+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    عضو مسجل
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    44
    معدل تقييم المستوى
    0

    الدفاع عن الحبيب الجفري 21 (حول ثناء العلماء على التصوف وأئمته)

    - قال المعترض : وفي الصفحة / 67 / زعم الجفري أنّ مجرّد إيراد العلماء لتراجم الصوفية في كتبهم مثل ابن الجوزي والذهبي ... الخ . ثم قال : من أين له أنّ الحافظ الذهبي أو الإمام ابن الجوزي إذا أرادا أن يمدحا أحداً قالا عنه إنه صوفي ؟
    أقول :
    1- تقدم ما ذكر في مقدمة سير أعلام النبلاء من أن الصوفية قسمان : قسم من أخيار الأمة وصالحيها وهؤلاء مُدحوا وأثني عليهم من قبل كل مؤرخي كتب الأعلام ، وقسم من الأدعياء والدخلاء المارقين وهؤلاء ذُمّوا وطعن فيهم وتبرأ علماء التصوف منهم .
    فمدح الصوفية ليس على إطلاقه ، وذمهم ليس على إطلاقه ، فيمدح قوم ويُذَمُّ آخرون .
    2- تقدم أيضاً في سير أعلام النبلاء أنّ الحافظ الذهبي رحمه الله لبس خرقة التصوف تبركاً وكفى بفعله هذا حُجة على صحة طريقتهم والثناء عليهم ، وإذا كان المعترض وأمثاله يعتبرون لبس الإمام الذهبي وغيره من الأئمة خرقة الصوفية ذماً ونقصاً للتصوف وأهله فإنهم بذلك يذمون هؤلاء الأعلام وينتقصونهم ، والذي يذم أعلام العلماء وينتقصهم يُعزَّرُ بالضرب والسجن قضاءً .
    3- ذكر الإمام الذهبي رحمه الله تعاريف كثيرة للتصوف في كتابه وأثنى على كثير من أعلامهم ومشايخهم كما تقدم بيانه ومن ذلك :
    1* جاء في ترجمة الإمام الحسن البصري رحمه الله : وكان ربما يسأل عن التصوف فيجيب .
    2* قال في ترجمة أبي حفص النيسابوري رحمه الله الإمام القدوة الرباني شيخ خراسان ، وهو أول من أظهر طريقة التصوف بنيسابور .
    3* قال في ترجمة ابن مسروق الشيخ الزاهد الجليل الإمام أبو العباس البغدادي شيخ الصوفية ، وهو القائل : التصوف خلو الأسرار مما منه بد ، وتعلقها بما لا بد منه .
    4* قال في ترجمة الإمام الجنيد رحمه الله : علمنا يعني التصوف مشبك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيها : فسألوه عن التصوف فقال هو إفراد القديم عن الحدث والخروج عن الوطن ، وقطع المحاب ، وترك ما علم أو جهل ، وأن يكون المرء زاهداً فيما عند الله راغباً فيما لله عنده .
    5* وقال في ترجمة يحيى بن محمد بن صاعد الإمام الحافظ المجود : قال أبو عبد الرحمن السلمي سألت الدار قطني عن يحيى بن محمد بن صاعد فقال : ثقة ثبت حافظ ، وعمهم - أي عبد الله ابن صاعد – يحدث عن سفيان ابن عيينة في التصوف والزهد .
    6* قال : القدوة العارف شيخ الصوفية أبو بكر محمد بن علي البغدادي الكتاني التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف .
    7* المرتعش الزاهد الولي أبو محمد عبد الله ابن محمد النيسابوري كان يقال : عجائب بغداد في التصوف ثلاث : نكت أبي محمد المرتعش وحكايات الخلدي وإشارات الشبلي .
    8* ابن الأعرابي أحمد بن محمد بن زياد الإمام المحدث القدوة الصدوق الحافظ شيخ الإسلام أبو سعيد البصري الصوفي نزيل مكة وشيخ الحرم صحب المشايخ وتعبد وتأله وألف مناقب الصوفية وحمل السنن عن أبي داود وكان كبير الشأن بعيد الصيت عالي الإسناد
    قال : التصوف كله ترك الفضول .
    وقال : إنما التصوف والتأله والسلوك والسير والمحبة ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من الرضا عن الله، ولزوم تقوى الله، والجهاد في سبيل الله، والتأدب بآداب الشريعة من التلاوة بترتيل وتدبر، والقيام بخشية وخشوع، وصوم وقت، وإفطار وقت، وبذل المعروف، وكثرة الايثار، وتعليم العوام، والتواضع للمؤمنين، والتعزز على الكافرين، ومع هذا فالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
    والعالم إذا عري من التصوف والتأله، فهو فارغ، كما أن الصوفي إذا عري من علم السنة، زل عن سواء السبيل.
    وقد كان ابن الأعرابي من علماء الصوفية، فتراه لا يقبل شيئا من اصطلاحات القوم إلا بحجة.
    9* ابن داود الإمام الحافظ الرباني العابد شيخ الصوفية أبو بكر محمد بن داود النيسابوري الزاهد
    وكان صدوقاً حسن المعرفة من أوعية العلم وكان في التأله صنفاً آخر
    أرخه الحاكم فقال : هو شيخ عصره في التصوف .
    10* بندار بن الحسين الشيرازي القدوة شيخ الصوفية أبو الحسين .
    11* أبو سهل الصعلوكي محمد بن سليمان بن محمد النيسابوري الفقيه الشافعي المتكلم النحوي المفسر اللغوي الصوفي شيخ خراسان قال الحاكم : هو حبر زمانه وبقية أقرانه .
    قال أبو العباس النسوي : كان أبو سهل مقدماً في علم التصوف ، وله كلام حسن في التصوف : قال الحافظ الذهبي : مناقب هذا الإمام حجة .
    12* الإمام المحدث القدوة الواعظ شيخ الصوفية أبو القاسم إبراهيم بن محمد الخراساني النصرابازي النيسابوري الزاهد .
    وقال : أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع .
    وأكتفي بهذا القدر من التراجم لكثرتها في الكتاب المذكور وأحيل القارئ إليه ليجمعها وليقرأ أن وصفهم بالصوفي كان مدحاً لازماً خلافاً لما زعمه المعترض وافتراه على الإمام الذهبي رحمه الله تعالى .
    وانظر أخي القارئ أيضاً في كلمتي القوم والطريقة لتجد أنهما في كثير من المواضع المراد بهما الصوفية وطريقتهم والثناء عليهم إلا من خرج عن الشريعة منهم فإنه مذموم .

    4- ما زال مشرب أهل التصوف محترماً ومعظماً على لسان علماء المسلمين من عهد السلف إلى عهد الخلف ومن ذلك :
    1* الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال : لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء ، ونقل عنه الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه – مدارج السالكين – قوله : أعزُّ الخلق خمسة أنفس : عالم زاهد ، وفقيه صوفي ، وغني متواضع ، وفقير شاكر ، وشريف علي .
    2* شيخ الإسلام العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى : حكى الإمامان السبكي والسيوطي رحمهما الله تعالى : أن العِز لبس خرقة التصوف من الشهاب السُّهروردي – صاحب عوارف المعارف – وكان يحضر عند الإمام أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه ويسمع كلامه ، وسئل عن قول الإمامين القشيري والغزالي رحمهما الله تعالى – الصوفية أفضل من العلماء الراسخين – فقال : هذا متفق عليه ولا يشك عاقل أن العارف بالله أفضل من العارفين بأحكام الله بل العارفون أفضل من أهل الفروع والأصول . نقله في كتاب / نجوم المهتدين /
    3* الشيخ ابن تيمية رحمه الله : لم يعرف عنه أنه يجرُّ ذيل الإنكار على مذهب التصوف برُّمته بل هو في كتبه ومؤلفاته يثني على الإمام الجنيد وأضرابه وعلى الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنهم ، وينقل كلامهم ويفسره ويبين المراد منه وخصص مجلداً ضخماً في فتاويه الكبرى للتصوف والدفاع عنه وعن رجاله فليرجع إليه المعترض إن أحب اتباع العلماء والأئمة والابتعاد عن البدعة والهوى ، وأوصى الشيخ رحمه الله أن يدفن في مقابر الصوفية بدمشق وهذا يدل على اعتقاده بهم وأنه محب لهم ولطريقتهم .
    4* الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى : ذكر الإمام السبكي رحمه الله في الطبقات أنه كان يقتدي في التصوف بالشيخ الكبير ياسين المراكشي رحمه الله ويجله إجلالاً كبيراً وكان يتأدب معه ويرجو بركته ، وقرأ على تلامذته في دار الحديث بدمشق كتاب / صفوة التصوف للحافظ المقدسي رحمه الله / .
    5* الشيخ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى : في كتابه / مدارج السالكين / وكتابه / طريق الهجرتين / الثناء الكثير على التصوف وأهله ومن ذلك قوله في المدارج : الصوفية ثلاثة أقسام : صوفية الأرزاق وصوفية الرسوم وصوفية الحقائق ، وبدع الفريقين المقلدين يعرفها كل من له إلمام بالسنة والفقه ، وإنما الصوفية صوفية الحقائق الذين خضعت لهم رؤوس الفقهاء والمتكلمين ، فهم في الحقيقة علماء حكماء .
    ومن ذلك قوله في الجزء الثالث منه : رحمة الله على أبي القاسم الجنيد ، ما أتبعه لسنة الرسول الله صلى الله عليه وسلم وما أقفاه لطريقه وطريق أصحابه .
    6* الإمام أبو بكر ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى : قال في كتاب سراج المريدين : ولقد رأيت في هاته الصوفية أعياناً أجلَةً علماً وخشية ، وأولياء ذوي كرامات كثيرة يُفتخر بها على سائر الملل ، وإن كان منهم الغَثُّ والسمين والصالح والطالح وكان ينتمي إلى عدة مشايخ من رجال التصوف كالإمام الغزالي وأبي منصور الشيرازي رحمهما الله تعالى .
    7* الإمام الشاطبي رحمه الله : قال في كتابه / الموافقات / مانصه : الصُّوفية حجّة في علومهم وهم صفوة الله من خلقه باتفاق ، وقال : جعل الله هاته الطائفة صفوة أوليائه وفضًلهم على الكافّة بعد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقال في كتابه الاعتصام : إنَ الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة مجمعون على تعظيم الشريعة ، مقيمون على متابعة السنة ، غير مخلَين بشيء من آدابها ، أبعد الناس عن البِدع وأهلها ، ولذلك لا نجد منهم من ينسب إلى ضلالة ، وأكثر من يذكر منهم علماء وفقهاء ومحدَثون وممن يؤخذ عنه الدين أصلاً وفرعاً ، ومن لم يكن كذلك فلابد أن يكون فقيهاً في دينه بمقدار كفايته .
    8* قال العلامة ابن الحاج رحمه الله في الجزء الثاني من مدخله : بعدما انتقد ما ظهر له انتقاده من أعمال بعض المتصوفة : ولا يظن ظان أنَ ما تقدم ذكره فيه إنكار لأخذ العهد من أهله لأهله بشرطه المعتبر عندهم إذ أنَه درج عليه السلف الصالح نفعنا الله بهم ولا ننكر الانتماء إلى المشايخ بشروطه ، وفيه أيضاً : اعلم أن طريق القوم نظيفة وكل شيء يدنَس النظيف .
    أقول : وغير هذا كثير واو أردت استقصاء ما ذكره الأئمة والعلماء في شرف التصوف وفضله واحترامهم وتعظيمهم لأهله لاحتاج الأمر إلى مجلدات وقد كتبت أكثره في كتابي / علماء الصوفية هم السلفية الحقيقيون / وذكر أكثره الشيخ أحمد بن عليوه المستغانمي رحمه الله تعالى في رسالته / الناصر معروف في الذَب عن مجد التصوف / فليرجع إليها من يحب المزيد .
    وأما الإمام ابن الجوزي رحمه الله فلا أدلَّ على تعظيمه للتصوف وأهله من كتابه ـ صفة الصفوة ـ فسماهم الصفوة وأورد الكثير من تراجمهم مادحاً لهم ومعظماً للتصوف وأهله .
    وأقول للمعترض ومن معه : ما رأيكم في كلمات الأعلام والأئمة السابقة وهل هي مدح للتصوف وأهله أم ذم لهم ؟ وكأني بالمعترض لا يعرف الفوارق بين المدح والذم في كلام العرب فيجعل كل مدح ذماً ، وهذا من عمى القلب والعياذ بالله تعالى وصدق الله القائل : ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ {الحج:46}
    5- ثم قال المعترض : نجد أن الحافظ الذهبي ﴿ رحمه الله ﴾ يعدد أوصاف الشخص ... الخ .
    أقول : هذا المعترض إما أنه لم يقرأ كل التراجم في كتب السير والتي منها تراجم أعلام التصوف والثناء عليهم وهي كثيرة ، وإما أنه قرأها واطلع عليها ثم تعامى عنها وتجاهلها لأنها لا تتناسب مع بدعته وهواه ، وأحسّن الظن به فأقول بالاحتمال الأول وأقول عد إلى قراءة كتب التراجم والسير من جديد لتجد خلاف ما ادعيته وافتريته ، لعلك تتوب إلى الله تعالى قبل نزول الموت بك وتستدرك بما بقي من أيام حياتك ما فاتك من الخير فيما مضى منها .
    ثم إن وصف رجل بأنه شافعي ونحوي ومسند وأصولي وحنفي ولُغوي كالنسبة إلى علم من العلوم كل ذلك من صفات المدح لا الذم لأن العلوم كلها محمودة سواء كانت من علوم الشريعة أو آلاتها ، ولم يمر في كتب العرب قديماً وحديثاً أن أحداً ذُم بعلم من هذه العلوم وإذا كان المعترض يعتبر هذه الأوصاف ذماً لا مدحاً فهو دليل على جهله بالعربية وجهله بتلك العلوم ومكانتها ومكانة من اشتغل بها من العلماء ، وكل علمٍ من علوم الشريعة وآلاتها معظّم ومعظّم أهله عند العامة والخاصة من المسلمين في كل المذاهب والطوائف إلا الوهابية فإنه لا قدر عندهم لهذه العلوم ولا لأهلها وأكبر دليل على ذلك هو كلام المعترض هذا الذي جعل الممدوح من العلوم مذموماً وجعل المدح لها ذماً ، وهذه استهانة منه بالعلوم واستخفاف بأهلها يستحق بسببه أن يعزر عليه بالضرب والسجن في حكم القضاء عند قضاة المسلمين وحكامهم .
    أما قوله : النيسابوري البغدادي وما إلى ذلك من النسبة إلى بلدٍ ما ، فهذه نسبة وليست وصفاً يستحق به الإنسان مدحاً أو ذماً ، فإن البلاد لا تقدس أحداً وإنما يقدس الإنسان علمه وعمله ، والمعترض لم يفرق بين النسبة إلى العلوم التي يستحق بها الإنسان وصفاً يمدح به وبين النسبة إلى البلاد التي لا يستحق بها الإنسان وصف مدحٍ أو ذم وإلا فعليه أن يبين لنا البلاد التي يستحق الإنسان أن يُمدح الإنسان إذا نسب إليها ، والبلاد التي يُذم بنسبته إليها ، وليس في كلام أحدٍ من العلماء أو العقلاء ما يدل عليه أو يشير إليه بل هو ضرب من الجهل والجنون أعاذنا الله والمسلمين من ذلك آمين .
    ولا ندري هل بلاد الجزائر التي ينتسب إليها المعترض من بلاد المدح أو الذم ؟ ربما يكون في المسألة خلاف فبعضهم يعتبره مدحاً وبعضهم يعتبره ذماً فليبين لنا المعترض ذلك بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة .
    6- ثم قال المعترض : فلماذا عدَّ كلمة الصوفي مدحاً ؟
    أقول : تقدم أنَّ التصوف مُدِح وأثني عليه من كبار العلماء والأئمة ، وأنَّ الصوفية منهم من يُمدح ومنهم من يذم بحسب تقيدهم بأصول المذهب وقواعده أو خروجهم عنها ، فلا يمدحون مطلقاً ولا يذمون مطلقاً ، وهذا هو الإنصاف العلمي النزيه .
    7- ثم قال المعترض : وإننا إذا تأملنا في ترجمة الإمام الذهبي ﴿ رحمه الله ﴾ للكثير من أشياخه ... الخ .
    أقول : إذا كان مفهوم التصوف عند الإمام الذهبي رحمه الله كما هو عند غيره من العلماء والأئمة : الاستقامة على الشريعة وآدابها ظاهراً وباطناً والإخلاص لله تعالى وصدق التوجه إليه ، وتزكية النفس وتخليصها من الرعونات وعلل الأعمال .
    فإنه ومشايخه وأصحابه ومن يجلهم كانوا متحققين بذلك إن شاء الله عملاً بحسن الظن بالمسلمين وعلمائهم ، فسواء أطلق عليهم اسم الصوفي أو لم يطلق فهم متحققون بمعناه ، وإلا فيكون هو ومشايخه وأصحابه ومن يجلهم غير متحققين به ولذلك لم يطلق عليهم اسم الصوفي الدال على ذلك .
    وهل يرضى المعترض ومن معه أن نتهم أولئك الأكابر بأنهم كانوا غير مستقيمين على الشريعة وآدابها وغير مخلصين لله ولا صادقين في التوجه إليه ولم يزكوا أنفسهم ولم يخلصوها من الرعونات وعلل الأعمال ؟ إن كان المعترض وأمثاله يرضون ذلك للأكابر ويتهمونهم به فإننا لا نرضاه لهم ولا نتهمهم به .
    قال الإمام الجرجاني الصوفي رحمه الله في كتابه / التعريفات / التصوف مذهب كله جدّ فلا يخلطه شيء من الهزل ، وقيل : نظافة من مخالطة البرية وموافقة الأخلاق الطبيعية وإخماد صفات البشرية ومجانبة الدَّعاوى النفسانية ، ومنازلة الصفات الروحانية ، والتعلق بعلوم الحقيقة ، واستعمال ما هو أولى على السّرمدية ، والنصح لجميع الأمة ، والوفاء لله تعالى على الحقيقة ، واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشريعة .
    فهل كان الإمام الذهبي الذي لبس خرقة الصوفية ومشايخه وأصحابه ومن يجلهم متحققين بهذه المعاني أم لا ؟ أما عندنا فنعم ، وأما عند المعترض فلا ، لأنهم لم يوصفوا بالصوفية .
    ثم إن علماء الأمة وأتقياءها من السلف والخلف أحرص الناس على إخفاء أحوالهم مع الله تعالى فلا يحبون أن يُعرفوا بوصف ولا أن يمدحوا ولا أن يُشهروا لأن كل ذلك قادح في الإخلاص .
    وكثير منهم يستحيون من الله تعالى أن يثنى عليهم بوصفٍ لا يشهدونه من أنفسهم ، ويستحيون من الله أن ينسبوا إلى الصوفية من علماء السلف كالجنيد وأضرابه ولم يتحققوا بما كانوا عليه أدباً مع أولئك العلماء الربانيين أن يزاحموهم في مراتبهم وأن يدّعوها لأنفسهم .
    قال الإمام القشيري رحمه الله تعالى في صوفية القرن الرابع بعد مقايستهم برجال التصوف من أهل القرنين الثاني والثالث :
    ~ أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحيّ غير نساءها
    الإنسان الذي يدعي حالة لم يتحقق بها أو يدعي الانتماء إلى قوم لم يحقق النسبة إليهم داخل في أهل الكذب والزور ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ{أخرجه البخاري برقم:4818} .
    وهؤلاء العلماء الربانيون أتقى وأورع من ادّعاء الانتماء وعدم تحقيق النسبة ، ولذلك أَبقَوا قدسية المذهب وجلالة أهله بعدم نسبتهم إليه وإليهم خشية أن يلوث أو يساء إليه ، ورحم الله العارف الرواس القائل :
    ~ إني إذا ادعيت يوماً حبهم لعبأ وزري يا هذيم أستحي .
    نقل لي والدي رحمه الله عن شيخه محمد الهاشمي رضي الله عنه قوله : لو ظهر الصوفية ورأوا ما نحن عليه لقالوا عن أمثالنا لصوص وقطاع طريق ا.هـ
    وذلك لأننا سرقنا الوصف وادعيناه دون تحقيق ولا تخلق .

    8- ثم قال المعترض : نجده كثيراً ما يذم تراجم المتصوفة ... الخ .
    أقول : على الباحث المنصف أن يرجع إلى كتاب سير أعلام النبلاء وأن يجدول بجدولين تراجم الصوفية الذين مدحهم الحافظ الذهبي رحمه الله وتراجم الصوفية الذين ذمَهم ، وأنكر عليهم انحرافاتهم وبدعهم كما يدعي المعترض ، وبعد ذلك يحكم على المعترض بالحكم الذي يراه مناسباً . وقد تقدم قول الإمام السبكي رحمه الله في شيخه الذهبي رحمه الله أن الصوفية والأشعرية الذين حط عليهم وذمهم بغير حق كلهم خصماؤه يوم القيامة ، ومعلوم في علم أصول الحديث أنَ الجرح غير المفسر والمبيَن لايلتفت إليه ، وأن تعديل من عدله مقدم عليه .

    9– ثم أورد المعترض قول الإمام أبي نعيم الحافظ رحمه الله عن سعيد بن عبد العزيز رحمه الله / تخرَج به جماعة من الأعلام كإبراهيم بن المولد وكان ملازماًَ للشرع متبعاً له / وقال الحافظ الذهبي رحمه الله : يعني أنه كان سليماً من تخبيطات الصوفية وبدعهم ، ثم قال : فما رأي الجفري بهذا ؟
    أقول : الحافظ أبو نعيم رحمه الله له كتاب اسمه / حلية الأولياء / ترجَم فيه للمئات من سلف الأمة إلى زمانه ، وجعل في أكثر التراجم في أولها تعريفاً للتصوف يتناسب وحال المترجم له حتى قاربت تعاريف التصوف في كتابه الخمسمائة تعريف فهل اطَلع عليها المعترض ومن معه ؟ وهل يقرون الحافظ أبا نعيم أم يعترضون عليه ويردون كلامه ؟ وها هو الحافظ الذهبي رحمه الله يستشهد بقوله ويعتمده في ترجمة سعيد بن عبد العزيز رحمه الله ، واعتماده قوله حجة على المنكرين المعترضين ثم إن كلام الحافظ الذهبي رحمه الله أنه كان سليماً من تخبيطات الصوفية وبدعهم ، محمول على القسم الثاني من الصوفية وقد تقدم في مقدمة السير بيان القسمين وكلنا منكر لهم ونحن مع الحافظ الذهبي رحمه الله في إنكاره على الدخلاء والأدعياء أصحاب التخبيطات والبدع ، هذا هو رأينا ورأي الحبيب الجفري وكل من تشرف بالانتساب إلى مذهب القوم رضي الله عنهم أجمعين .

    10- ثم قال المعترض : ومسألة أن يورد الذهبي تراجم الصوفية في كتابه لا يمكن جعلها بمنزلةالرضا بعقائد بعضهم الباطلة لأن الإمام الذهبي وغيره يوردون في كتب التراجم أسماء وتراجم للنصارى والمجوس واليهود ... الخ .
    أقول : قاتل الله الهوى المعمي لقلب وعقل صاحبه .
    1* هلّا ذكر المعترض عقائد البعض الباطلة ومن هم أولئك البعض الذين ذكرهم الحافظ الذهبي وغيره ؟ حتى نميزهم عند أهل الحق وعقائدهم الصحيحة .
    فإنه بكلامه يثبت بعضاً عقائده باطلة ومفهوم هذا وجود بعض آخر عقائده صحيحة فيتعين جدولة الفريقين وبيان عقائدهم حتى لا نأخذ أهل الحق بجريرة أهل الباطل ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى {الإسراء:15}
    2* تسوية البعض الذين سماهم المعترض أصحاب العقائد الباطلة بالنصارى والمجوس واليهود يعني إخراجهم من دائرة الإسلام والتوحيد إلى الكفر ، فهذا حكم من المعترض بتكفيرهم وقد قال الله تعالى : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ{35} مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ{القلم:35} وقال : ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ {الحجر:2} ومعلوم عند أهل السنة والجماعة قاطبة أن الحدود تدرأ لأدنى شبهة لحديث : ﴿ ادْرَؤوا الْحُدُودَ وَالْقَتْلَ عَنْ عَبَّادِ اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ{الطبراني في الكبير برقم:9580 عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه} فكيف بما هو أشد وهو التكفير ؟ ثم إن أهل السنة مجمعون على عدم تكفير أحدٍ من المخالفين لهم من أهل البدع الصريحة من أهل القبلة ، ومجمعون أيضاً على أن عقائد الصوفية هي عقائد أهل السنة والجماعة لم يخرجوا عن شيءٍ منها ، وليرجع المعترض إلى معرفة عقائد الصوفية في أول الرسالة القشيرية وفي كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف لأبي بكر الكلابازي رحمه الله تعالى .
    ثم ادعاؤه أن الحافظ الذهبي وغيره ذكروا النصارى والمجوس واليهود في كتبهم ادعاء باطل وحبذا لو يذكر لنا المعترض بجدول تلك الكتاب وأسماء أولئك لنستدل على صدقه .
    فالإمام الذهبي سمى كتابه / سير أعلام النبلاء / فهل هؤلاء النصارى والمجوس واليهود معدودون في أعلام النبلاء عند المعترض حتى يذكرهم الإمام الذهبي ؟
    والحافظ أبو نعيم سمى كتابه / حلية الأولياء / فهل أولئك معدودون من الأولياء عند المعترض حتى يذكروا في الحلية ؟
    والحافظ ابن الجوزي رحمه الله سمى كتابه / صفة الصفوة أو صفوة الصفوة / فهل هؤلاء معدودون من الصفوة حتى يذكرهم ومناقبهم الحافظ ابن الجوزي رحمه الله ، وهكذا يقال في كتب التراجم ، سبحانك ربِ فهذا بهتان عظيم .
    11- ثم قال المعترض : ما هذا الفهم العجيب ؟
    أقول : ظهر فيما سبق صدق الحبيب الجفري وكذب المعترض المفتري فما هذا الافتراء الغريب يا جامع القراءات العشر ؟
    إن الأمة الإسلامية في عصور الانحطاط والتخلف ابتليت بالوهابية التي تنبح وتنطح وبأدعياء الصوفية التي تمرح وتشطح فالأولى أفرطت والثانية فرطت ، ولا إفراط ولا تفريط في دين الله وشرعه ، إنما هي الوسطية والاعتدال والإنصاف قال النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج : ﴿ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ{أخرجه البخاري برقم:6880 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه}
    إن الوهابية التكفيرية جعلت شغلها الشاغل ليلاً ونهاراً على الفضائيات وفي المؤلفات والخطب النباح الدائم على التصوف والصوفية جملة وتفصيلاً بتكفيرهم ونسبة الافتراءات والاتهامات بكبائر الإثم إليهم ، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم القائل عن أهل الأهواء : ﴿ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ لِصَاحِبِهِ {أبو داود برقم:3981 عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه} .

    12- ثم قال المعترض : ولكن الذي حمل الجفري على زعمه ذلك فيما أظن هو رغبته في تهييج العامة على أهل العلم الذين ينكرون عليه ؟
    أقول : ظنك هذا ظن سوء تأثم به ، فالرجل مازال على قيد الحياة ويجب عليه أن تسأله عن رغبته هل هي تهييج العامة أم الخاصة ؟ أم غير ذلك من الرغبات ؟
    ثم من هم أهل العلم الذين ينكرون عليه ، أليسوا هم الذين ينكرون التصوف وينكرون على أهله من عهد السلف إلى زمننا ؟ وهؤلاء ليسوا من أهل العلم المعتبرين بل هم أدعياء العلم ومتبعوا الأهواء ومبتدعة الآراء ، أهل الرمد والسقم الذين قال فيهم الإمام البوصيري رحمه الله :
    ~ قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
    وقال غيره : ~ ومن يك ذا فمٍ مُرٍّ مريض يجد مُرَّاً به الماء الزُّلالا

    13- ثم قال المعترض : فلذلك يحتال بكل حيلة ولو كانت غير معقولة .
    أقول : ما رأيت إلى الآن فيما قرأته عن الحبيب الجفري أو سمعته منه عبر الفضائيات ما يدل على أنه يسلك طريق الاحتيال خلافاً للمعترض الذي في كل اعتراض يظهر لنا احتياله وكذبه وافتراؤه .
    وحبذا لو يعرض لنا المعترض بعض احتيالات الحبيب الجفري غير المعقولة عنده وعند أمثاله من القاصرين لنعرضها على العقلاء والعلماء فنكشف عنها هل هي معقولة عندهم أم لا ؟ وهل هي من الاحتيالات أم لا ؟ فيرجع في بيان ذلك إلى العقلاء لا إلى من في عقولهم كوثة وهوى .

    14- ثم قال المعترض : لأنه يخاطب أناساً لا يفقهون دلالة هذه الأمور .
    أقول : جمهور الحبيب الجفري الذين يخاطبهم هم من جميع طبقات الأمة الإسلامية ومجتمعاتهم ففيهم العلماء وفيهم العقلاء وفيهم أرباب السياسة والكفر وفيهم الخاصة وفيهم العامة ، ولا يصح للمعترض أن يتهم أولئك جميعاً بأنهم لا يفقهون دلالة هذه الأمور ، هل يُعقل أن يغيب هذا الفقه عن عقول أمة بكاملها تبلغ آلافاً مؤلفة ليكتشفه لنا فرد أو أفراد ليس لهم نسبة أمام ذلك الجمع العظيم ؟ المرض الخطير الذي ابتلي به المعترض وأمثاله : العُجب المهلك كما ورد في الحديث ﴿ ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ {المعجم الكبير للطبراني برقم:651 عن ابن عمر رضي الله عنهما} فرأى صاحب هذا العجب أنه فقِه دلالة هذه الأمور دون الأمة كلها فالأمة كلها لا تفقه والمعترض يفقه ،
    ~ فيا أسفاً كم يدعي الفقه جاهل ويا عجباً كم يدعي النقص كامل

    15- ثم قال المعترض : وأما الإمام ابن الجوزي ﴿ رحمه الله ﴾ الذي يتقوى به الجفري ويلبِّس على الناس فيوهمهم أنّ الإمام ابن الجوزي يعظم الصوفية ... الخ
    أقول : للإمام ابن الجوزي رحمه الله كتاب سمّاه – صفة الصفوة – وهو مطبوع بأربع مجلدات اختصر فيه الحلية للحافظ أبي نعيم رحمه الله ترجم فيه للرجال من أئمة الصوفية الذين ترجم لهم الأئمة القشيري رحمه الله في رسالته ، وأبو نعيم رحمه الله في حليته ، والسلمي رحمه الله في طبقاته ، والذهبي رحمه الله في سير أعلامه ، فلم يكون هؤلاء جميعاً مادحون ومعظِّمون ويكون الحافظ ابن الجوزي عند المعترض منفرداً بالذم والتنقيص ، إن فعل ذلك الحافظ ابن الجوزي فقول ثقة خالف فيه أقوال الثقات فيكون شاذَّاً مردوداً ، وإن وافق الثقات قبله في أولئك المترجم لهم فذكرهم وذكر أقوالهم معظماً ومتأدباً وهو الواقع قطعاً فقد ظهر كذب المعترض وافتراؤه على الحافظ ابن الجوزي رحمه الله .

    لو أن كل باحث عن الحقيقة رجع إلى تراجم الأعلام في كتاب ابن الجوزي رحمه الله – صفة الصفوة – والذين ترجمهم من كان قبله لن يجد في ترجمة واحد منهم كلمة ذمٍّ أو تنقيص صدرت من ابن الجوزي رحمه الله في حق واحد من هؤلاء ، وأتحدى المعترض ومن معه أن يوجد لنا في كلام هذا الإمام كلمة ذم أو تنقيص في حق واحدٍ ممن ترجم له غيره وأثنوا عليه .
    والكتاب مطبوع وننصح المسلمين بقراءته وعلماءهم بإقرائه لما فيه من القواعد والفوائد عن الصوفية وعلماءهم وعُبَّادهم وزهادهم ، أليس ذكر أولئك القوم وتخليد سيرهم وأقوالهم تعظيماً لهم ورضاً عنهم ؟ أما عند أهل الحق فبلى بلى ، وأما عند أهل الباطل فلا لأنهم لانعكاس وانتكاس قلوبهم وعقولهم يرون التعظيم إهانةً والرضا سخطاً والمدح ذمَّاً .

    16- ثم قال المعترض : فأنا أدعو الجميع لقراءة كتاب / تلبيس إبليس / لا بن الجوزي ﴿ رحمه الله ﴾ الذي يفضح فيه حقيقة ... الخ
    أقول : قبلت دعوة المعترض فرجعت إلى كتاب / تلبيس إبليس / فوجدت فيه ما يصفع المعترض على وجهه أو قفاه وقبل أن أذكر ذلك أنبه على أمر :
    كما لم يقبل المعترض فيما سبق جميع ما قاله أئمة أهل السنة الأعلام كابن حجر العسقلاني والنووي والهيثمي والذهبي رحمهم الله تعالى بل قبل منهم ورد عليهم بهواه وبدعته ، فنحن مع الحق ندور معه حيث دار ، فكتاب ابن الجوزي / تلبيس إبليس / فيه مواضع لبَّس فيها إبليس على ابن الجوزي نفسه فأخطأ فيها كما أصاب في مواضع فنحن نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال ، فهو ثقة وما يخالف به الثقات فشاذٌّ مردود عليه ، وما يوافقهم به فمقبول منه ، وهكذا الحكم مع غيره خلافاً للمعترض الذي يعتمد الشاذ من الأقوال المخالفة لجمهور العلماء الثقات ويدفع به أقوالهم الحقة المطابقة للواقع فنحن مع الجمهور ولسنا مع من يشذ ولو كان ابن الجوزي رحمه الله ثم إنّ كتاب الإمام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله المسمى / الكشف والتبيين في غرور الخلق أجمعين / وما ذكره في كتابه الإحياء من الغرور وأنواعه ، وكتاب / تنبيه المغترين أواخر القرن العاشر لما خالفوا فيه سلفهم الطاهر / للشيخ الإمام الشعراني رحمه الله تعالى يغنيان عن كتاب ابن الجوزي رحمه الله / تلبيس إبليس / والسبب في ذلك أنّ الشيخ ابن الجوزي ذكر في كتابه هذا مذاهب الفلاسفة والطبائعيين والثنوية وغيرهم مما تضر قراءته للعامة لأنه قرر مذاهبهم وشبههم فربما تستقر الشبهة في ذهن عاميٍّ ولا يدرك الرد عليها ، فيموت عليها ويبعث مع أهلها ، بينما كتابا الغزالي والشعراني رحمهما الله خاليان من هذا الضرر لأنهما خطاب للمسلمين عامة وخاصة .
    ثم إنني أنصح المعترض ومن معه ، وطُلاب العلم بقراءة كتاب / دفع شبهة التشبيه بألف التنزيه / للحافظ ابن الجوزي رحمه الله وهو كتاب قيِّم في العقيدة الصحيحة ، ولم يشذ فيه مؤلفه عن الثقات العدول في شيء من قواعده وأصوله ، وهو حنبلي المذهب على عقيدة الإمام المبجَّل أحمد بن حنبل رضي الله عنه في التنزيه ، رد بهذا الكتاب على الحشوية متأخري الحنبلية المشبهة عقائدهم الباطلة في التشبيه .
    والوهابية هم الحشوية المشبهة ، فهل يقبل المعترض اعتماد هذا الكتاب وما فيه عقيدة كما اعتمد من كتب الشيخ الحافظ ابن الجوزي رحمه الله كتابه / تلبيس إبليس / ؟ وهل يرجع عن عقيدة التشبيه إلى عقيدة التنزيه ؟ إن فعل ذلك فقد أنصف ، وإلا فهو ضالٌّ مضل ، والعياذ بالله تعالى .
    وإليك أخي القارئ بعض ما قاله الحافظ ابن الجوزي رحمه الله في كتابه / تلبيس إبليس / فيما يتعلق بعقيدة المجسمة والمشبهة والوهابية الحشوية أولاً ثم بأقواله في الصوفية :
    1* قال : ـ فصل ـ وقد وقف أقوام مع الظواهر فحملوها على مقتضى الحس فقال بعضهم : إن الله تعالى جسم - تعالى الله عن ذلك - ثم اختلفوا فقال بعضهم جسم كالأجسام ومنهم من قال لا كالأجسام ثم اختلفوا فمنهم من قال : هو نور ومنهم من قال : هو على هيئة السبيكة البيضاء ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - .
    وقال هشام : هو متناهي الذات ، وله ماهية يعلمها هو .
    قال الشيخ الحافظ ابن الجوزي رحمه الله : وهذا يلزمه أن يكون له كيفية أيضاً وذلك ينقض القول بالتوحيد ، وقد استقر أن الماهية لا تكون إلا لمن كان ذا جنس وله نظائر فيحتاج أن يفرد منها ويبان عنها ، والحق سبحانه ليس بذي جنس ولا مثل له ، ولا يجوز أن يوصف بأن ذاته لا متناهية على معنى أنه ذاهب في الجهات بلا نهاية ، إنما المراد أنه ليس بجسم ولا جوهر فتلزمه النهاية .
    ثم قال : ومنهم من يقول : إن لله صورة وأعضاء ، ويجوز أن يمس ويلمس ويعانق ، وقال بعضهم هو جسم فضاء والأجسام كلها فيه ، وأنه على صورة رجل وأنه يهلك جميع أعضائه إلا وجهه ، ومنهم من يقول : هو جسم لحم ودم وله جوارح وأعضاء وهو أجوف من فمه إلى صدره ومصمت ما سوى ذلك .
    ثم قال : ومن الواقفين مع الحس أقوام قالوا : هو على العرش بذاته على وجه المماسة فإذا نزل انتقل وتحرك وجعلوا لذاته نهاية وهؤلاء قد أوجبوا عليه المساحة والمقدار ، وحملوا نزوله على الأمر الحسي الذي يوصف به الأجسام وهؤلاء المشبهة الذين حملوا الصفات على مقتضى الحس ، ومن الناس من يقول لله وجه هو صفة زائدة على صفة ذاته ، وله يد وله أصبع ، وله قدم إلى غير ذلك مما تضمنته الأخبار وهذا كله إنما استخرجوه من مفهوم الحس .
    أقول : وهذه هي عقيدة الوهابية التي أنكرها الحافظ ابن الجوزي وردها رداً بليغاً في كتبه كلها ، وهي التي ينشرها هؤلاء ويعلنون بها في الفضائيات والمؤلفات ، فهل يقبل المعترض ومن معه من هؤلاء كلام الإمام ابن الجوزي هذا والذي وافق به أهل السنة ولم يشذ عنهم فيه أم يبقون على عقائدهم الضالة وبدعهم المضلة ؟ فلم قبل المعترض كلام ابن الجوزي على إطلاقه في الصوفية وهو مقيد بلا شك بالأدعياء منهم ، ولم يقبل كلامه في العقيدة الصحيحة ؟ يُسأل المعترض ومن معه على ذلك ، حتى لا أتقول عليهم .
    ذكر بعض ما قاله الشيخ ابن الجوزي رحمه الله مما يتعلق بأقوال الصوفية وتفريق ما بين السلف منهم والدخلاء عليهم :
    قال في الباب العاشر :
    التصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص فمال إليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من التزهد ، ومال إليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب .
    كانت النسبة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والإسلام فيقال : مسلم ومؤمن ، ثم حدث اسم زاهد وعابد ، ثم أنشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد فتخلوا عن الدنيا وانقطعوا إلى العبادة واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها وأخلاقاً تخلقوا بها ورأوا أن أول من انفرد به بخدمة الله سبحانه وتعالى عند بيته الحرام رجل يقال له صوفة فانتسبوا إليه لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى فسموا بالصوفية ، وقال آخرون بل هو منسوب إلى الصوف وهذا يحتمل والصحيح الأول .
    ثم قال : وهذا الاسم ظهر للقوم قبل سنة مائتين ولما أظهره أوائلهم تكلموا فيه وعبروا عن صفته بعبارات كثيرة وحاصلها أن التصوف عندهم رياضة النفس ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق الرذيلة وحمله على الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق إلى غير ذلك من الخصال الحسنة التي تكسب المدائح في الدنيا والثواب في الأخرى .
    ثم قال بإسناده : سئل الجنيد بن محمد عن التصوف فقال : الخروج عن كل خُلُق ردئ والدخول في كل خُلُق سيء .
    وبإسناده قال : قال رويم : كل الخلق مقدموا على الرسوم وقعدت هذه الطائفة على الحقائق ، وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع وهم طالبوا أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق .
    قال : وعلى هذا كان أوائل القوم فلبَّس إبليس عليهم في أشياء ثم لبَّس على من بعدهم من تابعيهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن .
    أقول : تبين بهذا أن الشيخ الحافظ ابن الجوزي رحمه الله يفرِّق بين أوائل القوم الذين لبَّس إبليس عليهم في أشياء كما قال وحبذا لو ذكرها وذكر من هم ، وبين المتأخرين منهم وفيهم الدخلاء والأدعياء والجهلة من العوام .
    فوافق بقوله هذا كلام غيره من الأئمة والعلماء والحفاظ وأن الصوفية فيهم الصالحون وفيهم غير ذلك كما هو موجود في الفِرق والطوائف والمذاهب كلها ، وما قال أحد بالعموم والإطلاق ذماً وتكفيراً كما وقع به المعترض وأمثاله من المعاصرين .
    ثم قال : وإنما استحسنوها ـ أي طريقة القوم ـ لأنه قد ثبت في النفوس مدح الزهد وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم في الصورة ولا كلاماً أرق من كلامهم ، وفي سير السلف نوع خشونة ، ثم إن ميل الناس إلى هؤلاء القوم شديد لما ذكرنا من أنها طريقة ظاهرها النظافة والتعبد وفي ضمنها الراحة والسماع ، والطباع تميل إليها ، وقد كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء ، فصاروا أصدقاء .
    ثم قال : وقد كان أوائل الصوفية يقرون بأن التعويل على الكتاب والسنة ، وإنما لبَّس الشيطان عليهم لقلة علمهم ثم قال بإسناده : قال أبو سليمان الداراني ﴿ رحمه الله ﴾ : ربما تقع في نفسي النكتة من نكت القوم أياماً فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة .
    وبإسناده قال : قال أبو يزيد ﴿ رضي الله عنه ﴾ لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود .
    وبإسناده قال : قال أبو يزيد : من ترك قراءة القرآن والتقشف ولزوم الجماعة وحضور الجنائز وعيادة المرضى وادّعى بهذا الشأن فهو مبتدع .
    وبإسناده قال : من ادّعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو مخالط .
    وبإسناده قال : عن الإمام الجنيد رضي الله عنه : مذهبنا هذا مقيد بالأصول الكتاب والسنة ، وقال أيضاً : علمنا هذا منوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتـفقه لا يُقتدى به .
    وقال أيضاً : ما أخذنا التصوف عن القيل والقال لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات لأن التصوف من صفاء المعاملة مع الله سبحانه وتعالى .
    وعن أبي بكر الشفاف رحمه الله تعالى قال : من ضيع حدود الأمر والنهي في الظاهر حُرم مشاهدة القلب في الباطن وقال الحسين النوري لبعض أصحابه : من رأيته يدَّعي مع الله عز وجل حالة تخرجه عن حد علم الشرع فلا تقربنه ، ومن رأيته يدّعي حالة لا يدل عليها دليل ولا يشهد لها حفظ الظاهر فاتهمه على دينه .
    وعن الجريري قال : أمرنا هذا كله مجموع على أصل واحد هو أن تلزم قلبك المراقبة ويكون العلم على ظاهرك قائماً ، وعن أبي جعفر قال : من لم يزن أقواله وأفعاله وأحواله بالكتاب والسنة ولم يتهم خاطره فلا تعده في ديوان الرجال .
    قال المصنف : وإذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم فإن كان ذلك صحيحاً عنهم توجه الرد عليهم إذ لا محابات في الحق ، وإن لم يصح عنهم حذّرنا من مثل هذا القول وذلك المذهب من أي شخص صدر ، فأما المشبهون بالقوم وليسوا منهم فأغلاطهم كثيرة ، إلى أن قال : وقد يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة وله غلطات فلا تمنع منزلته بيان زلـله .
    أقول : هذا كلام عالم منصف ، فلا بد أولاً من إثبات صحيح بطريق معتبر لننسب كل قول إلى قائله ، فإن لم نجد رددنا القول دون نسبته إلى أحد وحذرنا منه ومن السيد على مذهبه في ضلاله وانحرافه دون أن نطغى على الحق فنظهره بمظهر ذلك الباطل ، وقد تقدم في كلامي مثل هذا .
    وقد ذكر الشيخ أقوال أوائلهم مقراً لها غير منكر ثم بين أن أقواماً تشبهوا بالقوم وليسوا منهم ولهم أغاليط كثيرة ، وبمثل قوله هذا يقول علماء الصوفية قاطبةً ، وهذه القاعدة التي ذكرها الشيخ هي الأصل وما بعد ذلك من الكلام على الصوفية متفرع عليها فلا أدري ما الذي حمل المعترض على ذكر ما يتعلق بذم الصوفية من كلامه ، وتركِ مثل هذا الكلام المنصف ! إنه التعصب والهوى والعياذ بالله تعالى .
    17- ثم قال المعترض : قال ابن الجوزي عاصم : قال ما زلنا نعرف الصوفية بالحماق إلا أنهم يستترون بالحديث .
    أقول : لا بد من تطبيق القاعدة التي ذكرها الشيخ أول كلامه فهل هذه الكلمة جاءت من طريق صحيح أم هي مكذوبة على من نسبت إليه والإسناد مركب كذباً ، الأمر محتمل وما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال .
    ثم إن قوله يدل على أنهم يرمون بالتحامق ويستترون بالحديث ، فكيف تم الجمع بين هذين الوصفين فإن اشتغالهم بالحديث صفة مدح والتحامق صفة ذم ، فهم يُمدحون لوجه ويذمون لآخر ، أي فلا يذمون مطلقاً وعلى العموم لوجود صفة خير فيهم وهي اشتغالهم بالحديث .
    ثم من الذين رماهم بالحمق حتى عُرفوا به ؟ ربما يكون الذي رماهم بذلك أبناء الدنيا وأعداؤهم من المبتدعة فلا تقبل أقوالهم فيهم للاختلاف الذي بينهم في العقيدة والمقاصد ، فأبناء الدنيا أعداء لأبناء الآخرة ويتهمونهم لا بالحماق فقط بل بالجنون والبلاهة .
    والمبتدعة أعداء أهل السنة من الأشعرية والصوفية إلى زمننا ، ولهم بذلك أسوة بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فما من نبي ولا رسول إلا اتهمه قومه بالجنون وهم برآء منه قطعاً ، قال الله تعالى ﴿ مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ {فصلت:43} ، وكذلك أولياء الله تعالى ووراث أنبيائه عليهم الصلاة والسلام .
    ثم هذا القول فيه بشرى للصوفية بسبب رميهم من قبل أعداءهم بالحماقة والبله والجنون وتلك البشرى لهم من وجهين :
    1* روى سيدنا أنس رضي الله عنه مرفوعاً ﴿ أكثر أهل الجنة البُله ﴾ {رواه البزار وفيه سلامة بن روح وثقه ابن حبان وغيره ، وضعفه غير واحد ، ورواه البيهقي في الشعب والقضاعي }.
    وقال في المقاصد الحسنة : وجاء عن سهل بن عبد الله التُستري رحمه الله في تفسيره للحديث : هم الذين ولهت قلوبهم وشغلت بالله عز وجل ، وعن أبي عثمان رحمه الله قال : هو الأبله في دنياه الفقيه في دينه ، وعن الأوزاعي رحمه الله قال : هو الأعمى عن الشر البصير بالخير رواها البيهقي رحمه الله في الشعب .
    وقال في النهاية : البله هم الذين غلبت عليهم سلامة الصدور وحسن الظن .
    أقول : كل هذه الأوصاف تنطبق على الصوفية ، فكافة المبتدعة وأبناء الدنيا يرمونهم بالبلاهة والحماقة والجنون فتبين أنهم أكثر أهل الجنة ولله الحمد على هذه البشرى النبوية .
    وقد قال الإمام العراقي رحمه الله في تخريج أحاديث الإحياء : أخرجه البزار من حديث أنس رضي الله عنه بسند ضعيف ، وزيادة / وعليون لذوي الألباب / لم يوجد لها أصل بل هي مدرجة من كلام أحمد بن أبي الحواري رحمه الله تعالى .
    أقول : أحمد بن أبي الحواري من كبار الصوفية ومن رجال الرسالة القشيرية وهو الذي روى عنه ابن الجوزي رحمه الله وبالإسناد إليه قول عاصم : ما زلنا نعرف الصوفية بالحماق ... الخ .
    فهل يصح لكبير الصوفية في عصره ابن أبي الحواري أن يذمهم أو أن يروي ما فيه ذمهم ؟ فلا بد أن تؤول روايته هذه بما يتوافق مع الحديث المذكور وأنهم يُرمون بالحماقة أو يتحامقون عند أبناء الدنيا من الحكام والأغنياء لتزهيدهم فيهم وإبعادهم عنهم خشية أن يوافقوهم على أهواءهم أو يصيبوا من دنياهم ما فيه فساد دينهم وذهاب آخرتهم ، وقد فعل ذلك كثير من السلف الصالح .
    قال الشاعر : ~ ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
    أما إذا كان المقصود بالحمق قلة العقل والفطنة فهذا موجود أمثاله في كل الفرق والطوائف والمذاهب فلا تخلو عن بعضٍ من هؤلاء وليس الأمر موقوفاً على الصوفية وحدهم .
    2* عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً : ﴿ أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون ﴾{رواه أحمد وأبو يعلى والبيهقي في الشعب وغيرها والحاكم وابن حبان وصححاه} .
    وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً : ﴿ اذكروا الله ذكراً حتى يقول المنافقون إنكم مراؤون ﴾{رواه الطبراني وفيه الحسن بن أبي جعفر الجفري وهو ضعيف} .
    أقول : الصوفية عرفوا في تاريخهم بالذكر حتى صار علما لهم لا يُعرف به غيرهم من المبتدعة ، ولم يتحقق ما في الحديث النبوي بأحدٍ إلا بهم فهم يذكرون الله حتى يقول الناس عنهم مجانين وحتى يقول المنافقون إنهم مراؤون .
    فهنيئاً للصوفية ذكرهم لله تعالى لأنه يذكرهم سبحانه ، قال تعالى : ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ {البقرة: 152} وهنيئاً لهم بما يرميهم به أعداؤهم من الجنون وما يصفونهم به من الرياء فإنهم مثابون ومأجورون بكل ذلك إن شاء الله لصبرهم على إيذاء الخلق لهم .
    18- ثم أورد المعترض : وبإسناد عن يحيى بن يحيى قال : الخوارج أحب إلي من الصوفية .
    أقول : إن صح هذا القول عنه ـ وما أظنه يصح ـ فهو مع من يحب ، والخوارج من أهل النار بنص الحديث النبوي فليكن معهم لمحبته لهم ، ففي الحديث الصحيح : ﴿ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ{أخرجه البخاري برقم:5702 عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه} وقد روى ابن أبي أوفى رضي الله عنه مرفوعاً ﴿ الخوارج هم كلاب النار ﴾ {رواه أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي وعبد الرزاق والطبراني وأبو داود الطيالسي} .
    الخوارج الأوائل كفّروا سيدنا علياً رضي الله عنه ومن كان معه من الصحابة رضي الله عنهم ، وقاتلوهم وانتصر عليهم ، فكيف يحب قوماً كفروا الصحابة وقاتلوهم ، ويبغض الصوفية الذين لم يكفروا ولن يكفروا أحداً من أهل القبلة ولم يقاتلوا ولن يقاتلوا أحداً حتى من يكفرهم ويقاتلهم ، فإنهم كخير ابني آدم عملاً بالحديث : ﴿ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ{سنن أبي داود برقم : 3715 عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه} بينما المبتدعة من الخوارج وغيرهم كشر ابني آدم .
    أما الخوارج المعاصرون الوهابية التكفيرون ، قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ{أخرجه البخاري برقم:3342 عن علي رضي الله عنه} الحديث .
    قال الشيخ ابن عابدين خاتمة المحققين الحنفية في حاشيته : هم الوهابية أتباع محمد بن عبد الوهاب .
    فليهنأ المعترض ومن معه بحب الخوارج كلاب أهل النار وليكونوا منهم ومعهم لأنهم أحب إليهم من الصوفية رياحين أهل الجنة .
    ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أطلعه الله على ما يقع في أمته من الفتن وبدع العقائد ، ففي صحيح مسلم برقم:5149 عن عمرو بن أخطب رضي الله عنه قال : ﴿ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتْ الظُّهْرُ فَنَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتْ الْعَصْرُ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا ﴾ وفي سنن أبي داود برقم:3705 عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : ﴿ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوْا وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَائِدِ فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثَ مِائَةٍ فَصَاعِدًا إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ قَبِيلَتِهِ ﴾ ، وذكر أصول المبتدعة كالخوارج كما مر وذكر القدرية والمرجئة
    ففي سنن أبي داود وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً : ﴿ القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم ﴾ وعند البيهقي والطبراني بزيادة : ﴿ وهم شيعة الدجال وحق على الله عز وجل أن يلحقهم به ﴾ ، وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً : ﴿ صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ.
    فلو كان الصوفية من أهل البدع الضلالات ومن أهل الفتن لذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر غيرهم ، فلما سكت عنهم مع إعلام الله له بوجودهم من بعده دل على أنهم من أهل الحق المرضي عنهم إن شاء الله تعالى وفي الحديث : ﴿ فَأَخْبَرَنَا بِمَا يَكُونُ فِي أُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ{مسند أحمد برقم:17514 عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه} .
    19- ثم أورد المعترض : وبإسناد عن يحيى بن معاذ ﴿ رحمه الله تعالى ﴾ يقول : اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس العلماء الغافلين ، والفقراء المداهنين والمتصوفة الجاهلين .
    أقول : يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله من كبار علماء الصوفية وحكماءهم ومن رجال الرسالة القشيرية ، ونُقل عنه هذا القول في أكثر من كتاب ولكن بإبدال الفقراء بالقراء المداهنين ، والصوفية كلهم يقولون بقوله هذا ويحذرون من صحبة الجاهلين والعوام الطغام الذين ابتلي بهم التصوف وعلماؤه الصالحون .
    ومفهوم المخالفة لهذا الكلام : اصحب العلماء الذاكرين ، والقراء الزاهدين ، والمتصوفة العارفين .
    20- ثم أورد المعترض ما ذكره ابن الجوزي رحمه الله من أن الفقهاء بمصر أنكروا على ذي النون ... الخ .
    أقول : جاء في صحيح البخاري رحمه الله برقم:6467 من قول ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ فَقَالَ وَرَقَةُ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ {عن عائشة رضي الله عنها} .
    فلو كان كل مخرج ضالاً مضلاً لكان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين أخرجهم قومهم من بلادهم كذلك وحاشاهم من هذا وكذلك وراث النبيين عليهم الصلاة والسلام من العلماء وأهل البيت النبوي الشريف الذين أوذوا في الله وشردوا في الأرض والذين أخرجهم أهل البدع وأصحاب الأهواء وأبناء الدنيا من الفقهاء والأمراء بعد أن افتروا عليهم وكذبوا واتهموهم بما هم منه برآء ، لتكمل فيهم الوراثة المحمدية ، وقد أخرج كثير من الأئمة الأعلام من بلادهم على أيدي المبتدعة من المجسمة والمشبهة والحشوية ، وأوذي آخرون وسجنوا وضربوا ، وإليك بعض الأمثلة :
    1* قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله في الطبقات / ج2 / ما نصه :
    قاعدة في الجرح والتعديل : الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسره في حق من غلبت طاعاته على معاصيه ومادحوه على ذاميه ، ومزكوه على جارحيه إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي أو منافسة دنيوية إلى أن قال : ومن ذلك قول بعض المجسمة في أبي حاتم بن حبان : لم يكن له كبير دين ، نحن أخرجناه من سجستان لأنه أنكر الحد لله ، فيا ليت شعري من أحق بالإخراج ؟ من يجعل ربه محدوداً أو من ينزهه عن الجسمية ؟
    2* ذكر الشيخ الإمام الشعراني رحمه الله في أول كتابه / اليواقيت والجواهر / ما نصه :
    وقد نقل الجلال السيوطي رحمه الله في كتابه التحدث بالنعمة ما صورته : ومما أنعم الله به عليَّ أن أقام لي عدواً يؤذيني ويمزق في عرضي ليكون لي أسوة بالأنبياء والأولياء ، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ يا رسول الله ، من أشد الناس بلاء ؟ قال : الأنبياء قال : ثم من ؟ قال : العلماء قال : ثم من ؟ قال : ثم الصالحون { رواه الحاكم في مستدركه برقم:109 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه} ...الخ 1.هـ
    ثم قال : وكان لسعد بن أبي وقَاص رضي الله عنه جهلة من جهال الكوفة يؤذونه مع إنه مشهود له بالجنة وشكوه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا إنه لا يحسن أن يصلي .
    وأما الأئمة المجتهدون فلا يخفى ما قاساه الإمام أبو حنيفة رحمه الله مع الخلفاء وما قاساه الأئمة مالك الشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى وما قاساه البخاري رحمه الله حين أخرجوه من بخارى إلى خرتنك .
    ثم أورد إخراج أبي يزيد البسطامي وذي النون المصري وسهل التستري ومحمد بن الفضل البلخي لكون مذهبه كان مذهب أهل الحديث من إجرء آيات الصفات وأخبارها على ظاهرها بلا تأويل والإيمان بها على علم الله تعالى فيها ، ولما أخرجوه قال يا أهل بلخ نزع الله من قلوبكم معرفته قال الأشياخ فلم يخرج بعد دعوته عليهم تلك من بلخ صوفي أبداً مع أنها كانت أكبر بلاد الله صوفية ،
    أقول : ثم ذكر الكثيرين ممن أخرج غير هؤلاء فليرجع إلى البحث من أراد الزيادة والاطلاع .
    وفي كلام الشيخ الشعراني رحمه الله أنً الإمام البخاري رحمه الله أُخرج من بلده حتى دعا بالموت ففي سير أعلام النبلاء ما نصه :
    جاء محمد بن إسماعيل ﴿ رحمه الله ﴾ إلى خرتنك قرية على فرسخين من سمرقند وكان له بها أقرباء فنزل عندهم فسمعته ليلة يدعو وقد فرغ من صلاة الليل اللهم إنه قد ضاقت عليَ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك ، فما تم الشهر حتى مات . قال التاج السبكي رحمه الله : قول بعضهم في البخاري رحمه الله تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ ، فيا لله والمسلمين أيجوز لأحد أن يقل البخاري متروك ، هو حامل لواء الصناعة ، ومقدم أهل السنة والجماعة ، ثم يا لله والمسلمين أتجعل مَمادحه مذامَ فإن الحق في مسألة اللفظ معه ، إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في أنّ تلفظه من أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة لله تعالى ، وإنما أنكرها الإمام أحمد رضي الله عنه لبشاعة لفظها .
    أقول : فهل إخراج الإمام البخاري ومحمد بن الفضل البلخي وغيرهما من الأئمة والعلماء الذين أخرجوا على أيدي أهل البدع والأهواء يكون إخراجهم عند المعترض وأمثاله دليلاً على أنهم مبتدعة ضالون وزنادقة مارقون ؟ ومثل إخراج هؤلاء إخراج أئمة أهل التصوف الذين ذكرهم الشعراني وابن الجوزي رحمهما الله تعالى لا يكون دليلاً عند أهل الحق أنهم مبتدعة وزنادقة .

    وليسمع المعترض ومن معه ما قاله الشيخ الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين في هؤلاء الذين أُوذوا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا بعقيدة التنزيه ويدعوا إلى التصوف النزيه :
    قال في ج1 ص138 ما نصه : فكلام أئمة الطريق هو على هذا المنهاج فمن تأمله – كسهل بن عبد الله التستري وأبي طالب المكي والجنيد بن محمد وأبي عثمان النيسابوري ويحيى بن معاذ الرازي وأرفع من هؤلاء طبقة مثل أبي سليمان الداراني وعون بن عبد الله - الذي كان يقال له حكيم الأمة – وأضرابهما فإنهم تكلموا على أعمال القلوب وعلى الأحوال كلاماً مفصلاً جامعاً مبيناً مطلقاً من غير ترتيب ولا حصر للمقامات بعدد معلوم فإنهم كانوا أجل من هذا وهمهم أعلى وأشرف ، إنما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة وطهارة القلوب وزكاة النفوس وتصحيح المعاملة ولهذا كلامهم قليل ، فيه البركة ، وكلام المتأخرين كثير طويل قليل البركة ، ولكن لا بدَّ من مخاطبة أهل الزمان باصطلاحهم إذ لا قوة لهم للتشمير إلى تلقي السلوك عن السلف الأول وكلماتهم وهديهم ، ولو برز لهم هديهم وحالهم لأنكروه ، ولعدوه سلوكاً عامياً ، وللخاصة سلوك آخر ، إلى أن قال : فالمتأخرون في شأن والقوم في شأن و ﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ﴾{الطلاق:3} ا.هـ
    فبأي الكلام يقتدي المعترض ومن معه : بكلام ابن الجوزي رحمه الله الذي نقل ذمهم وطعن بهم أم بكلام الشيخ ابن القيم رحمه الله الذي مدحهم وأثنى عليهم ؟

    21- ثم أورد المعترض قول ابن الجوزي رحمه الله : وذلك لأنّ السلف كانوا ينفرون من أدنى بدعة ويهجرون عليها تمسكاً بالسنة ا.هـ
    أقول : ومن ذلك هجر الإمام أحمد رحمه الله الحارث المحاسبي رحمه الله لأنه اشتغل برد كلام أهل البدع ، مع أنّ الرد ربما يكون متعيناً عليه ، وأنكر على الإمام البخاري رحمه الله مسألة اللفظ مع أن الحق معه كما تقدم ، وكان ذلك منه تورعاً واحتياطاً .
    وقوله – من أدنى بدعة – لم يثبت أنّ الصوفية مبتدعة في العقائد ، ولو ثبت لذكرهم من ألف في الفِرق والملل والنحل ، والمتروك في زمنه لا يكون تركه سنة وإلا لزم أن نزيد في تعريف العلماء للسنة – وتركه – وهو لم يقل به أحد إلا الوهابية وهم خارجون عن أهل السنة وليسوا منهم .
    وقوله – تمسكاً بالسنة - لم يُرد بها السنة النبوية لأنها قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ولإقراره ووصفه ، وإنما أراد الطريقة المتبعة عند السلف في درء المفاسد وسدِّ الذرائع ، وتقدم في الرد 18-19 الكلام عن البدعة وأقسامها فليرجع إليه .

    22- ثم أورد المعترض ما ذكره ابن الجوزي رحمه الله من قول عبد الرحمن بن مهدي في الصوفية وأنهم قسمان : قوم أخرجهم الأمر إلى الجنون ، وبعضهم أخرجهم إلى الزندقة .
    أقول : إنّ هذا الكلام المجمل المبهم لا يصح إنزاله على أفراد الصوفية كلهم ، لأنهم اتُّهموا كما تقدم من قبل أهل البدع والأهواء بالجنون والزندقة ، ولا يقبل قول أهل البدع في أهل السنة لاختلاف ما بينهم في العقائد والأصول ، وكُذب عليهم وركبت أسانيد نُسب فيها كلام في ذم الصوفية إلى بعض الأئمة وكل ذلك من الافتراء عليهم وعلى الأئمة ، كما ركبت أسانيد الرجال الثقات على متون نسبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مكذوبة عليه ، وقد بينها علماء الحديث جزاهم الله خيراً وبينوا من كان يركب الأسانيد على الأحاديث المختلقة المكذوبة ، فربما يكون الإسناد صحيحاً والمتن مكذوب ، وهكذا الأمر في كلام الأئمة فيما فيه ذم وطعن بأهل الحق ا.هـ

    23- ثم قال المعترض : ولا أدري ماذا سيكون حال الجفري بعد أن يطلع قراؤه على كتاب ابن الجوزي ؟ .. الخ .
    أقول : وأنا لا أدري ما يكون حال المعترض وأمثاله بعد أن يطلعوا على هذه الردود العلمية ، وبعد أن يطلع الناس على كذبهم وخيانتهم ولا أقول ماذا سيكون .
    انتهى الرد الحادي والعشرون- قال المعترض : وفي الصفحة / 67 / زعم الجفري أنّ مجرّد إيراد العلماء لتراجم الصوفية في كتبهم مثل ابن الجوزي والذهبي ... الخ .
    ثم قال : من أين له أنّ الحافظ الذهبي أو الإمام ابن الجوزي إذا أرادا أن يمدحا أحداً قالا عنه إنه صوفي ؟
    أقول :
    1- تقدم ما ذكر في مقدمة سير أعلام النبلاء من أن الصوفية قسمان : قسم من أخيار الأمة وصالحيها وهؤلاء مُدحوا وأثني عليهم من قبل كل مؤرخي كتب الأعلام ، وقسم من الأدعياء والدخلاء المارقين وهؤلاء ذُمّوا وطعن فيهم وتبرأ علماء التصوف منهم .
    فمدح الصوفية ليس على إطلاقه ، وذمهم ليس على إطلاقه ، فيمدح قوم ويُذَمُّ آخرون .
    2- تقدم أيضاً في سير أعلام النبلاء أنّ الحافظ الذهبي رحمه الله لبس خرقة التصوف تبركاً وكفى بفعله هذا حُجة على صحة طريقتهم والثناء عليهم ، وإذا كان المعترض وأمثاله يعتبرون لبس الإمام الذهبي وغيره من الأئمة خرقة الصوفية ذماً ونقصاً للتصوف وأهله فإنهم بذلك يذمون هؤلاء الأعلام وينتقصونهم ، والذي يذم أعلام العلماء وينتقصهم يُعزَّرُ بالضرب والسجن قضاءً .
    3- ذكر الإمام الذهبي رحمه الله تعاريف كثيرة للتصوف في كتابه وأثنى على كثير من أعلامهم ومشايخهم كما تقدم بيانه ومن ذلك :
    1* جاء في ترجمة الإمام الحسن البصري رحمه الله : وكان ربما يسأل عن التصوف فيجيب .
    2* قال في ترجمة أبي حفص النيسابوري رحمه الله الإمام القدوة الرباني شيخ خراسان ، وهو أول من أظهر طريقة التصوف بنيسابور .
    3* قال في ترجمة ابن مسروق الشيخ الزاهد الجليل الإمام أبو العباس البغدادي شيخ الصوفية ، وهو القائل : التصوف خلو الأسرار مما منه بد ، وتعلقها بما لا بد منه .
    4* قال في ترجمة الإمام الجنيد رحمه الله : علمنا يعني التصوف مشبك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيها : فسألوه عن التصوف فقال هو إفراد القديم عن الحدث والخروج عن الوطن ، وقطع المحاب ، وترك ما علم أو جهل ، وأن يكون المرء زاهداً فيما عند الله راغباً فيما لله عنده .
    5* وقال في ترجمة يحيى بن محمد بن صاعد الإمام الحافظ المجود : قال أبو عبد الرحمن السلمي سألت الدار قطني عن يحيى بن محمد بن صاعد فقال : ثقة ثبت حافظ ، وعمهم - أي عبد الله ابن صاعد – يحدث عن سفيان ابن عيينة في التصوف والزهد .
    6* قال : القدوة العارف شيخ الصوفية أبو بكر محمد بن علي البغدادي الكتاني التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف .
    7* المرتعش الزاهد الولي أبو محمد عبد الله ابن محمد النيسابوري كان يقال : عجائب بغداد في التصوف ثلاث : نكت أبي محمد المرتعش وحكايات الخلدي وإشارات الشبلي .
    8* ابن الأعرابي أحمد بن محمد بن زياد الإمام المحدث القدوة الصدوق الحافظ شيخ الإسلام أبو سعيد البصري الصوفي نزيل مكة وشيخ الحرم صحب المشايخ وتعبد وتأله وألف مناقب الصوفية وحمل السنن عن أبي داود وكان كبير الشأن بعيد الصيت عالي الإسناد
    قال : التصوف كله ترك الفضول .
    وقال : إنما التصوف والتأله والسلوك والسير والمحبة ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من الرضا عن الله، ولزوم تقوى الله، والجهاد في سبيل الله، والتأدب بآداب الشريعة من التلاوة بترتيل وتدبر، والقيام بخشية وخشوع، وصوم وقت، وإفطار وقت، وبذل المعروف، وكثرة الايثار، وتعليم العوام، والتواضع للمؤمنين، والتعزز على الكافرين، ومع هذا فالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
    والعالم إذا عري من التصوف والتأله، فهو فارغ، كما أن الصوفي إذا عري من علم السنة، زل عن سواء السبيل.
    وقد كان ابن الأعرابي من علماء الصوفية، فتراه لا يقبل شيئا من اصطلاحات القوم إلا بحجة.
    9* ابن داود الإمام الحافظ الرباني العابد شيخ الصوفية أبو بكر محمد بن داود النيسابوري الزاهد
    وكان صدوقاً حسن المعرفة من أوعية العلم وكان في التأله صنفاً آخر
    أرخه الحاكم فقال : هو شيخ عصره في التصوف .
    10* بندار بن الحسين الشيرازي القدوة شيخ الصوفية أبو الحسين .
    11* أبو سهل الصعلوكي محمد بن سليمان بن محمد النيسابوري الفقيه الشافعي المتكلم النحوي المفسر اللغوي الصوفي شيخ خراسان قال الحاكم : هو حبر زمانه وبقية أقرانه .
    قال أبو العباس النسوي : كان أبو سهل مقدماً في علم التصوف ، وله كلام حسن في التصوف : قال الحافظ الذهبي : مناقب هذا الإمام حجة .
    12* الإمام المحدث القدوة الواعظ شيخ الصوفية أبو القاسم إبراهيم بن محمد الخراساني النصرابازي النيسابوري الزاهد .
    وقال : أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع .
    وأكتفي بهذا القدر من التراجم لكثرتها في الكتاب المذكور وأحيل القارئ إليه ليجمعها وليقرأ أن وصفهم بالصوفي كان مدحاً لازماً خلافاً لما زعمه المعترض وافتراه على الإمام الذهبي رحمه الله تعالى .
    وانظر أخي القارئ أيضاً في كلمتي القوم والطريقة لتجد أنهما في كثير من المواضع المراد بهما الصوفية وطريقتهم والثناء عليهم إلا من خرج عن الشريعة منهم فإنه مذموم .

    4- ما زال مشرب أهل التصوف محترماً ومعظماً على لسان علماء المسلمين من عهد السلف إلى عهد الخلف ومن ذلك :
    1* الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال : لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء ، ونقل عنه الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه – مدارج السالكين – قوله : أعزُّ الخلق خمسة أنفس : عالم زاهد ، وفقيه صوفي ، وغني متواضع ، وفقير شاكر ، وشريف علي .
    2* شيخ الإسلام العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى : حكى الإمامان السبكي والسيوطي رحمهما الله تعالى : أن العِز لبس خرقة التصوف من الشهاب السُّهروردي – صاحب عوارف المعارف – وكان يحضر عند الإمام أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه ويسمع كلامه ، وسئل عن قول الإمامين القشيري والغزالي رحمهما الله تعالى – الصوفية أفضل من العلماء الراسخين – فقال : هذا متفق عليه ولا يشك عاقل أن العارف بالله أفضل من العارفين بأحكام الله بل العارفون أفضل من أهل الفروع والأصول . نقله في كتاب / نجوم المهتدين /
    3* الشيخ ابن تيمية رحمه الله : لم يعرف عنه أنه يجرُّ ذيل الإنكار على مذهب التصوف برُّمته بل هو في كتبه ومؤلفاته يثني على الإمام الجنيد وأضرابه وعلى الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنهم ، وينقل كلامهم ويفسره ويبين المراد منه وخصص مجلداً ضخماً في فتاويه الكبرى للتصوف والدفاع عنه وعن رجاله فليرجع إليه المعترض إن أحب اتباع العلماء والأئمة والابتعاد عن البدعة والهوى ، وأوصى الشيخ رحمه الله أن يدفن في مقابر الصوفية بدمشق وهذا يدل على اعتقاده بهم وأنه محب لهم ولطريقتهم .
    4* الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى : ذكر الإمام السبكي رحمه الله في الطبقات أنه كان يقتدي في التصوف بالشيخ الكبير ياسين المراكشي رحمه الله ويجله إجلالاً كبيراً وكان يتأدب معه ويرجو بركته ، وقرأ على تلامذته في دار الحديث بدمشق كتاب / صفوة التصوف للحافظ المقدسي رحمه الله / .
    5* الشيخ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى : في كتابه / مدارج السالكين / وكتابه / طريق الهجرتين / الثناء الكثير على التصوف وأهله ومن ذلك قوله في المدارج : الصوفية ثلاثة أقسام : صوفية الأرزاق وصوفية الرسوم وصوفية الحقائق ، وبدع الفريقين المقلدين يعرفها كل من له إلمام بالسنة والفقه ، وإنما الصوفية صوفية الحقائق الذين خضعت لهم رؤوس الفقهاء والمتكلمين ، فهم في الحقيقة علماء حكماء .
    ومن ذلك قوله في الجزء الثالث منه : رحمة الله على أبي القاسم الجنيد ، ما أتبعه لسنة الرسول الله صلى الله عليه وسلم وما أقفاه لطريقه وطريق أصحابه .
    6* الإمام أبو بكر ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى : قال في كتاب سراج المريدين : ولقد رأيت في هاته الصوفية أعياناً أجلَةً علماً وخشية ، وأولياء ذوي كرامات كثيرة يُفتخر بها على سائر الملل ، وإن كان منهم الغَثُّ والسمين والصالح والطالح وكان ينتمي إلى عدة مشايخ من رجال التصوف كالإمام الغزالي وأبي منصور الشيرازي رحمهما الله تعالى .
    7* الإمام الشاطبي رحمه الله : قال في كتابه / الموافقات / مانصه : الصُّوفية حجّة في علومهم وهم صفوة الله من خلقه باتفاق ، وقال : جعل الله هاته الطائفة صفوة أوليائه وفضًلهم على الكافّة بعد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقال في كتابه الاعتصام : إنَ الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة مجمعون على تعظيم الشريعة ، مقيمون على متابعة السنة ، غير مخلَين بشيء من آدابها ، أبعد الناس عن البِدع وأهلها ، ولذلك لا نجد منهم من ينسب إلى ضلالة ، وأكثر من يذكر منهم علماء وفقهاء ومحدَثون وممن يؤخذ عنه الدين أصلاً وفرعاً ، ومن لم يكن كذلك فلابد أن يكون فقيهاً في دينه بمقدار كفايته .
    8* قال العلامة ابن الحاج رحمه الله في الجزء الثاني من مدخله : بعدما انتقد ما ظهر له انتقاده من أعمال بعض المتصوفة : ولا يظن ظان أنَ ما تقدم ذكره فيه إنكار لأخذ العهد من أهله لأهله بشرطه المعتبر عندهم إذ أنَه درج عليه السلف الصالح نفعنا الله بهم ولا ننكر الانتماء إلى المشايخ بشروطه ، وفيه أيضاً : اعلم أن طريق القوم نظيفة وكل شيء يدنَس النظيف .
    أقول : وغير هذا كثير واو أردت استقصاء ما ذكره الأئمة والعلماء في شرف التصوف وفضله واحترامهم وتعظيمهم لأهله لاحتاج الأمر إلى مجلدات وقد كتبت أكثره في كتابي / علماء الصوفية هم السلفية الحقيقيون / وذكر أكثره الشيخ أحمد بن عليوه المستغانمي رحمه الله تعالى في رسالته / الناصر معروف في الذَب عن مجد التصوف / فليرجع إليها من يحب المزيد .
    وأما الإمام ابن الجوزي رحمه الله فلا أدلَّ على تعظيمه للتصوف وأهله من كتابه ـ صفة الصفوة ـ فسماهم الصفوة وأورد الكثير من تراجمهم مادحاً لهم ومعظماً للتصوف وأهله .
    وأقول للمعترض ومن معه : ما رأيكم في كلمات الأعلام والأئمة السابقة وهل هي مدح للتصوف وأهله أم ذم لهم ؟ وكأني بالمعترض لا يعرف الفوارق بين المدح والذم في كلام العرب فيجعل كل مدح ذماً ، وهذا من عمى القلب والعياذ بالله تعالى وصدق الله القائل : ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ {الحج:46}
    5- ثم قال المعترض : نجد أن الحافظ الذهبي ﴿ رحمه الله ﴾ يعدد أوصاف الشخص ... الخ .
    أقول : هذا المعترض إما أنه لم يقرأ كل التراجم في كتب السير والتي منها تراجم أعلام التصوف والثناء عليهم وهي كثيرة ، وإما أنه قرأها واطلع عليها ثم تعامى عنها وتجاهلها لأنها لا تتناسب مع بدعته وهواه ، وأحسّن الظن به فأقول بالاحتمال الأول وأقول عد إلى قراءة كتب التراجم والسير من جديد لتجد خلاف ما ادعيته وافتريته ، لعلك تتوب إلى الله تعالى قبل نزول الموت بك وتستدرك بما بقي من أيام حياتك ما فاتك من الخير فيما مضى منها .
    ثم إن وصف رجل بأنه شافعي ونحوي ومسند وأصولي وحنفي ولُغوي كالنسبة إلى علم من العلوم كل ذلك من صفات المدح لا الذم لأن العلوم كلها محمودة سواء كانت من علوم الشريعة أو آلاتها ، ولم يمر في كتب العرب قديماً وحديثاً أن أحداً ذُم بعلم من هذه العلوم وإذا كان المعترض يعتبر هذه الأوصاف ذماً لا مدحاً فهو دليل على جهله بالعربية وجهله بتلك العلوم ومكانتها ومكانة من اشتغل بها من العلماء ، وكل علمٍ من علوم الشريعة وآلاتها معظّم ومعظّم أهله عند العامة والخاصة من المسلمين في كل المذاهب والطوائف إلا الوهابية فإنه لا قدر عندهم لهذه العلوم ولا لأهلها وأكبر دليل على ذلك هو كلام المعترض هذا الذي جعل الممدوح من العلوم مذموماً وجعل المدح لها ذماً ، وهذه استهانة منه بالعلوم واستخفاف بأهلها يستحق بسببه أن يعزر عليه بالضرب والسجن في حكم القضاء عند قضاة المسلمين وحكامهم .
    أما قوله : النيسابوري البغدادي وما إلى ذلك من النسبة إلى بلدٍ ما ، فهذه نسبة وليست وصفاً يستحق به الإنسان مدحاً أو ذماً ، فإن البلاد لا تقدس أحداً وإنما يقدس الإنسان علمه وعمله ، والمعترض لم يفرق بين النسبة إلى العلوم التي يستحق بها الإنسان وصفاً يمدح به وبين النسبة إلى البلاد التي لا يستحق بها الإنسان وصف مدحٍ أو ذم وإلا فعليه أن يبين لنا البلاد التي يستحق الإنسان أن يُمدح الإنسان إذا نسب إليها ، والبلاد التي يُذم بنسبته إليها ، وليس في كلام أحدٍ من العلماء أو العقلاء ما يدل عليه أو يشير إليه بل هو ضرب من الجهل والجنون أعاذنا الله والمسلمين من ذلك آمين .
    ولا ندري هل بلاد الجزائر التي ينتسب إليها المعترض من بلاد المدح أو الذم ؟ ربما يكون في المسألة خلاف فبعضهم يعتبره مدحاً وبعضهم يعتبره ذماً فليبين لنا المعترض ذلك بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة .
    6- ثم قال المعترض : فلماذا عدَّ كلمة الصوفي مدحاً ؟
    أقول : تقدم أنَّ التصوف مُدِح وأثني عليه من كبار العلماء والأئمة ، وأنَّ الصوفية منهم من يُمدح ومنهم من يذم بحسب تقيدهم بأصول المذهب وقواعده أو خروجهم عنها ، فلا يمدحون مطلقاً ولا يذمون مطلقاً ، وهذا هو الإنصاف العلمي النزيه .
    7- ثم قال المعترض : وإننا إذا تأملنا في ترجمة الإمام الذهبي ﴿ رحمه الله ﴾ للكثير من أشياخه ... الخ .
    أقول : إذا كان مفهوم التصوف عند الإمام الذهبي رحمه الله كما هو عند غيره من العلماء والأئمة : الاستقامة على الشريعة وآدابها ظاهراً وباطناً والإخلاص لله تعالى وصدق التوجه إليه ، وتزكية النفس وتخليصها من الرعونات وعلل الأعمال .
    فإنه ومشايخه وأصحابه ومن يجلهم كانوا متحققين بذلك إن شاء الله عملاً بحسن الظن بالمسلمين وعلمائهم ، فسواء أطلق عليهم اسم الصوفي أو لم يطلق فهم متحققون بمعناه ، وإلا فيكون هو ومشايخه وأصحابه ومن يجلهم غير متحققين به ولذلك لم يطلق عليهم اسم الصوفي الدال على ذلك .
    وهل يرضى المعترض ومن معه أن نتهم أولئك الأكابر بأنهم كانوا غير مستقيمين على الشريعة وآدابها وغير مخلصين لله ولا صادقين في التوجه إليه ولم يزكوا أنفسهم ولم يخلصوها من الرعونات وعلل الأعمال ؟ إن كان المعترض وأمثاله يرضون ذلك للأكابر ويتهمونهم به فإننا لا نرضاه لهم ولا نتهمهم به .
    قال الإمام الجرجاني الصوفي رحمه الله في كتابه / التعريفات / التصوف مذهب كله جدّ فلا يخلطه شيء من الهزل ، وقيل : نظافة من مخالطة البرية وموافقة الأخلاق الطبيعية وإخماد صفات البشرية ومجانبة الدَّعاوى النفسانية ، ومنازلة الصفات الروحانية ، والتعلق بعلوم الحقيقة ، واستعمال ما هو أولى على السّرمدية ، والنصح لجميع الأمة ، والوفاء لله تعالى على الحقيقة ، واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشريعة .
    فهل كان الإمام الذهبي الذي لبس خرقة الصوفية ومشايخه وأصحابه ومن يجلهم متحققين بهذه المعاني أم لا ؟ أما عندنا فنعم ، وأما عند المعترض فلا ، لأنهم لم يوصفوا بالصوفية .
    ثم إن علماء الأمة وأتقياءها من السلف والخلف أحرص الناس على إخفاء أحوالهم مع الله تعالى فلا يحبون أن يُعرفوا بوصف ولا أن يمدحوا ولا أن يُشهروا لأن كل ذلك قادح في الإخلاص .
    وكثير منهم يستحيون من الله تعالى أن يثنى عليهم بوصفٍ لا يشهدونه من أنفسهم ، ويستحيون من الله أن ينسبوا إلى الصوفية من علماء السلف كالجنيد وأضرابه ولم يتحققوا بما كانوا عليه أدباً مع أولئك العلماء الربانيين أن يزاحموهم في مراتبهم وأن يدّعوها لأنفسهم .
    قال الإمام القشيري رحمه الله تعالى في صوفية القرن الرابع بعد مقايستهم برجال التصوف من أهل القرنين الثاني والثالث :
    ~ أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحيّ غير نساءها
    الإنسان الذي يدعي حالة لم يتحقق بها أو يدعي الانتماء إلى قوم لم يحقق النسبة إليهم داخل في أهل الكذب والزور ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ{أخرجه البخاري برقم:4818} .
    وهؤلاء العلماء الربانيون أتقى وأورع من ادّعاء الانتماء وعدم تحقيق النسبة ، ولذلك أَبقَوا قدسية المذهب وجلالة أهله بعدم نسبتهم إليه وإليهم خشية أن يلوث أو يساء إليه ، ورحم الله العارف الرواس القائل :
    ~ إني إذا ادعيت يوماً حبهم لعبأ وزري يا هذيم أستحي .
    نقل لي والدي رحمه الله عن شيخه محمد الهاشمي رضي الله عنه قوله : لو ظهر الصوفية ورأوا ما نحن عليه لقالوا عن أمثالنا لصوص وقطاع طريق ا.هـ
    وذلك لأننا سرقنا الوصف وادعيناه دون تحقيق ولا تخلق .

    8- ثم قال المعترض : نجده كثيراً ما يذم تراجم المتصوفة ... الخ .
    أقول : على الباحث المنصف أن يرجع إلى كتاب سير أعلام النبلاء وأن يجدول بجدولين تراجم الصوفية الذين مدحهم الحافظ الذهبي رحمه الله وتراجم الصوفية الذين ذمَهم ، وأنكر عليهم انحرافاتهم وبدعهم كما يدعي المعترض ، وبعد ذلك يحكم على المعترض بالحكم الذي يراه مناسباً . وقد تقدم قول الإمام السبكي رحمه الله في شيخه الذهبي رحمه الله أن الصوفية والأشعرية الذين حط عليهم وذمهم بغير حق كلهم خصماؤه يوم القيامة ، ومعلوم في علم أصول الحديث أنَ الجرح غير المفسر والمبيَن لايلتفت إليه ، وأن تعديل من عدله مقدم عليه .

    9– ثم أورد المعترض قول الإمام أبي نعيم الحافظ رحمه الله عن سعيد بن عبد العزيز رحمه الله / تخرَج به جماعة من الأعلام كإبراهيم بن المولد وكان ملازماًَ للشرع متبعاً له / وقال الحافظ الذهبي رحمه الله : يعني أنه كان سليماً من تخبيطات الصوفية وبدعهم ، ثم قال : فما رأي الجفري بهذا ؟
    أقول : الحافظ أبو نعيم رحمه الله له كتاب اسمه / حلية الأولياء / ترجَم فيه للمئات من سلف الأمة إلى زمانه ، وجعل في أكثر التراجم في أولها تعريفاً للتصوف يتناسب وحال المترجم له حتى قاربت تعاريف التصوف في كتابه الخمسمائة تعريف فهل اطَلع عليها المعترض ومن معه ؟ وهل يقرون الحافظ أبا نعيم أم يعترضون عليه ويردون كلامه ؟ وها هو الحافظ الذهبي رحمه الله يستشهد بقوله ويعتمده في ترجمة سعيد بن عبد العزيز رحمه الله ، واعتماده قوله حجة على المنكرين المعترضين ثم إن كلام الحافظ الذهبي رحمه الله أنه كان سليماً من تخبيطات الصوفية وبدعهم ، محمول على القسم الثاني من الصوفية وقد تقدم في مقدمة السير بيان القسمين وكلنا منكر لهم ونحن مع الحافظ الذهبي رحمه الله في إنكاره على الدخلاء والأدعياء أصحاب التخبيطات والبدع ، هذا هو رأينا ورأي الحبيب الجفري وكل من تشرف بالانتساب إلى مذهب القوم رضي الله عنهم أجمعين .

    10- ثم قال المعترض : ومسألة أن يورد الذهبي تراجم الصوفية في كتابه لا يمكن جعلها بمنزلةالرضا بعقائد بعضهم الباطلة لأن الإمام الذهبي وغيره يوردون في كتب التراجم أسماء وتراجم للنصارى والمجوس واليهود ... الخ .
    أقول : قاتل الله الهوى المعمي لقلب وعقل صاحبه .
    1* هلّا ذكر المعترض عقائد البعض الباطلة ومن هم أولئك البعض الذين ذكرهم الحافظ الذهبي وغيره ؟ حتى نميزهم عند أهل الحق وعقائدهم الصحيحة .
    فإنه بكلامه يثبت بعضاً عقائده باطلة ومفهوم هذا وجود بعض آخر عقائده صحيحة فيتعين جدولة الفريقين وبيان عقائدهم حتى لا نأخذ أهل الحق بجريرة أهل الباطل ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى {الإسراء:15}
    2* تسوية البعض الذين سماهم المعترض أصحاب العقائد الباطلة بالنصارى والمجوس واليهود يعني إخراجهم من دائرة الإسلام والتوحيد إلى الكفر ، فهذا حكم من المعترض بتكفيرهم وقد قال الله تعالى : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ{35} مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ{القلم:35} وقال : ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ {الحجر:2} ومعلوم عند أهل السنة والجماعة قاطبة أن الحدود تدرأ لأدنى شبهة لحديث : ﴿ ادْرَؤوا الْحُدُودَ وَالْقَتْلَ عَنْ عَبَّادِ اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ{الطبراني في الكبير برقم:9580 عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه} فكيف بما هو أشد وهو التكفير ؟ ثم إن أهل السنة مجمعون على عدم تكفير أحدٍ من المخالفين لهم من أهل البدع الصريحة من أهل القبلة ، ومجمعون أيضاً على أن عقائد الصوفية هي عقائد أهل السنة والجماعة لم يخرجوا عن شيءٍ منها ، وليرجع المعترض إلى معرفة عقائد الصوفية في أول الرسالة القشيرية وفي كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف لأبي بكر الكلابازي رحمه الله تعالى .
    ثم ادعاؤه أن الحافظ الذهبي وغيره ذكروا النصارى والمجوس واليهود في كتبهم ادعاء باطل وحبذا لو يذكر لنا المعترض بجدول تلك الكتاب وأسماء أولئك لنستدل على صدقه .
    فالإمام الذهبي سمى كتابه / سير أعلام النبلاء / فهل هؤلاء النصارى والمجوس واليهود معدودون في أعلام النبلاء عند المعترض حتى يذكرهم الإمام الذهبي ؟
    والحافظ أبو نعيم سمى كتابه / حلية الأولياء / فهل أولئك معدودون من الأولياء عند المعترض حتى يذكروا في الحلية ؟
    والحافظ ابن الجوزي رحمه الله سمى كتابه / صفة الصفوة أو صفوة الصفوة / فهل هؤلاء معدودون من الصفوة حتى يذكرهم ومناقبهم الحافظ ابن الجوزي رحمه الله ، وهكذا يقال في كتب التراجم ، سبحانك ربِ فهذا بهتان عظيم .
    11- ثم قال المعترض : ما هذا الفهم العجيب ؟
    أقول : ظهر فيما سبق صدق الحبيب الجفري وكذب المعترض المفتري فما هذا الافتراء الغريب يا جامع القراءات العشر ؟
    إن الأمة الإسلامية في عصور الانحطاط والتخلف ابتليت بالوهابية التي تنبح وتنطح وبأدعياء الصوفية التي تمرح وتشطح فالأولى أفرطت والثانية فرطت ، ولا إفراط ولا تفريط في دين الله وشرعه ، إنما هي الوسطية والاعتدال والإنصاف قال النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج : ﴿ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ{أخرجه البخاري برقم:6880 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه}
    إن الوهابية التكفيرية جعلت شغلها الشاغل ليلاً ونهاراً على الفضائيات وفي المؤلفات والخطب النباح الدائم على التصوف والصوفية جملة وتفصيلاً بتكفيرهم ونسبة الافتراءات والاتهامات بكبائر الإثم إليهم ، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم القائل عن أهل الأهواء : ﴿ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ لِصَاحِبِهِ {أبو داود برقم:3981 عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه} .

    12- ثم قال المعترض : ولكن الذي حمل الجفري على زعمه ذلك فيما أظن هو رغبته في تهييج العامة على أهل العلم الذين ينكرون عليه ؟
    أقول : ظنك هذا ظن سوء تأثم به ، فالرجل مازال على قيد الحياة ويجب عليه أن تسأله عن رغبته هل هي تهييج العامة أم الخاصة ؟ أم غير ذلك من الرغبات ؟
    ثم من هم أهل العلم الذين ينكرون عليه ، أليسوا هم الذين ينكرون التصوف وينكرون على أهله من عهد السلف إلى زمننا ؟ وهؤلاء ليسوا من أهل العلم المعتبرين بل هم أدعياء العلم ومتبعوا الأهواء ومبتدعة الآراء ، أهل الرمد والسقم الذين قال فيهم الإمام البوصيري رحمه الله :
    ~ قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
    وقال غيره : ~ ومن يك ذا فمٍ مُرٍّ مريض يجد مُرَّاً به الماء الزُّلالا

    13- ثم قال المعترض : فلذلك يحتال بكل حيلة ولو كانت غير معقولة .
    أقول : ما رأيت إلى الآن فيما قرأته عن الحبيب الجفري أو سمعته منه عبر الفضائيات ما يدل على أنه يسلك طريق الاحتيال خلافاً للمعترض الذي في كل اعتراض يظهر لنا احتياله وكذبه وافتراؤه .
    وحبذا لو يعرض لنا المعترض بعض احتيالات الحبيب الجفري غير المعقولة عنده وعند أمثاله من القاصرين لنعرضها على العقلاء والعلماء فنكشف عنها هل هي معقولة عندهم أم لا ؟ وهل هي من الاحتيالات أم لا ؟ فيرجع في بيان ذلك إلى العقلاء لا إلى من في عقولهم كوثة وهوى .

    14- ثم قال المعترض : لأنه يخاطب أناساً لا يفقهون دلالة هذه الأمور .
    أقول : جمهور الحبيب الجفري الذين يخاطبهم هم من جميع طبقات الأمة الإسلامية ومجتمعاتهم ففيهم العلماء وفيهم العقلاء وفيهم أرباب السياسة والكفر وفيهم الخاصة وفيهم العامة ، ولا يصح للمعترض أن يتهم أولئك جميعاً بأنهم لا يفقهون دلالة هذه الأمور ، هل يُعقل أن يغيب هذا الفقه عن عقول أمة بكاملها تبلغ آلافاً مؤلفة ليكتشفه لنا فرد أو أفراد ليس لهم نسبة أمام ذلك الجمع العظيم ؟ المرض الخطير الذي ابتلي به المعترض وأمثاله : العُجب المهلك كما ورد في الحديث ﴿ ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ {المعجم الكبير للطبراني برقم:651 عن ابن عمر رضي الله عنهما} فرأى صاحب هذا العجب أنه فقِه دلالة هذه الأمور دون الأمة كلها فالأمة كلها لا تفقه والمعترض يفقه ،
    ~ فيا أسفاً كم يدعي الفقه جاهل ويا عجباً كم يدعي النقص كامل

    15- ثم قال المعترض : وأما الإمام ابن الجوزي ﴿ رحمه الله ﴾ الذي يتقوى به الجفري ويلبِّس على الناس فيوهمهم أنّ الإمام ابن الجوزي يعظم الصوفية ... الخ
    أقول : للإمام ابن الجوزي رحمه الله كتاب سمّاه – صفة الصفوة – وهو مطبوع بأربع مجلدات اختصر فيه الحلية للحافظ أبي نعيم رحمه الله ترجم فيه للرجال من أئمة الصوفية الذين ترجم لهم الأئمة القشيري رحمه الله في رسالته ، وأبو نعيم رحمه الله في حليته ، والسلمي رحمه الله في طبقاته ، والذهبي رحمه الله في سير أعلامه ، فلم يكون هؤلاء جميعاً مادحون ومعظِّمون ويكون الحافظ ابن الجوزي عند المعترض منفرداً بالذم والتنقيص ، إن فعل ذلك الحافظ ابن الجوزي فقول ثقة خالف فيه أقوال الثقات فيكون شاذَّاً مردوداً ، وإن وافق الثقات قبله في أولئك المترجم لهم فذكرهم وذكر أقوالهم معظماً ومتأدباً وهو الواقع قطعاً فقد ظهر كذب المعترض وافتراؤه على الحافظ ابن الجوزي رحمه الله .

    لو أن كل باحث عن الحقيقة رجع إلى تراجم الأعلام في كتاب ابن الجوزي رحمه الله – صفة الصفوة – والذين ترجمهم من كان قبله لن يجد في ترجمة واحد منهم كلمة ذمٍّ أو تنقيص صدرت من ابن الجوزي رحمه الله في حق واحد من هؤلاء ، وأتحدى المعترض ومن معه أن يوجد لنا في كلام هذا الإمام كلمة ذم أو تنقيص في حق واحدٍ ممن ترجم له غيره وأثنوا عليه .
    والكتاب مطبوع وننصح المسلمين بقراءته وعلماءهم بإقرائه لما فيه من القواعد والفوائد عن الصوفية وعلماءهم وعُبَّادهم وزهادهم ، أليس ذكر أولئك القوم وتخليد سيرهم وأقوالهم تعظيماً لهم ورضاً عنهم ؟ أما عند أهل الحق فبلى بلى ، وأما عند أهل الباطل فلا لأنهم لانعكاس وانتكاس قلوبهم وعقولهم يرون التعظيم إهانةً والرضا سخطاً والمدح ذمَّاً .

    16- ثم قال المعترض : فأنا أدعو الجميع لقراءة كتاب / تلبيس إبليس / لا بن الجوزي ﴿ رحمه الله ﴾ الذي يفضح فيه حقيقة ... الخ
    أقول : قبلت دعوة المعترض فرجعت إلى كتاب / تلبيس إبليس / فوجدت فيه ما يصفع المعترض على وجهه أو قفاه وقبل أن أذكر ذلك أنبه على أمر :
    كما لم يقبل المعترض فيما سبق جميع ما قاله أئمة أهل السنة الأعلام كابن حجر العسقلاني والنووي والهيثمي والذهبي رحمهم الله تعالى بل قبل منهم ورد عليهم بهواه وبدعته ، فنحن مع الحق ندور معه حيث دار ، فكتاب ابن الجوزي / تلبيس إبليس / فيه مواضع لبَّس فيها إبليس على ابن الجوزي نفسه فأخطأ فيها كما أصاب في مواضع فنحن نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال ، فهو ثقة وما يخالف به الثقات فشاذٌّ مردود عليه ، وما يوافقهم به فمقبول منه ، وهكذا الحكم مع غيره خلافاً للمعترض الذي يعتمد الشاذ من الأقوال المخالفة لجمهور العلماء الثقات ويدفع به أقوالهم الحقة المطابقة للواقع فنحن مع الجمهور ولسنا مع من يشذ ولو كان ابن الجوزي رحمه الله ثم إنّ كتاب الإمام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله المسمى / الكشف والتبيين في غرور الخلق أجمعين / وما ذكره في كتابه الإحياء من الغرور وأنواعه ، وكتاب / تنبيه المغترين أواخر القرن العاشر لما خالفوا فيه سلفهم الطاهر / للشيخ الإمام الشعراني رحمه الله تعالى يغنيان عن كتاب ابن الجوزي رحمه الله / تلبيس إبليس / والسبب في ذلك أنّ الشيخ ابن الجوزي ذكر في كتابه هذا مذاهب الفلاسفة والطبائعيين والثنوية وغيرهم مما تضر قراءته للعامة لأنه قرر مذاهبهم وشبههم فربما تستقر الشبهة في ذهن عاميٍّ ولا يدرك الرد عليها ، فيموت عليها ويبعث مع أهلها ، بينما كتابا الغزالي والشعراني رحمهما الله خاليان من هذا الضرر لأنهما خطاب للمسلمين عامة وخاصة .
    ثم إنني أنصح المعترض ومن معه ، وطُلاب العلم بقراءة كتاب / دفع شبهة التشبيه بألف التنزيه / للحافظ ابن الجوزي رحمه الله وهو كتاب قيِّم في العقيدة الصحيحة ، ولم يشذ فيه مؤلفه عن الثقات العدول في شيء من قواعده وأصوله ، وهو حنبلي المذهب على عقيدة الإمام المبجَّل أحمد بن حنبل رضي الله عنه في التنزيه ، رد بهذا الكتاب على الحشوية متأخري الحنبلية المشبهة عقائدهم الباطلة في التشبيه .
    والوهابية هم الحشوية المشبهة ، فهل يقبل المعترض اعتماد هذا الكتاب وما فيه عقيدة كما اعتمد من كتب الشيخ الحافظ ابن الجوزي رحمه الله كتابه / تلبيس إبليس / ؟ وهل يرجع عن عقيدة التشبيه إلى عقيدة التنزيه ؟ إن فعل ذلك فقد أنصف ، وإلا فهو ضالٌّ مضل ، والعياذ بالله تعالى .
    وإليك أخي القارئ بعض ما قاله الحافظ ابن الجوزي رحمه الله في كتابه / تلبيس إبليس / فيما يتعلق بعقيدة المجسمة والمشبهة والوهابية الحشوية أولاً ثم بأقواله في الصوفية :
    1* قال : ـ فصل ـ وقد وقف أقوام مع الظواهر فحملوها على مقتضى الحس فقال بعضهم : إن الله تعالى جسم - تعالى الله عن ذلك - ثم اختلفوا فقال بعضهم جسم كالأجسام ومنهم من قال لا كالأجسام ثم اختلفوا فمنهم من قال : هو نور ومنهم من قال : هو على هيئة السبيكة البيضاء ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - .
    وقال هشام : هو متناهي الذات ، وله ماهية يعلمها هو .
    قال الشيخ الحافظ ابن الجوزي رحمه الله : وهذا يلزمه أن يكون له كيفية أيضاً وذلك ينقض القول بالتوحيد ، وقد استقر أن الماهية لا تكون إلا لمن كان ذا جنس وله نظائر فيحتاج أن يفرد منها ويبان عنها ، والحق سبحانه ليس بذي جنس ولا مثل له ، ولا يجوز أن يوصف بأن ذاته لا متناهية على معنى أنه ذاهب في الجهات بلا نهاية ، إنما المراد أنه ليس بجسم ولا جوهر فتلزمه النهاية .
    ثم قال : ومنهم من يقول : إن لله صورة وأعضاء ، ويجوز أن يمس ويلمس ويعانق ، وقال بعضهم هو جسم فضاء والأجسام كلها فيه ، وأنه على صورة رجل وأنه يهلك جميع أعضائه إلا وجهه ، ومنهم من يقول : هو جسم لحم ودم وله جوارح وأعضاء وهو أجوف من فمه إلى صدره ومصمت ما سوى ذلك .
    ثم قال : ومن الواقفين مع الحس أقوام قالوا : هو على العرش بذاته على وجه المماسة فإذا نزل انتقل وتحرك وجعلوا لذاته نهاية وهؤلاء قد أوجبوا عليه المساحة والمقدار ، وحملوا نزوله على الأمر الحسي الذي يوصف به الأجسام وهؤلاء المشبهة الذين حملوا الصفات على مقتضى الحس ، ومن الناس من يقول لله وجه هو صفة زائدة على صفة ذاته ، وله يد وله أصبع ، وله قدم إلى غير ذلك مما تضمنته الأخبار وهذا كله إنما استخرجوه من مفهوم الحس .
    أقول : وهذه هي عقيدة الوهابية التي أنكرها الحافظ ابن الجوزي وردها رداً بليغاً في كتبه كلها ، وهي التي ينشرها هؤلاء ويعلنون بها في الفضائيات والمؤلفات ، فهل يقبل المعترض ومن معه من هؤلاء كلام الإمام ابن الجوزي هذا والذي وافق به أهل السنة ولم يشذ عنهم فيه أم يبقون على عقائدهم الضالة وبدعهم المضلة ؟ فلم قبل المعترض كلام ابن الجوزي على إطلاقه في الصوفية وهو مقيد بلا شك بالأدعياء منهم ، ولم يقبل كلامه في العقيدة الصحيحة ؟ يُسأل المعترض ومن معه على ذلك ، حتى لا أتقول عليهم .
    ذكر بعض ما قاله الشيخ ابن الجوزي رحمه الله مما يتعلق بأقوال الصوفية وتفريق ما بين السلف منهم والدخلاء عليهم :
    قال في الباب العاشر :
    التصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص فمال إليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من التزهد ، ومال إليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب .
    كانت النسبة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والإسلام فيقال : مسلم ومؤمن ، ثم حدث اسم زاهد وعابد ، ثم أنشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد فتخلوا عن الدنيا وانقطعوا إلى العبادة واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها وأخلاقاً تخلقوا بها ورأوا أن أول من انفرد به بخدمة الله سبحانه وتعالى عند بيته الحرام رجل يقال له صوفة فانتسبوا إليه لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى فسموا بالصوفية ، وقال آخرون بل هو منسوب إلى الصوف وهذا يحتمل والصحيح الأول .
    ثم قال : وهذا الاسم ظهر للقوم قبل سنة مائتين ولما أظهره أوائلهم تكلموا فيه وعبروا عن صفته بعبارات كثيرة وحاصلها أن التصوف عندهم رياضة النفس ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق الرذيلة وحمله على الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق إلى غير ذلك من الخصال الحسنة التي تكسب المدائح في الدنيا والثواب في الأخرى .
    ثم قال بإسناده : سئل الجنيد بن محمد عن التصوف فقال : الخروج عن كل خُلُق ردئ والدخول في كل خُلُق سيء .
    وبإسناده قال : قال رويم : كل الخلق مقدموا على الرسوم وقعدت هذه الطائفة على الحقائق ، وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع وهم طالبوا أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق .
    قال : وعلى هذا كان أوائل القوم فلبَّس إبليس عليهم في أشياء ثم لبَّس على من بعدهم من تابعيهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن .
    أقول : تبين بهذا أن الشيخ الحافظ ابن الجوزي رحمه الله يفرِّق بين أوائل القوم الذين لبَّس إبليس عليهم في أشياء كما قال وحبذا لو ذكرها وذكر من هم ، وبين المتأخرين منهم وفيهم الدخلاء والأدعياء والجهلة من العوام .
    فوافق بقوله هذا كلام غيره من الأئمة والعلماء والحفاظ وأن الصوفية فيهم الصالحون وفيهم غير ذلك كما هو موجود في الفِرق والطوائف والمذاهب كلها ، وما قال أحد بالعموم والإطلاق ذماً وتكفيراً كما وقع به المعترض وأمثاله من المعاصرين .
    ثم قال : وإنما استحسنوها ـ أي طريقة القوم ـ لأنه قد ثبت في النفوس مدح الزهد وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم في الصورة ولا كلاماً أرق من كلامهم ، وفي سير السلف نوع خشونة ، ثم إن ميل الناس إلى هؤلاء القوم شديد لما ذكرنا من أنها طريقة ظاهرها النظافة والتعبد وفي ضمنها الراحة والسماع ، والطباع تميل إليها ، وقد كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء ، فصاروا أصدقاء .
    ثم قال : وقد كان أوائل الصوفية يقرون بأن التعويل على الكتاب والسنة ، وإنما لبَّس الشيطان عليهم لقلة علمهم ثم قال بإسناده : قال أبو سليمان الداراني ﴿ رحمه الله ﴾ : ربما تقع في نفسي النكتة من نكت القوم أياماً فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة .
    وبإسناده قال : قال أبو يزيد ﴿ رضي الله عنه ﴾ لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود .
    وبإسناده قال : قال أبو يزيد : من ترك قراءة القرآن والتقشف ولزوم الجماعة وحضور الجنائز وعيادة المرضى وادّعى بهذا الشأن فهو مبتدع .
    وبإسناده قال : من ادّعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو مخالط .
    وبإسناده قال : عن الإمام الجنيد رضي الله عنه : مذهبنا هذا مقيد بالأصول الكتاب والسنة ، وقال أيضاً : علمنا هذا منوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتـفقه لا يُقتدى به .
    وقال أيضاً : ما أخذنا التصوف عن القيل والقال لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات لأن التصوف من صفاء المعاملة مع الله سبحانه وتعالى .
    وعن أبي بكر الشفاف رحمه الله تعالى قال : من ضيع حدود الأمر والنهي في الظاهر حُرم مشاهدة القلب في الباطن وقال الحسين النوري لبعض أصحابه : من رأيته يدَّعي مع الله عز وجل حالة تخرجه عن حد علم الشرع فلا تقربنه ، ومن رأيته يدّعي حالة لا يدل عليها دليل ولا يشهد لها حفظ الظاهر فاتهمه على دينه .
    وعن الجريري قال : أمرنا هذا كله مجموع على أصل واحد هو أن تلزم قلبك المراقبة ويكون العلم على ظاهرك قائماً ، وعن أبي جعفر قال : من لم يزن أقواله وأفعاله وأحواله بالكتاب والسنة ولم يتهم خاطره فلا تعده في ديوان الرجال .
    قال المصنف : وإذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم فإن كان ذلك صحيحاً عنهم توجه الرد عليهم إذ لا محابات في الحق ، وإن لم يصح عنهم حذّرنا من مثل هذا القول وذلك المذهب من أي شخص صدر ، فأما المشبهون بالقوم وليسوا منهم فأغلاطهم كثيرة ، إلى أن قال : وقد يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة وله غلطات فلا تمنع منزلته بيان زلـله .
    أقول : هذا كلام عالم منصف ، فلا بد أولاً من إثبات صحيح بطريق معتبر لننسب كل قول إلى قائله ، فإن لم نجد رددنا القول دون نسبته إلى أحد وحذرنا منه ومن السيد على مذهبه في ضلاله وانحرافه دون أن نطغى على الحق فنظهره بمظهر ذلك الباطل ، وقد تقدم في كلامي مثل هذا .
    وقد ذكر الشيخ أقوال أوائلهم مقراً لها غير منكر ثم بين أن أقواماً تشبهوا بالقوم وليسوا منهم ولهم أغاليط كثيرة ، وبمثل قوله هذا يقول علماء الصوفية قاطبةً ، وهذه القاعدة التي ذكرها الشيخ هي الأصل وما بعد ذلك من الكلام على الصوفية متفرع عليها فلا أدري ما الذي حمل المعترض على ذكر ما يتعلق بذم الصوفية من كلامه ، وتركِ مثل هذا الكلام المنصف ! إنه التعصب والهوى والعياذ بالله تعالى .
    17- ثم قال المعترض : قال ابن الجوزي عاصم : قال ما زلنا نعرف الصوفية بالحماق إلا أنهم يستترون بالحديث .
    أقول : لا بد من تطبيق القاعدة التي ذكرها الشيخ أول كلامه فهل هذه الكلمة جاءت من طريق صحيح أم هي مكذوبة على من نسبت إليه والإسناد مركب كذباً ، الأمر محتمل وما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال .
    ثم إن قوله يدل على أنهم يرمون بالتحامق ويستترون بالحديث ، فكيف تم الجمع بين هذين الوصفين فإن اشتغالهم بالحديث صفة مدح والتحامق صفة ذم ، فهم يُمدحون لوجه ويذمون لآخر ، أي فلا يذمون مطلقاً وعلى العموم لوجود صفة خير فيهم وهي اشتغالهم بالحديث .
    ثم من الذين رماهم بالحمق حتى عُرفوا به ؟ ربما يكون الذي رماهم بذلك أبناء الدنيا وأعداؤهم من المبتدعة فلا تقبل أقوالهم فيهم للاختلاف الذي بينهم في العقيدة والمقاصد ، فأبناء الدنيا أعداء لأبناء الآخرة ويتهمونهم لا بالحماق فقط بل بالجنون والبلاهة .
    والمبتدعة أعداء أهل السنة من الأشعرية والصوفية إلى زمننا ، ولهم بذلك أسوة بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فما من نبي ولا رسول إلا اتهمه قومه بالجنون وهم برآء منه قطعاً ، قال الله تعالى ﴿ مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ {فصلت:43} ، وكذلك أولياء الله تعالى ووراث أنبيائه عليهم الصلاة والسلام .
    ثم هذا القول فيه بشرى للصوفية بسبب رميهم من قبل أعداءهم بالحماقة والبله والجنون وتلك البشرى لهم من وجهين :
    1* روى سيدنا أنس رضي الله عنه مرفوعاً ﴿ أكثر أهل الجنة البُله ﴾ {رواه البزار وفيه سلامة بن روح وثقه ابن حبان وغيره ، وضعفه غير واحد ، ورواه البيهقي في الشعب والقضاعي }.
    وقال في المقاصد الحسنة : وجاء عن سهل بن عبد الله التُستري رحمه الله في تفسيره للحديث : هم الذين ولهت قلوبهم وشغلت بالله عز وجل ، وعن أبي عثمان رحمه الله قال : هو الأبله في دنياه الفقيه في دينه ، وعن الأوزاعي رحمه الله قال : هو الأعمى عن الشر البصير بالخير رواها البيهقي رحمه الله في الشعب .
    وقال في النهاية : البله هم الذين غلبت عليهم سلامة الصدور وحسن الظن .
    أقول : كل هذه الأوصاف تنطبق على الصوفية ، فكافة المبتدعة وأبناء الدنيا يرمونهم بالبلاهة والحماقة والجنون فتبين أنهم أكثر أهل الجنة ولله الحمد على هذه البشرى النبوية .
    وقد قال الإمام العراقي رحمه الله في تخريج أحاديث الإحياء : أخرجه البزار من حديث أنس رضي الله عنه بسند ضعيف ، وزيادة / وعليون لذوي الألباب / لم يوجد لها أصل بل هي مدرجة من كلام أحمد بن أبي الحواري رحمه الله تعالى .
    أقول : أحمد بن أبي الحواري من كبار الصوفية ومن رجال الرسالة القشيرية وهو الذي روى عنه ابن الجوزي رحمه الله وبالإسناد إليه قول عاصم : ما زلنا نعرف الصوفية بالحماق ... الخ .
    فهل يصح لكبير الصوفية في عصره ابن أبي الحواري أن يذمهم أو أن يروي ما فيه ذمهم ؟ فلا بد أن تؤول روايته هذه بما يتوافق مع الحديث المذكور وأنهم يُرمون بالحماقة أو يتحامقون عند أبناء الدنيا من الحكام والأغنياء لتزهيدهم فيهم وإبعادهم عنهم خشية أن يوافقوهم على أهواءهم أو يصيبوا من دنياهم ما فيه فساد دينهم وذهاب آخرتهم ، وقد فعل ذلك كثير من السلف الصالح .
    قال الشاعر : ~ ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
    أما إذا كان المقصود بالحمق قلة العقل والفطنة فهذا موجود أمثاله في كل الفرق والطوائف والمذاهب فلا تخلو عن بعضٍ من هؤلاء وليس الأمر موقوفاً على الصوفية وحدهم .
    2* عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً : ﴿ أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون ﴾{رواه أحمد وأبو يعلى والبيهقي في الشعب وغيرها والحاكم وابن حبان وصححاه} .
    وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً : ﴿ اذكروا الله ذكراً حتى يقول المنافقون إنكم مراؤون ﴾{رواه الطبراني وفيه الحسن بن أبي جعفر الجفري وهو ضعيف} .
    أقول : الصوفية عرفوا في تاريخهم بالذكر حتى صار علما لهم لا يُعرف به غيرهم من المبتدعة ، ولم يتحقق ما في الحديث النبوي بأحدٍ إلا بهم فهم يذكرون الله حتى يقول الناس عنهم مجانين وحتى يقول المنافقون إنهم مراؤون .
    فهنيئاً للصوفية ذكرهم لله تعالى لأنه يذكرهم سبحانه ، قال تعالى : ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ {البقرة: 152} وهنيئاً لهم بما يرميهم به أعداؤهم من الجنون وما يصفونهم به من الرياء فإنهم مثابون ومأجورون بكل ذلك إن شاء الله لصبرهم على إيذاء الخلق لهم .
    18- ثم أورد المعترض : وبإسناد عن يحيى بن يحيى قال : الخوارج أحب إلي من الصوفية .
    أقول : إن صح هذا القول عنه ـ وما أظنه يصح ـ فهو مع من يحب ، والخوارج من أهل النار بنص الحديث النبوي فليكن معهم لمحبته لهم ، ففي الحديث الصحيح : ﴿ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ{أخرجه البخاري برقم:5702 عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه} وقد روى ابن أبي أوفى رضي الله عنه مرفوعاً ﴿ الخوارج هم كلاب النار ﴾ {رواه أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي وعبد الرزاق والطبراني وأبو داود الطيالسي} .
    الخوارج الأوائل كفّروا سيدنا علياً رضي الله عنه ومن كان معه من الصحابة رضي الله عنهم ، وقاتلوهم وانتصر عليهم ، فكيف يحب قوماً كفروا الصحابة وقاتلوهم ، ويبغض الصوفية الذين لم يكفروا ولن يكفروا أحداً من أهل القبلة ولم يقاتلوا ولن يقاتلوا أحداً حتى من يكفرهم ويقاتلهم ، فإنهم كخير ابني آدم عملاً بالحديث : ﴿ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ{سنن أبي داود برقم : 3715 عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه} بينما المبتدعة من الخوارج وغيرهم كشر ابني آدم .
    أما الخوارج المعاصرون الوهابية التكفيرون ، قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ{أخرجه البخاري برقم:3342 عن علي رضي الله عنه} الحديث .
    قال الشيخ ابن عابدين خاتمة المحققين الحنفية في حاشيته : هم الوهابية أتباع محمد بن عبد الوهاب .
    فليهنأ المعترض ومن معه بحب الخوارج كلاب أهل النار وليكونوا منهم ومعهم لأنهم أحب إليهم من الصوفية رياحين أهل الجنة .
    ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أطلعه الله على ما يقع في أمته من الفتن وبدع العقائد ، ففي صحيح مسلم برقم:5149 عن عمرو بن أخطب رضي الله عنه قال : ﴿ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتْ الظُّهْرُ فَنَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتْ الْعَصْرُ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا ﴾ وفي سنن أبي داود برقم:3705 عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : ﴿ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوْا وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَائِدِ فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثَ مِائَةٍ فَصَاعِدًا إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ قَبِيلَتِهِ ﴾ ، وذكر أصول المبتدعة كالخوارج كما مر وذكر القدرية والمرجئة
    ففي سنن أبي داود وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً : ﴿ القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم ﴾ وعند البيهقي والطبراني بزيادة : ﴿ وهم شيعة الدجال وحق على الله عز وجل أن يلحقهم به ﴾ ، وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً : ﴿ صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ.
    فلو كان الصوفية من أهل البدع الضلالات ومن أهل الفتن لذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر غيرهم ، فلما سكت عنهم مع إعلام الله له بوجودهم من بعده دل على أنهم من أهل الحق المرضي عنهم إن شاء الله تعالى وفي الحديث : ﴿ فَأَخْبَرَنَا بِمَا يَكُونُ فِي أُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ{مسند أحمد برقم:17514 عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه} .
    19- ثم أورد المعترض : وبإسناد عن يحيى بن معاذ ﴿ رحمه الله تعالى ﴾ يقول : اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس العلماء الغافلين ، والفقراء المداهنين والمتصوفة الجاهلين .
    أقول : يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله من كبار علماء الصوفية وحكماءهم ومن رجال الرسالة القشيرية ، ونُقل عنه هذا القول في أكثر من كتاب ولكن بإبدال الفقراء بالقراء المداهنين ، والصوفية كلهم يقولون بقوله هذا ويحذرون من صحبة الجاهلين والعوام الطغام الذين ابتلي بهم التصوف وعلماؤه الصالحون .
    ومفهوم المخالفة لهذا الكلام : اصحب العلماء الذاكرين ، والقراء الزاهدين ، والمتصوفة العارفين .
    20- ثم أورد المعترض ما ذكره ابن الجوزي رحمه الله من أن الفقهاء بمصر أنكروا على ذي النون ... الخ .
    أقول : جاء في صحيح البخاري رحمه الله برقم:6467 من قول ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ فَقَالَ وَرَقَةُ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ {عن عائشة رضي الله عنها} .
    فلو كان كل مخرج ضالاً مضلاً لكان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين أخرجهم قومهم من بلادهم كذلك وحاشاهم من هذا وكذلك وراث النبيين عليهم الصلاة والسلام من العلماء وأهل البيت النبوي الشريف الذين أوذوا في الله وشردوا في الأرض والذين أخرجهم أهل البدع وأصحاب الأهواء وأبناء الدنيا من الفقهاء والأمراء بعد أن افتروا عليهم وكذبوا واتهموهم بما هم منه برآء ، لتكمل فيهم الوراثة المحمدية ، وقد أخرج كثير من الأئمة الأعلام من بلادهم على أيدي المبتدعة من المجسمة والمشبهة والحشوية ، وأوذي آخرون وسجنوا وضربوا ، وإليك بعض الأمثلة :
    1* قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله في الطبقات / ج2 / ما نصه :
    قاعدة في الجرح والتعديل : الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسره في حق من غلبت طاعاته على معاصيه ومادحوه على ذاميه ، ومزكوه على جارحيه إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي أو منافسة دنيوية إلى أن قال : ومن ذلك قول بعض المجسمة في أبي حاتم بن حبان : لم يكن له كبير دين ، نحن أخرجناه من سجستان لأنه أنكر الحد لله ، فيا ليت شعري من أحق بالإخراج ؟ من يجعل ربه محدوداً أو من ينزهه عن الجسمية ؟
    2* ذكر الشيخ الإمام الشعراني رحمه الله في أول كتابه / اليواقيت والجواهر / ما نصه :
    وقد نقل الجلال السيوطي رحمه الله في كتابه التحدث بالنعمة ما صورته : ومما أنعم الله به عليَّ أن أقام لي عدواً يؤذيني ويمزق في عرضي ليكون لي أسوة بالأنبياء والأولياء ، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ يا رسول الله ، من أشد الناس بلاء ؟ قال : الأنبياء قال : ثم من ؟ قال : العلماء قال : ثم من ؟ قال : ثم الصالحون { رواه الحاكم في مستدركه برقم:109 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه} ...الخ 1.هـ
    ثم قال : وكان لسعد بن أبي وقَاص رضي الله عنه جهلة من جهال الكوفة يؤذونه مع إنه مشهود له بالجنة وشكوه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا إنه لا يحسن أن يصلي .
    وأما الأئمة المجتهدون فلا يخفى ما قاساه الإمام أبو حنيفة رحمه الله مع الخلفاء وما قاساه الأئمة مالك الشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى وما قاساه البخاري رحمه الله حين أخرجوه من بخارى إلى خرتنك .
    ثم أورد إخراج أبي يزيد البسطامي وذي النون المصري وسهل التستري ومحمد بن الفضل البلخي لكون مذهبه كان مذهب أهل الحديث من إجرء آيات الصفات وأخبارها على ظاهرها بلا تأويل والإيمان بها على علم الله تعالى فيها ، ولما أخرجوه قال يا أهل بلخ نزع الله من قلوبكم معرفته قال الأشياخ فلم يخرج بعد دعوته عليهم تلك من بلخ صوفي أبداً مع أنها كانت أكبر بلاد الله صوفية ،
    أقول : ثم ذكر الكثيرين ممن أخرج غير هؤلاء فليرجع إلى البحث من أراد الزيادة والاطلاع .
    وفي كلام الشيخ الشعراني رحمه الله أنً الإمام البخاري رحمه الله أُخرج من بلده حتى دعا بالموت ففي سير أعلام النبلاء ما نصه :
    جاء محمد بن إسماعيل ﴿ رحمه الله ﴾ إلى خرتنك قرية على فرسخين من سمرقند وكان له بها أقرباء فنزل عندهم فسمعته ليلة يدعو وقد فرغ من صلاة الليل اللهم إنه قد ضاقت عليَ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك ، فما تم الشهر حتى مات . قال التاج السبكي رحمه الله : قول بعضهم في البخاري رحمه الله تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ ، فيا لله والمسلمين أيجوز لأحد أن يقل البخاري متروك ، هو حامل لواء الصناعة ، ومقدم أهل السنة والجماعة ، ثم يا لله والمسلمين أتجعل مَمادحه مذامَ فإن الحق في مسألة اللفظ معه ، إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في أنّ تلفظه من أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة لله تعالى ، وإنما أنكرها الإمام أحمد رضي الله عنه لبشاعة لفظها .
    أقول : فهل إخراج الإمام البخاري ومحمد بن الفضل البلخي وغيرهما من الأئمة والعلماء الذين أخرجوا على أيدي أهل البدع والأهواء يكون إخراجهم عند المعترض وأمثاله دليلاً على أنهم مبتدعة ضالون وزنادقة مارقون ؟ ومثل إخراج هؤلاء إخراج أئمة أهل التصوف الذين ذكرهم الشعراني وابن الجوزي رحمهما الله تعالى لا يكون دليلاً عند أهل الحق أنهم مبتدعة وزنادقة .

    وليسمع المعترض ومن معه ما قاله الشيخ الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين في هؤلاء الذين أُوذوا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا بعقيدة التنزيه ويدعوا إلى التصوف النزيه :
    قال في ج1 ص138 ما نصه : فكلام أئمة الطريق هو على هذا المنهاج فمن تأمله – كسهل بن عبد الله التستري وأبي طالب المكي والجنيد بن محمد وأبي عثمان النيسابوري ويحيى بن معاذ الرازي وأرفع من هؤلاء طبقة مثل أبي سليمان الداراني وعون بن عبد الله - الذي كان يقال له حكيم الأمة – وأضرابهما فإنهم تكلموا على أعمال القلوب وعلى الأحوال كلاماً مفصلاً جامعاً مبيناً مطلقاً من غير ترتيب ولا حصر للمقامات بعدد معلوم فإنهم كانوا أجل من هذا وهمهم أعلى وأشرف ، إنما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة وطهارة القلوب وزكاة النفوس وتصحيح المعاملة ولهذا كلامهم قليل ، فيه البركة ، وكلام المتأخرين كثير طويل قليل البركة ، ولكن لا بدَّ من مخاطبة أهل الزمان باصطلاحهم إذ لا قوة لهم للتشمير إلى تلقي السلوك عن السلف الأول وكلماتهم وهديهم ، ولو برز لهم هديهم وحالهم لأنكروه ، ولعدوه سلوكاً عامياً ، وللخاصة سلوك آخر ، إلى أن قال : فالمتأخرون في شأن والقوم في شأن و ﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ﴾{الطلاق:3} ا.هـ
    فبأي الكلام يقتدي المعترض ومن معه : بكلام ابن الجوزي رحمه الله الذي نقل ذمهم وطعن بهم أم بكلام الشيخ ابن القيم رحمه الله الذي مدحهم وأثنى عليهم ؟

    21- ثم أورد المعترض قول ابن الجوزي رحمه الله : وذلك لأنّ السلف كانوا ينفرون من أدنى بدعة ويهجرون عليها تمسكاً بالسنة ا.هـ
    أقول : ومن ذلك هجر الإمام أحمد رحمه الله الحارث المحاسبي رحمه الله لأنه اشتغل برد كلام أهل البدع ، مع أنّ الرد ربما يكون متعيناً عليه ، وأنكر على الإمام البخاري رحمه الله مسألة اللفظ مع أن الحق معه كما تقدم ، وكان ذلك منه تورعاً واحتياطاً .
    وقوله – من أدنى بدعة – لم يثبت أنّ الصوفية مبتدعة في العقائد ، ولو ثبت لذكرهم من ألف في الفِرق والملل والنحل ، والمتروك في زمنه لا يكون تركه سنة وإلا لزم أن نزيد في تعريف العلماء للسنة – وتركه – وهو لم يقل به أحد إلا الوهابية وهم خارجون عن أهل السنة وليسوا منهم .
    وقوله – تمسكاً بالسنة - لم يُرد بها السنة النبوية لأنها قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ولإقراره ووصفه ، وإنما أراد الطريقة المتبعة عند السلف في درء المفاسد وسدِّ الذرائع ، وتقدم في الرد 18-19 الكلام عن البدعة وأقسامها فليرجع إليه .

    22- ثم أورد المعترض ما ذكره ابن الجوزي رحمه الله من قول عبد الرحمن بن مهدي في الصوفية وأنهم قسمان : قوم أخرجهم الأمر إلى الجنون ، وبعضهم أخرجهم إلى الزندقة .
    أقول : إنّ هذا الكلام المجمل المبهم لا يصح إنزاله على أفراد الصوفية كلهم ، لأنهم اتُّهموا كما تقدم من قبل أهل البدع والأهواء بالجنون والزندقة ، ولا يقبل قول أهل البدع في أهل السنة لاختلاف ما بينهم في العقائد والأصول ، وكُذب عليهم وركبت أسانيد نُسب فيها كلام في ذم الصوفية إلى بعض الأئمة وكل ذلك من الافتراء عليهم وعلى الأئمة ، كما ركبت أسانيد الرجال الثقات على متون نسبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مكذوبة عليه ، وقد بينها علماء الحديث جزاهم الله خيراً وبينوا من كان يركب الأسانيد على الأحاديث المختلقة المكذوبة ، فربما يكون الإسناد صحيحاً والمتن مكذوب ، وهكذا الأمر في كلام الأئمة فيما فيه ذم وطعن بأهل الحق ا.هـ

    23- ثم قال المعترض : ولا أدري ماذا سيكون حال الجفري بعد أن يطلع قراؤه على كتاب ابن الجوزي ؟ .. الخ .
    أقول : وأنا لا أدري ما يكون حال المعترض وأمثاله بعد أن يطلعوا على هذه الردود العلمية ، وبعد أن يطلع الناس على كذبهم وخيانتهم ولا أقول ماذا سيكون .
    انتهى الرد الحادي والعشرون
    التعديل الأخير تم بواسطة محب الحبيب علي ; 31 Mar 2007 الساعة 11:52 AM سبب آخر: تفريغ الرابط

  2. #2
    السهم الصائب الصورة الرمزية صقر الاسلام
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    2,350
    معدل تقييم المستوى
    10
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله ولي الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله سيد الخلق أجمعين، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين, وبعد

    بوركت سيدي محب الحبيب علي رد في الصميم وقوي من شيخنا العلامة عبدالهادي الخرسة حفظه الله ونفعنا بعلومه الغزيرة وحفظ الله العلامة الجفري من حقد الحاقدين وحسد الحاسدين..
    أيشمت بالبوطي عالـــــم عصره**مشيد صـــــــــــــرح الديـن لما تهدما
    وكان حريا لو تحلى بخصلـــــــة** محببــــــــــــــة أن ينثر الدمع عندما
    على رجل تبكي السماء لفقـــــده** ويكسـى بساط الأرض حزنا ومأتما
    مجالسه في العلم ينسيك حسنها**نضـــــــارا وينسيك الجمان المنظما


  3. #3
    عضو مسجل الصورة الرمزية محمديه
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    الدولة
    من حيث يولد النور..
    المشاركات
    693
    معدل تقييم المستوى
    0
    بوركتم سيدي ونفع الله بكم
    وجزاكم خيرا
    مدد يارسول الله

+ الرد على الموضوع

المواضيع المتشابهه

  1. الدفاع عن الحبيب الجفري 20 (حول ثناء العلماء على التصوّف)
    بواسطة زريق في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 11 Mar 2010, 07:31 AM
  2. الدفاع عن الحبيب الجفري 13 (حديث: من صلى علي مرة..)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 20 Jan 2010, 05:11 PM
  3. الدفاع عن الحبيب الجفري 6 (قصة العابد ..)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 18 Mar 2008, 05:46 PM
  4. بناء الانسان لسيدي الحبيب علي الجفري
    بواسطة ناصح محب في المنتدى التزكية والسلوك
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02 Nov 2007, 09:51 AM
  5. الدفاع عن الحبيب الجفري 19 (حول البدعة)
    بواسطة محب الحبيب علي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06 Oct 2007, 07:49 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك