+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,959
    معدل تقييم المستوى
    10

    الدفاع عن الحبيب الجفري 31 (محاولات للمعترض للطّعن في التّصوّف)

    رد الاعتراض /31/



    1- قال المعترض : ويقول الجفري : الإمام الشافعي الإمام مالك الإمام أبو حنيفة هم أئمة هذا الطريق .
    وأقول : هذه مغالطة كبيرة واستخفاف بالقراء ، من أين لك أن هؤلاء الأئمة كانوا أئمة طريق التصوف ؟
    أقول : كلام الحبيب الجفري ليس مغالطة كبيرة ولا صغيرة وليس استخفافاً بالقراء وبيان ذلك من وجوه :
    1* تقدم في كلام المعترض ص/59/ ناقلاً عن كتاب المقاصد للإمام النووي رحمه الله تعالى أنّ أصول طريق التصوف خمسة :
    1* تقوى الله في السرِّ والعلانية
    2* اتباع السنة في الأقوال والأفعال
    3* الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار
    4* الرضا عن الله تعالى في القليل والكثير
    5* الرجوع إلى الله في السراء والضراء .
    فهل هذه الشروط والأصول والصفات كانت موجودة في أولئك الأئمة المجتهدين المذكورين وغيرهم أم لا ؟
    فإن كانت موجودة فيهم فقد صدق الحبيب الجفري أنهم أئمة هذا الطريق وكذب المعترض في تكذيبه ، وإن كانت هذه الأصول غير موجودة فيهم فإنهم حينئذٍ ليسوا أئمةً ولا يصح الاقتداء بهم ، وهذا غير صحيح ولا مسلَّم لأن الأمة أجمعت على إمامتهم والإمام في المصطلح هو الذي يُقتدى به ظاهراً وباطناً ، علماً وعملاً وحالاً ، وتحققاً وتخلقاً ، أدباً وتزكية واستقامةً ،
    وكل هذه الصفات والكمالات كانت موجودة بهم وفيهم بلا شكٍّ فهم أئمة هذا الطريق .
    وقد قال فيهم الإمام أحمد الرفاعي الكبير رضي الله عنه في كتابه / البرهان المؤيد /
    لا تقولوا قال الحلاج قال أبو يزيد فإنه لا ينفع ولا يزيد ، ولكن قولوا قال النعمان قال الشافعي قال أحمد قال مالك فإنه أنجح الطرق وأقرب المسالك .
    وقال الإمام الشعراني رحمه الله في كتابه لطائف المنن والأخلاق ما نصه : كان معظم هِمة المجتهدين جمع الأدلة المنتشرة في المدائن والثغور مع أئمة التابعين وتابعيهم التي هي مادة كل علم وبها يعرف موازين جميع الأحكام فكان ذلك أهم من الاشتغال بمناقشة بعض أناس في أعمالهم القلبية التي لا يظهر بها شعار الدين وقد لا يقعون بها في حكم الأصل ، ولا يقول عاقل قط : إن مثل الإمام أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد رضي الله عنهم يعلم أحدهم من نفسه رياء أو عجباً أو كبراً أو حسداً أو نفاقاً ثم لا يجاهد نفسه ولا يناقشها أبداً ، ولولا أنهم يعلمون سلامتهم من تلك الآفات والأمراض لقدموا الاشتغال بعلاجها على كل علم .
    2* تقدم في لبس المحدث ابن عبد الهادي الحنبلي رحمه الله الخرقة إلى الإمام معروف الكرخي رحمه الله تعالى وبعد ذلك ذكر لفظ ( تأدب ) والتصوف ظهر وشُهر أواخر القرن الثاني الهجري ، والإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه توفي سنة 150 هجرية وكان يطلق على التصوف – التأدب بالصحبة – كما سبق ، وبقية الأئمة تأخر موتهم إلى حين شهر التصوف وظهر ولهم أقوال في مدحه والثناء على أهله كما سيأتي .
    وهذا المعنى الذي قصده الحبيب الجفري بوصفهم أئمة الطريق ، ولم يقصد ما اصطلح عليه أهل الطرق بعد القرون الثلاثة من الأوراد والأذكار والخلوات وما إلى ذلك مما أجمع العلماء المعتبرون على إقراره وعدم إنكاره ، لأن ظهور هذه المراسم كان بعد موت هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم أجمعين .
    3* أقوال هؤلاء الأئمة في مدح التصوف والثناء على أهله :
    آ- الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه :
    ذكر صاحب كتاب ـ النُصرة النبوية ـ وصاحب كتاب أهل الفتوحات والأذواق أن الإمام رحمه الله كان محباً للصوفية محترماً لمكانتهم .
    ثم قال : كان في بلدنا طائفة يرقصون للذكر حتى يسقطوا على الأرض ولم ينكر عليهم الإمام وكانوا يزورونه ويكرمهم ويسألونه ويجيبهم ، وما أُشيع عن الإمام من كونه أفتى بحفر البقعة التي يتحلق فيها للذكر ويرمى بترابها مفترىً عليه ، وقد ردت هذه الفتوى من رجال المذهب وممن بالغ في ردها صاحب تحفة الفتاوي والشيخ أبو الحسن بن منصور والشيخ عبد الكريم وقالوا : إن من أفتى بها يعتبر من أهل الاعتزال .
    أقول : في رسالة خاتمة المحققين ابن عابدين رحمه الله ﴿ شفاء العليل ﴾ لما سئل عن حكم الوجد والتواجد في الذكر أجاب بما قاله ابن كمال باشا رحمه الله :
    ما في التواجد إن حققت من حَرَجٍ ولا التمايل إن أخلصت من باس
    فقمت تسعى على رِجل وحُقّ لمن دعاه مولاه أن يسعى على الراس
    وقال قبل ذلك : سئل إمام الطائفتين سيدنا الجنيد رحمه الله تعالى : إن أقواماً يتواجدون ويتمايلون فقال : دعوهم مع الله تعالى يفرحوا ساعة .
    وقد نقل الفقيه الحنفي الحصكفي رحمه الله تعالى في متنه / الدر المختار/ أن أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى قال : أنا أخذت هذه الطريقة من أبي القاسم النصرا باذي وقال أبو القاسم أنا أخذتها من الشبلي وهو من السري السقطي وهو من معروف الكرخي وهو من داود الطائي وهو أخذ العلم والطريقة من أبي حنيفة رضي الله عنه ، وكل منهم أثنى عليه وأقر بفضله ثم قال صاحب الدر معلقاً : فيا عجباً لك يا أخي ألم يكن لك أسوة حسنة في هؤلاء السادات الكبار ؟ أكانوا متّهمين في هذا الإقرار والافتخار وهم أئمة هذه الطريقة وأرباب الشريعة والحقيقة ، ومن بعدهم في هذا الأمر فلهم تبع ، وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود مبتدع .
    قال الشيخ الإمام ابن عابدين رحمه الله في حاشيته تعليقاً على الكلام السابق متحدثاً عن الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه : ﴿ هو فارس هذا الميدان فإنّ مبنى علم الحقيقة على العلم والعمل وتصفية النفس وقد وصفه بذلك عامة السلف ﴾ ... الخ فراجعه فإنه نفيس .
    أقول : ومن كلام الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه الدال على تصوفه قوله : وسئل أيما أفضل علقمة أم الأسود ؟ فقال : والله ما نحن بأهلٍ أن نذكرهم فكيف نفاضل بينهم ؟
    وقال : الملح مع الخبز شهوة .
    وقال : بلغني أنه ليس في الدنيا أعز من فقيه ورع .
    ب- الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه :
    نقل الإمام الشعراني رحمه الله في غالب كتبه ، وذكره الإمام النووي رحمه الله في شرح المهذّب أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كان يداوم مجالسة الصوفية حتى قيل له في ذلك فقال : استفدت من مجالستهم أمرين لم أستفدهما من مشايخ العلم :
    الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك ، اشغل نفسك بالخير فإن لم تشغلها بالخير شغلتك بضده .
    ونقله عنه الإمام السيوطي رحمه الله في تأييد الحقيقة العلية .
    وقال المحدث العجلوني رحمه الله في كشف الخفا عنه : حُبّب إليّ من دنياكم ثلاث : ترك التكلف ، وعِشرة الخلق بالتلطف ، والاقتداء بطريق أهل التصوف .
    ومن أقواله : وددت أنّ الخلق تعلموا هذا العلم على ألا ينسب إليّ حرف منه ، من أراد الآخرة فعليه بالإخلاص في العلم ، أبين ما في الإنسان ضعفُه فمن شهد الضعف من نفسه نال الاستقامة مع الله تعالى ، لا عيب بالعلماء أقبح من رغبتهم فيما زهدهم الله فيه ، المِراء في العلم يقسّي القلب ويورث الضغائن ، لا بد للعالم من ورد من أعماله يكون بينه وبين الله تعالى .
    ج- الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه :
    نقل عنه التتائي في شرحه على مقدمة ابن رشد ، والشيخ زرّوق رحمه الله في القاعدة الرابعة من قواعده والعلامة العدوي على شرح الزرقاني على متن العزية والإمام ملا علي القاري في شرح عين العلم وزين الحلم ما نصه :
    من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسّق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق .
    وقد ثبت مشاركته أهل التصوف في مشربهم وأخذ علومهم ، فقد قال القاضي عياض رحمه الله تعالى : وبلغ شيوخ الإمام مالك تسعمائة شيخ : ثلاثمائة من التابعين ، وستمائة من تابعيهم ممن اختاره لدينه وفقهه وتيقظه ، ولزم ابن هرمز رحمه الله كما في المدارك ثلاثة عشر عاماً من الصباح إلى الزوال في علم ، قال مالك رحمه الله : لم أبثه لأحدٍ من الناس .
    نقله عنه الشيخ كنون بالجيم المصرية في تعليقه على الموطأ .
    وقال الإمام أبو اسحق الشاطبي رحمه الله في الموافقات : وأخبر مالك رحمه الله عن نفسه أنّ عنده أحاديث وعلوماً ما تكلم فيها ولا حدّث بها ، فلو كانت هذه العلوم من الأحكام الفقهية لما ساغ له كتمانها للزوم معرفتها من قبل جميع المكلفين ووجوب تبليغها لهم .
    ومن أقواله : ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه الله في القلب ، وقيل له : ما تقول في طلب العلم ؟ فقال : حسن جميل ، ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي فالزمه .
    د- الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه :
    ذكر الإمام الشعراني رحمه الله في طبقاته عن العلامة قطب الدين بن أيمن رحمه الله قال : كان الإمام أحمد يحثُّ ولده على الاجتماع بالصوفية ويقول : إنهم بلغوا في الإخلاص مقاماً لم نبلغه ، وكان يبعث لأبي حمزة البغدادي رحمه الله يسأله في المسائل الدقيقة ويقول له : ما تقول في هذا يا صوفي ؟ فيجيبه أبو حمزة بما فتح الله عليه .
    وجاء في كتاب / جذوة الأنوار / للشيخ المختار الكنتي رحمه الله قال : قال يحيى بن معين رحمه الله تلاقى الإمام أحمد مع أحمد بن أبي الحواري رحمه الله فقال له : يا ابن أبي الحواري حدثنا بحكاية سمعتها من شيخك أبي سليمان رحمه الله فقال : سمعته مرةً يقول : إذا اعتادت النفوس ترك الآثام جالت في ملكوت السموات والأرض ورجعت إلى صاحبها بطرائف الحكمة من غير أن يؤديَ إليها عالم علماً ، قال : فقام الإمام وقعد وقال : إني لأجد ذلك في كتاب الله تعالى ، قال سبحانه : ﴿ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ ﴾{البقرة:282} .
    وفي كتاب / الحدائق / للإمام النيسابوري رحمه الله ، وفي ﴿ طبقات الأولياء ﴾ للمناوي رحمه الله : أنه قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى : إنّ هؤلاء الصوفية جلسوا في المساجد على التوكل بغير علم فقال : العلم أقعدهم ، فقيل : إن همتهم كبيرة قال : لا أعلم قوماً على وجه الأرض أحسن من قوم همتهم كبيرة ، فقيل له : إنهم يقومون فيرقصون ، فقال : دعهم يفرحوا بربهم ساعة .
    ومن أقواله : طوبى لمن أخمل الله تعالى ذكره ، ومن أحواله : كان إذا جاع أخذ الكسرة اليابسة فنفضها من الغبار ثم صب عليها الماء في قصعة حتى تبتل ثم يأكلها بالملح ويقول : إنها أيام قلائل ثم نرحل من هذه الدار .
    أقول : فما رأي المعترض وأمثاله في هذه النقول عن هؤلاء الأئمة رضي الله تعالى عنهم أجمعين ؟

    2- ثم قال المعترض : أما الإمامان مالك وأبو حنيفة رحمهما الله فكانا من أشدِّ الناس في قمع البدع والانحرافات وتأديب أصحابها وكان منهجهما منع الناس من الغلوِّ في الدين .
    أقول : هذا صحيح ولكنه في أهل البِدع الضلالات في العقائد وأهل الغلوِّ من دعاتهم كالمرجئة والمجسمة والمعتزلة والخوارج وأمثالهم ، ولو كانا في زمننا لقمعوا الوهابية أشد القَمع وأدبوهم حتى يدخلوهم في القِمع ، لأنهم على شاكلة هؤلاء المبتدعة بل أشد ، كفانا الله والمسلمين شرورهم آمين .
    ولو كان المراد الصوفية كما توهم المعترض لما مدحوهم ولما أثنوا عليهم ولما كانوا على طريقتهم ومن أئمتهم كما تقدم .
    ولوجب حينئذٍ قمع أولئك الأئمة وتأديبهم ورفع صفة الإمامة عنهم لتصوفهم ولكن لا ندري على يد من ؟
    بأيديهم هم أم بأيدي المعترض وعصابته ؟

    3- ثم قال المعترض : الصوفية أول ما ظهروا كان شعارهم لبس الصوف وبه اشتهروا ... الخ.
    أقول :
    1* الصوفية ليسوا أول من لبس الصوف وأظهروه بل لبسه الأنبياء عليهم السلام ففي الحديث :
    1* عن ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا ﴾{صحيح مسلم برقم:242}
    2* عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ﴿ لَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَادِي عُسْفَانَ حِينَ حَجَّ قَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَيُّ وَادٍ هَذَا قَالَ وَادِي عُسْفَانَ قَالَ لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُودٌ وَصَالِحٌ عَلَى بَكَرَاتٍ حُمْرٍ خُطُمُهَا اللِّيفُ أُزُرُهُمْ الْعَبَاءُ وَأَرْدِيَتُهُمْ النِّمَارُ يُلَبُّونَ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ ﴾{أخرجه أحمد في المسند برقم:1963}
    3* عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ﴿ كَانَ عَلَى مُوسَى يَوْمَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ كِسَاءُ صُوفٍ وَجُبَّةُ صُوفٍ وَكُمَّةُ صُوفٍ وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ ﴾{أخرجه الترمذي في السنن برقم:1656 وقال غريب وأخرجه الحاكم في المستدرك وابن مردويه}
    4* ولبسه الصحابة رضي الله عنهم وقد أمروا بغسل الجمعة على الوجوب لأنهم كانوا يلبسونه فتخرج منهم ريح فعن عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ : ﴿ كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ مِنْ الْعَوَالِي فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ وَيُصِيبُهُمْ الْغُبَارُ فَتَخْرُجُ مِنْهُمْ الرِّيحُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا ﴾{صحيح مسلم برقم:1398} .
    وهو من نعم الله تعالى التي قال فيها : ﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ ﴾{النحل:80}
    2* الأكثرون على أن الصوفية نسبوا إلى الصفاء والتصفية بمعنى التزكية ، وقد قال أبو الفتح البستي :
    ~ تنازع الناس في الصوفي واختلفوا وظنه البعض مشتقاً من الصوف
    ~ ولسـت أمنح هذا الاسم غير فتىً صافى فصُوفي حتى سُمي الصوفي
    فصُوفيَ : فعل ماضٍ مبني للمفعول مثل عُوفي ، ثم دخلت عليه الألف واللام فصار / الصوفي /
    ومثله : قال وقيل فعلان دخلت عليهما الألف واللام فصارا اسمين القال والقيل .

    4- ثم أورد المعترض قول الإمام مالك رحمه الله تعالى لما سئل عن اللباس الخشن من الصوف : لا خير في الشُّهرة ، وينبغي أن يخفي الإنسان من عمله ، وفي لفظ : لا أحبه لما فيه من الشهرة .
    أقول : هذا جواب صوفي وليس بحكم فقهي لعدم توقفه على علة شرعية منهيٍّ عنها في حق العامة ، وإنما لم يحبه لما فيه من الشهرة وهي حالة خاصة متوقفة على وجود القصد والنية .
    وقد نهى عن ذلك علماء التصوف كما جاء في كتاب / المباحث الأصلية / وكتاب / عوارف المعارف / في باب كراهة لباس الشهرتين لباس الغنى ولباس الفقر ولو أردنا تطبيق قول الإمام مالك وعلماء التصوف في كراهة ذلك أو تحريمه في حق العامة لتناول الحكم ما عليه المعترض وغيره من الألبسة الفاخرة التي تلفت نظر الناس إلى لابسها لما فيها من الشهرة ، وشهرة الأغنياء أشد من شهرة الفقراء حتى إن بعضهم يقوِّم بعضاً من خلال حذائه وبنطاله وقميصه ، وفي ذلك حرج وشدة وتضييق ، والأمور بمقاصدها ،
    وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجر إزاره تكبراً وخيلاء أن الله لا ينظر إليه ، فقيده بالتكبر والخيلاء فعن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ﴿ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ ﴾{صحيح البخاري برقم:5337}
    وفي الحديث : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ﴿ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾{صحيح مسلم برقم:3895}
    وفي الحديث : عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ﴿ مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الْإِيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا ﴾{رواه الترمذي برقم:2405 وحسنه}
    وقد لبس الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بعد الخلافة ثوباً خشناً بأربعة دراهم تواضعاً لله تعالى ، فهل يصنفه المعترض مع الصوفية الذين قصدوا الاشتهار في زعمه بلبسهم الصوف الخشن ، ويقول بكراهة فعله ذلك .
    أما الحديث الذي أورده المعترض نقلاً : ﴿ البسوا البياض وكفنوا فيه موتاكم فإنه من أفضل لباسكم ﴾ ففيه مسألتان :
    1- بيان تخريجه وقد قصر في ذلك المعترض الذي أثني عليه بأنه من أهل الحديث فأقول :
    1* هو ضعيف بهذا اللفظ ويقال في مثله روي ولا يؤتى فيه بصيغةٍ دالة على جزم وليس في لفظ ﴿ فيه ﴾ وإنما ﴿ فيها ﴾ وليس في لفظ ﴿ فإنه من أفضل لباسكم ﴾ وإنما عند بعضهم بضعف أيضا ﴿ فَإِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ ﴾
    وقد خرجه الترمذي عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ الْبَسُوا الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ ﴾{برقم:2734 وقال حسن صحيح}
    2* هو معارَض بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في لباسه وعمامته : فقد لبس جبة حمراء وتعمَّم بعمامة سوداء كما ثبت في الصحيح فهل يقول المعترض بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأفضل ؟ وهل ينكر عليه ذلك لفتوى المازري التي استشهد بها في غير موضعها وعلى غير أهلها ؟

    5- ثم أورد المعترض قول الإمامين مالك والشافعي رضي الله عنهما في الصوفية ، ثم قال : أليست هذه النصوص واضحة ودالة على أن مراد الشافعي هو ذم طائفة الصوفية ؟
    أقول : الأقوال التي أوردها المعترض عن هذين الإمامين في ذم الصوفية معارض بالأقوال السابقة والتي أوردها العلماء الأثبات عنهما في مدح الصوفية والقاعدة في الأقوال المتعارضة إذا لم يمكن الجمع بينهما – إذا تعارضت تساقطت – فالمعترض وأمثاله مخيرون بين أمرين :
    1* إسقاط الأقوال المتعارضة فلا يقبل منها قول في مدح ولا ذم .
    2* الجمع بينهما فيحمل مدح الصوفية في كلامهم على قوم وذم الصوفية على آخرين ، فلا يكون مدحاً بإطلاق ولا ذماً بإطلاق وهذا المتعين والراجح خلافاً لما صرَّح به المعترض من فهمه لكلام الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه ذمهم مطلقاً .
    ثم إن المعترض وقع في غلط نحوي شنيع فيما نقله عن الإمام الشافعي رضي الله عنه ثانياً بقوله : / ما رأيت صوفياً عاقلاً قطُّ إلا مسلم الخواص / وحق العبارة أن يقول : / إلا مسلماً / بالنصب على الاستثناء أو الاتباع لما قبلها وهو منصوب .
    فعليه أن يرجع إلى طلب العلم وألا يغتر بنفسه .
    وما رواه الإمام الشافعي رضي الله عنه أولاً وثالثاً ورابعاً يكذبه الواقع المشاهد ، فكم من إنسان تصوف من أول النهار وأتى عليه الظهر فلم نجده أحمق ، وكم صحبنا من الصوفية وعلماءهم فلم نر فيهم الكسل والأكل والنوم والفضول بل رأينا فيهم النشاط والهمة واليقظة وقلة الأكل وقلة النوم وترك الفضول ، ولزمنا الصوفية وصحبناهم أربعين يوماً وأكثر ولم نفقد عقولنا بل ازددنا عقلاً وفهماً وفطنة وذكاء من عقولهم النيرة ، وأعقل الناس من ضمَّ عقول الناس إلى عقله ، وأعلم الناس من ضمَّ علوم الناس إلى علمه ، وهكذا الصوفية رضي الله عنهم .
    ولتكذيب الواقع المشاهد لما رواه عن الإمام الشافعي رضي الله عنه يتعين حمل أقواله على فئة من الصوفية دون غيرهم ، ولا يعمم الحكم عند المنصفين على الجميع ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾{الزمر:7} وقال : ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾{الإسراء:36} .

    6- ثم قال المعترض : وهناك أمر مهم أحب أن أنبه عليه وهو أن الأسماء التي يوردها الجفري من حين لآخر... الخ
    أقول : تقدم فيما سبق أنّ التصوف شهر في القرن الثاني الهجري ، ولذلك عُدَّ الزهاد والعباد والنساك صوفية وتُرجم لهم في كتب الطبقات والرسالة القشيرية بذلك الوصف .
    أما رجال التصوف الحقيقيين بحسب تعبير المعترض فإن الجفري وغيره لا يخفي أسماءهم بل نأخذ منهم ما وافق الحق ونردُّ عليهم ما خالفه ونفوض أمرهم إلى الله تعالى ونقول قال الله تعالى : ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾{البقرة:134} وقال : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾{القلم:7} .
    أما كون الحبيب الجفري يعظمهم كل التعظيم ويرفض أي انتقاد وجِّه إليهم ويستشهد بكتبهم فما هو المانع الشرعي من ذلك إذا ثبت موافقتهم للشرع الشريف فيما قالوه ودونوه ، ويكون منتقدهم مبطلاً حينئذٍ لأنه انتقدهم بغير بوجهٍ شرعي .
    وإنكار المنكرين عليهم معارض بإقرار المقرين ، وذم الذامين معارض بمدح المادحين ، وإذا تعارض أمران تساقطا فلا يقبل إنكار ولا إقرار ولا مدح ولا ذم بإطلاق ويرجع إلى تحكيم قواعد القبول والرد لكل مسألة على حدة مع تفويض أمر القائل إلى الله تعالى .

    7- ثم أورد المعترض ما قاله القاضي عياض رحمه الله في الشفا بشأن الحلّاج ﴿ الحسين بن منصور ﴾
    أقول : قال العلامة الشيخ ملا علي القاري رحمه الله في شرحه عند هذا الموضع راداً القول بالحلول : وهذا كله في حق الله تعالى محال لتنزهه عن الحلول والاتصال والانفصال وما للتراب وربِّ الأرباب وإنما هو انعكاس نور من أنواره وسر من أسراره يلمح في قلب السالك المتصف بالتخلية والتحلية وكمال التصفية فقد يتوهم أنه حلّ فيه كما يتوهم الطفل أنه يرى الشمس في الماء وقوله : - أنا الحق مع تمسكه في الظاهر - من حاله - بالشريعة - في سائر أقواله وأفعاله حتى قيل إنه كعادته كل ليلة يصلي ألف ركعة في الحبس - ولم يقبلوا توبته - بمقتضى مذهب المالكية مع أن قوله أنا الحق ليس بظاهر في دعوى الألوهية لأن الحق يأتي بمعنى الثابت وضد الباطل ، هذا وقد اعتذر الغزالي رحمه الله في مشكاة الأنوار عن الألفاظ التي كانت تصدر منه ثم قال : قيل إنه لما صُلب جرى دمه في الأرض وينتقش الله الله ، إلى أن قال : فإن صحت توبته فلا شك أنه عاش سعيداً ومات شهيدا .
    وقال العلامة الخفاجي رحمه الله في حاشيته : وقد شهد بولايته كثير من كبار المشايخ وقالوا إنه عالم رباني منهم الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه ، ثم قال : والاعتقاد خير من الانتقاد والكفُّ أسلم .

    أقول : جاء في آخر كتاب / الحلاج شهيد التصوف الإسلامي / للأستاذ المحقق طه عبد الباقي سرور جزاه الله تعالى خير الجزاء ما نصه :
    تقول دائرة المعارف الإسلامية ج8 ص17 :/ قلَّ بين المسلمين من ثار حوله الجدل مثل الحلاج وذلك أن الرأي العام وضعه موضع التقديس والولاية رغم ما أثار خصومه حوله / ثم تضع دائرة المعارف سجلاً شاملاً لمن كفره ولمن اعتقد بولايته ولمن توقف في أمره فتقول : / فممن عده من الأولياء من الفقهاء الششتري والعاملي والعبدري والدلنجاوي والنابلسي والمقدسي واليافعي والشعراني والهيتمي وابن عقيلة وسيد مرتضى الزبيدي ، ومن المتكلمين : ابن خفيف والغزالي وفخر الدين الرازي والمدرستين السالمية والماتردية ، ومن الحكماء ابن طفيل والسهروردي ومن الصوفية : الشبلي وفارس والكلاباذي والنصراباذي والسلمي والدقاق والقشيري والصيدلاني والهجويري وأبو سعيد الهروي والفارمذي والجيلاني والبقلي والعطار وابن عربي وجلال الدين الرومي ،
    وأما الذين تنادوا بتكفيره فابن داود وابن حزم وابن تيمية والطوسي والحلي وابن خلدون والجبائي والباقلاني / انتهى .
    فتبين من هذا أن الحلاج مختلف فيه وليس مجمعاً على تكفيره كما أجمع مالكية بغداد في عصره ، فيتعين الإمساك عنه وتفويض أمره إلى الله تعالى وقد نقل القشيري رحمه الله في رسالته كثيراً من كلامه في التوحيد فليراجع فإنه من أرقى ما قيل في التنزيه .
    أما بالنسبة إلى ما أورده القاضي عياض رحمه الله تعالى عن ابن أبي الغراقيد واسمه محمد بن علي السمعاني فلا علاقة له بالتصوف لا من قريب ولا من بعيد ، ولم يترجم له أحد ممن ترجم للصوفية ولم يذكر منهم ، قال الشيخ ملا علي القاري رحمه الله : أحدث مذهباً في الرفض ببغداد ثم قال بالتناسخ وحلول الإلهية فيه ، وهذه العقائد لا يقول بها الصوفية وليست من مذهبهم .
    وقال العلامة الخفاجي رحمه الله عند قوله /كان على مذهب الحلاج/ فيما ادعاه مما نسب إليه وقد علمت ما فيه .
    فكلامه يشير إلى أن ما اتُّهم به الحلاج نُسب إليه وأنه غير مسلَّم لمتهميه خلافاً لابن أبي الغراقيد فليتنبه .

    8- ثم قال المعترض : على أنّ الإنكار اليوم على المتصوفة ليس موجهاً لخصوص هؤلاء وإنما هو موجه لأمثال الجفري وشيوخه ومن سلك مسلكهم من رموز التصوف في هذا الزمن ... الخ

    أقول :
    1* إذا كان الإنكار على المتصوفة ليس موجهاً لخصوص هؤلاء فلم ذكرهم المعترض في كتابه وفسَّقهم وكفرهم ونقل فتاوى مشايخه وبعض العلماء ممن زلّ في تكفيرهم وترك أقوال العلماء والأئمة المنصفين القائلين بتبرئتهم مما نسب إليهم .
    2* ما يدعي المعترض إنكاره على الحبيب الجفري ورموز التصوف في هذا الزمن فهل هو من قسم المجمع على إنكاره أم المختلف فيه ؟ ومن الذي أنكر ذلك عليهم ؟ هل هو من العلماء المعتبرين أم هو من الوهابية المبتدعة أمثال المعترض وزمرته ؟
    وما عُرف عن الحبيب الجفري وشيوخه ورموز التصوف في هذا الزمن ما ينكره عليهم عالم معتبر ، بل جميع ما هم عليه من السنن الحسنة والأحوال السنية الشريفة والفضائل والكمالات المنيفة ، وما ادعاه المعترض وأمثاله كذباً وزوراً إنما هو من آثار الحسد والحقد والغل والتعصب المقيت الذي يملأ قلوب هؤلاء المبتدعة وعقولهم على التصوف وأهله .
    فكانوا بسبب ذلك كله ممن يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً ونعوذ بالله ومن عمى البصائر .

    9- ثم قال المعترض : وهذا الرد الذي أكتبه أحد الأمثلة على ذلك ... الخ
    أقول : تبين من خلال مناقشة هذا الرد أنه مردود على المعترض وغير مسلّم له خلا موضعاً أو موضعين ، ولم أجد فيما قاله الحبيب الجفري أخطاءً وبدعاً وانحرافات وأحاديث مكذوبة يصرّ الحبيب الجفري على نسبتها للنبي صلى الله عليه وسلم كما اتّهمه بذلك المعترض بل وجدت الأخطاء والبدع الضلالات والانحرافات في كلام المعترض الساقط علمياً وأدبياً كما يظهر لكل ذي نباهةٍ وفطنة .
    أما قوله : ولم أّتعرض لرجال التصوف في العصور السالفة فهو كذب صريح فقد تعرّض في سبعة مواضع من كتابه لرجال التصوف ومن ذلك على سبيل المثال في الصفحة السابقة قبل أسطرٍ فقط ، وإذا كان الكذب على الأموات قبيحاً فالكذب على الأحياء أقبح ، وإذا استباح المعترض لنفسه الكذب على الأحياء فمن باب أولى أن يكذب على الأموات وهو بهذا ينادي على نفسه أنه من المبتدعة الذين يستحلون الكذب وكفى به إثماً مبيناً .

    10- ثم قال المعترض : وبالرغم من كل الانتقادات التي وُجّهت للجفري من الشيوخ والعلماء ...الخ
    أقول : لا أعلم أحداً من شيوخ أهل السنة والجماعة وعلماءهم وجّه انتقاداً إلى الحبيب الجفري وطالبه بالرجوع عن خطأٍ وقع فيه ، وإنما الانتقادات التي وُجّهت إليه من الخوارج المعاصرين الوهابية التكفيريين والمعتزلة ومن زلّ من طلاب العلم فقلّدهم في ذلك لقلة علمه وقلة نورانية بصيرته فلُبسّت عليه الأمور فرأى بعض الحق باطلاً ورأى الباطل حقاً .
    ثم كيف يدعو المعترض الحبيب الجفري لإعلان التوبة عن الحق ؟ وهل رأيت أو سمعت محقاً يتوب عن الحق ؟ ولا أجد مثلاً لهذا المعترض إلا اليهود والنصارى الذين قال الله فيهم : ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ {البقرة:120} أي لن ترضى عنك اليهود حتى تتوب عن الحق فترجع إلى يهوديتهم ، ولن ترضى عنك النصارى حتى تتوب عن الحق فترجع إلى نصرانيتهم ، ومثل ذلك كلام المعترض ومعناه : لن ترضى عنك الوهابية أيها الحبيب الجفري حتى تتوب عن الحق فترجع إلى وهابيتهم .
    ثم لقد ظهر من خلال مناقشتي لكلام المعترض وعرضي لأدلة وبراهين أهل الحق أن الحق مع الصوفية فيما ذهبوا إليه فهل بوسع المعترض أن يتراجع عن أخطائه ويعلن توبته ويرجع للحق الذي ظهر عِياناً ؟
    إن فعل ذلك فهو رجل ناصح لنفسه ولمن حوله من المخدوعين به وإلا فليناد على نفسه وعلى من حوله بالهلاك والخسران والويل والثبور .

    11- ثم قال المعترض : بل يعود للحديث عن العباد والزهاد من التابعين وتابعيهم ...الخ
    أقول : أولئك العباد والزهاد من التابعين وتابعيهم هم شيوخ الصوفية وأئمتهم ، وهذه كتب الطبقات والتراجم مملوءة بذكرهم ووصفهم بالتصوف على رغم أنوف المعترض وزمرته .
    ~ أولئك أشياخي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا خُليد المجامع

    12- ثم قال المعترض : وكأني به في فعله هذا يحوّل الذمّ الذي يتعرض له هو إلى هؤلاء الكبار .
    أقول : الحبيب الجفري لا يلحقه ذمّ لأنه بريء من الاتهام ، ومن ذمّه فهو المذموم ، قال الشاعر :
    ~ وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل

    13- ثم قال المعترض : وأما العلماء الذين يستقوي بهم ...الخ
    أقول : أولئك العلماء الأعلام من أئمة أهل السنة والجماعة أشعرية صوفية وهذه كتبهم ملأى بمدح التصوف والثناء على أهله ، وإن ثبت عنهم كلام في ذم المتصوفة فهو موجّه إلى الأدعياء أو الدخلاء أو الغلاة لأنه ليس من المعقول أن يكون كلام عالم منهم متعارضاً مدحاً وذماً ، وإلا تساقطا للتعارض كما تقدم .
    والحبيب الجفري ليس داعية فتنة يكسب قلوب البسطاء من الناس كما صوره المعترض بل كل من رأى وجهه المنوّر من العامة أو الخاصة يعلم أنّ وجهه ليس بوجه كذاب ولا فاتن ولا مفتون ، إلا من طبع الله على قلبه فإنه لو رأى رسول الله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم لقال عنه ما حكاه الله عن الكافرين من قولهم ساحر أو كاهن أو مجنون ، وحاشاه من ذلك فهو الطاهر المبرّأ وكذلك أبناؤه وذريته ووراثه رضوان الله عليهم أجمعين .

    14- ثم قال المعترض : أسفل الصفحة / 75 / تنبيه : إنّ مصطلح الصوفية طيفه واسع ...الخ
    أقول : عجباً لهذا المعترض المتناقض ففي الصفحة / 73 / قال : إنّ الإمام الشافعي ذمّ التصوف والصوفية في عصره بإطلاق ، وهنا في هذا الموضع قسّم الصوفية إلى قسمٍ يمدح وقسمٍ يذم حتماً وقد وافق ما عليه المحققون وأنصف ولكن أوقع نفسه في ورطة لأنّ كلامه يتناقض مع ما نسبه إلى الإمام الشافعي فإما أن الإمام الشافعي لم يعلم ما علمه المعترض من انقسام الصوفية إلى قسمين فذمّ بإطلاق فيكون المعترض أعلم من الشافعي ، أو أن الإمام الشافعي علم ذلك فذمّ قوماً من الصوفية ومدح آخرين منهم ولكن المعترض كذب عليه ونسب إليه أنه ذمّ بإطلاق وذكر كلامه في الذم ولم يذكر كلامه في المدح إخفاء للحقيقة وتلبيساً على الناس .

    15- ثم أورد المعترض ما قاله الإمام السبكي رحمه الله تعالى في باب الوصية من شرح المنهاج عن الشيخ الأكبر ابن عربي قدس الله سره الأنور :
    أقول : كان هذا في أول أمر الإمام تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى ثم رجع عنه واستغفر الله منه ، وإليك البيان : قال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى في الصفحة / 10 / من كتابه اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ما نصه :
    وقال الشيخ سراج الدين المخزومي رحمه الله تعالى كان شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البُلقيني وكذلك الشيخ تقي الدين السبكي ينكران على الشيخ في بداية أمرهما ثم رجعا عن ذلك حين تحققا كلامه وتأويل مراده وندما على تفريطهما في حقه في البداية وسلما له الحال فيما أشكل عليهما عند النهاية ، فمن جملة ما ترجمه به الإمام السبكي : كان الشيخ محيي الدين آية من آيات الله تعالى وإنّ الفضل في زمانه رمى بمقاليده إليه .
    ومن جملة ما قاله الشيخ سراج الدين البلقيني رحمه الله تعالى فيه حين سئل عنه : إياكم والإنكار على شيء من كلام الشيخ محيي الدين ـ إلى أن قال ـ ولقد كذب والله وافترى من نسبه إلى القول بالحلول والاتحاد ، ولم أزل أتتبع كلامه في العقائد وغيرها وأكثر من النظر في أسرار كلامه ورابطه حتى تحققت بمعرفة ما هو عليه من الحق ، ووافقت الجمّ الغفير المعتقدين له من الخلق وحمدت الله عزّ وجلّ إذا لم أكتب في ديوان الغافلين عن مقامه الجاحدين لكراماته وأحواله ا.هـ
    وقال في الصفحة / 11 / ما نصه : قال المخزومي رحمه الله : ولقد بلغنا أنّ الشيخ تقي الدين السبكي تكلم في شرحه للمنهاج في حق الشيخ محيي الدين بكلمة ثم استغفر بعد ذلك وضرب عليها فمن وجدها في بعض النسخ فليضرب عليها كما هو في نسخة المؤلف ، قال : مع أنّ السبكي قد صنف كتاباً في الردّ على المجسّمة والرافضة وكتب الأجوبة العلمية في الرد على ابن تيمية ولم يصنف قط شيئاً في الرد على الشيخ محي الدين مع شهرة كلامه بالشام وقراءة كتبه في الجامع الأموي وغيره بل كان يقول : ليس الرد على الصوفية مذهبي لعلو مراتبهم ، وكذلك كان يقول الشيخ تاج الدين الفركاح ثم قال : فمن نقل عن الشيخ تقي الدين السبكي أو عن الشيخ سراج الدين البلقيني أنهما بقيا على إنكارهما على الشيخ محيي الدين إلى أن ماتا فهو مخطئ ا.هـ
    أقول : العبارة التي نقلها المعترض هي التي ضرب عليها قائلها وأمر بالضرب عليها تلميذه المخزومي كما هو في نسخة المؤلف وقد أخطأ المعترض في نقلها على حدّ تعبير الشيخ المخزومي رحمه الله تعالى .
    ولكني أقول : الوهابية أعداء الأولياء كالذباب يقفون على الطّيب والخبيث والصحيح والخطأ ولكن لا ينقلون إلا الخبيث والخطأ لتجاري الأهواء والبدع فيهم وبهم كما يتجارى الكَلَب بصاحبه كما ورد في الحديث والكلام الذي نقله المعترض عن الإمام السبكي رحمه الله تعالى نسبه إلى كتاب / تنبيه الغبي / لبرهان الدين البقاعي غفر الله له إن مات على التوحيد مسلماً ، قال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى : وقد صنف شيخنا الجلال السيوطي رحمه الله كتاباً في الرد عن الشيخ محي الدين سماه / تنبيه الغبي في تبرئة ابن العربي / وكتاباً آخر سماه / قمع المعارض في نصرة ابن الفارض / لما وقعت فتنة الشيخ برهان الدين البقاعي بمصر فراجعهما .
    أقول : فكتب البقاعي وأمثاله فتنة في حياتهم وبعد مماتهم وعليهم مثل آثام من ضلّ بسببها كالمعترض وأمثاله من غير أن ينقص بعضهم من إثم بعض شيئاً .
    وإنني لأعجب من أولئك الوهابية نريد لهم سلامة الصدر والقلب على أولياء الله ونريد لهم دخول الجنة وندعوهم إلى ذلك وهم يريدون تكفير الأولياء وملأ القلوب والصدور حقداً عليهم وبغضاً فيهم ويدعوننا إلى النار وأقول لهم ما قاله مؤمن آل فرعون لقومه : ﴿ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ {غافر:41} .
    نسأل الله لنا ولهم السلامة والعافية آمين .

    16- ثم نقل المعترض كلام الشيخ أبي العباس القرطبي رحمه الله تعالى في الكلام على الغناء عند الصوفية ...الخ
    أقول : المسألة مختلف فيها بين فقهاء المذاهب الأربعة ولم ينعقد الإجماع على التحريم لما ذكره من الغناء والرقص ، والمسائل المختلف فيها بين الفقهاء لا ينكر على فاعلها كما لا يؤمر بها منكرها ، ومن ادّعى الإجماع على التحريم يطالب ببيان من ذكر انعقاد الإجماع على ذلك من الأئمة ، وقد عقد الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء باباً في بيان أقاويل العلماء والمتصوفة في تحليله وتحريمه مع الأدلة فليراجع وقد تقدم حديث سيدنا عليٍ رضي الله عنه في وصف الصحابة رضي الله عنهم وفيه : ﴿ فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح ﴾ { أخرجه أبو نعيم في الحلية ، وذكره الإمام ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية ، وتقدمت فتوى خاتمة المحققين الشيخ ابن عابدين في إباحة ذلك } وأما الإنشاد الصوفي فهو ملحق بالحِداء وقد أجمع العلماء على إباحته : فقد قال حجة الإسلام الغزالي رضي الله عنه في الإحياء : ﴿ لم يزل الحداء وراء الجمال من عادة العرب في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان الصحابة رضي الله عنهم ، وما هو إلا أشعار تؤدّى بأصوات طيبة وألحان موزونة ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكاره ﴾ .
    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح البخاري : نقل ابن عبد البر الاتفاق على إباحة الحداء وفي كلام بعض الحنابلة خلاف فيه ، ومن منعه محجوج بالأحاديث الصحيحة ، ويلتحق بالحداء هنا الحداء للحجيج المشتمل على التشوق إلى الحج بذكر الكعبة وغيرها من المشاهد ونظيره ما يحرّض أهل الجهاد على القتال .
    وأخرج الطبري من طريق ابن جريج قال : سألت عطاءً عن الحداء والشعر والغناء فقال : لا بأس به ما لم يكن فحشاً ، إلى أن قال : ومحصّله أنّ الحداء بالرجز والشعر لم يزل يُفعل في الحضرة النبوية ، وربما التمس ذلك ، وليس هو إلا أشعاراً توزن بأصوات طيبة وألحان موزونة . فتح الباري ج10 ص442 .
    قال الفقيه خليل النحلاوي رحمه الله في كتابه الحظر والإباحة / الباب السبعون / الغناء وهو السماع / قال في الفتاوي الخيرية 2/ 167 بعد نقل أقوال العلماء واختلافهم في مسألة السماع : وأما سماع السادة الصوفية رضي الله عنهم فبمعزل عن هذا الخلاف بل ومرتفع عن درجة الإباحة إلى رتبة المستحب كما صرّح به غير واحد من المحققين .
    فالكلام المتعارض في الفتاوى الفقهية دليل على عدم الإجماع ، وتحمل كل فتوى على قوم بخصوصهم ، فالإباحة لقوم والكراهة لقوم والحرمة لقوم ، كل باعتبار ما هو عليه في نفسه من غلبة التقوى أو الغفلة أو الشهوة .

    17- ثم أورد المعترض قول الإمام السخاوي رحمه الله في إنكاره الاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم ورؤيته يقظةً ...الخ
    أقول : ألّف الإمام السيوطي رحمه الله رسالةً في إثبات الاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم ورؤيته يقظة وأورد فيها الأدلة على ذلك سماها / تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك / واستدل على جواز ذلك ووقوعه برؤيا النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام يقظة ليلة الإسراء والمعراج ، وبقوله في الحديث الصحيح : عن أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ﴿ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي{أخرجه البخاري برقم:6478} فلتراجع فإنها مهمة .
    فماذا سيفعل المعترض وأمثاله بإقرار السيوطي لها وقد أتى بالأدلة الصحيحة على ذلك ؟
    وأما ما ذكره المعترض من تكفير الإمام السيوطي رحمه الله للإمام السخاوي رحمه الله لإنكاره ذلك ، وما ذكره في التعليق رقم /1/ من نسبة شتائم وسباب إلى الإمام السيوطي ، فكل ذلك يتنافى مع أدب العلم الذي كان عليه أولئك الأئمة وأظنه مدسوساً عليهم ، ولا يصدر مثله في حق الأئمة إلا عن أمثال المعترض الذين يحرصون كل الحرص على نشر هذه الخبائث والقاذورات الكلامية ونسبتها إلى الأئمة ليستتروا من ورائها من خلال نشرها وإذاعتها في الطعن بالأئمة والعلماء وليستبيحوا لأنفسهم ذلك .
    الإمام السيوطي رحمه الله الذي ملأ الدنيا علماً بكتبه ورسائله لم يجد المعترض في كلامه إلا الشتائم والسباب والتكفير الذي نقله وسوّد به صحائف كتابه هذا ، وهكذا عين السخط دائماً تُبدي المساويا .

    18- ثم أورد المعترض كلام الشيخ تقي الدين الحصني الشافعي رحمه الله في عدم حل دفع الزكاة إلى الأرذال من المتصوفة ...الخ
    أقول : هذا الحكم على الأرذال من المتصوفة لا على الأفاضل ، فمن تبعيضية وليست بيانية فمن تستر بالطرق الصوفية وكذب في الانتماء فهو من الأرذال الذين لا يستحقون دفع الزكاة إليهم ، وأما الصادق في الانتماء الملتزم بالشرع وأحكامه وآدابه فهو من الأفاضل وهم أولى من غيرهم وأحق في دفعها إليهم .

    19- ثم أورد المعترض كلام الشيخ الحصني رحمه الله فيمن لا تقبل شهادتهم وعدّ منهم الصوفية الذين يسعون إلى ولائم الظلمة والمكسة ...الخ
    أقول : هذا الحكم خاص بالذين يسعون إلى ولائم الظلمة والمكسة ، ويظهرون التواجد كذباً ، ولا يصح تعميم هذا الحكم على عامة أهل التصوف ففيهم الصادقون والصالحون .
    وقد تقدم في تعليق المعترض ص75 أن مصطلح الصوفية طيفه واسع ويشمل العديد من الشخصيات المرموقة في التاريخ الإسلامي وفيهم عباد وزهاد وأهل ذكر وورع ، فلم يجعل أمثال هذه الفتاوى الصادرة عن كبار الأئمة والعلماء في حق قوم مخصوصين عامّةً ويعمم حكمها على الجميع دون تفصيل وبيان ؟ أليس هذا تحاملاً يتنافى مع التحقيق العلمي والإنصاف الذي ينبغي به الاتصاف ؟

    20- ثم أورد المعترض ما قاله شارح الكنز وصاحب اليتيمة في حكم الرقص ...الخ
    أقول : تقدم بيان أنّ المسألة خلافية وتعارضت فيها فتاوى العلماء في المذاهب فمن قائل بالإباحة إلى قائل بالتحريم ، فتحمل كل فتوى على قوم بخصوصهم وبالشروط والآداب .

    21- ثم أورد المعترض فتوى الإمام الطرطوشي رحمه الله تعالى في مذهب الصوفية ...الخ
    أقول : قوله : مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة إن أراد به العموم فهو مردود وباطل وتقدم في كلام العلماء والمنكرين على الصوفية حتى المعترض تقسيم الصوفية إلى صادقين صالحين ودخلاء أدعياء ، فلا بد من حمل فتوى الإمام الطرطوشي على قوم بخصوصهم .
    وأما قوله عن الرقص والتواجد بأنه دين الكفار وعباد العجل ففيه تشبيه المسلمين بالكافرين وذلك لا يجوز في الشرع إجماعاً قال تعالى : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾{القلم :35/36} ، وهذه زلة كبيرة من مثل هذا الإمام لا يتابع عليها ونرجو له مغفرة الله ورحمته .
    وأما قوله : عن القضيب أول من اتخذه الزنادقة ...الخ
    فلا شك أن الآلات الموسيقية القديمة منها والحديثة كلها لا يصح الضرب بها لا في الأذكار ولا في غيرها عند جمهور العلماء في المذاهب الأربعة خلافاً للظاهرية وبعض فقهاء المذاهب كالشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي رحمه الله تعالى فقد ألّف في إباحتها رسالةً سماها / إيضاح الدلالات في حل سماع الآلات / أما نسبة فاعل ذلك إلى الزندقة أو التشبه بهم فبعيد لأن الزندقة حكم عقائدي أي متعلق بالعقائد ، فلو نسب أولئك إلى المعصية والفسق لكان أولى .

    22- ثم أورد المعترض كلام القاضي عياض رحمه الله في كتابه / الشفا / ...الخ
    أقول : علماء الصوفية كلهم مع ما أشار إليه القاضي عياض من تكفير من قال من الصوفية بإسقاط الفرائض واستحلال المحرمات ، فلا اعتراض ولا إنكار لما قاله القاضي عياض رحمه الله لأن علماء الصوفية قائلون بهذا في كتبهم ومنكرون على جهلة الصوفية وأدعيائهم ما أنكره علماء الشريعة سواء بسواء .

    23- ثم أورد المعترض كلام الإمام القرطبي رحمه الله في التفكر والسجود ...الخ
    أقول : ما عليه بعض أهل الطرق الصوفية من التفكر أياماًُ ينقسم إلى قسمين : تفكر في ذات الله تعالى وهو منهي عنه وعليه يحمل كلام الإمام القرطبي ، وتفكر في آيات الله القرآنية والكونية فهو مأمور به في أكثر من نص في القرآن الكريم ولكن بشروط الأهلية والضوابط العلمية الصحيحة لذلك ، وهذا لا ينكر .
    وأما السجود على هيئة العبادة المشروعة لغير الله تعالى فقد انعقد الإجماع على تحريمه ، وهو غير موجود عند علماء الصوفية وأتباعهم الشرعيين ، فالكلام غير وارد عليهم لأنه ليس من شأنهم .

    24- ثم أورد المعترض كلام الشيخ الفقيه الحفار المالكي رحمه الله تعالى :
    أقول : لا اعتراض على هذا الكلام لأنه في قومٍ حللوا ما حرّم الله وافتروا على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم والصوفية برآء من ذلك ، فالكلام ليس وارداً عليهم وليسوا بمخاطبين به .

    25- ثم أورد المعترض قول الإمام أبي حيان الأندلسي رحمه الله وغفر له في القائلين بالحلول من الصوفية...الخ
    أقول : لو ردّ القول بالوحدة المطلقة والحلول الذي يردّه العارفون والأولياء وعلماء التصوف أنفسهم لكان أولى من ذكر أسماء قوم درجوا إلى الدار الآخرة والله أعلم بما كانوا عاملين ، لأن التكفير لمعيّن ليس من مذهب أهل السنة والجماعة وخصوصاً فيما احتمل التأويل من الكلام وفيما احتمل الثبوت وعدمه ، وكان بوسع هؤلاء العلماء أن يذهبوا إلى ما ذهب إليه الإمام النووي رحمه الله في هذه المسألة فقد ذكر الإمام الشعراني رحمه الله في أول كتابه اليواقيت والجواهر ما نصه : وسئل الإمام محيي الدين النووي عن الشيخ محيي الدين بن العربي قال : ﴿ تلك أمة قد خلت ﴾ ولكن الذي عندنا أنه يحرم على كل عاقل أن يسيء الظن بأحد من أولياء الله تعالى ويجب عليه أن يؤول أقوالهم وأفعالهم ما دام لم يلحق بدرجتهم ، ولا يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق ، قال في شرح المهذب : ثم إذا أول كلامهم فليؤول إلى سبعين وجهاً ولا تقبل عنه تأويلاً واحداً ما ذاك إلا تعنت ا.هـ
    ثم إن الذين أورد أسمائهم غير مسلم أنهم قائلون بالحلول والاتحاد ولم يجمع علماء الجرح والتعديل والتراجم على اتهام واحدٍ منهم بذلك بل اختلفوا فيهم ما بين معتقد الولاية ومعتقد الكفر ، والسلامة في تفويض الأمر إلى الله تعالى ، وقد ترجم الإمام الشعراني في كتابه / الطبقات الكبرى / لكثير منهم وعدهم من الأولياء الأخيار ، وتقدم دفاع الإمام السيوطي رحمه الله تعالى عن الشيخ الأكبر ابن عربي والشيخ ابن الفارض وتأليفه رسائل خاصة في نصرتهما .

    26- ثم قال المعترض : أرأيتم كيف انقلبت القضية على الجفري...الخ
    أقول : لم تنقلب القضية على الحبيب الجفري ولن تنقلب ، وإنما انقلبت على المعترض وأمثاله وذلك لأن الكلام الذي ذكره عن هؤلاء العلماء معارض بكلام نقل عنهم أو عن غيرهم ، وتقدم الحكم في الكلام المتعارض وفي المسائل الخلافية التي لم يجمع العلماء والأئمة على حكم قطعي فيها أنه يحمل كلام الذامين على قوم وكلام المادحين على قومٍ آخرين .
    أما قول المعترض : ولو رحت أسرد كلام وفتاوى علماء الإسلام من جميع المذاهب في الصوفية وبدعهم ... الخ
    أقول : وكذلك الأمر عندنا فلو رحنا نسرد كلام وفتاوى علماء الإسلام من جميع المذاهب في الثناء على الصوفية ومدحهم والإقرار لهم لطال بنا الأمر جداً ، ومن أراد الاستزادة فليطلع على شهادات علماء الإسلام في التصوف ورجاله في كتابي / علماء الصوفية هم السلفية الحقيقيون / فقد سطرت فيه عشرات الشهادات للأئمة والعلماء .
    وانظر إلى حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى في علمه وإنصافه فقد ذكر في الإحياء باب بيان الفرق بين طريق الصوفية في استكشاف الحق وطريق النظّار ، وباب بيان شواهد الشرع على صحة طريق أهل التصوف في اكتساب المعرفة ، ثم ذكر في كتاب ذمّ الغرور المتصوفة وقال : ما أغلب الغرور عليهم والمغترون منهم فرق كثيرة .
    وهذه هي ثمرات العلم النفع التحقيق في المسائل ومعرفة ما لها وما عليها ، والإنصاف في نقل أقوال العلماء المادحين والذامين على السواء ، أما الانحياز إلى أحد الطرفين وترجيح أقوال على أقوال أخرى دون مرجح فليس من شأن العلماء المحققين المنصفين .
    وأما قول المعترض : وليس غرضي الآن الكلام على الصوفية وما لهم وما عليهم .. الخ
    أقول : هذا صحيح لأنه تبين من خلال كلام المعترض أن غرضه الكلام على ذم الصوفية وما عليهم دون مدحهم وذكر ما لهم ، وذلك لأنه ينظر بعين واحدة لا بعينين ، ولأنه لم يتأدب بآداب العلم والعلماء في البحث والمناظرة ، والعرض للمسائل والاستدلال لها ، وإن ادَّعى ذلك فقد كذبته شواهد الامتحان والبيان ، ونادت بالفضيحة له على رؤوس الأقران .
    وأما قول المعترض : وإنما غرضي هو أن أبين أن الجفري يقلب الحقائق .. الخ
    أقول : تقدم بطلان هذا الادعاء وأنّ الحبيب الجفري لم يقلب الحقائق ، وأما أنه يوهم الناس بأنّ مخالفيه على الباطل وليس لهم سلف في الأمة فأقول : ليست القضية قضية إيهام للناس بذلك بل لابد أن يعلم الناس علماً قطعياً لاشك فيه أنّ مخالفي الصوفية والطاعنين بهم من الوهابية وغيرهم على الباطل لا وهماً بل حقيقة وعلماً ، وليس لهم إسناد علمي أو أخلاقي يصلهم بسلفنا الصالح من العلماء والأئمة بل لهم سلف غير سلفنا ، ويتمثل سلفهم بالكرَّامية والمشبهة والحشوية والخوارج وإن تستروا بالقرآن والقراءات والحديث والروايات ، فبئس السلف سلفهم وبئس الخلف هم ، بل هم شر خلفٍ لشر سلف .
    وأما قول المعترض : والمصيبة أنّ ما يدعيه ويروجه ليس له ثمرة إلا زرع الشحناء وبذر الشقاق بين المسلمين .. الخ
    أقول : عجباً لهذا المعترض كأنه يوهم بكلامه هذا أن كتابه هذا الذي ألفه في الطعن بالتصوف وذم المتصوفة ألف بين المسلمين وجمع كلمتهم على التقوى وجعلهم إخوةً متحابين ، فأية مصيبة هذه في كلام رجلٍ يزرع العداوات ويثير الأحقاد ويفرق كلمة المسلمين ثم يظهر نفسه بمظهر الناصح للأمة الجامع لها تحت رايةٍ واحدة ، والواقع والشاهد يكذبه ، ثم إن الحبيب الجفري لم يأت من عنده بجديد حتى نبحث عن ثمرة كلامه وإنما نقل كلام أهل الحق في المسائل وكلام أهل الحق المؤيد بالأدلة والبراهين لا يزرع الشحناء ولا بذور الشقاق بين المسلمين ، كما توهم المعترض ، بل كان سبباً في جمع كلمة المسلمين عبر ثلاثة عشر قرناً إلى أن ظهرت طائفة المعترض الوهابية ففرقت كلمة المسلمين وزرعت الشحناء والبغضاء فيما بينهم ، إلى حدِّ الضرب بالأيدي والنعال في المساجد والمراكز الإسلامية في أمريكا وأوربا لتشويه صورة الإسلام الناصعة في نظرِ أولئك الماديين ليصدوهم عن الإيمان والإسلام .
    ووزعت تلك الطائفة الضالة صكوك الإيمان والكفر وأدخلت قوماً الجنة وآخرين النار افتراءٍ وكذباً على الله ، وجهلت وضللت جماهير علماء المسلمين من السلف والخلف أشعرية وصوفية ، فهل كل هذا عند المعترض لا يزرع الشحناء ولا يبذر بذر الشقاق بين المسلمين ؟ وهل أدى كل هذا إلى جمع كلمة المسلمين وتوحيدهم ؟
    ثم لو كان المعترض هذا حريصاً على وحدة المسلمين والألفة فيما بينهم لما كتب كتابه هذا ولما أعانه عليه قوم آخرون ، ونحن نحرص على وحدة المسلمين التي لا يحرص عليها المعترض وزمرته ، ولكن لا يحملنا ذلك على ترك الحق والتخلي عن بيانه والتنازل عنه والرضا بالباطل وأهله ، بل نرد الباطل على قائله كائناً من كان حفظاً على وحدة المسلمين القائمة منذ ثلاثة عشر قرناً بما انعقد إجماع الأئمة والعلماء عليه ، وقد قيل للإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ألا تسكت عن المبتدعة فقال : لو سكتوا سكتنا ، أما أن يظهروا باطلهم ويعلنوا به ويظهروه على أنه الحق ثم نسكت بعد هذا عن بيان الحق فهو خيانة لدين الله يأثم بسببه علماء الأمة كلهم القادرون على الردِّ ، وجريمة كبرى في حق الإنسانية التي يتآمر عليها أعداؤها وعملاؤهم المأجورون وكتَّابهم المهوسون .

    وأما قوله : بصرف النظر عن التحريف العلمي والتاريخي الذي يفعله .
    أقول : لم يصرف الله تعالى نظره فحسب بل صرف قلبه عن معرفة الحق لأنه من القوم الذين قال الله فيهم : ﴿ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون ﴾{التوبة:127} ، فيرى الحق باطلاً والباطل حقاً ، والمستقيم محرفاً ومنحرفاً والمحرف المنحرف مستقيما ، أين التحريف العلمي والتاريخي في كلام الحبيب الجفري ؟؟؟
    ما وجدت لهذا الادعاء الكاذب شاهداً واحداً مسلماً في كلام المعترض .

    27- ثم قال المعترض : وفوق ذلك يقول الجفري ص/70/ : نعم أقول إنّ بعض من نُسب إلى التصوف ...الخ
    إنه يعترف أنّ من الصوفية أناساً قد ضلوا وحادوا عن الطريق .
    أقول : هذا الذي يقوله علماء المسلمين منذ زمن بعيد ، ويفرقون بين علماء الصوفية الشرعيين ويثنون عليهم وبين الدخلاء والأدعياء والغلاة ويذمونهم ويحذرون منهم ، وفي كلام الإمام الجنيد رضي الله عنه كما في الرسالة القشيرية لما قيل له : إنّ أقواماً يزعمون أنهم وصلوا ويتركون الفرائض ويستحلون المحرمات قال : نعم وصلوا ولكن إلى سقر ثم قال : المسلم الذي يزني ويرتكب الفواحش أحسن حالاً من هؤلاء .
    وقد شرحها الشيخ زكريا الأنصاري رحمه الله بقوله : لأنّ كلاً من الزاني والسارق يعرف عصيانه ويرجو توبته منه بخلاف هذا لأنه يعتقد أنه في أرفع المقامات وأحسن الأحوال فلا يرجع عنه .
    ثم قال الإمام الجنيد رحمه الله : فإنّ العارفين بالله تعالى أخذوا الأعمال من الله تعالى وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها .
    * ثم قال المعترض : ولكنّ مشكلة الجفري أنه لا يريد وضع النقاط على الحروف ...الخ
    أقول : ما دام شيوخ التصوف وأئمته من عهد الإمام الجنيد رحمه الله وضعوا النقاط على الحروف فما حاجة أن يذكر كل عالم صوفي في خطبةٍ أو كتاب ذلك وهو يريد تسليك المخاطبين إلى الله تعالى من خلال شرعه الشريف ، أليس ما هو عليه من التمسك بالشرع والدعوة إليه دليلاً على بطلان من ادّعى التصوف وخرج عن الشرع وأحكامه ؟ أليس لسان الحال أبلغ من لسان المقال ؟
    * ثم قال المعترض : وإلا فلماذا لا يسمي لنا أولئك الضالين والمتنكبين عن الطريق ؟
    أقول : أجمع العلماء على أنه بذكر الصالحين تتنزل الرحمات ، ومفهومه أنّ بذكر الطالحين تتنزل اللعنات ، فلم يريد المعترض أن نترك ذكر الصالحين ونذكر الطالحين والمارقين والفاسقين ؟
    ألا يكفي قراءة كلام الأئمة والعلماء فيهم والتحذير منهم بذكر أوصافهم من العقائد الباطلة والانحرافات السلوكية دون ذكر أسماءهم ؟ لأنّ أهل الحق لا يذكرون اسم معيّن لاحتمال رجوعه ، وإنما يحذرون من الاتصاف بتلك الأوصاف ومجانبة من اتصف بها كائناً من كان في كل زمانٍ أو مكانٍ .
    وقد ذكر الإمام الغزالي رحمه الله في الإحياء كثيراً من المغترين من المتصوفة ، وكذلك ابن الحاج رحمه الله في المدخل وكذلك الشيخ أحمد زروق رحمه الله في كتابه / عدة المريد الصادق / وغيرهم كثير فمن أراد التعرف على الانحرافات والأخطاء التي عليها الدخلاء والأدعياء فليقرأ ما كتبه شيوخ التصوف وأئمته في ذلك وفيه غنية وكفاية .

    28- ثم قال المعترض : أفكلما انتقد أحد بدع الصوفية أو فلسفاتهم المنحرفة ...الخ
    أقول : علماء الصوفية أنفسهم ينتقدون البدع والفلسفات المنحرفة التي أدخلها على التصوف الأدعياء والغلاة ولكن الذي ننكره على المعترض وأمثاله هو عدم الإنصاف والتحقيق العلمي في المسائل ، ننكر أن يعتدى على التصوف جملة وتفصيلا ، وننكر إخراج الصوفية من الإسلام إلى الزندقة والكفر ، وننكر أن يؤخذ أقوام بريئون بجريرة أقوام آخرين متهمين .
    * وقول المعترض : ماذا سيقول عن مواقف علماء المسلمين في إنكار بدع الصوفية...الخ
    أقول : ماذا سيقول المعترض وأمثاله عن مواقف علماء المسلمين في تعظيم الصوفية والثناء عليهم وقد تقدم الكثير من شهاداتهم وعندنا المزيد .
    * وقول المعترض : والعجيب من الجفري أننا لم نسمعه أبداً ينكر على الذين ذكرهم...الخ
    أقول : والعجيب أيضاً من المعترض وأمثاله لم نسمعهم أبداً يذكرون ثناء العلماء على الصوفية وشهاداتهم في تعظيمهم ، على أنّ الحبيب الجفري وأمثاله من العلماء الورعين يذكرون المحاسن ويكفّون عن المساوئ وذلك لأن أوقاتهم أثمن من أن يصرفونها في الترهات والضلالات المقسية للقلوب الرقيقة ، وقد قال الإمام الجنيد رحمه الله : ذكر الجفاء وقت الصفاء من الجفاء ، ويتركون ذكر المساوئ لمن تخصص بالبحث عنها ونشرها كالمعترض وزمرته من القاسية قلوبهم .
    * وقول المعترض : في حين أننا نجده دائم الإنكار على الذين ينادون بالتمسك بالسنة ...الخ
    أقول : كل علماء أهل السنة والجماعة ينكرون على الوهابية الذين وصفهم المعترض بأنهم ينادون بالتمسك بالسنة وذلك لأنهم يدعون إلى الكتاب والسنة لا بفهم الأئمة المجمع على إمامتهم بل بفهمهم هم وهم ليسوا أئمةً وإنما هم أتباع الأهواء والآراء الفردية التي يخرقون بها الإجماع وينكرون القياس فالإنكار على هؤلاء متعين وواجب شرعي من قبل الحبيب الجفري وعلماء الأمة ويأثم من لم ينكر على الوهابية خروجهم عن أهل السنة والجماعة فهؤلاء الذين يدعون للتمسك بالسنة الذين يغار عليهم المعترض ويدافع عنهم هم الوهابية الخوارج .

    29- ثم أورد المعترض تحت عنوان موقف علماء المسلمين من الصوفية قول الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله وغيره ...الخ
    أقول : هل قول الإمام ابن رجب نص قطعي يعمم على الجميع ويلزم به علماء الأمة الإسلامية من قبل ومن بعد ، وقد تقدم قول سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله في استحباب تدوين أعمال القلوب على أنّ قول الإمام ابن رجب محمول على من يتكلم في علوم الباطن بمجرد الرأي والذوق أو الكشف غير الخاضع لقواعد أصول الاستنباط المأخوذة من الكتاب والسنة وكلام الأئمة .
    بدليل أنّ الإمام ابن رجب أتى بعد ذلك بقول الإمام أبي سليمان الداراني رحمه الله : ﴿ إنه لتمرُّ بي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة ﴾ وأتى أيضاً بكلام الإمام الجنيد رضي الله عنه الدال على ذلك فما شهد له الكتاب والسنة وكلام الأئمة المستنبط فهو مقبول وإلا فهو ردّ .
    انظر إلى قلة أدب المعترض مع أئمة الصوفية والمدافعين عنهم من العلماء والأئمة ، فإنه عندما ذكر الإمام ابن رجب وصفه بقوله : الإمام الرباني الزاهد العابد الحافظ ، وعندما يذكر إماماً من أئمة الصوفية أو عالماً من علماء المسلمين دافع عن الصوفية كالإمام السيوطي رحمه الله ، يذكرهم بلا وصف الإمام ولا العلم وبلا ترضٍ ولا ترحم ، وما ذلك إلا لأنه من أئمة التصوف ، وليس للتصوف ولا لأئمته قدر عند المعترض وأمثاله ، فأين الأدب والإنصاف يا جامع القراءات العشر ؟

    30- ثم أورد المعترض ما جاء في رسالة الإمام السيوطي رحمه الله تعالى ...الخ
    وهو يعتمد هنا ما جاء في رسالة الإمام السيوطي / تنزيه الاعتقاد عن الحلول والاتحاد / فلِمَ لا يعتمد على ما قاله الإمام السيوطي رحمه الله في رسالته / تنبيه الغبي في تبرئة ابن العربي / فيقول بتبرئة الشيخ الأكبر ابن العربي ، ولم لا يعتمد على رسالة الإمام السيوطي رحمه الله في تبرئة الإمام ابن الفارض فيقول ببراءته ، ولم لا يلتمس العذر للصوفية كما التمسه لهم الإمام السيوطي في رسالته / السيف القاطع اللامع لأهل الاعتراض الشوايع / ولم لا يقول بجواز رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة كما قال بذلك الإمام السيوطي رحمه الله في رسالته / تنوير الحلك / وغير ذلك من رسائل الإمام السيوطي التي دافع فيها عن الصوفية وأتى بالأدلة والبراهين على ذلك ، ولكن المعترض من الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ومن الذين يحكّمون آراءهم وأهواءهم في ترجيح كلام العلماء والأئمة ووضعه في غير موضعه وحمله على قوم غير من قيل فيهم ، وهذه هي مصيبة المصائب مع هؤلاء الأدعياء .
    وكلام القاضي عياض رحمه الله كقول بعض المتصوفة يفيد أنّ البعض الآخر من المتصوفة لا يقولون بذلك .
    إلا أن يكون المعترض قد فهم من كلمة / بعض / مدلول كلمة / كل / فعمم الحكم ولم يخصصه .

    31- ثم أورد المعترض كلام الإمام الغزالي رحمه الله في الإحياء حول الشطح وقسميه ...الخ
    أقول : هنا يستدل بكلام الإمام الغزالي رحمه الله في الإحياء وفي غير هذه المسألة يطعن بالإمام الغزالي وبالإحياء ويغضّ من اجتهاداته في المسائل التي نَصَر فيها الصوفية وأثنى عليهم فيها وتقدم بعضها .
    وانظر إلى دقة كلام الإمام الغزالي رحمه الله فهو يقول : أحدثه بعض الصوفية ، أي والبعض الآخر لا يقول به وقد أورد المعترض كلام الإمام الغزالي رحمه الله في الصنف الأول من الشطح ، وحذف منه تبرئة الإمام الغزالي رحمه الله للسلطان أبي يزيد رضي الله عنه وإليك تتمة النص الذي ذكره المعترض نقلاً من الإحياء :
    قال : وأما أبو يزيد البسطامي رحمه الله فلا يصح عنه ما يحكى ، وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله عز وجل في كلام يردده في نفسه كما لو سمع وهو يقول : ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ﴾{طه:14} ، فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية .
    والسؤال الموجّه للمعترض : لم حذف هذه العبارة من كلام الإمام الغزالي والدالة على تبرئة الإمام أبي يزيد رحمه الله مما نسب إليه ؟ وهل هذه هي الأمانة العلمية التي يدعيها وأثني عليه بها ؟
    وقد قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى الجزء العاشر ص/337/ وفي هذا الفناء قد يقول أنا الحق أو سبحاني أو ما في الجبة إلا الله إذا فني بمشهوده عن شهوده وبموجوده عن وجوده وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن عرفانه ...الخ
    فهو بهذا يلتمس لهؤلاء العذر فما رأي المعترض ومن معه بمثل هذا الكلام الصادر عن الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى .
    انتهى الرد / 31

  2. #2
    عضو مسجل الصورة الرمزية ابنة رسول الله
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    جدة
    المشاركات
    1,583
    معدل تقييم المستوى
    0
    جزاك الله خيرًا .. نفع الله بك
    صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله
    اللهم صلِّ وسلم عليه صلاة تغفر بها ذنوبنا وتستر بها عيوبنا وتكشف بها كروبنا وتعجل بها مطلوبنا بجوار محبوبنا صلى الله عليه وسلم
    بسر الفاتحة

  3. #3
    عُضْو مُتَمَيِّز الصورة الرمزية أحب الصوفية ولست منهم
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    1,281
    معدل تقييم المستوى
    0
    والله إنه لقول الحق !!
    ولكن يتوقف هذا على من يبصر ..
    يبصر بعينه وقلبه لا بعينه فقط ..
    سبحان من سخر هذا الرجل الصالح
    للدفاع عن الحبيب ..لقد شرّفه بهذا !
    ((بينا أنا نائم استلب عمود الإسلام من تحت رأسي فأتبعته بصري، فإذا هو نور ساطع في الشام، ألا إن الأمن والأمان - عندما تكون الفتن - في الشام))
    صلى الله عليك ياسيدي يا رسول الله




+ الرد على الموضوع

المواضيع المتشابهه

  1. الدفاع عن الحبيب الجفري 18 (مفهوم البدعة)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 10 Mar 2010, 11:48 PM
  2. الدفاع عن الحبيب الجفري 13 (حديث: من صلى علي مرة..)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 20 Jan 2010, 05:11 PM
  3. الدفاع عن الحبيب الجفري 6 (قصة العابد ..)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 18 Mar 2008, 05:46 PM
  4. الدفاع عن الحبيب الجفري 19 (حول البدعة)
    بواسطة محب الحبيب علي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06 Oct 2007, 07:49 PM
  5. الدفاع عن الحبيب الجفري 9 (حديث: يا أهل المحشر..)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 08 Mar 2007, 06:11 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك