الاعتراض 29 : 1- قال المعترض : روى قصة عن الصحابي الجليل عمرو بن الجموح فحرّف فيها وغيّر وبدّل وأتى بالعجائب ...الخ
أقول : الحبيب الجفري لم يحرّف ولم يبدّل وإنما ساق القصة بالمعنى وهذا ذكر القصة كما وردت في الحديث وكتب السير :
1* أخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف برقم:7712 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ﴿ لما كان يوم أحد حاص أهل المدينة حيصة ، قالوا : قتل محمد صلى الله عليه وسلم ، حتى كثرت الصوارخ في ناحية المدينة ، فخرجت امرأة من الأنصار متحزمة ، فاستقبلت بابنها وأبيها وزوجها وأخيها ، لا أدري أيهم استقبلت به أول ، فلما مرت على آخرهم قالت : من هذا ؟ قالوا : أبوك ، أخوك ، زوجك ، ابنك ، تقول : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ يقولون : أمامك حتى دفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذت بناحية ثوبه ، ثم قالت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، لا أبالي إذا سلمت من عطب ﴾ قال الهيثمي رحمه الله في مجمع الزوائد : رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه محمد بن شعيب ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات .
فليس في الحديث أنه قُتل أولادها الأربعة وإنما أبوها وأخوها وزوجها وابنها رضي الله عنهم .
ولم أعثر فيما لديّ من المصادر الحديثية في ترجمة الصحابية السميراء بنت قيس الدينارية رضي الله عنها أنها قتل أولادها الأربعة في معركة أحد .
فتبين أن قصة عمرو بن الجموح رضي الله عنه التي رواها الحبيب الجفري غير قصة السميراء رضي الله عنها .
2* جاء في كتاب الاستيعاب للحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى في ترجمة سيدنا عمرو بن الجموح رضي الله عنه قوله : ﴿ وكان عمرو بن الجموح أعرج فقيل له يوم أحد: والله ما عليك من حرج لأنك أعرج فأخذ سلاحه وولى وقال: والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة فلما ولى أقبل على القبلة وقال: اللهم ارزقني الشهادة، ولا تردني إلى أهلي خائباً، فلما قتل يوم أحد جاءت زوجته هند بنت عمرو بن حرام فحملته، وحملت أخاها عبد الله ابن عمرو بن حرام على بعير، ودفنا جميعاً في قبرٍ واحدٍ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن منكم لمن لو أقسم على الله لأبره، منهم عمرو بن الجموح. ولقد رأيته يطأ في الجنة بعرجته ﴾ ففي هذه الرواية أن سيدنا عمراً دعا الله أن يرزقه الشهادة وألا يرده إلى أهله خائباً ثم ورد فيه الحديث وهذه هي التي أوردها الحبيب الجفري بالمعنى .
وفي هذه الرواية أيضاً أن زوجة عمروٍ حملته وأخاها على بعير ودفنا جميعاً في قبر واحد ، وهي مخالفة لرواية الطبراني السابقة والتي قتل فيها أبوها وأخوها وزوجها وابنها ، فالمرأة الأنصارية تلك ليست هي زوجة عمرو رضي الله عنهما ، وهل هي السميراء أو غيرها احتمال والله أعلم .
3* عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : ﴿ أَتَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أُقْتَلَ أَمْشِي بِرِجْلِي هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ وَكَانَتْ رِجْلُهُ عَرْجَاءَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ فَقُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ هُوَ وَابْنُ أَخِيهِ وَمَوْلًى لَهُمْ فَمَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكَ تَمْشِي بِرِجْلِكَ هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمَا وَبِمَوْلَاهُمَا فَجُعِلُوا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ﴾{رواه أحمد برقم:21511 ورجاله رجال الصحيح غير يحيى بن نصر الأنصاري وهو ثقة} .
في هذه الرواية أنهم ثلاثة عمرو بن الجموح وابن أخيه ومولىً لهم دفنوا جميعاً في قبر واحد ، وهي مخالفة لرواية ابن عبد البر رحمه الله أنهما اثنان فليتأمل .
4* قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الإصابة : وذكر الواقدي أن هند بنت عمرو بن حرام عمة جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حملت ابنها وزوجها وأخاها بعد قتلهم على بعير ثم أمرت بهم فردوا إلى أُحد فدفنوا هناك .
في رواية الواقدي هذه بيان أنهما ثلاثة ابنها وزوجها وأخوها فإذا أضيف لهم المولى المذكور في الرواية السابقة صاروا أربعة ولكن ليسوا أولادها كما توهم ، وفيها أيضاً أنها حملتهم بعد قتلهم ثم أمرت بهم فردوا إلى أحد ، ومعنى هذا أنها ذهبت بهم لتدفنهم في المدينة ثم ردوا إلى أحد ، لأن الرد إلى أحد لا بد أن يتقدمه ذهاب منها .
وهذه هي الرواية التي اعتمدها الحبيب الجفري وذكرها في كتابه ، وتقدم دعاء عمرو رضي الله عنه : ﴿ اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلي خائباً ﴾ وتقدم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه كما جاء في الاستيعاب وهذا الذي أورده الحبيب الجفري بمعناه .
ويمكن الجمع حينئذٍ بين ما ذكره الواقدي وبين رواية الطبراني الأولى بإبدال الأب فيها بالمولى إن كانت المرأة الأنصارية هي هند بنت عمرو وإن كانت غيرها تبقى كل رواية على حِدة ، والله تعالى أعلم .

2- ثم قال المعترض : فلا أدري من أين يأتي الجفري بهذه القصص ...الخ
أقول : ~ إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
لقد أتى الحبيب الجفري بهذه القصة لا القصص من المصادر المذكورة آنفاً – الاستيعاب ، الإصابة ، ومن رواية الإمام أحمد والطبراني ، ومما ذكره الواقدي .

3- ثم قال المعترض : الجمل تحدث له ظاهرة فيل أبرهة الحبشي !
أقول : حدوث ذلك ليس مستحيلاً عقلياً ولا شرعياً ولا عادياً ، ولو ثبتت به الرواية ولو بوجهٍ ضعيف لقلنا به ولكن فيما ذكره الواقدي أنها حملتهم على بعير ثم أمرت بهم فردوا إلى أُحد ، وربما يكون لهذه القصة تفصيل عند غير الواقدي يطالب الحبيب الجفري ببيان مصدره .
ومما يدل على جواز حدوث ظاهرة فيل أبرهة لكل حيوان : أن الحيوانات كلها مسيرة ومسخرة ، ومن ذلك الحديث الصحيح : ﴿ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ ﴾{صحيح البخاري برقم:2529 عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه} ، ومن ذلك : ﴿ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ ﴾{المعجم الكبير للطبراني برقم:3679 عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما} فليس هناك وجه لاستحالة ذلك واستغرابه كما توهم المعترض .
انتهى الرد / 29 /