+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    السيف الصقيل الصورة الرمزية حسام دمشقي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    المشاركات
    2,546
    معدل تقييم المستوى
    0

    الدفاع عن الحبيب الجفري 14 (حول تفسير معنى الاتّباع)

    1- قال المعترض : وفي الصفحة /51/ يشرح الجفري معنى الاتّباع فيقول : ترك ما نريد لما يريده الله تعالى على وفق ما جاء عن حبيبه صلى الله عليه وسلم ... الخ
    ثم قال : وعزا الجفري الحديث لمسلم والنسائي وأحمد .
    أقول : عزو الحبيب الجفري للمصادر التي ذكرها صحيح ، والحديث عند البخاري رحمه الله برقم /5063/ في باب الترغيب في النكاح ، وعند مسلم رحمه الله برقم /2487/ وعند النسائي رحمه الله برقم /3165/ وعند أحمد رحمه الله برقم /13045/ ، /13230/ ، /13534/ ، والحبيب الجفري رواها بالمعنى ، ورواية الحديث بالمعنى أجازها جمهور علماء الحديث في غير صيغ الأذكار النبوية وجوامع الكَلِم .
    وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله في كتابه ﴿ التقريب ﴾ ما نصه : وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف : يجوز بالمعنى في جميعه إذا قطع بأداء المعنى .
    قال الإمام السيوطي في شرحه ﴿ تدريب الراوي ﴾ : لأنّ ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف ، ويدل عليه روايتهم القصة الواحدة بألفاظ مختلفة ، ثم ذكر الأدلة على ذلك فلتراجع في ج2 ص 98-99 وما بعدها ا.هـ
    أما الرواية التي ذكرها المعترض أسفل ص 37 وعزاها إلى مسلم والنسائي وأحمد فهي عند مسلم باللفظ المذكور وعند النسائي وأحمد بألفاظ متقاربة .
    2- ثم قال المعترض : ثم علّق على الحديث مفسِّراً له تفسيراً عجيباً حيث زعم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم ... الخ .
    أقول : لم تسعفِ اللغة والبيان الحبيب علي الجفري في تفسير العبارات التي ذكرها وفي توضيح المراد منها وسأبين ذلك :
    آ – قوله : لأنّ إرادة التعبد هذه ليست مقصودها الطاعة حقيقة :
    وذلك لأنّ الطاعة الحقيقية ما كانت على السُّنة المحمدية اتباعاً واقتداءً أو بإذنٍ صريح منه صلى الله عليه وسلم في حياته ، أمّا أن يفعل صحابي أو غيره فعلاً على أنه طاعة وقربة من غير اتباع ولا اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا بإذنٍ صريح منه وينطوي فعل ذلك الصحابي أو غيره على تشبه بالرهبان فيما ابتدعوه من الرّهبانية فيكون الصحابي حينئذ مخطئاً في ذلك الفعل وإن لم يخطئ في القصد ، وهنا مسألتان :
    1* الصحابة رضي الله عنهم هل يجوز لهم الاجتهاد في حكم أو فعل يأتون به من قبل أنفسهم بحضور النبي صلى الله عليه وسلم وفي حياته ؟
    الجواب : لا لأنه لا اجتهاد في مورد النَّص ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو مورد النَّص فلا اجتهاد لأحدٍ في حياته وبحضوره ، والله تعالى يقول : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾{لحجرات:1} ويقول سبحانه : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾{الأحزاب:36} .
    2* هل يصح الخطأ على الصحابة رضي الله عنهم أم لا ؟ الجواب : يصح الخطأ لأننا لا نثبت العصمة إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإذا اجتهد الصحابة في حكم أو فعل استقلالاً دون اتّباع وكان قصدهم التقرب إلى الله تعالى وشابههوا فيه الرَّهبانية التي جاء الشرع الإلهي بإنكارها والنهي عنها نقول حينئذٍ : أخطأوا في الفعل ولم يخطئوا في القصد .
    وخطأ الصحابي في مثل هذا معفو عنه ومغفور له قال الله تعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾{الفتح:29} والخطأ لا نآخذ به قال الله تعالى : ﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ {البقرة:225} وقال تعالى : ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً {الأحزاب:5} وفي الحديث : ﴿ إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ{أخرجه ابن ماجه برقم 2033} .
    وإذا أتى الصحابي بقولٍ أو فعل مصحوب باعتقاد التقرب وانطوى في ذلك تحريمٌ لحلالٍ أو تحليلٌ لمحرمٍ فإنه ينازع الشرع الشريف لأنه جعل من نفسه مصدراً للتشريع ، ويكون مضاهئاً للذين ابتدعوا في شرائع أنبياءهم ورسلهم عليهم الصلاة والسلام من قِبل وحينئذٍ يبين النبي صلى الله عليه وسلم خطأهم في ذلك ويرده عليهم لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع شرعاً ، إذ لو سكت الشارع عن ذلك لكان مقراً له وبإقرار الشارع يجعل ذلك الشيء سنة مقررة لهم ولمن بعدهم ، ولكان سكوت الشارع إذناً لهم ولغيرهم أن يُحدثوا من قِبل أنفسهم ما أرادوا من العبادات والهيئات فصاروا بذلك مشرعين بحضور الرسول المشرع وهذا منازعة للشرع وتعطيل له وإحداث فيه ما ليس منه .
    ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ﴿ مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ {أخرجه البخاري برقم 2499} وفي رواية ﴿ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ{أخرجه مسلم برقم 3243} .
    ب- في الحديث : ﴿ لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به {الإبانة الكبرى برقم291 ، قال الحافظ في " الفتح " 13 / 289 : صححه النووي في آخر الأربعين} والهوى ما تهواه النفس وتحبه من محمود كالعبادة أو مذموم كالمعاصي قال في القاموس المحيط : الهوى بالقصر العشق يكون في الخير والشر وإرادة النفس ، فلو هوي صحابي ما عبادة من العبادات أو هيئة من الهيئات التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستأذنه الصحابي بها فهواه محمود ولكن عندما يترتب على تلك العبادة تنطع وتشدد ورهبانية يحرم فيها حلالاً ويعطل فيها المصالح الشرعية واستمرارية الحياة التي جاءت الشرائع لاستمرارها وضبطها فإنه ينهى عن ذلك الهوى المحمود ويمنع منه ويؤمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول الشيخ عبد الله سراج الدين رحمه الله تعالى في كتابه / سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم / تحت عنوان : المنهاج الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم للعابدين ما نصه :
    إن منهاجه صلى الله عليه وسلم الذي انتهجه في العبادة ، والذي رسمه للعباد هو أقوم المناهج وأقواها ، وأفضلها عند الله تعالى وأهداها ، وأعدلها في أداء الحقوق وأكملها ، وهو أبين طرق التقرب إلى الله تعالى وأقربها ، ومهما جاء العابد بمشاق التعبدات ، وأتى بعظائم من الطاعات ، لا يقربه ذلك إلى الله تعالى زلفى ، كما تقربه السنة المحمدية التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعات والعبادات .
    ثم قال : ومن إرشاداته صلى الله عليه وسلم للعِباد والعُباد : أن يقوموا بأداء جميع الحقوق التي عليهم دون أن يشغلهم حق عن أداء حق ، ولا يحملهم أداء واجب على إهمال واجب آخر :
    فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ يَا عُثْمَانُ أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّتِي قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ قَالَ فَإِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ فَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَصَلِّ وَنَمْ{سنن أبي داود برقم 1162} .
    وعن عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : ﴿ أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَقُولُ وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ فَقُلْتُ لَهُ قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ قُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ قُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ فَقُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ{صحيح البخاري برقم:1840} قال ابن عمرو : ﴿ لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي{مسلم برقم:1962} .
    أقول : دله النبي صلى الله عليه وسلم على الأفضل وأخبره أن عمله هذا مفضول وأن الأفضل الاقتداء والاتّباع للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وخصص له هنا في الرواية سيدنا داود عليه الصلاة والسلام ليقتدي به في صيامه وقيامه .
    والذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم هو سنته وسنة الأنبياء قبله ، والذي زاده ابن عمرو رضي الله عنهما من قبل نفسه في ذلك ترك للأفضل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقره على ذلك .
    ورُبّ إنسان يقول : لمَ لم يشدد رسول الله صلى الله عليه وسلم النكير ومنعه من ذلك ؟
    فالجواب : علم رسول الله صلى الله عليه وسلم من حاله وقوته وأخذه بالعزيمة وتركه للرخصة أنه لا يترتب على ذلك كله مفسدة بأن يشغله هذا التطوع عن أداء حق واجب عليه ، أو يؤدي به إلى تحريم الحلال .
    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لأمته سنته وهديه في ذلك من خلال دلالة ابن عمرو رضي الله عنهما على الأفضل والأكمل ، وعندما يبلغ أمته من بعده بيانه هذا سيقتدون به في ذلك قطعاً لا بابن عمرو ٍ رضي الله عنهما إلا من كان حاله كحاله من التابعين وغيرهم بالشرط المذكور السابق ، وهم في ذلك تاركون للأفضل وهو الفعل بالاقتداء والاتباع ، ولا أظن أنهم يدركون بتلك الأفعال المفضولة ما فاتهم من أجرِ الاقتداء والاتباع في الأفضل من الأعمال .
    ويكونون في ذلك أصحاب أحوال تسلم لهم أحوالهم كصحابةٍ وتابعين ولا يقتدى بهم في ذلك لأن الله تعالى جعل للأمة الإسلامية كلها بما فيها من صحابة وتابعين ومجتهدين وعلماء وعوام قدوة واحدة رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم : قال الله عز وجل : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا {الأحزاب:21} .
    وفي حديث ابن عمرو رضي الله عنهما عند أحمد رحمه الله في مسنده برقم 6188 زيادة في آخره وهي قوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ فَإِنَّ لِكُلِّ عَابِدٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً فَإِمَّا إِلَى سُنَّةٍ وَإِمَّا إِلَى بِدْعَةٍ فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ فَقَدْ اهْتَدَى وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ وعند أحمد رحمه الله في مسنده برقم:22376 عن مجاهد رحمه الله قال : دخلت أنا ويحيى بن جعدة على رجل من الأنصار من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاةً لبني عبد المطلب فقال : إنها تقوم الليل وتصوم النهار قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَكِنِّي أَنَا أَنَامُ وَأُصَلِّي وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ فَمَنْ اقْتَدَى بِي فَهُوَ مِنِّي وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً ثُمَّ فَتْرَةً فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى بِدْعَةٍ فَقَدْ ضَلَّ وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ فَقَدْ اهْتَدَى
    والشرة كما في ترغيب الحافظ المنذري رحمه الله : بكسر الشين وتشديد الراء : النشاط والهمة .
    ثم قال الشيخ عبد الله سراج الدين رحمه الله تعالى : كما وأنه صلى الله عليه وسلم كان يحرض على تأدية جميع الحقوق المترتبة على المكلف والقيام بها كاملة دون أن يشتغل ببعض الحقوق فإن ذلك يكون إفراطاً فيما اشتغل به وتفريطاً فيما أهمله وشُغل عنه .
    ثم نقل كلاماً عن العلامة ابن المنير ومنه قوله : وليس المراد منع طلب الكمال في العبادة فإنه من الأمور المحمودة ، بل المراد منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة أو إلى أن خرج وقت الصلاة المختار أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة .
    أقول : قال علماء التصوف : من علامات الحرمان والرد المبادرة إلى فضيلة يترتب عليها تضييع فريضة .
    ثم قال الشيخ عبد الله سراج الدين رحمه الله تعالى : ومن إرشاداته صلى الله عليه وسلم أنه كان يحذر من الدخول في العبادات على كراهية أو كسل ، بل يدخلها على جد ونشاط في العمل : جاء في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال : ﴿ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَقَالَ مَا هَذَا الْحَبْلُ قَالُوا هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ {صحيح البخاري برقم:1082}
    – وفي رواية مسلم برقم:1306 : ﴿ فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ .
    أقول : هذا هوىً في عبادة وهو محمود قصداً لكن لما لم يكن على الاتباع والاقتداء ولم يُستأذن به النبي صلى الله عليه وسلم لم يقره النبي صلى الله عليه وسلم بل غيره ودل أمته على الأكمل والأفضل حتى لا يجعل فعل زينب رضي الله عنها قدوةً لغيرها في زمنه أو بعده .
    وقد ذكر العلامة المحقق الشيخ أحمد زرُّوق رحمه الله تعالى في كتابه – عُدّة المريد الصادق – وهو كتاب يرد فيه الشيخ على الدخلاء على الصوفية والأدعياء لطريقتهم كثيراً من البِدع الضلالات وجعل لذلك أصولاً وفصولاً ، قال : ص 42 ولم يُدخلوا – أي مشايخ الصوفية – عليه – أي على المريد – في مقام الاستقامة وهو حمل النفس على أخلاق القرآن والسنة غير تعريفه بالأصلح له من غير زيادة ولا نقص لاتّساع هذا الباب وجهل الإنسان باللائق به ، وقيامه مع شهوته تفريطاً أو إفراطاً ، مع ما يساعد ذلك من توسع الرخص أو تضييق الورع الذي قد يليق به وقد لا ، ويحمله عليه عدم علمه بحاله لاسترساله مع حاله كقوله عليه الصلاة والسلام لأبي بكر رضي الله عنه لما ذكر إسراره بصلاة الليل { ارفع قليلاً } ولعمر رضي الله عنه لما ذكر إعلانه { اخفض قليلاً } فأخرجهما عن مرادهما ، وما تقتضيه طباعهما إلى مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تبرئة من الهوى وإن كانا برءاء منه فافهم .
    أقول : والحديث في المستدرك برقم:1116 ولفظه عن أبي قتادة ﴿ أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأبي بكر ، وهو يصلي يخفض من صوته ، ومر بعمر وهو يصلي رافعا صوته . قال : فلما اجتمعا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لأبي بكر : يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض من صوتك ؟ فقال : قد أسمعت من ناجيت فقال : مررت بك يا عمر وأنت ترفع صوتك ؟ فقال : يا رسول الله ، أحتسب به أوقظ الوسنان ، قال : فقال لأبي بكر : ارفع من صوتك شيئا . وقال لعمر : اخفض من صوتك ﴾{قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي} .
    وقوله : تبرئة من الهوى ـ أي في العبادة بأن يطرأ عليهما وإن كان محموداً اجتهادهما ـ وقوله : وإن كانا برءاء منه ـ ابتداء وهكذا أراد الشارع من جميع إرشاداته للصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم أن يتبرؤا من الهوى في العبادة وإن كان محموداً ابتداءً وانتهاءً وأن يكونوا في مأمن من طروئه عليهم وذلك باتباع الشارع والاقتداء به .
    أقول : هذا الذي أشرت إليه فيما تقدم هو محمل قول الحبيب الجفري : لكن إرادة التعبد هذه ليست مقصودها الطاعة حقيقية وإنما هي اختلطت بمرادات النفس .
    والذي يعين علينا أن نفهم قوله على هذا المحمل هو قوله في أول البحث في معنى الاتباع : ترك ما نريد لما يريده الله تعالى على وفق ما جاء عن حبيبه صلى الله عليه وسلم .
    ومعنى ذلك : أننا نترك الهوى المحمود في العبادة لما طُلب منا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لنكون موافقين لشرعه متبعين لهديه ، لا مبتدعين أو محدثين طريقة في العبادة وإن كانت محمودة لم يشهد لها الشرع الشريف ولم توقفنا على أبواب الاقتداء والاتباع الصحيح للنبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله وتقريراته .
    فهي دعوة من الحبيب الجفري للاتباع وترك الابتداع ، وهذا هو الحق المتعين على الأمة كلها العمل به ودعوة بعضهم بعضاً إليه .
    ثم قال الحبيب الجفري : هم انتقصوا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق :
    أقول : يُحمل هذا القول من الحبيب الجفري على معنى : أن أولئك الصحابة رضي الله عنهم ظنوا أن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناسب وحاله باعتبار أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلا يحتاج إلى زيادة عمل ، وهم عند أنفسهم ليسوا ملزمين بالتوقف عند هذا الحد من العمل لأنه لا يتناسب وحالهم من الوقوع في الذنوب ، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمال في حقه لأنه مغفور الذنب وليس كمالاً في حقهم لأنهم مذنبون فلا بد من الزيادة عليه ، فلما زادوا على الهدي النبوي ما فيه تنطع وتشدد وتشبه برهبانية المبتدعين في الأمم السابقة بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن فعله هذا ليس باعتبار حاله وليس خاصاً به على هذه الشاكلة بل هو تشريع لأمته وعليهم الاقتداء به في ذلك وترك الزيادة عليه .
    وفي رواية الحديث : ﴿ جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي{أخرجه البخاري برقم 4675} .
    قال الشيخ عبد الله سراج الدين رحمه الله في شرحه للحديث : تقالّوها أي رأوها قليلة بالنسبة لما ينبغي لهم ا.هـ وأما قولهم : أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الخ أي : بيننا وبينه صلى الله عيه وسلم بون بعيد ومسافة طويلة فإننا معرضون للذنوب وسوء العاقبة ولم تضمن لنا المغفرة ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فهو المعصوم والمضمون له الغفران ا.هـ - كما في شرح ابن علّان على رياض الصالحين – وغيره .

    أقول : في صحيح مسلم برقم:2488 عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : ﴿ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه : قال العلماء :
    التبتل هو الانقطاع عن النساء وترك النكاح انقطاعاً إلى عبادة الله ثم قال : وأما قوله : لو أذن له لاختصينا فمعناه : لو أذن له في الانقطاع عن النساء وغيرهنَّ من ملاذِّ الدنيا لاختصينا لدفع شهوة النساء ليمكنا التبتل ، وهذا محمول على أنهم كانوا يظنون جواز الاختصاء باجتهادهم ولم يكن ظنهم هذا موافقاً فإنَّ الاختصاء في الآدمي حرام صغيراً كان أو كبيراً ا.هـ .
    أقول : انظر إلى قول الإمام النووي رحمه الله : في حق الصحابة أنهم كانوا يظنون جواز الاختصاء باجتهادهم ولم يكن ظنهم هذا موافقاً : يتبين لك ما قلته قبل من ظن الصحابة أنّ فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناسب وحاله ثم اجتهدوا بالزيادة على فعله ولم يكن ظنهم هذا موافقاً فأمروا بالاتِّباع والاقتداء بالمشرِّع وترك ما اجتهدوا فيه .
    وقال البدر العيني رحمه الله في عمدة القاري شرح صحيح البخاري ما نصه : قوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ﴾ يعني : أكثر خشية وأشد تقوى وفيه ردٌّ لما بنوا عليه أمرهم من أنّ المغفور له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة بخلاف غيره فأعلمهم أنه مع كونه لا يشدد في العبادة غاية الشدة أخشى لله وأتقى من الذين يشددون .
    قوله – لكني أصوم وأفطر - ...الخ : استدراك من شيء محذوف تقديره : أنا وأنتم بالنسبة إلى العبودية سواء لكن أنا أصوم ... الخ.
    ثم قال الحبيب الجفري : وجعلوا عبادتهم ليس على مراد الاتّباع له لكن على مراد أهوائهم هم :
    أقول : تقدم ما يتعلق بهذا الكلام ، وأن أهوائهم وإن كانت محمودة لأنها في عبادة إلا أن الشرع لم يقرها على ذلك فتعين عليهم أن يجعلوا أهواءهم تلك تبعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ولما عمل به ليكمل إيمانهم ، وتقدم الحديث النبوي : ﴿ لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ﴾ أي فعلاً وتركاً وعملاً وحالاً ، وتقدم أن الهوى هو الحب والعشق ويختلف باختلاف حال النفوس فصاحب النفس الأمّارة بالسوء يحب ويعشق الشهوات المحرمة فهواه مذموم ، وصاحب النفس المطمئنة الراضية المرضية يهوى ويحب الطاعات والمجاهدات والمشاق فهواه محمود فإن وجد سُنَّة تشهد له عمل بها اتباعاً وإلا خالف هواه ورجح الاتّباع للمعصوم صلى الله عليه وسلم ، فإنّ الله تعالى لم يضمن العصمة إلا لكتابه ولرسله عليهم الصلاة والسلام وللأمة فيما أجمعت عليه .

    ثم قال الحبيب الجفري : لمّا أرادوها على مراد أهوائهم كان ذلك سبباً في إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وفي غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوال :
    1* إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم يظهر بترك إقرارهم على ما اجتهدوا فيه من الزيادة على سنته وهديه ، فليس الإعراض عن أشخاصهم كما توهم المعترض وإنما الإعراض عن آرائهم واجتهاداتهم بترك موافقتهم عليها ، ألا ترى أن كل من ترك اتّباع صاحب رأي أو هوى في رأيه وفكره يسمّى معرضاً عنه وإن لم يعرض عن شخصه ، ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴾{الكهف:57} أي ترك العمل والحكم بها والاحتكام إليها وإن قرأها بلسانه .
    2* قوله : وفي غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم :
    أقول : ذكر الغضب هنا وأراد الإنكار عليهم ، والإنكار متوجه إلى الفعل لا إلى الذات ، فيكون غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أفعالهم لا على ذواتهم ، ولا يصح تفسير الغضب هنا بإرادة الانتقام والعقاب كغضب الله تعالى على المغضوب عليهم كما توهم المعترض ، وهنا مسألة لا بدَّ من أن أعرض لها وهي :
    هل تصرف بعض الصحابة رضي الله عنهم تصرفاتٍ أوجبت غضب النبي صلى الله عليه وسلم وإنكاره أم لا ؟ الجواب نعم ومن ذلك :
    آ – غضبه صلى الله عليه وسلم لمّا رأى صحيفة من التوراة في يد عمر رضي الله عنه وإنكاره ذلك وإليك نص الحديث :
    في مجمع الزوائد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذكر قصة وفيها : ﴿ فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما هذا الذي في يدك يا عمر قال : قلت يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علماً إلى علمنا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرَّت وجنتاه ثم نودي بالصلاة جامعة فقالت الأنصار أغضب نبيكم صلى الله عليه وسلم السلاح السلاح ﴾{قال الهيثمي رواه أبو يعلى وأحمد والطبراني والبزار بألفاظ متقاربة} .

    ب – غضبه صلى الله عليه وسلم من حِبّه وابن حِبّه أسامة بن زيد رضي الله عنهما لما قتل رجلاً بعدما قال لا إله إلا الله ولما شفع في المرأة المخزومية وإنكاره ذلك وإليك نص الحديثين :
    1* أخرج البخاري برقم 3935 عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : ﴿ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَةِ ـ الحديث وفيه ـ فَقَالَ يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قُلْتُ كَانَ مُتَعَوِّذًا فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ .
    2* حديث عائشة رضي الله عنها : ﴿ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ – الحديث وفيه – فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ {الحديث في صحيح مسلم /3197/ وهو عند البخاري بلفظ مقارب برقم:3216} .
    ج - غضبه صلى الله عليه وسلم من كثرة السؤال : أخرج البخاري في باب الغضب في الموعظة عن أبي موسى رضي الله عنه قال : ﴿ سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها فلما أكثر عليه غضب ثم قال للناس سلوني عما شئتم ﴾{ الحديث برقم 90 وهو في باب وقت الظهر عند الزوال } بأطول منه برقم 507} .
    د - غضبه صلى الله عليه وسلم من تصرف معاذ بن جبل رضي الله عنه لما أطال صلاة العشاء وإنكاره ذلك وإليك نص الحديث : عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : ﴿ أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل ـ الحديث وفيه ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أفتان أنت أو أفاتن ثلاث مرات ﴾ { صحيح البخاري برقم 664 ومسلم برقم 709 } .
    وأخرج البخاري عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: ﴿ قال رجل يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضباً من يومئذٍ فقال : أيها الناس إنكم منفرون فمن صل بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة ﴾ .
    هـ - غضبه صلى الله عليه وسلم من رجل : عن أبي قتادة رضي الله عنه ﴿ أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف تصوم فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله فلما رأى ذلك عمر قال : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله فلم يزل عمر يرددها حتى سكت غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴾ { سنن أبي داود برقم 207 } .
    و - غضبه صلى الله عليه وسلم من تصرف بعض أمهات المؤمنين رضي الله عنهن لما اجتمعن عليه في الغَيرة حتى اعتزلهن شهراً : والقصة في صحيح البخاري برقم 2288 ـ 5395 ـ ومسلم برقم 2704 .
    ز - غضبه صلى الله عليه وسلم من الثلاثة الذين خلفوا بعد غزوة تبوك وهجرته لهم وأمره للصحابة بهجرتهم حتى نزلت توبة الله عليهم في سورة براءة : وقصتهم في صحيح البخاري برقم 4066 ومسلم برقم 4973 .
    ح – غضبه صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ : ﴿ قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ لَمْ يَكُنْ يَسْأَمُ مِنْ ثَنَاءٍ عَلَيْهَا وَالاسْتِغْفَارِ لَهَا، فَذَكَرَهَا ذَاتَ يَوْمٍ، وَاحْتَمَلَتْنِي الْغَيْرَةُ، إِلَى أَنْ قُلْتُ: قَدْ عَوَّضَكَ اللَّهُ مِنْ كَبِيرَةِ السِّنِّ، قَالَتْ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضِبَ غَضَبًا سَقَطَ فِي جِلْدِي، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ أَذْهَبْتَ عَنِّي غَضَبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أَذْكُرْهَا بِسُوءٍ مَا بَقِيتُ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَدْ لَقِيتُ، قَالَ:كَيْفَ قُلْتِ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَرُزِقَتْ مِنِّي الْوَلَدَ إِذْ حُرِمْتِيهِ مِنِّي، فَغَدَا بِهَا عَلَيَّ وَرَاحَ شَهْرًا. ﴾{الطبراني في المعجم الكبير :18555}وفي الأحاديث الصحيحة مواضع أخرى من هذا القبيل يعلمها العلماء المتخصصون ، ولا يراد بالغضب هنا إخراج أولئك الصحابة المكرمين رضي الله عنهم من دائرة الإسلام والإيمان إلى دائرة الكفر والنفاق ، والعياذ بالله من هذا الفهم السقيم ، ولا يراد بالغضب كذلك إخراج أولئك الصحابة المكرمين من دائرة المحبين والمحبوبين إلى دائرة المغضوب عليهم أو الضالين .
    فالغضب من تصرفٍ خطأٍ يتم تصحيحه وإصلاحه ولا يُصرُ صاحبه عليه هو غضب محمود لأنه من أجل شرع الله سبحانه وحقوقه وحقوق نبيه صلى الله عليه وسلم وأخلاقه صلى الله عليه وسلم كلها محمودة حتى الغضب لأنه يغضب لله ولشرعه لا لنفسه ، فالغضب في غيره مذموم وفيه صلى الله عليه وسلم محمود ، وفي حق من اقتدى به فيه بشروطه وفي مواطنه .
    فالغضب من تصرفات بعض الصحابة رضي الله عنهم لحق من حقوق الله تعالى وحقوق نبيه صلى الله عليه وسلم ثابت لا ينكر .
    ومع ذلك فالأولى أن نقول : غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أي بسببهم لله تعالى ولشرعه ، وألا نقول : غضب عليهم حتى لا يُوهم ذلك عند من قل علمه وكثر اعتراضه معنىً يستغله في الإساءة والنقد الجاهلي الهدام لا النقد العلمي البناء .
    وتعديه بعلى يكون بمعنى وجد عليه وفي القاموس : وَجَد عليه يجِد وجداً وموجِدةً غضب ، وهي ثابتة في الأحاديث ومنها في سنن البيهقي في حديث أبي لبابة رضي الله عنه : وفيما كان سلف قبل ذلك في أمور وجد عليه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    ثم قال الحبيب الجفري : بينما جاءتنا نماذج من الصحابة قاموا الليل كله ومن التابعين قاموا الليل كله... الخ
    أقول : تقدم فيما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على بعض أصحابه رضي الله عنهم ما عزموا عليه من صيام النهار وقيام الليل وترك النكاح خشية أن يؤدي الأمر إلى مفسدةٍ كالرهبانية أو تضييع فريضة أو تحريم مباح وبينت أن تأخر البيان عن وقت الحاجة ممتنع ، وأن السكوت إقرار ويجعل ذلك سنة مشروعة لغيرهم ولمن بعدهم ، ويتعارض الشرع حينئذٍ في قواعده الأصلية لأنه مبني على الحنيفية السمحة كما صح من قوله صلى الله عليه وسلم ﴿ أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة ﴾ علقه البخاري في باب الدين يسر وقد مُنع الصحابة من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم وقت نزول الوحي خشية أن يحرم عليهم شيء من المباح ففي صحيح البخاري برقم 6745 مرفوعاً ﴿ إن أعظم المسلمين جُرماً من سأل عن شيءٍ لم يحرم فحرِّم من أجله مسألته ﴾ في باب ما يكره من كثرة السؤال .
    وامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخروج إلى قيام رمضان بعد ثلاث وقال : ﴿ خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها ﴾ صحيح البخاري برقم 872 فلما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه وزال المانع عاد حكم سؤال العلماء إلى الإباحة أو الوجوب وقيام رمضان إلى الاستحباب المؤكد ومثله صيام النهار وقيام الليل في حق أولئك الصحابة أو التابعين ومن بعدهم لأنه لا يترتب عليه إقرار يجعله سنة نبوية سكوت النبي صلى الله عليه وسلم لانتقاله إلى الرفيق الأعلى .
    ولا يؤدي ذلك إلى مفسدة كالرهبانية لأنه لم يقره النبي صلى الله عليه مسلم في زمنه .
    والصحابة الذين فعلوا ذلك في عهده صلى الله عليه ومسلم كابن عمروٍ رضي الله عنهما تقدم بيان نهي النبي صلى الله عليه وسلم لهم عن ذلك فلم يبق فعلهم سنة يقتدي بهم فيها من في زمنهم أو بعدهم .
    وتقدم كلام العلماء في جواز النافلة كالصيام أو القيام إذا لم يترتب عليها تضييع فريضة أو حق ، وأن الإفراط والتفريط محظوران ، وعلى ذلك يحمل ما ورد عن بعض الصحابة والتابعين أنهم قاموا الليل كله أو صاموا الدهر كله .
    ثم قال الحبيب الجفري : كان الإمام زين العابدين يصلي كل ليلة ألف ركعة ... الخ
    أقول : روي هذا عن السلف
    1* جاء في كتاب ألقاب الصحابة والتابعين في ترجمة مرة بن شراحيل المهراني المعروف بمرة الطيب لحسن عبادته : قال محمود بن غيلان : سمعت وكيعاً يقول : كان مرة يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة فلما كبر ذهب عنه الشطر فكان يصلي خمسمائة ركعة .
    2* وجاء في كتاب العبر في خبر من غبر : في ترجمة الإمام علي زين العابدين رحمه الله تعالى : وقال مالك إن علي بن الحسين كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أن مات ، قال : وكان يسمى زين العابدين لعبادته / ونقله في تهذيب التهذيب عن مالك / ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء عنه ونقل مثل ذلك في كتاب سمط النجوم العوالي : قال محمد بن سعد : كان زين العابدين ثقة مأموناً - إلى قوله - وكان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة .
    3* وجاء في الإصابة في معرفة الصحابة : في باب ذكر من ذهب إلى أن الخضر حي : وذكر الزبير بن بكار وبإسناده عن مصعب بن ثابت بن عبد الله ابن الزبير وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ويصوم الدهر ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء ومثله في تهذيب التهذيب ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء .
    4* وفي الإصابة أيضاً في ترجمة عامر بن عبد قيس التميمي الغبري : روى ابن أبي الدنيا من طرق أنه كان قد فرض على نفسه كل يوم ألف ركعة .
    5* وفي كتاب الوافي بالوفيات وتهذيب التهذيب في ترجمة بلال بن سعد بن تميم الدمشقي قال الأوزاعي : وكان له في كل يوم وليلة ألف ركعة . ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء .
    6* وفيه في ترجمة كهمس بن الحسن التيمي : وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة باراً بأمه . ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء .
    7* وفي ثقات ابن حبان : في ترجمة علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم : وكان من العباد يصلي في كل يوم ألف ركعة ، ومثله في تهذيب التهذيب ، ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء .
    8* وفي تهذيب التهذيب في ترجمة الميمون بن مهران أنه صلى في سبعة عشر يوماً سبعة عشر ألف ركعة . ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء .
    فهل يطعن المعترض وأمثاله فيما نقله أولئك الأعلام الثقات في كتبهم المذكورة عن أولئك الصالحين من عباد السلف الصالح ويحسبون ذلك بالدقائق والساعات وأن الزمن لا يتسع لها في وهمهم .
    وهؤلاء المعترضون على مذهب المبتدعة الذين ينكرون كرامات الأولياء وخوارق العادات ومنها طي الزمان والمكان والبركة فيهما وقد وقع ذلك لآصف جليس سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام الذي آتاه الله تعالى علماً من الكتاب : ﴿ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ {النمل:40} يعني عرش بلقيس وهذا طي زمان ومكان ولو حسبناه بعقولنا القاصرة لاستغرق ذلك الذي وقع في لحظة شهوراً .
    وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه الأذكار من هذا القبيل في البركة الزمانية في كتاب تلاوة القرآن وبيان أحوال السلف الصالح قال :
    وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة ، وختم جماعة في كل يوم وليلة ختمتين وآخرون في كل يوم وليلة ثلاث ختمات ، وختم بعضهم في اليوم والليلة ثمان ختمات ، أربعاً في الليل وأربعاً في النهار ، وممن ختم أربعاً في الليل وأربعاً في النهار السيد الجليل ابن الكاتب الصوفي رضي الله عنه وهذا أكثر ما بلغنا في اليوم واليلة ، وروى السيد الجليل أحمد الدَّورقي بإسناده عن منصور بن زاذان من عباد التابعين رضي الله عنهم : أنه كان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر ، ويختمه أيضاً فيما بين المغرب والعشاء ، ويختمه فيما بين المغرب والعشاء في رمضان ختمتين وشيئاً .
    وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أنَّ مجاهداً رحمه الله كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء ، وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يُحصون لكثرتهم فمنهم عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير رضي الله عنهم .
    قال العلامة ابن علّان في شرحه على الأذكار 3/233 تنبيه : هذا والذي قبله وما في معناه من أنواع الكرامات وهو المباركة في الوقت بحيث يجري فيه من الخير ما لا يجري فيما هو أطول منه ، ومنه ما نقل أن المصنف – يعني الإمام النووي – نفع الله به وزّعت مؤلفاته من يوم ولادته إلى يوم وفاته كل يوم كراساً كتابة وتأليفاً ا.هـ .
    وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في نتائج الأفكار 3/160 تعليقاً على ما أورده الإمام النووي في الذين ختموا القرآن في ركعة : ﴿ لم ينقله أبو عبيدة ولا ابن أبي داود في كتابيهما عن غير هؤلاء الثلاثة فكأنّ الشيخ أراد بالكثرة من جاء بعدهم ﴾
    أقول : فماذا يقول المعترض وأمثاله في مثل الإمام النووي رحمه الله وكلامه هذا ؟؟؟

    ثم قال الحبيب الجفري : الإمام أبو حنيفة صلى الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة ...الخ
    أقول : نقل مثل هذا عن كثير من السلف الصالح :
    1* جاء في كتاب العبر في خبر من غَبر في ترجمة الإمام / سليمان بن طرخان أبي المعتمر / أحد علماء البصرة وعبادها قال المعتمر : مكث أبي أربعين سنة يصوم يوماً ويفطر يوماً ويصلي الفجر بوضوء العشاء ، ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء .
    2* وجاء فيه في ترجمة / عبد الواحد بن زيد البصري / الزاهد الذي قيل : إنه صلى الغداة بوضوء العشاء أربعين سنة .
    3* وجاء فيه في ترجمة / هشيم بن بشير السلمي الواسطي محدث بغداد : قال ابن أبي الدنيا : حدثني من سمع عمرو بن عون يقول : مكث هشيم يصلي الفجر بوضوء العشاء عشر سنين قبل موته ، ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء وميزان الاعتدال ، وفي لفظ في تهذيب الكمال : مكث هشيم يصلي الفجر بوضوء العشاء الآخرة قبل أن يموت عشرين سنة .
    4* وفي ثقات ابن حبان في ترجمة وهب بن منبه قال : مكث وهب بن منبه أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء بنحوه .
    5* وفي سير أعلام النبلاء في ترجمة ابن عبدوس فقيه المغرب قال : أقام ابن عبدوس أربع عشرة سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء .
    6* وفي كتاب وفيات الأعيان في ترجمة الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى وقيل : إنه صلى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة .
    7* وفي كتاب تهذيب الأسماء واللغات : عن أسد بن عمرو قال : صلى أبو حنيفة صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة وكان عامة الليل يقرأ القرآن في ركعة .
    أقول : فرواية الحبيب الجفري عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى في تهذيب الأسماء ونقل ذلك عن غيره بروايات الثقات من العلماء فماذا يقول المعترض وزمرته في مثل هذه النقول ؟
    ثم قال الحبيب الجفري : لكن الذي أنكره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك التنطع بمعنى أن يريدوا أن يسيروا إلى الله كما يفهمون هم لا كما يريد الله جلَّ جلاله ...الخ .
    أقول : لأن ذلك في عهد النبوة زمن التشريع ونزول الأحكام فخشي النبي صلى الله عليه وسلم من خلال ما عزم عليه أصحابه رضي الله عنهم أن يفتحوا باب الرهبانية فيماثلوا المبتدعة في الأمم السابقة والذين قال الله فيهم : ﴿ َرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾{الحديد:27} ويكون ذلك تشريعاً بإقراره فلما كمُل الدين واستقر التشريع وبنيت السُّنة المنهاج الكامل المبني على الاعتدال وعدم التفريط والإفراط وتركنا النبي صلى الله عليه وسلم على المحجَّة البيضاء كما قال في الحديث : ﴿ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ {ابن ماجه:43 ، مسند أحمد:16519} قام من قام من عُبّاد السلف الصالح بمثل ما نقله عنهم الثقات على أنها أحوال ومواهب للخاصة وليس لها أية صبغة تشريعية لمن جاء بعدهم لعدم الأمر بها في الكتاب والسنة ، ولأنهم ليسوا بمشرِّعين للأمو شيئاً بعد كمال الشريعة بقوله تعالى : ﴿ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ﴾{المائدة:3} .

  2. #2
    السيف الصقيل الصورة الرمزية حسام دمشقي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    المشاركات
    2,546
    معدل تقييم المستوى
    0
    ثم قال الحبيب الجفري : فهذا سرٌّ خفي في الاتباع ... الخ .
    أقول : يفسَّر آخر كلامه هذا بما قاله في أوله : حيث شرح معنى الاتّباع بقوله : ترك ما نريد لما يريده الله تعالى على وفق ما جاء عن حبيبه صلى الله عليه وسلم .
    وتقدم بيان أنها دعوة من الحبيب الجفري للاتّباع وترك الابتداع .
    والآن بعد هذه المقدمات والأدلة والبراهين أتعقب المعترض فيما قاله :
    1- قال المعترض : من أين يأتي الجفري بهذا الكلام وهذه التعليلات ؟ إذا كانت هناك كتب معتبرة ذكرت ...الخ .
    أقول : قدمت من كلام العلماء المعتبرين ما يؤكد صحة ما قاله الحبيب الجفري ، وهذا الكلام وتلك التعليلات ليست مخالفة للعقائد والأصول التشريعية ، وفهم المسلم الذي يتوافق مع قواعد العقائد والاجتهاد والاستنباط ولا يعطل نصاً ولا يبطل حكماً ولا يخرق إجماعاً معتبر فقد قال سيدنا علي رضي الله عنه كما في صحيح البخاري برقم 108 : ﴿ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ قَالَ لَا إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ ﴾

    2- قال المعترض : وأما إن كان هذا الكلام من عنده ومن فكره الخاص فهو مردود عليه ولا حاجة بالمسلمين إليه !
    أقول : من الذي منحك أيها المعترض هذا الحق وأثبت لك هذه الأهلية التي تقبل فيها كلاماً وترد آخر ؟
    وما هي الشروط والقيود التي أنت ومن معك عليها في القبول والرد ؟ ومن الذي هو أحق برد كلامه ؟ الحبيب الجفري الذي وافق كلامه الحق وأهله أم كلامك أنت الذي وافقت فيه الباطل وأهله ؟
    إن الكلام الذي يُردّ في الشرع الشريف : ما عطّل فريضة من فرائض الله أو حداً من حدود شرعه سبحانه ، وما أباح محرماً أو حرم مباحاً ، وما خالف عقيدةً أجمع عليها أهل الحق من السلف والخلف ، أو سنةً ثابتةً من سنن الهدى .
    الكلام الذي يُردّ هو عقائد المبتدعة كالوهابية وشبههم ، وما كان تنطعاً في الدين وتشدداً يتنافى مع سماحة الدين وسَعته .
    الكلام الذي يُردّ : هو تكفير معين من المسلمين أو العلماء من سلف الأمة وخلفها ، وتكفير وتفسيق وتبديع وتجهيل السواد الأعظم من الأئمة عبر ثلاثة عشر قرناً من السادة الأشعرية والصوفية .
    وأنت ومن وراءك يقولون بمثل هذا ويعلنون به فهو الكلام المردود الساقط الذي لا حاجة بالمسلمين إليه .
    إن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم ضرب مثلاً للعلم وللأراضي الطيبة بقوله : ﴿ مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ {صحيح البخاري برقم:77 عن أبي موسى رضي الله عنه}
    فالحبيب الجفري وأمثاله من علماء أهل السنة والجماعة الأشعرية الصوفية أراضي قلوبهم ونفوسهم طيبة فقبلت الهدى والعلم فأنبتت الكلأ والعشب الكثير من الفهم الشرعي الصحيح للنصوص في الكتاب والسنة وإجماع الأئمة وبقواعد أصولهم واجتهادهم ، بينما الوهابية وأمثالهم من أصحاب النفوس الظلمانية الخبيثة لم تنبت نفوسهم للأمة إلا الخُبُث والخبائث وأمرنا بالاستعاذة منهما عند التخلي ، فإنه بين شياطين الإنس وشياطين الجن ولاية ، قال تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ {الأنعام:112/113} وقال سبحانه : ﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ {الأنعام: 121} .

    3- ثم قال المعترض : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكر على أولئك الصحابة لأنهم هموا بفعلٍ يخالف سنته ... الخ .
    أقول : ما هذا الدجل العلمي يا جامع القراءات ؟ هل من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يصوم ولا يفطر وأن يقوم ولا ينام وألا يتزوج النساء وألا يأكل اللحم ولا ينام على فراش ؟ وهل استن أولئك الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ؟
    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم كما أنكر على غيرهم الخروج عن الاقتداء به والاتباع له .
    فكيف تقول بعد هذا : فوصف الجفري الذين يقتدون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قد غاب عنهم سر الاتباع ... الخ .
    هل أولئك الصحابة كانوا مقتدين بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فيما هموا به وعزموا عليه ؟
    كيف تجعل من قال من الصحابة : أصوم ولا أفطر وأقوم ولا أرقد ولا أتزوج النساء ولا آكل اللحم ولا أنام على فراش مقتدياً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ؟
    أليس هذا افتراء ً على السنة وكذباً على النبي صلى الله عليه وسلم ؟ إنك جعلت ما ليس بسنة سنة ومن ليس مقتدياً بالنبي صلى الله عليه وسلم مقتدياً ، ما هذا التخبط والتناقض العجيب في قولك هذا ؟

    4- ثم قال المعترض بعد كلام : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ فمن رغب عن سنتي فليس مني ﴾ .
    أقول : أليس هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم لأولئك النَفر من الصحابة رضي الله عنهم إرشاداً وتعليماً وتحذيراً وتنبيهاً إلى أنهم إذا أرادوا أن يكونوا منه وعلى طريقته وهدية فعليهم ألاَ يرغبوا عن سنته وألا يحدثوا لأنفسهم طريقة في العبادة لم يأمرهم بفعلها ولم يأذن لهم بها ؟
    إنَ هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم لأولئك الصحابة رضي الله عنهم يجعلهم بين خيارين إما أن يقتدوا به ويتبعوه بلا اجتهاد منهم فيكونوا منه ومن أمته الناجية ، وإما أن يجتهدوا من تلقاء أنفسهم ويشرِّعوا لها ويرغبوا عن سنته فلا يكونوا منه ولا من أمته الناجية .
    فآخر الحديث هذا يشهد للحبيب الجفري في صحة ما قاله ، وفي الرد على المعترض الذي جعل فعلهم سنة .

    5- ثم قال المعترض : إذاً الكلام على السنة الظاهرة – إلى قوله – وليس على مرادات نفسانية باطنية !
    أقول : هل الأعمال الظاهرة يعول عليها في القبول عند الله تعالى أو الرد إلا باعتبار المرادات النفسانية والنوايا القلبية ؟ وإلا لكان كل عمل ظاهر مقبولاً وإن لم يتوقف على نية وإخلاص ، وهذا لم يقل به أحد من العلماء أو طلبة العلم المبتدئين . الأعمال الظاهرة متوقف قبولها على النية والإخلاص ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ﴿ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ{أخرجه البخاري برقم:1} والنية عمل القلب ، بينما المعترض يقول ليست الأعمال بالنيات .
    أليس هذا رداً لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وافتراءً عليه ومصادمة لشرعه ؟
    أرأيت إلى رجلٍ ابتدع هيئةً في الصيام والقيام لم يرد في الشرع الإذن بها واعتقد ذلك قربة إلى الله ألا يكون مبتدعاً بدعة ضلالة في العقيدة وفي العمل ؟
    أرأيت إلى رجلٍ خرج عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام شريعته واعتقد ذلك في باطنه قربةً إلى الله ألا يكون ضالاً ومضلاً عقيدةً وعملاً ؟
    إن العمل الظاهر من العبادات وغيرها لا يكون مقبولاً إلا بموافقة شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتقاد اتباعه وتقديم هديه على غيره وعلى أهواء النفس في ذلك العمل ، وتحقيق النية والإخلاص باطناً فيه .

    6- ثم قال المعترض : فمن اقتدى بسنة النبي صلى الله عليه وسلم لما سنها فما المعنى الذي يكون قد غاب عنه ؟
    أقول : أولئك النفر من الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا مقتدين بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في قولهم :
    أصوم ولا أفطر ، أقوم ولا أرقد ، لا أتزوج النساء ... الخ .
    فالمعنى الذي غاب عنهم هو أن الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته التي يشرعها للأمة كلها أولى من اجتهادهم وانفرادهم بطريقة في التعبد لم يؤذن لهم بها .

    7- ثم قال المعترض : وأما الذين يخالفون سنته صلى الله عليه وسلم فيقول الجفري إنهم عرفوا السر وفقهوا المعنى !
    أقول : صدق الشاعر : ~وكم من عائب معنىً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
    أين في كلام الحبيب الجفري أن الذين خالفوا سنته صلى الله عليه وسلم عرفوا السر وفقهوا المعنى ؟
    أليس هذا افتراءً على القائل وكذباً عليه ؟
    هناك بون شاسع بين مراد المتكلم وفهم السامع أو القارئ ، ولا يصح شرعاً أن تقطع بأن الفهم هو المراد لأنه تدخل بقضية غيبية لا يعلمها إلا الذي يعلم السر و أخفى ، ولا يصح شرعاً أن تحمل الكلام أو المتكلم فهماً فهمته أيها المعترض على غير وجهه الحق ، فاتقِ الله .
    هل أولئك الأئمة من السلف الصالح الذين نقل الثقات عنهم أحوالهم في التعبد بعد استقرار الشرع وكماله وانتهاء زمن الوحي ونزول الأحكام ؟ هل أولئك في نظر المعترض يخالفون سنته صلى الله عليه وسلم ؟ ويجعل ذلك كلاماً للحبيب الجفري ومراداً له ؟
    هذا حقاً أمر عجيب ، ونعوذ بالله تعالى أن نَضل أو نُضل أو نَزل أو نُزل أو نبغي أو يُبغى علينا .
    8- ثم قال المعترض : وأعجب منه كيف يسمح الجفري لنفسه أن يتدخل ببواطن الصحابة الكرام فيحكم عليها وعلى نياتهم ... الخ .
    أقول : الحبيب الجفري لم يتدخل ببواطن الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين ولم يحكم عليها رجماً بالغيب بل حكم عليهم بما دل على تلك النوايا من الأقوال الظاهرة – وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً – فاللسان ترجمان القلب وقد فسرت فيما سبق معنى الطاعة الحقيقية ومرادات النفس فيها فلتراجع .

    9- ثم قال المعترض : وحاشاهم رضي الله عنهم ما افتراه عليهم من هذا البهتان الخ .
    أقول : المعروف في علم النحو أن حاشا تنصب أو تجر الاسم الظاهر وإذا نصبت تنصب مفعولاً واحداً .
    فقوله – ما افتراه عليهم – خطأ ومن حقه أن يجره بمن فيقول من ما افتراه عليهم ... الخ .
    وإذا اعتبرنا حاشاهم مصدراً منصوباً بفعل محذوف والضمير مضافاً إليه يكون قوله ما افتراه عليهم خطأ أيضاً ومن حقه الجر بمن كذلك ، والبهتان الذي زعمه المعترض هو في وهمه وسوء فهمه للعبارات التي ساقها الحبيب الجفري كما تقدم .
    10- ثم قال : ثم يتابع الجفري اتهاماته لهم ... الخ .
    أقول : هل يصح لمسلم أن يتهم مسلماً أنه يتهم الصحابة رضي الله عنهم ؟ أليس اتهام الصحابة والافتراء عليهم والبهتان المزعوم في حقهم يخرج الإنسان من دائرة الإسلام ويجعله مرتداً عن الدين ؟
    فهل الحبيب الجفري مرتد عن الدين ؟ نعوذ بالله من سوء الظن هذا الذي يجعل المعترض في موطن الريبة والشك والاتهام ، وقد بينت فيما سبق أنه أراد بالانتقاص اختصاص رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك العبادة التي تقالّوها بحسب حاله وأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وأنهم يتعين عليهم الزيادة على فعله لأنهم غير مغفور لهم ما تقدم وما تأخر .
    11- ثم قال المعترض : أيعقل أن يجعل سيدنا علي وعبد الله وعثمان رضي الله عنهم عبادتهم على غير مراد الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم ؟
    أقول : هل ما قاله أولئك الصحابة رضي الله عنهم كان على الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم ؟ وأين في سنته المطهرة أن يصوم ولا يفطر وأن يقوم ولا ينام وألا يتزوج النساء وألا يأكل اللحم ؟
    أيعقل من عاقل أن يقول إن الذي قالوه وعزموا عليه متبعون فيه للنبي صلى الله عليه وسلم ؟ انظروا إلى هذا المعترض كيف جعل ما ليس بسنةٍ سنةً ؟ أليس نسبة أقوالهم تلك إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم كذباً عليه ؟

    12- ثم قال المعترض : ثم من أين للجفري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعرض عنهم وغضب عليهم ؟
    أقول : هل أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عزوا عليه وهموا به ؟ أم أنه أعلمهم أن من رغب عن سنته فليس منه ؟ ألا يدل قوله – من رغب عن سنتي فليس مني – أنه غير راضٍ بما عزموا عليه وأنه مُعرض عن إقرارهم على ما هموا به وأن ذلك ليس من سنته ولا من هديه ، وقد بينت فيما سبق غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة وأنه محمود لأنه لله تعالى ولحقوقه وحقوق نبيه صلى الله عليه وسلم فلتراجع .
    13- ثم قال المعترض : الذي ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم وأرشدهم وعلمهم ونبههم إلى الخطأ الذي ارتكبوه .
    أقول : انظروا أيها الناس إلى التناقض في كلام المعترض : قبل أسطر جعلهم متبعين لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهنا يقول : ونبههم إلى الخطأ الذي ارتكبوه .
    هل من يتبع سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يكون على خطأ ويحتاج إلى التنبيه ؟
    يُقر المعترض هنا أن أولئك الصحابة رضي الله عنهم ارتكبوا خطأ نبههم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الذي يقوله الحبيب الجفري من أول كلامه إلى آخره وأن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادات هو المتعين فلنترك الاجتهادات الخاصة ومرادات النفس في العبادة جانباً ولنتبع من أُمرنا جميعاً باتباعه ومن جعله الله للأمة كلها خواصها وعوامها قدوة وأسوة رسول الله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم .
    14- ثم قال المعترض : بل إنه لما تكلم أمام الناس عن تلك الحادثة قال : ﴿ ما بال أقوامٍ ﴾ فلم يذكر أسماءهم رفقاً بهم وستراً لهم فأين الجفري من هذا الهدي النبوي الكامل ؟
    أقول : في رواية صحيح البخاري التي أوردها المعترض : ﴿ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له { برقم:4675} .
    قال البدر العيني رحمه الله في عمدة القاري : قوله : ﴿ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ﴾ ، وفي رواية مسلم : ﴿ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا .
    والتوفيق بينهما بأنه منع من ذلك عموماً جهراً مع عدم تعيينهم وخصوصاً فيما بينه وبينهم رفقاً بهم وستراً عليهم .
    ثم قال : قوله : ﴿ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ﴾ فيه رد لما بنوا عليه أمرهم من أن المغفور له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة بخلاف غيره . 1.هـ
    أقول : أين المعترض ومشايخه ومن معه من الهدي النبوي الكامل الذي ذكره وطالب به الحبيب الجفري الذي لم يكفر معيناً ولم يجرحه ولم يشهر به خلافاً لهؤلاء فإن كتابه هذا اشتمل على التكفير لأشخاصٍ بأعيانهم من الأحياء والمنتقلين وعلى التجريح لهم والتشهير بهم .
    لمَ لم يهتد المعترض ومن معه بهدي النبوة فيقولوا : ﴿ ما بال أقوام ﴾ ؟ ولمَ لم يأتوا إلى من نقلوا كلامهم من الأحياء فيسألوهم عن مرادهم ؟ أو ينصحوهم في السرِّ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أولئك الصحابة رضي الله عنهم ؟
    أليس ما في كتابهم هذا وكلامهم مخالفاً لهدي النبوة ؟ ألم يقرؤوا كلام الله تعالى : ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾{البقرة:44} .

    15- ثم قال المعترض : إذاً فالصحابة رأوا أنّ حالهم تحتاج لمزيد من العبادة لأنهم ليسوا كرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
    أقول : انظر إلى تناقض المعترض مع نفسه هنا يقول : - ورأوا أنّ حالهم تحتاج لمزيد من العبادة – وماذا يقابل المزيد ؟ النقصان ، إذاً رأوا أنّ عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم تناسب حاله لا حالهم ، وأنّها كاملة في حقه صلى الله عليه وسلم ناقصة في حقهم فيحتاجون إلى مزيد من العبادة .
    وقبل أسطر أنكر على الحبيب الجفري قوله : إنهم انتقصوا من عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما أنكره هناك قاله وأقرَّه هنا .

    16- ثم قال المعترض : فبيّن لهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنّ ما رأوه غير صحيح وأنّ الخير كلّه في اتباع سنته .
    أقول : أليس كلامه هذا يتوافق مع كلام الجفري الذي يدعو فيه إلى اتّباع سنته صلى الله عليه وسلم وترك الاجتهاد والآراء والأهواء حتى المحمود منها في العبادات ؟

    17- ثم أورد المعترض قول الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح الحديث وفيه قوله : - والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني – وعلّق المعترض على ذلك تحت السطر بقوله : والجفري يقول : إنَّ طريقته وسائر الطرق الصوفية متصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والواضح للجميع الاختلاف الكبير بين طريقتهم وبين طريقة النبي صلى الله عليه وسلم ...الخ .
    أقول : علماء الصوفية من سلف الأمة وخلفها هم خُلَّص أهل السنة والجماعة رضي الله عنهم وأسانيدهم متصلة بالإمام أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه وهو من رجال القرن الثالث الهجري وهو إمام الطائفتين بالإجماع – العلماء بالله والعلماء بأحكام دينه – ولا نشك أنّ أبا القاسم الجنيد متصل الأسانيد بكبار التابعين والصحابة المكرمين رضي الله عنهم أجمعين ، ومن اتصلت أسانيده بهم كان متصلاً برسول الله صلى الله عليه وسلم من خلالهم وبسببهم .
    ثم إنَّ الإمام أبا القاسم الجنيد رحمه الله تعالى أجمع علماء عصره والعلماء في العصور بعده على أنه شيخ الصوفية ، وكل من جاء بعده أثنى عليه ونسب نفسه إليه حتى الشيخ ابن تيمية وتلميذه الشيخ ابن القيم رحمهما الله كتبهما ملأى بالثناء عليه والترضي عنه ، وشارك الشيخان الصوفية في علومهم ومصطلحاتهم ، وليرجع المعترض ومن معه إلى الجزء الخاص في التصوف في فتاوى الإمام ابن تيمية ، وإلى كتب طريق الهجرتين ومدارج السالكين والفوائد وغيرها للشيخ ابن القيم ليجد الكثير من الشواهد على ما قلته وأشرت إليه .

    والمعترض يدَّعي أنّ الواضح للجميع الاختلاف الكبير بين طريقتهم وبين طريقة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا الادعاء باطل ، ومن الجميع الذي يدّعي المعترض أنّ الأمر واضح لهم ؟ إن كانوا جميع الوهابية فلا عبرة بقولهم لأنّ كلام المبتدعة لا يقبل في أهل السنة والجماعة لما عليه المبتدعة من خلاف أهل الحق عقيدة وفكراً ومنهجاً ، أمّا جميع أهل السنة والجماعة فالواضح لهم أنّ طريقة الصوفية هي طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته وهديه ، وطريقة سنن الخلفاء الراشدين والأئمة المجتهدين في الفروع الفقهية والفروع السلوكية وهي التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم بالتزامها كسنته بقوله : ﴿ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ {سنن ابن ماجه برقم:42 عن العرباض بن سارية رضي الله عنه}والترمذي وأحمد بألفاظ متقاربة ، وبقوله : ﴿ مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ {صحيح مسلم برقم:1691 عن جرير رضي الله عنه} وبقوله : ﴿ مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا {صحيح مسلم برقم:4831 عن أبي هريرة رضي الله عنه} ، وقد قال سيدنا عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه : ﴿ إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ {مسند أحمد برقم:3418} ومازال علماء الإسلام في كل العصور مثنين على التصوف وأهله ومشاركين لهم فيما هم عليه ، وليرجع المعترض ومن معه إلى كتابي – علماء الصوفية هم السلفية الحقيقيون – ليجد العشرات من شهادات علماء الإسلام وأقوالهم في الثناء على التصوف وأهله ، وأدبهم معهم ، وتشرفهم بالانتساب إليهم . وصدق الله تعالى القائل : ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾{الحج:46} .

    18- ثم قال المعترض : وأما الجفري فراح يشرحه – أي الحديث – بقصص مختلقة لا تصح وهي مخالفة لكلام النبي صلى الله عليه وسلم كل المخالفة .
    ويعلن على ذلك تحت السطر فيقول : كقصة صلاة الإمام أبي حنيفة رحمه الله الفجر بوضوء العشاء أربعين عاماً ... الخ .
    أقول : هذه القصص نقلها العلماء الأثبات في كتبهم كما مرَّ كابن حجر في تهذيب التهذيب والنووي في تهذيب الأسماء واللغات والذهبي في سير أعلام النبلاء وغيرهم ، ولم ينكرها واحد منهم ولم يقل أحد إنها لا تصح ، وإنها مخالفة لكلام النبي صلى الله عليه وسلم كل المخالفة أو بعضها .
    فهل اهتدى هذا المعترض ومن معه بعد أولئك الأئمة الأثبات إلى ما لم يهتدوا إليه ؟ وهل بلغ من العلم والمعرفة ما لم يبلغوه ؟ ما هذا التطاول على الأئمة الأثبات ؟ رحم الله امرأ عرف قدره فوقف عنده .
    اذكر أيها المعترض ما قلته في المقدمة :
    ~ لم ألق عصفوراً يزاحم باشقاً إلا لخفته وقلة عقله
    وما مثل المعترض ومن معه إلا كما قال الشاعر :
    ~ كناطحٍ صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوَعل
    وكقول آخر :
    ~ يا ناطح الجبل العالي ليوهنه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل .
    أقول لكم أيها المعترضون على التصوف وعلمائه والأئمة الأثبات المتأدبين معهم قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ ﴾{النمل:18} .

    19- ثم قال المعترض : النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه عن التشدد في العبادة فيطعن الجفري في نيّات الصحابة ويثني على تشدد من جاء بعدهم ومن هو دونهم ... الخ .
    أقول :
    1- الحبيب الجفري لم يطعن في نيات الصحابة وإنما تكلم حول كلام قالوه بألسنتهم دالٍّ على ما همّوا به وعزموا عليه .
    2- الحبيب الجفري لم يدخل من بعدهم في دائرة المتشددين المتنطعين وإنما المعترض يصفهم بهذا الوصف من التشدد والتنطع ، ومن أولئك القوم المتشددون في نظر المعترض ؟ إنهم أئمة السلف الصالح الذين أثنى عليهم من جاء من بعدهم ولم يصفهم أحد من العلماء الثقات الأثبات الذين نقلوا أخبارهم بالتشدد والتنطع كما فعل المعترض المتفيهق المتطاول على السلف الصالح والطاعن بهم .

    20- ثم قال المعترض : وأعجب من ذلك أنّ الجفري نفسه يقول : ﴿ الأخذ بالنصوص دون الرجوع إلى كلام الأئمة مصيبة نزلت بالأمة بدعوى الاتباع وترك الابتداع ﴾ ... الخ .
    أقول : كلام الحبيب الجفري حق وقد أصاب فيه وبيان ذلك : أنّ الأصول المعتمدة في التشريع عند أهل الحق هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وقولنا الإجماع والقياس يعني أن نفهم نصوص الكتاب والسنة بفهم الأئمة الذين أجمعت الأمة سلفاً وخلفاً على إمامتهم ، وهؤلاء هم أولوا الأمر على أصح قولي العلماء وهم الذين قال الله فيهم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾{النساء:59} ، وقال الله في المنافقين : ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾{النساء:83} ، فعلماء الاجتهاد أهل الاستنباط هم أولوا الأمر ويجب الرجوع إليهم في حكم كل نازلة وواقعة لقوله تعالى : ﴿ َفاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾{الأنبياء:7} .
    والأمة الإسلامية التي افترقت من عهد الصحابة المكرَّمين رضي الله عنهم ، ما سبب افتراقها إلا فهم نصوص الكتاب والسنة بغير فهم الأئمة المجمع على إمامتهم ، وعدم الرجوع إلى أولي الأمر من أهل الاستنباط والاجتهاد في معرفة أحكام الوقائع .
    أما الوهابية فالأصول عندهم : الكتاب والسنة فقط فليس هناك إجماع معتبر ولا قياس صحيح ، الكتاب والسنة لا بفهم الأئمة المجمع على إمامتهم وإنما بفهم أهل الأهواء وبفهم من لم يبلغ رتبة الإمامة والاجتهاد من العلماء وطلبة العلم حتى العوام والجهلة بشرط أن يكونوا وهابية فحسب .
    الوهابية يدعون الأمة إلى الاتّباع وما هو الاتباع عندهم ؟
    هو فهم الكتاب والسنة بغير ما فهمه الأئمة ، وترك الابتداع أي ما قاله الأئمة أهل الاجتهاد والاستنباط لأنه عند الوهابية وفي نظرهم القاصر من البِدع الضلالات التي يجب محاربتها وتكفير القائلين بها وتفسيق وتبديع الداعين إليها .
    هذه هي المصيبة الكبرى التي نزلت بالأمة الإسلامية تحت ستار الاتّباع وشعار الكتاب والسنة الذين يتستر به الوهابية ويهدمون من خلاله دين الله ويفرقون بسببه كلمة المسلمين حتى يكفر بعضهم بعضاً .

    21- ثم قال المعترض : وأوضح مثال على ذلك هو كتاب الجفري هذا .
    أقول : هل كتاب الحبيب الجفري كفّر المسلمين وبدَّعهم وفسَّقهم وزندقهم وأثار الأحقاد فيما بينهم وجعلهم أعداء لبعضهم البعض أم كتابك هذا أيها المعترض ؟
    أترك الحكم للقارئ المنصف .

    22- ثم قال المعترض : وانظر إلى المعاني القلبية التي يتحدث عنها الجفري ما مصدرها وعمَّن تلقاها ؟
    أقول : مصدر المعاني القلبية الكتاب والسنة وتلقاها بالأسانيد المتصلة إلى السلف الصالح وبيان ذلك :
    قال الله تعالى : ﴿ وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾{الأنعام:120} فكما يوجد معاصٍ من الصغائر والكبائر تتعلق بالجسد تسمى ظاهر الإثم وأمرنا باجتنابها ، يوجد كذلك معاصٍ من الصغائر والكبائر تتعلق بالقلب تسمى باطن الإثم وأمرنا باجتنابها كالكبر والعجب والرياء والحسد والحقد وما إلى ذلك .
    وكما يوجد فرائض وفضائل تتعلق بالجسد يوجد فرائض وفضائل تتعلق بالقلب ومن ذلك الإخلاص والتوكل والمحبة والزهد وما إلى ذلك .
    وقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : ﴿ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ
    {صحيح البخاري برقم:50 عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما } .
    ثم إن مضاعفة ثواب الأعمال الظاهرة كالصلاة مثلاً إلى عشر وسبعين وسبعمائة وأكثر ، أليس متوقفاً على حالة القلب مع الله تعالى عند القيام بذلك العمل الظاهر ، وإنّ أقواماً لا تقبل أعمالهم الظاهرة ولا ترفع فوق رؤوسهم شبراً وإن استوفوا الأحكام الفقهية الظاهرة ، وما سبب ردها وعدم قبولها إلا وجود خلل وعلل قلبية فيها حال القيام بها .
    إنّ خلو القلب عن المعاني الشرعية القلبية وعدم تحليته بها وتركه ممتلئاً بأمراضه وعلله هو الداء الأخطر في حياة المسلمين وهو سبب ما يعانون منه من أمراضٍ نفسية وفكرية واجتماعية ألم يقل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : ﴿ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ {صحيح البخاري برقم:2673 عن أبي هريرة رضي الله عنه} وأين هذه العبودية أفي ظاهر الإنسان وجسده أم في باطنه وقلبه ؟
    إنّ محاربة الوهابية للمنهج الصوفي الرباني وما فيه من المعاني القلبية يعني : ابقوا أيها الناس على عبوديتكم لغير الله من الدراهم والدنانير والشهوات والشبهات ، ولا تخلصوا دينكم لله رب العالمين حتى لا تكونوا من المفلحين الفائزين .

    23- ثم قال المعترض : فقد جعلته يتنقص الصحابة ويطعن في نياتهم ويقلب معنى الحديث ويحرِّفه عن موضعه.
    أقول : تقدم بطلان هذا الكلام في حق الحبيب الجفري وتبين أن المعترض هو الذي قلب معنى الحديث وحرّفه عن موضعه .

    24- ثم قال المعترض : وليس النهي لأجل تسرب أهواء النفس إلى العبادة كما يزعم الجفري ... الخ .
    أقول : النهي هو عن إحداث عبادة أو هيئة لم يأذن بها الله تعالى ولم يشرعها رسوله صلى الله عليه وسلم فالنهي عن هوى النفس في إحداث عبادة ليس فيها اتباع للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم زمن التشريع ثم ينهى عن تسرب أهواء النفس إلى العبادة عند القيام بها كحب محمدة وثناء وتعظيم وسمعة ورياء لأنّ هذه العلل محبطة للأجر والثواب ومبطلة للعمل .
    قال الله تعالى في الحديث القدسي : ﴿ أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ {صحيح مسلم برقم:5300 عن أبي هريرة رضي الله عنه} وفي الحديث : ﴿ مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ {صحيح البخاري برقم:6018 عن جندب رضي الله عنه} .

    25- ثم قال المعترض : وإلا فأين أهواء ومرادات النفس بترك التزوج وقيام كل الليل وصيام الدهر ؟
    أقول : ليس في هذه الأشياء حظوظ نفسية لمن أخلص لله فيها ، ولكن الأهواء والمرادات في إحداث ذلك وتفويت الاتباع الواجب للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم كما تقدم وإلا فلم أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ؟
    هل يقول المعترض للنبي صلى الله عليه وسلم لم أنكرت عليهم ذلك وقد خلت أعمالهم تلك عن الأهواء ومرادات النفس وكان الواجب عليك يا رسول الله أن تقرهم على ذلك ؟
    ما هذا الاستدراك على النبي صلى الله عليه وسلم ؟ أما يخشى المعترض من تقديم رأيه بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم من عقاب أو عتاب ؟

    26- ثم قال المعترض : فالجفري وأصحاب منهجه يريدون تحطيم النفس الإنسانية .
    أقول : أصحاب منهج الجفري هم أهل السنة والجماعة من الأشعرية والماتردية والصوفية هل أولئك يريدون تحطيم النفس الإنسانية ؟ أليس هذا طعناً بأهل الحق ؟ لقد كذبت أيها المعترض على الصالحين من السلف والخلف وسيحاسبك أولئك الذين تطعن بهم بين يدي الله يوم القيامة ، أولئك القوم على ممر ثلاثة عشر قرناً هذبوا النفس الإنسانية وزكّوها وحرروها من عبودية غير الله إلى عبودية الله وحده على وجه الإخلاص .
    إن تجريد الدين الإسلامي من العقيدة الصحيحة والتصوف دعوة هدّامة لدين الله تعالى ، تجعل الغرب الذي يبحث عن ملاذٍ يشبع فيه الروح ويرتقي بها في معارج الكمالات بذلاً من أن يدخل في الإسلام الذي هو منبع ذلك ، يدخل في البوذية وغيرها من المذاهب الروحية غير الشرعية .

    27- ثم قال المعترض : والكتاب والسنة الصحيحة ليس فيهما أنّ الدنيا عدوة الله فابتعدوا عنها كلياً أيها الناس ، وذكر نصاً قرآنياً واحداً .
    أقول : عجباً للمعترض كيف يقول مثل هذا الكلام وهو يحفظ كتاب الله ، والدنيا وإن لم يرد لعنها في الكتاب الكريم ولكن ورد ذمها ووصفها بأنها دار الغرور ومن الحق أن يعرض النصوص الأخرى الدالة على عدم التعلق القلبي بها :
    ألم يقرأ قوله تعالى : ﴿ أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾{البقرة:86} ، ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾{آل عمران:14} ، ﴿ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾{آل عمران:185} ، ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾{النساء:77} ، ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾{الأنعام:32} ، ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾{الأعراف:51} ، ﴿ إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴾{يونس:7} ، ﴿ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ﴾{الرعد:26} ، ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾{الكهف:46} ، ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾{لقمان:33} ، ﴿ فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾{الشورى:36} ، ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ﴾{الأحقاف:20} ، ﴿ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾{النجم:29} ، ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾{الحديد:20} ، ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَى{37} وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{38} فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾{النازعات:37/39} ، ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{16} وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾{الأعلى:16/17} .
    أما في الأحاديث الصحيحة والحسنة فإنه يوجد كثير منها مما يزهد الإنسان في الدنيا وقد بوب أئمة الحديث في كتبهم أبواباً تجمع ذلك ومن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ ﴾{سنن ابن ماجه برقم:4092 عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه} ومنها : ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ فَقَالُوا مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ قَالَ أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ قَالُوا وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لِأَنَّهُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ فَقَالَ فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ ﴾{صحيح مسلم برقم:5257 عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما} ومنها : ﴿ أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ ﴾{سنن الترمذي برقم:2244 وقال حسن غريب عن أبي هريرة رضي الله عنه} ومنها : ﴿ لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ﴾{سنن الترمذي برقم:2242 عن سهل بن سعد رضي الله عنه}
    ومنها : ﴿ إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ ﴾{صحيح مسلم برقم:4925 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه} ومنها : ﴿ وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا ﴾{سنن الترمذي برقم:3424 عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما}
    وغير ذلك كثير في كتب الحديث فمن أراد الزيادة فليرجع إليها .

    ثم أين في كلام الحبيب الجفري وغيره من كلام علماء الصوفية من السلف والخلف أمر الناس بالابتعاد عن الدنيا كلياً أليس هذا افتراءً عليهم بما لم يقولوه ولم يدعوا الناس إليه ؟
    ما زال في أهل التصوف سلفاً وخلفاً أغنياء ينفقون أموالهم في سبيل الله على قدم الأغنياء من الصحابة رضي الله عنهم ، يحققون قول الله تعالى : ﴿ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾{النور:37} ، والشواهد في عصرنا هذا كثيرة معلومة في كل بلدٍ من بلاد الإسلام ، ولكن بلغ الأمر بالمعترض أن يكذب التاريخ ويكذب الواقع ويقلب الحقائق ، عامله الله وأمثاله بما يستحقون وبما هم أهله آمين ا.هـ

    تنبيه : ذكر المعترض أسفل ص43 : قصة سلمان مع أبي الدرداء رضي الله عنهما في البخاري والترمذي وقال : عن أبي جحيفة عن أبيه ، وهذا خطأ مردود لأن الرواية عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه ، وليست عن أبي جحيفة عن أبيه ، فالمعترض الذي جعل نفسه من علماء الحديث وأُثني عليه بذلك لا يفرق بين أبي جحيفة وابنه وأبيه فيا للعجب .

  3. #3
    عضو مسجل الصورة الرمزية ابنة رسول الله
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    جدة
    المشاركات
    1,583
    معدل تقييم المستوى
    0
    جزاك الله خيرًا .. نفع الله بك
    صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله
    اللهم صلِّ وسلم عليه صلاة تغفر بها ذنوبنا وتستر بها عيوبنا وتكشف بها كروبنا وتعجل بها مطلوبنا بجوار محبوبنا صلى الله عليه وسلم
    بسر الفاتحة

+ الرد على الموضوع

المواضيع المتشابهه

  1. الدفاع عن الحبيب الجفري 17 (عدم أمن الملائكة من مكر الله)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 11 Mar 2010, 12:30 AM
  2. الدفاع عن الحبيب الجفري 18 (مفهوم البدعة)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 10 Mar 2010, 11:48 PM
  3. الدفاع عن الحبيب الجفري 13 (حديث: من صلى علي مرة..)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 20 Jan 2010, 05:11 PM
  4. الدفاع عن الحبيب الجفري 6 (قصة العابد ..)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 18 Mar 2008, 05:46 PM
  5. الدفاع عن الحبيب الجفري 19 (حول البدعة)
    بواسطة محب الحبيب علي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06 Oct 2007, 07:49 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك