+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    عضو مسجل
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    44
    معدل تقييم المستوى
    0

    الدفاع عن الحبيب الجفري 20 (حول ثناء العلماء على التصوّف)

    قال المعترض : قال الجفري في ص68 : روى الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه سير أعلام النبلاء في ترجمة ﴿ معروف الكرخي ﴾ وهو من كبار أئمة الصوفية الخ .

    1- قال المعترض : هذه محاولة من الجفري لزجّ أمثال الشيخ معروف الكرخي رحمه الله في سلك المتصوفة الخ

    أقول : عجباً لهذا المعترض كيف أعمى الهوى والتعصب عقله وقلبه فجعله يهرف بما لا يعرف ، هلا رجع إلى الرسالة القشيرية التي شرحها شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى والذي قال في أول شرحه : وبعد فإن هذه الرسالة في علم التصوف للإمام العالم الجامع بين الشريعة والحقيقة أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري نور الله مضجعه وبرد مثواه ومنزعه إلى قوله – وسميته أحكام الدلالة على تحرير الرسالة - وأرويها بالسند عن جماعات – وذكرهم – عن مؤلفها ومولده في شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وثلاثمائة ووفاته صبيحة يوم الأحد سادس عشر ربيع الأول سنة خمس وستين وأربعمائة بمدينة نيسابور .

    أقول : هلا رجع إليها ليجد أن الإمام أبا القاسم القشيري رحمه الله قال في باب ذكر مشايخ هذه الطريقة ما نصه : اعلموا رحمكم الله تعالى أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسمّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ لا فضيلة فوقها فقيل لهم الصحابة ، ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة التابعين ورأوا ذلك أشرف سِمة ، ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين ، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين الزهاد والعباد ، ثم ظهرت البدع وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادعوا أن فيهم زهاداً فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المأتين من الهجرة ونحن نذكر في هذا الباب أسامي جماعة من شيوخ هذه الطائفة .

    ثم ذكر منهم : إبراهيم بن أدهم وذا النون المصري والفضيل بن عياض ومعروف الكرخي والسري السقطي وبشر الحافي والحارث المحاسبي وداود الطائي وشقيق البلخي ، وهكذا إلى الإمام أبي القاسم الجنيد ومن بعده رضي الله عنهم أجمعين .

    أقول : يؤخذ من كلام الإمام القشيري رحمه الله أن خواص أهل السنة وزهادهم والورعين فيهم تسموا بهذا الاسم أي – التصوف – قبل المأتين من الهجرة ، وأدخل فيهم الزهاد والعباد وذكر منهم معروفاً الكرخي رضي الله عنه .

    فإذا أدخل القشيري رحمه الله الشيخ معروفاً في سلك أهل التصوف وجعله منهم هل يحق للمعترض بعد هذا أن يتهم الحبيب الجفري أنه يحاول زج أمثال الشيخ معروف في سلك المتصوفة ؟

    إذا كان يعترض على مثل هذا فليعترض على الإمام القشيري رحمه الله الذي جعله من أئمة صوفية السلف وأدخله في رسالته ، فإذا اعترض على القشيري وعلى شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمهما الله تعالى يدل اعتراضه حينئذٍ على الهوى والتعصب الذي أعماه فلم يميز بين الحق وأهله والباطل وأهله ، ويكون اعتراضه مردوداً عليه فليس له ولا لمشايخه من المكانة العلمية والورع والزهد مثلما للقشيري والأنصاري رحمهما الله فلا نترك قولهما لقول من لا يساوي شيئاً أمامهما .

    2- ثم قال المعترض : وهو بفعله هذا يشوش على الناس بأن أمثاله من صوفية اليوم هم أتباع لهؤلاء الرجال العباد الزهاد الخ .

    أقول : لا يلزم من عدم وجود كمال المتبوع في التابع عدم صحة النسبة والإسناد إليه ، وإنه وإن فات الصوفية المعاصرين حقيقة ما كان عليه علماء الصوفية من السلف فإنه لم يفتهم بركة أخذ العهد وتلقين الذكر وإلباس الخرقة واتصال السند بذلك وكل هذا مما توارثه العلماء قاطبة وبقصد التبرك بالنسبة ولم ينكره أحد منهم كما سيأتي بيانه وتفصيله .

    ففي كل طريقة من طرق التصوف وعند كل شيخ من شيوخ الصوفية أسانيد متصلة بالعلماء وبالصالحين إلى الإمام الجنيد رضي الله عنه وهو متصل الأسانيد ولا شك بالتابعين والصحابة المكرمين رضوان الله عليهم أجمعين ، فصوفية اليوم هم أتباع لأولئك الرجال المترجم لهم في الرسالة القشيرية وفي كتب الطبقات على رغم أنف المعترض ومن معه .

    ﴿ والإسناد من الدين ﴾ كما قال الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى ، وكما هو موجود عند القراء والمحدثين والفقهاء وعلماء التوحيد موجود عند أهل الطرق بالاتصال الصحيح إلى السلف الصالح في القرنين الثاني والثالث الهجريين .

    وقد لبس خرقة الصوفية تبركاً كبار العلماء من السلف والخلف ، ومثل ذلك في التبرك أخذ العهد بالمصافحة أو المشابكة وتلقين الذكر ، وقد ذكر العلامة المحدث الإمام يوسف بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه / تهذيب النفس للعلم وبالعلم / ما نصه :

    وعلى كل من طلب العلم أن يلتمس أهل الخير والصلاح من المشايخ يطلب منهم العلم فإنهم الذين يحصل النفع في العلم بهم وبدعائهم ، ووقوع النظر منهم عليه يكفي ، وإن حصل منهم أثر من آثارهم يكون عنده يتبرك به منهم وإن ألبسوه خرقة تكون عليه فذلك ما يرجى به الخير ، وقد كان جماعة من السلف يفعلون ذلك ويطلبون لبس الخرق من أيدي الصالحين والتأدب بأحوالهم وأفعالهم وقد اعتنى أهل التصوف بلبس الخرقة المباركة ، وقد ألبسني إياها شيخنا شهاب الدين بن زيد قال : ألبسني إياها جمال الدين بن الشرايحي قال : ألبسني إياها أبو عبد الله الأنصاري قال : ألبسني إياها الشيخ قطب الدين اليونيني وهو لبسها من يد والده أبي عبد الله اليونيني وهو لبسها من يد عبد الله البطائحي وهو لبسها من يد الشيخ عبد القادر الجيلي وهو لبسها من يد أبي سعيد المخرمي وهو لبسها من يد أبي الحسن اليكلدي وهو لبسها من يد أبي الفرج الطرسوسي وهو لبسها من يد أبي الفضل التميمي وهو لبسها من يد عبد العزيز التميمي وهو لبسها من يد أبي بكر الشبلي وهو لبسها من يد أبي القاسم الجنيد وهو لبسها من يد سري السقطي وهو لبسها من يد معروف الكرخي وهو تأدب بعلي بن موسى الرضا وهو تأدب بالكاظم والكاظم تأدب بجعفر الصادق والصادق تأدب بالباقر والباقر تأدب بزين العابدين وزين العابدين تأدب بوالده الحسين والحسين تأدب بوالده علي بن أبي طالب وعلي صحب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين .

    ثم أورد طريقين آخرين وفي الثاني منهما وعند ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه قال : وبالإسناد المتصل المسلسل بلبس الخرقة وهو لبسها من يد سيده ووالده وشيخه قطب الأولياء محي الدين أبي محمد عبد القادر الكيلاني الحنبلي قال قدس الله روحه ، ثم أكمل بقية السند المبارك .

    أقول : قال الحافظ السخاوي رحمه الله في المقاصد الحسنة : في بيان من لبسها وألبسها من العلماء والمحدثين – كالدمياطي والذهبي والهكّاري وأبي حيان والعلائي ومُغلطاي والعراقي وابن الملقن والأنباسي والبرهان الحلبي وابن ناصر الدين – ثم قال : هذا مع إلباسي إياها لجماعة من أعيان المتصوفة امتثالاً لإكرامهم لي بذلك حتى تجاه الكعبة المشرفة تبركاً بذكر الصالحين واقتفاءً لمن أثبته من الحفاظ المعتمدين ا.هـ

    فهنيئاً لصوفية اليوم وجود بركة هذه النّسبة المتوارثة عن كبار العلماء والمحدثين والتي حُرم منها كثير من علماء هذا العصر بسبب بدعتهم ولانقطاع صلتهم بالسلفِ الصّالح وإنكارهم للتصوف وما عليه أهله الصادقون الصالحون رضوان الله عليهم أجمعين .



    3- ثم قال المعترض : وشتّان ما بين الشيخ معروف الكرخي وأمثاله وبين متصوفة اليوم .

    أقول : لا يلزم من عدم التشبه الكامل من جميع الوجوه عدم صحة النّسبة أو الإسناد ونحن نقول أيضاً : شتّان ما بين المعترض وبين جده الأمير عبد القادر رحمه الله الذي كان شيخ الصوفية في عصره وكتابه – المواقف – أكبر دليل على ذلك وكان يقرأ كتب الشيخ الأكبر ابن عربي قدس الله سرّه الأنور ، ولا يلزم من البعد ما بين الحفيد أو السبط وبين الجد عدم صحة النسب أو انقطاعه .

    ونقول أيضاً : شتّان ما بين شيخ القراء في عصرنا وبين شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رضي الله عنه ، والذي هو واسطة عقد سلاسل القراء والمحدثين والصوفية ، ولا يلزم من هذا البعد بينهما في الشاكلة انقطاع النسبة أو السند ، وهكذا الصوفية المعاصرون مع أسلافهم .



    4- ثم قال المعترض : إنّ الذهبي لم يصفه بالصوفي أبداً لا في العنوان ولا في كل الترجمة .

    أقول : استثقل المعترض أن يكرر وصف الحافظ الذهبي رحمه الله بأنه الحافظ وأن يترحم عليه فقال : إنّ الذهبي ، ورحم الله من قال : نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم .

    وإن مصيبة طلاب العلم في عصرنا فقدهم الأدب مع علماء الإسلام من السلف والخلف ، فكيف يتأدبون مع مشايخهم وعلماء عصرهم أو مع إخوانهم وطلبتهم ؟

    ورداً على ما قال المعترض أقول : إن كلام الحبيب الجفري – وهو من كبار أئمة الصوفية تلقى عن الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم – جملة اعتراضية لترجمة الشيخ معروف الكرخي رحمه الله وتعريف للقراء به ، وتوهم المعترض أنه نسبه إلى الحافظ الذهبي رحمه الله ليتوصل بذلك إلى رميه بالكذب عليه ، وكيف يسلك هذا المسلك وهو الذي أورد قول سيدنا عمر رضي الله عنه في المقدمة : ﴿ لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً ﴾ .

    نعوذ بالله من علم لا ينفع .

    ثم إن الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء ترجم لكثير من علماء الصوفية ووصفهم بذلك ، ومنهم على سبيل المثال الشيخ أبو عبد الرحمن السُّلمي رحمه الله فقد قال في ترجمته – شيخ خراسان وكبير الصوفية – كما سيأتي مفصلاً وأولئك الذين ترك الحافظ الذهبي وصفهم بالصوفية وهم منهم لا يعني عدم وصفه لهم بذلك إنكاره فإنهم وصفوا بهذا الوصف في المصادر التي نقل منها الحافظ الذهبي تراجمهم ، وقد وصفهم بذلك من بعده المحدث الشيخ تاج الدين السبكي رحمه الله في طبقات الشافعية الكبرى وقال في شيخه الحافظ الذهبي ما نصه :

    وهذا شيخنا الذهبي رحمه الله له علم وديانة وعنده على أهل السنة تحمل مفرط فلا يجوز أن يعتمد عليه ج2/13 ثم قال : ونقلت من خط الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي رحمه الله ما نصه :

    الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي لا أشك في دينه وورعه وتحريه في ما يقوله الناس ولكنه غلب عليه مذهب الإثبات ، ومنافرة التأويل ، والغفلة عن التنزيه حتى أثر ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه ، وميلاً قوياً إلى أهل الإثبات ، فإذا ترجم واحداً منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ويبالغ في وصفه ، ويتغافل عن غلطاته ، ويتأول له ما أمكن ، وإذا ذكر أحداً من الطرف الآخر كإمام الحرمين ، والغزالي ونحوهما ، لا يبالغ في وصفه ويكثر من قول من طعن فيه ، ويعيد ذلك ويبديه ، ويعتقده ديناً ، وهو لا يشعر ، ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها ، وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها . وكذلك فعله في أهل عصرنا ، إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته : والله يصلحه ، ونحو ذلك . وسببه المخالفة في العقائد ا.هـ

    والحال في حق شيخنا الذهبي أزيد مما وصف ، وهو شيخنا ومعلمنا غير أن الحق أحق أن يتبع . وقد وصل من التعصب المفرط إلى حدٍ يسخر منه . وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين ، وأئمتهم الذين حملوا لنا الشريعة النبوية ، فإن غالبهم أشاعرة وهو إذا وقع بأشعري لا يبقي ولا يذر . والذي أعتقده أنهم خصماؤه يوم القيامة عند من لعل أدناهم عنده أوجه منه . فالله المسئول أن يخفف عنه ، وأن يلهمهم العفو عنه ، وأن يشفعهم فيه ا.هـ

    وقال قبل ذلك بأسطر : وقد قال شيخ الإسلام سيد المتأخرين تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى في كتابه / الاقتراح / أعراض المسلمين حفرة من حفر النار ، وقف على شفيرها طائفتان من الناس المحدثون والحكام / أي القضاة /

    وقال في الصفحة / 19 / من الجزء المذكور : ومما ينبغي أيضاً تفقده وقد نبه عليه شيخ الإسلام ابن دقيق العيد : الخلاف الواقع بين كثير من الصوفية وأصحاب الحديث فقد أوجب كلام بعضهم في بعض كما تكلم بعضهم في حق الحارث المحاسبي وغيره ، ثم قال الحافظ تاج الدين السبكي رحمه الله : وهذا في الحقيقة داخل في قسم مخالفة العقائد وإن عده ابن دقيق العيد غيره وقد وصل حال بعض المجسمة في زماننا إلى أن كتب شرح صحيح مسلم للشيخ محي الدين النووي وحذف من كلام النووي ما تكلم به على أحاديث الصفات فإن النووي أشعري العقيدة ، فلم تحمل قوى هذا الكاتب أن يكتب الكتاب على الوضع الذي صنفه مصنفه ، وهذا عندي من كبائر الذنوب فإنه تحريف للشريعة وفتح باب لا يؤمن معه بكتب الناس وما في أيديهم من المصنفات فقبح الله فاعله وأخزاه ، وقد كان في غنية عن كتابة هذا الشرح ، وكان الشرح في غنية عنه . 1.هـ

    أقول : قد فعل وهابية عصرنا مثل ذلك في كثير من كتب العلماء والأئمة ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر : طباعة كتاب الأذكار للإمام النووي رحمه الله مع حذف ما يتعلق بالتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وزيارته ، طباعة فتاوى الشيخ ابن تيمية رحمه الله مع حذف الجزء المتعلق بالتصوف ، طباعة رسائل الشيخ ابن عابدين رحمه الله مع حذف الرسائل التي كتبها في التصوف . فأية خيانة علمية يقع بها هؤلاء ؟

    وعلى ما ذكره المحدث التاج السبكي رحمه الله عن شيخه الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى أقول بياناً للحقيقة وإنصافاً للبحث العلمي النزيه ناقلاً كلاماً جاء في مقدمة سير أعلام النبلاء وهذا نصه :

    إن الحافظ الذهبي رحمه الله قد ميز بين طائفتين من الصوفية أولاهما كانت متمسكة بالدين القويم متبعة للسنة احترمهم الحافظ الذهبي الاحترام كله بل لبس هو خرقة التصوف من الشيخ ضياء الدين عيسى بن يحيى الأنصاري السبتي رحمه الله تعالى عند رحلته إلى مصر ، وكان يعتقد ببعض كرامات كبار الزهاد ويُعنى بإيرادها في كتابه بل يكثر منها عادة ويورد بعض أقوالهم وحكاياتهم في الزهد والمحبة فيه ، أما الثانية فقد عدهم الحافظ الذهبي مارقين عن الدين مشعوذين بهم مس من الجنون انظر الجزء /1/ من سير أعلام النبلاء ص132 .

    وقد نسب ما كان عليه الصحابة والتابعون إلى التصوف ونسبه إليهم فقال في الجزء /18/ فما أحلى تصوف الصحابة والتابعين ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس ، بل عبدوا الله وذلوا له وتوكلوا عليه وهم من خشيته مشفقون ولأعدائه مجاهدون وفي الطاعة مسارعون وعن اللغو معرضون والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

    وذكر في كتابه الكثير من تعاريف التصوف ونسبها إلى قائليها من أئمة السلف رحمهم الله تعالى ، وذكر الكثير من أعلام التصوف ورجاله بوصف / الصوفي / وعلى سبيل المثال لا الحصر :

    قال في ترجمة أبي حمزة الصوفي رحمه الله في الجزء / 13 / قال : قال لي أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى : يا صوفي ما تقول في هذه المسألة .

    - وقال في ترجمة الحافظ الأوحد أبي الفضل علي بن الحسين الهمذاني : وكان صوفياً مشمراً .

    - وقال في ترجمة : الفضل بن محمد بن عبيد العدل المأمون الصالح ، في تاريخ الإسلام : شيخ ثقة مشهور من بيت العدالة والصلاح ـ إلى قوله ـ وكان صوفياً مليحاً خيّراً .

    - وقال في ترجمة : الإمام الحافظ الجوال الرحال محمد بن طاهر ذي التصانيف المقدسي الأثري الظاهري الصوفي إلى قوله ـ كان صوفياً ملامتياً ـ .

    - وقال في ترجمة : حنبل بن علي أبي جعفر البخاري ثم السجستاني الصوفي نزيل هراة .

    - وقال في ترجمة : الشيخ الإمام الثقة أبي الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي الهروي ، قال ابن نقطة : كان صوفياً من جملة من لحقته بركة شيخ الإسلام ، لازم الفقر والورع إلى أن توفي .

    - وقال في ترجمة : الشيخ الإمام العالم المفتي المتفنن الزاهد العابد القدوة شيخ المشايخ أبي النجيب عبد القاهر بن عبد الله السهروردي الشافعي الصوفي الواعظ ، شيخ بغداد .

    أثنى عليه السمعاني كثيراً فقال : تفقه في النظامية ثم هبَّ له نسيم الإقبال والتوفيق فدله على الطريق .

    وقال عمربن علي القرشي : هو من أئمة الشافعية وعلم من أعلام الصوفية .

    - وقال في ترجمة ابن تاج القراء الشيخ الزاهد المعمّر أبي الحسن علي بن عبد الرحمن الطُّوسي ثم البغدادي ، قال السمعاني : كان صوفياً خدم المشايخ وتخلق بأخلاقهم .

    وغير هؤلاء كثير يُمكن للطالب المتخصص جمعهم من كتاب / سير أعلام النبلاء / في جزء مستقل .

    فالتورع والاحتياط يقتضيان أن نذكر في كل مسألة ما لها وما عليها وأنّ نذكر الأدلة والشُّبه وردها ، وألا نقبل قول العلماء بعضهم في بعض ، بل نحسِّن الظن بالجميع ونأخذ منهم الثناء والآداب ونترك لهم المطاعن والمثالب.



    5- ثم قال المعترض : إنّ مقولة / وقبر معروف ترياقٍ مجرَّب / رواها الحافظ الذهبي من قول إبراهيم الحربي وليست من قول الذهبي .

    أقول : لا بدَّ من التعرف على الراوي لهذه المقولة والمروية عنه وما هو رأي الحافظ الذهبي فيها :

    1- أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد الأزدي السُّلمي ، ترجم له الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : الإمام الحافظ المحدث شيخ خراسان وكبير الصوفية ، صاحب التصانيف ، صنف في علوم القوم سبع مئة جزء .

    وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من جمع الأبواب والمشايخ وغير ذلك ثلاث مئة جزء وكانت تصانيفه مقبولة .

    ثم قال : قال عبد الغافرين إسماعيل الفارسي : حدّث أكثر من أربعين سنة قراءة وإملاء وكتب الحديث بنيسابور ومرو والعراق والحجاز وانتخب عليه الحفاظ ﴿ الكبار ﴾ زيادة من الطبقات .

    ذكره الخطيب البغدادي فقال : محله كبير وكان مع ذلك صاحب حديث ، مجوداً ، جمع شيوخاً وتراجم وأبواباً وعمل دويرة للصوفية وصنّف سنناً وتفسيراً ا.هـ

    وفي لسان الميزان في ترجمته :

    وقال الحاكم : كان كثير السماع والحديث متقناً فيه من بيت الحديث والزهد والتصوف .

    وقال السراج : مثله إن شاء الله لا يتعمد الكذب ونسبه إلى الوهم ا.هـ

    وقال المحدث تاج الدين السبكي رحمه الله في طبقات الشافعية ما نصه : كان شيخ الصوفية وعالمهم بخراسان ، له اليد الطُّولى في التصوف والعلم الغزير والسير على سنن السلف ، روى عنه الحاكم أبو عبد الله وأبو القاسم القشيري وأبو بكر البيهقي وخلق سواهم .

    قال الخطيب : قال لي محمد بن يوسف القطّان : كان السُّلمي غير ثقة وكان يضع للصوفية

    قال الخطيب : قدر أبي عبد الرحمن عند أهل بلده جليل وكان مع ذلك محموداً صاحب حديث .

    قال التاج السبكي : قول الخطيب فيه هو الصحيح وأبو عبد الرحمن ثقة ولا عبرة بهذا الكلام فيه ا.هـ

    أقول : قال الأستاذ نور الدين شريبة الأزهري في مقدمته لكتاب – طبقات الصوفية –

    شيوخ السُّلمي : هناك شيوخ لهم أثر واضح في أبي عبد الرحمن ، أما أحدهم فالمحدث الحجة العالم أبو الحسن الدار قطني ،

    أقول : وقد أكثر المصنفون في الجرح والتعديل اعتماد روايته عن الدار قطني في الرجال توثيقاً وتجريحاً ، وقد ذكر الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء العشرات من رواياته تلك في أحوال الرجال ، ومثله الإمام ابن حجر رحمه الله في لسان الميزان ثم ذكر الأستاذ شريبة من لقيهم وروى عنهم ، وبعد ذلك ذكر تلاميذه ومن روى عنه فذكر فيهم : أبا بكر البيهقي الحافظ الفقيه وأبا بكر الشيرازي مسند خراسان ، وأبا محمد الجويني إمام عصره بنيسابور والد أبي المعالي ، وأبا القاسم القشيري ،

    وأبا عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم الحافظ المعروف بابن البيِّع رصيف أبي عبد الرحمن وزميله في التلقي عن الشيوخ ، وغيرهم .

    الثناء على أبي عبد الرحمن : قال معاصره الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء : ﴿ هو أحد من لقيناه ممن له العناية التامة بتوطئة مذهب المتصوفة وتهذيبه على ما بينه الأوائل من السلف ، مقتد بسيمتهم ملازم لطريقتهم متبع لآثارهم مفارق لما يؤثر عن المتخرمين المتهوسين من جُهال هذه الطريقة منكر عليهم ﴾

    قال في السير نقلاً عن الخشاب رحمه الله : وقد كان مرضياً عند الخاص والعام والموافق والمخالف والسلطان والرعية في بلده وسائر بلاد المسلمين ومضى إلى الله كذلك .

    وجاء في مرآة الزمان : قال فيه أبو عبد الله الحاكم : / إن لم يكن أبو عبد الرحمن من الأبدال فليس لله في الأرض ولي / .

    ثم قال الأستاذ شريبة : أبو عبد الرحمن ورأي العلماء فيه : بين الصوفية وبين الفقهاء والمحدثين بعامة والحنابلة منهم بخاصة صراع عنيف بدت بواكيره في النصف الأخير من القرن الثاني ، إلى قوله : وقد نال أبا عبد الرحمن في هذا الصراع ما ينال كل صوفي ينافح عن فكرته ويدعو إليها ، والذين حملوا على أبي عبد الرحمن أو نقدوه ردوا ذلك إلى أمرين :

    1- أنه ألف للصوفية / حقائق التفسير / 2- أنه كان يضع للصوفية الأحاديث .

    أقول : سأرجئ الكلام عن حقائق التفسير إلى موضعه من المناقشة .

    ثم قال : وأقدم من نعلمه رمى أبا عبد الرحمن بالوضع هو محمد بن يوسف القطان وهو من أهل نيسابور معاصر لأبي عبد الرحمن ولكنه لم ينل منزلته ، ولماذا لم نجد معاصراً آخر يرمي أبا عبد الرحمن بالكذب والوضع والاختلاق إلا القطان ، أهو وحده كان أنفذ بصيرة من كل من كانت تمتلئ بهم نيسابور وغير نيسابور من علماء الجرح والتعديل أعتقد / أن ذلك من قبيل الحسد ولا نقبل منه / مرآة الزمان .

    وقد قال فيه الخطيب / وقد كان مع ذلك صاحب حديث مجوداً /

    ثم قال : وخير القول في أبي عبد الرحمن هو قول الذهبي أنه كان للسلمي سؤالات للدارقطني عن أحوال المشايخ والرواة سؤال عارف ...... وأنه ليس بالقوي في الحديث .

    أقول : قد تبين بما تقدم اختلاف العلماء في أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله ما بين موثق له كالتاج السبكي ، ومجود لحديثه كالخطيب البغدادي ، ومضعف له في الحديث كالحافظ الذهبي .

    وللعلم فإن علماء الجرح لم يذكروه في الوضاعين ولا في الكذابين ، وإنما ذكر في الضعفاء .

    ثم كيف يعتمد المعترض طعن القطان فيه ولم يسلم له ذلك ، ولم يوافقه على ذلك أحد من علماء الجرح ، وقد تقدم أن من تلامذته والراويين عنه كبار الحفاظ كالبيهقي والحاكم فهل يرويان عن وضاع كذاب ، ولو حكمنا برد رواياته لاتهامه بالوضع والكذب كما ذهب إلى ذلك المعترض للزمنا أن نرد جميع ما رواه عن الحافظ الدارقطني من الجرح والتعديل في حق عشرات الرجال ، والتي اعتمد قوله فيها ورواية السلمي لها وذكرها في كتبهم كبار الحفاظ كالذهبي وابن حجر ، رحم الله الجميع وغفر لهم آمين .

    هذا حال الراوي لتلك المقولة أما المروية عنه فهو كما في سير أعلام النبلاء جزء /13/ .

    2- الشيخ الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام أبو إسحق إبراهيم بن إسحق البغدادي الحربي صاحب التصانيف قال أبو بكر الخطيب : كان إماماً في العلم رأساً في الزهد عارفاً بالفقه بصيراً بالأحكام حافظاً للحديث مميزاً لعلله قيماً بالأدب جماعة للغة صنف غريب الحديث وكتباً كثيرة .

    وقال أبو عبد الرحمن السلمي : سألت الدارقطني عن إبراهيم الحربي فقال : كان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه 1.هـ

    3- رأي الحافظ الذهبي رحمه الله في مقولة إبراهيم الحربي ـ قبر معروف ترياق مجرب ـ

    قال : يريد إجابة دعاء المضطر عنده لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء ، كما أن الدعاء في السحر مرجو ودبر المكتوبات وفي المساجد ، بل دعاء المضطر مجاب في أي مكان اتفق ، اللهم إني مضطر إلى العفو فاعف عني .

    أقول : الحافظ الذهبي رحمه الله قبل هذه المقولة فلم ينكرها ولم يردها ، خلافاً للمعترض ومن معه الذين رأوها مخالفة للشرع فردوها ، وسأناقش هذه المقولة من ناحية علم العقيدة وهل هي مخالفة للشرع كما ادعى هؤلاء ؟ في آخر هذا البحث .

    قال الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في رسالته : ﴿ كان من المشايخ الكبار مجاب الدعوة يستشفى بقبره يقول البغداديون قبر معروف ترياق مجرب ﴾ .

    قال الشارح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله : قال أبو عبد الرحمن الزهري : يقال : من قرأ عند قبره مائة مرة ـ قل هو الله أحد ـ وسأل الله تعالى ما يريد قضيت حاجته ، ومثله يذكر عن قبري أشهب وابن القاسم صاحبي الإمام مالك رضي الله عنه وهما مدفونان بمشهد واحد بالقرافة ، يقف الزائر بين قبريهما ويقرأ ما ذكر ويدعو متوجه القبلة فيستجاب له .

    أقول : شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله قبل هذه المقولة ولم يردَها ولم يرفيها مخالفة للشرع كما ادَعى المعترض . وانظر إلى قول القشيري رحمه الله : يقول البغداديون ولم يروها فقط عن إبراهيم الحربي ومعنى ذلك أنَ الأمر استفاض حتى بلغ مبلغ الشهرة والتواتر ورواه أهل بغداد وهم أمة وبمثل خبرهم يحصل القطع .

    جاء في فتاوى الشيخ محمد بن عبد الوهَاب حول التوسل والدعاء عند القبر في مجموع المؤلفات مانصَه :

    لا إنكار في مسائل الاجتهاد ، لكن إنكارنا على من دعا لمخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى ، ويقصد القبر يتضرع عند ضريح الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب منه تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإعطاء الرغبات .

    فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً ولكن يقول في دعائه : أسألك بنبيك أو بالمرسلين أو بعبادك الصالحين ، أو يقصد قبر معروف أو غيره يدعو عنده لكن لا يدعو إلا الله مخلصاً له الدين ، فأين هذا مما نحن فيه 1.هـ

    ففي كلامه جواز التوسل وجواز أن يقصد قبر معروف أو غيره للدعاء عنده ، فماذا يقول المعترض في فتوى إمامه ؟

    وأما قوله : ﴿ يستشفى بقبره ﴾ أي : وكذلك بقبور أهل الولاية والصلاح فقد جاء في كتاب / الحكايات المنثورة / للإمام الحافظ الثقة ضياء الدين المقدسي الدمشقي الصالحي الحنبلي رحمه الله تعالى : سمعت الشيخ الإمام العالم الحافظ أبا محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي المقدسي رحمه الله تعالى / كان خرج في عضدي شيء يشبه الدّمل وكان يبرأ ثم يعود ، ودام بذلك زماناً طويلاً فسافرت إلى أصبهان وعدت إلى بغداد وهو بهذه الصفة فمضيت إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه ومسحت به القبر فبرأ ولم يعد / .

    فما رأي المعترض في فعل هذا الإمام الحجة ، هل يعده مشركاً ؟ وهل يسميه قبورياً ؟ وهل يراه مخالفاً للشرع في فعله هذا ؟ وهو من هو فقهاً وعلماً وحفظاً ودراية ورواية .

    لقد ابتلي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن سلط عليه كفار قريش وثقيف صبيانهم وسفهاءهم فرموه بالحجارة حتى سال الدم من عقبيه صلى الله عليه وسلم ، وابتلي وراثه من أهل السنة أشعرية وماتريـديـة وصوفية بحدثاء الأسنان سفهاء الأحلام الذين يرمونهم بالقبائح وينسبون إليهم الرذائل ويتهمونهم بالشرك والضلال ويطعنون في دينهم وعلمهم ويجحدون فضلهم وينكرون معروفهم فإنا لله وإنا إليه راجعون وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير .

    مناقشة مقولة / وقبر معروف ترياق مجرب / عقيدة

    1* الأسباب العادية كلها العلوية والسفلية ليس لها تأثير ذاتي في المقادير ، يخلق الله تعالى عندها لا بها ولا بقوة مودعة فيها ما يشاء ويختار ، وكلها متساوية في الإمكان ، والإرادة تعلقت بكل ممكن تعلق تخصيص ، والقدرة تعلقت بكل ممكن تعلق إبراز .

    فالله تعالى يخلق الشفاء من غير تعاطي دواء ، ويخلق الشفاء عند تعاطي الدواء ، فالترابط بين الدواء والشفاء ترابط عادي يصح تخلفه ، وليس بينهما تلازم عقلي لا يصح معه التخلف .

    والله تعالى يخرق قوانين الأسباب العادية لمن شاء ومتى شاء سبحانه ، وهي المفتقرة إليه وهو الغني عنها ، وقدرته تعالى بحكم عموم تعلقها بالممكنات إبرازاً ، يكون من الجائز أن يُوجد الله تعالى عند سبب أدنى أو أعلى ما يوجده عند غيره من الأسباب لتساويها في الإمكان ولتعلق القدرة بها جميعها على السواء .

    ومن ذلك أن يخلق الله تعالى الشفاء عند ذكر اسم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في باب إذا خدرت رجل أحدكم أثرين وهما :

    1- برقم{895} روينا في " كتاب ابن السني " عن الهيثم بن حنش قال : ﴿ كنا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، فخدرت رجله ، فقال له رجل : اذكر أحب الناس إليك ، فقال : يا محمد صلى الله عليه وسلم ، فكأنما نُشط من عقال ٍ ﴾ {ابن سني :170}

    2- برقم{896} وروينا فيه عن مجاهد قال : ﴿ خدرت ِرجلُ رَجُلٍ عند ابن عباسٍ ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : اذكر أحب الناس إليك ، فقال : محمد صلى الله عليه وسلم ، فذهب خدره ﴾ {ابن سني: 169 }

    وليس هذا بممتنع شرعاً لوروده ولا عقلاً ، فهل يخلق الله تعالى الشفاء مثلاً عند حبة { أسبيرين} ولا يخلق الشفاء عند ذكر اسم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق وأفضلهم وأعلى الأسباب الخلقية في الأرض وفي السماء ؟ وهل يكون للسبب الأدنى ما لا يكون للسبب الأعلى ؟

    2* ومن ذلك أن الله تعالى أزال الغشاوة من عيني سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام عند إلقاء قميص ابنه سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام على وجهه كما قال تعالى حكاية : ﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا {يوسف:93} فقام القميص مقام الدواء لتساويهما في الإمكان ولتعلق القدرة بهما على السواء .

    3* ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل ريقه الشريف في مداواة سيدنا علي رضي الله عنه يوم خيبر وكان أرمد ففي صحيح البخاري : ﴿ فَقَالَ أَيْنَ عَلِيٌّ فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَأَمَرَ فَدُعِيَ لَهُ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ مَكَانَهُ حَتَّى كَأَنَّه لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ { برقم 2724} وتفل في عين قتادة رضي الله عنه بعد ما قلعت وردها إلى مكانها فكانت أحدّ عينيه فقام الريق مقام الدواء ، ففي مصنف ابن أبي شيبة : ﴿ حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن قتادة بن النعمان سقطت عينه على وجنتيه يوم أحد فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت أحسن عينيه وأحدهما. ﴾ ورواه الحاكم في مناقب قتادة ابن النعمان رضي الله عنه فقال : ﴿ وشهد قتادة بن النعمان العقبة مع السبعين من الأنصار ، وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، شهد بدرا وأحدا ورميت عينه يوم أحد ، فسالت حدقته على وجنته ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إن عندي امرأة أحبها ، وإن هي رأت عيني خشيت تقذرها ، « فردها رسول الله بيده » ، فاستوت ورجعت ، وكانت أقوى عينيه وأصحهما بعد أن كبر { برقم5286 } ورواه البيهقي وأبو يعلى وأبو نعيم والطبراني بألفاظ متقاربة .

    4* ومن ذلك استشفاء الصحابة رضي الله عنهم بثوبه صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله { ففي الحديث الصحيح عند مسلم برقم 3855 } : عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت في حديث طويل : ﴿ هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ فَقَالَتْ هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهَا فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم 14/44 : ﴿ وفي الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم ﴾ انتهى .

    5- حديث أمر العائن بالوضوء وغسل داخلة إزاره وصبه على المعين ﴿ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ

    كَانَ يُؤْمَرُ الْعَائِنُ فَيَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْمَعِينُ {رواه أبو داود برقم 3382} وفي رواية البيهقي ﴿ ثم يغمس داخلة ازاره اليمنى في الماء ثم يقوم الذى في يده القدح بالقدح فيصبه على رأس المعيون من ورائه وفي رواية النسائي ﴿ على ما يقتل أحدكم أخاه إذا رأى ما يعجبه فليدع بالبركة ثم أمره أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين والركبتين وداخلة إزاره فأمره أن يصب عليه

    فعلى هذا يصح أن يخلق الله تعالى الشفاء عند التمسح بقبر نبيٍّ أو وليٍّ أو الوقوف والدعاء عنده وقد ثبت فعل ذلك عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وإليك بعض الأدلة :

    1- اعتنق سيدنا أبو أيوب رضي الله عنه قبر النبي صلى الله عليه وسلم قال في مجمع الزوائد : باب وضع الوجه على قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ عن أبي داود بن أبي صالح قال أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر فقال أتدري ما يصنع فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب فقال نعم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أرد الحجر ﴾ . وهو بتمامه في كتاب الخلافة رواه أحمد وداود ابن أبي صالح قال الذهبي لم يرو عنه غير الوليد بن كثير وروى عنه كثير ابن زيد كما في المسند ولم يضعفه أحد.

    وقال أيضاً : باب ولاية المناصب غير أهلها

    عن داود بن أبي صالح قال: ﴿ أقبل مروان يوماً فوجد رجلا واضعاً وجهه على القبر فقال: أتدري ما يصنع فاقبل عليه فإذا هو أبو أيوب فقال: نعم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم آت الحجر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لاتبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا على الدين إذا وليه غير أهله ﴾ . رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وفيه كثير بن زيد وثقه أحمد وغيره وضعفه النسائي.



    2- عن معاذ بن جبل رضي الله عنه : ﴿ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَمَنِ ، فَقَالَ : لَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِقَبْرِي وَمَسْجِدِي ﴾{رواه أحمد}

    3- فتوى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في جواز ذلك ، فقد جاء في كتاب الجامع في العلل ومعرفة الرجال قال الإمام الثقة عبد الله بن أحمد سألت أبي عن الرجل يمس منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله عزّ وجل فقال لا بأس بذلك .

    4- قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في كتابه اقتضاء السراط المستقيم ص/374/ ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندهم وتوقي الشياطين والبهائم لها واندفاع النار عنها وعمن جاورها وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى واستحباب الاندفاع عند بعضهم وحصول الإنس والسكينة عندهم ونزول العذاب بمن استهان بها فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه ، وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق ، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك ا.هـ

    5- حديث عائشة رضي الله عنها في الكُوى ، قال الإمام الدارمي في سننه باب ما أكرم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بعد موته : ثم روى بإسناد عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله قال : ﴿ قُحِطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَحْطاً شَدِيداً ، فَشَكَوْا إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ : انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَاجْعَلُوا مِنْهُ كِوًى – أي : نوافذ مفتحة - إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى لاَ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سَقْفٌ. قَالَ : فَفَعَلُوا فَمُطِرْنَا مَطَراً – أي : كثيراً - حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ وَسَمِنَتِ الإِبِلُ حَتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ فَسُمِّىَ عَامَ الْفَتْقِ ﴾ .



    6- حديث ضرب الملائكة القبر الشريف بأجنحتها فقد روى الدارمي بإسناده أن كعباً – أي : كعب الأحبار – ﴿ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ كَعْبٌ : مَا مِنْ يَوْمٍ يَطْلُعُ إِلاَّ نَزَلَ سَبْعُونَ أَلْفاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ حَتَّى يَحُفُّوا بِقَبْرِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم يَضْرِبُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا عَرَجُوا وَهَبَطَ مِثْلُهُمْ فَصَنَعُوا مِثْلَ ذَلِكَ ، حَتَّى إِذَا انْشَقَّتْ عَنْهُ الأَرْضُ خَرَجَ فِى سَبْعِينَ أَلْفاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ يَزِفُّونَهُ ﴾ .

    ورواه البيهقي في شعب الإيمان بلفظ مقارب .

    وفي رواية ابن النجار وغيره ﴿ يضربون قبر النبي صلى الله عليه وسلم - أي : يمسحون القبر الشريف بأجنحتهم تبركاً وتشرفاً به – ويصلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط ﴾ .

    وفي رواية البيهقي : ﴿ يوقرونه ﴾ ، قال الحافظ الزرقاني : أي : يعظمونه صلى الله عليه وسلم إكراماً .

    قال : ولعل كعباً علم هذا من الكتب القديمة لأنه حبرها ا.هـ ، ورواه ابن النجار وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ والقرطبي في التذكرة كما في المواهب .

    وروى هذا الأثر أيضاً الحافظ إسماعيل القاضي بسنده وهو جيد في المتابعات والشواهد والمناقب وفضائل الأعمال ا.هـ أفاده شيخنا المحدث محمد بن علوي المالكي رحمه الله تعالى في كتابه القيم / مفاهيم يجب أن تصحح / وذكره شيخنا المحدث عبد الله سراج الدين رحمه الله تعالى في كتابه / سيّدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم - شمائله الحميدة وخصاله المجيدة .

    7- ذكر القاضي عياض رحمه الله في الشفا فصل في أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان في حياته وبإسناده إلى ابن حميد قال : ناظر أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوماً فقال : ﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾{الحجرات:2} ، ومدح قوماً فقال : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾{الحجرات:3} ، وذم قوماً فقال : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾{الحجرات:4} وإنّ حرمته ميتاً كحرمته حياً فاستكان لها أبو جعفر وقال يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله قال الله تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾{النساء:64} .

    قال المحدث أبو الفضل الغماري رحمه الله : فهذه الحكاية عن الإمام مالك رحمه الله صريحة في جواز التوسل بل استحبابه وهي وإن كانت ضعيفة الإسناد فقد تلقاها أهل المذهب بالقبول وعملوا بمقتضاها وناهيك بالقاضي عياض حيث استدل بها ولم يعقبها بما يخالفها ولهذا لا يحفظ عن أحدٍ من المالكية قول بمنع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو كراهته بل كلهم متفقون على جوازه واستحبابه ا.هـ



    أقول : وجميع ما حصل من الاستشفاء بجبته صلى الله عليه وسلم وعند قميص سيدنا يوسف عليه السلام ويحصل عند قميص العائن إنما هو باعتبار سريان ما في الروح إلى الجسد ومنه إلى الثوب ، فالأصل الروح وما يتنزل عليها والجسد والثياب تابعة ، فيسري سر الاختصاص من الباطن إلى الظاهر فيكون تابعاً له فيه ، فإذا خرجت الروح من الجسد بقي سر الاختصاص فيها ولها صلة ببدنها كصلة أشعة الشمس بذرات التراب وهو أحد أقوال ذكرها الشيخ ابن القيم في كتاب الروح ، والروح عندما تقبض لا تحول الكثائف من الأسقفة المتعددة المبنية في زماننا من الإسمنت والحديد بينها وبين الخروج والعروج ، فلو قُدِّر وجود مائة سقف في بناءٍ وقبض إنسان في الطابق الأرضي لاخترقت روحه تلك الأسقفة كلها مع ملائكة الموت عليهم السلام حتى تعرج إلى السموات السبع ، وإذا كان في عصرنا اليوم تخترق الأشعة الأجسام الكثيفة حتى تصور ما وراءها أفلا تخترق الملائكة والأرواح الممدَّة بعالم الأمر تلك الأجسام ؟ بلى .



    فإذا اخترقت الروح في عروجها الأجسام وعرجت إلى السموات تعود بعد عروجها فتدخل بين الكفن وبين الجسد عند حمله والصلاة عليه فإذا وُضع في القبر دخلت الروح في الجسد من أجل سؤال الملكين الكريمين ، وبعد ذلك أرواح المقرّبين والمؤمنين لا تبقى في القبر ولا تحبس فيه بل يؤذن لها بالإطلاق البرزخي على اختلافِ مقامات الأرواح في ذلك وأفلاكها ، قال تعالى : ﴿ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ{88} فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ﴾{الواقعة:88/89} قال الإمام مالك رحمه الله : قوله : بلغنا أن أرواح المؤمنين تروح حيث شاءت ، وفي الحديث : ﴿ إن أرواح الشهداء في طير خضر تعلق حيث شاءت{رواه الطبراني} ﴿ إنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي طَائِرٍ خُضْرٍ ، تَعْلُقُ مِنْ ثَمَرِةِ الْجَنَّةِ ﴾{رواه أحمد} ، وعن كعب بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ إنما نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يبعثه الله إلى جسده يوم يبعث ﴾{رواه مالك وأحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان} ويكون لها زيارة لبدنها في القبر من بعد عصر يوم الخميس إلى ما قبل طلوع شمس يوم السبت كما نقل ذلك الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه في كتابه الغنية ، والشيخ ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح .

    وحين هبوط الروح من العالم العلوي إلى القبر تخترق البناء الذي عليه إن وجد أو التراب واللّبن وتستقر مع جسدها ، والرُّوح تكون محمّلة بأنوار الملكوت العلوي والمواهب اللدنية فحين مرورها بالقبر واختراقها له كاختراق الأشعة يسري ما في الروح من الأنوار إلى ذرات التراب التي لا مستها عند الاختراق فتحمل شيئاً من خصائصها وأنوارها ويكون لها ذلك بمنزلة الجسد والقميص الذي عليه ، فكما حمل الجسد والقميص أسرارها وأنوارها تحمل ذرات التراب الملامسة لها مثل ذلك فعندما يتمسح به مريض يسري من أثر تلك الأرواح النورانية الصاعدة والهابطة إلى يده وجسده ما يجعل الله تعالى عنده الشفاء هذا من أثر الروح فكيف بما يكون معها ولها من هبوط الملائكة عليهم السلام على قبورهم وصعودهم غدواً وعشياً والملائكة عليهم السلام يهبطون من جهة السماء على القبور ويدخلون عليهم قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ{30} نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾{فصلت:30/31} ، فاختلط بذرات تلك القبور نور الأرواح ونور الملائكة فصح التمسح به ويخلق الله تعالى الشفاء عنده إذا شاء كما يخلقه عند الأسباب الأخرى سواء .

    وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم عند المرور بقبور الظالمين أن نسرع خشية أن يصيبنا ما أصابهم ، ففي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ ﴾ ، وعنه رضي الله عنهما قَالَ : ﴿ لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجْرِ قَالَ لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الْوَادِيَ ﴾ .

    ويُفهم من الحديث بمفهوم المخالفة ألا نسرع عند قبور الصالحين ليصيبنا ما يصيبهم من الرَّحمات والنفحات بل نتباطأ ونجلس، لأن الله تعالى لا يجعل حياة المسلمين ومماتهم كالمجرمين في حياتهم ومماتهم سواء قال تعالى : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ{35} مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾{القلم:35/36} وقال : ﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾{الجائية:21} .



    أقول : تبين بهذا صحة وصف قبور الأنبياء والأولياء بأنها ترياق مجرب وأن ذلك ليس مخالفاً للعقيدة ، وقد تأيّد بفعل وفتاوى الأئمة رحمهم الله تعالى وجزاهم خيراً آمين ومن ذلك :

    آ- قال الحافظ الخطيب في تاريخ بغداد وبإسناده إلى الحسن ابن إبراهيم أبي علي الخلال قال : ما أهمني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر الكاظم رحمه الله تعالى فتوسلت به إلا سهل الله تعالى لي ما أحب ، والخلال أحد أئمة الحنابلة .

    ب- قال الحافظ الخطيب في تاريخ بغدلد أيضاً وبإسناده إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال : إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم يعني زائراً فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى .

    ج- قال الحافظ التاج السبكي رحمه الله في طبقات الشافعية في ترجمة الغزالي الكبير واسمه أحمد بن محمد رحمه الله تعالى : قال : حكى لي سيدنا الشيخ الإمام العلامة ولي الله جمال الدين عمدة المحققين محمد بن محمد الجمالي أنّ قبر الغزالي القديم مشهور بمقبرة طوس وأنهم يسمونه الغزالي الماضي وأنه جُرِّب من أمره أنّ من كان به همٌّ ودعا عند قبره استجيب له ا.هـ

    د- وذكر أيضاً في ترجمة ابن فورك أنّ الإمام الشهيد أبا الحجاج يوسف المالكي قبره ظاهر خارج باب الصغير بدمشق معروف باستجابة الدعاء عنده .

    هـ- ونقل أيضاً عن عبد الغافر الفارسي : أنّ قبر ابن فورك ظاهر بالحيرة يستسقى به ويستجاب الدعاء عنده .

    و- ونقل الإمام النووي في ترجمة الإمام نصر المقدسي قال : سمعنا الشيوخ يقولون : الدعاء عند قبره يوم السبت مستجاب .

    ز- وحكى الحافظ أبو بكر ابن المقري في مسند أصبهان أنه واثنين من كبار حفّاظ السنة وعلماءها وهما الطبراني وأبو الشيخ أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبره وشكوا إليه الجوع فأغاثهم الله وأطعمهم على يد شريف بأمر منه صلى الله عليه وسلم . ونقل هذه الحكاية الحافظ السخاوي رحمه الله في القول البديع .

    فماذا يقول المعترض ومن معه عن أولئك الأئمة وهل هم مشركون قبوريون ؟



    6- ثم قال المعترض : قال الحافظ ابن حجر ﴿ رحمه الله ﴾ في لسان الميزان : أبو عبد الرحمن ابن حسين السلمي ..... تكلموا فيه وليس بعمدة .

    أقول : هذا القول منه دال على ضعفه وليس فيه اتهامه بالوضع والكذب ، وقد تقدم عن لسان الميزان قول الحاكم / كان كثيرا السماع والحديث متقناً فيه / وقول السراج : مثله إن شاء الله لا يتعمد الكذب ونسبه إلى الوهم .

    وقد ذكر ذلك الإمام ابن حجر رحمه الله في الترجمة نفسها فانظر أخي القارئ المنصف إلى فعل المعترض أخذ من الترجمة قولاً واجتزأه من جملة الترجمة وترك بقية أقوال الأئمة فيه من الموضع ذاته ، فهل هذا من الأمانة العلمية والنزاهة في البحث والنقل ؟

    7- ثم قال المعترض : قال الحافظ الذهبي في السير : قال الخطيب قال لي محمد بن يوسف القطان الخ

    أقول : أخذ المعترض من الترجمة قول الإمام الخطيب الذي روى فيه قول القطان ، وترك قول الخطيب ذاته فيه والذي اعتمده المحدث السبكي في الطبقات واعتبره توثيقاً من الخطيب له وهو : ﴿ وكان مع ذلك محموداً صاحب حديث ﴾ وقد تقدم .

    والحافظ الذهبي رحمه الله عندما ترجمه قال : / الإمام الحافظ المحدث شيخ خراسان وكبير الصوفية / فوصفه بالإمامة وعدّه من الحفاظ ومن المحدثين ، والمعترض الذي اجتزأ كلام القطان من الترجمة لم ينقل ما قاله الخطيب كما تقدم ولم ينقل وصف الذهبي له بالإمام الحافظ المحدث ، فأين الأمانة يا جامع القراءات العشر ؟

    8- ثم قال المعترض : نقلاً عن الحافظ الذهبي رحمه الله : وفي حقائق تفسيره أشياء لا تسوغ أصلاً عدها بعض الأئمة من زندقة الباطنية .

    أقول :

    1 - سأنقل هنا كلام الأستاذ نور الدين شريبة الأزهري فيما يتعلق بكتابه حقائق التفسير كما وعدت من قبل ثم أعلّق عليه :

    قال : أنت لو قرأت هذا التفسير لم تجد فيه لأبي عبد الرحمن رأياً خاصاً ، إنما هي آراء القوم وفهمهم ، جمعها في كتاب أخرجه للناس ، قال في كشف الظنون / لكن المفسرين من أهل الظواهر تكلموا فيه على ما هو رأيهم في أمثاله /

    أقول : ثم نقل الأستاذ الأزهري كلام الحافظ الذهبي رحمه الله وفيه : في حقائق التفسير أشياء لا تسوغ أصلاً عدَّها بعض الأئمة من زندقة الباطنية ، وعدَّها بعضهم عرفاناً وحقيقة ، ونعوذ بالله من الضلال ومن الكلام بالهوى .

    فالمعترض اجتزأ كلام الذهبي هذا ووقف عند الباطنية ، ولم يذكر ما قاله الحافظ الذهبي بأنّ بعضهم عدَّها عرفاناً وحقيقة .



    ثم قال الأستاذ شريبة : بل إنه – أي الحافظ الذهبي – ليرى أنّ ما في هذا الكتاب تخريف وقرمطة –

    أقول : ذكر الإمام التاج السبكي رحمه الله في الطبقات ما نصه : قال شيخنا أبو عبد الله الذَّهبي : كان - يعني السُّلمي - وافر الجلالة له أملاك ورثها من أمه وورثتها هي من أبيها وتصانيفه يقال : إنها ألف جزء ، وله كتاب سمّاه – حقائق التفسير – ليته لم يصنفه فإنه تحريف وقرمطة فدونك الكتاب فسترى العجب ا.هـ

    ثم قال السبكي رحمه الله : قلت : لا ينبغي له أن يصف بالجلالة من يدّعي فيه التحريف والقرمطة ، وكتاب – حقائق التفسير- المشار إليه قد كثر الكلام فيه ، من قبل أنه اقتصر فيه على ذكر تأويلات ومحالّ للصوفية ينبوعنها ظاهر اللفظ ا.هـ

    ثم قال الأستاذ شريبة : ويراه السيوطي رحمه الله تفسيراً غير محمود ، والقرآن حمّال ذو وجوه ، وأبو عبد الرحمن راوية ، وناقل الكفر ليس بكافر ، فهذه حملة ظالمة على أبي عبد الرحمن .

    أقول : قوله ناقل لكفر ليس بكافر : إذا كان الكلام صريح الكفر قطعي الدلالة عليه لا يقبل التأويل بوجه ما ، ونقله الناقل مقراً له راضياً به فهو كفر ، وإذا نقله منكراً له أو مستفسراً عن مكان الشبهة فيه لرده أو ناقلاً له بقصد الردّ والإنكار أو إقامة شهادة عند القاضي فليس بكفر .

    ثم قال الأستاذ شريبة : وبرغم هذا فإنه إذا كان المفسرون من أهل الظواهر قد تكلموا فيه على ما هو رأيهم في أمثاله فإنّ هذا الكتاب قد لقي رواجاً وقبولاً عند خاصة العلماء حتى في حياة مؤلفة ، قال السلمي : لما دخلنا بغداد قال لي الشيخ أبو حامد الأسفرايني أريد أن أنظر في حقائق التفسير فبعثت به إليه فنظر فيه وقال : أريد أن أسمعه ووضعوا لي منبراً ا.هـ

    أقول : ينبغي أولاً ذكر ما يتعلق بكتاب / حقائق التفسير / وغيره من التفاسير المنسوبة إلى أهل التصوف من السلف والخلف من حيث الثبوت ومن حيث الدلالة :

    آ- أما من حيث الثبوت فإنه إما قطعي الثبوت إلى المؤلف بجملته وإما ظني الثبوت ، فإن كان قطعي الثبوت بجملته لا نحكم بأن كل كلمة فيه قطعية الثبوت لاحتمال دسها وقد وقع ذلك كثيراً في كتب الصوفية عامة وإن كان ظني الثبوت بجملته فإنّ ذلك يعني أنه نسب إليه وليس من تأليفه .

    ب- وأما من حيث الدلالة فإنه إما قطعي الدلالة على الكفر الصريح ولا يقبل التأويل بوجهٍ صحيح ألبتة وهذا نادر الوقوع بل لا يكاد يُوجد ، وإن وجد لا ندري هل بقي قائله على اعتقاده ومات عليه أم رجع عنه ؟ فيتعين الإمساك عن القائل وتفويض أمره إلى الله تعالى من غير قطع أنه من أهل النار ، وإما ظني الدلالة فيحتمل الكفر وغيره ويقبل التأويل بوجهٍ صحيح تقبله قواعد العقائد الصحيحة والأصول .

    وبناءً على ذلك فكتاب حقائق التفسير إن كان قطعي الثبوت إلى الإمام أبي عبد الرحمن السُلمي رحمه الله تعالى بجملته ، فإننا لا نستطيع الحكم على كل كلمة فيه أنها قطعية الثبوت لأننا لم نسمعها من قائلها ولم تصل إلينا بالتواتر الذي يفيد القطع وتحتمل أنها مدسوسة على القائل ومنسوبة إليه كذباً من أعدائه أو حساده عبر قرون من الزمن .

    والكلمات التي فيه ظنية الدلالة بمعنى أنها تحتمل وجوهاً من التأويل ، منها ما يتوافق مع القواعد والأصول ، وهو الذي نرجحه ونعمل به تغليباً لحسن الظن بالمسلمين وأنهم ماتوا على التوحيد إن شاء الله تعالى ، ولأن نخطئ في الحكم على رجل بالإيمان وهو عند الله كافر خير من أن نخطئ في تكفيره وهو عند الله مؤمن .

    وقد قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله محذراً من المجازفة بالتكفير : إنّ القول قد يكون كفراً فيطلق القول بتكفير صاحبه ويقال : من قال هذا فهو كافر لكنّ الشخص المعيّن الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها وهذا كما في نصوص الوعيد فلا يشهد على معيّن من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع فقد يتوب من فعل المحرّم وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة المحرّم وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه وقد يشفع فيه شفيع مطاع .

    2- قسم علماء التفسير رحمهم الله تعالى ما كتب في التفاسير إلى ثلاثة أقسام :

    آ- التفسير الظاهر سواء كان بالأثر أو باللغة وقواعد العلم وأصوله ، وهو الحق المقدم على غيره من التفاسير ولا يصح إنكار شيء منه وذلك كتفاسير الأئمة ابن كثير والقرطبي والبيضاوي والنسفي وأبي السعود والشوكاني والخازن والآلوسي وأمثالهم رحمهم الله تعالى .

    ب- التفسير الإشاري وهو الذي كتبه علماء الصوفية كإشارات وفهوم يترقى بها حال السالكين في أثناء سلوكهم إلى الله تعالى من غير تعطيل ما ذهب إليه أهل التفاسير الظاهرة ومن غير تعطيل الأحكام الشرعية والحدود ، وقد استقر رأي جمهور علماء التفسير والأصول على قبول هذا القسم من التفسير وعدم إنكاره على قائليه علماء التصوف ما دام لا يعطل الشريعة ولا ينكر أحكامها الظاهرة .

    جـ- التفسير الباطني وهو من وضع الباطنية الذين ادعوا أن ظاهر الآيات القرآنية من الفرائض والمحرمات ليس مراداً وإنما المراد أمور باطنية معنوية لا علاقة لها بالظاهر .

    وهؤلاء ليسوا من الصوفية ولا من التصوف في شيء وإن ادعوا ذلك تستراً وتقيّة ، ومن نسبهم إلى الصوفية فقد أعظم الفِرية ، والصوفية كلهم خصماؤه يوم القيامة بنسبة هؤلاء إليهم .

    أقول : يراجع للزيادة في هذا البحث كتاب / التفسير والمفسرون / للدكتور الذهبي رحمه الله تعالى .

    وبناءً على ما تقدم فما يوجد في كتاب / حقائق التفسير وغيره / إن كان من قبيل التفسير الشرعي الظاهر أو التفسير الإشاري فهو مقبول ، وما كان من قبيل التفسير الباطني فهو مردود ، ولا يصح لنا القطع بنسبته إلى معين ولا تكفيره سواء روي عنه أو نسب إليه بل يتعامل معه على أنه قول مجهول قائله ومن اعتقده أنه تفسير لكتاب الله ومراد له فإنه يُكفر ، فالحكم على المعتقد له لا على من رُوي عنه أو نسب إليه لاحتمال دسه وافترائه عليه ، ولاحتمال رجوعه عنه وعلى هذا يحمل قول الإمام أبي الحسن الواحدي رحمه الله والذي نقله عنه الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى في فتاويه .

    9- ثم قال المعترض : فإنه من غير المقبول ذكر كلام ليس له مستند شرعي فكيف بكلام مخالف للشرع ؟

    أقول : يعني بكلامه هذا الحافظ الذهبي رحمه الله فإنه أورد كلمة / قبر معروف ترياق مجروب / ويراها المعترض مخالفة للشرع وقد تقدم بطلان قوله هذا وبيان موفقتها للشرع وأدلة ذلك .

    ثم إنه بكلامه هذا ينسب إلى الحافظ الذهبي أنه أورد في كتابه أو كتبه ما يخالف الشرع ولم ينكره ولم ينبه عليه بل أورده مقرّاً له وراضياً به – ومن فعل ذلك يخشى عليه الكفر فالذهبي وغيره في نظر المعترض إذاً مخالفون للشرع ومظنة وقوع الكفر قائمة في حقهم وماذا يريد المعترض وأمثاله من هذه الفكرة الهدّامة لكل درجات الثقة والتوثيق بعلماء الأمة وحفّاظها والذين دونوا قواعد الحق وأدلته والتي أجمع عليها الأئمة والعلماء سلفاً وخلفاً ؟

    فلتهنأ أيها الإمام الذهبي بهؤلاء التلاميذ البررة – المعترض ومن على شاكلته – والذين يتهمونك أنك ممن يعرف الحق بالرجال بينما هم عرفوا الرجال بالحق ، لقد عرفوا من الحق ما لم تعرف وتبين لهم أنك على ضلال .



    أما نحن فنردُّ على الثقة القول الشاذ الذي ينفرد به في العقيدة والفقه والحديث والتصوف ويكون به مخالفاً لما قاله جماهير الثقات قبله وبعده وخارقاً لإجماعهم ، من غير أن يقدح ذلك في ثقته وعدالته وعلمه وإمامته ، إلا إذا عُرف ببدعةٍ ضلالةٍ في العقيدة وكان داعية إليها فحينئذٍ لا تصح الرواية عنه ويكون ذلك قادحاً في توثيقه وإمامته . وبهذا نطبق قول من قال : نحن قوم نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال .



    10- ثم قال المعترض : واللافت للانتباه أنّ الجفري لم يقتدِ بالحافظ الذهبي عندما حكم على الأحاديث والقصص ... الخ

    أقول : قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴾{القلم:39} الحكم الذي تحكم به على غيرك أنت تحكم به على نفسك ، فهو حكم منك عليك ، أنت أيها المعترض في الصفحة ذاتها لم تقتدِ بالحافظ الذهبي رحمه الله في قبوله مقولة ﴿ قبر معروف ترياق مجرب ﴾ وجعلته مخالفاً للشرع خارجاً عنه وجعلته من الذين عرفوا الحق بالرجال ، بينما اعتمدت قوله في الصفحة ذاتها عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه غير ثقة وأنه كان يضع للصوفية فأنت لم تقبل جميع ما قاله الذهبي لأنه خالف بدعتك ، فكيف تلزم الحبيب الجفري بقبول جميع ما قاله فيما شذّ به عن الجماعة ؟

    إذا كنت تجرؤ على ردِّ الحق بالباطل فنحن أجرأ منك في رد الباطل بالحق ، ونحن مع الجماعة ، ومن شذّ عن الجماعة فهو إلى النار ، هل تقبل أيها المعترض جميع ما قاله الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه / سير أعلام النبلاء / من تعاريف التصوف ومن خوارق العادات والكرامات ومن أقوال العباد والزُّهاد التي ذكرها في كثير من التراجم ؟ فإذا كنت لا تقبله وهو حق كيف تلزم أهل الحق بقبول ما هو باطل ؟ ألا فاتق الله ، ودلَّ هذا الذي لفت انتباه المعترض أنه ليس بمنتبه ولا نبيه لأنه وقع فيما أنكره على غيره .



    11- ثم قال المعترض : ذكر القاضي عياض ﴿ رحمه الله ﴾ في كتابه / الشفا / في حكم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم ثم أورد قولين عن الإمام مالك رحمه الله تعالى :

    أقول : رجعت إلى كتاب الشفا فوجدت فيه : الفصل التاسع / حكم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وفضيلة من زاره وسلم عليه وكيف يسلم عليه / فحذف المعترض من كلام القاضي عياض رحمه الله / وفضيلة من زاره وسلم عليه وكيف يسلم عليه / وهذا الحذف متعمد لأن الوهابية لا يرون فضيلة في زيارته صلى الله عليه وسلم ، و يرون أن السفر بهذا القصد معصية ، خلافاً لأهل السنة والجماعة الذين ذكر القاضي عياض رحمه الله مذهبهم في الباب المذكور بقوله :

    - وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها ، ثم أورد أحاديث رويت في فضل زيارته صلى الله عليه وسلم وهي وإن كانت ضعيفة إلا أنها بمجموعها تتقوى لا سيما وقد قال بها جماهير علماء أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً .

    ثم قال القاضي عياض : وكره مالك أن يقال : زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم / ثم أورد اختلاف العلماء في وجه الكراهة / وقال : قال أبو عمران رحمه الله : إنما كره مالك أن يقال : طواف الزيارة وزرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم لاستعمال الناس ذلك بينهم بعضهم لبعض وكره تسوية النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس بهذا اللفظ وأحب أن يُخَص بأن يقال : سلمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأيضاً فإن الزيارة مباحة بين الناس وواجب شد المطي إلى قبره صلى الله عليه وسلم ، يريد بالوجوب هنا وجوب ندب وترغيب وتأكيد لا وجوب فرض .

    والأولى والذي عندي أن منعه وكراهة مالك رحمه الله لإضافته لقبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لو قال : زرنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد بعدي ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد . فمحى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه بفعل أولئك ، قطعاً للذريعة وحسماً للباب والله أعلم .

    ثم قال : وقال ابن أبي فُديك / الإمام الثقة روى عنه الستة وأحمد / سمعت بعض من أدركت يقول : بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً{الأحزاب:56}،ثم قال : صلى الله عليك يا محمد من يقولها سبعين مرة ناداه ملك صلى الله عليك يا فلان ولم تسقط له حاجة ، ورواه البيهقي في شعب الإيمان .

    ثم قال : قال مالك في رواية ابن وهب : إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ، ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده .

    ثم أورد قول مالك في المبسوط : قال العامة الخفاجي في حاشيته على الشفا عند قول الإمام مالك رحمه الله المذكور : وظاهره أن مذهب مالك عدم استحباب الوقوف مطلقاً ونقل الشافعية عنه أنّ استحباب عدم الوقوف عنده لأهل المدينة المقيمين بها لا للغرباء الزوار فإنهم يستحب لهم الوقوف للدعاء له صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ففرق بين المدني وغيره فلا يجعل المدني قبره الشريف كالمسجد يأتيه في أكثر أيامه للعبادة والقربة بناءً على قاعدته في سد الذرائع .

    وقال نافع كان ابن عمر رضي الله عنهما يسلم على القبر رأيته يفعل ذلك مائة مرة وأكثر يجيء إلى القبر فيقول السلام على النبي السلام على أبي بكر السلام على أبي ثم ينصرف رواه البيهقي وغيره .

    وأورد ما رواه ابن سعد أنه رئي ابن عمر رضي الله عنهما واضعاً يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه .

    ثم قال : قال مالك في كتاب محمد : ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل وخرج / يعني في المدينة / وفيما بين ذلك ، قال محمد : وإذا خرج جعل آخر عهده الوقوف بالقبر ...... وكذلك من خرج مسافراً .

    ثم قال المعترض : وقال مالك في المبسوط : وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء ، وقال فيه أيضاً : لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر ، فقيل له : إن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يرويدنه ...الخ ما نقله المعترض .

    أقول : حذف المعترض من الكلام الذي نقله من الشفا ونقله عن مالك رحمه الله في المبسوط قوله : وقال فيه أيضاً / لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم / الخ .

    وهذه الجملة في كلام مترابط ـ ذكر المعترض أوله وآخره وحذفها من وسطه لأنها لا تتناسب وبدعته ، فهل هذه هي الأمانة العلمية التي أُثني عليه بها ؟

    قال العلامة الشيخ ملا علي القاري رحمه الله تعالى في شرحه على الشفا والشهاب الخفاجي رحمه الله في حاشيته عند قول الإمام مالك رحمه الله : لم يبلغني هذا عن أحدٍ من أهل الفقه ببلدنا : أي وقوف المدني من غير سفر عند القبر ، وقوله ببلدنا يعني المدينة لأن عمل أهلها حجة عنده ، وقوله / وتركه واسع / أي جائز يعني ولو فعله فسائغ شائع لأنه كما قال ابن مسعود رضي الله عنه / ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن / والقياس بوقف الوفاة على حال الحياة صحيح ولا شك أن الصحابة كانوا يكثرون السلام عليه في حال حياته ويتشرفون بتكرار ملاقاته ويتبركون بأخذ الفيض من أنوار بركاته فأي مانع من التردد على بابه والتوسل إلى جنابه ـ إلى قوله ـ نعم إن كانت الكثرة توجب الملالة فلا شك أن يقال في حقها الكراهة ، وأما عند كثرة الشوق ومزية الذوق فلا سبيل إلى المنع من تلك الحضرة ولو على سبيل المداومة كما يدل عليه حديث أبي بن كعب في تكثير الصلاة والسلام عليه والحاصل أن تكثيرها مستحب بالإجماع فإيقاعها أولى في أفضل البقاع ، ولعل السلف الصالح كان عندهم أمور أهم من ذلك فكانت تشغلهم عن كثرة الوقوف هنالك .

    أقول : قال الشيخ ملا علي القاري رحمه الله : قد سبق فعل ابن عمر رضي الله عنهما ولا شك أنه كان من أهل المدينة .

    ثم قال القاضي عياض : قال ابن القاسم : ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر فسلموا ، قال وذلك رأي ، قال الباجي : ففـرّق بين أهل المدينة والغرباء لأن الغرباء قصدوا ذلك ، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم .

    قال الشيخ ملا علي القاري : وفيه أنه لا يلزمهم ترك ذلك وأي مانع لما هنالك فهل ترى أحداً قال بأن الغرباء لهم الطواف حول الكعبة لأنهم قصدوها في سفرهم دون أهل مكة حيث لم يقصدوها في إقامتهم .

    وقال العلامة الخفاجي رحمه الله في حاشيته : قال الإمام السبكي رحمه الله في كتابه / شفاء السقام / بعدما نقل مذهب مالك رحمه الله أن الزيارة قربة لكنه كره الإكثار منها للمقيم بالمدينة على قاعدته في سد الذرائع ، وغيره من أهل المذاهب قالوا باستحباب الإكثار منها مطلقاً واتفقوا عليه وهو الحق الذي لا شبهة فيه ، والذريعة ليست بمسموعة في كل مقام كما تقدم عن القرافي رحمه الله تعالى . 1.هـ مختصراً

    أقول : ترك المعترض كل هذا الذي أورده القاضي عياض لأنه لا يتناسب وبدعته واجتزأ من كلام الإمام مالك رحمه الله ما يناسب بدعته وهو بهذا يعتبر خائناً للأمانة وتسقط بذلك عدالته .

    أقول : قال الحافظ الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء بعد أن ذكر ما أخرجه البخاري رحمه الله تعالى عن محمد بن سيرين قال : قلت لعَبيدة : / عندنا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم أصبناه من قبل أنسٍ أو من قبل أهل أنس فقال : لأن تكون عندي شعرة منه أحب إلي من الدنيا وما فيها / هذا القول من عبيدة هو معيار كمال الحب، وهو أن يؤثر شعرة نبوية على كل ذهب وفضة بأيدي الناس.

    ومثل هذا يقوله هذا الامام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بخمسين سنة، فما الذي نقوله نحن في وقتنا لو وجدنا بعض شعره بإسناد ثابت، أو شسع نعل كان له، أو قلامة ظفر، أو شقفة من إناء شرب فيه.

    فلو بذل الغني معظم أمواله في تحصيل شئ من ذلك عنده، أكنت تعده مبذرا أو سفيها ؟ كلا.

    فابذل ما لك في زورة مسجده الذي بنى فيه بيده والسلام عليه عند حجرته في بلده، والتذ بالنظر إلى " أحده " وأحبه، فقد كان نبيك صلى الله عليه وسلم يحبه، وتملا بالحلول في روضته ومقعده، فلن تكون مؤمنا حتى يكون هذا السيد أحب إليك من نفسك وولدك وأموالك والناس كلهم.

    وقبل حجرا مكرما نزل من الجنة، وضع فمك لاثما مكانا قبله سيد البشر بيقين، فهنأك الله بما أعطاك، فما فوق ذلك مفخر.

    ولو ظفرنا بالمحجن الذي أشار به الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحجر ثم قبل محجنه، لحق لنا أن نزدحم على ذلك المحجن بالتقبيل والتبجيل.

    ونحن ندري بالضرورة أن تقبيل الحجر أرفع وأفضل من تقبيل محجنه ونعله. وقد كان ثابت البناني إذا رأى أنس بن مالك أخذ يده فقبلها، ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقول نحن إذ فاتنا ذلك: حجر معظم بمنزلة يمين الله في الارض مسته شفتا نبينا صلى الله عليه وسلم لاثما له.

    فإذا فاتك الحج وتلقيت الوفد فالتزم الحاج وقبل فمه وقل: فم مس بالتقبيل حجرا قبله خليلي صلى الله عليه وسلم.



    12- ثم أورد المعترض ما رواه البخاري في تاريخه وغيره عن الإمام علي زين العابدين رضي الله عنه الخ.

    أقول : نسب الرواية التي ساقها إلى البخاري في تاريخه والضياء في المختارة وأبي يعلى في المسند والقاضي إسماعيل والرواية ليست عند جميعهم باللفظ الذي ساقه بل اللفظ مختلف فعند البخاري في تاريخه ﴿ فيدخل فيها فيدعو فدعاه ﴾ ثم أورد الحديث بقوله ﴿ لا تتخذوا قبري عيداً ﴾ فالرواية عنده ﴿ فدعاه ﴾ وعند غيره ﴿ فنهاه ﴾ ففيها اضطراب .

    وقال الهيثمي رحمه الله تعالى في مجمع الزوائد : رواه أبو يعلى وفيه حفص بن إبراهيم الجعفري ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا توثيقاً وبقية رجاله ثقات ، قال في لسان الميزان قال الخطيب هو مجهول .

    والجواب عن هذا الأثر : يحتمل أن الرجل كان من أهل المدينة ومذهب الإمام علي بن الحسين كمذهب الإمام مالك رحمه الله على قول في كراهة الإكثار منها للمقيم بالمدينة خشية الملالة وقد تقدم رده من كلام المحدث الإمام القاري والعلامة الخفاجي ، وأن غيره من أهل المذاهب قالوا باستحباب الإكثار منها .

    وهذا معارض بأقوال الأئمة الآخرين وأفعالهم وقد تقدم بيان ذلك ، وهم الجمهور من العلماء فقولهم مقدم .

    وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ﴿ لا تتخذوا قبري عيداً ﴾ وهو حديث حسن صحيح لكثرة شواهده وطرقه فأقول :

    1- قال العلامة المحدث ملا علي القاري رحمه الله تعالى في شرحه على الشفا ما نصه : والمعنى لا تجعلوا زيارة قبري عيداً ومعناه النهي عن الاجتماع لزيارته عليه السلام اجتماعهم للعيد من الأيام ، وقد كانت اليهود والنصارى يجتمعون لزيارة قبور أنبيائهم ويشتغلون باللهو والطرب مع آبائهم وأبنائهم ونسائهم فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك تحذيراً لهم عما يقع من الفساد هنالك ويؤيده حديث ﴿ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ {صحيح البخاري} ويحتمل أن يراد به الحث على كثرة زيارته إذ هي أفضل القربات وآكد المستحبات بل قريبة من درجة الواجبات فالمعنى أكثروا من زيارتي ولا تجعلوها كالعيد تزورونني في السنة مرتين أو في العمر كرتين بدليل أحاديث كثيرة وردت بالحث عليها وبوجوب الشفاعة لمن أتى إليها ، وقيل : يحتمل أن يكون نهيه عليه الصلاة والسلام لدفع المشقة عن الأمة بناء على كمال الرحمة ويؤيده قوله / صلوا علي حيث كنتم / أو لكراهة أن يتجاوزوا في تعظيم قبره زيادة على قدره بنحو السجدة ؛ وقال الشيخ ابن تيمية رحمه الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم : إن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد ، وقال في موضع آخر : والاجتماع العام عندها في وقت معين هو اتخاذها عيداً .

    13- ثم أورد المعترض ما رواه سعيد بن منصور رحمه الله من أثر الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم ... الخ وقال في التعليق ورواه الذهبي أيضاً في سير أعلام النبلاء .

    أقول : القول في معنى هذا الأثر كالقول في سابقه ، وهو معارض بأقوال جمهور العلماء من السلف والخلف في جواز ذلك واستحبابه .

    أما قوله ـ ورواه الذهبي أيضاً ـ أقول : لا يقال ـ رواه الذهبي ـ لأنه من المتأخرين عن عصر تدوين الحديث بل يقال وذكره الذهبي ويصح أن يقال خرج بتشديد الراء بناءً على اصطلاح المحدثين في الفرق بين أخرج وخرج حيث يستعملون اللفظ الأول فيمن يسند واللفظ الثاني فيمن يعزو الحديث إلى من أسنده .

    إلا أن المعترض حذف من كلام الحافظ الذهبي رحمه الله عند شرحه للحديث كلاماً من الأهمية بمكان وهذا

    نصه :

    فمن وقف عند الحجرة المقدسة ذليلاً مسلماً ، مصلياً على نبيه صلى الله عليه وسلم ، فيا طوبى له فقد أحسن الزيارة وأجمل في التذلل والحب ، وقد أتى بعبادة زائدة على من صلى عليه في أرضه أو في صلاته ، إذ الزائر له أجر الزيارة وأجر الصلاة عليه والمصلي عليه في سائر البلاد له أجر الصلاة فقط ، فمن صلى عليه واحدة صلى الله عليه عشرا ، ولكن من زاره ـ صلوات الله عليه ـ وأساء أدب الزيارة أو سجد للقبر أو فعل ما لا يشرع فهذا فعل حسناً و سيئاً فيعلم برفق والله غفور رحيم ، فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم والصياح وتقبيل الجدران وكثرة البكاء إلا وهو محب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فحبه المعيار والفارق بين أهل الجنة وأهل النار فزيارة قبره من أفضل القرب ا.هـ فحذف المعترض هذا الكلام لأنه لا يتناسب وبدعته ، فهو يأخذ من كلام الحافظ الذهبي رحمه الله ما يهواه ويراه حقاً ويرد عليه مالا يهواه ، وما يراه باطلاً .

    وإني أرى أن باطل الحافظ الذهبي عند المعترض وأمثاله بنظرهم القاصر أكثر من حقه ، وخطؤه أكثر من صوابه .

    14- ثم قال المعترض : هذا كلام علماء الإسلام في مسألة الدعاء عند قبر سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فما بالك بمن هو دونه بكثير ؟

    أقول : ذكر المعترض قولاً من أقوال الإمام مالك رحمه الله وقد أوّله العلماء ونقلوا عنه غيره كما تقدم ، وذكر قولي الإمامين علي زين العابدين والحسن بن الحسن رضي الله عنهما فقط .

    هل أولئك فقط هم علماء الإسلام فقط عند المعترض ؟ وهل يأخذ بأقوال من احتج بأقوالهم في هذه المسألة في جميع المسائل ويعتبرها حجة ؟

    أليست هذه الأقوال معارضة بأقوال وأفعال أئمة السلف والخلف الذين لا يُحصون ؟ فلم يترك الجماعة ويتبع ما شذ به الثقة وخالفهم فيه ؟ إنه الهوى المتبع المهلك لصاحبه والعياذ بالله تعالى ، ورحم الله الإمام ابن عطاء الله القائل في حكمه : لا يُخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك ولكن يخاف عليك من غلبة الهوى عليك .

    ومن لم يستطع الوصول إلى قبر النبي صلى الله عليه و سلم فليدع عند مقابر المسلمين في بلده أو عند من اشتهرت ولايته وعلمه كما كان يفعل الإمام الشافعي رضي الله عنه عند قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وقد تقدم .

    15- ثم أورد المعترض الحديثين الشريفين : ﴿ لا تجعلوا قبري عيداً ﴾ و ﴿ اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد ﴾ .

    أقول : الحديثان صحيحان فالأول عند أبي داود برقم 1746 ، وعند الإمام أحمد وابن أبي شيبة بلفظ ﴿ لا تتخذوا قبري عيداً ﴾ وغيرهم وعند عبد الرزاق وأبي يعلى بلفظ ﴿ لا تتخذوا بيتي عيداً ﴾ ، وقد تقدم الكلام على الأول وسيأتي عند قول الإمام المناوي رحمه الله المزيد ، أما الحديث الثاني فقد رواه مالك برقم 376 بلفظ ﴿ اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ﴾ وأحمد برقم 7054 بلفظ ﴿ اللهم لا تجعل قبري وثناً لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ﴾ وابن أبي شيبة ﴿ اللهم لا تجعل قبري وثناً يصلى له اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ﴾ وعبد الرزاق بلفظ ﴿ اللهم لا تجعل قبري وثناً يصلى إليه فإنه اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ﴾ وغيرهم بألفاظ متقاربة .

    أقول : هذه روايات الحديث ، وقد اجتزأ منها المعترض الجملة الأولى عند مالكٍ رحمه الله فقط ، وترك الجملة الثانية من كلام النبي صلى الله عليه وسلم المفسرة للجملة الأولى وترك رواية ابن أبي شيبة ﴿ يصلى له ﴾ ورواية عبد الرزاق ﴿ يصلى إليه ﴾ لأنها تفسر معنى اتخاذه وجعله وثناً يعبد أي بالصلاة له وإليه ، وليس بالوقوف والدعاء عنده ، فلما رأى المعترض أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم هذا يبطل ما ذهب إليه من الضلال لم يورده وتعمد حذفه ، أليس هذا تقديم للرأي والهوى على كلام النبوة ؟ أليس هذا تكذيباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورداً لقوله يدخل صاحبه في الكفر، والعياذ بالله تعالى ، كنت أظن أن الهوى الذي يتبعه المعترض والبدعة التي عليها جعلاه يجتزئ كلام العلماء والأئمة ويأخذ منه ويدع كما تقدم .

    أما أن يصل به الأمر إلى تجزئة كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأن يأخذ منه ويدع فهذا هو الكفر بعينه والضلال والإضلال ، إن علماء الحديث ذكروا الحديث بجملتيه وفسروه وشرحوه بما في الروايات الأخرى أي بالصلاة إلى القبر عبادة لمن فيه ، كما قال : ﴿ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ﴾ أي يسجدون لها كما يسجدون للأوثان .

    قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله في كتابه : / الجواب الباهر في زوار المقابر / ما نصه : وقد استجاب الله دعوته فلم يتخذ / ولله الحمد / وثناً كما اتخذ قبر غيره بل ولا يتمكن أحد من الدخول إلى حجرته بعد أن بنيت الحجرة ، إلى قوله : استجاب الله دعوته فلم يمكن أحداً قط أن يدخل إلى قبره فيصلي عنده أو يدعو أو يشرك به كما فعل بغيره اتخذ قبره وثناً ، ثم قال : فعصم الله أمته أن تجتمع على ضلالة وعصم قبره المكرم أن يتخذ وثناً . 1.هـ

    ويقال للمعترض : هل استجاب الله تعالى دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ لقد استجاب الله تعالى دعاءه بلا شك ولا ريب ، فلم يُعبد قبره صلى الله عليه وسلم ولم يُتخذ وثناً ، فالمؤمنون الموحدون لا يسجدون للقبور ولا يعبدون أصحابها من أنبياء وأولياء ولا يعتقدون بهم نفعاً ولا ضراً ذاتياً .

    وإذا كان المعترض وأمثاله يعتبرون أن الوقوف والدعاء عند قبره صلى الله عليه وسلم عبادة له فقد اتخذ حينئذ قبره وثناً وعُبد من دون الله ، ولم يستجب الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم أو يكون الحديث غير صحيح فيبطل الاحتجاج به مع صحته ، فليختر لنفسه ما يحب أو يقول ما قاله العلماء في معناه إن الوقوف والدعاء عند القبر ليس عبادة لصاحب القبر من نبي أو ولي وليس اتخاذاً له وثناً يعبد من دون الله كما يتوهم المعترض وأمثاله وإلا يكون علماء المسلمين وأئمتهم من عهد السلف إلى زمننا والقائلون بالجواز مشركين وعباد وثن ، ومن يظن بعلماء الأمة وأئمتهم مثل ذلك فهو ضال مضل بلا ريب ولا شك .

    وكيف لا تصح الصلاة والدعاء وقد قال تعالى : ﴿ وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾{البقرة:125} وهو مقام أقام فيه الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم أمرنا بالصلاة والدعاء فيه ، وقال في حق سيدنا زكريا عليه الصلاة والسلام : ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾{آل عمران:38} في مكان مكرم عند امرأة مصطفاة على العالمين .



    16- ثم قال المعترض : قال الإمام النووي الشافعي رحمه الله في كتابه ﴿ الإيضاح في مناسك الحج ﴾ ... الخ

    أقول : هل يأخذ المعترض ومن معه بجميع أقوال الإمام النووي رحمه الله كما أخذ منه هذا القول في هذا الموضع ؟ ونحن نلزمه بذلك كما ألزم الحبيب الجفري من قبل بأخذ جميع أقوال الإمام الذهبي رحمه الله التي لم يأخذ هو بها كلها أيضاًً فإن كان يأخذ بجميع ما قاله فليسمع ما يقوله الإمام النووي رحمه الله في الموضع ذاته من الكتاب المذكور وليأخذ به إن كان رجلاً :

    قال في الفائدة السابعة بعد السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما : ثم يرجع إلى موقعه قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتوسل به في حق نفسه ويتشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى ومن أحسن ما يقول : ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له قال : كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾{النساء:64} الآية وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول :

    ~ يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم

    ~ نفسي فداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم

    ~ أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته على الصراط إذا ما زلت القدم

    ~ وصاحباك فلا أنساهما أبداً مني السلام عليكم ما جرى القلم

    قال ثم انصرف فغلبتني عيناي فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال : يا عتبي الحق الأعرابي وبشره بأن الله تعالى قد غفر له 1.هـ

    فما رأي المعترض ومن معه بكلام الإمام النووي رحمه الله هذا هل هو من المقبول عنده أم هو رد ؟

    اللهم إنا نعوذ بك أن نكون من الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض .

    ثم إن الإمام النووي رحمه الله قال في أثناء كلامه الذي نقله المعترض عنه : فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بأقوال العلماء .

    فهل يقتدي المعترض ومن معه بأقوال جماهير الأئمة والعلماء التي رددت بها اعتراضاته على الحبيب الجفري أم يبقى مصراً على بدعته واتباع هواه ؟

    وقد أشار الإمام ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى في حاشيته على الإيضاح عند قول الإمام النووي رحمه الله / ويكره مسحه وتقبيله – إلى قوله - : وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه : إلى خلافٍ في المسألة وأن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال في إحدى الروايتين عنه / لا بأس به / وأن المحب الطبري وابن أبي الصيف قالا : يجوز تقبيل القبر ومسه ، وأن الإمام السبكي رحمه الله قال : إن عدم التمسح بالقبر ليس مما قام الإجماع عليه ثم ذكر حديث إقبال مروان فإذا برجل ملتزم القبر ـ الحديث ـ وفيه وذلك الرجل هو أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، وهذا الحديث أخرجه أحمد والطبراني بسند فيه كثير بن زيد ، وثقه جماعة وضعفه النسائي 1.هـ

    أقول : قال في خلاصة الوفا ما نصه : وفي كتاب العلل لعبد الله ابن أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال : سألت أبي عن الرجل يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم يتبرك بمسه وتقبيله ويفعل بالمنبر مثل ذلك رجاء ثواب الله تعالى فقال لا بأس به .

    قال أبو بكر الأثرم : قلت لأبي عبد الله يعني / أحمد بن حنبل رضي الله عنه / قبر النبي صلى الله عليه وسلم يمس ويتمسح به ؟ فقال : ما أعرف هذا قلت له : فالمنبر ؟ فقال أما المنبر فنعم الخ .

    قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله في اقتضاء الصراط المستقيم : روى أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي صلى الله عليه وسلم ويده ولم يرخصوا في التمسح بقبره ، وقد حكى بعض أصحابنا رواية في مسح قبره ا.هـ

    وفي بدائع الفوائد للشيخ ابن القيم رحمه الله وغيره : أن الإمام ابن عقيل الحنبلي رحمه الله تعالى لمّا سئل عن المفاضلة بين الحجرة النبوية الشريفة والكعبة المشرفة قال : إن أردت مجرد الحجرة فالكعبة أفضل ، وإن أردت وهو صلى الله عليه وسلم فيها فلا والله لا العرش وحلته ولا جنة عدن ولا الأفلاك الدائرة ، لأن بالحجرة جسداً لو وزن بالكونين لرجح .



    17- ثم أورد المعترض قول ﴿ الإمام ﴾ ابن حجر الهيتمي الشافعي الصوفي ﴿ رحمه الله تعالى ﴾ في حاشيته على كلام الإمام النووي ﴿ رحمه الله ﴾ السابق .

    أقول :

    1- ما بين الأقواس زيادة من عندي لأنّ المعترض لم يصفهم بالإمامة ولم يترحم عليهم .

    2- حذف المعترض من كلام الإمام ابن حجر رحمه الله جملة في موضع النقاط وهي مع ما قبلها : وعُلم مما تقرر كراهة مسِّ مشاهد الأولياء وتقبيلها – نعم إن غلبه أدب أو حال فلا كراهة – أتدرون لم حذفها المعترض ؟ لأنه لا يعرف منه وممن حوله من الوهابية الأدب ولا الحال ، وقد ذكر الإمام ابن حجر رحمه الله قبل هذا الموضع بأسطر أحاديث التوسل التي ذكرتها في رد الاعتراض الرابع وقال بعدها : ولا فرق بين ذكر التوسل والاستغاثة والتشفع والتوجه به صلى الله عليه وسلم أو بغيره من الأنبياء وكذا الأولياء ، فهل يقول المعترض بمثل قوله أم يرده ؟

    وقال القسطلاني في المواهب اللدنية : وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل به صلى الله عليه وسلم فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه ، وتكلم على معنى الاستغاثة وأنه لا فرق بين التعبير بلفظها أو بلفظ التوسل والتشفع والتوجه بالنبي صلى الله عليه وسلم ، قبل خلقه وبعده في مدة حياته ويعد وفاته في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة.

    3- قال المعترض في كلام الشيخ ابن حجر رحمه الله : وروى أنس ﴿ رضي الله عنه ﴾ أنه رأى رجلاً وضع يده على القبر الشريف فنهاه وقال : ما كنا نعرف هذا أي الدنو منه إلى هذا الحد .

    أقول : الصحيح روي عن أنس رضي الله عنه كما جاء في الأصل ، وإلا أصبح أنس رضي الله عنه راوياً عن نفسه فحقُّ العبارة أن يقول حينئذٍ – رأيت رجلاً - .

    ومعنى قول سيدنا أنس رضي الله عنه : ما كنا نعرف هذا أي الدنو منه إلى هذا الحد ، أي لمنافاته الأدب وإخلاله بالتعظيم فإنّ حرمته صلى الله عليه وسلم وهو في برزخه كحرمته في حياته .

    قال الإمام الغزالي رحمه الله في الإحياء : وليس من السنة أن يمس الجدار ولا أن يقبله بل الوقوف من بعد أقرب للاحترام .

    وهذا الذي قاله الإمام النووي رحمه الله في كلامه السابق : ويكره مسحه باليد وتقبيله بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته صلى الله عليه وسلم هذا هو الصواب وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه .

    وتقدم قول الإمام مالك رضي الله عنه في كراهة قول زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأنّ الأولى أن يقال زرنا النبي صلى الله عليه وسلم . فكره تسوية النبي صلى الله عليه وسلم بغيره من الناس .

    قال الشيخ المحدث ملّا علي القاري رحمه الله في شرحه على كتاب الشفا : / فيمن وقف بالقبر لا يلصق به / لأنه ناشئ عن قلة الأدب مع رسول الرب صلى الله عليه وسلم ، / ولا يمسُّه / أي لعدم وروده بل ورد النهي عن مسه ولمسه / ولا يقف عنده طويلاً / خوفاً من الرياء والسمعة أو من الملالة والسآمة .

    قال العلامة الخفاجي رحمه الله في حاشيته : فلا يقبله فيكره مسُّه وتقبيله وإلصاق صدره لأنه ترك أدب وكذا كل ضريح يكره فيه ذلك وهذا أمر غير مجمع عليه ولذا قال أحمد والطبري رحمهما الله تعالى لا بأس بتقبيله والتزامه ، وروي أنّ أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه كان يلتزم القبر الشريف ، قيل : وهذا لغير من لم يغلبه الشوق والمحبة ، وهو كلام حسن ا.هـ

    وقال عند قوله – ولا يمس القبر بيده – فيكره إلصاق الظهر أو البطن بجدار القبر المكرم ويلحق بجداره جدار الساتر عليه المستور بالحرير الآن لما في ذلك من مخالفة الأدب معه صلى الله عليه وسلم – إلى قوله : - بل مجاوزة الوارد من حيث هو ربما تؤدي إلى محذور فليقتصر على الوارد ما أمكن – الخ فمن أحب الزيادة فليرجع إليه فإنه بحث نفيس .

    أقول : مما تقدم تبين أنّ العلة في المنع من تقبيل القبر الشريف منافاة الأدب والتعظيم ، وهذا خاصٌّ به صلى الله عليه وسلم وبالأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام إن علمت قبورهم بوجه قطعي لا يقاس عليهم غيرهم لأننا لا نسوِّيهم بأحدٍ من الخلق غيرهم ، والعلة في المنع من تقبيل غير قبره صلى الله عليه وسلم خشية مجاوزة الحد الوارد الذي يؤدي إلى محذور من باب سدِّ الذرائع ، ويستثنى من ذلك كما تقدم من غلبه أدب أو حال وتيقن عدم وقوعه أو وقوع غيره في محذور ، ويُتسامح عند قبور الأولياء والصالحين إذا لم يؤد إلى محذور ما لا يُتسامح بمثله عند النبي صلى الله عليه وسلم لعدم التسوية كما تقدم .



    18- ثم أورد المعترض قول الشيخ المناوي الشافعي الصُّوفي ﴿ رحمه الله ﴾ في فيض القدير عند شرحه لحديث ﴿ لا تجعلوا قبري عيداً ﴾ ... الخ .

    أقول : حذف المعترض من كلام المحدِّث المناوي رحمه الله وأوله وآخره وإليك ما قاله بنصِّه :

    - ولا تتخذوا بيتي عيداً – / أي لا تتخذوا قبري مظهر عيد ، ومعناه النهي عن الاجتماع لزيارته اجتماعهم للعيد إما لدفع المشقة أو كراهة أن يتجاوز واحد التعظيم / وقيل : العيد ما يعاد إليه أي : لا تجعلوا قبري عيداً تعودون إليه متى أردتم أن تصلوا عليَّ ، وظاهره ينهى عن المعاودة والمراد المنع عمَا يوجبه ، وهو ظنهم أنَ دعاء الغائب لايصل إليه ، ويؤيده قوله : ﴿ وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم ﴾ أي لا تتكلفوا المعاودة إليَّ فقد استغنيتم بالصلاة علي ، / لأنّ النفوس القدسية إذا تجردت عن العلائق البدنية عرجت واتصلت بالملأ الأعلى ولم يبق لها حجاب فترى الكل كالمشاهد بنفسها أو بإخبار الملك لها وفيه سرٌّ يطلع عليه من يُسِّر له / ا.هـ بحروفه فما بين القوسين في أول هذا الكلام وآخره تعمد المعترض حذفه لأنه لا يتناسب وهواه وبدعته ، فأين الأمانة العلمية في النقل ؟ وقد تقدم شرح الحديث وأقوال العلماء في معناه ، ومن ذلك ما جاء في حاشية كتاب الشفا لتلامذة الشيخ عبد الكريم الرفاعي رحمه الله تعالى وحفظهم ما نصه : أي كالعيد باجتماع الناس عنده ... أولا تقللوا الزيارة مرة في العام كالعيد بل زوروه دائماً ، ولا حجة في هذا الحديث لمن ادّعى منع الزيارة بل أجمعت الأمة على خلافه ، وهذا يقتضي تفسيره بغير ما فهموه ا.هـ



    19- ثم قال المعترض : وأما قول الجفري : إنّ الكرخي ﴿ رحمه الله ﴾ تلقى عن الإمام علي الرضا ﴿ رضي الله عنه ﴾ ... الخ .

    أقول : ما بين القوسين زيادة على كلامه ، وما قاله الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى معارض بقول غيره وإليك البيان :

    1- ما نقله الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى بقوله : وكان معروف أسلم على يد عليِّ بن موسى الرِّضا ، وكان بعد إسلامه يحجبه فازدحم الشيعة يوماً على باب علي بن موسى فكسروا أضلع معروف فمات ودفن ببغداد ، وهذا الكلام مؤيد ومثبت بالإسناد المتصل .

    2- فقد ذكر الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في رسالته في ترجمته : وهو من موالي علي بن موسى الرضا رضي الله عنه ، وقال في موضع آخر : أسلم على يَدَي علي بن موسى الرضا رضي الله عنه ، ثم قال الإمام القشيري رحمه الله : وموعظة ابن السمّاك ما قاله معروف : كنت مارَّاً بالكوفة فوقفت على رجل يقال له ابن السمَّاك وهو يعظ الناس فقال في خلال كلامه : من أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة ومن أقبل على الله بقلبه أقبل الله برحمته إليه وأقبل بجميع وجوه الخلق إليه ، ومن كان مرة ومرة فالله يرحمه وقتاً ما ، فوقع كلامه على قلبي فأقبلت على الله تعالى وتركت جميع ما كنت عليه إلا خدمة مولاي علي بن موسى الرضا وذكرت هذا الكلام لمولاي فقال : يكفيك بهذا موعظة إن اتعظت ، ثم قال القشيري رحمه الله مبيناً إسناد هذه الحكاية أخبرني بهذه الحكاية محمد بن الحسن قال سمعت عبد الرحيم بن علي الحافظ ببغداد يقول سمعت محمد بن عمر بن الفضل يقول سمعت علي بن عيسى يقول سمعت سرياً السقطي يقول سمعت معروفاً يقول ذلك .

    3- تقدم من قول العلامة المحدث يوسف بن عبد الهادي المقدسي رحمه الله تعالى : ذكر إسناده في خرقة الصوفية من طريقين وفي الأول منهما قوله : - وهو لبسها من يد معروف الكرخي وهو تأدب بعلي بن موسى الرضا – وفي الثاني منهما قوله : ولبسها سري من يد معروف الكرخي وهو أخذ العلم والأدب من علي بن موسى الرضا ا.هـ

    فهذان الإمامان القشيري والمقدسي رحمهما الله تعالى مثبتان والإمام الذهبي رحمه الله ينفي ، والمثبت مقدّم على النافي عند المحدثين فسقط اعتراض المعترض على الحبيب الجفري ، فاضرب باعتراضه وجه المعترض قبل أن تضرب عُرْض الحائط .

    انتهى رد الاعتراض العشرين
    التعديل الأخير تم بواسطة محب الحبيب علي ; 27 Mar 2007 الساعة 04:44 PM سبب آخر: تفريغ الرابط

  2. #2
    عضو مسجل الصورة الرمزية الدمشقي
    تاريخ التسجيل
    Mar 2006
    المشاركات
    918
    معدل تقييم المستوى
    0
    سبحان من قيض لك من يذب عنك

  3. #3
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,959
    معدل تقييم المستوى
    10
    للرفع

+ الرد على الموضوع

المواضيع المتشابهه

  1. الدفاع عن الحبيب الجفري 21 (حول ثناء العلماء على التصوف وأئمته)
    بواسطة زريق في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 11 Mar 2010, 01:08 AM
  2. الدفاع عن الحبيب الجفري 13 (حديث: من صلى علي مرة..)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 20 Jan 2010, 05:11 PM
  3. الدفاع عن الحبيب الجفري 6 (قصة العابد ..)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 18 Mar 2008, 05:46 PM
  4. بناء الانسان لسيدي الحبيب علي الجفري
    بواسطة ناصح محب في المنتدى التزكية والسلوك
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02 Nov 2007, 09:51 AM
  5. الدفاع عن الحبيب الجفري 19 (حول البدعة)
    بواسطة محب الحبيب علي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06 Oct 2007, 07:49 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك