+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 4 من 4
  1. #1
    عضو مسجل
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    44
    معدل تقييم المستوى
    0

    الدفاع عن الحبيب الجفري 22 (موقف الإمام النووي من الصوفية ومتفرقات حوله)

    - قال المعترض : وفي الصفحة /66/ قال الجفري : إن الإمام النووي ﴿ رحمه الله ﴾ عندما ترجم رجال سنده لصحيح مسلم ... الخ ثم قال : الفكرة المغلوطة التي يحاول الجفري أن يرسخها ... الخ
    أقول : ليت المعترض بين لنا الفكرة المغلوطة التي يحاول الحبيب الجفري أن يرسخها في أذهان الناس ! هل الكلام على الصوفية وثناء العلماء عليهم فكرة مغلوطة ؟ هذا هو المسلك الذي يتّبعه الحبيب الجفري هو نقل ثناء الأئمة والعلماء على التصوف وأهله وتحبيب العامة والخاصة من أهل عصرنا فيهم ، فما هي الفكرة المغلوطة في ذلك ؟
    إذا كان المعترض قد نفى في كلامه أنّ الحديث عن الصوفية فكرة مغلوطة ، والحبيب الجفري يتكلم ويتحدث عنهم إذاً كلامه ليس فكرة مغلوطة ، فوقع المعترض في تناقضٍ ظاهر في سطرٍ واحد من كلامه .

    2- قال المعترض : فكلمة الصوفية تعني طائفة من الناس فيهم الصالح وفيهم الطالح فلا يمكن أن تكون كلمة مدحٍ بإطلاق !
    أقول : الصُّوفية ليست فرقة من الفرق ولا طائفة من الطوائف ، الصُّوفية هم خُلَّص أهل السنة والجماعة من سلف الأمة وخلفها ، والتصوف هو الركن الثالث من أركان الدين الإسلامي التي هي الإسلام والإيمان والإحسان ، الإحسان وتزكية النفس وما يتعلق بالقلوب ومواجيدها وأحوالها والتخلص من كبائر الإثم الباطنة المتعلقة بها ومنها عبودية الباطن لغير الله تعالى ، والتحلي بالفرائض القلبية العينية هو التصوف وهذا لا يخلو عن التحقق به عالم من علماء الإسلام .
    - قال الإمام السبكي رحمه الله في البراهين القاطعة :
    علوم الشريعة ثلاثة : الفقه وإليه الإشارة في الحديث بالإسلام ، وأصول الدين وإليه الإشارة بالإيمان ، والتصوف وإليه الإشارة بالإحسان .
    وما عدا هذه العلوم إما راجع إليها وإما خارج عن الشريعة .
    - وقال العلامة ابن خلدون رحمه الله في مقدمته عند تعريفه للتصوف ما نصه :
    إنّ طريق هؤلاء القوم – يعني الصوفية – لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية – إلى قوله – وكان ذلك عاماً في الصحابة والسلف ثم فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده ، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا فاختص المقبلون على العبادة باسم – الصوفية والمتصوفة - .

    فقول المعترض : فيهم الصالح وفيهم الطالح إن أراد به علماء الأمة من السلف والخلف الذين سلكوا التصوف وأثنوا عليه فهو مردود ، وإن أراد بالصالحين العلماء وبالطالحين العوام من أهل النسبة فقط فهو سوء ظن منه بالعوام ولا بد من الاحتراز فعوام الصوفية فيهم المقبول وهم أهل الاستقامة الشرعية ، وفيهم المردود ، وأعني بالمردود الدخلاء عليهم والأدعياء لطريقتهم من الخارجين عن الشريعة وآدابها .
    وقوله : فلا يمكن أن تكون كلمة مدح بالإطلاق وهذا المعنى واضح عند علماء الإسلام ،
    أقول : أي ولا كلمة ذمٍّ بإطلاق وهذا ما أشرت إليه من قبل ، وهذا من المعترض أول موضع بلاغي في كتابه يسمى الاكتفاء وهو دال على أنّ له باعاً في البلاغة وأساليبها ويستحق الثناء عليه بأنه عالم البلاغة – فريد العصر ووحيد القرن - .
    وقوله : - وهذا المعنى واضح عند علماء الإسلام – لم يذكر لنا فيما سبق شيئاً من وضوحه ولا قولاً من أقوال الإسلام في مدحه والثناء على أهله ، وربما يستدرك .

    3- قال المعترض : وقول الجفري : إنّ الإمام النووي ﴿ رحمه الله ﴾ إذا أراد أن يثني على أحد قال عنه – وكان صوفياً – غير صحيح .
    أقول : استعملت كلمة – صوفي – على ألسنة كبار علماء السلف والخلف مدحاً لا ذماً ، فالحق مع الحبيب علي الجفري في هذه المسألة وليس مع المعترض .
    وهل ذكر أحد من علماء الجرح والتعديل أنّ كلمة – صوفي – إذا وقعت في ترجمةٍ تكون دالةً على الذم والانحراف ؟
    إنْ مرَّ مع المعترض وأمثاله قول لأحدهم فليذكره لنا ، لا علاقة لكلمة صوفي في الجرح أو التعديل ، وإنما هي كلمة مدح إذا أطلقت على عالم محقق مدقق مستقيم في ظاهره وباطنه ، ولا يصح إطلاقها على غيره ، فإطلاقها على العامة من غير أهل الاستقامة ظلم لها كما أن عدم إطلاقها على أهل الاستقامة من العلماء ظلم لهم ، إنّ العالم المحقق عندما يقول في ترجمة واحد / إنه صوفي / يعتبر ذلك مدحاً وثناءً لأن التصوف كما تقدم هو كمال الدين ، وتقدم معنا أنّ الإمام النووي رحمه الله كان يقتدي في التصوف بالشيخ الكبير ياسين المراكشي رحمه الله تعالى ويتأدب معه ويرجو بركته .
    وأقول في هذا الموضع : القارئ لتاريخ الأئمة والقادة الفاتحين إذا لم يكن على عينيه غشاوة يرى أنهم جميعاً تتلمذوا لكبار الصوفية من علماء عصرهم وجالسوهم وتأدبوا معهم واستشاروهم وعملوا بما أرشدوهم إليه وهذا هو السرُّ الكامن في انتفاع الناس بعلومهم وفي الفتح الذي أجراه الله تعالى على ألسنتهم وأيديهم ، بينما غير هؤلاء ممّن أوتي علم اللسان ولم يؤت علم القلوب كان زبداً رابياً لم ينتفع به ولا بعلمه العامة ولا الخاصة قال تعالى : ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ﴾{الرعد:17}

    4- ثم قال المعترض : بل هل تقول من الجفري على الإمام النووي ﴿ رحمه الله ﴾ وهذا لا يجوز كما لا يجوز التقول على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم .
    أقول :
    1* ليس في كلام الحبيب الجفري تقول على الإمام النووي رحمه الله فإنه ما ذكر الصوفية أو التصوف في كتبه ومؤلفاته إلا معظماً ومتأدباً ومثنياً ، وأنا أتحدى المعترض ومن معه أن يأتوا بكلمةٍ واحدة من كلامه قالها الإمام النووي رحمه الله ذمّ فيها التصوف وأهله ولو واحداً منهم .
    فالعلماء من أهل السنة والجماعة في شأن التصوف وأهله إما ساكت عنهم على جهة التأدب معهم وإما مثنٍ عليهم ومادح لهم ومعتمد لأقوالهم ، والإمام النووي رحمه الله من القسم الثاني كما نجد ذلك صريحاً في كتبه ومؤلفاته .
    ومن ذلك ما قاله في تهذيب الأسماء واللغات : في ترجمة الإمام أبي سهل الصعلوكي رحمه الله تعالى : الإمام الهمام الفقيه الأديب اللغوي النحوي الشاعر المتكلم المفسر المفتي الصوفي الكاتب العروضي خير زمانه وبقية أقرانه رضي الله عنه .
    ونقل في كتابه / تهذيب الأسماء / قول الإمام الحافظ القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي في كتابه / الأحوذي في شرح الترمذي / مقراً غير منكر : قال بعض الصوفية : لله عز وجل ألف اسم وللنبي صلى الله عليه وسلم ألف اسم .
    ونقل أيضاً فيه في ترجمة سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى : قوله في أقسام البدعة وأمثلتها مقراً بذلك غير منكر له وجعل التكلم في دقائق التصوف ورُبط الصوفية من المندوب إليه فقال : وللبدع المحرمة أمثلة منها : مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة ، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة ، وللبدع المندوبة أمثلة منها : إحداث الرُبُط والمدارس ، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ومنها التراويح والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل ، ومنها جمع المحافل للاستدلال إن قصد بذلك وجه الله تعالى .
    وقد قال العلامة المحدث أبو الفضل عبد الله الغماري رحمه الله في مبحث المقارنة بين تقسيم الإمام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله للبدعة وبين كلام الشاطبي ﴿ رحمه الله ﴾ في كتابه / الرد المحكم المتين / ما نصه :
    وكلامه ـ أي سلطان العلماء العز بن عبد السلام ـ في ذلك كلام ناقد بصير أحاط خبراً بالقواعد الفقهية وعرف المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها ، ومن مثل سلطان العلماء في معرفة ذلك ؟
    ـ إلى أن قال ـ حتى جاء صاحب الاعتصام فخرج عن جمهرة العلماء وشذ بإنكار هذا التقسيم ، ثم قال : على أنّا وإن كنا نعلم أن للشاطبي دراية بعلم أصول الفقه على سبيل المشاركة فلا نشك في أن سلطان العلماء فيه أمكن وعلمه بقواعده أتم ، وقواعده الكبرى خير شاهد على ذلك ، وإني لأعجب من الشاطبي كيف أنكر على سلطان العلماء ذلك التقسيم مع أنه بناه على اعتبار المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها ، ولم ينكر على المالكية القول بالاستصلاح الذي لم يعتبره الشارع ولا قبله جمهور العلماء بل أنكروه وأبوا أن يرتبوا عليه أحكاماً كما فعل المالكية لعدم اعتبار الشارع له ، ما القول بهذا مع إنكار ذلك إلا تعصب مذهبي ظاهر 1.هـ
    أقول : وقد سبق لي بحث هذا الموضوع في الرد الثامن عشر فليرجع إليه .
    وقد تقدم قول الإمام الذهبي رحمه الله في السير عند ترجمة / ابن الأعرابي رحمه الله / والعالم إذا عري من التصوف والتأله فهو فارغ كما أن الصوفي إذا عري من علم السنة زلّ عن سواء السبيل .
    فأقول للمعترض ومن معه : إذا كنتم علماء فلا تتخلوا عن التصوف والتأله وعن تعظيم أهله والتأدب معهم لأن ذلك من علامات الفراغ على حدّ قول الإمام الذهبي رحمه الله .
    ثم كيف يصح للمعترض أن يجعل التقول على لسان أحدٍ من العلماء أو العامة كالتقول على الله والرسول صلى الله عليه وسلم ؟
    ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ {البخاري برقم 1209} إن قول المعترض بالتسوية ما بين التقول على الله ورسوله والتقول على الإمام النووي رحمه الله أو غيره مخالف للحديث النبوي الشريف وافتراء وتقول على الشريعة المطهرة .
    فأيهما أعظم إثماً وجناية التقول على الإمام النووي رحمه الله أو غيره إن وقع أم التقول على الشريعة المطهرة وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
    رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ﴿ ليس ككذب على أحد ﴾ والمعترض يقول : الكذب على غيره كالكذب عليه سواء ، نعوذ بالله تعالى من مثل هذا الجهل وسوء الأدب الذي وقع به المعترض ومن معه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته الغراء .

    5- ثم قال المعترض : وإذا عدنا إلى كلام الإمام النووي ﴿ رحمه الله ﴾ في مقدمة شرحه لصحيح مسلم ... الخ
    أقول :
    1* كون الإمام النووي رحمه الله لم يذكر كلمة الصوفية إلا في ترجمة اثنين من رجال سنده فقط ، لا يعني إنكار التصوف ولا ذم الصوفية وقد تقدم ما يبطل ذلك .
    ثم إنه نقل ذلك عن غيره في هاتين الترجمتين مقراً له غير منكر ، والإقرار بمثل ذلك مدح وثناء إذا صدر من الإمام النووي رحمه الله وأمثاله من العلماء والأئمة .
    وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم قولاً للصوفية واعتمده ولم يرده واعتبر قول المحدثين المقابل له شاذاً وإليك كلامه بحروفه : قال في باب من فضائل الخضر عليه السلام :
    جمهور العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة ، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن يُحصر وأشهر من أن يُستر ، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى : هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم في ذلك ، قال : وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين ا.هـ وقاله أيضاً في التهذيب .
    أقول : فما رأي المعترض ومن معه بكلام الإمامين النووي وابن الصلاح في هذه المسألة ؟ هل هم مع المتفق عليه عند الصوفية وجماهير العلماء أم مع أهل الشذوذ الفكري والعقائدي ؟

    6- ثم قال المعترض : فالثناء فيه ليس على مطلق الصوفية وإنما لكونه وصلت إليه بركات أنفاسهم لا انحرافاتهم أو لكونه من عبادهم وليس من فسّاقهم .
    أقول : كما لا يذم دين الإسلام من خلال واقع أكثر المسلمين اليوم وما هم عليه من فسق وانحراف ، كذلك لا يذم التصوف الذي عبّر ويعبّر به عن الركن الثالث من أركان الدين من خلال ما عليه عوام الصوفية وجهلاؤهم والدخلاء عليهم ، فالدين ومنه التصوف شيء وما عليه أكثر المسلمين وأكثر الصوفية اليوم شيء آخر .
    وقد أثبت الإمام النووي رحمه الله في ترجمة محمد بن الفضل الفراوي مقراً لما نقله عن عبد الغافر وليس بمنكر له ولا بمعترض عليه أنه نشأ بين الصوفية في حجورهم ووصل إليه بركات أنفاسهم .
    وفي ترجمته أمور منها :
    1* أنه فقيه بارع في الفقه والأصول وحافظ للقواعد ، وهكذا كان الأمر عند السلف الصالح يتفقه أحدهم ثم يتصوف ، وقد أشار إلى هذا الإمام الشافعي رحمه الله فيما نسب إليه في ديوانه :
    ~ فقيهاً وصوفياً فكن ليس واحداً فإني وحقُ الله إياك أنصح
    ~ فذلك قاسٍ لم يذق قلبه تقـى ً وهذا جهول كيف ذو الجهل يصلح
    وقالوا في معناه : كن محدثاً صوفياً ولا تكن صوفياً صاحب حديث ، أي : قدِّم علم الحديث على التصوف ولا تقدم التصوف على الحديث .
    2* أنه نشأ بين الصوفية في حجورهم ووصل إليه بركات أنفاسهم : وهنيئاً له بتلك النشأة المباركة والأنفاس العطرة فإن أهل الذكر كما ورد في الحديث :
    ﴿ هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ{مسلم برقم:4854} الذي ليس منهم ، فكيف يشقى من هو منهم ؟ أو محب لهم أو محبوب إليهم وعندهم ؟ وقد قال العارف الرواس رحمه الله تعالى في مدحهم :
    ~ هم القوم لا يشقى لحيظ عيونهم مجانين إلا أنّ سرّ جنونهم عزيز على أعتابه يسجد العقل
    وما ذلك إلا لأنهم خواص الله تعالى من عباده ، وقد ورد في الحديث : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ{صحيح مسلم برقم:4651 عن أبي هريرة رضي الله عنه}وإن لله تعالى عباداً لا ينقطع نظر الحق تعالى إلى قلوبهم طرفة عين فعندما يجالسهم الإنسان أو يحبهم يسري إليه من نظره إليهم أو نظرهم إليه ومن حبه لهم وحبهم له سر نظر الله تعالى إلى قلوبهم ، من قلوبهم إلى قلبه فتمحى عنه بسبب ذلك شِقوته ويكتب من السعداء وإن لم يكن منهم .
    ومن ذلك المعية الإلهية الخاصة التي أشار إليها الله تعالى بقوله ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ {البقرة:194} ومعلوم أن المتقين درجات وفي الحديث ﴿ لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ {الترمذي برقم:2375} فلله تعالى عباد اتقوا الله حق تقاته ظاهراً وباطناً فكان لهم من إكرام الله تعالى المعية الخاصة ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ{النحل:128}
    فإذا أحبهم إنسان لم يبلغ مقامهم وجالسهم وتشبه بهم يسري إليه من ذلك كله نصيبه من معية الله تعالى التي لهم فيُلحق بهم في مقامٍ من مقاماتهم ، كما قال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ قَالَ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ {البخاري برقم:5704 عن أبي موسى رضي الله عنه}
    فمن فاتته المعية الإلهية الخاصة استقلالاً لعدم تحققه بكمال التقوى الظاهرة والباطنة فليحرص ألا تفوته آثار تلك المعية الإلهية وبركاتها اقتباساً من عباد الله تعالى المتقين الذين أخبرنا الله تعالى أنه معهم .
    ثم إن هؤلاء القوم تشرف بهم الأمكنة والأزمنة الخاصة حتى الكعبة المشرفة وتسري بركاتهم إليها ودليل ذلك قوله تعالى عن سيدنا عيسى عليه السلام ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ {مريم:31} فالأنبياء بركة على الأزمنة والأمكنة ولوراثهم من العلماء الأولياء نصيب إرثي من ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عند دخوله إلى الكعبة المشرفة : ﴿ اللهم زد بيتك هذا تشريفا ، وتعظيما ، وتكريما ، وبرا ، ومهابة ، وزد من شرفه ، وعظمه ممن حجه أو اعتمره تعظيما ، وتشريفا ، وتكريما ، وبرا ، ومهابة ﴾{المعجم الأوسط للطبراني برقم:6311 عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري رضي الله عنه} قال جمهور شراح الحديث : والهاء في قوله ﴿ شرفه ﴾ تعود إلى بعض الطائفين به فهو يشرف بهم كما يشرفون به فالأزمنة والأمكنة الشريفة تشرّف أقواماً وتشرُف بآخرين .
    فإذا كانوا بركة على الزمان والمكان ألا يكونون بركة لمن نشأ في حجورهم ووصلت إليه بركات أنفاسهم ؟ بلى بلى بلى .
    ثم إنّا لما أمرنا في الشرع بأن نستعيذ بالله تعالى من شر الحاسد إذا حسد ومن النفاثات في العقد ومن شر العين اللامة التي يحصل عندها الضرر بإذن الله وما ذلك إلا لأنه يخرج من النفس الخبيثة قوة خفية عبر البصر إلى الشيء المنظور إليه أو عبر النفث عليه فيقع فيه الضرر بإذن الله .
    ويقابل ذلك من باب مقابلة القدر للقدر ما يخرج من النفوس الطيبة النورانية التي لها المعية الإلهية الخاصة ونظر الحق تبارك وتعالى من قوة خفية تسري عبر البصر أو النفث إلى الشيء المنظور إليه أو المقروء عليه فتشفى من مرضٍ أوتُخرج من أسر شهوة أو معصية ، أو تترقى في علوٍّ همة أو حال أو موهبة أو علم بإذن الله تعالى ، ومن هنا وقع التبرك للعلماء والمحدثين بلبس وإلباس خرقة الصوفية كما تقدم في الرد السابق ، قال تعالى : ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾{الأنبياء:18} .
    ولذلك قال بعض العارفين : من نظر إلى وليٍّ معتقداً متأدباً سعد ، ومن نظر إليه وليٌّ سعد وأسعد ، لأنّ الولي إذا نظر إلى قلب خرب عمر بإذن الله وإذا نظر إلى باطن جامد روي وأنبت بإذن الله فنبع فيه نبع العلم بالله قال تعالى : ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾{البقرة:74} فتبين بهذا أن من القلوب وفيها تتفجر الينابيع كما تتفجر من الحجارة الينابيع .
    وجاء رجل إلى السلطان أبي يزيد رحمه الله فقال : أوصني فقال : إن لم تكن صالحاً فكن في قلب رجلٍ صالح .
    وقالوا : إذا أحب الله عبداً ساقه إلى أولئك الصوفية الصالحين وفتح له باب العمل وأغلق عنه باب الجدل ، وإذا أبغض عبداً ساقه إلى المبتدعة وفتح له باب الجدل وأغلق عنه باب العمل ، لأنّ المبتدعة وجد عندهم آلة النظر ولم يوجد عندهم الإبصار لانطفاء نور البصيرة قال تعالى : ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾{الأعراف:198} لذلك لا يؤمنون بالحق ولا يتبعونه قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ{96} وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ﴾{يونس:96/97} .
    ثم إني أقول للمعترض ومن معه : إنّ انحرافات بعض الصوفية التي أشرت إليها لا تُقاس بانحرافات الوهابية المبتدعة وذلك لأنّ انحرافات بعض الصوفية في ظاهر الإثم بينما انحرافات الوهابية في باطن الإثم ، وانحرافات الباطن أشد .
    لقد ذكر علماء العقيدة : أنه لو يلقى الموحِّد ربه بملأ الأرض خطايا ولا يشرك به شيئاً ولا يتلبس باطنه ببدعة ضلالة في العقائد ولا بكبيرة من كبائر القلب خير من المبتدع الذي يلقى ربه بشرك أو بدعة ضلالة أو كبيرة من باطن الإثم فلا تصح المقايسة بين الفسق الظاهر وبين البدع الضالات وبالتالي : ففاسق الصوفية خير من عابد الوهابية ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى ذلك في حديثه عن الخوارج : ﴿ يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّة ﴾{صحيح البخاري برقم:3341 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه} وقاتل سيدنا علي رضي الله عنه : عبد الرحمن بن ملجم الخارجي أمضى ليلة قتله ذاكراً مصلياً ، ولا يغنيه ذلك من عذاب الله من شيء . لأنّ التقوى المعتبرة تقوى القلوب ، وتقوى الظاهر دليل كمال تلك التقوى في قلب العبد وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره الشريف وقال : ﴿ التَّقْوَى هَاهُنَا ﴾{صحيح مسلم برق4650 عن أبي هريرة رضي الله عنه}

    7- ثم قال المعترض : حين كانت الصوفية تطلق على أهل الزهد والصلاح والتقوى في الغالب .
    أقول : كانت ومازالت بحمد الله تطلق على أولئك إلى زمننا اليوم ، فصالحوا العلماء وزهادهم وأتقياءهم المصلحون في الأرض كلهم صوفية .
    بينما فاسقوا العلماء وأبناء الدنيا عبيد الدرهم والدينار واليورو والدولار المفسدون في الأرض كلهم من المبتدعة المنكرين على الصوفية .
    فنحمد الله أن خصنا بأن جعلنا أبناء الآخرة وجعل غيرنا من أبناء الدنيا .
    قال تعالى : ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾{القصص:83} .

    8- ثم قال المعترض : والإمام النووي رحمه الله عندما يقول عن شخص معتبر عنده إنه من الصوفية فهو يقصد التصوف المحمود الذي وصفه ... الخ
    أقول : وهكذا حكم كلام جميع الأئمة والعلماء موجه إلى التصوف المحمود الذي وصفه .
    وأصول التصوف الخمسة التي ذكرها الإمام النووي رحمه الله تدل على أنّ له باعاً في التصوف وأنه مشارك لأهله وعارف بقواعده وأصوله ، هذا إن كانت هذه الصياغة من كلامه ، وإن كان ناقلاً لها عن أهل التصوف ممن سبقه من علماءهم فذلك إقرار منه بصحتها وموافقتها للشرع الشريف وأنه قائل بها وداعٍ إلى التمسك بها .

    9- ثم قال المعترض : إنما الاعتراض كان وما يزال على المخالفين لهذه الأصول من الصوفية .
    أقول : هل الوهابية قائمون بهذه الأصول الشرعية حتى لا يوجه الاعتراض إليهم كما يوجه إلى بعض الصوفية ؟
    هذه الأصول الخمسة دلت عليها الأدلة الشرعية ، والأمة الإسلامية بجميع فرقها مخاطبة بذلك ومطالبة به .
    لمَ يطالب الصوفية بالإخلاص في الدين واتباع السنة والإعراض عن الخلق والرضا عن الله والرجوع إليه ؟
    ويبقى الوهابية على ما هم عليه من الرياء واتباع الأهواء والآراء وعدم تقوى الله في الألسنة الطاعنة والقلوب الحاقدة ، والإعراض عن الحق والسخط عليه وعدم الرجوع إليه ؟
    قال الله تعالى : ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾{البقرة:44} .
    ~ يا أيها الرجـل المعلـم غيـره هلّا لنفسـك كان ذا التعليـم
    ~ تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيم

    ~ ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
    ~ لا تنه عن خُلُق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
    إن الذي دعا علماء الصوفية إلى عدم مخاطبة الوهابية بأمثال هذه الأصول آية وحديث ، أما الآية فقوله تعالى : ﴿ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾{المائدة:105} والحديث المبين لزمانها على قول الأكثرين ﴿ إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ يَعْنِي بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ ﴾{سنن أبي داود برقم:3778 وسنن الترمذي برقم:2984 عن أبي ثعلبة الخشني} وتقدم الحديث الصحيح : ﴿ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ﴾{صحيح البخاري برقم:3338 عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه} ، وما ذلك إلا لعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا تنفعهم نصيحة الناصحين ولا إرشاد المرشدين .
    قال تعالى : ﴿ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً ﴾{الكهف:17} فذكر سبحانه أن علامة الضال ليس له مرشد وإن وجد لا يسترشد به ولا يتبعه .
    وقد قيل : المحروم من حُرم بركة أهل زمانه ، ومن حُرم بركة أهل الوقت فوقته كله مقت ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾{غافر:10} والعياذ بالله تعالى .

    10- ثم قال المعترض : والانتقاد الذي يوجّه للصوفية إنما هو لانحرافاتهم ومخالفتهم للشرع الحنيف ، وليس لأنهم زهاد أو عباد أو أهل ذكر وصلاح .
    أقول : انظروا إلى هذا المعترض الجاهل الخبيث النفس : في أول هذه الصفحة قال : الثناء ليس على مطلق الصوفية ، فالثناء لا يعمّم وهنا عند الذمِّ والتنقيص يعمّم ، فما هذا التناقض ؟
    كما لا يعمم الثناء كذلك لا يعمم النثاء وهذا عند أهل الإنصاف من العلماء
    ثم انظروا إلى هذا المتناقض المخبول العقل كيف جمع للصوفية بين وصفين : انحرافاتهم ومخالفتهم للشرع الشريف وزهدهم وعبادتهم وذكرهم وصلاحهم .
    فالصوفية عنده زهاد أو عباد أو أهل ذكر وصلاح منحرفون ومخالفون للشرع الشريف .
    هل سمعتم مثل هذا الكلام من مجنون فضلاً عن سماعه من عاقل ؟ هل الذكر والعبادة والزهد والصلاح انحرافات ومخالفة للشرع الشريف ؟
    إذاً مفهوم المخالفة عند المعترض : الرغبة في الدنيا وترك العبادة والذكر والفساد هو الموافقة للشرع الشريف ، هكذا فهم الشرع وهكذا يقرره في كتابه المنحرف والمخالف للشرع الشريف .
    وإنني أنقل للمعترض ومن معه كلام عالمين جليلين وداعيين كبيرين رحمهما الله تعالى :
    1* قال العلامة المحدث الفقيه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى :
    إنني أجتهد في تقسيم التصوف إلى أربعة أقسام ، وأتكلم عن كل قسم منه بكلمات معدودة .
    آ* التصوف المشترع ، ب* والتصوف المبتدع ، ج* والتصوف المحترف ، د* والتصوف المتبطن أي الباطن .
    آ* فالتصوف المشترع : هو تربية علمية عملية للنفوس ، وعلاج لأمراض لقلوب ، وغرس للفضائل ، واقتلاع للرذائل ، وقمع للشهوات ، وتدريب على الصبر والطاعات ، مأخوذ من قول الله عز وجل : ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾{الجمعة:2} .
    فالتصوف تزكية وتربية ، قال الإمام الجنيد في هذا المقام : إني لترد النكتة على قلبي ، فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة ا.هـ
    والتصوف بهذا المعنى كان خلقاً ملازماً لكبار العلماء في كل عصر ومصر ، وأذكر منهم نماذج لإخوتي الطلبة : كالإمام النووي والعز بن عبد السلام وابن الصلاح وابن دقيق العيد وابن تيمية وابن القيم والشاطبي وسيدي أحمد زروق والقرافي والتقي السبكي والتاج السبكي وخلقٍ سواهم ، فهذا هو التصوف المشترع .
    ب* والتصوف المبتدع : هو الذي يقوم على البدع والضلالات والشهوات المحرمة والانحرافات ، والاعتقادات الباطلة والخيالات ، مثل اعتقاد أن الشخص الفلاني يتصرف بالكون ، يعطي ويمنع ويخفض ويرفع ، وما ينزل قضاء من قضاء الله وقدره إلا عن طريقه ، فيوزع على الناس أرزاقهم ومصائبهم وسلامتهم !!! وهذا من الخرافات المكروهة الباطلة .
    ج* وأما التصوف المحترف : وهو أن يكون الشيخ الصوفي صادقاً صالحاً طيباً طاهراً زكياً فيموت فيخرج ولده صوفياً ولا صوف فيه فهذا أيضاً احتراف ، لأنه للمجادة وكسب الدريهمات .
    د* والتصوف المتبطن – أي الباطني – الذي يكون باطنه الإلحاد والتحلل من التكاليف والأوامر والنواهي وارتكاب المُوبقات باسم أن ذلك الشيخ من أهل الصلاح والباطن ، فيفعل ما يفعل وهو من أهل الصلاح والباطن ، فلو رؤي على أشد الفسق والفجور والزنى ، هذه بركة على بركة !!! هذا ضلال مبين ، اسم للتصوف ، ولكنه هذا الضلال المبين هذا بلا ريب أنه حرام .

    وعلى هذا التقسيم فلا بد من إحقاق الحق وإنصاف أهل الصدق ، ولا يجوز تحميل الصلحاء أوزار الفجرة الأدعياء ، ولا يجوز أن يطلق القول في ذم التصوف والصوفية ، بل يعطى كل فريق حقه من المدح أو الذم والترغيب والترهيب دون تعصب . انتهى كلام الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى .
    - انظر كتاب الأصالة ملتقى السنة النبوية السادس عشر -

    2* قال العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى : إن للمصطلحات والأسماء الشائعة بين الناس للأشياء : جناية على الحقائق ، ولهذه الجناية قصة طويلة في كل فن ولغة وفي كل أدب ودين ، فإنها تولد كائناً آخر تنشأ عنه الشبهات وتشتد حوله الخصومات ، وتتكون فيه المذاهب وتُستخدم لها الحجج والدلائل ويحمى فيها وطيس الكلام والخصام .
    فلو عدلنا عن هذه المصطلحات المحدثة وعن هذه الأسماء الحرفية ورجعنا إلى الماضي وإلى الكلمات التي كان يعبر بها الناس عن هذه الحقائق في سهولة وبساطة ، وإلى ما كان ينطق به رجال العهد الأول والسلف الأقدمون انحلت العقدة وهان الخطب واصطلح الناس .
    ومن هذه المصطلحات والأسماء العرفية التي شاعت بين الناس ﴿ التصوف ﴾ ثارت أسئلة وبحوث وتساؤل الناس وحميت المعركة بين أصدقائه وخصومه والموافقين والمعارضين حتى تكونت بذلك مكتبة كبيرة يصعب استعراضها .
    وأما إذا عدلنا عن هذا المصطلح الذي نشأ وشاع في القرن الثاني ، ورجعنا إلى الكتاب والسنة وعصر الصحابة والتابعين ، وتأملنا في القرآن والحديث ، وجدنا القرآن ينوه بشعبة من شعب الدين ومهمة من مهمات النبوة ، يعبر عنها بلفظ ﴿ التزكية ﴾ ويذكرها كركن من الأركان الأربعة التي بعث الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لتحقيقها وتكميلها ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ {الجمعة:2} .
    وهي تزكية النفوس وتهذيبها وتحليتها بالفضائل وتخليتها من الرذائل ، التزكية التي نرى أمثلتها الرائعة في حياة الصحابة رضوان الله عليهم وإخلاصهم وأخلاقهم ، والتي كانت نتيجتها هذا المجتمع الصالح الفاضل المثالي الذي ليس له نظير في التاريخ ، وهذه الحكومة العادلة الراشدة التي لا مثيل لها في العالم .
    ووجدنا لسان النبوة يلهج بدرجة هي فوق درجة الإسلام والإيمان ، ويعبر عنها بلفظ : ﴿ الإحسان ﴾ ومعناه كيفية من اليقين والاستحضار يجب أن يعمل لها العاملون ، ويتنافس فيها المتنافسون ، فيُسألُ الرسول صلى الله عليه وسلم ما الإحسان ؟ فيقول : ﴿ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ{صحيح البخاري برقم:48 عن أبي هريرة رضي الله عنه} .
    ووجدنا الشريعة وما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأحوال ودون في الكتب ينقسم بين قسمين : أفعال وهيئات وأمور محسوسة ، كقيام وقعود وسجود وتلاوة وتسبيح وأدعية وأذكار وأحكام ومناسك ، قد تكفل بها الحديث رواية وتدويناً .
    والفقه استخراجاً واستنباطاً ، وقام بها المحدثون والفقهاء ـ جزاهم الله عن الأمة خيراً ـ فحفظوا للأمة دينها وسهلوا لها العمل به .
    وقسم آخر هو : كيفيات باطنية كانت تصاحب هذه الأفعال والهيئات عند الأداء ، وتُلازمُ الرسول صلى الله عليه وسلم قياماً وقعوداً وركوعاً وسجوداً وداعياً وذاكراً وآمراً وناهياً ، وفي خلوة البيت وساحة الجهاد ، وهو الإخلاص والاحتساب والصبر والتوكل والزهد ، وغنى القلب والإيثار والسخاء ، والأدب والحياء والخشوع في الصلاة ، والتضرع والابتهال في الدعاء ، والزهد في زخارف الحياة وإيثار الآخرة على العاجلة والشوق إلى لقاء الله ، إلى غير ذلك من كيفيات باطنية وأخلاق إيمانية هي من الشريعة بمنزلة الروح من الجسد والباطن من الظاهر .
    وتندرج تحت هذه العناوين تفاصيل وجزئيات وآداب وأحكام تجعل منها علماً مستقلاً ، وفقهاً منفرداً فإن سمي العلم الذي تكفل بشرح الأول وإيضاحه وتفصيله والدلالة على طرق تحصيله ﴿ فقه الظاهر ﴾ : سمي هذا العلم الذي يتكفل بشرح هذه الكيفيات ويدل على طرق الوصول إليها ﴿ فقه الباطن ﴾ .
    فكان الأجدر بنا أن نسمي العلم الذي يتكفل بتزكية النفوس وتهذيبها وتحليتها بالفضائل الشرعية وتخليتها عن الرذائل النفسية والخُلُقية ، ويدعو إلى كمال الإيمان والحصول على درجة الإحسان والتخلق بالأخلاق النبوية واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في صفاته الباطنية وكيفياته الإيمانية كان الأجدر بنا وبالمسلمين أن يسموه ﴿ التزكية ﴾ أو ﴿ الإحسان ﴾ أو ﴿ فقه الباطن ﴾
    ولو فعلوا ذلك لانحسم الخلاف ، وزال الشقاق ، وتصالح الفريقان اللذان فرّق بينهما المصطلح ، وباعد بينهما الاستعمال الشائع .
    فالتزكية والإحسان وفقه الباطن حقائق شرعية علمية ، ومفاهيم دينية ثابتة في الكتاب والسنة ، يُقرُ بها المسلمون جميعاً ، ولو ترك ﴿ المتصوفون ﴾ الإلحاح على منهاج عملي خاص للوصول إلى هذه الغاية التي تعبر عنها بالتزكية أو الإحسان أو فقه الباطن ، فالمناهج تتغير وتتطور بحسب الزمان والمكان وطبائع الأجيال والظروف المحيطة بها ، وألحوا على ﴿ الغاية ﴾ دون ﴿ الوسائل ﴾ لم يختلف في هذه القضية اثنان ، ولم ينتطح فيها عنزان ، وخضع الجميع وأقروا بوجود شعبة من الدين وركن من أركان الإسلام يحسن أن نعبر عنه بالتزكية أو الإحسان أو فقه الباطن ، وأقروا بأنه روح الشريعة ، ولُبُ لباب الدين وحاجة الحياة .
    فلا كمال للدين ولا صلاح للحياة الاجتماعية ولا لذة ـ بالمعنى الحقيقي ـ في الحياة الفردية إلا بتحقيق هذه الشعبة في الحياة .
    ومن هنا كانت جناية هذا المصطلح والعرف الشائع ﴿ التصوف ﴾ على هذه الحقيقة الدينية الناصعة : عظيمةً ، فقد حجبتها عن أنظار كثيرة ، وصدت فريقاً كبيراً من الناس عن سبيلها والحرص على تحصيلها ، ولكن كان ذلك لأسباب تاريخية يطول ذكرها ، والأمور تجري كثيراً على غير الأهواء والمصالح ، وليس لنا الآن أن نقرر الحقيقة ونتحرر من القيود والمصطلحات ، ومن النزعات والتعصبات ، ولا نفرّ من حقيقة دينية يقررها الشرع ، ويدعو إليها الكتاب والسنة ، وتشتد إليها حاجة المجتمع والفرد لأجل مصطلح محدث أو اسم طارئ دخيل .
    ثم جنى على هذه الحقيقة الدينية شيء آخر وهو أنه دخل فيها دجالون ومحترفون ، وباطنيون وملحدون ، اتخذوها وسيلة لتحريف الدين ، وإضلال المسلمين ، وإفساد المجتمع ونشر الإباحية ، وتزعموا هذا الفن وحملوا لواءه ، فكان ذلك ضغثاً على إبّالة ، وزهّد فيه ونفّر منه أهل الغيرة الدينية والمحافظين على الشريعة الإسلامية ، وطائفة أخرى من غير المحققين لم يعرفوا روح هذه الشعبة وغايتها ، ولم يميزوا بين الغاية والوسائل فخلطوا بينها ، وألحوا على الوسائل أحياناً ، وضيعوا الغاية أو أدخلوا ما ليس من هذا الفن في صميم هذا الفن وصلبه ، وعدّوه من الكمالات ومن الغايات المطلوبة ، وعقّدوا المسألة وطوّلوها ، وجعلوا الشيء الذي يكلف به كل مسلم والذي هو لبّ الدين وحاجة الحياة : لُغزةً وفلسفةً ورهبانية لا يجرؤ عليها ، ولا يطمع فيها إلا من نفض يده من أسباب الحياة ورفض الدنيا وما إليها ، ولا شك أن أولئك قليل من قليل في كل عصر وجيل ، وليست هذه دعوةَ الدين ولا أسوة الرسول ولا حكمة الخلق .
    ولكنّ الله قيض للمسلمين في كل عصر وجيل من ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، ويدعون إلى التزكية الخالصة من شوائب العجمية والفلسفة وإلى ﴿ الإحسان ﴾ و﴿ فقه الباطن ﴾ من غير تحريف وانتحال وتأويل ، ويجددون هذا الطب النبوي لكل عصر .
    وينفخون في الأمة روحاً جديدة من الإيمان والإحسان ، ويجددون صلة القلوب بالله ، والأجسام بالأرواح ، والمجتمع بالأخلاق ، والعلماء بالربانية ، ويوجدون في الجمهور قوة مقاومة الشهوات وفتنة المال والولد وزينة الحياة الدنيا .. ﴿ ثم ذكر الشيخ الندوي أنه ﴾ لولا أصحاب النفوس المزكاة الذين وصلوا إلى درجة الإحسان وفقه الباطن لانهار المجتمع الإسلامي إيماناً وروحانية ، وابتلعت موجة المادية الطاغية العاتية البقية الباقية من إيمان الأمة وتماسكها ، وضعفت صلة القلوب بالله والحياة بالروح والمجتمع بالأخلاق ، وفُقد الإخلاص والاحتساب ، وانتشرت الأمراض الباطنية ، واعتلّت القلوب والنفوس وفُقد الطبيب ، وتكالب الناس على حطام الدنيا ، وتنافس أهل العلم في الجاه والمال والمناصب ، وغَلَبَ عليهم الطمع والطموح ، وتعطلت شعبة من أهم شعب النبوة ونيابتها وهي ﴿ تزكية النفوس والدعوة إلى الإحسان وفقه الباطن ﴾ .
    - إقرأ كلام الشيخ أبي الحسن في مقدمة كتاب بين التصوف والحياة -
    أين كلام المعترض من كلام هذين العلمين العالمين رحمهما الله تعالى ؟
    لقد أنزلت من قدر هذين العالمين الجليلين عندما قارنت بهما وقرنت معهما كلام المعترض هذا ، كما قال الشاعر :
    ~ ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل هذا السيف خير من العصا
    كلام العالمين يرقي الإنسان ويحييه ويسمو به حتى يدخله ملكوت السموات قال تعالى : ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ {فاطر:10} وكلام المعترض ينزل بالقارئ الجاهل إلى الحضيض فيدسه في التراب ويميته وهو ما زال على قيد الحياة .
    إن المعترض وعصابته الوهابية والذين أعلنوا حرباً لا هوادة فيها على التصوف وأهله يعلنون في كل مناسبة / الصوفيون أفيون الشعوب / وإنني أقول في مقابل ذلك / الصوفية نجوم الأمم وأقمار الشعوب ، والوهابية هيروئين العقول وكوكائين القلوب / .

    11- ثم قال المعترض : وحاشا الإمام النووي أن يثني على رجل عرف عنه أنه يخالف الشرع في مسألةٍ ما .
    أقول : العدل الذي عرّفه الإمام الشافعي رضي الله عنه وتبعه عليه الشافعية كلهم هو الذي غلبت حسناته سيئاته ومعنى ذلك أنه ربما يرتكب بعض المخالفات لعدم العصمة ولكن لا يجاهر بها ولا يصر عليها .
    أما أهل البدع الاعتقادية كالوهابية فهم ساقطوا العدالة مردودوا الشهادة لا تصح إمامتهم ولا الاقتداء بهم فمن حق العبارة أن يقال : وحاشا الإمام النووي رحمه الله أن يثني على رجل عرف أنه يخالف أهل الحق في مسألةٍ ما أي أنه من المبتدعة الشاذين فكرياً والمنحرفين عقائدياً .

    12- ثم أورد المعترض قول الإمام النووي رحمه الله : أصول الدين أربعة : الكتاب والسنة والإجماع والقياس المعتبران وما خالف هذه الأربعة فهو بدعة ومرتكبه مبتدع يتعين اجتنابه وزجره .
    أقول : هذا الكلام من الإمام النووي رحمه الله على المعترض ومن معه وليس لهم وذلك لأنهم لا يقرون بالإجماع والقياس المعتبرين ، فيخرقون الإجماع عقيدةً وفقهاً وينفون القياس في العبادات وقد قال به الأئمة الأربعة رضي الله عنهم .
    الوهابية يعتقدون أن كل بدعة ضلالة فهي مكروهة أو محرمة فقط ، وليس عندهم بدع واجبة أو مندوبة أو مباحة والتي قال بها قياساً الأئمة كلهم .
    إن الإمام النووي رحمه الله يعتبر أن ما خالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو قياساً بدعة ضلالة وإن مرتكب ذلك مبتدع يتعين اجتنابه وزجره ، والوهابية خالفوا الإجماع والقياس فمخالفتهم بدعة ضلالة ويجب اجتنابهم وزجرهم وهجرتهم في الله تعالى ، عملاً بما قاله الإمام النووي وغيره من الأئمة رحمهم الله تعالى أجمعين .
    ثم قال الإمام النووي رحمه الله : ومن المطلوب اعتقاد من علم وعمل ولازم أدب الشريعة وصحب الصالحين .
    انظر أخي القارئ إلى كلمة ﴿ اعتقاد ﴾ في كلام الإمام النووي رحمه الله والتي تعني حسن الظن به أنه من أهل الولاية ، وقد نقل عن الإمامين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما : لو لم يكن العلماء هم الأولياء فلا ولي لله على وجه الأرض والمراد العلماء بالله والعلماء بأحكام شرعه من أهل الحق ، فخرج بذلك المبتدعة فلا يسمون علماء ولو ملؤوا الدنيا كتباً وكلاماً .
    وانظر إلى قوله ﴿ وصحب الصالحين ﴾ والصالحون في عرف السلف والخلف هم الزهاد والعباد من الصوفية ، ومعنى ذلك أن من لم يصحب الصوفية ولم تصل إليه بركات أنفاسهم لا يعبأ به ولا يلتفت إليه ، فعلمه علم اللسان وليس من علم القلوب وأهلها في شيء .
    ثم قال الإمام النووي رحمه الله : وأما من كان مسلوباً عقله أو مغلوباً عليه كالمجاذيب فنسلم لهم ونفوض إلى الله شأنهم مع وجود إنكار ما يقع منهم مخالفاً لظاهر الأمر حفظاً لقوانين الشرع .
    أقول : ما أجمل هذا الكلام وما أرقاه ، وكل العلماء والصوفية قائلون به ومجمعون عليه فهم يسلمون لأهل الحال حالهم ولأهل الوجد وجدهم ولأهل الجذب جذبهم ويفوضون إلى الله تعالى أمرهم مع الإنكار عليهم في ما ظاهره مخالف للشرع الشريف وقوانينه .
    أما الوهابية أعداء الأولياء فتراهم ينكرون وجود أهل الحال والوجد والجذب ولا يسلمون لهم في ما يعتريهم ويطعنون بهم وبكل من ترجم لهم من العلماء الربانيين الذين ذكروهم في طبقات الأولياء .

    13- ثم قال المعترض : فلماذا يخلط الجفري بين الأمرين ويقلب الحقائق .
    أقول : لم أجد في كلام الحبيب الجفري أي خلط ولا قلباً للحقائق كما زعم المعترض بل هو مفترٍ كذاب وعليه أن يبين إن كان صادقاً المواضع من كلامه والتي خلط فيها وقلب الحقائق .
    في أول الكلام يقول الحبيب الجفري عن الإمام النووي رحمه الله بأنه إذا أراد أن يثني على أحد يقول كان صوفياً وكان من الصوفية جعلها لفظة ثناء .
    وقد تقدم صحة هذا القول وأن ما يقوله الإمام النووي رحمه الله وأمثاله من الأئمة يعتبر ثناءً ومدحاً لا ذماً وقدحاً ، فأين في كلامه الخلط وقلب الحقائق .
    هل أولئك الذين أثنى عليهم الإمام النووي رحمه الله وغيره من الأئمة أنهم صوفية كانوا مخالفين للإجماع والقياس المعتبرين ؟ وهل كانوا من أهل بدع العقائد ؟ وهل كانوا مسلوبي العقل أو مغلوباً عليهم حتى نسلم لهم ؟ وهل وقع منهم ما يخالف ظاهر الأمر حتى ننكر عليهم ؟
    ما هي أجوبتكم أيها المعترض ومن معه ؟ لم هذا الخلط بين العلماء وأهل الجذب من الصوفية الصالحين والأدعياء والدخلاء ؟ ولم تقلبون أنتم الحقائق ولا توردونها على ما هي عليه ؟

    14- ثم قال المعترض : أنتقد في هذا الكتاب على الشيخ الجفري عدم تورعه ... الخ .
    أقول : تقدم بطلان ما انتقده المعترض على الحبيب الجفري في الردود السابقة .
    ثم قال : وعلى كثرة غمزه وطعنه في إخوانه المسلمين والمتمسكين بالسنة المطهرة .
    أقول : هؤلاء هم المبتدعة الوهابية ليسوا إخواناً للمسلمين الموحدين ، هم برآء منا ونحن برآء منهم ، فيهم وجه شبه باليهود فاليهود أعداء الأنبياء ، والوهابية أعداء الأولياء ، وليسوا متمسكين بالسنة المطهرة كما زعم المعترض وإنما بالبدع الضلالات المخالفة للسنة المطهرة ، فهم خوارج فاسقون ضالون مضلون ، مارقون عن الدين كما وصفهم بذلك النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح وقد تقدم .
    فإذا اكتفى الحبيب الجفري بالغمز والطعن في حق هؤلاء فقد تأدب معهم وهم لا يستحقون مثل ذلك الأدب الرفيع لأنهم ليسوا من أهله ، بل الواجب الشرعي يقضي ببيان حالهم للعامة حتى لا يخدعوا بهم ثم بطردهم من المساجد وعدم التمكين لهم فيها بإمامة أو خطابة أو تدريس ، ومن سكت عنهم أو مكن لهم فعليه مثل آثامهم وآثام من يُضل بسببهم من غير أن ينقص بعضهم من إثم بعض شيئاً .

    15- ثم قال المعترض : ولم أتعرض أبداً للكلام عن زهده وأذكاره وتأديبه لنفسه ... الخ .
    أقول : لأن المعترض ومن معه لا يذكرون المحاسن التي للصوفية ولا يثنون بها عليهم ، وإنما نظرهم القاصر المحدود يحملهم على إظهار بعض محاسن الصوفية بمظهر المساوئ ثم يطعنون بهم من أجلها ، أو بتتبع هفوات بعضهم وزلاته وإذاعتها كما يفعل المنافق مع المؤمن : إذا رأى حسنة سترها وإذا رأى سيئة نشرها .
    إن من قواعد الأخوة الإسلامية والتي يفقدها الوهابية في تعاملهم مع أهل الحق : أن يذكر بعضهم محاسن بعض وأن يكفوا عن مساوئهم أحياءً ومنتقلين ، والوهابية على خلاف ذلك يذكرون الهفوات والزلات التي تحتمل التأويل ويجعلون محاسن الصوفية مساوئ .

    16- ثم قال المعترض : فهل سيفسر الجفري هذا النقد العلمي على أنه هجوم على الصوفية ..الخ .
    أقول : هذا ليس بنقد علمي كما توهم المعترض فاعتراضاته ساقطة علمياً وأدبياً وأخلاقياً ، النقد العلمي إذا صدر من أهله يكون بنّاءً يؤلف بين القلوب ويوحد كلمة المسلمين ولا يورث العداوة والبغضاء ولا يزرع الأحقاد والإحن .
    وأين هذا في كلام المعترض وأمثاله ؟ فإن نقدهم للعلماء والصوفية هدام لا بناء ، يناكر بين القلوب ويخالف بين كلمة المسلمين ويورث العداوة ويزرع الأحقاد ، فهو نقد جاهلي لا علمي .
    ثم قال : أم أنه سيتعامل معه بتجرد وإنصاف وهذا هو المأمول منه .
    أقول : لو تعامل المعترض في اعتراضاته على الحبيب الجفري بتجرد وإنصاف لذكرنا له ذلك منقبة وفضيلة ، ولكنه كما مر كان مفترياً كاذباً محرفاً للكلم يخلط بين الحق والباطل ويقلب الحقائق ، ومع ذلك جعلني التصوف وأدبه أن أتعامل معه بتجرد وإنصاف وحققت له المأمول والذي يرجوه وهكذا الأمر عند الحبيب الجفري لما عرف عنه من أخلاق كريمة وعند كل علماء الصوفية فاطمأن أيها المعترض فلن يقابلك الصوفية بمثل أخلاقك السيئة التي عاملتهم بها فهم أهل العفو والصفح ومكارم الأخلاق .
    فهم قوم لا ينتصرون لأنفسهم ولا يدافعون عنها ، بل اكتفوا بنصر الله لهم ودفاعه عنهم ولا يعني ذلك أنك ومن معك ستسلم من عقوبات الله تعالى وانتصاره لأوليائه فإن الله تعالى يقول : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا {الحج:38} وفي الحديث القدسي : ﴿ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ {صحيح البخاري برقم:6021} فربما يسلط الله تعالى عليك مرضاً مُفسداً أو هرماً مفنداً أو فقراً منسياً أو غنىً مطغياً ، وربما يسلط عليك من الخلق إنساً أو جناً أو حيواناً أو حشرةً أو فيروساً من جنوده الذين ينتقم الله تعالى بهم من أعداء أوليائه ، والشواهد في التاريخ القديم والحديث كثيرة فاعتبر إن كنت من أهل الاعتبار .
    فأنت آذيت العلماء والصالحين والأولياء بكتابك هذا فانتظر العقوبة من الله تعالى على أيدي جنوده ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ {الفتح:7} وقال تعالى : ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ {الشعراء:227} .
    ولولا أني خشيت أن يغتر طالب علم مبتدئ بكلام المعترض المزخرف المزور فيظنه حقاً وهو باطل ، لما رددت عليه ولما أعرته أي اهتمام لأنه لا يستحق ذلك ، بل سبيله أن يسجر في النار كما سجر سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه صحيفة التوراة التي كانت في يده ، وقال قبل ذلك وبعده ونحن نقول معه ـ رضيت بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ـ ، والتصوف من الدين فنرضى بالصوفية إخوةً وأحباباً نوالي من والاهم ونعادي من عاداهم من أجل الله تعالى رب العالمين وابتغاءً لمرضاته .
    انتهى الرد الثاني والعشرين .
    التعديل الأخير تم بواسطة محب الحبيب علي ; 15 Apr 2007 الساعة 04:24 PM

  2. #2
    عضو مسجل الصورة الرمزية كشف الستار
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ما بين السماء والأرض
    المشاركات
    1,715
    معدل تقييم المستوى
    0
    سادتي الأفاضل

    زريق و محب الحبيب علي

    لله دركم من أسود الدفاع عن أهل السنة والجماعة

    سيروا قدماً الى الأمام

    ومن لديه أي إعتراض فليفند كلام الأخوة

    تفنيداً واضحاً لا غبار عليه

    لا أن ينتهج منهج من يرد على سطر او سطرين ومن ثم يوهم العوام انهُ فند الكلام تفنيداً

    تحياتي
    لِمُشَاهَدَة كَافَّة مَوَاضِيْع كَشَف الْسِّتَار

    عَلَي نَحْت الْقَوَافِي مِن مَقَاطِعِهَا *** وَمَا عَلَي إذَا لَمَ تَفْهَم الْبَقَر



    يا نـــاقِـــــداً لِـــكَــــلامٍ لَيْسَ يَفْهمُهُ *** مَنْ لَيْسَ يَفْهَـم قُــلْ لي كَـيْفَ يَنْتَـقِدُ؟
    إنّي بُليــــتُ بــأهْلِ الْجَهـلِ في زَمَنٍ *** قــامُوا بِهِ ورِجـــالُ الْعِــلْمِ قَـدْ قَعَدُوا
    وغــــايَةُ الَمْرءعِــنْـدَ الْــقَـــــوْمِ أنَّهُــــــمُ *** أَعْــدَى الْعُــداةِ لِــمَنْ في عِلْمِهِ سَدَدُ
    إذا رَأَوْا رَجُــــلاً قَــدْ نَـــالَ مَــرْتَـبــةً *** في الْعِلْمِ فَوْقَ الــذي يَدْرُوْنَه جَحَدوا
    مــالَ عَـنْ زائِفِ الأَقــْوالِ ما تَركُوا *** بَـابـاً مِـن الـشَّـرِّ إِلاّ نَـحْـوَهُ قـَصَــدُوا
    يــا غــارِقينَ بـِسَـوْمِ الْجَـهْلِ في بِدَعٍ *** ونـافِـريـنَ عَـنِ الْـهَدْيِ الْـقَويمِ هُدُوا
    أفي اجتهادِ فتىً في الْعِلْمِ مَنْقَصَةٌ ؟ *** النَّقْصُ في الْجَهْلِ لا حَيَّاكُمُ الصَّمَدُ
    لا تُنْـكِرُوا مَـوْرِداً عَـذْبــاً لـشـــــــارِبِــهِ *** إِنْ كــانَ لا بُــدَّ مِنْ إنــكــارِهِ فَرِدُوا
    وإِنْ أَبَـيْـتُـمْ فَـيَـوْمُ الْـحَـشْـرِ مَـوْعِدُنا *** في مَوْقِفِ المصْطَفَى والحاكِمُ الأَحَدُ

  3. #3
    عضو مسجل
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    44
    معدل تقييم المستوى
    0
    السادة الزوار الاكارم جميع الردود على كتاب إلى أين أيها الحبيب الجفري منقولة من موقع الشيخ عبد الهادي الخرسة حفظه الله تعالى في قسم مؤلفات الشيخ قسم العقيدة

  4. #4
    عضو مسجل
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    6
    معدل تقييم المستوى
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين
    والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد السيد السند العظيم, وعلى آله وصحبه اجمعين.
    اشكرك سيدي زريق على هذه المشاركة الطيبة المنقولة عن الامام الجليل الشيخ المحقق سيدي عبد الهادي الخرسة نفعنا الله بعلمه اجمعينو فهو امام متخصص بالعقيدة والتربية والسلوك ومن اهل التحقيق فنشكر له دفاعه عن الحق واهله كالسادة الصوفية قديما وحديثا ومنهم السيد علي الجفري الداعية الكبير الذي اتحفنا وما يزال بعلمه وادبه وصدقه نسال الله ان يعم النففع والبركة للجميع, وان يهدي الوهابية اعداء اهل الله او يقطع دابرهم ويريحنا من فتنتهم التي مزقت وحدة المسلمسن.

+ الرد على الموضوع

المواضيع المتشابهه

  1. الدفاع عن الحبيب الجفري 13 (حديث: من صلى علي مرة..)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 20 Jan 2010, 05:11 PM
  2. الدفاع عن الحبيب الجفري 6 (قصة العابد ..)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 18 Mar 2008, 05:46 PM
  3. الدفاع عن الحبيب الجفري 19 (حول البدعة)
    بواسطة محب الحبيب علي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06 Oct 2007, 07:49 PM
  4. الدفاع عن الحبيب الجفري 23 (تبرك الإمام الشافعي بقميص الإمام أحمد)
    بواسطة محب الحبيب علي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 15 Apr 2007, 04:25 PM
  5. موقف الإمام أحمد من التصوف و الصوفية
    بواسطة هذه سبيلي في المنتدى الحوار بين الصوفية وبين أدعياء المدرسة السلفية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 24 Feb 2006, 10:55 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك