً عن القصد
السليم الذي يعبَّر عنه بالإخلاص لوجه الله، لا قيمة له في
ميزان الشرع وحكمه في كل الأحوال، ولا داعي إلى التذكير
بالنصوص الدالة على هذا من الكتاب والسنة، فهي معروفة، ولعلها
محفوظة. إذن فلا استثناء لهذا القرار أو الحكم العام.


ـ بيان ضرورة القصد وأهميته، وأنه من العمل الصالح
كالأساس الخفي من البناء

ولكني عندما قررت العكس، قيدت ذلك بـ (أكثر الأحيان) . ذلك
لأن النية السليمة قد تغني عن العمل في بعض الأحيان، وذلك
عندما يملك المسلم صفاء القصد وخلوص النية لله عز وجل في
الاتجاه إلى عمل ما، ولكنه لا يملك القدرة على تحقيق ذلك
العمل، كتوجه قصده إلى مدّ يد العون المادي إلى فقير محتاج، أو
العون المعنوي إلى ضعيف يحتاج إلى خدمة أو رعاية أو ردّ غائلة
عدوان، ولكنه ينظر، فلا يجد لديه القدرة على ذلك. مما لا ريب
فيه أن النية وحدها في هذه الحالة تكفي، وقد دلت على ذلك
أحاديث كثيرة ثابتة عن رسول الله .غير أن هذا الانفكاك لا
يتأتى في انفراد العمل عن القصد السليم المتمثل في الإخلاص لله
عز وجل، بل كلما كان العمل المنفَّذ مرتبطاً بقصد غير سليم،
فهو عمل لاغ وباطل في ميزان الله وحكمه. وقرار الله في ذلك
نافذ لا مردّ له: { وَقَدِمْنا إِلَى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ
فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً } { الفرقان: 25/23 }


ـ إسقاط هذه الحكمة على أمثلة من أرض الواقع

إذا تبين هذا، فتعال نسقط هذه الحكمة، بل هذه القاعدة على
أمثلة من أرض الواقع رجل ركبته ديون مالية حان وقت سدادها،
رأى صاحب أو أصحاب هذه الديون، مقبلين إليه من بعيد، فاتجه
مسرعاً إلى أقرب مسجد وأخذ يصلي سلسلة من النوافل الكثيرة. مما
لا شك فيه أنْ ليس لهذا المصلي أن يتصور أنه يمارس من صلاته
عملاً يتقرب به إلى الله. إذ إن الله لم يقمه من الطاعات
والقربات في هذه الصلاة، ذلك لأن قصده ليس التقرب بها إلى
الله، وإنما التهرب من سداد الدين.( عامل يشتغل في معمل، انتهز
فرصة أذان الظهر، فترك عمله بحجة التوجه إلى صلاة الظهر، وتوضأ
فأطال الوضوء، ثم دخل الصلاة فأطال منها ما شاء أن يطيل، ثم
اتخذ مجلسه في ظل ظليل وأسند ظهره إلى مكان مريح وأخذ يتشاغل
بالأوراد الكثيرة أو بقراءة القرآن. من الواضح أن هذه الصلاة
بهذا الشكل لا تدخل في أنواع الأعمال المقربة إلى الله، لأنه
إنما ابتغى بها الابتعاد عن العمل الذي هو بصدده بحثاً عن
الراحة.( واحد من هؤلاء الذين ينشطون في أعمال حركية خدمةً
للإسلام وللدعوة الإسلامية فيما يزعمون، يعلم في قرارة نفسه
أنه يبتغي من أنشطته التي يقوم بها، فائدة دنيوية من زعامة أو
مال أو مركز سياسي، جاء من يعتب عليه بأنه مقصر في عباداته، لا
يستيقظ لصلاة الفجر إلا مع الشمس أو قبيلها، لا يتعهد نفسه
بشيء من تلاوة القرآن، فأجابه قائلاً: إن الله أقامه في أعمال
الدعوة وخدمة الإسلام،ولم يقمه في العكوف على العبادات وتلاوة
القرآن والأوراد!.. مما لا ريب فيه أن دعواه باطلة، إذ إن عمله
الذي ينصرف إليه غير مقترن بروح الإخلاص لوجه الله عز وجل.(
ثلة من الأصدقاء توجهوا حجاجاً إلى بيت الله الحرام، وقد
تطاوعوا فيما بينهم أداء الخدمات ورعاية مصالحهم الشخصية، رأى
أحدهم أن يهرب من أعمال الخدمة المتمثلة في غسل الأطباق وتهيئة
الطعام وتنظيف المنزل، فاتجه إلى الحرم يطوف آناً ويصلي آناً
ويتلو القرآن آناً آخر، تاركاً لإخوانه تلك المهمة التي فرّ
منها، لا شك أن عمله الذي اختاره لنفسه لا يدخل في قول ابن
عطاء الله: «تنوعت أجناس الأعمال، بقدر تنوع واردات الأحوال»
حتى ولو رأى هذا الرجل نفسه متميزاً عن إخوانه بدراية فقهية
ومركز علمي وديني مرموق. ذلك لأن هذه المزية لا تجعله أهلاً
لما اختاره لنفسه من الطواف والصلاة والقراءات دون غيرها من
خدمات المنزل.( قد تجد صاحب تجارة أو مصنع، يلهث مسرعاً إلى
أعماله التجارية أو الصناعية وينشط لذلك نشاطاً يذهب براحته
وينسيه أكثر وظائفه الدينية باستثناء الأركان والفروض الأساسية
منها، فإذا جاء من يذكره بالله وواجباته والوظائف الدينية
المنسية من حياته، قال: ألستم تقولون: تنوعت أجناس الأعمال
بقدر تنوع واردات الأحوال؟.. وها قد أقامني الله من أجناس
الأعمال في عملي التجاري هذا!..إن كلامه هذا غير مقبول، وعمله
ليس من الأعمال الصالحة الداخلة في أجناس هذه الأعمال، ذلك
لأنه لا يقبل على تجارتهوشؤونها من حيث هي عبادة متميزة أقامه
الله فيها، فهو لا يمارسها إلا ابتغاء رضا الله عنه، وإنما هو
متهافت عليها سعياً وراء حظ نفسه، ولحاقاً بأحلامه التوسعية
التي يضحي في سبيلها بالكثير من أوامر الله وحدوده. * * *


ـ صفوة القول أن الأعمال تابعة للقصد، وليس العكس، ومن
هنا تنوعت الأعمال الصالحة المقربة إلى الله إلى ما لاحصر
له

وصفوة القول، هي أن علينا أن نعلم ولا ننسى أن الأعمال الصالحة
التي يأمر الله بها في محكم تبيانه، ليست محصورة في قائمة
الفرائض والأركان الأساسية للإسلام بل تشمل كل ما يحقق مصلحة
من مصالح الناس من حيث الأفراد ومن حيث التركيبة الاجتماعية.
على أن يراعى في أنواعها الترتيب الذي جاء به كتاب الله عز
وجل، وهو وضع مصلحة الدين في رأس المصالح كلها، تليها مصلحة
الحياة فالعقل فالنسل فالمال.فكل هذه الخدمات داخل دخولاً
أولياً في معنى الأعمال الصالحة التي يأمر بها الله عز وجل
ويثيب عليها، وإذن فهي من العبادات التي يحقق بها المسلم معنى
عبوديته لله عز وجل.إنما المشكلة في انفصال هذه الأعمال عن
الهدف القدسي الذي يجعل منها عبادة، ويجعل من صاحبها عبداً
يمارس بها عبوديته لله بالسلوك الاختياري.المشكلة أن تصبح
الحوافز الدافعة إلى أعمال التجارة والصناعة والزراعة إمتاع
النفس بحظوظها، والركون إلى زهرة الحياة الدنيا بدلاً عن
الإقبال بها إلى الله.المشكلة أن يسمر الزوج مع زوجه وأولاده
في جو مغموس بالمنسيات والملهيات والمحرمات، بدلاً من أن يسمر
معهم ليحقق ما قد أمر الله به من إيناسهم وإدخال البهجة في
نفوسهم، فيزداد بذلك قرباً إلى الله.المشكلة أن ترتفع الأصوات
بالخطب الحماسية الدينية، وأن تدبج المقالات وتكتب البحوث في
تمجيد الإسلام، وأن تصرف الأموال الطائلة على المؤتمرات
الإسلامية، ثم يظهر للعيان أن الإسلام يتخذ مطية ذلولاً لمطامع
ومطامح دنيوية يتم التنافس عليها والتزاحم من أجلها، ويتخذ
سلّماً للوصول إلى الجوائز والامتيازات المالية
والوظيفية.والمشكلة باختصار أن يغدو التحرك بأنواعه على مسرح
العمل الإسلامي في مجتمعاتنا اليوم، حرفة من الحرف الكثيرة
المتنوعة التي يبتغى منها الرزق وما في حكمه.ولو صفت القلوب،
وخلصت النيات من الشوائب، وهيمن الإخلاص لوجه الله على أفئدة
العاملين على اختلاف أنواعهم وفئاتهم، لرأيت أن كلمة المسلمين
اليوم واحدة، ولرأيت أن أمرهم بأيديهم، ولرأيت أن هيبتهم
وقوتهم ملء أفئدة أعدائهم.فإذا آل العمل الإسلامي في مظاهره
المتنوعة إلى أن يصبح حرفة لاستثمار الدنيا ومتمولاتها، فماذا
تتوقع من الحرف الدنيوية؟ وكيف السبيل إلى أن يسمو بها أصحابها
إلى مستوى الأعمال الصالحة التي يبتغى بها وجه الله؟!..ولكن لا
بدّ أن أستدرك فأؤكد أن في المسلمين من لا يزالون على العهد،
صادقين مخلصين، لا يضرهم المخالفون لهم، بوسعك أن ترى منهم في
كل دولة ومدينة وصقع. وصدق رسول الله القائل: «لا تزال طائفة
من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله
وهم ظاهرون» متفق عليه من حديث المغيرة. . * * *



__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25 Nov 2006, 04:34 PM   #53
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي
الحكمة الحادية عشرة


ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم
نتاجه

ـ الفرق بين الخمول والكسل

دعونا نوضح المعنى المراد بالخمول أولاً.كثيرون هم الذين
يتصورون أن الكلمة تعني الكسل والدعة.. يقولون: فلان خامل،
يقصدون أنه كسول لا ينهض بعمله ومسؤولياته.غير أن هذه الكلمة
تعني في اللغة الابتعاد عن الأضواء وعن أسباب الشهرة. وأن يكون
الإنسان مجهولاً لدى الآخرين لا يعرفه أكثر الناس.


ـ بيان أن كل شيء لايتكامل وجوده إلاّ بعد أن يبقى مدة في
ظلمات الخفاء

نعود الآن إلى هذا الذي يقوله ابن عطاء الله: «ادفن وجودك في
أرض الخمول» أي عندما تريد أن تنهض بمهامك التي تريد أن تنهض
بها دينية أو دنيوية (ومراد ابن عطاء الله بها هنا المهام
الدينية) عليك قبل أن تشتهر بين الناس وقبل أن يَرَوْكَ على
مسرح الأحداث ويشار إليك بالبنان، أن تدفن وجودك لمدة من الزمن
في أرض الخمول، أي بعيداً عن الشهرة، متوارياً عن أضوائها،
وليكن عملك خلال ذلك هو السعي إلى أن ترعى ذاتك وأن تنضج عقلك
وأن تربي نفسك، وأن تصفي سريرتك من الشوائب. ليكن همك محصوراً
في ذلك.وأنت لا تستطيع أن ترعى نفسك وكيانك هذه الرعاية، إلا
إن كنت مختلياً بنفسك بعيداً عن الضوضاء وعن الأضواء
الاجتماعية وتيارات الأنشطة العامة.


ـ بيان وحدة هذا القانون في الوجود الإنساني والجامدات
والوجود العضوي والاجتماعي للإنسان

ويشبه ابن عطاء الله السكندري هذا القانون التربوي في حياة
الإنسان بالقانون ذاته في عالم النبات!.. فالنواة التي تريد أن
تستنبتها، ستنمحق وتموت إن أنت ألقيتها رأساً على وجه الأرض
وتركتها ظاهرة بين الأتربة والحجارة، تشرق عليها الشمس
المحرقة، ويتخطاها الغادي والرائح.وإنما السبيل إلى استنباتها
أن تدفنها في ظلمات التراب وباطن الأرض، وتترك على هذه الحال
مدة، بحيث تتفاعل مع ذاتها، وينضج ثم ينبعث كل ما قد أودعه
الله في داخلها من الخصائص المتمثلة في أوراق وعروق تتجه صاعدة
إلى وجه الأرض، تمزق الأتربة التي فوقها، بل تشق الحجارة التي
في طريقها، لتصافح الهواء الساري ولتتغذى بضياء الشمس
المشرقة.فظهور النبات يمرّ، إذن، بمرحلتين: مرحلة التأسيس إذ
يكون في باطن الأرض، ومرحلة النمو والعطاء إذ يكون على ظاهرها
تحت ضوء الشمس وأمام الأبصار.القانوني الإلهي واحد سواء فيما
يتعلق بالنواة والبذور التي تُسْتَنْبَتُ، أو بالإنسان الذي
يريد أن يكوّن ذاته.إن بوسع الإنسان أن يعرف هويته عبداً
مملوكاً لله عز وجل خلال دقائق أو أيام..ولكن إذا أراد أن يضع
هويته هذه موضع التنفيذ، فيسير على صراط الله عالماً بشرعه
مدافعاً عن دينه مجاهداً في سبيله آمراً بالمعروف ناهياً عن
المنكر ناهضاً بواجباته الاجتماعية المثلى، فلا بدّ أن يسير
إلى ذلك، سيرة النواة إذ يتكامل نضجها في رحم الأرض، فيتعهد
نفسه بالتربية والتزكية وتخليتها من الشوائب، في مرحلة من
الانطواء على الذات، والابتعاد عن ضجيج الأنشطة الاجتماعية.ولو
أنه قفز فوق هذه المرحلة، واتجه رأساً إلى الأنشطة الاجتماعية
يتعامل معها ويتفاعل مع تياراتها، لكانت سيرته كسيرة النواة
التي ألقيتها على وجه التراب وبين الحجارة، هل تنتظر منها إلا
العفونة والفساد؟!..إن مآل هذا الإنسان الذي بدأ عمله فوق مسرح
الشهرة وتحت الأضواء الساطعة هو الخيبة والفساد!.. إن تكلم فلن
يصدر عن علم ناضج، وإن هو أراد السير على صراط الله فلسوف
تعوقه نفسه الأمارة بالسوء عن الانضباط بهذا السير، لما يعانيه
من غرائز وشهوات وأهواء لم يتح له أن يخلص نفسه منها. وإذا
اتجه إلى الأنشطة الاجتماعية، شدته رغائبه إلى التنافس في حظوظ
المراكز والزعامات، والتسابق إلى حيث المغانم والأموال.ذلك لأن
نفسه لم يتح لها أن تتهذب في محراب العزلة، ولم تنبثق فطرتها
السليمة ناضجة في رحم الخلوة.وما أكثر الفساد الذي ينتشر اليوم
في جنبات المجتمعات الإسلامية بسبب الإعراض عن هذا الذي يوصي
به ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى، بسبب الكثير ممن
يتزبب وهو حصرم.ولكن ما من إنسان يبدأ بتكوين نفسه والتعرف على
ذاته، وتغذية عقله بالعلوم والمعارف وتجارب الحياة، بعيداً عن
الأضواء الاجتماعية وعن أسباب الشهرة وعن أحلام الزعامة
مستعيناً بأجواء من الخلوات الجزئية التي تشبه جرعات الدواء
المتلاحقة، أقول: ما من إنسان يأخذ نفسه بهذا العلاج، إلا
وينضج عقله دراية وعلماً، وتتزكى نفسه تهذيباً وتربية، وتتجه
منه المشاعر والعواطف إلى كل ما هو أعلى وأبقى وقد صفيت من
شوائب الأهواء والرعونات.وتصبح أنشطته وأعماله الاجتماعية
عندئذ مفيدة ومثمرة له ولمجتمعه، تماماً كالنواة التي تركت في
باطن الأرض، حتى تفجرت في ظاهرها نباتاً مخضراً يانعاً ثم
مثمراً.


ـ المستند الذي اعتمد عليه ابن عطاء الله، سيرة رسول
الله صلى الله عليه وسلم

قد يسأل البعض: من أين جاء ابن عطاء الله السكندري بهذه
الحكمة؟والجواب أنه، كغيره، أخذها من سيرة رسول الله التي
رباه ونشّأه الله عليها. فلقد ورد في الصحيح أن الله حبّب إليه
الخلاء، فكان يخلو في غار حراء الليالي المتتابعة. كان ذلك هو
العمل التأسيسي في رحلة القيام بالمهمة التي كلفه الله بها، من
بعد.وعندما نتبين الحكمة من ذلك، نعلم أنه كما احتاج رسول
الله بين يدي القيام بعمله الوظيفي إلى هذه الخلوة فبقية
المسلمين أشد حاجة منه إليها.وإننا لننظر، فنجد أن السلف
الصالح كلهم ساروا على هذا المنوال، فلم يقفز أي من أصحاب رسول
الله رضوان الله عليهم ولا أحد ممنجاء بعدهم فوق هذا القانون
الذي يذكرنا به ابن عطاء الله رحمه الله تعالى.



__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02 Dec 2006, 05:42 PM   #54
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم
نتاجه

ـ لكي ينهض الإنسان بواجباته الاجتماعية بنجاح لابدّ من
أن يتحلى بثلاث خصال: العلم.. تزكية النفس.. تطهير القلب
من التعلق بالأغيار

إنني بحاجة من أجل أن أخرج إلى المجتمع فأنهض بواجباتي
الاجتماعية بين الناس إلى ثلاثة أمور: أولها: العلم. فلا
يجوز لي أن أتكلم بين الناس وأن أقودهم إلى ما أرى أنه الحق
بدون علم. ثانيها: تزكية النفس، فالنفس كما هو معلوم أمّارة
بالسوء. نفسي التي بين جنبي، تطمح بي (في بادئ الأمر) إلى
البحث عن الزعامة.. إلى الوجاهة.. إلى منافسة الأقران.. إلى أن
أكون أنا الأفضل في سائر الأمور والأعمال.. تطمح بي دائماً إلى
المتع واللذائذ.. إلى جمع المال من أي نافذة لاحت، فإن صليت
دعتني نفسي إلى أن أجعل من صلاتي سبيلاً لثناء الناس عليّ..
وإن قمت أعلّم الناس وأدعوهم وأعظهم، دعتني نفسي إلى أن أجعل
من ذلك سُلّماً لشهرة وزعامة، وإن سلكت مسلك الاستزادة من
الأذكار والعبادات والقربات، توجهت بي هذه النفس ذاتها إلى أن
أكون بذلك وجيهاً ومعظماً في قلوب الناس. ولا علاج للتخلص من
هذه الآفات كلها إلاّ أن آخذ نفسي هذه بمنهج التزكية التي
أمرني الله بها. ثالثها: تطهير القلب من محبة الأغيار!.. إنني
أحب المال، أحب الزعامة، أحب زوجتي، أحب أولادي، أحب من سماهم
الله الأنداد.. أي المنافسين لله عز وجل على قلوبعباده. مطلوب
مني أن أطهر قلبي من ذلك كله، وأن أسقط محبة هؤلاء الأغيار
منه.في أي مدرسة أحقق هذه النتائج الثلاث؟ لو أنني اندمجت في
المجتمع، وحاولت وأنا أتقلب في غماره أن أطهر قلبي وأن أغذي
عقلي وأن أزكي نفسي فلن أصل إلاّ إلى نقيض ما أريد!..


ـ لايمكن تحقيق هذه الخصال الثلاث إلا بالتزام خلوات
جزئية منظمة

إن الوصول إلى هذه الأهداف الثلاثة لا يتم إلا بإخضاع الذات
لخلوات جزئية منظمة.. في هذه الخلوات، بقيودها التي سأتحدث
عنها، أتهيأ لمعرفة ذاتي وللوقوف على هويتي عبداً مملوكاً لله
عز وجل. وستسلمني هذه المعرفة إلى منهاج من الأذكار أجعل منها
وردي الدائم، وسيكون الإكثار من تلاوة القرآن بتدبر وتأمل في
مقدمتها. وشيئاً فشيئاً ستنجلي أمامي المكونات على حقيقتها.
إنها أتفه وأقلّ من أن يتعلق بها القلب، تعلقاً يحجبه عن رؤية
المكوِّن جلّ جلاله، ولسوف تتخلّى النفس عن رعوناتها وأهوائها،
وتصطلح مع الروح الهابطة إلى الجسد من الملأ الأعلى، لتبدءا
السير معاً على الطريق الموصل إلى رضوان الله عز وجل.غير أن
هذا لا يكون إلا عندما آخذ نفسي بمرحلة من الخمول وبساعات من
العزلة أخلو بها إلى ذاتي، بعيداً عن المجتمع وضوضائه.وإني
لأشبه الإنسان التائه عن هذا العلاج، السابح في أمواج التيارات
الاجتماعية المتنوعة، برجل اتخذ مكانه في ناد ليلي يفيض
بالضجيج والأحاديث المتداخلة والأصوات المرتفعة، وفجأة أقبل
إليه صديق أو شريك له في التجارة، يحدثه عن أمور حسابية
تتعلقبالشركة والأمور المالية التي بينهما. يصغي إليه صاحبه
قليلاً، ثم يجد أن لا فائدة من الإصغاء، لا المتكلم ينفذ
بالحديث دقيقاً إلى سمعه، ولا هو يستطيع أن يستوعب ما يقوله
له، وسط ذلك الضجيج.. فيقول لصاحبه: قم بنا نبحث عن مكان هادئ
يتاح لنا فيه التعامل مع الروية والفكر.


__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02 Dec 2006, 05:43 PM   #55
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم
نتاجه

ـ أمثلة على ذلك

مثال ذلك أيضاً تاجر يمضي يومه في متجره مع الزبائن الغادين
والرائحين، يندمج معهم ويساهم في ضجيجهم. ولكن ما من ريب أن
سرّ نجاحه وأرباحه التجارية لا يكمن في اندماجه مع ضجيج السوق
ومساوماته مع الزبائن، وإنما يكمن في الساعتين اللتين يقضيهما
مختلياً في مكتبه يراجع فيهما دفاتره، ويتأمل حساب الصادر
والوارد لديه.وكما أن مثال التجارة الدنيوية هذا، لا يعجز عن
فهمه أحد، فكذلك شأن التجارة بأمور الدين.إنني عندما أبدأ عملي
الإسلامي بالاندماج في المجتمع داعياً واعظاً حركياً آمراً
ناهياً، وأجدني فجأة قد أصبحت زعيماً أو مسؤولاً كبيراً، أو
اكتسبت شهرة بين الناس على حين غرة، فما من ريب في أني سأجند
كل أنشطتي الدينية وإمكاناتي الحركية لحماية ما قد نلته من
شهرة أو زعامة أو مال.إذن ماذا عسى أن أستفيد وأفيد في هذه
الحال؟لن أستفيد سوى أوزار من الرياء والعجب أحملها إلى الله
فوق كاهلي، ولن أفيد الناس إلا أقوالاً مرصوفة وحركات خداعة.
أما الدين في جوهره فتائه وضائع بين هذين الطرفين!..ولكني إن
بدأت بالنظر إلى نفسي ومعالجتها، واتخذت من وصية رسول الله
منهجاً للتربية والعلاج: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك
على خطيئتك» رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وابن أبي الدني
من حديث عقبة بن أبي عامر. فسوف يتقلص سلطان الدنيا وأهوائها
شيئاً فشيئاً عن مشاعري ونفسي، ويتجلّى في مكانه سلطان الله عز
وجل مهيمناً على كياني، وشيئاً فشيئاً يقودني دافع الإخلاص لله
وحده، في سائر أعمالي وأنشطتي التي أمارسها. إذ سيتبين لي أنه
لا يوجد أحد من دون الله يستأهل أن يكون عملي من أجله.من ذا
الذي يستطيع أن يفيدني أو يضرني من دونه؟! بل من ذا الذي يملك
أي شيء من بعده؟!..في ضرام هذا الشعور ينقدح الإخلاص لوجه
الله، ويغيب عن الذهن والنفس وجود الأغيار على اختلافها. ويصبح
الاندماج في المجتمع مأموناً ومحفوظاً من سائر الأخطار.عندئذ
لا خوف عليّ من المجتمع وأضوائه.. لا خوف عليّ من الرياء لا
داعي إلى الحذر من العجب.. لا حاجة إلى الخوف ممن قد يحاول أن
يشتريني لمصالحه بالمال، أو بالمتع والملذات.. إذ لن أجد أمامي
أحداً إلا الله الذي هو وحده الفعال، وهو وحده النافع
والضار.كان في الناس الذين يغشون مجلس والدي رحمه الله من
يسأله قائلاً: يا سيدي كيف السبيل إلى التخلص من الرياء؟فكان
يضحك متعجباً ويقول له: وهل يوجد أحد غير الله يستأهل أن ترائي
له؟!.. المفروض في المرائي أن يجد بديلاً عن الله يتقرب إليه
بعمله، فمن هو هذا البديل، وأين يوجد؟ إنّ الذي أيقن عقله معنى
التوحيد الحقيقي يدرك كنه «لا حول ولا قوة إلا بالله» ومن ثم
فلا معنى للرياء في ذهنه ولا وجود له في مشاعره.تأمل في معنى
هذا الكلام الدقيق. ولكن فلتعلم أن والدي دفن نفسه طويلاً في
أرض الخمول، قبل أن يعصمه التوحيد من أخطار الرياء والعجب
والأهواء، ويجعله يعجب من طرح مثل هذا السؤال. * * *


ـ الخمول المطلوب هنا لايعني بالضرورة الخلوة أو العزلة
التامة

على أن الخمول الذي يعنيه ابن عطاء الله هنا، أعمُّ من الخلوة
التي نتحدث عنها، فالخمول يعني الابتعاد عن الشهرة وعن خِضَمِّ
الأنشطة الاجتماعية، والركون إلى الذات لاستكمال معارفها
وتنمية خصائصها ومزاياها، وتسليك النفس في مسالك التربية
والتهذيب.وكما يكون ذلك عن طريق الاستعانة بسلسلة الخلوات
المنسَّقة، يكون عن طريق الاعتماد على دائرة ضيقة من المعلمين
والمرشدين، والأقران الذين يستعان بهم في السير على هذا
الطريق.. المهم أن لا يشغل السالك نفسه في هذه المرحلة بالشؤون
العامة، وأن لا يزج نفسه في غمار الأنشطة الاجتماعية وضوضائها،
إذ إن ذلك من شأنه أن يخنق براعم مزاياه العقلية والفكرية
النفسية التي لم تتفتح بعد، في مناخ التربية والمعرفة، وأن
تستثير في مكانها من نفسه النقائص والعيوب، كما قد أوضحت قبل
قليل.


ـ هذه الحكمة تعبر عن قانون لابدّ منه في كل من القضايا
الدينية والدنيوية

ومن المهم أن تعلم أن اتباع هذه الحكمة أساس لا بدّ منه في كل
من القضايا الدينية والدنيوية معاً.فكم من مصالح ومؤسسات
اقتصادية واجتماعية وعلمية، تسرب إليها الفساد، إذ عهد
برعايتها إلى أشخاص، رأس مالهم من الخبرة والمعرفة والمراس،
زعامة أو شهرة أو مكانة، نالوها طفرة، دون أي مرور بقناة النضج
التربوي أو الخبرة أو الدراية المعرفية!.. ففسدت المؤسسات،
وتعطلت المصالح، وأفلست الشركات، إذ لم تغن الزعامة أو الشهرة
أو المكانة الخلّبية، عن العلم والأخلاق والتربية شيئاً. وقد
علمت أن التكوين التربوي للنفس، والتكوين المعرفي للعقل، لا
يتم أي منهما إلا في رحم الخمول بعيداً عن أضواء الزعامة
والشهرة المنبثقة من الهياجات الاجتماعية أو الحزبية
ونحوها. زارني مجموعة من الشباب، الذين قفزت بهم أنشطتهم
الحزبية والاجتماعية إلى ذرا منابر الدعوة والتوجيه والأمر
والنهي.. دون مرور بهذه المرحلة التكوينية التي يتحدث عنها ابن
عطاء الله في هذه الحكمة. ولما اطمأنت بهم مجالسهم، نظر إليّ
أحدهم ناصحاً -وكان أصغرهم سناً- وقال:- قال الله تعالى: ((ولا
تركنوا إلى الذين ظلَموا فَتَمُسَّكُمُ النار..)) قرأ الكلمة
بهذا الشكل: «فتمُسَّكُم» بضم الميم!..استعدته تلاوة الآية،
ظاناً أن الخطأ في تلاوتها إنما كان سبق لسان. فأعادها كما
بدأها، دون أن يتنبّه إلى أنه أخطأ في شيء ما. قلت له: ولكن
الآية، كما هي في القرآن وفي اللغة: { فتَمَسَّكم } { هود:
11/113 } حاول الشاب كثيراً، دون جدوى، ولم يستطع أن يقيم
لسانه على نطق سليم بكلمة { فتَمَسَّكم } { هود: 11/113 } قلت
له: يا هذا، لقد حملتك غيرتك الفجّة على الإسلام، على أن تجلس
مني مجلس الناصح والواعظ، فهلاّ حملتك غيرتك هذه على أن تتعلم
القرآن أولاً؟!.والحق أني أسفت جداً لهذه المفارقة، ولكني لم
أستغربها ولم أعجب منها، إذ إن حال هذا الشاب لم يكن بدعاً أو
فريداً في أمثاله. بل هو نموذج لحال كثير من الشباب الذين
يتربعون اليوم على أريكة الإرشاد والتوجيه، قفزاً فوق مرحلة
التكوين التي يتحدث عنها ابن عطاء الله، رشحتهم لها المراكز
الحزبية أو الأنشطة الاجتماعية، أو المصالح المتبــادلة. في
غياب تام لمشاعر الغيرة على الحق والإخلاص لدين الله عز وجل.

__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06 Dec 2006, 05:47 PM   #56
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي
الحكمة الثانية عشرة


ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة

ـ المعاني التي تطلق عليها كلمة القلب

والآن نبدأ بشرح هذه الحكمة وتحليلها.أولاً: كلمة القلب تأتي
بمعنى العقل، وتأتي بمعنى العضلة المعروفة وراء الأضلاع في
الجانب الأيسر من جسم الإنسان. وقد وردت في القرآن بالمعنيين:
وردت بمعنى العقل في قوله تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَذِكْرَى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ
وَهُوَ شَهِيدٌ } { ق:50/37 } ومراد ابن عطاء الله بكلمة القلب
هنا القلب بمعناه الحقيقي وليس المعنى المجازي المتمثل في
العقل.


ـ المطلوب في هذا المجال التربوي عزلة جزئية لا العزلة
الكلية الدائمة

ثانياً: ينبغي أن نلاحظ أن ابن عطاء الله عبّر بكلمة (عزلة)
منكرة، ولم يعبر بكلمة (العزلة) معرّفة. وبين النكرة
والمعرفة فرق دقيق في المعنى.كلمة (عزلة) منكرة تدل على
التقليل بينما المعرّفة بـ «أل» تدل على التكثير.. فعندما
يقول: «ما نفع القلب مثل عزلة» يعني مثل شيء من العزلة، ولو
قال: ما نفع القلب مثل العزلة، لكان معناه: ما نفع القلب شيء
مثل العزلة الدائمة. وهو إنما يريد التنبيه إلى أن المشروع
والمطلوب إنما هو شيء من العزلة لا أن يتخذ الإنسان منها
منهجاًلحياته كلها، فيبتعد عن المجتمع ويقصي نفسه عن الدنيا في
كهف من الغربة والابتعاد عن الناس وشؤونهم.إن هذا الثاني
يتنافى مع الفطرة الإنسانية، إذ الإنسان اجتماعي بطبعه.فمن أجل
هذا ساق ابن عطاء الله الكلمة نكرة، ولم يأت بها معرّفة بـ
«أل» .إذن العزلة ليست مرادة لذاتها وإنما هي مطلوبة لتكون
مناخاً وظرفاً مناسباً، للتأمل والتفكير. أي فلو أن أحدنا أخذ
الشطر الأول من هذه الحكمة فألزم نفسه بمنهاج من العزلة، يخلو
فيها مع نفسه ساعة أو ساعتين كل يوم، يعانق هذه العزلة لذاتها
بعيداً عن أي عمل.. بعيداً عن القراءة.. بعيداً عن أي وظيفة
فكرية.. فهو سلوك جانح مختل، لا يأتي لصاحبه بأي خير، بل هو
بالأحرى سلوك ضارّ للنفس ومزهق للوقت.


__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06 Dec 2006, 05:48 PM   #57
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة

ـ العزلة مع التفكر: أولهما يشبه الحمية للمريض. ثانيهما
يشبه الدواء له

العزلة التي يندبنا إليها الإسلام وينبهنا إليها ابن عطاء الله
هي تلك التي تكون مناخاً ومجالاً للتأمل والتفكر فيما يفيد
الإنسان وفيما يقربه إلى الله وفيما يعتقه من أسباب الشقوة
التي تتربص بالإنسان.إذن هو هنا يدعونا إلى أمرين أحدهما مقدمة
وسبيل للآخر هما: العزلة، والتفكر.أولهما يشبه الحمية بالنسبة
للمريض، وثانيهما يشبه الدواء بالنسبة له. فالمريض ينصحه
الطبيب بأمرين اثنين، لا يستفيد من الواحد منهمان لم يتبعه
بالثاني.. ينصحه بالحمية أولاً، وهي عمل سلبي يتمثل في
الابتعاد عن الأطعمة الضارة ثم يكلفه بأن يستعمل خلال ذلك
أدوية معينة يصفها له.فلو أنه احتمى ولم يستعمل الأدوية لن
يستفيد شيئاً. ولو أنه استعمل الأدوية ولكنه لم يحتم فإن هذه
الأدوية لن تحقق المأمول من فائدتها.إن هذا المثال صورة للحكمة
التي ينصحنا بها ابن عطاء الله.إنه يدعو المسلم، بل الإنسان
أياً كان إلى عزلة تقوم أهميتها بالنسبة إلى الروح كأهمية
الحمية بالنسبة للبدن. ولكنه يسرع فيقول: «يدخل بها ميدان
فكرة» والفكرة التي يدعو إليها، تقوم ضرورتها للعقل والروح
كضرورة الدواء بالنسبة للجسد المريض. إذن فإذا ألزم الإنسان
نفسه بساعة من الخلوة في كل يوم وليلة مثلاً يعزل نفسه فيها عن
الناس، ينبغي أن يملأ فراغ خلوته هذه بموضوع يسلط عليه فكره
للمناقشة وللنظر وللتأمل. على أن يكون الموضوع الذي يشغل فكره
به، مما يوقظه إلى معرفة الحقيقة الكونية، لا موضوعاً يستهوي
النفس ويخبل العقل. فلو أنه دخل خلوته هذه وأمسك بكتاب مليء
بأصناف الدجل والخرافات أو الموضوعات التي تثير في النفس
غرائزها وتجمح بها إلى أهوائها فإنه يكون قد اتخذ من خلوته
وسيلة للابتعاد عن معرفة الحق ولإسدال مزيد من الحجب بينه وبين
الله سبحانه وتعالى.


ـ بيان المراد بالفكرة التي هي بمثابة الدواء

المراد بالفكرة الاشتغال بالموضوع الذي يُقِّربُه إلى معرفة
ذاته ويوقظه إلى إدراك هويته عبداً مملوكاً لله سبحانه وتعالى
ومن ثَمَّ يُقَرِّبُهُ إلى معــرفــة ربه وصفـــات الربوبية
فيه، ومن ثم يدنيه من محبة الله عز وجل وتعظيمه وتعظيم
حرماته.إذن لا بدّ من أن يشغل الإنسان نفسه في خلوته هذه بمادة
تحقق له هذه الأهداف.. قد تكون هذه المادة قراءة كتاب الله
سبحانه وتعالى وهي خير ما يملأ به الإنسان خلوته، وقد يكون
الاشتغال بسيرة رسول الله . ولا بأس أن يجعل مادة تفكيره
التأمل في ذاته: من أنا؟ وكيف جئت إلى هذه الدنيا؟ كنت بالأمس
طفلاً صغيراً لا أعي، ثم إني دخلت مرحلة الشباب، ثم إني تجاوزت
الشباب إلى الكهولة، وها أنذا أتجه شيئاً فشيئاً إلى النهاية،
وعما قليل سأرحل من هذه الدنيا.. ماذا صنعت في العمر الذي مضى؟
وماذا جنيت من الملاذ التي تمتعت بها؟ ما الذي بقي لي منها؟
وما الذي بقي مني لها؟ أتأمل في المتعة التي ذهبت لذّاتها
وبقيت مغارمها، والطاعات التي ذهبت أتعابها ولكن بقي ثوابها..
أتأمل في هذا كله، وعندئذ أشعر بحالة من الحزن والندم.. لماذا
لم أستكثر من الطاعات خلال عمري الذي مضى؟ ولماذا لم أقلل من
المعاصي التي انزلقت إليها؟ وأنظر، وإذا بالعمر ما تزال منه
بقية، فيحفزني الشعور بضرورة انتهاز الفرصة إلى التدارك قبل
الفوات. وهكذا أعاهد نفسي، بل أعاهد الله أن لا أضيع الثمالة
الباقية من العمر، وأن أسرع فأغرس أيامها الباقية من حياتي
بالقربات والطاعات الممكنة.ذلك هو أثر الخلوة إذ تمتزج مع
موضوع فكري يوقظ العقل إلى الحقيقة الكونية الكبرى، ويحرر
النفس من شوائب العصبية والأهواء.


__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06 Dec 2006, 05:49 PM   #58
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة

ـ مستند ابن عطاء الله في هذه الحكمة

ومستند ابن عطاء الله في هذا، كلام الله عز وجل، وبيان رسوله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهديه العملي.أما الأول، فقول
الله تعالى: { قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ
تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما
بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ
بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ } { سبأ: 34/46 } وأما الثاني،
وهو بيان رسول الله ، فمن ذلك قوله، فيما رواه أبو داود
والترمذي والبيهقي وابن أبي الدنيا من حديث عقبة بن أبي عامر
أنه سأل رسول الله: ما النجاة؟ فقال له: «أمسك عليك لسانك،
وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» .وأما الثالث، وهو النهج
العملي الذي بلغنا من سيرة رسول الله ، فهو سلسلة الخلوات
التي حببت إليه قبيل بعثته، وحديث بدء الوحي في ذلك معروف
ومحفوظ، لا داعي إلى ذكره.قد يخيل إلى بعض منكم أنه ترك هذه
العادة بعد البعثة، فلا حجة فيها.والحقيقة أنه لم يتركها بل
واظب عليها بعد البعثة، ولكنه لم يلزم نفسه بالذهاب إلى غار
حراء، ليجعل منه مثابة لخلواته. بل كان يؤدي هذه الوظيفة في
داره. وكان أهم ساعات خلواته، إذا جنّ الليل ودخل الهزيع
الثاني منه، كان كما تعلمون يقوم من فراشه فيسبغ الوضوء، ثم
يخلو مع ربه مصلياً، تالياً ما شاء له الله من القرآن. وهذا
كما تعلم أفضل موضوع يدور عليه الفكر أثناء مثل هذه
الخلوة. وإني لأتساءل: لماذا يأمر الله رسوله أمر إيجاب بهذه
الخلوة؟ بعبارة أخرى: لماذا يأمره أن يقوم الليل: { يا
أَيُّها الْمُزَّمِّلُ ، قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً،
نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً } { المزمل: 73/1-4 } الفرق
هو التالي، ولتعلم أن رسول الله قدوة في هذا وغيره للمسلمين
جميعاً:لو أدى رسول الله هذه الوظيفة في بياض النهار لما تحققت
له هذه الخلوة التي يحفزنا ويدعونا إليها كتاب الله سبحانه
وتعالى. الضجيج.. احتكاك الناس الذاهبين والآيبين.. السائلين
والمتحدثين.. عوارض الدنيا ومشاغلها.. كل ذلك سيحول دون هدأة
الفكر، وصفاء النفس!. ولكن فما هي الساعة أو الســــاعات التي
هي مضرب المثل في بعث الصفـــاء في النفــس والهــدوء في
الفكر؟.. إنه الهزيع الأخير من الليل،لا سيما ساعة السحر.
فالليل ذاته، لا يشبه أوله آخره كم وكم بينهما من فرق!..ولعلّ
هذا هو السبب فيما قاله العلماء من أن المتهجد لا يسمى متهجداً
إلا إذا نام من الليل ثم استيقظ واتجه إلى الله سبحانه وتعالى
بالصلاة والدعاء والمناجاة!.. يستيقظ وقد هدأت النأمة، وعلق
الكرى بأنفاس الناس جميعاً، وطابت الخلوة مع الله، في تلك
الحالة يتسنى للإنسان أن يشعر بصفاء روحه وهدوء باله، بعيداً
عن المشوشات والمعكرات التي كانت تأخذه وتردّه أثناء
النهار.فهذه من الخلوات التي فرضها الله على حبيبه المصطفى
وجعلها سنة في حق أمته. * * *


ـ أثر العزلة الجزئية عندما يأخذ بها المسلم نفسه على
صعيد الحياة السلوكية

والآن، تعالَ نتبين أثر هذه العزلة الجزئية عندما يأخذ المسلم
بها نفسه، على صعيد التنفيذ والواقع العملي.افرض أنك تسير مع
ثلة من إخوانك التجار في شارع كشارع الحمراء أو سوق كسوق
الحميدية، والحديث دائر عن المال والدخل والاقتصاد، وجاء من
يذكرك أثناء ذلك الضجيج بحديث رسول الله : «لو كان لابن آدم
وادٍ من مال لابتغى إليه ثانياً، ولو كان له واديان لابتغى
إليه ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على
من تاب» متفق عليه من حديث عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك.
ماذا عسى أن يحدث هذا الكلام من التأثير علىنفسك؟.. لن يحدث أي
تأثير، بل ستتبرم بهذا الكلام الذي جاء في غير ميقاته، ولسوف
تتغلب على فكرك ونفسك الحالة التي أنت فيها، والتيار الذي يحيط
بك. وفي أحسن الأحوال الإيمانية لديك، ستحترم هذا الحديث
وصاحبه، ثم تنساه بعد ثلاث دقائق.ولكن فافرض أنك قمت من الليل،
وقد بقي منه الهزيع الأخير، وتأملت السكون الذي يلتف بك، وقد
بعث في نفسك صفاء لا عهد لك به، وأنعش فكرك بطمأنينة طالما
بحثت عنها ولم تعثر عليها، فاندفعت بوحي من تلك الحال، إلى أن
تتوضأ فتقف بين يدي الله تناجيه من خلال ما تيسر من الركعات،
ولما جلست تتأمل الحال التي لبستك من خلال مناجاتك لله، في
هدأة الليل وسكونه، بعيداً عن الناس والأقران وشواغل التجارة
والمال، سمعت من يذكرك بحديث رسول الله : «لو كان لابن آدم
واد من مال لابتغى إليه ثانياً..» الحديث أو يتلو عليك قوله
: «يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت
فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت» رواه مسلم من
حديث عبد الله بن الشخير وأبي هريرة. فما الذي يحدثه سماع هذا
الكلام في فكرك ونفسك، وأنت في خلوتك تلك، مندمجاً في تلك
الحال؟سيسري تأثير كبير من هذا الكلام إلى نفسك، وسيخبو شعاع
الأمتعة والزينة المتناثرة من حولك، وستشعر أن كل ما قد
استزدته فوق الحاجة من أموال الدنيا ومتعها قد تحول إلى عبء
على كاهلك. ولن يعيدك إلى التعامل معها والاستزادة منها، إلاّ
اندماجك ثانية في أعمال السوق وتعاملك مع رواده وأهله.لعلك
تقول: فإذا كان العود إلى السوق وأعماله التجارية أمراً لا
مناص منه، فما الفائدة من ساعة أخلو فيها إلى نفسي، كهذه
الساعة التي وصفت من الليل؟والجواب أن الفائدة ستظهر وتتحقق من
استمرار هذه الساعة واتخاذك ورداً لها، والفائدة لا تتمثل في
إعراضك عن السوق وإدبارك عن الدنيا وإنما تتمثل في انضباطك
أثناء السعي من أجلها، بأوامر الله عز وجل، فلا تقتحم شيئاً من
السبل المحرمة إليها، كما تتمثل في تحولها من محبوب يهيمن على
قلبك، إلى خادم زمامه بيدك. * * *


ـ والآن تعال نتساءل: لماذا يكرم أحدنا عينيه باليقظة في
أول الليل ليلهو بهما عن مولاه، ولايكرمهما باليقظة في
آخر الليل ليكون بهما مع الله

إذا عرفت هذا يا أخي المسلم، فتعال نتساءل:لماذا يكرم أحدنا
عينيه باليقظة والسهر في أول الليل ليلهو عن مولاه الذي هو
الله، ولا يكرمهما باليقظة في آخر الليل ليكون مع الله؟!.. وما
أعظم الفرق بين الحالتين، ما أعظم الفرق بين من يساهر الليل،
ليحجبه الليل عن الله، ومن ينام الليل ثم يستيقظ في آخره ليكون
مع الله!..أخيراً، لا يسرينّ إلى فكرك وهم يخيل إليك أنني
أسوقك إلى التصوف بهذا الكلام. دعك من هذه الحساسية التي كم
أساءت وأفسدت!..إنني أدعوك بهذا إلى التحلي بما يدعو إليه
الإسلام، بما كان عليه نبيك المصطفى عليه الصلاة والسلام.قد
تسأل: في الناس من يقولون، إن الانضباط بهذه الخلوة يحتاج إلى
مرشد، فهل الأمر كذلك؟وأقول في الجواب: متى كان التمسك بسنة
رسول الله يتوقف على مرشد، بحيث إن لم يوجد المرشد تعطلت
السنة وتقطع سبيل الناس إلى العمل بها؟..أجل.. لا نشك أن وجود
المرشد نعمة كبرى، ولكن وجوده ليس شرطاً لإحياء السنة والتمسك
بها، وإنما هو عامل إضافي لتذكير الناس بها، ثم إن ضرورة
المرشد فرع عن ضرورة المربي، والتربية أساس اجتماعي لا بدّ
منه.على أن الذي يتخذ من أعمال الإرشاد حرفة يتكسب من ورائها
ويبني لنفسه مكانة وشهرة بين الناس بها، ليس مرشداً، بل هو
صاحب حرفة وطالب معيشة ورزق، طاب له أن يطرق في ذلك باب الدين
بدلاً من الدنيا.المرشد الذي هو مرشد حقاً، ذاك الذي تبصر
بعلوم الشريعة الإسلامية بحيث أتيح له أن يجعل منها ضابطاً
لسلوكه وتصرفاته، ثم إنه ذاك الذي فرغ قلبه من حب الدنيا
والتعلق بها، فزهد فيها، وترفع فوق متعها وأهوائها، أعرض عن
حظوظ نفسه، ولم يبتغ في شيء من أعماله إلا مرضاة ربّه.تساوى
لديه ثناء الناس عليه، مع انتقاصهم له. إذ كانت معاملته مع
الله لا مع الناس، وكانت قرة عينه متمثلة في رضا الله، لا في
مديح الناس.إذا صادفك هذا المرشد، عليك به وتشبث بأذياله، إذ
ما من شك أنه سييسر لك سبيل القرب إلى الله، وأسباب الابتعاد
عن مزالق الشيطان، سيحبب إليك اتباع السنة ويجنبك الوقوع في
البدع.ولكن لا تجعل سيرك إلى الله متوقفاً على عثورك عليه، إن
صادفته سرت وإن لم تجده أعرضت وتوقفت.. يغنيك عن المرشد
الحقيقي الذي قد لا تعثر عليه الإخوة الصالحون والناصحون، وما
أكثرهم بحمد الله في كل مدينة وصقع.ثم أين أنت من المرشد
الأعظم رسول الله ؟ اقرأ سيرته بتدبر، وداوم على الصلاة عليه،
يقيض الله لك منه مرشداً يدلّك إن ضللت ويقومك إن اعوججت ويحبب
إليك الإيمان، بفضل من الله، ويزينه في قلبك ويكرِّه إليك
الفسوق والعصيان. * * *

__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06 Dec 2006, 05:50 PM   #59
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي
الحكمة الثالثة عشرة


كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة
الله، وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته

ـ بيان معنى الشطر الأول من هذه الحكمة: ((كيف يشرق قلب
صور الأكوان منطبعة في مرآته))

وهذه الحكمة أيضاً مرتبطة بالتي قبلها، وقد رأينا أنها هي
الأخرى بدورها متممة للتي قبلها. إذن فهذه السلسلة المترابطة
من الحكم الثلاث، متكاملة، بمقدار ما يتوقف كل منها على
الأخرى.ولنبدأ بدراسة الشطر الأول من هذه الحكمة الجديدة:
«كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته» .كنا قد عرفنا من
قبل أن الإنسان ثنائي التركيب، إذا طرحنا منه قفصه الجسدي الذي
لا شأن ولا قيمة له، فهو مركب من ركنين أساسيين بهما تتكامل
إنسانية الإنسان: العقل والقلب.أما هذا القفص الجسدي فالإنسان
شريك فيه مع سائر الحيوانات الأخرى لا قيمة للشكل أو المظهر
الذي يبدو أنه يفرق بينهما. وإنما تعود الآثار التي يخلفها
الإنسان في المجتمعات، من حضارة وعمران وثقافة وعلوم، إلى
العقل الذي من شأنه أن يعي ويدرك، وإلى القلب الذي هو مجمع
العواطف والوجدان.. إن الإنسان بهاتين الحقيقتين أنشأ ما أنشأ
من حضارات، ووصل إلى ما وصل إليه من علومواكتشافات، بل إنه
بهاتين الحقيقتين أصلح ما أصلح وأفسد ما أفسد فوق هذه
الأرض.إذن فالعقل مهمته في حياة الإنسان الإدراك والوعي. ولسنا
هنا بصدد البحث عن مركز العقل أهو في الدماغ أم في أي مكان آخر
من جسم الإنسان. فلهذا التحقيق مناسبة أخرى.وأما القلب (ولا
نعني به هذا الذي يصطلح عليه الأطباء وعلماء التشريح من العضلة
المادية الجاثمة وراء الرئة اليسرى) فهو ملتقى العواطف
الدافعة والرادعة والممجدة: العواطف الدافعة هي التي تتمثل في
الحب والتعظيم، والرادعة هي التي تتمثل في الخوف والكراهية،
والممجدة هي التي تتمثل في الانبهار والإعجاب والإجلال. هذا
المكان الخفي الذي تلتقي فيه هذه العواطف المتنوعة يسمى
القلب.إذن فأنت يا ابن آدم إنما تحققت إنسانيتك بسرين اثنين:
أولهما هذا العقل المدرك الذي يعي الأشياء ويحاول أن يبلغ
أسرارها. ثانيهما ذلك الوعاء الذي هو مجمع العواطف في حياتك به
تتحقق الكراهية والحب وبه تستشعر الخوف والتعظيم.ولا شأن لنا
الآن بالعقل والحديث عنه. إنما الحديث هنا عن القلب.بوسعنا أن
نتصور الآن أن القلب عبارة عن لوحة تتمتع بحساسية مرهفة إن وقع
بصرك من الدنيا على شيء ينسجم مع رغائبك ومع ما وجه الله آمالك
وأحلامك إليه، انعكس من ذلك شعور على لوحة القلب، أورثك ما
نسميه الحب.. وإن وقع بصرك على ما لا يتفق مع مزاجك وأهوائك،
انعكس من ذلك شعور آخر على لوحة القلبأورثك ما نسميه
الكراهية.. وإن رأيت في المجتمع أناساً قد سابقوك فسبقوك إلى
مجد تبتغيه أو إلى مال تكدّ في سبيله، سرعان ما ينعكس من ذلك
شعور ثالث على لوحة قلبك، هو ما نسميه الحسد أو الحقد أو
الضغينة. وإن رأيت من حولك أناساً لم يقيموا لك الوزن الذي
تريد ولم يأبهوا بك في مجلس من المجالس، أو مجتمع من
المجتمعات، تجلّى على هذه اللوحة من ذلك شعور آخر، هو ما نسميه
الغضب وثورة الأعصاب.تلك هي إذن مهمة القلب، إنه عبارة عما
يشبه لوحة ذات حساسية دقيقة، تسجل وتتجلى عليها المشاعر
المختلفة التي تطلق عليها العواطف الدافعة أو الرادعة أو
الممجدة. إذن فلنطرح السؤال التالي: عندما يمارس أحدنا أعماله
ونشاطاته المتنوعة، أفيستجيب في ذلك لدوافع عقله الذي به يدرك
ويعلم، أم لدوافعه القلبية التي بها يحب ويكره ويعظم ويثور
ويغضب؟!..يقول علماء النفس: إن الدوافع القلبية هذه إلى
الأعمال والأنشطة السلوكية في حياة أكثر الناس، تساوي 70% من
مجموع دوافعهم إلى السلوك. أما الدافع الفكري فيساوي 30%
منها.ولو أن الناس كلهم كانوا يستجيبون في أعمالهم وأنشطتهم
الاجتماعية لقرارات عقولهم وأحكامها، لرأيت الوفاق هو الغالب
على حياتهم ولرأيت ثمار التعاون الدائم بينهم قد مدت فوقهم
رواق السعادة والأمن والأمان، بل لرأيتهم جميعاً يدينون
بالولاء التام لمولاهم الأوحد، وهو الله عز وجل.. ولكن الناس
كانوا ولا يزالون منذ أقدمالعصور يستجيبون لنوازعهم العاطفية
أكثر مما يستجيبون لقناعاتهم العقلية. وإنما يستخدم العقل أداة
بيد مشاعر الحب والغضب والحسد والكراهية والحقد. فهو يتحرك
ويعمل، ولكن كما يحكم سلطان هذه المشاعر.وقد علم الناس قديماً
خطأ، بل خطر، تحكم العواطف بالعقل، فعالجوا ذلك بما يسمونه
التربية، ولعلك تعلم أن التربية تعني اعتماد الوسائل التي
تخُضع العاطفة للعقل، بدلاً مما هو الواقع الغالب من خضوع
العقل للعاطفة. قد تتطور السبل التربوية وقد يتفنن المربون في
وسائلها، ولكن تلك هي الغاية دائماً وعلى كل حال. ولقد كان
الناس ولا يزالون يقولون: فلان يتمتع بتربية عالية، أي إنه
يخضع عواطفه لقرارات العقل وأحكامه.إذا عرفنا هذا فلنعلم إذن
أن القلب هو القائد دائماً لأنه المرجل الذي تغلي فيه العواطف.
والمرجل هو الذي يحرك ويقود.. أما العقل فإنما هو مجرد مصباح
يضيء، ومن ثم فهو ملكة كاشفة، كما قالوا، وليس طاقة مؤثرة.وهنا
يأتي دور كلام ابن عطاء الله الذي يشبه القلب بالمرآة، إذ
تنعكس عليها مشاعر الإنسان وأحاسيسه..أرأيت إلى المرآة إذ
توجهها إلى بئر مظلمة كيف يغدو سطحها أسود مظلماً، وإذ توجهها
إلى الشمس الساطعة، كيف تتلألأ بمثل ضياء الشمس، وإذ توجهها
إلى حديقة تمازجت فيها الخضرة مع أفانين الأزهار والورود، كيف
تتحول إلى لوحة تحمل الصورة ذاتها.. فكذلك القلب، إن هو إلاّ
مرآة تنعكس عليه صور من أحوال صاحبه.فإذا كان الإنسان متجهاً
دائماً برغباته إلى الدنيا التي تتمثل في الدرهم والدينار
والدور والأثاث والمتع والزوجة والأولاد والمجد والشهرة
والزعامة ونحو ذلك بحيث يصبح ويمسي وتلك هي آماله وأحلامه؛ فلا
بدّ أن ينطبع ذلك كله على مرآة قلبه، ولا بدّ أن تتحول عواطفه
كلها إلى جنود مجندة في خدمته. فأنى لوجود الله وسلطانه أن يجد
متسعاً على صفحة هذا القلب؟ وعاء امتلأ وفاض بالآمال الدنيوية
المتنوعة وبالرغائب النفسية والغريزية، ثم تكاثر فوقه الكثير
من مشاعر الحقد على المنافسين، ومشاعر الحسد والبغضاء للسابقين
والمتميزين، كيف يمكن أن يبقى فيه متسع للشعور بمحبة الله أو
للشعور بتعظيمه والمخافة منه؟ هما ظلام وضياء إن احتل أحدهما
القلب غاب عنه الآخر، إذ هما نقيضان لا يجتمعان.وإذا غشّى
القلبَ ظلام هذه الأهواء وما تجره من آثام، تزايدت من ذلك
النكت السوداء عليه، كما قال رسول الله ، إلى أن يعم نسيج هذا
السواد القلب كله، وهو الران الذي قال عنه الله تعالى: {
كَلاّ بَلْ رانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ } {
المطففين: 83/14 } عندئذ يعاني هذا الإنسان ما يسمى بانفصام
الشخصية. إنه مؤمن بعقله، لأن العقل يدرك الحقائق بطريقة آلية،
كما يدرك أن 1+1= 2. فهو عندما يسمع مثل هذا الكلام، أو يحضر
مجلس تذكرة ونصح، يذعن للحق ويعترف به، ويستجمع على ذلك مزيداً
من الأدلة والبراهين. ولكنه ما يكاد يخرج من المجلس حتى يعود
إلى شأنه خاضعاً لأهوائه ورغائبه!..ذلك لأن القيادة بيد
العواطف وليست بيد العقل وإنكم لتشاهدون هذه الحقيقة التي
أقولها في واقع الناس اليوم. إن أكثرهم يعرفون الحق ويميزونه
عن الباطل، ولكن تأمَّل: كم منهم يَخضعون سلوكهم للحق الذي
عرفوه؟ إنهم لا يبلغون الربع!.. لأن الذي يقودهم لهيب العواطف
والأهواء، لا ضياء العقل وأحكامه.وإذا سأل صاحب هذه الشخصية
المزدوجة: ها أنا موقن بالحق الذي أسمعه من كتاب الله عز وجل،
فما الذي يحول بيني وبين الاستجابة لأمره؟ يأتيه الجواب من ابن
عطاء الله: «كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته» قلبك
مظلم بالران الذي تكاثف فوقه. فأنت محكوم لسلطان هذا الران، لم
يبق في قلبك متسع لحب يحدو بك إلى الاستجابة لأمر الله، ولا
لخوف يحجزك عن معاصي الله، ولا لتعظيم يقف بك عند حدود الله!..
والحب، والخوف، والتعظيم، كل ذلك مكانه القلب لا العقل.والقلب
مليء بظلل سوداء، من التعلق بالدنيا.. بالشهوات.. بمنافسة
الآخرين، بمشاعر الحسد والأحقاد عليهم.. منصرف إلى التقلب في
أحلام المتع التي اقتحمْتَ غمارها واستقرت في نفسك
أصداؤها.وإذا أقبل العقل يستأذن قلبك ليغرس فيه شتلاً أو نواة
لمحبة الله عز وجل، يبحث.. ثم يبحث.. فلا يجد فراغاً فيه لهذا
الغرس!..يتجه العقل إلى القلب، ليبلغ صاحبه رسالة الله التي
يقول له فيها: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ
تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ
الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ
قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } {
الحديد: 57/16 } ورسالة العقل التي هي العلم، من الأهمية
بمكان، ولكن الحقائق العلمية لا بدّ لها من مغرس تنمو وتزدهر
فيه، ومغرسها في حياة الإنسان القلب. فإذا سدت منافذ القلب
وأظلم أرجاؤه للسبب الذي يذكره ابن عطاء الله، فإن مصير رسائل
العقل كلها الذبول والضياع.وكم يتجلى هذا الذي أقوله في العبرة
التي يسوقها لنا كتاب الله عز وجل، إذ يحدثنا عن ذاك الذي آتاه
الله آياته فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. وأصح
ما قيل في اسمه - على ما ذكره ابن كثير في تفسيره - أنه
بلعام بن باعوراء، أحد علماء بني إسرائيل. لقد آتاه الله آياته
علماً، كما قال عز وجل، ومستودع العلم هو العقل، ولكنه أخلد
إلى الأرض واتبع هواه. وسبيل ذلك إنما هو القلب، تعلق قلبه
بالدنيا التي كنى الله عنها بكلمة (الأرض)، فقاده قلبه بدلاً
من عقله واتبع هواه. فكانت سيرته كسيرة الكلب، يلهث وراء
الدنيا دون أن يشبع منها، كالكلب الذي يلهث بلسانه في كل
الظروف والأحوال. واسمع في هذا كلام الله عز وجل: { وَاتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ
مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ،
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى
الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } { الأعراف:
7/175 - 176 }

__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06 Dec 2006, 05:51 PM   #60
مشرف عام
 

الصورة الرمزية محب الحبيب علي

كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة
الله، وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته


ـ بيان معنى الشطر الثاني منها: ((أم كيف يرحل إلى الله
وهو مكبل بشهواته))

إذن لن يشرق قلب انطبعت فيه صور الأكوان، فحجب صاحبه بذلك عن
المكوِّن جلّ جلاله. ولعلّ فينا من يسأل: ففيم كان ذلك؟ وهلاّ
استقرت في القلب بدلاً عن ذلك صفات المكوِّن، لاسيما وأن العقل
موقن بالله ووحدانيته وصفاته؟يأتي الجواب عن هذا السؤال من
خلال الفقرة الثانية من هذه الحكمة، وهي قوله: «أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبّل بشهواته» ؟ أي لو لم يكن القلب مكبلاً
بشهواته، لاتجه إلى الله عز وجل وابتغى من الدنيا كلها رضاه،
ولو تمّ له ذلك لأعرض عن الأكوان واتجه إلى المكوّن، ولما
انطبعت صور الأكوان في مرآته.إذن فهذه الفقرة الثانية من هذه
الحكمة، تتضمن بياناً لعلاج المشكلة التي تضمنتها الفقرة
الأولى، وهي انطباع صور الأكوان على القلب مما جعله في شغل
شاغل عن المكوِّن.وتعال نتبين الآن العلاج الذي ترسمه الفقرة
الثانية، من حيث تعبّر في الوقت ذاته عن مشكلة ثانية، سيحيل
ابن عطاء الله حلها إلى الفقرة الثالثة:لو كانت الصور التي
تستقر على القلوب كالصور والنقوش التي ترسم على الورق أو
الجدران، لكان السبيل إلى محوها أمراً يسيراً، تعمد إلى
الممحاة فتمحو بها ما أثبتّه على الألواح أو الجدران، ولكن
الصور التي ترسم على القلوب لا يمكن أن تمحى بالوسائل المادية
والتقليدية المعروفة.إن سبيل ذلك محصور في هذه الفقرة الثانية
«أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبّل بشهواته؟» .أي إن صور
الأكوان لم تنطبع على فؤادك إلا بسبب الشهوات التي استعبدتك
وكبّلتك، فجعلتك تثّاقل إلى الأرض. فهي التي ألقت من ذلك ظللاً
من السواد على قلبك، وأنستك المكوِّن وسلطانه، لتشغلك
بمخلوقاته ومكوّناته.إذن فالعلاج الذي يمحو صور الأكوان من
فؤادك، ليتهيأ لاستقبال صفات المكوّن وآلائه، إنما هو تحررك من
أسر الشهوات التي كبّلتك. وإنما يكون ذلك بأن توجه حبك إلى من
بيده إسعادك أو إشقاؤك بهذه الشهوات.


ـ بيان معنى الشطر الثالث منها: ((أم كيف يطمع أن يدخل
حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته))

ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟كيف السبيل إلى أن يحرر أحدنا نفسه من
أسر الشهوات التي تكبلنا فعلاً ببريقها ولذائذها؟.السبيل إلى
ذلك يتبين من المشكلة التي تضمنتها الفقرة الثالثة من هذه
الحكمة، وهي قوله: «أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله، وهو لم
يتطهر من جنابة غفلاته؟» .إذن المشكلة هي غفلتك عن الله الذي
بيده الخلق والأمر كله، بيده النعم التي ترنو إليها، والشهوات
التي تحلم دائماً بها، هو الذي يشعرك بلذاتها إن أقبلت إليك،
ويبتليك منها بالآلام والمنغصات إن أدبرت عنك.وإذا كانت
المشكلة هي هذه الغفلة، فالعلاج يكمن في أن تسعى سعيك الجاد
للتخلص منها.. إذا تخلصت من الغفلة اتجَهَ منك القلب إلى الإله
الذي شهواتك بيده، ونعمك من صنعه، وسعادتك من فضله، فتتعلق
آمالك به، ويصفو حبك له؛ وعندئذ تتحرر من أسر الشهوات التي
كبلتك، ومن ثم تغيب عن مرآة قلبك صور المكونات، لترتسم في
مكانها صفات المكوّن جلّ جلاله.


__________________


مدونة الفقير إلى الله
http://al7ewar.maktoobblog.com

محب الحبيب علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع إبحث في الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نبذة عن الامام الحسن رضي الله عنه """ابن خالتي""" انوار الهادي الأعلام 1 16 Mar 2009 03:26 AM
حوار بين فتاتين بلا تشبيه"""""""جميل حقا انوار الهادي المنتدى العام 1 10 Mar 2009 12:44 AM
حوار بين سواك وسيجارة""""للفائدة"""""" انوار الهادي المنتدى العام 1 09 Mar 2009 08:34 PM
الحكم على المفحط السعودي "أبوكاب" 20 سنة سجنا و3 آلاف جلدة محب الحبيب علي البوابة الإعلامية 2 02 Feb 2009 10:05 PM
مناقشة بين الأخوين حسن رشاد والنور حول الحكم على لفظة"شيء لله ياسيدي فلان" hassan rashad الحوار الصوفي الوهابي 32 06 Jan 2007 09:09 AM



الساعة الآن: 06:17 AM



Powered by vBulletin V3.6.5. Copyright ©2000 - 2010, Tranz By Almuhajir
http://al7ewar.net/copyright.html