- قال المعترض : يقول الجفري : وتشكيك البعض في الصوفية لن نسكت عنه ، البعض يقول : لو تجنبتموه ... لا لن نتجنبه .. الخ
ثم قال المعترض : وما وجه التجني على جميع الأمة ، هل أصبح التصوف هو دين الأمة المأمورة به ؟
أقول : وجه التجني على جميع الأمة إذا لم يعتبر التصوف من الدين هو :
1* أن المسلمين خاصتهم وعامتهم منهم تركوا من غير تزكية لنفوسهم وبالتالي يصبح بعضهم عبيداً للدرهم والدينار وبعضهم عبيد الأهواء والآراء والمبادئ الهدامة والأفكار المنحرفة .
تقدم أن التصوف هو الركن الثالث من أركان الدين وأنه التزكية والأخلاق
~ وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
إن ما يعاني منه المسلمون اليوم في أنفسهم وجماعاتهم ومجتمعاتهم من الأمراض النفسية والفكرية والاجتماعية ، سبب كل ذلك إهمالهم للتصوف الشرعي ، ولن يعافوا من تلك الأمراض الخطيرة إلا إذا رجعوا إلى التصوف وأهله العلماء الشرعيين ، لقد أدخل الإمامان الجليلان الغزالي والسيوطي رحمهما الله علم التصوف في فرائض العين التي يأثم كل مكلف بتركها ، وبناءً على ذلك فالتصوف من الدين الذي أمرت به الأمة كلها والذي ربط الله به الفلاح بقوله : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى{14} وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾{الأعلى:14/15} وجعل التزكية قبل العلم ومعه وبعده ، قال تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾{الجمعة:2} فجعل التزكية من مهام الرسول صلى الله عليه وسلم قبل العلم والتعليم ، وقال حكاية عن دعاء سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام : ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾{البقرة:129} فجعل التزكية بعد العلم والتعليم ، فتبين بهذا أن العلم سبب من أسباب التزكية محاط بها من قبل وبعد ، ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمن تعلم ليماري به السفهاء وليصرف به وجوه الناس إليه ومن شابهه أنه من أهل النار ولا يراح رائحة الجنة : ﴿ مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ{سنن الترمذي برقم:2578 عن كعب ابن مالك رضي الله عنه} وما ذلك إلا لمنافات هذه الأشياء للإخلاص .
وأخبر عن أول من تسعر بهم النار فذكر منهم القارئ والمجاهد والجواد ونص الحديث : ﴿ فَقَالَ حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَرَجُلٌ يَقْتَتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي قَالَ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ قَالَ كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فُلَانًا قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ قَالَ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ قَالَ كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ فِي مَاذَا قُتِلْتَ فَيَقُولُ أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ{سنن الترمذي برقم:2304 عن أبي هريرة رضي الله عنه}
فمن أحب من القراء أن يكون من أهل الجنة وألا يكون من أول من تسعر بهم النار فليزك نفسه بتزكية التصوف الذي عليه السلف والخلف من العلماء الربانيين وأتباعهم ، قال تعالى : ﴿ َلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾{آل عمران:79} والربانية هي التصوف والربانيون هم علماء الصوفية السلفية الحقيقيون .
هذا فيما يتعلق بوجه الجناية على المسلمين ،
2* وأما الجناية على غير المسلمين فهو :
أنه إذا جرد الدين الإسلامي من ركن الإحسان المعبر عنه بالتصوف ، ولم يبق فيه ما يتعلق بالقلب والروح والوجدان من الرقائق ، وتم القضاء على الجوانب الإنسانية في تعامل الأفراد والجماعات ، وعلى أصول الآداب والأخلاق ، سيصبح دعاة الإسلام منفِّرين لا مبشرين ، وقد ﴿ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا{صحيح مسلم برقم:3262 عن أبي موسى رضي الله عنه} ويقول : ﴿ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ{صحيح البخاري برقم:661 عن أبي مسعود رضي الله عنه} ، وسيصبحون فظاظاً غلظاء ليس عندهم من وراثة تلك الرحمة الإلهية التي جعلها في حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم والتي لان بها لأمته ووصف بكونه الرؤوف الرحيم ، قال تعالى : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾{آل عمران:159} ، وقال تعالى : ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾{التوبة:128} ، ألا يُرى في المجتمعات الإسلامية عبر تاريخ هذه الأمة أنّ العامة والخاصة التفتوا حول أهل اللين والرحمة من علماء التصوف وشيوخه ، ونفروا وابتعدوا عن كل عالمٍ فظٍّ غليظ ،
إن المخطط الذي رسمه أعداء الإسلام لهذه الأمة يتمثل في جانبين :
1* لما علموا أن التصوف هو رُوح الرُّوح وحياة الحياة يُكسب أتباعه الصدق والإخلاص ، ورأوا أن شيوخ التصوف كانوا وراء كل القادة الفاتحين المنتصرين ، عملوا جاهدين على إبعاد الناس عن التصوف وعلمائه وذلك بالطعن في الصوفية وتنفير الناس عنهم ، وإيجاد قوم أدخلوهم في الطرق الصوفية حتى رأسوا فيها وكانوا من الإباحية والحلولية ليستغلهم الطاعنون في التصوف وعملاء ومستأجري أولئك الأعداء من أجل ترويج دعاياتهم وإيجاد قبول لها في المجتمعات من خلال جعل أولئك الدخلاء والأدعياء شواهد على صحة ما يدَّعونه ، وأن جميعهم على شاكلةٍ واحدة في الفساد والانحلال والشذوذ .

2* أوجد أعداء الإسلام حركات إسلامية متطرفة في العقائد والأفكار ، حملت الفكر التكفيري للمسلمين وتبنت المنهج الإرهابي في الدول الإسلامية والغربية على السَّواء ، وجعلوا من عقائدها وأفكارها مهاجمة التصوف وأهله من السلف والخَلف .
وأرادوا من خلال ذلك المخطط الرَّهيب : أن يضعوا عقبات أمام الراغبين في الدخول في الإسلام في العالم الغربي بأن يقولوا لهم من خلال شواهد اجتماعية مرئية ومعلومة : الإسلام الذي تريد الدخول فيه من أجل الرُّوح مجرد عن القيم الروحية والأخلاقية ، وما فيه من تلك القيم المزعومة أصلها هندي أو بوذي أو فارسي ،
فمن أراد الدخول من أجل إشباع رُوحه بالمعاني فليتجنب الدخول في الإسلام وليصبح هندياً أو بوذياً أو فارسياً ، ثم استغلوا الأعمال التخريبية التي تقوم بها الحركات الإسلامية الجهادية المتطرفة ليؤكدوا للراغبين في الدخول في الإسلام من الغربيين أن الإسلام الذي يريدون الدخول فيه مع كونه مجرداً عن القيم الروحية والأخلاقية لأنّ التصوف ليس منه ، هو دين إجرام وقتل وتدمير والشاهد مرئي ومعلوم لدى المخاطبين في المجتمعات كلها .

فتوصل أعداء الإسلام إلى ما يريدون من إبعاد انتشار الإسلام في دول العالم من خلال عملاءهم الذين نفَّذوا مخططات أولئك بالطعن في التصوف وتجريد الدين الإسلامي منه ، وإظهار الإسلام أنه عدو الإنسانية والحياة .

هذا بعض ما يجنيه أعداء الإسلام وعملاؤهم على الأمة كلها في الداخل وفي الخارج ، وأظن أنّ المعترض وأمثاله لم يبلغوا سنّ الرشد ولم يتمتعوا بدرجات الوعي الإسلامي العالمي الصحيح لذلك انجّروا إلى ذلك المخطط وكانوا ويا للأسف أدواتٍ لتنفيذه وأبواقاً لترويجه في عالمنا الإسلامي .

2- ثم قال المعترض : هل كل متصوف متلبس بتلك الانحرافات التي تنكر على الصوفية .. الخ
أقول : تقدم بيان التصوف وأقسام أهله ، وبيان الدخلاء عليه والأدعياء له ، ولا نحكم على الجميع بحكمٍ واحدٍ ، ففيهم العلماء الربانيون وفيهم الصادقون الصالحون وفيهم الكاذبون والمنحرفون والمستغلون .
وعندما يبيِّن الحبيب الجفري هذه الحقيقة المعلومة على وجه الإنصاف دون إفراط ولا تفريط يكون قد أحقَّ الحق وأبطل الباطل ، وهذا لا يعتبر جناية على الأمة كما توهم المعترض بل هو تصحيح لمنهجها وتقويم لاعوجاجها أما عندما يطغى كاتب كالمعترض أو باحث أو خطيب فيشمل في حكمه الجائر مشرب التصوف وجميع أبنائه ويرميهم بالزندقة والمروق من الدين نقول حينئذٍ هذه جناية على الأمة كلها وخروج عن منهج الله تعالى القائل : ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾{الزمر:7} .

3- ثم قال المعترض : وأمّا زعمه بأن مسألة تضليل الصوفية يلزم منها التشكيك بالقرآن والسنة .. الخ
أقول : إذا حكم أعداء الإسلام على التصوف أنه باطل وضلال وشرك وكفر وما إلى ذلك من اتهامات فإن هذه الاتهامات الموجهة إلى التصوف موجهة إلى أهله باللزوم ، ومن هم أهله ؟ إنهم علماء الأمة وصالحوها فمنهم القراء ومنهم المحدثون ومنهم الفقهاء ومنهم القادة الفاتحون .
سلاسل القراء في القديم والحديث والماضي والحاضر ملأى بأئمة التصوف ورجاله وكأن المعترض لا يعلم ذلك أو تجاهله عن قصد وتعمد ، فليس في تلك السلاسل ولله الحمد مبتدع من أهل الضلال كالمجسمة والمشبهة والخوارج والكرامية والحشوية والوهابية ، وإنما جميعهم أشعرية صوفية ، وأنا أتحداه أن يظهر جميع السلاسل وتراجم رجالها وما وُصفوا به من شريعة وطريقة ، وأتحداه أن يوجد لي مبتدعاً في رجالات تلك الأسانيد النورانية فإذا لم يكن فيهم مبتدع فهذا يعني أنهم من أهل الحق أهل السنة والجماعة الصوفيين ،
ويكفي في بيان ذلك شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رضي الله عنه الذي هو واسطة عقد سلاسل القراء والمحدثين والصوفية ، وليقرأ المعترض ومن معه شرحه على الرسالة القشيرية ليظهر لهم صدق ما أدعيه عن تصوفه وتحققه الذي يكذبون به ويجحدونه وكذلك بقية السلاسل عند المحدثين والفقهاء وغيرهم فهي مسلسلة بهؤلاء وكانوا من أئمة التصوف وأعلامه وليرجع أي باحث إلى كتاب الأعلام ليجد المئات من تراجم علماء المسلمين قد وصف أصحابها بأنهم صوفية ، ولهم تصانيف في التصوف الكثير منها ما زال مخطوطاً وهو أضعاف ما طبع ونُشر .

4- ثم قال المعترض : فهل عنده سند فيه الحلاج أو ابن عربي أو ابن سبعين أو ابن الفارض .. الخ
أقول : هذه سفاهة من المعترض وجهالة ، فهل هؤلاء المذكورون هم أئمة التصوف فحسب ؟ هم من أئمة التصوف وليسوا جميع أئمته فإذا خلا سند القراء من هؤلاء لا يعني خلوه من غيرهم ممن هو في رتبتهم ومنزلتهم من التصوف وحقائقه .
إن كثيراً من علماء الشريعة المطهرة خلت سلاسل القراء من ذكرهم لأنهم لم يكونوا من أهل القراءة والإقراء وإنما كانوا فقهاء ومحدثين فهل يعني خلو أسانيد القراء منهم عند المعترض أنهم ليسوا فقهاء ولا محدثين ؟
التخصص العلمي في مادةٍ ما يجعل الإنسان يذكر في سند ذلك العلم ولا يذكر في غيره ، وعدم ذكره في غير ما اختص فيه لا يعني قدحاً في إمامته وعلمه الذي اختص فيه .
رجال أسانيد القراءة والحديث من لم يكن منهم صوفياً سالكاً ومسلكاً فهو ممن لبس ويلبس خرقة الصوفية تبركاً ويثني عليهم ويترضى عنهم ، وإذا لم يوافقني المعترض على هذه الحقيقة الناصعة وجرّد القراء عن صفة الصوفية فهذا يعني أنهم ليسوا من أهل السنة وأنهم مبتدعة مخالفون فهل يرضى أن توصف سلاسل القراء بهذا الوصف ؟
الحقيقة التي يجب أن يفهمها المعترض وأمثاله أن الصوفية هم خلّص أهل السنة والجماعة وأصفياؤهم والربانيون فيهم ، ومن ادّعى خلاف ذلك فكلامه هُراء ، وتكذبه الأدلة والبراهين والواقع الصادق .
5- ثم قال المعترض : إن مشيخة القراء منذ القرن الأول الهجري لم يكن فيهم من ينسب إلى التصوف ... الخ
أقول : هذا كذب وافتراء بل نُسب إلى التصوف منهم كثير ويكفي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى دليلاً على ذلك .
6- ثم قال المعترض : بل إن جميعهم كانوا على قدم السلف في اتباع السنة ونبذ البدع ... الخ
أقول : إذاً هؤلاء صوفية لأن التصوف من أصوله الخمسة التي ذكرها المعترض نقلاً عن الإمام النووي رحمه الله تعالى اتباع السنة في الأقوال والأفعال ، ويلزم من اتباع السنة نبذ البدع المخالفة لها ، فلما وصف المعترض هؤلاء القراء أنهم على قدم السلف في اتباع السنة ونبذ البدع دلّ على أنهم صوفية لأن الصوفية على قدم السلف الصالح في اتباع السنة ونبذ البدع .
7- ثم قال المعترض : فكيف يظن الجفري أن يكون فيهم من يتلبس بأمور مفضية إلى الشرك والكفر والعياذ بالله .
أقول : يفهم من هذا أنَ التصوف عند المعترض وأمثاله شرك وكفر أو أنه يفضي إلى الشرك والكفر ، فإن كان هذا مفهوم التصوف عند هؤلاء فأدعو الله تعالى أن يعمي أبصارهم كما أعمى بصائرهم ، وأن يقطع ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ، ويجعلهم عبرة لمن يعتبر .
التصوف كما تقدم ركن الإحسان وهو من أركان الدين ، فهل يشتمل الدين على أمور تفضي إلى الشرك والكفر ؟ نعوذ بالله تعالى من هذا الفهم والاعتقاد المفضيان إلى الكفر .
8- ثم قال المعترض : ولم يزل الأمر فيهم كذلك .
أقول : أي لم يزل الأمر في مشيخة القراء على قدم السلف ولم يكن فيهم من ينسب إلى التصوف ، وهذا أيضاً كذب وافتراء فشيخ القراء الشيخ حسين خطاب رحمة الله تعالى عليه كان صوفياً وكان يقيم مجالس الذكر ويحضرها ، وهذا الأمر عنه أشهر من نارٍ على علم يعلمه الخاصة والعامة ، وشيخ قراء حمص الشيخ عبد العزيز عيون السود رحمه الله تعالى كان صوفياً ويحضر المجالس التي يقيمها الصوفية ، وكذلك مشايخ الإقراء الحاليين في مجلس الإقراء كلهم صوفية ، فالشيخ أبو الحسن الكردي والشيخ عبد الرزاق الحلبي والشيخ شكري لحفي والشيخ محمد سكر ، فهؤلاء شيوخ في العلم وهم من رجال الطرق الصوفية ولهم أسانيد فيها .
فهل هؤلاء عند المعترض وأمثاله ليسوا على قدم السلف لأنهم ينسبون إلى التصوف ؟ وهل هؤلاء متلبسون بأمور مفضية إلى الشرك والكفر لكونهم مقرين بالتصوف ومثنين على أهله ولهم شيوخ فيه ؟
9- ثم قال المعترض عن الإمام ابن الجزري رحمه الله تعالى : ولم ينسبه التصوف بل عُرف منه شدة إنكاره لانحرافات الصوفية ...الخ .
أقول : ما دام هذا الإمام سنياً فاضلاً أثنى عليه كل من ترجم له كما قال المعترض فهو مقر بالتصوف الشرعي الصحيح ومثنٍ على أئمته ولا يتوقف ذلك على نسبته للتصوف ، فكل الأئمة ممن نسب إلى التصوف أو لم ينسب إليه مجمعون على توقير وتعظيم التصوف وأهله .
وقول المعترض : بل عُرف عنه شدة إنكاره لانحرافات الصوفية .
أقول : علماء الصوفية وعلماء الشريعة المطهرة جميعاً مجتمعون ومجمعون على إنكاره انحرافات الصوفية بشدة ، ونحن معهم في ذلك ولا يلزم من إنكار انحرافات الصوفية ألا يكون المنكر صوفياً أو مقراً بالتصوف ومحترماً لأهله ، فليس بين الأمرين تلازم كما توهم المعترض .
فالإمام أبو القاسم الجنيد شيخ المذهب رضي الله عنه أنكر انحرافات الصوفية فهل يعني إنكاره أن الإمام الجنيد ليس صوفياً ؟
ثم قال المعترض : ومن ذلك أنه كان ينكر ما في كتب إمام الصوفية الشيخ ابن عربي ﴿ رضي الله عنه وقدس سره ﴾ ويرى أن كلامه كفر ... الخ
أقول : للشيخ ابن عربي رضي الله عنه أربعة آلاف كتاب ورسالة كما قال الشيخ الشعراني رحمه الله في أول كتابه / اليواقيت والجواهر / فهل قرأ واطلع أحد من المنكرين عليه عالماً كان أو جاهلاً على مؤلفات الشيخ كلها حتى يحكم عليه من خلالها بعدما يطرح منها الكلام المتعارض ويرجّح بعضه على بعض باعتبار تاريخ التأليف ، وهل يقطع أحد بأن كل كلمة في المؤلفات المنسوبة إلى الشيخ قد قالها على جهة القطع واليقين فيكون جميع ما في مؤلفاته قطعي الثبوت وقطعي الدلالة على الكفر بحيث لا يقبل التأويل الصحيح بوجه ؟ على المعترض وأمثاله أن يقرؤا مؤلفات الشيخ إن اتسعت أعمارهم لقراءتها وأظنها لا تتسع ، وبعد قراءتها عليهم أن يظهروا لنا ما في كلامه من الكفر الصريح وفي أي مؤلّف هو ؟
إنّ اتهام الشيخ الأكبر قدس الله سره الأنور زلة وقع فيها بعض العلماء ثم استغلها أهل الباطل والضلال والإضلال وقلدهم فيها الجاهلون فما هو إلا تقليد نشأ عليه هؤلاء الأدعياء والدخلاء على العلم وأهله وتلقنوه عن شياطينهم ثم قلدوهم فيه بدون دليل ولا برهان ، قال الله تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾{الإسراء:36} وقال تعالى : ﴿ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾{الزخرف:19}
وقد أشار المعترض أنه نقل ذلك من كلام / البرهان البقاعي / غفر الله له ، والذي ردَّ عليه الإمام السيوطي رحمه الله تعالى بكتاب سمّاه / تنبيه الغبي إلى تبرئة الشيخ ابن عربي / ونقض أقواله وأوهامه .
والإمام السيوطي رحمه الله تعالى مقدّم علماً وإمامةً على البرهان البقاعي كما يعلمه علماء المسلمين في المشارق والمغارب .

10- ثم قال المعترض : إذاً فليعلم الجفري ومن معه أن أسانيد جميع القراء تنتهي إلى من يفتي بأن كلام شيخهم .. الخ
أقول : إن صح ذلك القول المنقول عن الإمام ابن الجزري رحمه الله فلا بدَّ من بيان أمرين :
1* الكلام الذي هو كفر وفي أيِّ مؤلف
2* الحكم على الكلام الذي هو كفر شيء والحكم على المتكلم شيء آخر ، وإنني أظن أن رتبة الشيخ ابن الجزري رحمه الله العلمية تحول بينه وبين تكفير معيَّن سواء كان الشيخ ابن عربي أو غيره .
وقد نص العلماء في أبواب الردة على قاعدة مفادها : من اعتقد كلاماً هو صريح الكفر فإنه يُكْفَر ، وبناءً عليه ربما يكون الكلام محتملاً للكفر أو صريحاً فيه ومن اعتقد ومات على ذلك يكفر ، ولا يحكم على قاتله بالكفر لعدم القطع أنه قاله ومات عليه ، وقد تقدم كلام الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى في ذلك وهذا نصه :
يقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى : إنّ القول قد يكون كفراً فيطلق القول بتكفير صاحبه ويقال : من قال هذا فهو كافر لكنّ الشخص المعيّن الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها وهذا كما في نصوص الوعيد فلا يشهد على معيّن من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع فقد يتوب من فعل المحرّم وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة المحرّم وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه وقد يشفع فيه شفيع مطاع .

ثم هل كلام الشيخ ابن الجزري رحمه الله في الشيخ الأكبر ابن عربي رحمه الله تعالى إن صح عنه ، نص قطعي بقوة كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يؤخذ به أم أنه معارض بكلام غيره من كبار علماء الأمة وأولياءها القائلين بأنّ الشيخ الأكبر إمام في العلوم كلها حتى القراءات والحديث ، فقد حفظ القرآن والقراءات وهو ابن سبع سنين في الأندلس كما جاء في ترجمته في المصادر المعتمدة ، وتلقى علوم الحديث وأسنده حتى أدخله العلماء في قائمة المحدثين وأثبتوا له تلك الرتبة العلمية الراقية ، وأسانيد المغاربة والأندلسيين في القراءة والحديث لا يخلو سند منها عن الشيخ الأكبر – قدس الله سره الأنور - . وليرجع من أحب الزيادة إلى مطلب في حال الشيخ الأكبر في حاشية رد المحتار لخاتمة المحققين الشيخ ابن عابدين رحمه الله .

11- ثم قال المعترض : وهو ـ أي الشيخ محمد كريم راجح ـ ليس صوفياً .
أقول : ما ضر التصوف والصوفية ألا يكون الشيخ منهم ، وهو بذلك مخطئ ومخالف لمشايخه ولمن معه من شيوخ الإقراء في بلاد الشام ، فما يصدر عنه يعبّر فيه عن رأيه فقط ولا يعبّر عن آراء إخوانه مشايخ القراء الآخرين بل هم منكرون لما يصدر عنه من إساءة للتصوف وأهله ، ويعلم إنكارهم لذلك جميع إخوانهم وطلابهم والآخذين عنهم .
إن الشيخ حسن حبنكة الميداني رحمه الله تعالى هو شيخ الشيخ كريم وبه تخرج ، والشيخ حسن كان عالماً صوفياً فهو سالك للطريقتين البدوية عن الشيخ عمر الحمصي رحمه الله تعالى ، والتيجانية عن الشيخ علي الدقر رحمه الله تعالى .
وأمر الكثير من طلابه بأخذ الطريقة الشاذلية عن الشيخين محمد الهاشمي ومحمد سعيد البرهاني رحمهما الله تعالى ، وكان يحضر مجالس الذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم العامة ، يعلم هذا أهل الشام من الخاصة والعامة .
وخليفة الشيخ حسن رحمه الله تعالى هو شيخ القراء حسين خطاب رحمه الله تعالى وكان على طريقة شيخه في إقامة حلقات الذكر وحضورها وكان مجازاً بعدد من الطرق الصوفية وأخذها عن كبار الشيوخ في بلاد الشام تبركاً كما أخبرني بذلك رحمة الله تعالى عليه .
فأي الفريقين أحق بالصواب ؟ الشيخان العالمان الصوفيان حسن حبنكة وحسين خطاب رحمهما الله تعالى أم الشيخ كريم ؟
لا أشك أن الشيخين كانا على صواب وكونهما من الصوفية صفة مدحٍ في حقهما ، وأن الشيخ كريم مخطئ في مخالفة مشايخه ، وكونه ليس صوفياً كما وصفه المعترض صفة نقص ، على الشيخ أن يستدرك ذلك النقص فيكمل ما نقص فيه بسلوك طريقة من طرق التصوف .
12- ثم قال المعترض : وأكبر دليل على ذلك أنه أصدر فتوى ينكر فيها على الجفري وعلى شيوخه
أقول : ما أصدره الشيخ لا يعتبر فتوى دينية وإنما هو رأيه الخاص في بعض المسائل ، ولو عُرضت تلك المسائل على علماء الفتوى المعتبرين في العالم الإسلامي لخالفه فيما ذهب إليه الكثيرون .
ولا نعلم أن للحبيب الجفري ومشايخه انحرافات تُنكر ، ومن ادّعى ذلك فعليه أن يقدّم الأدلة والبراهين الدالة على صدق دعواه بشرط أن يكون الإنكار لأمور مجمع على إنكارها عند علماء الأمة سلفاً وخلفاً لا أموراً مختلفاً فيها .
13- ثم قال المعترض : وكذلك شيخه شيخ القراء أحمد الحلواني الحفيد ﴿ رحمه الله تعالى ﴾ لم يكن صوفياً .
أقول : عجباً لهذا المعترض كيف يجعل من الأشخاص حجة قطعية في المسألة كالحجج الشرعية المجمع عليها ، هل أن عالماً من علماء الأمة لم يكن صوفياً يكون دليلاً على بطلان التصوف وضلال الصوفية ؟ وهؤلاء وأمثالهم معارضون بالأكثرية من مشايخهم وسلاسلهم السالكين لطرق الصوفية والمثنين عليهم والمتأدبين معهم .
والمعروف أن آل الحلواني رفاعية النسب والطريقة من عهد أسلافهم كما قال ذلك علماء التحقيق والأنساب .
14- ثم قال المعترض : في التعليق رقم / 1 / أن الشيخ كريم حضر نقاشاً حادّاً بين شيخ القراء أحمد الحلواني وبعض الشيوخ المنتسبين للطريقة التيجانية والمقرين لما فيها من انحرافات ... الخ
أقول : الطريقة التيجانية من الطرق الصوفية الشرعية التي لا يعرف فيها ولا عن مشايخها أي انحراف ، وادّعاء ذلك محض توهم وافتراء ، وكان من خلفائها في بلاد الشام الشيخ / علي الدقر / صاحب النهضات العلمية المباركة رحمه الله تعالى ، وحسده بعض معاصريه من العلماء وأساؤوا إليه بسبب تصوفه كما جرت سنة الله تعالى في عباده .
وكان من خلفائها في مصر العالم العامل الشيخ محمد الحافظ التيجاني رحمه الله تعالى ، وهو من كبار علماء ومحدثي مصر وله آثار مباركة في العلم والتصوف فإنكار الشيخ الحلواني لهذه الطريقة ليس حجة شرعية حتى يقلد فيه ويتبع عليه ، بل شيوخها وسالكوها الملتزمون بالشرع المطهر حجة على كل من أنكر .
15- ثم قال المعترض : ومن قبله والده شيخ القراء محمد سليم الحلواني رحمه الله فهو أيضاً لم يكن من الصوفية ... الخ
أقول : من عرف الحق بالرجال تاه في متاهات الضلال ، وهل كل عالم تؤخذ جميع أقواله وأفعاله وتقريراته على أنها حجة ويتبع عليها ؟ أم يؤخذ منه ويُردّ عليه ؟
16- ثم قال المعترض : في التعليق رقم / 2 / وكان أتباع هذه الطريقة متحلقين حول القبر يقومون بطقوسهم الخاصة .
أقول : ليس في الطرق الصوفية طقوس خاصة تقام في الحياة أو بعد الممات ، وإنما هي أمور شرعية من نحو قراءة القرآن والذكر ، وهذا قال به علماء أهل السنة سلفاً وخلفاً ، ومن أجمع من كتب في هذا الشيخ الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتاب / الروح / ، وجمع أقوال المذاهب في رسالة خاصة العلامة الشيخ المحدث محمد التباني المغربي رحمه الله تعالى في رسالة سماها / إسعاف المسلمين والمسلمات في جواز القراءة ووصول ثوابها إلى الأموات / وهي مطبوعة .
ثم أورد المعترض كلام الشيخ الحلواني في عدم وقوفه على قبر الدرنداوي رحمه الله قائلاً : بأنه مشكوك في أمره أمات على الإسلام أم مات على الكفر ؟
أقول : إذا أردنا أن نعامل أموات المسلمين على الشك فإن ذلك يعني تسويتهم بالكافرين لأنهم على الشك أيضاً ، والله تعالى يقول ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ {القلم:35/36} .
ثم إن إحسان الظن بالله تعالى مطلوب في الشرع ففي الحديث القدسي : ﴿ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي {صحيح البخاري برقم:6856 عن أبي هريرة رضي الله عنه} وأخرجه الإمام أحمد ولفظه : ﴿ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ ﴾
ونحسن الظن بالمسلمين أنهم ماتوا على ذلك لأن الله تعالى الذي وهب الإيمان لعباده دون استحقاق منهم أكرم من أن يسلبه عنهم فالكريم لا يسترد ما وهب ، وقد أخبر الشرع الشريف أن الله يقبل شهادة العباد بعضهم في بعض ففي الحديث : ﴿ أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَقُلْنَا وَثَلَاثَةٌ قَالَ وَثَلَاثَةٌ فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ{صحيح البخاري برقم:1279 عن عمر رضي الله عنه} ولا شك أن كل مسلم يشهد له اثنان فأكثر بالخير وهي بشرى له ، وأخبر الشرع كذلك أن : ﴿ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ{سنن الترمذي برقم:949 عن مالك بن هبيرة رضي الله عنه} وفي الحديث أيضاً : ﴿ مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمْ اللَّهُ فِيهِ{صحيح مسلم برقم:1577 عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما} ، وأخبر الشرع أن من مات في أحد الحرمين مكة والمدينة بعث آمناً ، فعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ من مات في أحد الحرمين بعث آمنا يوم القيامة ﴾{رواه الطبراني في الصغير والأوسط} وفي الحديث أيضاً : ﴿ مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا ﴾{سنن الترمذي برقم:3852 عن ابن عمر رضي الله عنهما}
وينتفع أموات المسلمين بمجاورة الصالحين ففي حديث دفن سيدنا عثمان بن مظعون رضي الله عنه ﴿ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي ﴾{سنن أبي داود برقم:2791 عن المطلب رضي الله عنه}.
وقال السخاوي رحمه الله في المقاصد الحسنة عند حديث : ﴿ ادفنوا موتاكم وسط قوم صالحين فإن الميت يتأذى بجار السوء كما يتأذى الحي بجار السوء ﴾{أبو نعيم في الحلية والخليلي من حديث سليمان بن عيسى حدثنا مالك عن عمه نافع بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً بهذا وسليمان متروك بل اتهم بالكذب والوضع، ولكن لم يزل عمل السلف والخلف على هذان وما يروى في كون الأرض المقدسة لا تقدس أحداً إنما يقدس المرء عمله قد لا ينافيه} ، قال في كشف الخفا : ومما يشهد له ما أخرجه ابن عساكر عن علي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندفن موتانا وسط قوم صالحين فإن الموتى يتأذون بالجار السوء كما يتأذى به الأحياء .

وعلمنا الشرع إذا دخلنا المقابر أن نسلم على أهلها قائلين ما ورد في الحديث: ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ﴾{صحيح مسلم برقم:367 عن أبي هريرة رضي الله عنه} فانظر إلى قوله :﴿ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وصفهم بالإيمان .
وعلى مذهب الشيخ الحلواني لا نزور أحداً من الصحابة رضي الله عنهم غير المبشرين بالجنة لأنهم مشكوك في أمرهم عنده ، هل نترك تعاليم الشرع هذه وإحسان الظن بالصحابة والتابعين وتابعيهم من المسلمين من أجل رأي الشيخ الحلواني القائل بالشك ؟ إن رأي الشيخ الحلواني هذا المخالف للشرع وقواعده وأصوله يعني ألا نصلي على أحدٍ من المسلمين لأننا لا ندري هل مات على الإسلام أم على الكفر فهو مشكوك في أمره ؟ وألا ندفنه في مقابر المسلمين ؟ وألا يزور الإنسان المقابر ولا يسلم على أهلها ؟ وألا يقف الإنسان عند قبور والديه ومشايخه . وعلماء المسلمين لأنهم مشكوك في أمورهم على مذهب الشيخ الحلواني غفر الله له ؟
وهذا لا يقول به أحد من علماء المسلمين وعوامهم ، ولم يزل العمل متوارثاً من السلف والخلف على حسن الظن بالمسلمين والصلاة عليهم والسلام عليهم في قبورهم وزيارتهم والقراءة لهم ، وكل ذلك موافق لأصول الشرع الشريف وقواعده .
وعلى المعترض ألا يزور قبري والديه ولا مشايخه ولا شيخ القراء الحلواني ولا من قبله ولا من بعده من مشايخ القراء لأنهم على مذهبه مشكوك في أمورهم ولا ندري هل ماتوا على الإسلام أم على الكفر ؟
وكفى بذلك جهلاً وضلالاً .
17- ثم قال المعترض : وعدم كون هؤلاء العلماء من الصوفية لا يعني أنهم غير متخلقين بأخلاق الإسلام وفضائله .
أقول : ما داموا متخلقين بأخلاق الإسلام وفضائله فهم من الصوفية وإن لم يتسموا بذلك الاسم المصطلح ، وهل التصوف إلا أخلاق الإسلام وفضائله ؟

18- ثم قال المعترض : أسانيد القرآن غير منحصرة وغير مدونة والمدون منها والمسلسل إنما هو خاص ببعض قراءة القراءات .
أقول : ما دامت أسانيد القرآن غير منحصرة وغير مدونة بإقرار علماء هذا الفن فكيف يتجرأ المعترض ويقول بأن أسانيد القراءات خالية عن علماء التصوف وأئمته ، فالحكم على جميع السلاسل بخلوها عن أئمة التصوف باطل ، وقد تقدم عدم التسليم للمعترض فيما ادعاه من خلو أسانيد القراء المدونة من علماء التصوف وأئمته .
ثم إن في كلام الإمام ابن الجزري رحمه الله أنّ تعيين بعض القراء لكونهم تصدَّوا للإقراء أكثر من غيرهم أو لأنهم شيوخ المعين بيان أن بعض القراء لم يعيّن لكونهم لم يتصدوا للإقراء أو لأنهم غير شيوخ المعيَّن ، وهذا يعني أنّ سلاسل الإقراء المعينة لم تستوف ذكر جميع القراء ، فلا يصح للمعترض ولا لغيره أن يتقول على الغيب ويفتري بأنّ سلاسل القراء ليس فيهم من ينسب إلى الصوفية فإذا لم يسلّم له فيما هو مدون من تلك السلاسل ، فمن باب أولى عدم التسليم له فيما ليس بمدون ، وإن أراد المعترض إثبات صحة ما ادعاه فعليه أولاً أن يترجم رجال سلاسل الإقراء غير المدونة لنتعرف على رجالها ولنعلم من ينسب إلى التصوف من هؤلاء وأولئك ومن لم ينسب ، وهل كان هؤلاء وهؤلاء متخلقين بأخلاق الإسلام وفضائله التي تعني في الاصطلاح التصوف أم غير متخلقين ؟ إذا كانوا ليسوا صوفية فهم غير متخلقين بتلك الأخلاق على رأي المعترض وأمثاله .

19- ثم قال المعترض : ما قاله الإمام ابن الجوزي رحمه الله في كتابه المنجد من جواب شيخه إمام الأئمة أبي المعالي رحمه الله .
أقول : في كلام إمام الأئمة أبي المعالي رحمه الله ردٌّ على المعترض وأمثاله فيما اعترضوا به على قراءة الحبيب الجفري ومشايخه أهل تريم وحضر موت ، فبما أن انحصار الأسانيد في طائفة لا يمنع مجيء القرآن عن غيرهم وبما أن أهل كل بلد قرؤا بقراءة إمامهم بحسب كلام إمام الأئمة أبي المعالي ، فهذا يعني أن القراءة جاءت عن غير من انحصرت الأسانيد بهم وأن أهل تلك البلاد قرؤوا بقراءة إمامهم بالتلقي فلا اعتراض عليهم خصوصاً فيما تقاربت مخارجه من الحروف على مذهب المتأخرين من الفقهاء رحمهم الله .

انتهى رد الاعتراض الرابع والعشرون