+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    مشرف عام الصورة الرمزية محب الحبيب علي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    ملكوت الله
    المشاركات
    16,959
    معدل تقييم المستوى
    10

    الدفاع عن الحبيب الجفري 34 (القراءة على الميت ووصول الثواب وعن القبور والمشاهد)

    - قال المعترض : ثم سئل في ص/239/ هل يصل ثواب قراءة القرآن للأموات ...الخ ؟ أقول : ذكر هذه المسألة بأدلتها الإمام ابن القيم الحنبلي رحمه الله في كتابه / الرُّوح / ، وقد أغفل المعترض مذهب الحنابلة في المسألة ولم يُشر إليه ألبتة .
    وفي المسألة السابقة قال المعترض بأن إخوانه يفتون بمذهب الإمام أحمد رحمه الله ، أما في هذه المسألة فلم يذكر نهائياً مذهب الإمام أحمد رحمه الله وكأنه لا اعتبار له ولا يلتفت إليه ،
    والسؤال الموجّه إلى المعترض وزمرته : ما الذي جعلهم يدعون الآخذ بمذهب الإمام أحمد رحمه الله في تلك المسألة ، ويتجاهلون مذهبه في هذه المسألة ؟ إنه اتباع الهوى والخروج عن الأئمة وتحكيم آرائهم الفاسدة في الأدلة التي قال بها كل إمام مجتهد .
    وإنني سأعرض أولاً أقوال علماء المذاهب الأربعة في هذه المسألة ردّاً على المعترض وما أتى به من أقوال بعض علماء تلك المذاهب لأبيّن للقراء أنّ المسألة خلافية بين علماء كل مذهب وأنّ مذهب الجمهور القول بالجواز وبالوصول .
    ثم سأعرض ثانياً ما قاله العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه / الرُّوح /
    1* جاء في رسالة / إسعاف المسلمين والمسلمات بجواز القراءة ووصول ثوابها إلى الأموات / للعلامة الكبير المحدث محمد العربي التّباني المغربي المكي رحمه الله تعالى ، وقد طبعت مرات بإشراف العلامة الشيخ محمد سعيد البرهاني رحمه الله تعالى .
    قال : إنّ قراءة القرآن على الأموات جائزة يصل ثوابها لهم عند جمهور فقهاء الإسلام أهل السنة وإن كانت بأجرة على التحقيق ، ثم عرض أقوال علماء المذاهب الأربعة فقال :

    آ* مذهب الشافعية : قال في شرح الروض في كتاب الإجارة – فرع – الإجارة للقراءة على القبر مدة معلومة أو قدراً معلوماً جائزة للانتفاع بنزول الرحمة حين يقرأ القرآن كالاستئجار للأذان وتعليم القرآن ، ويكون الميت كالحي الحاضر سواء أعقب القرآن بالدعاء أو جعل أجر قراءته له أم لا فتعود منفعة القرآن إلى الميت في ذلك ، ولأنّ الدعاء يلحقه وهو بعدها أقرب إجابة وأكثر بركة ولأنه إذا جعل أجره الحاصل بقراءته للميت فهو دعاء بحصول الأجر له فينتفع به ، فقول الإمام الشافعي رضي الله عنه : إنّ القراءة لا تصل إليه محمول على غير ذلك ،

    وفي الرملي على المنهاج في باب الوصايا : إنّ الدعاء بوصول ثواب القراءة للميت مقبول قطعاً فإنه إذا كان مقبولاً بما لا حقّ فيه للداعي فكيف بما له حق فيه وعمل ؟ أي : فهو مقبول من باب أولى .
    وقال العلامة ابن الصَّلاح رحمه الله تعالى : وينبغي الجزم بنفع قوله : اللهم أوصل ثواب ما قرأناه لأنه إذا نفعه الدعاء بما ليس للداعي فماله أولى ، ويجري هذا في سائر الأعمال .

    وقال الشبراملسي رحمه الله على الرملي : إنه إن نوى ثواب قراءته أو دعا عقبها بحصول ثوابها للميت أو قرأ عند قبره حصل له ثواب القراءة وحصل للقارئ أيضاً الثواب ، فإذا سقط ثواب القارئ لمسقط كأن غلب الباعث الدنيوي فينبغي أن لا يسقط مثله بالنسبة إلى الميت فيما إذا كانت القراءة بأجرة ، وينبغي أن تكفي نية القارئ الثواب للميت ولو لم يدعُ ، واختار السبكي وابن حجر والرملي وغيرهم رحمهم الله تعالى جواز إهداء القراءة للنبي صلى الله عليه وسلم قياساً على الصلاة عليه .
    وفي باب الإجارة من فتاوى شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى : الإجارة تصح لقراءة ختمة من غير تقدير بزمن ، وتصح بقراءة قرآن بتقدير ذلك سواء عيّن مكاناً أم لا ، وقد أفتى القاضي حسين رحمه الله بصحتها بقراءة القرآن على رأس القبر مدة كالإجارة للأذان وتعليم القرآن ، قال الرافعي رحمه الله : والوجه تنزيله على ما ينفع المستأجر له إما بالدعاء عقب القراءة وهو بعدها أقرب إجابة وأكثر بركة ، وإما بجعل ما حصل من الأجر له، والمختار كما قاله الإمام النووي رحمه الله صحة الإجارة مطلقاً كما هو ظاهر كلام القاضي ، لأن محل القراءة محل بركة وتنزل الرحمة ، وهذا مقصود بنفع المستأجر له ، وبذلك علم أنه لا فرق بين القراءة على القبر وغيره وصورة ما يدعو به : اللهم اجعل مثل ثواب ذلك ، أو اللهم اجعل ثواب ذلك ...الخ ، وله أن يهدي ثواب ذلك للأنبياء والصالحين ثم للمستأجر له بل هو أولى لما فيه من التبرك بتقديم من يطلب بركته ، وهو أحب للمستأجر غالباً فالأجرة المأخوذة في مقابلة ذلك حلال كما قلناه ، ولعموم خبر البخاري : ]إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ [{أخرجه البخاري برقم:5296 عن ابن عباس رضي الله عنهما}والله أعلم .
    وقال الحافظ السيوطي رحمه الله في شرح الصدور ما نصه : باب في قراءة القرآن للميت أو على القبر : اختلف في وصول ثواب القراءة للميت فجمهور السلف والأئمة الثلاثة على الوصول وخالف ذلك إمامنا الشافعي مستدلاً بقوله تعالى : ] وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [{النجم:39} وأجاب الأولون عن الآية بأوجه ثم قال : واستدلوا على الوصول بالقياس على ما تقدم من الدعاء والصدقة والصوم والحج والعتق فإنه لا فرق في نقل الثواب بين أن يكون عن حجٍّ أو صدقة أو وقف أو دعاء أو قراءة ، وبالأحاديث الآتي ذكرها فهي وإن كانت ضعيفة فمجموعها يدل على أن لذلك أصلاً ، وبأن المسلمين مازالوا في كل عصر يجتمعون ويقرؤون لموتاهم من غير نكير فكان ذلك إجماعاً ، ذكر ذلك كله الحافظ شمس الدين المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى في جزء ألفه في المسألة ، ثم قال : وأما القراءة على القبر فجزم بمشروعيتها أصحابنا وغيرهم ،
    قال الزعفراني : سألت الشافعي رضي الله عنه عن القراءة عند القبر ؟ فقال : لا بأس بها ، وقال النووي رحمه الله في شرح المهذّب : يستحب لزائر القبور أن يقرأ ما تيسر من القرآن ويدعو لهم عقبها ، نصَّ عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ، وزاد في موضع آخر : وإن ختموا القرآن على القبر كان أفضل .
    أقول : قال الإمام النووي مثل ذلك في كتابه الأذكار باب ما يقوله بعد الدفن : ويستحب أن يقعد عنده بعد الفراغ ساعة قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها ، ويشتغل القاعدون بتلاوة القرآن والدعاء للميت والوعظ وحكايات أهل الخير وأحوال الصالحين ثم قال : قال الشافعي والأصحاب : يستحب أن يقرؤوا عنده شيئاً من القرآن ، قالوا : فإن ختموا القرآن كله كان حسناً ، وروينا في سنن البيهقي بإسناد حسن : أن ابن عمر رضي الله عنهما استحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها ،
    وقال في باب وصية الميت : ولو أوصى بأن يقرأ عند قبره أو يتصدق عنه أو غير ذلك من أنواع القُرب نفذت إلا أن يقترن بها ما يمنع الشرع منها بسببه ا.هـ
    فقول المعترض عن الحبيب الجفري : إنه زعم أن جمهور السلف قالوا بوصول ثواب القراءة للميت لكنه لم يذكر من هؤلاء الجمهور ولا من أين أتى بهذا الكلام ،
    جوابه : بأن الحبيب الجفري قال ذلك ونسبه إلى جمهور السلف تبعاً للحافظ السيوطي رحمه الله في شرح الصدور فإنه القائل : فجمهور السلف والأئمة الثلاثة على الوصول وخالف في ذلك إمامنا الشافعي ..الخ وقد تقدم ،
    وما ذكره المعترض عن الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم عند حديث : رواه أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ] إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ [{أخرجه مسلم برقم:3084}
    ]إذا مات ابن آدم [ الخ نقلاً عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فإن المعترض اجتزأ الكلام ولم يذكره بتمامه ونصه : فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل ثوابها إلى الميت وقال بعض أصحابه : يصل ثوابها إلى الميت ، وذهب جماعات من العلماء إلى أنه يصل إلى الميت ثواب جميع العبادات من الصلاة والصوم والقراءة وغير ذلك ا.هـ
    وقال في الموضع الآخر : وفيها خلاف وسبق إيضاحه في أول هذا الشرح في شرح مقدمة صحيح مسلم .
    وقال في باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه :
    والمشهور في مذهبنا أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها وقال جماعة من أصحابنا يصله ثوابها وبه قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ، وأما الصلاة وسائر الطاعات فلا تصله عندنا ولا عند الجمهور ، وقال أحمد : يصله ثواب الجميع كالحج ا.هـ
    فالمعترض لم يشر إلى الخلاف عند الشافعية ولم يشر إلى مذهب الإمام أحمد كما أشار إلى ذلك الإمام النووي رحمه الله وهذه خيانة علمية في النقل وتضم إلى خياناته السابقة .
    ثم هو معارض بكلام الإمام النووي رحمه الله في شرح المهذّب والأذكار نقلاً عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أيضاً ، وإذا تعارض كلامه في كتب الفقه مع كلامه في شرح الصحيح قدِّم كلامه في كتب الفقه كما هو معلوم عند أهل المذهب ، ثم إن ذكره لمذهب الشافعي والجمهور مخالف لما اختاره هو فقد تقدم في فتوى شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله قوله : والمختار كما قاله النووي رحمه الله صحة الإجابة مطلقاً كما هو ظاهر كلام القاضي .
    وقال الحافظ رحمه الله في الجواب الكافي عن السؤال الخافي ما نصه : وأما الحادي عشر وهو : هل يصل ثواب القراءة للميت فهي مسألة مشهورة وقد كتبت فيها كراسة : والحاصل أن أكثر المتقدمين من العلماء على الوصول ، وأن المختار الوقف عن الجزم على المسألة مع استحباب عمله والإكثار منه ا.هـ
    وتقدم في كلام فقهاء المذهب حمل كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على إذا لم يعقب القراءة بالدعاء وجعل أجر قراءته له وقد قال في شرح الروض : فقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إن القراءة لا تصل إليه محمول على غير ذلك .
    أي - على غير ما إذا أعقب القراءة بالدعاء وجعل أجر قراءته له -
    وقد أجاب الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الروح عن الاستدلال بالحديث] إذا مات الإنسان أو العبد [بما نصه : وأما استدلالكم بقوله صلى الله عليه وسلم : ] إذا مات العبد انقطع عمله [ فاستدلال ساقط فإنه صلى الله عليه وسلم لم يقل : انقطع انتفاعه وإنما أخبر عن انقطاع عمله وأما عمل غيره فهو لعامله فإن وهبه له وصل ثواب عمل العامل لا ثواب عمله هو فالمنقطع شيء والواصل إليه شيء آخر ، وكذلك الحديث الآخر وهو قوله :] إن مما يلحق الميت من حسناته وعمله [ فلا ينفي أن يلحقه غير ذلك من عمل غيره وحسناته .

    ب* مذهب المالكية : قال الإمام القاضي عياض رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم في حديث الجريدتين عند قوله صلى الله عليه وسلم : ]لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا [{ أخرجه البخاري برقم:209 عن ابن عباس رضي الله عنهما} ما نصه : أخذ العلماء من هذا استحباب قراءة القرآن على الميت لأنه إذا خفف عنه بتسبيح الجريدتين وهما جماد فقراءة القرآن أولى ، نقله عنه الأبي في شرح مسلم .
    وقال العلامة الشهاب القرافي في الفرق الثاني والسبعين والمائة ما ملخصه : مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى أن القراءة يحصل ثوابها للميت ، وإذا قرئ عند القبر حصل للميت أجر المستمع ، والذي يتجه أن يقال : لا يقع فيه خلاف أنه يحصل لهم بركة القرآن لا ثوابه كما يحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده ، والذي ينبغي للإنسان ألا يهمل هذه المسألة فلعل الحق هو الوصول إلى الموتى ، فإنّ هذه أمور مغيبة عنا وليس فيها اختلاف في حكم شرعي وإنما هو في أمر واقع هل هو كذلك أم لا ؟ وكذلك التهليل الذي جرت عادة الناس بعمله اليوم ينبغي أن يعمل ويعتمد في ذلك على فضل الله ، ويلتمس فضل الله بكل سبب ممكن ، ومن الله الجود والإحسان هذا هو اللائق بالعبد ا.هـ
    أقول : هذا الكلام الذي قاله الإمام الأصولي الشهاب القرافي رحمه الله حذفه المعترض لأنه لا يوافق بدعته واجتزأ منه الكلام المذكور في كتابه ، فهل هي هذه الأمانة العلمية التي أُثني عليه بها .
    ثم قال العلامة التّباني رحمه الله : وقال الشيخ ابن الحاج في الجزء الأول من المدخل ما نصه : لو قرأ في بيته وأهدى إليه لوصلت ، وكيفية وصولها أنه إذا فرغ من تلاوته وهب ثوابها له أو قال : اللهم اجعل ثوابها له فإن ذلك دعاء بالثواب لأن يصل إلى أخيه ، والدعاء يصل بلا خلاف.
    ونقل الشيخ أبو زيد الفاسي رحمه الله في باب الحج عن الغير : الميت ينتفع بقراءة القرآن وهذا هو الصحيح والخلاف فيه مشهور والأجرة عليه جائزة والله أعلم ، نقله عنه الفقيه كنّون الفاسي محشيّ عبد الباقي .
    وفي الحطاب والخرشي : أجازها ابن حبيب لخبر : ]اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ[{سنن أبو داود برقم:2714 عن معقل بن يسار رضي الله عنه} ، وهذا مقابل لقول مالك رحمه الله بعدم الوصول ولعل ذلك لم يصح عن مالك ، ولو سلمنا صحته فتحمل الكراهة على فعله استناناً .
    وفي آخر نوازل ابن رشد في السؤال عن قوله تعالى : ] وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [{النجم:39} قال : وإن قرأ الرجل وأهدى ثواب قراءته للميت جاز ذلك وحصل للميت أجره .
    أقول : تبين بهذا أن من علماء المالكية من يقول بعدم صحة القول بعدم الوصول عن الإمام مالك رحمه الله ولو سلم ذلك فإنه محمول على من فعله على أنه سنة .
    وقال ابن هلال في نوازله : الذي أفتى به ابن رشد وذهب إليه غير واحد من أئمتنا بالأندلس أن الميت ينتفع بقراءة القرآن ويصل إليه نفعه ويحصل له أجره إذا وهب القارئ ثوابه له ، وبه جرى عمل المسلمين شرقاً وغرباً ووقفوا على ذلك أوقافاً ، واستمر عليه الأمر منذ أزمنة سالفة .

    ج* مذهب الحنفية :
    * قال الإمام العلامة المرغيناني رحمه الله في أول باب الحج عن الغير من هدايته ما نصه : الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقةً أو غيرها عند أهل السنة والجماعة لما روي : ]أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ اشْتَرَى كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ فَذَبَحَ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتِهِ لِمَنْ شَهِدَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لَهُ بِالْبَلَاغِ وَذَبَحَ الْآخَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [{أخرجه ابن ماجه في سننه برقم:3113 وأحمد في المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه}
    وقد كتب عليه المحقق الكمال ابن الهمام في فتح القدير كتابة مطنبة جيدة ملخصها : أن المعتزلة خالفوا في كل العبادات أي : منعوا وصول ثوابها للغير وذكر شبهتهم وأجاب عنها وساق آثاراً كثيرة دالة على الجواز ثم قال : فهذه الآثار وما قبلها وما في السنة أيضاً من نحوها عن كثير قد تركناه لحال الطول يبلغ القدر المشترك بين الكل ـ وهو أن من جعل شيئاً من الصالحات لغيره نفعه الله به ـ مبلغ التواتر ا.هـ
    1* وقال العلامة الزيلعي في شرحه على كنز الدقائق في باب الحج عن الغير ما نصه : الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره عند أهل السنة والجماعة صلاة كان أو صوماً أو حجاً أو صدقة أو قراءة قرآن أو الأذكار إلى غير ذلك من جميع أنواع البر ويصل ذلك إلى الميت وينفعه ولا يلتفت لما قالته المعتزلة : ليس له ذلك ولا يصل إليه ولا ينفعه لقوله تعالى ]وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى [{النجم:39/40} ـ إلى أن قال ـ وأما الآية فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما إنها منسوخة بقوله تعالى : ]وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ [{الطور:21} ، وقيل : هي خاصة بقوم موسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام لأنه وقع حكاية عما في صحفهما بقوله تعالى : ]أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى[{النجم:36/37} ، وقيل : أريد بالإنسان الكافر وأما المؤمن فله ما سعى له أخوه ، وقيل : ليس من طريق العدل وله من طريق الفضل ، وقيل : اللام في الإنسان بمعنى على كقوله تعالى : ]وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا [{الإسراء:7} أي : فعليها وكقوله تعالى : ]لَهُمُ اللَّعْنَةُ [{الرعد:25} أي عليهم ، وقيل : ليس له إلا سعيه وقد يكون سعيه بمباشرة أسبابه بتكثير الإخوان وتحصيل الإيمان حتى صار ممن تنفعه شفاعة الشافعين .
    2* وجزم البدر العيني رحم الله في باب الحج عن الغير من شرح الزيلعي على الكنز : بأن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره من صلاة أو صوم أو حج أو صدقة أو قراءة قرآن أو ذكر إلى غير ذلك من جميع أنواع البر ، وكل ذلك يصل إلى الميت عند أهل السنة والجماعة وللعلامة سعد الدين الديري المتوفى سنة /867/ رحمه الله تعالى رسالة ] الكواكب النيرات في وصول ثواب الطاعات إلى الأموات [ وللعلامة محمود أفندي الحمزاوي مفتي دمشق الشام رحمه الله تعالى رسالة سماها ] رفع الغشاوة عن جواز أخذ الأجرة على التلاوة [

    د* مذهب الحنابلة :
    قال الشيخ الإمام أبو محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في آخر كتاب الجنائز من مغنيه ما نصه : ولا بأس بالقراءة عند القبر وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال : إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا آية الكرسي وثلاث مرات قل هو الله أحد ثم قل : اللهم إن فضله لأهل المقابر .
    وقال الخلال : حدثني أبو علي الحسن بن الهيثم البزار شيخنا الثقة المأمون قال : رأيت أحمد بن حنبل يصلي خلف ضرير يقرأ على القبور .
    ثم قال : فصل : وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله تعالى .
    ثم أورد الأدلة من الحديث ثم قال : والدليل لنا ما ذكرناه وأنه إجماع المسلمين فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرؤون القرآن ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير ولأن الحديث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم : ]إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ[{ صحيح مسلم:1536} والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ويحجب عنه الثواب ا.هـ
    وقال الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب / الروح / ما نصه : وقد ذكر عن جماعة من السلف أنهم أوصوا أن يقرأ عند قبورهم وقت الدفن ، وكان الإمام أحمد رحمه الله ينكر ذلك أولاً حيث لم يبلغه فيه أثر ثم رجع ثم أورد آثاراً ذكرها الخلال في كتاب الجامع ـ القراءة عند القبور ـ
    وفي الصفحة /117/ : عزا وصول ثواب العبادات البدنية للميت كالصلاة والصوم وقراءة القرآن والذكر للإمام أحمد وجمهور السلف .
    أقول : هذا الشيخ الإمام ابن القيم نسب وصول ثواب العبادات البدنية ومنها القراءة إلى جمهور السلف ، فهل يعترض المعترض عليه كما فعل مع الحبيب الجفري .
    وقال في الصفحة /128/ منه في الجواب عن قوله تعالى : ]وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [{النجم:39} بعد أن ضعف وجوهاً من أجوبة غيره عن الآية ، وقالت طائفة أخرى : القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره وإنما نفى ملك الغير سعيه وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى ، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه وأما سعي غيره فهو مِلك لساعيه فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أن يبقيه لنفسه وهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلا بما سعى ، وكان شيخنا ـ يعني ابن تيمية رحمه الله تعالى ـ يختار هذه الطريقة ويرجحها ا.هـ
    وقد أسهب فيه رحمه الله وأجاد في دحض شبه المانعين .
    وقال في الصفحة /142/ وما بعدها : وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعاً بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج ـ إلى أن قال ـ والقائل إن أحداً من السلف لم يفعل ذلك قائل ما لا علم له به فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه ، وما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه بل يكفي اطلاع علام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم ، لا سيما والتلفظ بنية الإهداء لا يشترط كما تقدم وسر المسألة أن الثواب ملك للعامل فإذا تبرع به وأهداه لأخيه المسلم أوصله الله إليه ، فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن وحجر على العبد أن يوصله إلى أخيه ، وهذا عمل الناس حتى المنكرين في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من العلماء ا.هـ

    2- ثم أورد المعترض فتوى سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى في التلقين وأنه لم يصح فيه شيء وهو بدعة في حمله الحديث ]قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ[{أخرجه مسلم برقم:1523 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه}على من دنا موته ويئس من حياته .

    أقول : حمل الحديث على المجاز معارض بقول غيره من فقهاء الشافعية وغيرهم : فقد قال محب الدين الطبري رحمه الله : المراد الميت الذي فارقته روحه وحمله على المحتضر قول بلا دليل .
    وقال المحقق الكمال ابن الهمام رحمه الله تعالى : ولا مانع من حمل موتاكم في الحديث على حقيقته فيشمل التلقين على القبر .
    وأما التلقين قبل الدفن وبعده معاً فقد قال الحافظ السيوطي رحمه الله في كتابه شرح الصدور : ولا خلاف بين العلماء في مشروعية تلقين من حضره الموت ] لا إله إلا الله [ للحديث وأما تلقينه بعد الدفن على القبر فاستحبه الشافعية والأكثر من الحنابلة والمحققون من الحنفية والمالكية لحديث أبي أمامة رضي الله عنه وهو ضعيف لكن قد عمل به أهل الشام قديماً .
    أقول : ومثل هذا في جواز التلقين بعد الدفن في كتاب الأذكار للإمام النووي رحمه الله تعالى فقد قال : وأما تلقين الميت بعد الدفن فقد قال جماعة كثيرون من أصحابنا باستحبابه ـ إلى أن قال ـ وسئل الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن هذا التلقين فقال في فتاويه : التلقين هو الذي نختاره ونعمل به ، وذكره جماعة من أصحابنا الخراسانيين ، قال : وقد روينا فيه حديثاً من حديث أبي أمامة رضي الله عنه ليس بالقائم إسناده ولكن اعتضد بشواهد وبعمل أهل الشام به قديماً ا.هـ
    وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير عن حديث أبي أمامة في التلقين : إسناده صالح وقال : وقد قواه الضياء في أحكامه .
    وقال الشيخ الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح ص/13/ : وقد سئل عنه الإمام أحمد رحمه الله فاستحسنه واحتج عليه بالعمل ، ثم ذكر حديث أبي أمامة رضي الله عنه ثم قال : فهذا الحديث وإن لم يثبت فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار كافٍ في العمل به ، وما أجرى الله سبحانه العادة قط بأن أمة طبقت مشارق الأرض ومغاربها وهي أكمل الأمم عقولاً وأوفرها معارف تطبق على مخاطبة من لا يسمع ولا يعقل وتستحسن ذلك ، لا ينكره منها منكر ، بل سنه الأول للآخر ويقتدي فيه الآخر بالأول ، فلولا أن المخاطب يسمع لكان ذلك بمنزلة الخطاب للتراب والخشب والحجر والمعدوم وهذا وإن استحسنه واحد فالعلماء قاطبة على استقباحه واستهجانه .

    3- ثم قال المعترض معلقاً على قول سلطان العلماء : / ولا يجوز إهداء شيء من القرآن / وهذا يبطل ما زعمه الجفري من أنه لا خلاف في جواز الإهداء .
    أقول : الحبيب الجفري لم يقل لا خلاف في جواز الإهداء بل هذا من كذب المعترض وافترائه بل قال الحبيب الجفري كما نقله المعترض عنه : لا خلاف في أنها ـ أي القراءة ـ جائزة ولا أحد يقول بعدم جواز القراءة من حيث هي قراءة بقطع النظر عن المقاصد والنوايا ، لكن الخلاف هل يصل ثوابها أو لا والجمهور على أنه يصل .
    فالحبيب الجفري يشير إلى خلاف العلماء في وصول ثواب القراءة وهل يشترط لفظ الإهداء فيه أو تكفي النية ولو كان مراد الحبيب الجفري أنه لا خلاف في جواز الإهداء لقال : لا خلاف في أنه جائز ، لأن الإهداء مذكر وكذلك الجواز ، فتعين أن المراد بقوله / لا خلاف في أنها / جائزة القراءة لأن ضمير ـ ها ـ وجائزة دالة على مؤنث لفظي .
    ولكن المعترض التبس عليه الأمر فلم يفرّق بين ضمائر المذكر وضمائر المؤنث ، وربما يكون الحامل على ذلك كونه جزائرياً ولعله من البرابرة الذين هم كبعض القبائل الأعجمية يجعلون ضمير المذكر للمؤنث وضمير المؤنث للمذكر .

    4- ثم قال المعترض : إذاً الإمام مالك والمالكية والإمام الشافعي والشافعية يقولون بعدم وصول ثواب القراءة للميت .
    أقول : أما قول الإمام مالك فقد تقدم من كلام بعض علماء مذهبه أن ذلك لا يصح عنه وإن سلم فهو محمول على من فعله استناناً وأما المالكية فليسوا مجمعين على عدم الوصول بل المسألة خلافية عندهم وتقدم قول بعض من قال بالوصول ، فنسبة المعترض عدم الوصول إلى المالكية بإطلاق غير صحيح .
    وأما الإمام الشافعي رضي الله عنه فقد تقدم قول من حمل كلامه على غير حالة الإهداء والدعاء ، وأما الشافعية فليسوا مجمعين أيضاً على عدم الوصول بل المسألة خلافية عندهم وتقدم قول بعض من قال بالوصول .
    فنسبة المعترض عدم الوصول إلى الشافعية بإطلاق غير صحيح .
    فسؤال المعترض : فمن هؤلاء السلف ومن هؤلاء الجمهور الذين يتكلم عنهم الجفري ؟ جوابه : هم الحنفية والحنابلة وبعض المالكية ومتأخروا الشافعية وهؤلاء يعتبرون جمهوراً أمام المخالفين لأنهم أقلة .

    5- ثم قال المعترض : نحن نعلم أن هذه المسألة خلافية وأن الحنفية وبعض المالكية ومتأخري الشافعية قالوا باحتمال وصول ثواب القراءة للميت ...الخ
    أقول : ما دام المعترض ومن معه يعلمون أن المسألة خلافية فكيف نسب قبل ثلاثة أسطر إلى المالكية والشافعية بإطلاقٍ القول بعدم الوصول ؟ فما هذا التناقض في عرض المسائل ؟
    ثم لم أغفل المعترض مذهب الحنابلة وكلام الشيخين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله ؟ فلم يتعرض لمذهبهم حتى ولا بعبارةٍ واحدة ؟

    6- ثم قال المعترض : ولكن هذا لا يسمح أبداً لمن يأخذ بهذه الفتوى أن يجعل أصحابها هم جمهور السلف ويلغي أقوال السلف وأئمة المذاهب المتقدمين المخالفين لهذه الفتوى ...الخ
    أقول : تقدم كلام الإمام السيوطي والإمام ابن القيم رحمهما الله وأنهما نسبا القول بوصول ثواب القراءة إلى جمهور السلف وهو مذهب الحنفية والحنابلة وبعض المالكية ومتأخري الشافعية بحسب اعتراف المعترض وهؤلاء هم الجمهور بالنسبة لمخالفيهم .
    ويجب التنبيه إلى أن قول من قال من أهل السنة والجماعة بعدم الوصول موافق لمذهب المبتدعة المعتزلة والوهابية ، والقائلون بالوصول مخالفون لمذهب المبتدعة المعتزلة والوهابية ، ولَأن نكون مع أهل السنة والجماعة المخالفين للمعتزلة والوهابية في هذه المسألة وفي غيرها أحب إلينا من أن نكون من الموافقين لهم وذلك لوجوب التبرؤ مما صار شعاراً للمبتدعة المخالفين وعدم التشبه بهم في شيءٍ من عقائدهم أو هيئآتهم .
    ولهذا لم يسلم بعض علماء الشافعية والمالكية قول الإمامين الشافعي ومالك رحمهما الله في عدم الوصول وأولوه لهما وما ذلك إلا للخروج من موافقة المعتزلة في عصرهم ، ولو كانوا في عصرنا لأجمعوا على الوصول لأنه صار شعاراً لأهل السنة والجماعة وما ذلك إلا للخروج من موافقة الوهابية الخوارج .
    وقد تقدم جواب العلماء القائلين بالوصول عن قوله تعالى : ] وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [{ النجم:39} وفيها احتمالات ووجوه وقد أجاب عنها الشيخ ابن القيم رحمه الله في كتاب / الروح / بما تقدم ، والدليل إذا تطرق له الاحتمال بطل به الاستدلال .
    وقال الشيخ ابن القيم في الصفحة /142/ من كتاب الروح في الجواب عن قول من قال : ـ لو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم ـ إن كان مورد هذا معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار قيل له : ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال ؟ وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات ، وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع .

    أقول : نظراً إلى أن المبتدعة الوهابية الخوارج وافقوا الظاهرية في نفي القياس وزادوا عليهم بنفي الإجماع أيضاً فرّقوا بين المتماثلات فقالوا بوصول ما ورد به النص ووقفوا عنده جموداً منهم وجحوداً وطعنوا بمذاهب الأئمة الأربعة وأتباعهم القائلين بالإجماع والقياس .

    7- ثم أورد المعترض كلام الإمام ابن كثير رحمه الله المتعلق بالمسألة 0
    أقول : مادامت المسألة خلافية فإنه لا يحتج بكلام العلماء بعضهم على بعض لوجود التعارض فيما بينهم 0 وقد تقدم من نسب إلى الجمهور القول بالجواز .

    8- ثم قال المعترض : إذا استدل الإمام الشافعي بالآية فهذا لأنه إمام في اللغة 0
    أقول : هل يقبل المعترض ومن معه من الوهابية جميع استدلالات الإمام الشافعي رضي الله عنه ويقولون بها ويعللون ذلك بقولهم لأنه إمام في اللغة ؟
    أم يقبلون منها ما يوافق أهواءهم ويدعون ما سوى ذلك ؟

    9- ثم قال المعترض : وليس كالذي لا يحسن إنشاء جملة معربة كما هو ظاهر في كتابة هذا
    أقول : هذا الطعن والقدح بالحبيب الجفري لا مبرر له ، إلا التعصب والحقد والعداوة الباطنة ، وما ذلك إلا لأنه خلاف الواقع ، فهذه مئات محاضرات وخطب الحبيب الجفري التي أحسن فيها إنشاء الكثير من الجمل المعربة والكلام البلاغي والتي لا يستطيع المعترض ومن معه أن يأتوا بعُشر مِعشار ما جاء به ،
    وقد شهد له شيخ القراء محمد كريم راجح شفاه الله وعافاه عندما سمع كلمته في معهد الفتح الإسلامي بدمشق بأنه كلام العلماء الربانيين وقال ما معناه عندما عقَّب على كلامه : كلنا يتكلم من الأرض إلى السماء إلا الحبيب الجفري فإنه يتكلم من السماء إلى الأرض ، وشهد له بأنه عبد مُلْهم ، وكلامه مسجل ولِمَ لم يكتب المعترض شهادة شيخ القراء هذه ليكون منصفاً في حق الرجل وذكر ماله وما عليه ؟

    10- ثم علَّق المعترض على قراءة الحضارمة والتي كما قال أخذوها بالتلقي عن شيوخهم وكانوا يقرؤون بها في تريم .
    أقول : تقدم في كلام المعترض ص/67/ ما رواه الإمام ابن الجزري رحمه الله في كتابه ] المنجد [ من جواب شيخه إمام الأئمة أبي المعالي رحمه الله وفيه قوله : انحصار الأسانيد في طائفة لا يمنع مجيء القرآن عن غيرهم ، فلقد كان يتلقاه أهل كل بلد بقراءة إمامهم الجم الغفير عن مثلهم [ ...الخ
    وما دام الحضارمة كما قال المعترض أخذوا قراءتهم تلك بالتلقي عن شيوخهم فالأمر فيه سعة إن شاء الله تعالى والمعوَّل على القبول عند الله تعالى ، على أن المتأخرين من الفقهاء قالوا بجواز الصلاة والقراءة فيما تقارب مخرجه من الحروف وخصَّ بعضهم هذا الحكم بالعوام دون العلماء ، على أن الحضارمة فيهم علماء وفقهاء وقراء وهم أحرص على صحة عبادتهم على حسب القواعد التي تلقوها وعلى قبولها عند الله تعالى من حرصنا عليها .
    ولا يعقل أن يكون المعترض وأمثاله أحرص على صحة عبادات الحضارمة من القائمين بها أنفسهم .
    ثم أورد المعترض النقد اللطيف الذي وجهه شيخ القراء للحبيب الجعفري في مدرج جامعة دمشق !
    أقول : لم يكن النقد لطيفاً بل كان إهانة للحبيب الجفري ولمن حضر من شيوخ القراء المكرمين ولمن حضر تكريمهم وهو خطأ غير مبرر ، ويتنافى مع إكرام الضيف الذي أمرنا به في الشرع ويتنافى مع الآداب الإسلامية العامة .
    أين هذا التصرف من شيخ القراء من خلق النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يواجه أحداً بما يكرهه وكان يقول / ما بال أقوام يقولون كذا وكذا / ولم يصرح ولم يعين أحداً ، ولم يُوقع أحداً في خَجل أو حياء أمام عامة الناس ؟
    الحبيب الجفري جاء من بلاد أخرى لتكريم شيخ القراء ومن معه ، وشيخ القراء يهنيه ويخجله على الملأ !!!
    وربما يقول : ] هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَان [{الرحمن:60} والدليل على خطأ الشيخ في هذا النقد أنه في اليوم الثاني اعتذر من الحبيب الجفري على الملأ في مسجد الشيخ عبد الكريم الرفاعي رحمه الله ويأتي بعد ذلك المعترض في تعليقه هذا ليذكر نقد الشيخ دون أن يذكر اعتذاره ، فأي فائدة من ذكر النقد بعد الاعتذار ؟ الفائدة أن المعترض اعتبر من الشيخ نقده فنقله ودونه ولم يعتبر منه اعتذاره فألغاه وليطعن بالحضارمة كلهم ويتدخل في عباداتهم وقراءاتهم ويحكم عليها بعدم الصحة والقبول ، ويسمي ذلك كله وفي نظره النقد اللطيف .
    لا إنه النقد الهدام و اللا أدبي الصادر عن الوهابية وهم قوم لم تتزك نفوسهم بتزكية الإسلام ولم تتخلق بأخلاقه وآدابه الخاصة والعامة .

    11- ثم قال المعترض : ثم إن الشافعي استدل بالآية لأنه يعلم أنها أتت لتبين الحق ولتثبت الفهم الصحيح ... الخ
    أقول : استدل بالآية أيضاً المبتدعة المعتزلة كما تقدم ، وردَّ فقهاء المذاهب استدلال الإمام الشافعي رضي الله عنه بها وأولوها كما تقدم على ستة وجوه ، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال .

    12- ثم قال المعترض : فمعنى ذلك أنّ استدلال القرآن خطأ – والعياذ بالله –
    أقول : شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا نسخه أو تخصيصه
    وعلى القول بأنّ الآية شرع من قبلنا تكون شرعاً لنا ولكنها في الإنسان وهو الكافر وذلك من باب العدل وهو قول من الأقوال الستة المتقدمة ، فخُصَّ من عمومها المؤمن فله ما سعى وما سعي له من باب الفضل ، وذلك بسبب الإيمان .
    وقد تقدم في كلام العلماء رحمهم الله تعالى ما يشير إلى ذلك فليراجع .

    13- ثم قال المعترض : والعجيب من الجفري أنه يطالب الآخرين بعدم الإنكار عليه ... الخ
    أقول : إذا كان الحبيب الجفري يأتي بالرأي من عنده ولم يسبقه إلى القول به أحد من أئمة السلف والخلف فرأيه حينئذٍ قابل للقبول والرد
    / وكل إنسان يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم /
    أما إذا كان الحبيب الجفري يقول قولاً قيل قبله وسبقه إليه الأئمة والعلماء فلا سبيل للإنكار عليه بل على المنكر أن ينكر القول على قائله من الأئمة والعلماء لا على ناقله .
    أما قول المعترض : مع أنهم يستندون إلى أدلة شرعية ظاهرة ويتابعون السلف والأئمة .
    أقول : إذا كان الآخرون وهو الوهابية يستندون إلى أدلة شرعية ظاهرة ويقولون بظاهرها ولم يقل بها إمام مجتهد فالإنكار متعين عليهم فيما خرجوا به عن الأئمة لخرقهم الإجماع .
    وما قاله الإمام المجتهد هل هو المعمول به في مذهبه لدى المتقدمين والمتأخرين أم رُجِّح غيره عند المتأخرين ؟ وهل هو الراجح المفتى به أم لا ؟
    ثم هل الوهابية يتابعون سلفنا من الأئمة المجتهدين أم لهم سلف آخر من الكرامية والمشبهة والظاهرية والحشوية ؟ فلا بدّ من تحديد المراد بالسلف والأئمة عند هؤلاء ، ولمَ يريدون من السواد الأعظم من الأمة أن يتركوا اتباع الأئمة المجتهدين المجمع على إمامتهم ويتبعوا مشايخهم ممن لم يبلغ رتبة الإمامة والاجتهاد ؟

    14- ثم قال المعترض : في حين يسمح لنفسه أن ينكر عليهم بكل وسيلة مع افتقاره إلى الدليل والحجة ...الخ
    أقول : ما دام إنكاره على المبتدعة الوهابية الخوارج مستنداً إلى أقوال العلماء والأئمة المستنبطة من النصوص والإجماع فإن الشرع سمح له ولأمثاله بذلك الإنكار .
    أما قول المعترض : بل ومع مخالفته للمذهب الشافعي الذي يدّعي أنه ينتسب إليه .
    أقول : هو لم يخالف المذهب الشافعي لأن القول الذي قاله عليه المتأخرون من الشافعية باعتراف المعترض نفسه فيما سبق وهو الراجح المعمول به والذي اختاره عدد من كبار أئمة المذهب .
    أما أن الحبيب الجفري يدعي الانتساب إلى المذهب فهو افتراء من المعترض لأن الحبيب الجفري لا يدعي مجرد الانتساب إلى المذهب ويتعمد مخالفته كما توهم المعترض وإنما هو فقيه شافعي متمكن من فقه مذهبه ولا يتعمد مخالفة حكم راجح ومفتى به فيه .

    15- ثم قال المعترض : لقد سئل عن مسألة فبدل أن يجيب عنها ويبين مذهبه فيها ...الخ
    أقول : الحبيب الجفري أجاب عنها وتبين المختار من مذهبه فيها ، وأنكر على الوهابية والمعتزلة إنكارهم للراجح المفتى به من أقوال علماء المذاهب الفقهية ، وأنكر عليهم اتباعهم للقول المرجوح غير المفتى به في هذه المسألة .
    وقول المعترض : وليته بين أدلته ...الخ
    أقول : ها أنا قد بينت بعض الأدلة وناقشت الأمر علمياً نقلاً من كلام العلماء القائلين بالوصول والحبيب الجفري لم يدع أموراً غير صحيحة لأن ما قاله مذكور في كلام العلماء والأئمة من قبل وإنما هو ناقل لها فقط ، ولم يقلب الحقائق رأساً على عقب كما افترى المعترض عليه وكذب وإنما أظهر الحقائق كما هي .
    والحبيب الجفري لا يبيح لنفسه ولا لغيره أن ينكر شيئاً بغير حق ، ولا يباح للآخرين من الوهابية أن ينكروا عليه في مسألةٍ خلافية لم ينعقد الإجماع على قول فيها دون قول ولا أن يدَّعوا أنَّ الحق معهم فيها ، بل الحق مع الجمهور القائلين بالوصول كما تقدم من كلام الشيخ ابن تيمية والشيخ ابن القيم وغيرهما رحمهم الله تعالى .

    16- ثم قال المعترض : وأعجب من ذلك أنه يرفض أن يصف المخالفون له فعله هذا بالبدعة .. الخ
    أقول : تقدم في رد الاعتراضين 18-19 بيان البدعة وأقسامها فلتراجع
    وعلماء المذاهب الأربعة القائلون بالقياس قسَّموا البدعة إلى خمسة أقسام ، والوهابية الخوارج نفاة القياس جعلوا البدعة منحصرة في الحرام والمكروه فقط ، فإذا كان المعترض يقول بما عليه علماء المذاهب من القياس فليذكر لنا من أيِ قسم من أقسام البدعة الخمسة هذه المسألة ومن قال بذلك من العلماء والأئمة ؟
    وإن كان على مذهب الوهابية فلا يلتفت إلى قولهم إنها بدعة لخروجهم عن قواعد الأصول المجمع عليها في استنباط أحكام الوقائع والنوازل .

    17- ثم قال المعترض : ثم عرّف هذه البدعة فقال : هي معصية في الاعتقاد .
    أقول : لقد صدق الحبيب الجفري في تعريفه للبدعة الضلالة بأنها معصية في الاعتقاد ولم يرد أن القراءة على الموتى معصية في الاعتقاد كما توهم المعترض عندما قال : ثم عرّف هذه البدعة ، بل أراد الحبيب الجفري بيان المراد من البدعة الضلالة عند الإطلاق ، على أنه لا ينكر هو ولا غيره من علماء أهل السنة البدعة العملية ولكنهم قائلون بتقسيمها إلى خمسة أقسام قياساً الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام ، كما تقدم .
    ثم ما يقول المعترض وأمثاله في مبتدعة العقائد الضالة كالمجسمة والمشبهة والكرامية والخوارج والوهابية وأمثالهم هل ما قالوه في العقائد يسميه المعترض وأمثاله سنة ، ويسمونهم أيضاً أهل السنة ؟
    أم أنّ ما قالوه من البدع الضلالات وأنّ بدعهم تلك في العقائد ؟ فقد صحّ قول الحبيب الجفري حينئذٍ وبطل قول المعترض بعدم وجود بدعة في الاعتقاد .

    18- ثم قال المعترض : وأظن أن غرضه أصبح واضحاً للجميع ...الخ
    أقول : الحبيب الجفري وأمثاله من علماء أهل السنة لا يرون ما ثبت بالقياس وجوبه أو ندبه أو إباحته بدعة محرمة أو مكروهة في العبادات كما يقول بذلك الوهابية الخوارج ، بل يرون أنّ الثابت بالقياس وجوبه أو ندبه أو إباحته من اعتقده محرماً أو مكروهاً فقد ابتدع بدعة ضلالة عقيدة وعملاً فمن اعتقد المباح أو المندوب أو الواجب حراماً أو مكروهاً لا يقل في الإثم عمن اعتقد الحرام أو المكروه مباحاً ، وهذا الذي وقع به الوهابية نفاة القياس .

    وقول المعترض : وهذا أمر مخالف لكل أقوال العلماء ولا سلف له فيه .
    أقول : من هؤلاء العلماء ومن السلف الذين عناهم المعترض ؟
    إن كانوا القائلين بالقياس في الأحكام الشرعية فكلام الحبيب الجفري موافق لهم غير مخالف ، وإن كانوا الوهابية نفاة الإجماع والقياس فلا يلتفت إلى قول علمائهم وسلفهم من قبل عالم سني كالحبيب الجفري لأنهم مبتدعة مخالفون لأهل الحق وتبين بهذا أن المعترض له سلف غير سلفنا وله علماء يعتبرهم غير علمائنا ، وغرضه من ذلك التشويش على العامة وإظهار الحق بمظهر الباطل والباطل بمظهر الحق .
    وهذه هي طريقة الوهابية في كتبهم وخطبهم ] قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُون [{التوبة:30} .

    19- ثم قال المعترض معلقاً : عندما انتقد العلماء على الجفري مسألة تعظيمه للقبور ...الخ

    أقول : ليت المعترض بين لنا من العلماء المنتقدون وهل هم من علماء أهل السنة أم من المبتدعة الوهابية ؟ وهنا مسائل لا بد من بيانها :
    1* مسألة تعظيم القبور : ألف العالم المحدث الشيخ أبو الفيض أحمد الغُماري رحمه الله رسالة سماها / إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور / وفيها :
    وأما الأولياء والصالحون فنص جماعة على جوازه بل استحبابه – أي البناء على القبر – في حقهم تعظيماً لحرمتهم وحفظاً لقبورهم من الامتهان والاندثار الذي يعد معه الانتفاع بزيارتهم والتبرك بهم .
    وقد أفتى الحافظ السيوطي باستثناء قبور الأولياء والصالحين ولو كانت في الأرض المحبسة – أي الموقوفة – ووافقه جماعة ممن جاء بعده من فقهاء الشافعية وقد ذكر هو ذلك في جزء سماه – بذل المجهود في خزانة محمود – فقال :
    وقد ذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه أن بعض السنين ببغداد مُنع معلموا الأطفال من تعليمهم في المساجد إلا رجلاً واحداً كان موصوفاً بالخير فاستثنوه من المنع وأنهم استفتوا الماوردي صاحب الحاوي من أئمتنا والقدوري من أئمة الحنفية فأفتوا باستثنائه واستدلوا بأنه صلى الله عليه وسلم قال : ]سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ [{أخرجه البخاري برقم:447 عن ابن عباس رضي الله عنهما} فقاسوا استثناءهم لهذا الرجل على استثناء خوخة أبي بكر رضي الله عنه ، وهذا الاستنباط دقيق لا يدركه إلا الأئمة المجتهدون كالماوردي والقدوري ونحوهما وقد استندت إلى قولهم هذا قديماً حين استفتيت في أبنية القرافة فأفتيت بهدمها كما هو المنقول إلا مشاهد الصالحين فاستندت في هذا الاستثناء إلى ما صنعه الماوردي والقدوري ا.هـ
    وهذا إنما هو لأجل كونها واقعة في الأرض الموقوفة ، وأما ما لم يكن فيها فقوله فيه الجواز مطلقاً .
    وفي حواشي البجيرمي على شرح الخطيب : نعم استثنى بعضهم قبور الأنبياء والشهداء والصالحين ونحوهم ، وعبارة الرحماني : نعم قبور الصالحين يجوز بناؤها ولو بقبة لإحياء الزيارة والتبرك ، قال الحلبي : ولو في مسبلة وأفتى به ا.هـ
    وفي شرح العميري على العمل الفاسي : والعمل بالبناء على القبور جاز أيضاً وقد كتب شيخ شيوخنا سيدي عبد القادر الفاسي في ذلك : ولم يزل الناس يبنون على مقابر الصالحين وأئمة الإسلام شرقاً وغرباً كما هو معلوم وفي ذلك تعظيم حرمات الله واجتلاب مصلحة عباد الله لانتفاعهم بزيارة أوليائه ودفع مفسدة المشي والحفر وغير ذلك والمحافظة على تعيين قبورهم وعدم اندراسها ، ولو وقعت المحافظة من الأمم المتقدمة على قبور الأنبياء لم تندرس وتجهل ا.هـ
    وفي نوادر الأصول عن فاطمة رضي الله عنها أنها كانت تأتي قبر حمزة رضي الله عنه في كل عام فترمه وتصلحه لئلا يندرس أثره فيخفى على زائره ، وفي شرح التوربشتي على المصابيح : وقد أباح السلف البناء على قبور المشايخ والعلماء المشهورين ليزورهم الناس وليستريحوا بالجلوس فيها ا.هـ
    أقول : وذكر المحدث الغماري في رسالته المذكورة كثيراً من فتاوى الأئمة والعلماء في استحباب ذلك فلتراجع .
    2* إتيانه لبعض الأضرحة في مواسم خاصة :
    فقد ثبت كما تقدم أن السيدة فاطمة رضي الله عنها كانت تزور قبر عمها سيدنا الحمزة رضي الله عنه وترمه وتصلحه ، وقد تقدم في رد الاعتراض العشرين كلام العلماء في حديث : ]وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا [{أخرجه أبو داود برقم:1746 عن أبي هريرة رضي الله عنه} فليراجع .
    3* سجود بعضهم على القبور وطوافهم بها : تقدم في فتاوى العلماء حرمة ذلك الفعل .
    ثم قال المعترض : قال / أي الحبيب الجفري / إنها مسألة فقهية لا دخل لها بالعقائد .
    أقول : ذكر العلماء أحكام القبور وإتيان الأضرحة وسجود بعضهم عليها وطوافهم بها في كتب الفقه ، ولم تذكر في كتب العقائد وذلك أن المؤمن لا يعتقد أن صاحب القبر الذي يسجد له أو يطوف به ينفعه أو يضره بنفع أو ضرٍ ذاتي حتى يكون سجوده أو طوافه عبادة له فلما تجرد السجود والطواف عن هذا الاعتقاد اكتفى العلماء ببيان حرمة ذلك الفعل ومن اعتقد ذلك فهو مشرك مرتد عن الدين الحق دون الحكم على فاعله بالردة أو الكفر أو الشرك .

    20- ثم قال المعترض : في حين نجده هنا وصف بدعة القراءة للموتى : إنها معصية في الاعتقاد .
    أقول : الحبيب الجفري لم يجعل وصف القراءة للموتى بدعةً ضلالةً ولم يجعلها من قبيل المعصية في الاعتقاد فلا دخل للاعتقاد في هذه المسألة ، فهذا الكلام من المعترض اتهام للحبيب الجفري بما هو بريء منه أليس هذا عجيباً ولا يمت للعلم بصلة ؟

    21- ثم قال المعترض : ألم يكن بوسعه أن يجيب السائل فيقول ...الخ
    أقول : كان بوسعه ذلك قبل ظهور الوهابية وبدعهم وشبههم ، أما بعد الظهور فلا يسعه السكوت بل يتعين عليه وعلى أمثاله من العلماء رد بدعهم والجواب عن شبههم .

    22- ثم قال المعترض : والذي أحب أن أقوله في هذا المقام ...الخ
    أقول : والذي أحب أن أقوله في هذا المقام أنّ أهل العلم القائلين بوصول ثواب القراءة للميت يقولون للناس : اقرؤوا القرآن تقرباً إلى الله تعالى ثم قولوا : اللهم اجعل ثواب ما قرأناه في صحيفة فلان أو فلانة ، وقد تقدم اشتراط المتأخرين الشافعية وغيرهم ذلك .
    وهذا لا خلاف فيه بين أهل الحق ولا ينكره أحد منهم خلافاً للوهابية ولا عبرة بخلافهم .
    ثم كيف يقول المعترض عن القراءة والدعاء – فائدته قطعية - ؟ معنى ذلك أنه واجب على الله تعالى قبوله والثواب عليه ، وهذا هو مذهب المعتزلة القائلين بالوجوب على الله سبحانه ، وخالفوا في ذلك أهل الحق القائلين بعدم الوجوب عليه سبحانه .
    فالمعترض على مذهب المعتزلة في هذه المسألة من وجهين :
    1* بموافقتهم على القول بعدم وصول الثواب إلى الميت
    2* بقولهم بالوجوب القطعي على الله في القبول والإثابة للقراءة والدعاء .
    وقوله – إن شاء الله – يناقض القول بالقطع لأنّ القطعي لا يتخلف لوجود الوعد أو الوعيد أو الأمر أو النهي ،
    فمثله كمثل رجل يقول : محمد رسول الله إن شاء الله ، وهذا الاستثناء يعني الشك وهو مخالف للقطعي فيحكم على قائله بالكفر ، أو كرجل يقول : الصلاة فرض إن شاء الله ، وهو شك في فرضيها والعياذ بالله فالمعترض قال بقطعية القراءة والدعاء ثم نقض ذلك بقوله : إن شاء الله أي جعله بالاستثناء غير قطعي .
    وقول المعترض : بخلاف الأمر الأول – إهداء الثواب – الذي لا تشهد له نصوص الكتاب والسنة ... الخ
    أقول : إذا كان الأمر مسكوتاً عن بيان حكمه نصاً في الكتاب والسنة فلا أمر ولا نهي ، تعيَّن البحث عن بيان حكمه قياساً وذلك لصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان ولشموله احكام الوقائع والنوازل فيرجع فيه إلى أئمة الاجتهاد وأتباعهم من العلماء ، فإذا اختلفوا فيه عملنا بالراجح المفتى به ولا ينكر حينئذٍ لوجود الخلاف فيه وعدم الإجماع على إنكاره .

    وقول المعترض – وفائدته ظنية – مشكل لأنه قال عند القول بالقطع على الله إن شاء الله ، ولم يقل في مسألة تحتمل الوصول وعدمه إن شاء الله ، ولو قال ذلك لم يُعترض عليه لأن هذه المسألة مرجعها إلى حسن الظن بالله تعالى وإلى فضل الله وكرمه كما قال المعترض في الصفحة /93/ ، والله تعالى عند حسن ظن عباده المؤمنين كما صح في الحديث وقد وعدهم بذلك وكتبه على نفسه تفضلاً منه على عباده لا وجوباً منهم عليه .
    ثم أين في نصوص الكتاب أو السنة : لا تقولوا بعد القراءة اللهمّ اجعل ثواب ما قرأناه في صحيفة فلان ؟
    أليس هذا النهي بالهوى والرأي مضاهاة للشرع الشريف الآمر الناهي ؟
    كيف جاز للمعترض أن يجعل من نفسه مشرِّعاً للأمة فينهاها عن شيء نهياً شرعياً لم ترد فيه النصوص ؟
    ثم ما الفرق بين أن تدعو الله تعالى بقولك : اللهمّ اجعل ثواب ما قرأناه ...الخ وقولك : اللهم اغفر لهذا الميت وتجاوز عن سيئاته وبارك في حسناته ؟
    ألست تدعوا الله القائل : ] ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [{غافر:60} ؟ ولم يفرق بين دعاءٍ ودعاء .
    أليس حسن الظن بالله تعالى أن يستجيب دعاء / اللهم اغفر لهذا الميت / الخ ؟ هو حسن الظن به سبحانه أن يستجيب دعاء / اللهم اجعل ثواب ما قرأناه / الخ فالمؤمن يحسِّن ظنه بالله تعالى عند كل دعاء دون تفريق بين المتماثلات من الأدعية ودون وجوب على الله تعالى ولا حجر عليه سبحانه .
    وإذا كان المعترض يلزمنا بالدعاء المأثور دون غيره من أدعية الاضطرار وحسن الظن بالله تعالى فهو رأي منه مخالف لكل أقوال العلماء ولا سلف له فيه ، ولا تشهد له نصوص الكتاب والسنة المطلقة والتي لا حَجَر فيها ولا تضييق ، فيضرب برأيه هذا عُرض الحائط بل يُضرب به رأسه ويصفع به على قفاه حتى يخرج الشيطان الذي يجري منه مجرى الدم ، فيعلق توبته و ليرجع إلى الحق وأهله ويتبرأ من الباطل وأهله .

    23- ثم قال المعترض : إنّ الأمر الذي ينكره العلماء هو أن يصبح القرآن ...الخ .
    أقول : نحن ننكر أن يصبح القرآن وشريعة الإسلام شعاراً للموت والمقابر ولكن لا يعني هذا الإنكار أن نهدي ثواب القراءة لأمواتنا والمسلمين فالشعار شيء والإهداء شيء آخر ، الشعار يعني تعطيل شرائع القرآن وأحكامه في الأفراد والأُسر والجماعات والدول وتخصيصه بالقراءة على الأموات وهذا لا يقول به مسلم ، القرآن الكريم نظام حياة ومصدر دساتير الأمة الإسلامية وقوانينها وشريعتها ولكن كل هذه الكليات لا تنفي جزئية القراءة وإهداء ثوابها فالله تعالى يقول : ] وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [{الإسراء:82}ومن بيانية وليست تبعيضية والشفاء الذي في القرآن عامّ للأمراض القلبية والنفسية والجسدية والرحمة تعم المؤمنين أحياء وأمواتاً وقد ذكر بعضهم بأنه شفاء للأحياء ورحمة للأموات إلا أني أميل إلى القول بالعموم .

    24- ثم قال المعترض : ورحم الله إمامنا الإمام مالك ] رحمه الله [ كم كان ملتزماً بالهدي النبوي ...الخ
    أقول : 1* العبارة فيها لحن وتصحيحها أن تقول : الإمام مالكاً بالنصب لا بالإضافة وربما توهم المعترض أنه ممنوع من الصرف وليس كذلك .
    2* ما بين القوسين ] رحمه الله [ زيادة مني على كلام المعترض .
    3* ما ذكره المعترض عن الإمام مالك رحمه الله تعالى من التزامه بالهديِّ النبوي وهو وصف عام لجميع الأئمة المجتهدين وأتباعهم من العلماء رحمهم الله تعالى أجمعين ، فليس لكلامه مفهوم مخالف لأنه لم ينفرد بذلك الوصف دون غيره .
    وكذلك القول في وصفه ببعد النظر .
    4* ما نقله عن الإمامين القيرواني والحطاب رحمهما الله تعالى : تقدم جواب بعض أئمة الفقه المالكي أنه محمول على من فعله استناناً أي : على أنه سنة .
    وتقدم قول الإمام النووي رحمه الله نقلاً عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنهم إذا قرؤوا القرآن كله على القبر فحسن .
    انتهى الرد /34/ .

  2. #2
    السهم الصائب الصورة الرمزية صقر الاسلام
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    2,350
    معدل تقييم المستوى
    10
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله ولي الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله سيد الخلق أجمعين، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين, وبعد

    بوركت سيدي محب الحبيب علي علي النقل المميز
    وبارك الله في شيخنا عبدالهادي الخرسة ونفعنا بعلمة الغزير
    وحفظ الله مولانا شيخنا الحبيب علي الجفري
    أيشمت بالبوطي عالـــــم عصره**مشيد صـــــــــــــرح الديـن لما تهدما
    وكان حريا لو تحلى بخصلـــــــة** محببــــــــــــــة أن ينثر الدمع عندما
    على رجل تبكي السماء لفقـــــده** ويكسـى بساط الأرض حزنا ومأتما
    مجالسه في العلم ينسيك حسنها**نضـــــــارا وينسيك الجمان المنظما


  3. #3
    عُضْو مُتَمَيِّز الصورة الرمزية أحب الصوفية ولست منهم
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    1,281
    معدل تقييم المستوى
    0
    والله لو أن لهؤلاء حق لما تركوا الرد على هذه الحجة !
    بارك الله بشيخنا ..والله ما لهؤلاء إلا الكبار امثالكم سادتنا .
    ولكن ما يؤلم القلب أن العوام لا يصلهم هذا ولو وصل أياديهم.
    ذلك أن الوهابية أقرب لعقول الجهلة بدينهم ..
    بقد سطحيتهم كانوا كالجهلة !
    والسواد الأعظم من المسلمين لا يفقهون ويخيفهم
    دعايات الوهابية !! هذا واقع ..ونسأل الله الخلاص منه ..
    كله بيد الله وكلنا مأمورون بالبحث عن الحق
    وعدم اتباع الهوى ..وكل ذرة هي محنة وفتنة
    !!
    ((بينا أنا نائم استلب عمود الإسلام من تحت رأسي فأتبعته بصري، فإذا هو نور ساطع في الشام، ألا إن الأمن والأمان - عندما تكون الفتن - في الشام))
    صلى الله عليك ياسيدي يا رسول الله




+ الرد على الموضوع

المواضيع المتشابهه

  1. الدفاع عن الحبيب الجفري 33 (حول زيارة القبور للمرأة)
    بواسطة محب الحبيب علي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 07 Nov 2010, 09:36 AM
  2. الدفاع عن الحبيب الجفري 18 (مفهوم البدعة)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 10 Mar 2010, 11:48 PM
  3. الدفاع عن الحبيب الجفري 13 (حديث: من صلى علي مرة..)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 20 Jan 2010, 05:11 PM
  4. الدفاع عن الحبيب الجفري 6 (قصة العابد ..)
    بواسطة حسام دمشقي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 18 Mar 2008, 05:46 PM
  5. الدفاع عن الحبيب الجفري 19 (حول البدعة)
    بواسطة محب الحبيب علي في المنتدى الداعية الإسلامي / الحبيب علي زين العابدين الجفري
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06 Oct 2007, 07:49 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك