قال المعترض : في الصفحة 218 يروي الجفري حديثاً منكراً ضمن سياق قصة سقيمة ... الخ .
أقول : اختلف علماء الحديث في القصة والحديث الوارد فيها على قولين :
آ – قول بوضع القصة والحديث مسنداً وثبوتهما معنى .
ب – قول بضعفهما .
وسبب الاختلاف هو ما قاله علماء الجرح والتعديل في العلاء بن عمرو الحنفي الكوفي على أقوال كما جاء في لسان الميزان للإمام ابن حجر رحمه الله تعالى :
وفي ج2 ص183 قال : وذكره ابن حبان في الثقات ج8/ 504 .
وقال النسائي ضعيف ونقل الحاكم عن صالح جزرة أنه سئل عنه فقال لا بأس به .
وقال أبو حاتم : كتبت عنه وما رأيت إلا خيراً .
وفي ج3/ 105 في ترجمة من اسمه يحيى : قال : والعلاء واهٍ .
فيتبين من هذا أن العلاء بن عمرو لم يجمعوا على تركه ولم يضعوه بأنه وضاع أو كذّاب وغاية الأمر أنه مختلف فيه ما بين التضعيف والتوثيق .
فيكون حديثه ضعيفاً لا موضوعاً ، والذين قالوا من علماء الحديث بوضعه صرحوا بأن معناه ثابت صحيح ، وإليك ما قاله المحدث العجلوني في كشف الخفاء :
قال القاري في الموضوعات : وأما قولهم : أنفق أبو بكر ما معه حتى تخلل بالعباءة فليس في المرفوع لكن معناه صحيح 1.هـ وقال النجم : أنفق أبو بكر ٍ ما معه حتى تخلل بالعباءة ليس وارداً هكذا ومعناه ثابت لقوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَاسَانِي بنفْسِهِ وَمَالِهِ {أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 11299} ولقوله : ﴿ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ قَالَ أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ {أخرجه أبي داود برقم 1429} وأسلم وله أربعون ألفاً فأنفقها في سبيل الله ، وقالت عائشة رضي الله عنها : ما ترك ديناراً ولا درهماً .
أقول : الحديث الذي أشار إليه النجم وأيد به صحة معنى القصة هو ما رواه أبو داود 1429 والترمذي 3608 والبيهقي في السنن والحاكم في المستدرك والدارمي : عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ﴿ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً أن نتصدق فوافق ذلك مالاً عندي فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله وسلم ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : مثله ، قال : وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ما عنده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله ، قلت : لا أسابقك إلى شيء أبداً ﴾ وانظر إلى قول سيدنا أبي بكر رضي الله عنه : ﴿ أبقيت لهم الله ورسوله ﴾ لو قالها أمام وهّابي لقال له : أنت مشرك لأنك ذكرت الرسول مع الله وكأن الوهابية عند أنفسهم أعلم بالتوحيد وأحرص عليه من سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم ينكر على أبي بكر رضي الله عنه قوله هذا . وأما حديث ﴿ واساني بنفسه وماله ﴾ فهو عند الطبراني وله شواهد في الصحيح والسنن وقصة العباءة وردت من طريقين ضعيفين ذكرهما المتقي الهندي رحمه الله في كنز العمال :

1* عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ﴿ كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فالتفت وأبو بكر الصديق عن يمينه وقال : هنيئاً لك يا أبا بكر تحية من عند الله إياك ! هبط جبريل عليه السلام فقال : يا محمد صلى الله عليه وسلم من هذا المتخلل بالعباءة عن يمينك ؟ فقلت : هذا أبو بكر، أنفق ماله علي قبل الفتح وصدقني وزوجني ابنته فقال : يا محمد أقرئه السلام من الله وقل له : أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط ؟ فبكى أبو بكر طويلاً ثم قال : رضيت وسلمت لقضاء الله وقدره يا رسول الله ﴾{رواه أبو نعيم في فضائل الصحابة } .
2* عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما قال : ﴿ بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس وعنده أبو بكر الصديق عليه عباءة قد خللها على صدره بخلال إذ نزل عليه جبريل فأقرأه من الله السلام وقال له : يا رسول الله مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلّها على صدره بخلال فقال يا جبريل أنفق ماله علي قبل الفتح قال فأقرئه من الله السلام وقل له : يقول لك ربك : أراضٍ أنت عني في فقرك أم ساخط ؟ فبكى أبو بكر وقال : أعلى ربي أغضب ؟ أنا عن ربي راضٍ ﴾{أبو نعيم في فضائل الصحابة} .
أقول : ورواية ابن عمر رضي الله عنهما هذه ذكرها الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء وقال العراقي : أخرجه ابن حبان والعقيلي في الضعفاء ، ونقل قول الإمام الذهبي فيه .
وتبين بهذا العرض أن الحديث مختلف فيه بين الوضع والضعف ، والذي أرجحه هو الضعيف لأن راويه العلاء بن عمرو لم يجمعوا على تركه ولم يصفه أحد بأنه كذاب أو وضاع بل قال فيه ابن حجر رحمه الله : واهٍ وهي كلمة تقال للضعيف . ومن حكم عليه بالكذب كالذهبي غفر الله له فقد تشدد .
والحبيب الجفري روى الحديث بالمعنى ، ورواية الحديث بالمعنى في غير الأذكار وجوامع الكلم قال الجمهور بجوازها خلافاً للبعض ، وكثيراً ما يقع من كبار العلماء والخطباء رواية الكثير من الأحاديث بالمعنى وربما يصورونه للعامة بما يرسخه في أذهانهم ، ولا نجد أحداً من الموافقين أو المخالفين يتهمهم بالكذب والافتراء ، ولقد قال تعالى : ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى {المائدة:8} تنبيه : أقول : في رواية حديث تخلل أبي بكر رضي الله عنه بالعباءة وهو ضعيف كما علمت ، ليس في طريق من طرقه أن أبا بكر رضي الله عنه قام فحجل أو رقص بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فرحاً بذلك ، مما يذكره بعض أهل الطرق الصوفية استدلالاً على الحركة في الذكر ، فهو غير ثابت ولا يصح جعله دليلاً ، فليحذروا من الكذب في الرواية حتى لا يدخلوا تحت الوعيد الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ﴾ .


http://www.abdalhadialkharsa.net/ind...viewArt&id=116