1- قال المعترض : ويقول الجفري في ص/88/ أثناء كلامه في البدعة : ﴿ هل فهمت الفرق بين معنى { كل } في اللغة ، ومعنى { كل } في علم الأصول ﴾ . ثم قال : هذه عجيبة حقاً وهل قال أحد من أئمة الأصول إن كلمة ﴿ كل ﴾ لها معنى في الأصول مغاير لمعناها في اللغة ؟
أقول : ~ ومن البلية عذل من لا يرعوي عن جهله وخطاب من لا يفهم
إن الكلمات لها مدلولات بحسب الفن الذي تذكر فيه ، فمن الكلمات ما يكون له حقيقة لغوية وتستعمل بمعان مجازية لغة وتستعمل في المصطلحات الشرعية الفقهية بحقيقة شرعية مغايرة ، وربما يكون بينهما العموم والخصوص الوجهي أو المطلق ، ومن ذلك كلمة ﴿ كل ﴾ فلها معنىً لغوي ولها معنىً أصولي اصطلاحي ، والذي يقول بأن حقيقة أي كلمة في الفنون العلمية واحدة فليجعل علم اللغة وكتبها علم الأصول وكتبه ، وليجعل علم الأصول وكتبه علم اللغة وكتبها ولا حاجة حينئذٍ إلى هذا التنوع والاختصاص ما دام الجميع راجعاً إلى حقيقة واحدة .
ولنذكر هنا كلام علماء اللغة والأصول حول كلمة ﴿ كل ﴾ :
قال في البحر المحيط " كُلُّ " وَمَدْلُولُهَا الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ إنْ أُضِيفَتْ إلَى النَّكِرَةِ ، أَوْ الْأَجْزَاءِ إنْ أُضِيفَتْ إلَى مَعْرِفَةٍ ، وَمِنْهُ الْإِكْلِيلُ لِإِحَاطَتِهِ بِالرَّأْسِ ، وَالْكَلَالَةُ لِإِحَاطَتِهَا بِالْوَالِدِ وَالْوَلَدِ ، وَمَعْنَاهَا التَّأْكِيدُ لِمَعْنَى الْعُمُومِ ، وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ : لَيْسَ بَعْدَهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَلِمَةٌ أَعَمُّ مِنْهَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَقَعَ مُبْتَدَأً بِهَا أَوْ تَابِعَةً ، تَقُولُ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ، وَجَاءَنِي الْقَوْمُ كُلُّهُمْ فَيُفِيدُ أَنَّ الْمُؤَكَّدَ بِهِ عَامٌّ .
وَهِيَ تَشْمَلُ الْعَاقِلَ وَغَيْرَهُ ، وَالْمُذَكَّرَ وَالْمُؤَنَّثَ ، وَالْمُفْرَدَ وَالْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعَ ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ أَقْوَى صِيَغِ الْعُمُومِ ، وَتَكُونُ فِي الْجَمِيعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ . تَقُولُ : كُلُّ النَّاسِ ، وَكُلُّ الْقَوْمِ ، وَكُلُّ رَجُلٍ ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ .

1- كل التي تفيد العموم عند علماء اللغة والأصول كما تقدم ، قد يخص من عمومها المذكور البعض بمخصص وهو إما شرعي وإما عقلي وإما عادي فيصبح مدلولها الأصولي مغايراً لمدلولها اللغوي .
قال العلماء ومثلها في ذلك : أمر ، وشيء ، وموجود ، وكائن ، فتذكر ويراد بها العموم ، وقد يخص عمومها بمخصص مما ذكر مثال ذلك :
1* قوله تعالى : ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا {الأنعام:111} قال صاحب التحرير والتنوير : ﴿ كل شيء ﴾ يعم الموجودات كلها لكن المقام يخصصه بكل شيء مما سألوه ، أو من جنس خوارق العادات والآيات ، فهذا من العام المراد به الخصوص ،
أقول : لو قال فهذا من العام المخصوص لكان أولى لثبوت فرق بين الأمرين كما سيأتي .
2* قوله تعالى في ريح عاد : ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا {الأحقاف:25} أي من الأشياء القابلة للتدمير فقصروا عمومه على ما يقبل التدمير من الأشياء فهذا من العام المخصوص لأن الحجارة لم تُدَمّر مثلاً .
3* قوله تعالى : ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾{القصص:88} عام خص منه ما خُلق للبقاء كالروح وعجب الذنب وأجساد الأنبياء والشهداء والعرش والكرسي والجنة والنار والحور العين ، قال العلامة الباجوري رحمه الله في تحفة المريد : فتكون الآية من قبيل العام المخصوص ، والعام : لفظ يستغرق الصالح له بغير حصر ، والتخصيص : قصر العام على بعض أفراده ، ثم قال : وهذا الجواب لجماعة كابن عباس رضي الله عنهما ذكر ذلك عند قول الناظم صاحب الجوهرة الشيخ إبراهيم اللقاني رحمه الله :
~وكل شيء هالك قد خصصوا عمومه فاطلب لما قد لخصوا .
4* قوله تعالى : ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {البقرة:284}قصروا عمومه على ما تتعلق به القدرة وهو كل ممكن ، لأن القدرة لا تتعلق بالواجب ولا بالمستحيل ، فهو عام مخصوص .
ويلحق بالبحث هذا ما ذكره الإمام السيوطي رحمه الله في إتمام الدراية :
قال : 1- العام المخصوص : كتخصيص قوله تعالى : ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ {البقرة: 228 } خص منه الحامل والآيسة والصغيرة بقوله تعالى : ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ {الطلاق:4} وقوله سبحانه : ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ {الطلاق:4} .
2-العام الذي أريد به الخصوص كقوله تعالى : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ {النساء:54} أي رسول الله صلى الله عليه وسلم لجمعه ما في الناس من الخصال الحميدة .
وقوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ {آل عمران:173} أي نُعيم بن مسعود الأشجعي .
والفرق بينهما : أن الأول حقيقة لأنه استعمل فيما وُضع له ، ثم خُص منه البعض بمخصص ، والثاني مجاز لأنه استعمل من أول وهلة في بعض ما وضع له .
ثم ذكر : ما خُص من الكتاب بالسنة ، وما خص من السنة بالكتاب ، فليراجع فإنه مهم .
أقول : تبين للمعترض وجود فارق بين ﴿ كل ﴾ في استعمالها اللغوي و﴿ كل ﴾ في استعمالها الأصولي من حيث العموم والخصوص .
2- قال المعترض : وهل فهم الصحابة رضي الله عنهم معنى كلمة ﴿ كل ﴾ وفق اللغة أم وفق علم أصول الفقه الذي لم يكن وجد بعد ؟
أقول : لم يكفِ المعترض التطاول فيما سبق على الأئمة والعلماء وعدم اعتبار أقوالهم في المسائل ، حتى تطاول على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفهم بالجهل ، ووصف من جاء بعدهم بالعلم ، وبيان ذلك :
أن الصحابة رضي الله عنهم وجدت عندهم مصادر العلوم التي دونت من بعدهم ، وذلك كعلم اللغة والنحو والإعراب مثلاً فهم يعلمون مدلول الكلمة عند لغات القبائل العربية ويعلمون ما نزل من القرآن وما ورد في الحديث على لغة بني فلان أو لغة بني فلان ، ويعلمون موقعها من الإعراب من غير احتياج إلى كتب مصنفة يتعلمون منها أن الفاعل مرفوع وأن المفعول به منصوب ، ثم دونت هذه العلوم وصُنفت وذكرت فيها القواعد من بعدهم على وفق ما كانوا متلبسين به في لغاتهم ولهجاتهم .
وكذلك ما سمي من بعدهم بعلم أصول الفقه وما دون فيه من القواعد كان يعلمونه في نصوص الكتاب والسنة ، فهل الصحابة رضي الله عنهم لا يعلمون أن قوله تعالى : ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ { البقرة:228} قد خص من عمومه الحامل والآيسة والصغيرة وأن المخصص شرعي هو نص قرآني آخر ؟
وهل كانوا لا يعلمون أن الناس في قوله تعالى : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ المراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الناس في قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ المراد به نُعيم بن مسعود الأشجعي ، وأن هذه النصوص القرآنية عام أريد به الخصوص ؟
هل غاب علم ذلك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عاينوا التنزيل وشاهدوا أسبابه ، وعلم ذلك من جاء بعدهم ممن دوّن ذلك في علم سماه / أصول الفقه / ؟
فأئمة الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أصول كل العلوم التي ورثها من بعدهم منهم ودونوها في الكتب وجعلوا لها قواعد وفصولاً وأبواباً ، ومن انتقصهم فهو المنتقَص / بالفتح / ومن طعن بهم فهو المطعون به .
ثم إن علم أصول الفقه الذي يستخف به الوهابية ولا يولونه أي اهتمام هو من علوم السلف الصالح من العلماء ، وهؤلاء يدّعون أنهم على مذهب السلف ، فأي سلف يريدون ؟ ومن يقصدون ؟ إن كانوا يريدون الشيخ ابن تيمية والشيخ ابن القيم رحمهما الله فهما من الخلف وليسا من السلف بحسب الاصطلاح ، وإن كانوا يقصدون الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهو من خلف الخلف . فمن حق الانتماء والتقليد لهؤلاء والذي هم عليه أن يسموا أنفسهم خلفية لا سلفية .
* أول من وضع قواعد علم أصول الفقه الإمام أبو يوسف القاضي رحمه الله ومن بعده الإمام الشافعي رضي الله عنه ثم اتبعهما العلماء في ذلك .
فهو من علوم السلف الصالح ، ويجب الرجوع إليه في حكم كل واقعة ونازلة لصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان
وهؤلاء هم أولو الأمر أهل الاستنباط والاجتهاد الذين قال الله فيهم : ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾{النساء:83}
3- ثم قال المعترض : كل هذا التحايل من الجفري لأجل أن يلغي من أذهان الناس وجود شيء منكر اسمه بدعة ... الخ
أقول : ما هذا التناقض في كلام المعترض ؟ في الاعتراض الثامن عشر يقول عن الحبيب الجفري : خلط بين البدعة اللغوية والبدعة الشرعية وأخذ كلام بعض العلماء في اشتمال الأحكام الخمسة للبدعة اللغوية وأسقطه على البدعة الشرعية
إذاً هو يقول بالبدعة اللغوية و بالبدعة الشرعية باعتراف المعترض وهنا يقول عن الحبيب الجفري إنه يريد أن يلغي من أذهان الناس وجود شيء منكر اسمه بدعة ! لا أكاد أصدق كيف يجمع الحبيب علي الجفري بين متناقضين كما زعم المعترض يقول بالبدعة اللغوية والبدعة الشرعية ثم يريد بكلامه إلغاء ما اسمه بدعة .
فأي الكلامين نعتمد أيها المعترض فيما نقلت وكتبت ؟ على الأول أم على الثاني ؟ أليس هذا تحايلاً على كلام الحبيب الجفري وتحاملاً عليه ؟
4- ثم قال المعترض : ومن ثم فكل من ينادي باجتناب البدع من العلماء والدعاة إنما هم جهلة أو أصحاب أهواء معادية للدين .
أقول : إن كان هؤلاء العلماء والدعاة من الوهابية وينادون باجتناب ما يسمونه / بدعاً / بناءً على مذهبهم الوهابي فقد صدق الحبيب الجفري في تسميتهم بالجهلة وأصحاب الأهواء فإن كل الفرق التي خرجت عن أهل الحق ومنها الوهابية الكرامية الحشوية تسمى / أهل الأهواء / قال الله تعالى : ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾{الجاثية:18} والعلم هو الجزم المطابق للواقع عن دليل ، فكل من جاء بشيء وجزم به ولم يكن مطابقاً للواقع ولم يكن عن دليل بل عن شبهة أو تقليد يسمى بنص القرآن صاحب هوى ونهينا عن اتباعه في هواه لأنه على ضلال قال الله تعالى : ﴿ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ {ص:26} وقال : ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ {الأنعام:116} قال حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ رضي الله عنهما : ﴿ كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ {صحيح البخاري برقم:3338} فلو كانت فرقة منها على الحق لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتزامها ، فلما أمرنا باعتزال تلك الفرق ومنها الوهابية علمنا أن جميعها من أصحاب الأهواء وأنهم على باطل وضلال .
قال الله تعالى : ﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً ﴾{الكهف:17} .
5- ثم قال المعترض : ولكي يخرج من إشكال وجود بعض البدع راح يروج لما يقال له / بدعة حسنة / ويلحق كل ما نراه من بدع بها .
أقول : تقدم قول سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه : ﴿ ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح ﴾ وتقدم أيضاً قول علماء السلف في تقسيم البدعة إلى محمودة ومذمومة فلتراجع ، فكل علماء الإسلام قبل الشاطبي رحمه الله وبعده يقولون بوجود بدعة حسنة وبدعة سيئة ، والحبيب الجفري لم يأت بهذا من عنده وإنما هو متبع في ذلك لجمهور علماء الإسلام من السلف والخلف ، والمعترض هو ومن معه شذوا عن السواد الأعظم وابتدعوا لأنفسهم طريقاً ما أنزل الله بها من سلطان .
6- ثم نقل المعترض كلام الإمام مالك رضي الله عنه : من ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة لأن الله تعالى يقول : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ﴾{المائدة:3} – فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً .
أقول : كلام الإمام مالك مرتبط أوله بآخره وآخره بأوله ومعناه : من ابتدع بدعةً يضاهي بها دين الله وجعلها ديناً وشرعاً ورآها حسنة فهو المقصود بالذم .
المبتدع هذا جاء بشرع غير شرع الله وبدين غير دينه ودعا الناس إليه ورآه حسناً ، فليه مثل آثام من تبعه من غير أن ينقص بعضهم من إثم بعض شيئاً .
ومعاذ الله أن يقصد الإمام مالك البدع الحسنة المندرجة تحت أصل من أصول التشريع لأنه يعلم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ{ مسلم برقم:3242 } ومعاذ الله أن يخالفه إلى رأي من عنده .
والحديث يقول : ﴿ ما ليس منه فهو رد ﴾ وهذا الذي سماه جمهور العلماء البدعة المذمومة أو البدعة السيئة ، وأما ما كان منه بأن يندرج تحت أصل فهو مقبول وليس برد وهذا الذي سماه جمهور العلماء البدعة المحمودة أو البدعة الحسنة ويعلم الإمام مالك أيضاً حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاشاه أن يخالفه : ﴿ وَمَنْ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ ضَلَالَةٍ لَا تُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئًا{سنن الترمذي برقم:2601} وانظر إلى وصفها بالضلالة لأن الإضافة قيد بالوصف ، وانظر إلى قوله : ﴿ لا ترضي الله ورسوله ﴾ يفهم منه وجود بدعة لا توصف بالضلالة ، ويرضاها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهي البدعة الحسنة المحمودة .
وعلى هذا درج جمهور العلماء من أهل الحق من عهد الإمام الشافعي رضي الله عنه إلى زمننا .
7- ثم قال المعترض : ولقد أنكر العديد من علماء الإسلام على مر العصور وجود بدعة حسنة .
أقول : حبذا لو ذكر لنا المعترض أسماءهم لنعرف هل هم من أهل السنة والجماعة أم من الوهابية ؟ فإن كانوا من أهل السنة فكلامهم معارض بكلام الأئمة من السلف والخلف ، ولا نترك قول الإمام الشافعي رضي الله عنه وأتباعه لقول الشاطبي رحمه الله ولا غيره ممن لم يبلغ رتبة الإمامة والاجتهاد المطلق ، وإن كانوا من الوهابية أو غيرهم من المبتدعة فلا يكون كلامهم حجة على أهل السنة لاختلاف ما بينهم في العقائد والأصول ، ونحن مع أئمتنا من أهل السنة والجماعة ولا نترك اتباعهم لقول المبتدعة ، فإن أئمتنا الأنف وغيرهم الأذناب :
~ قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
لقد جاء في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه كان إذا لم يجد نصاً في المسألة أخذ بقول الإمام الشافعي رضي الله عنه ، قال أحمد بن حنبل: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبرا، قلت فيها بقول الشافعي، لأنه إمام قرشي، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " عالم قريش يملأ الأرض علما " إلى أن قال أحمد: وإني لأدعو للشافعي منذ أربعين سنة في صلاتي {سير أعلام النبلاء ج10} فأين الوهابية من عمل الإمام أحمد رحمه الله هذا ومن الاقتداء به في ذلك ؟
8- ثم قال المعترض : لأنَّ البدعة الممنوعة هي كل ما أضاف إلى الدين شيئاً ، وجمع القرآن لم يضف شيئاً وإنما دوّن ووثق النص الموجود .
أقول : من أين للمعترض هذا التعريف للبدعة ؟ وما دليله ؟ ومن الذي قاله من العلماء المعتبرين ؟
لو قال : هي كل ما أضاف إلى الدين شيئاً ليس منه لسلم له ذلك ، أما هذا الإطلاق فمردود بالأحاديث النبوية المتقدمة وبعمل الصحابة رضي الله عنهم وأئمة التابعين من بعدهم رحمهم الله تعالى .
ومما أحدث الصحابة رضي الله عنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ويسمى بدعة محمودة أو سنة حسنة سوى جمع القرآن الكريم في عهد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وقد قال العلامة ابن بطّال رحمه الله تعالى في ذلك : إنما تردّد أبو بكر رضي الله عنه أولاً ثم زيد بن ثابت رضي الله عنه ثانياً لأنهما لم يجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله فكرها أن يُحلّا أنفسهما محلّ من يزيد احتياطه للدِّين على احتياط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما نبههما عمر رضي الله عنه على فائدة ذلك ، وأنه خشي أن يتغير الحال في المستقبل إذا لم يجمع القرآن فيصير إلى حالة الخفاء بعد الشهرة ، رجعا إليه ، قال : دلّ ذلك على أنّ فعل الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تجرّد عن القرائن وكذا تركه لا يدل على وجوب ولا تحريم ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : ليس ذلك من الزيادة على احتياط الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو مستمد من القواعد التي مهّدها الرسول صلى الله عليه وسلم .
وقال ابن الباقلاني رحمه الله تعالى : وقد فهم عمر رضي الله عنه أنّ ترك النبي صلى الله عليه وسلم جمعه لا دلالة فيه على المنع ، ورجع إليه أبو بكر رضي الله عنه لما رأى وجه الإصابة في ذلك ، وأنه ليس في المنقول ولا في المعقول ما ينافيه .
أقول : وللشيخ المحدث الغماري رحمه الله رسالة قيمة سماها – الدرك في أحكام الترك – فلتراجع .
ومن ذلك المحدث في عهد الصحابة رضي الله عنه :
1- كتابة المصحف الشريف على حرف قريش ولهجتها ، ونسخ القراءة ببقية الحروف واللهجات السبعة ، وذلك في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه .
2- جمع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الناس على إمام واحد في قيام رمضان عشرين ركعة وقال : ﴿ نعمت البدعة هذه ﴾ ففي الموطأ وغيره عن يزيد بن رومان قال : ﴿ كان الناس يقومون في زمن عمر رضي الله عنه في رمضان بثلاث وعشرين ركعة ﴾ فماذا يقول المعترض ومن معه في زيادة ركعات قيام رمضان من قبل سيدنا عمر رضي الله عنه ، هل هي زيادة في الدين ؟ وبدعة ضلالة ؟ وفاعلها في النار ؟
3- اتفاق الصحابة رضي الله عنهم على حدِّ شارب الخمر ثمانين جلدة في عهد عمر رضي الله عنه ، ففي البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بالجريد والنعال وجلد أبو بكر أربعين وفيه : حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين ، حتى عتوا وفسقوا جلد ثمانين .
4- إمضاء عمر رضي الله عنه طلاق الثلاث ثلاثاً في غير المدخول بها قياساً على المدخول بها .
﴿ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَبُو الصَّهْبَاءِ كَانَ كَثِيرَ السُّؤَالِ لِابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَلَى كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ تَتَابَعُوا فِيهَا قَالَ أَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ ﴾{سنن أبو داود برقم:1880}
.
5- أذان عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة بالزوراء عند دخول وقت الظهر .
فهل هذا الأذان زيادة في الدين وبدعة ضلالة وفاعلها في النار ؟
وهذا الذي أحدثه الصحابة رضي الله عنهم يسمى السنة الحسنة وسنة الخلفاء الراشدين ، وفي الحديث الصحيح : ﴿ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ فسمَّى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك سنة ولم يسميه بدعة ضلالة وبهذا يثبت تخصيص عموم قوله / كل بدعة ضلالة / فيكون من العام المخصوص كما سيأتي .

9- ثم قال المعترض : والذي يجب أن يعلمه الجفري أنّ استدلاله بوجود بدعة حسنة لا بدّ له من أن يعتمد على قاعدة عامّة صحيحة ...الخ .
أقول : ليس الحبيب الجفري هو أول من قال بوجود بدعة حسنة واستدل على ذلك بل هو مذهب جمهور علماء الأمة من عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يومنا هذا ، وقد تقدم قول الإمام الشافعي رضي الله عنه وهو من أئمة السلف في القرن الثاني الهجري .
ثم قال : حتى لو خُصصت فيجب أن يكون التخصيص مبنياً ... الخ .
أقول : في كلام المعترض اعتراف بتخصيص عموم حديث : ﴿ كل بدعة ضلالة ﴾ وبوجود مذهب للعلماء في المسألة يقولون بتخصيص عمومه وهو الحق الذي عليه الجمهور .
فقوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ كل بدعة ضلالة ﴾ عامٌ مخصوص ، خُص منه سنن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وسنن الأئمة المجتهدين رحمهم الله تعالى :
آ- ودليل تخصيص عمومه في حق سنن الخلفاء الراشدين قوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ﴾ الحديث .
ب- ودليل تخصيص عمومه في حق سنن الأئمة المجتهدين قوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
{صحيح مسلم برقم:1691} وليس كل مسلم يحق له أن يسن فتعين أنّ المراد أولوا الأمر الذين يجب الرجوع إليهم في أحكام الوقائع والنوازل وهم علماء الاجتهاد والاستنباط الذين قال الله فيهم : ﴿ َلعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾{النساء:83}
ومراتب أولئك المجتهدين المعتبرة ستة من أصل السبعة التي ذكرها خاتمة المحققين الحنفية الشيخ ابن عابدين رحمه الله في حاشيته وهي :
1- طبقة المجتهدين في الشرع كالأئمة الأربعة رضي الله عنهم ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول .
2- طبقة المجتهدين في المذهب كأبي يوسف ومحمد القادرين على استخراج الأحكام من الأدلة على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم .
3- طبقة المجتهدين في المسائل التي لا نصَّ فيها عن صاحب المذهب كالخصاف وأبي جعفر الطحاوي وأبي الحسن الكرخي وشمس الأئمة الحلواني وشمس الأئمة السرخسي وفخر الإسلام البزدوي وفخر الدين قاضي خان وأمثالهم .
4- طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كالرازي وأضرابه .
5- طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين كأبي الحسين القدوري وصاحب الهداية .
6- طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر المذهب والرواية النادرة كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين ، وأمثال هؤلاء في الطبقات الستة المذكورة في مذاهب الشافعية والمالكية والحنابلة .
فما سنّه إمام مجتهد أو تلقاه علماء الاجتهاد والاستنباط بالقبول وسكتوا عنه ولم ينكروه يكون سنة حسنة ويسمى سنة الفقهاء وكما جاز ذلك قياساً في الأمور الفقهية يجوز في الأمور السلوكية التربوية التي سنّها أئمة أهل التصوف المجمع على إمامتهم كالإمام الجنيد وأتباعه من الأئمة ويسمى ذلك سنة المشايخ ، ويكون من السنن الحسنة المأذون بها من النبي صلى الله عليه وسلم القيام بها ودعوة الناس إليها كالذكر الجماعي وقراءة الأوراد المترتبة على الأوقات وغير ذلك .
ولقد اتبع الأئمة الأربعة المجتهدين رضي الله عنهم كل من جاء بعدهم من علماء المسلمين في الأصول والفروع ، كما اتبع أولئك العلماء أولياء الله تعالى أئمة التربية والإرشاد وكانوا على طرقهم كالشيخ عبد القادر الجيلاني والشيخ أحمد الرفاعي والشيخ إبراهيم الدسوقي والشيخ أحمد البدوي والشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهم وخلفائهم ، فكل ذلك من السنن الحسنة عند أهل السنة والجماعة .
10- ثم قال المعترض : ونحن لا نجد عملياً الصوفية يقولون عن أي أمر بدعة محرمة لا يقولون ذلك أبداً .
أقول : وذلك لأن الصوفية بنوا مذهبهم على الورع والاحتياط فليس في طرقهم بدعة محرمة أو مكروهة ، وإنما عندهم البدع المباحة والمندوبة والواجبة ، فالصوفية يتمسكون بالمندوب كما تتمسك العامة بالواجبات ويجتنبون المكروه وخلاف الأولى كما تتجنب العامة المحرمات .
أما ما يرونه عند غيرهم من البدع المحرمة في العقائد وغيرها فإنهم لها منكرون ، وأكبر دليل على ذلك الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى وهو من خلفاء الطريقة الشاذلية ومن شراح الحكم العطائية وصاحب كتاب – قواعد التصوف – فقد ألف كتاباً سماه – عدة المريد الصادق – ذكر فيه ما يتعلق بالبدع وقواعدها وما دخل على الطرق الصوفية منها والتي يقوم بها الجهال والأدعياء والدُّخلاء على التصوف وأهله ، فليقرأ لزاماً .

11- ثم قال المعترض : وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري 13/253 أنّ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كان ينكر بشدة تدوين ما يتعلق بأعمال القلوب وكان يعدّه من البدع .
أقول : عبارة الحافظ ابن حجر كما جاءت هذا نصها : فَمِمَّا حَدَثَ تَدْوِين الْحَدِيث ثُمَّ تَفْسِير الْقُرْآن ثُمَّ تَدْوِين الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّة الْمُوَلَّدَة عَنْ الرَّأْي الْمَحْض ثُمَّ تَدْوِين مَا يَتَعَلَّق بِأَعْمَالِ الْقُلُوب ، فَأَمَّا الْأَوَّل فَأَنْكَرَهُ عُمَر وَأَبُو مُوسَى وَطَائِفَة وَرَخَّصَ فِيهِ الْأَكْثَرُونَ وَأَمَّا الثَّانِي فَأَنْكَرَهُ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ كَالشَّعْبِيِّ ، وَأَمَّا الثَّالِث فَأَنْكَرَهُ الْإِمَام أَحْمَد وَطَائِفَة يَسِيرَة وَكَذَا اِشْتَدَّ إِنْكَار أَحْمَد لِلَّذِي بَعْده .
وليس فيه / وكان يعده من البدع / بل هي زيادة من المعترض وافتراء وهذه الزيادة موهمة أن الإمام أحمد رحمه الله ينكر علم القلوب ويعده من البدع وليس كذلك ، فالذي أنكره الإمام أحمد بشدة تدوين علم القلوب ولم ينكر علم القلوب كما أنكر تدوين المسائل الفقهية ولم ينكر تلك المسائل وأنكر غيره تدوين الحديث والتفسير ولم ينكروا الحديث والتفسير ، فالمحدث هو التدوين لهذه العلوم وليس العلوم ذاتها .
إن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه جمع الله له العلم والورع كغيره من أئمة السلف الصالحين ، ومن ورعه أنكر تدوين ما يتعلق بأعمال القلوب درءاً لمفسدتين :
1-خشية أن يدّعيها من لم يتحقق بها ممن ليس من أهلها فيقع في الكذب
2-خشية أن يفهمها جاهل على غير وجهها فتكون سبب فتنته ، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
وقد دلت الأحاديث الشريفة على درء أمثال هاتين المفسدتين : فادعاء ما لم يتحقق به الإنسان أوعد عليه في الحديث : ﴿ الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ {صحيح البخاري:4818} ، وتحديث الناس بما يفهمون واتقاء ضده مطلوب في الشرع ففي صحيح مسلم من قول عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه : ﴿ مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً ﴾ وفي صحيح البخاري من قول سيدنا علي رضي الله عنه : ﴿ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾
وقد هجر الإمام أحمد رحمه الله الإمام الحارث المحاسبي رحمه الله وهو من هو في العلم والتصوف بسبب أنه كان يردُّ على المبتدعة بدعهم ولما سأله عن سبب هجره قال : أوليس تذكر بدعتهم .
فإذا كان الإمام أحمد هجر المحاسبي رحمهما الله تعالى لأنه يذكر بدعتهم عند الردّ عليهم وربما يكون ذلك متعيناً عليه ، أفلا يكون من باب أولى على مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن نهجر من يدعو إلى البدعة الضلالة في العقائد وغيرها ويروِّجها وينشرها كالمعترض وأمثاله الذين يؤلفون الكتب في البدع الضلالات التي عليها الوهابية المخالفون لأهل السنة والجماعة ؟ بلى ونحن على مذهبه في ذلك وإننا لهم هاجرون ومبغضون في الله حتى يتوبوا إلى الله عن بدعتهم وضلالاتهم .
وقد ألف الشيخ ابن تيمية والشيخ ابن القيم رحمهما الله مؤلفات تتعلق بأعمال أهل القلوب وشاركا أهل التصوف في مصطلحاتهم فهل يعتبر المعترض مؤلفاتهم تلك بدعة ويجري عليها الحكم نفسه ويفتي بإتلافها وحرقها ؟ وتقدم أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان فيما لا نصّ فيه يفتي بقول الإمام الشافعي رضي الله عنه ، فهل يتّبع المعترض ومن معه الإمام أحمد رحمه الله فيتبعون الإمام الشافعي رضي الله عنه في علم الأصول وغيره وفي تعريف البدعة وتقسيمها ؟ أم يبقى مصراً على مخالفة الإمامين الجليلين الشافعي وأحمد ، ومتبعاً لمن لم يبلغ درجتهما في الاجتهاد والعلم والورع ؟

12- ثم قال المعترض : وهذا الإنكار من الإمام أحمد رحمه الله إنما هو لكتب الأوائل فما بالك بكتاب الجفري ؟
أقول : تأليف الكتب عند السلف الصالح وفي عهد الأئمة والزمن زمن ظهور أهل الحق لكثرتهم وقلة المبتدعة كانوا يتركونه تورعاً كما ترك الصحابة والتابعون كتب الحديث وجمعه لأسباب يعلمها طلاب العلم ثم كتبوه وجمعوه جزاهم الله خيراً ، وكذلك بعد عصر الأئمة بدأ العلماء يكتبون ويؤلفون في العلوم وأعمال القلوب ليحفظوا على الأمة دينها وليحصنوها من المبتدعة وغيرهم إلى أن صار التأليف والكتابة في الأزمنة المتأخرة – والتي هي أزمنة الانحطاط وانتشار الفساد – متعيناً على القادرين المتأهلين له ، وإنني أظن أنّ الإمام أحمد رحمه الله لو رأى ما في زمننا من فساد القلوب والأعمال واطّلع على كتاب الحبيب الجفري لشكره على ذلك وقال له : جزاك الله خيراً ، ولو اطّلع على كتاب المعترض وما فيه مما خالف فيه الحق وأهله لردّ عليه أشدَّ الرد وتبرأ منه ومن أمثاله ونصح الأمة بهجرتهم في الله تعالى إلى أن يتوبوا ، هكذا ظني بالإمام أحمد رحمه الله – وعند الله تجتمع الخصوم – ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾{الشعراء:227} .
وشتّان ما بين كتاب الحبيب الجفري الممتلئ بالنصائح والإرشاد وبين كتاب المعترض الممتلئ بالأخطاء العقائدية والحديثية والضلالات التي نسبها إلى أهل التصوف الكرام كذباً وزوراً ، وهم منها برآء .

13- ثم قال المعترض : وروى الحسن البصري رحمه الله عن سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال : كن عالماً أو متعلماً أو محباً أو متبعاً ولا تكن الخامس فتهلك فقيل للحسن : وما الخامس : قال المبتدع .
أقول : الحمد لله الذي عافانا أهل السنة والجماعة من فقهاء وصوفية من البدع التي ابتلي بها الوهابية وكانوا بسببها من الهالكين كما قال سيدنا أبو الدرداء رضي الله عنه .
وللتنبيه : قول / رحمه الله / زيادة من عندي على كلام المعترض لأنه لم يترحم على السلف من التابعين عند ذكرهم إلا نادراً ا.هـ